اندرجت، سقطت، والواجب دية النفس فحسب. ونصُّ الشافعي في قطع يدٍ وقتلٍ يدل على أن نسبة أرش الطرف ليس معتبراً، فإنه قال: "لو قطع يداً خطأ، وقتل عمداً، فالواجب ديةٌ نصفها مخففة ونصفها مغلظة" ولو كان ذلك على شبه الأرش، لقيل: موجَب النفس دية، وموجَب الطرف نصف دية، فتوزع الدية على دية ونصف أثلاثاً، [ولمّا لم يقل ذلك] (١)، دلّ على أن التعويل على التنصيف كيف فرض الجرح. هذا تفريعٌ على اعتبار صفة الطرف مع النفس.
فإن قلنا: الاعتبار بصفة النفس كيف فرض الأمر، فهو قياس سديد، كما قدمنا ذكره.
وقد انتجز الغرض من هذا الطرف.
١٠٣٢١ - ومما نفرعه على النص أنه إذا قطع يدي رجل عمداً، ثم عاد وقتله عمداً أيضاًً، فالنص أن الواجب دية واحدة، والقصاص لا يتداخل، ثم إذا اختار الولي القطعَ، قطع اليدين، وله القتل بعد القطع، ثم إن أراد العفو، سقط القصاص، ولم يثبت المال أصلاً، فإن القصاص في الطرف قابَلَ ديةً كاملة، فكأنه استوفى تمام الدية، وقد ذكرنا أن الواجب دية واحدة، وهذا من غرائب المذاهب، [فإنا أثبتنا] (٢) القصاص في النفس بعد استيفاء الطرف، ثم لم نثبت مرجعاً إلى الدية.
هذا ظاهر المذهب، وحقيقته ترجع إلى أن القصاص لا يندرج، والدية واحدة واليدان يقابِلان ديةً كاملة، فإذا استوفاهما، ثم أراد الرجوع إلى المال، لم يجد إليه سبيلاً، فإن في ذلك إحباطَ القصاصِ المستوفى في اليدين، وعلى هذا لو استوفى القصاص من إحدى اليدين وعفا ليس له إلا نصف الدية، فإنه استوفى ما يقابل نصف الدية.
وهذه التفريعات فيها تعقُّد، وسببه ما في أصله من الإشكال؛ فإن القياس [ما] (٣) اختاره ابن سريج في أصل المذهب.
стр. 8262
وقد قال صاحب التقريب: من أصحابنا من قال في التفريع على النص: إذا قطع وليُّ القصاص اليدين، وبقي حقه في النفس، فله الرجوع إلى الدية الكاملة، ولا يقع القصاص [في اليدين] (١) موقع الدية، وليس في المصير إلى ذلك ما يخالف القياسَ؛ فإن القصاص على النص لا تداخل فيه، فهو يجري على موجبه، والدية تجب في النفس بكمالها، وإذا أراد العفوَ والأطرافُ ساقطة الاعتبار في الدية، وهي مرعية في القصاص، فليقع القصاص فيها عن جهة القصاص، ولتبق الدية الكاملة إذا فرض العفو عن النفس.
وهذا منقاس فقيه، [ولعلي] (٢) أعيده في أحكام موجب العمد إن شاء الله.
فصل
قال: "ولو تداوى المجروح بسمّ ... إلى آخره" (٣).
١٠٣٢٢ - هذا الفصل مشتمل على مراتب الشركة في القتل، وهو من أصول الكتاب، وقد قدمنا أنه إذا اشترك جماعة، فقتلوا شخصاً عمداً، وجب القصاصُ عليهم، ولو جرح رجل رجلاً خطأ، وجرحه آخرُ عمداً، فلا قصاص على العامد الذي شريكه خاطىء، خلافاً لمالك (٤)، فإنه أوجب القصاص على العامد، وقدّره كأنه منفرد بالجرح؛ إذ لو لم يكن كذلك، [لما وجب ولا التُزم القود] (٥)، وهذا مذهب المزني واختياره.
وكنت أود لو كان هذا قولاً معدوداً من المذهب.
ولو اشترك في القتل أبُ القتيل وأجنبي، فيجب القصاص على شريك الأب
стр. 8263
عندنا، خلافاً لأبي حنيفة (١) والمسألة مشهورة في الخلاف.
فإذا كان شريكه عامداً غيرَ ضامن، مثل أن يجرح الشخصَ حربي جراحة، ثم يجرحه ضامنٌ جراحةً، ففي وجوب القصاص على الضامن قولان، فعماد المذهب أن شريك الخاطىء لا قصاص عليه، ويجب القصاص على العامد الضامن الذي هو من أهل استيجاب القصاص إذا كان شريكه عامداً ضامناً، وإن لم يكن من أهل استيجاب القود كالأب. وإن شارك من يستوجب القودَ عامداً ليس من أهل الضمان أصلاً، ففي المسألة قولان.
ثم الصور تصدر عن هذه القواعد، ونحن نذكرها مرسلة، ونلحق كل صورة بأصلها، ثم نرتبها، ونذكر صوراً فيها تردد ونستعين بالله.
١٠٣٢٣ - فإذا شارك العبدُ حُرّاً في قتل عبد وسقط القصاص عن الحر، فيجب على العبد؛ لأن شريكه ضامن عامد.
وكذلك إذا شارك الذميُّ مسلماً في قتل ذمي، وكذلك إذا شارك الأجنبيُّ الأب في قتل ابنه، فالقصاص يجب على الشريك في هذه الصورة.
ولو جرح رجل مرتداً، فأسلم المرتد، فجرحه رجل آخر في الإسلام، ومات [من] (٢) الجراحتين، فالذي جرح في الإسلام شاركَ عامداً غيرَ ضامن؛ فإن الجراحة في الردة لا يتعلق بها ضمان، ففي وجوب القود على الجارح في الإسلام قولان.
وكذلك لو جرح حربياً، ثم أسلم فجرحه بعد الإسلام من يلتزم القود، فمات من الجراحتين، فقولان.
وكذلك لو قطع الإمام يد السارق، ثم جرحه عامدٌ من أهل التزام القصاص عمداً، فمات من الجراحتين، وكذلك لو قطعت يده قصاصاًً، ثم جرحه آخر عمداً ظُلماً، وكذلك لو جرح ذمّي حربياً، فعقدنا للمجروح الذمةَ، فجرحه بعد الذمة ذميٌّ ظلماً عمداً.
стр. 8264
فهذه صورة القولين.
ولو جرح عبد عبداً، وجرحه مولاه جرحاً، فمات من الجرحين، فالسيد ضامن للكفارة، ولا يضمن غيرها، وقد اختلف أصحابنا في ضمان الكفارة، فمنهم من ألحقه بضمان الدية، فعلى هذا يجب على شريك السيد القودُ قولاً واحداً، ومنهم من لم يعتبر ضمان الكفارة، فعلى هذا شارك من ليس ضامناً معتبَراً، فتخرج المسألة على قولين.
ولو جرح إنساناً جُرحَ قصاص، فجرح المجروح [نفسَه] (١)، فنقول أولاً:
١٠٣٢٤ - من قتل نفسه هل يلتزم الكفارة؟ فعلى وجهين سيأتي ذكرهما في الكفارات -إن شاء الله فإن قلنا: لا يلتزم الكفارة، فمن شاركه، فقد شارك عامداً غير ضامن، فتخرج المسألة على قولين. وإن قلنا: يلتزم قاتلُ نفسه الكفارةَ، فهذا يخرج على أن ضمان الكفارة هل يعتبر؟ فإن قلنا: هو معتبر، قطعنا بوجوب القصاص على شريكه، وإن لم نعتبر ضمانَ الكفارة، ففي المسألة قولان، كما قدمنا.
وشريك الخاطىء لا قصاص عليه قولاً واحداً.
وفي شريك السبع -وهو الذي يجرح مَنْ جرحه سبعٌ - طريقان: من أصحابنا من قال: هو شريك عامدٍ غيرِ ضامن، فتخرج المسألة على قولين.
ومنهم من قطع بنفي القصاص، فإن حقيقة العمد لا تثبت للسبع، وهذا ما ارتضاه القاضي وكلُّ محقق.
ومن جرحه صبي، وجرحه مَنْ هو من أهل التزام القود، فأمره يُبنى على أن الصبي هل له عمد؟ فإن جعلناه عمداً، كما سيأتي شرح ذلك، فعلى شريكه القود؛ فإنه شارك عامداً ضامناً، وإن قلنا: لا عمد له، فلا قصاص على شريكه قولاً واحداً.
١٠٣٢٥ - وما صورناه في شريكين يمكن تصويره في شخص واحد يصدر منه جرحان على وجهين مختلفين، فنقول: إذا جرح رجل رجلاً جراحةً خطأ، وجرحه
стр. 8265
جراحةً عمداً، فمات بالجُرحين، فلا قصاص في النفس، ويجب نصف الدية مخففاً على العاقلة، [ونصفها] (١) مغلظاً في ماله.
ولو جرح السيد عبده [عمداً] (٢)، ثم أعتقه، وجرحه في الحرية، ومات بالجرحين، فلا قود قولاً واحداً، ولا نقول: الجراحة الثانية عمد مُضمِّن، والأولى غيرُ مضمِّنة، ولكنها عمد [فتخرج] (٣) على قولين، كما لو تعدد الجارح وأحدهما غير ضامن (٤)؛ فإنه إذا صدر من شخصٍ واحد جراحتان، ولا ضمان في إحداهما، فينتهض ذلك سبباً في درء القصاص عنه لا محالة، فليتأمل الناظر ما ينتهي إليه، [ففعله] (٥) إذا انضم إلى فعله، امتزجا.
وكذلك لو جرح مرتداً، ثم أسلم المجروح، فجَرَحه في الإسلام، وكذلك لو جرح حربياً، فأسلم المجروح، فجَرَحه ذلك الجارح في الإسلام مرة أخرى، فلا قصاص في [هذه] (٦) المسائل.
وكذلك لو قَطع يده قصاصاًً، وجرحه جرحاً آخرَ ظلماً، فمات منهما، فلا قصاص في [النفس] (٧)، ولا نجعل الإنسان بأحد فعليه شريكاً لنفسه في الفعل الآخر (٨).
ولو جرح مسلم ذمياًً، فأسلم المجروح، فجَرَحه المسلمُ جرحاً آخر، فمات من الجرحين جميعاً، فلا قصاص في النفس، فإن كان الجرح الأول عمداً مضموناًً، فقد
стр. 8266
ذكرنا أن من شارك عامداً ضامناً لا قصاص عليه، فالشريك ملتزم القصاص، إذا كان من أهل التزامه، وإذا اتحد الجارح، انتفى القصاص لا محالة.
١٠٣٢٦ - فانتظم مما ذكرناه أن الجرحين من شخص واحد إذا كان لا يتعلق القصاص بأحدهما، فلا يجب القصاص على الجارح إذا كان الزهوق بالجرحين جميعاً قولاً واحداً، سواء كان أحدُ الجرحين خطأ أو عمداً، وسواء كان الواقع عمداً موجِباً للضمان أو غيرَ موجِب له.
وإذا تعدد الجارح وأحدهما مخطىء، فلا قصاص على الثاني.
وإن كان الشريك عامداً ضامناً للدية غيرَ مستوجب للقود، فالقود يجب على الشريك الذي يلتزم القود.
وإن كان الشريك عامداً غير ضامن، ففي شريكه قولان.
وإن كان ضامناً للكفارة، فطريقان.
هذا بيان المسائل في الشركة، وترتيبها.
١٠٣٢٧ - ولو جرح رجلاً، فداوى نفسَه بسمّ، وهذا مسألة الكتاب، فنقول: أولاً إذا كان السم مذففاً مُجْهزاً، وحصل الموت به وحده، فلا قصاص على الجارح، وإنما عليه أرشُ الجراحة فحسب، فإنه لم يشارك في النفس قطعاً، وإن لم يكن السم مُجْهزاً، وأمكن أن يقال: يحصل الموت [بالجرحِ واستعمالِ السم، فالجارح شريك في النفس] (١)، وفيه التفصيل الذي ذكرناه.
ومنهم من قال: إذا قصد المداواةَ، فإنما صدر منه ما صدر استصلاحاً، فيكون في رتبة الخطأ، فلا قصاص على الشريك قولاً واحداً كشريك الخاطىء، فإن المتداوي بعيدٌ عن الظلم والعدوان، وعلى هذا شريك من قطع يداً حدّاً أو قصاصاًً، ينبغي ألا يلتزم القود قولاً واحداً؛ فإنه شريكُ مُحِقٍّ، فيخرج في هذا النوع طريقة في القطع بنفي القصاص عن الشريك.
стр. 8267
ولو جرح رجلاً، فخاط المجروح جرحه في لحمه الحيّ، وحصل الموت من الجرح والخياطة في ظاهر الأمر، فهذا شريك [في] (١) النفس، ولكن إذا قصد المعالجة، فتخرج الطريقةُ الأخرى التي ذكرناها، وإن خاط ووقع الخيط في لحمٍ ميتٍ، فلا أثر لذلك أصلاً.
١٠٣٢٨ - ومما يتعلق بفصول الشركة، وهو من أهمّ ما يجب الاعتناء به تفصيلُ المذهب [فيه] (٢) إذا تمالأ أقوام على رجل وضربه كل واحد منهم سوطاً خفيفاً، وكانت جملةُ السياط بحيث يقصد بها القتل غالباًً، فنتكلم في القصاص، ثم نبني عليه حكمَ الضمان في هذه الصورة.
١٠٣٢٩ - ونذكر أولاً إلزام أصحاب أبي حنيفة إيانا هذه المسألة في القتل بالمثقل؛ فإن معتمدنا في المسألة نِسبتنا إياهم إلى هذه القاعدة في القصاص، فإنه شرع لدفع الهرْج وحقن الدماء، وما ذكروه تسهيل الوسيلة إلى إهدار الدماء وسفكها، فألزمونا المسألة التي ذكرناها، وقالوا: إن درأتم القصاص، بطل معوّلكم في إلزامنا الهرْج، وإن أوجبتم القصاص، أدّى إلى مذهب فاسد؛ فإن كل واحد منهم، لم يصدر منه ما لو انفرد، [لاستوجب] (٣) به القصاص.
وقد اضطرب أصحابنا في المسألة، فقال بعضهم: يجب القصاص من غير تفصيل، حتى لا يؤدي إلى ما ذكروه من الهرْج.
وقال آخرون: لا يجب القصاص أصلاً لما أشعروه، كما أشرنا إليه وسنزيده كشفاً.
وقال بعضهم: إن كان هذا عن تواطؤ، وجب القصاص عليهم، وإن لم يكن بينهم تواطؤ، فلا قصاص أصلاً، وهذا اختيار القاضي.
١٠٣٣٠ - ولست أرى شيئاًً مما ذكرته من المذهب، وإن اشتهرت الحكاية فيها،
стр. 8268
والوجه القطع بأنه إذا لم يكن مواطأة، فلا قصاص عليهم أصلاً، والسبب فيه أن فعل كل واحد في نفسه ليس عمداً مقتضياً للقود، فإذا فرضنا ذلك من جميع، فلا جمعَ نفرض الكلام فيهم من هؤلاء إلا وهم شركاء واحدٍ يشار إليه، وفعلُه ليس عمداً في نفسه، ولا قصاص على شركاء الخاطىء، ولا على شركاء صاحب شبه العمد، فكيف ينساغُ تقدير [العمد فيما ذكرناه] (١)، ولا يصير إلى إيجاب القود من غير تواطؤ إلا مستهينٌ [بقواعد] (٢) المذهب، أو غيرُ دَرِب بها.
فأما إذا تواطؤوا، فيجب أن يكون في وجوب القود وجهان: أحدهما - أنه لا يجب القصاص، وهو القياس؛ لأن إيجابه يؤدي إلى إيجاب القصاص على شركاء شبه العمد، وهذا [لا دراء له] (٣)، وليس كما لو جرح كلُّ واحد جراحةً؛ فإن القصاص إنْ وجب عليهم، فكل واحد منهم عامد، وشركاؤه عامدون مشاركون عامداً، ولا بُعد في إيجاب القصاص على شريك العامد.
ومن صار إلى أن القصاص يجب عليهم إذا [تواطؤوا] (٤)، احتج بأن هذا قصدٌ من جميعهم -بطريق التواطؤ- إلى القتل، فصاروا كالقاصد الواحد إذا والى عليه بالسياط، وقد يتعلق هؤلاء أيضاًً بالقاعدة الكلية في إفضاء نفي القصاص عنهم إلى الهرْج.
وهذا قد يجاب عنه بأن تواطؤ مائة أو مائتين على أن يضرب كل واحد سياطاً معدودةً غريب في التصوير، والذريعةُ هي التي يسهل تصورُها ويهون إمكانها، ويعم وقوعها.
وما ذكرناه من أن التواطؤ يجعل المقصود كالقصد الواحد يعضده ويؤيده أن الرجل [لو والى بين] (٥) السياط حتى يفضي إلى الإهلاك، فالقصاص يجب وفاقاً، وكل ضربة لا تتصف بكونها عمداً محضاً في القتل.
стр. 8269
ومن جرح خطأ، ثم عاد فجرح عمداً، وسرت الجراحتان، فلا قصاص، ثم جعلت الأفعال عندنا كالفعل الواحد، فليكن الأمر كذلك من طائفةٍ متواطئين.
هذا منتهى الغرض في ذلك.
ثم إن أوجبنا القصاص عند التواطؤ، فيصير كل واحد منهم في حكم العامد في القتل بسبب الشركة، وإن لم يوجد منهم ما هو عمد -في القتل- محضٌ، وهذا بمثابة إيجابنا القصاص على الجارحين جميعاً، وتقديرِنا كلَّ واحد منهما قاتلاً، مع القطع بأنه ليس ينفرد بالقتل.
١٠٣٣١ - ثم إن لم نوجب القصاص، فنوجب الضمان لا محالة، وربما يكون فعل كل واحد منهم بحيث لا يتعلق به لو انفرد قصاص ولا ضمانٌ أصلاً، ولكن إذا اجتمعت، حصل الإهلاك بالكل، فيصير الفعل بسبب المشاركة مضمِّناً، وإن كان لو انفرد، لم يتعلق به حكم أصلاً، فإذا اشتركوا بالجراحات، فيصير كل واحد كالمنفرد بالقتل، وإن لم يكن كذلك.
فإن أوجبنا القصاص على المشتركين، فيصير كل واحد منهم بسبب الشركة عامداً، وإن كان فعله لا يصلح للعمد لو انفرد، وإن لم نوجب القصاص، فنوجب الضمان، ونجعل فعلَ كل واحد منهم مؤثراً، وإن لم يكن مؤثرأ أصلاً لو فرض انفراده. فهذه مراتب تأثير الشركة.
١٠٣٣٢ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن قائلاً لو قال: إن كنتم تتماروْن في الأوّلين (١)، فالذي يضرب [آخراً] (٢) مثلاً يصادف ضرْبُه مَنْ ضَعُفَ بالضربات الأولى، فيكون هذا الضربُ في هذا المحل مما يُعمَدُ به القتلُ غالباً. قلنا: وإن كان كذلك، فالضربات الأولى خطأ أو شبه عمد، والمتأخر، وإن وقع فعله بضعيفٍ، فقد شاركه من وقع فعله شبهَ عمد.
стр. 8270
وإن فرض هذا السؤال في غرضٍ آخر -وهو أن الأول صدر منه ما لا يؤثر- قلنا: قد صيّره الأولُ بفعله بحيث يقتل التأثيرُ بالضرب المتأخر، فتحقق الاشتراك من الكل، بهذا الوجه الذي ذكرناه، وقد انتجز المقصود من الفصل.
فصل
١٠٣٣٣ - إذا جرح رجل رجلاً جراحة، وجرحه الثاني جراحتين، وسرت الجراحات إلى الموت، وآل الأمر إلى المال، فالتوزيع يقع على الجارحَيْن، والدية تجب نصفين، ولا ننظر إلى أعداد الجراحات.
ولو جرحه أحدهما وأشلَى عليه الآخر سبعاً، فعضه عضة غير [مذفِّفة] (١)، وأنهشه الآخر حيّةً غيرَ مُجْهزة، فهذان السببان منه بمثابة جرحين، ولا اعتبار بالتعدد فيهما، وإنما النظر إلى اتحاد الجاني بهما.
ولو جرح رجل رجلاً جراحة، وعضه سبع عضة من غير إشلاء من أحد، ونهشته [حية] (٢) من غير إنهاشٍ من أحد، فالجارح شريك [السبع] (٣) والحية، فإذا آل الأمر إلى المال، ففيما يجب على الجارح وجهان ذكرهما العراقيون: أحدهما - أن الواجب عليه ثلث الدية، فإنه شارك شخصين: سبعاً وحية، فصار كما لو شارك رجلين.
والثاني - أنه يلتزم نصف الدية، وإذا لم يكن الشريك آدمياً، فلا نظر إلى عدد الأسباب، بل الجميع منها بمثابة سبب واحد في مقابلة جرحٍ من الآدمي. وهذا الخلاف يمكن أن يُتلقى مما ذكرناه من التردد في أن صفة فعل السبع [هل] (٤) تراعى؟ وقد ذهب طائفة، وهم الأكثرون إلى أنه يراعى صفة فعل السبع والحيّة؛ حتى لو تعمد، فالإنسان شارك عمداً محضاً غير مضمون، ففي القصاص قولان. وإن اتفق سقوط السبع على إنسان من غير قصد منه، فالرجل شارك خاطئاً، فلا قصاص عليه قولاً واحداً.
стр. 8271
وذهب المحققون إلى أن عمد السبع لا مبالاة به، وهو كالخطأ كيف فرض الأمر، فإن كانت أفعال السبع لا تختلف، [فلا نعتبر] (١) أعدادها، وإن كانت تختلف، فلا [ننكر] (٢) اعتبارَ أعدادها. والله أعلم.
فصل
قال: "ولو قطع يد نصراني، فأسلم، ثم مات، لم يكن فيه القود ... إلى آخره" (٣).
١٠٣٣٤ - مضمون الفصل الكلام في التغايير التي تلحق المجني عليه، والكلام في الجرح وما يقع [بعده من] (٤) تغيّرٍ في المجروح، وفي [الرمي] (٥) وما يقع من تغيّر المرميّ قبل وقوع السهم، فنذكر الجرحَ ونستقصي ما فيه، ثم نذكر الرميَ إن شاء الله .
فنقول: إذا تغيرت حالةُ المجروح بعد وقوع الجرح به، وسرت الجراحة، وأدت إلى الموت، فلا يخلو إما أن يجرح في حالة الهدر، فيصيرَ إلى حالة الضمان، أو يجرحه في حالة الضمان، فيصير إلى حالة الهدر، أو يجرح في حالة نقصان الضمان، فيصيرَ إلى حالة الكمال.
فإن جرح في حالة الهدر، ثم صار إلى حالة الكمال، وسرت الجراحة إلى النفس، فلا شيء على الجارح في هذه الحالة، وذلك، مثل أن يجرح مرتداً فأسلم، ثم سرى إلى النفس، أو جرح حربياً فأسلم، وسرى إلى [النفس] (٦).
стр. 8272
وكذلك لو جرح حربياً، فعقدنا له الأمان، وسرى ومات.
وكذلك لو جرح حربي مسلماً أو ذمياًً، ثم أسلم الجارح أو عُقد له عقدُ الأمان، ثم سرى إلى النفس، فهذا التغير وإن كان في الجارح، فمقتضاه الضمان بعد الهدر.
وكذلك لو جرح السيد عبده، ثم أعتقه وسرى الجرح، أو جرح مستحقُّ القصاص من عليه القصاص، ثم عفا عنه، فسرت الجراحة.
فهذا بيان التغير من الهدر إلى الضمان تصويراً. والحكمُ في ذلك ما قاله المراوزة؛ فإنهم قطعوا بأن الضمان لا يتوجه في هذه الصورة أصلاً؛ اعتباراً بحالة وقوع الجراحة؛ فإنها وقعت في حالة الهدر، فلا أثر لما يطرى من بعدُ.
وذكر العراقيون فيه إذا جرح مرتداً، ثم أسلم ومات، أو جرح حربياً وأسلم المجروح ومات، فلا يجب القصاص على الجارح.
وفي وجوب الضمان وجهان: أحدهما - أنه لا يجب، كما حكيناه عن طريق المراوزة اعتباراً بحالة الجراحة.
والثاني - أنه يجب اعتباراً بالمآل، وهذا مما انفرد به العراقيون، وإنما أثبت المراوزة الخلافَ في الضمان إذا جرى مثلُ ذلك في الذمي، كما سنصف ذلك في فصل الذمي، إن شاء الله .
١٠٣٣٥ - وذكر الشيخ أبو علي ﵁ الوفاق في مسألة المرتد والحربي إذا أسلما بعد وقوع الجرح بهما، كما ذكرناه عن المراوزة، وذكر نصَّين مختلفين في المولى والمملوك، ونحن نسوقهما ونذكر مسلكه فيهما، قال (١) ﵁: "على أن السيد إذا جرح عبده، ثم أعتقه ومات مجروحاً، فلا ضمان على السيد الجارح أصلاً" ونصَّ الشافعي في عيون المسائل على أنه إذا كان بين شريكين جاريةٌ مشتركة، وكانت حاملاً بولد رقيق من نكاح أو سفاح، فضرب أحد الشريكين بطنَ الجارية، ثم أعتقها وسرى العتق وغرِم قيمةَ نصف صاحبه، فإذا ألقت الجنين ميتاً من
стр. 8273
الجناية، قال الشافعي فيما نقله الربيع عنه: "يجب على الجاني في الجنين غرة كاملة".
وإيجابه الغرة يخالف النصّ الذي حكيناه في الجناية على المملوك مع إعتاقه؛ فإن الجنين حالة الجناية كان مملوكاً للشريكين، فقد صادفت جنايته نصفه مملوكاً له، ثم طرى العتقُ من بعدُ، فقياس ما قدمناه أنه لا يغرَم إلا نصفَ الغرة، وهو الذي كان مملوكاً للشريك.
قال الشيخ: اختلف أصحابنا في المسألتين على طريقين: فمنهم من قال: في المسألتين قولان نقلاً وتخريجاً: أحدهما - أن السيد لو جرح عبده، ثم أعتقه، فمات [يغرَم،] (١) ديته كاملة لورثته.
وإذا جنى على جنين مملوك، ثم عَتَق وسقط غَرِم الغرة كاملة.
والقول الثاني - أنه لا يجب الضمان لا في العبد إذا عتق، ولا في الجنين.
توجيه القولين: من قال: لا يجب الضمان في المسألتين -وهو القياس- احتج بأن الجراحة صادفت حالةَ الإهدار، فوجب إهدارها، والسراية بمثابتها، فصار كما لو جرح مرتداً أو حربياً، ثم أسلما. هكذا احتج الشيخ.
ومن قال بالقول الثاني احتج بأن قال: الجراحة وقعت محظورة، والاعتبار بالمآل في قدر الضمان، كما سنصفه، فليكن الاعتبار بالمآل في أصل الضمان، وليس ذلك كجرح المرتد والحربي؛ فإنهما مهدران عموماً، والجراحة فيهما لا تكون محظورة بعينها.
ومن أصحابنا من أقرّ النصين، وطلب الفرق بينهما، فقال: الجرح صادف العبد تحقيقاًً، ثم عَتَق، ولا تتحقق إصابة الجرح الجنين، فإنه مغيب، فنعتبر حالةَ انفصاله، ونجعل ما تقدم بمثابة [رميٍ] (٢) وحالةُ الإصابة حالةُ الانفصال، كما سنوضح تفصيل المذهب فيه إذا [رمى] (٣) إلى عبده، فأعتقه وأصابه السهم حُرَّاً.
стр. 8274
وهذا غير سديد؛ فإن الانفصال ليس حالة الجناية، وإنما الجنايةُ سابقة، والانفصال بسببها. قال الشيخ: هذا بيّن، ولكن النصّ في الجنين مشكل.
١٠٣٣٦ - فقد انتظم من مجموع ما ذكرناه أن [الجارح] (١) إذا أصاب المرتد والحربي ثم أسلما، فالمراوزة قاطعون بنفي الضمان، والعراقيون ذكر وا وجهين.
وإذا جرح عبدَه أو جنى على جنينه المملوك، ففيه التصرف الذي حكيناه عن الشيخ أبي علي ﵁.
١٠٣٣٧ - ومما نذكره أنا إذا جرينا على ما حكاه العراقيون، ثم فرعنا على أن الضمان يجب إذا جرح حربياً، ثم أسلم ومات، وكذلك نظيره، فالدية مخففة مضروبة على العاقلة، والجناية ملتحقة بالخطأ المحض، وينزل ذلك منزلةَ ما لو رمى إلى صيد، فاعترض [آدميٌّ] (٢) فأصابه وقتله، فالقتل خطأ محض.
هذا ما أرى القطعَ به، وهو مطرد في السيد وعبده إذا أوجبنا الضمان.
وكل ما ذكرناه فيه إذا أصاب الجرحُ حالةَ الإهدار وطرى سببُ الضمان، من بعد الجرح.
١٠٣٣٨ - فأما إذا صادفت الجراحةُ حالة الضمان، ثم طرى السبب المهدِر من بعدُ، مثل أن يجرح مسلماً، فيرتد، ثم تسري الجراحة ويموتُ مرتداً، وكذلك لو جرح ذمياًً، ثم ينقض العهد، ويموتُ حربياً، فعلى الجارح ضمان الجرح، فحسب. وسيأتي هذا مشروحاً بعدُ في فصل مفرد، إن شاء الله .
١٠٣٣٩ - فأما إذا جرى الجرح في حالة نقصان الضمان، ثم انتهى إلى حالة الكمال، مثل أن يجرح ذمياًً، أو مملوكاً لغيره، ثم يُسلم الذمي ويعتِق العبدُ، فيجب البدل الكامل اعتباراً بالمآل، وهذا متفق عليه بين الأصحاب؛ فإن الجراحة صادفت محلّ الضمان، ثم أقدار الأروش تَبِين بالنهايات [استقراراً؛ فالنظر إلى
стр. 8275
المآل] (١) في ذلك، وعليه تخرج سراية الجراحات، ولو قطع يدَ إنسان، فسرى ومات، وجب ديةٌ كاملة، ولو قطع يديه ورجليه، فسرت الجراحات، ومات، لم يجب إلا دية واحدة، وهذا أصل متمهد في الجراح.
وقد انتجز بما ذكرناه القول في الجراحات إذا وقعت، ثم تغير المجروح بعدها.
١٠٣٤٠ - فأما الفصل الثاني (٢) وهو الكلام في الرمي وما يحدث بعده من تغيّر على ما نصفه.
قال الشافعي: "ولو أرسل سهماً، فلم يقع على النصراني حتى أسلم ... إلى آخره" (٣).
فنقول: إذا أرسل السهمَ فتغيرت حالةُ المقصود، ثم أصابه السهمُ، فلا يخلو إما أن يرسل السهم في حالة الإهدار، فصار إلى حالة الضمان، فأصابه السهم، أو كان في حالة الضمان عند نفوذ السهم، فيصير إلى حالة الإهدار، فيصيبه السهمُ.
فأما إذا كان مضموناًً حالة الإرسال، فصار هدراً، فأصابه السهم، وفيه المعنى المهدِر، فلا يجب الضمان أصلاً؛ اعتباراً بحالة الإصابة، وذلك أن يرسل السهم على مسلم، فيرتد، ويصيبه السهم مرتداً، وكذلك لو أرسل على ذمّي، فنقض العهد وأصابه السهمُ حربياً، فالجواب ما ذكرناه.
والأوْلى فرضُ ما ذكرناه فيه إذا كانت الجراحة [مذفِّفة] (٤)، فيخرج الجواب كما ذكرناه، وكذلك لو لم تكن مذففة، ولكنه بقي حربياً أو مرتداً إلى الموت، فالجواب ما ذكرناه.
١٠٣٤١ - فأما إذا كان المقصود هدراً عند الإرسال، ثم صار مضموناً فأصابه
стр. 8276
السهم، فإن كان مرتداً عند الإرسال أو حربياً، فأسلم، فأصابه السهم، ففي وجوب الضمان ثلاثة أوجه: أحدها - يجب الضمان اعتباراً بحالة الإصابة؛ فإنها الجناية على التحقيق، [والرميُ] (١) سببٌ إليها، والاعتبار بوقت الجناية. والوجه الثاني - أنه لا يجب الضمان؛ فإن الفعل الداخل تحت الاختيار هو إرسال السهم، وما بعد ذلك لا يدخل تحت اختيار الرامي، فكان [اعتبار] (٢) حالةِ الإرسال أوْلى. والوجه الثالث - الفرق بين الحربي والمرتد، فإن كان المقصود حربياً عند الإرسال، فلا ضمان؛ فإن هذا الرمي مأمور به محثوث عليه، وهو مما يثبت لآحاد الناس، ولا يختص بالولاة، وأما رمي المرتد، فغير سائغ من وجهين: أحدهما - أن قتله [مفوّض] (٣) إلى صاحب الأمر. والثاني - أنه يقتل بالسيف صبراً، ولا يسوّغ أن يرشق بالنشاشيب، [وإن كان خرج] (٤) من الملة، فإذا كان [الرمي] (٥) منهياً عنه، ثم تحقق الضمان حالة الإصابة، أوجبناه.
ولو رمى إلى عبد نفسه، ثم أعتقه، فأصابه، فهذا يخرّج على الخلاف أيضاً؛
فإنه كان مهدراً في حق الرامي عند الإرسال.
وكذلك لو رمى إلى قاتل أبيه ثم عفا عن القصاص.
والأولى أن ترتب هذه المسائل بعضها على بعض، فنقول: إذا رمى إلى حربي، فأسلم، فأصابه، ففي الضمان وجهان. ولو رمى إلى مرتد فأسلم وأصابه، فوجهان مرتبان، وهذه الصورة أوْلى بالضمان، وإذا رمى إلى مَنْ عليه القصاص في ديةٍ، ثم عفا، فوجهان، والصورة الأخيرة أوْلى بالضمان من المرتد؛ فإن الإهدار الذي يتحقق في المرتد لا يتحقق فيمن عليه القصاص، وإذا رمى إلى عبد نفسه، فأعتقه، فأصابه السهم، فهذا أولى الصور بوجوب الضمان، وفيها وجهان، وسبب الترتيب أن
стр. 8277
العبد مضمون بالكفارة على مولاه، ولا حاجة إلى الكشف في ذلك، والمرامزُ كافية.
فإن قيل: قد ذكرتم أنه لو جرح من هو مرتد، ثم تغيرت صفته، فصار مضموناً، وسرت الجراحة، فلا ضمان إلا على طريقة العراقيين، وقلتم: في الرمي أَوْجُهٌ على طريق المراوزة؟ قلنا: سبب ذلك أن الجرح جنايةٌ مستقرة؛ فقد ثبتت الجناية ووقعت والمجني عليه هَدَر، ويُظهر الإهدارَ، وإذا رمى، فالجناية لم تقع إلا والمقصود مضمون، فهذا هو الذي أوجب الفرق بين الأصلين.
وكل ما ذكرناه إذا كان المقصود هدراً عند الإرسال مضموناً عند الإصابة.
١٠٣٤٢ - فأما إذا كان الأمر على العكس من هذا، فكان مضموناً عند الإرسال هدراً عند الإصابة، فلا يجب الضمان أصلاً، [وذلك مثل أن يرمي مسلماً] (١)، فيرتد، فيصيبه السهم مرتداً، أو يرمي ذمياًً، فيصيبه السهم وقد نقض عهده وصار حربياً، فلا شك في انتفاء الضمان في هذه المنازل، والتعليلُ بيّن.
١٠٣٤٣ - فأما إذا أرسل السهم في حالة نقصان الضمان، فأصاب السهمُ في حال كمال الضمان، فالاعتبار بحالة الإصابة باتفاق الأصحاب، وذلك إذا رمى إلى ذمي فأسلم، فأصابه السهم، أو رمى إلى عبدٍ لغيره، فأعتقه مولاه، فأصابه السهم، فالاعتبار بحالة الإصابة؛ فنوجب في مسألة الذمي ديةَ مسلمٍ، وفي العبد إذا أعتق ديةَ حرٍّ لورثته.
وأبو حنيفة (٢) اضطرب مذهبه في أطراف هذا الأصل، فقال: إذا رمى إلى عبد فَعَتَق، ثم أصابه، قال: لا تجب دية حر، وإنما تجب القيمة؛ نظراً إلى حالة الإرسال، ووافق أنه لو رمى [إلى] (٣) حيٍّ، فمات، فأصابه السهم ميتاً أنه لا يجب شيء، وكذلك قال: لو رمى إلى عبدٍ فانتقصت قيمته، فأصابه السهم، وهو ناقص القيمة، فالاعتبار بحالة الإصابة.
стр. 8278
ولا خلاف أنه لو جرت أسباب غيرُ متصلة بالإهلاك، ثم جرى الهلاك، فلا تُعتبر حالةُ وجود الأسباب: فلو حفر بئراً في محل عدوان، وكان في الموضع مرتد أو حربي، أو كان له عبد، فأسلم الكافر وعتَقَ العبدُ، وفُرض التردِّي، فالضمان يجب اعتباراً بحالة التردي، وكل ما ذكرناه في الضمان.
١٠٣٤٤ - وقد بقي علينا تفصيل القول في القصاص، فحيث نقول: لا يجب الضمان، فلا شك أن القصاص لا يجب، وإذا أوجبنا الضمان على التفاصيل المقدمة، فقد قال الأئمة إذا اقترن [مُسقطُ] (١) القصاص بالرمي، أو بالإصابة، أو تخلل بينهما، انتفى القصاص [تغليباً] (٢) للدَّرء، فلو رمى إلى مرتد، فأسلم فأصابه السهم، فلا قصاص، ولو كان مسلماً [عند الرمي] (٣) مرتداً عند الإصابة، فلا شك في انتفاء القصاص؛ فإن الضمان [ينتفي] (٤) في هذه الصورة.
ولو رمى إلى مسلم، فارتد بعد الإرسال، وقبل الإصابة، ثم عاد وأسلم، فأصابه السهم، قالوا: لا يجب القصاص، وإن وجد الإسلام [في] (٥) الطرفين: عند الإرسال وعند الإصابة؛ لأنه قد تخلل بينهما المسقط والدرءُ أغلب.
هذا ترتيب القصاص، وفي أصل الضمان الخلاف المقدم، وفي المقدار مع ثبوت الضمان في الطرفين الاعتبار بحالة الإصابة.
١٠٣٤٥ - ثم قال الأئمة: ضرب [العقل] (٦) على العاقلة نجريه في الترتيب نحو القصاص في أنه نعتبر فيه الأحوالَ الثلاثة، كما ذكرناها في القصاص.
وبيان ذلك أنه لو رمى إلى صيدٍ وأسلم الرامي، فأصاب إنساناً، فالدية في مال
стр. 8279
الرامي، [ولا نضربها] (١) على عاقلة الرامي؛ لأنا إن ضربناها على عاقلته المسلمة، لم [يجز] (٢)؛ لأنه كان الرامي كافراً عند الإرسال، فالدية مضروبة عليه في ماله.
ولو رمى وهو مسلم إلى صيد، ثم ارتد الرامي، ثم أسلم، وأصاب [سهمُه] (٣) إنساناً مضموناً، فالدية في مال الرامي لتوسط [الردة] (٤) بين الإرسال والإصابة، وهذا على القياس الذي ذكرناه في درء القصاص إذا (٥) اعتبرنا الطرفين والواسطة.
ولكنا صورنا التغايير في الجاني؛ فإن الغرض في المقصود الذي نحن فيه يتغير به لا محالة.
١٠٣٤٦ - هذا ما ذكره شيخي، والقاضي، وجماهير الأصحاب.
وذكر الشيخ أبو علي ﵁ في توسط [الردّة] (٦) من الرامي بين الرمي والإصابة قولين في أن الدّية على من تضرب: أحدهما - أن الدية مضروبة على العاقلة؛ اعتباراً بالطرفين، ولا تعويل على ما توسط من الردّة بينهما. والقول الثاني - أن الدية في مال الرامي كما حكيته عن الأصحاب.
قلت: لم يتعرض للقصاص، والذي أراه أن المسألة إذا كانت على قولين في أمر العاقلة، فيجب طرد القولين في القصاص أيضاًً، في نظير الصورة التي ذكرناها، حتى نقول: إذا رمى إلى مسلم، فارتد المقصودُ بعد الإرسال، وقبل الإصابة، ثم أسلم، فأصابه السهم، فهل يجب القصاص على الرامي؟ فعلى قولين، [فإن] (٧) ضرب العقل على العاقلة خارج عن قياس التصرفات بجملتها، وإذا كان معدولاً عن القياس منزوعاً عن مقتضى الأصول، فالوجه أن نحتاط فيه احتياطَنا في القصاص.
ثم إذا جرى فيه قولان، فلا بد من إجرائهما في القود، والدليل عليه أن من جرح
стр. 8280
مسلماً، ثم ارتد المجروح، وأسلم ومات، فسنذكر أن القصاص يجب على الجارح في قول، وإن [طرأت] (١) الردة في [الأثناء] (٢)، وقد تكون الجراحة ساريةً [حيث يرتد، ولو وقع هذا خرج قولٌ في وجوب القصاص] (٣)، نظراً إلى حالة الجرح والموت، [فمسألة الرمي] (٤) لهذا أولى، وسنذكر مسألة طريان الردة على المجروح ونأتي بما ذكره الأصحاب فيه.
هذا بيان ما ذكره الشيخ أبو علي.
١٠٣٤٧ - ثم نعود إلى ذكر مسائل في تحمل العاقلة، فلو جرى الجرح خطأً من ذمّي، ثم أسلم الجارح، ثم سرى الجرح وأفضى إلى الموت، قال الأئمة: أما ضمان الجرح، فنضربه على العاقلة الكافرة، لأن الجرح قديم في حالة الكفر، وتأتي الدية في مال الجارح لا يحتمله الكفار؛ لأن السراية وقعت في الإسلام، ولا يتحمله المسلمون لأنها سراية جناية جرت في الكفر، فإذا كان كذلك، فالوجه ضرب ما يزيد على أرش الجرح على الرامي. وهذا فيه إذا كان أرش الجرح أقلَّ من الدية، فإن الدية، بكمالها مضروبة على العاقلة الكفار، ووجهه بيّن.
ومما يذكره الأئمة في ذلك أنه لو قطع ذمي أصبع إنسان، فسرى إلى الكف، ثم أسلم الجارح، وسرى إلى النفس، فدية الإصبع والكف على عاقلته الكفار؛ لأنها
стр. 8281
استقرت في حالة الكفر، وذلك نصف الدية، والنصف الآخر في مال الجاني؛ لما تقدم تقريره؛ فإنه اشترك فيه الكفر والإسلام.
ومما ذكروه أنه لو قطع أصبعاً (١) في الشرك خطأ، ثم أسلم، ثم قطع أصبعاً أخرى ثم سرى إلى النفس، فالسراية تضاف إلى القطعين، وموجب ذلك أن نوجب نصف الدية على عاقلته المسلمين؛ لأن إحدى الجنايتين جرت في الإسلام، فأما النصف الآخر؛ فإنا نقول فيه: أما أرش الإصبع المقطوعة في الشرك، فمضروب على الكفار لاستقرار الجناية عليها في الشرك، وما زاد على أرش الإصبع إلى تمام نصف الدية، فهو في مال الجاني؛ لأنه اشترك فيه الكفر والإسلام [؛ إذ وُجدت] (٢) سراية واقعة في الإسلام عن [جناية] (٣) حصلت في الكفر، وأنا أعيد هذه المسائل إذا [انتهينا] (٤) -إن شاء الله إلى باب العواقل والضرب عليهم.
فصل
قال: "لو جرحه مسلماً، فارتد، ثم أسلم، فالدية والكفارة، ولا قودَ؛ للحالة المتخللة ... إلى آخره" (٥).
١٠٣٤٨ - إذا جرح مسلماً فارتد المجروح، ثم عاد إلى الإسلام، ومات مسلماً بسراية الجناية، فالمنصوص عليه أن القود لا يجب للحالة الحادثة، وهي الردة الطارئة، وذكر الصيدلاني نصاً للشافعي يخالف هذا النص في مسألة تناظر هذه، وهي أن ذمياً لو جرح ذمّياً، فنقض الذمي المجروحُ العهدَ، والتحق بدار الحرب، ثم عاد إلى الذمة، فعقدناها له، والجراحة به، فسرت وأدت إلى الهلاك، قال الشافعي
стр. 8282
فيما نقله الصيدلاني: "يجب القصاص على الذمي الجارح" ولا شك أن هذه المسألة تناظر طريان الردة؛ فإن انتقاض العهد مُهْدِر كالردة، فقد وجد في المسألتين في الطريقين شرطُ التزام القود، وتوسط فيهما جميعاً مُهدر.
وقد اختلف أصحابنا فمنهم من قال: في المسألتين جميعاً قولان في وجوب القصاص: أحدهما - أنه يجب؛ نظراً إلى حالتي الجرح والموت.
والثاني - وهو الأقيس أنه لا يجب؛ فإن المهدِر قد تخلل، والجراحة سارية، والقصاص يسقط بالشبهة، فيبعد والحالة هذه إيجابُ القصاص.
ومن أصحابنا من قال: نُنزل النصين في المسألتين على حالين، فحيث قال في مسألة الردة: لا يجب القصاص، صوّر فيه إذا طال الزمان والجراحة سارية، فنعلم أن للسراية الواقعة [في الردة] (١) وَقْعاً في الإهلاك، فعند ذلك لا نوجب القصاص.
وحيث أوجب القصاصَ فُهم [منه] (٢) إذا طرى المُهْدِر وزال في زمانٍ خفيف، لا يظهر في مثله للسراية وقعٌ محسوس، فلا يمتنع القضاء بوجوب القصاص، والحالةُ هذه؛ إذ لا أثر للسراية المقترنة بالمُهدِر في الحالة اللطيفة، وقد نفرض إقبال الجراحة على الاندمال في حالة [اعتراض] (٣) المهدِر، ثم نفرض انتقاضها عند العَوْد إلى الإسلام، والغرض ألا يكون للسراية موقع محسوس من الهلاك.
والرأي عند [المحققين] (٤) في ذلك أن السراية إذا كانت محسوسة، وقد تمادى زمان المهدِر، فيجب القطع بانتفاء القصاص.
وإن قصر الزمان بحيث لا يظهر للسراية فيه أثر، ففي القصاص قولان.
ويتبيّن مما انتهى التصوير إليه أن ما ذكرناه في تخلل المهدِر بين إرسال السهم والإصابة من الاحتمال، فهو متجه، بل هو بالاتجاه أولى؛ من حيث إن الجراحة لم تكن واقعةً بعدُ.
стр. 8283
١٠٣٤٩ - ثم إذا أوجبنا القصاص في المسألة التي نحن فيها، فلو آل الأمر إلى المال، وجبت الدية بكمالها، لا شك فيه.
وإن [أسقطنا] (١) القصاص، لمكان اعتراض المهدِر، وآل الأمر إلى المال، فظاهر النص أنه يجب الدية الكاملة.
وخرج ابن سريج قولاً آخر أنه يجب ثلثا الدية، والدية موزعة على الأحوال، وهي حالتا ضمان، وحالة هدْر.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً ثالثاً، وهو أن الواجب نصف الدية، فنضم حالتي الضمان ونجعلهما حالة واحدة، ونوزع الدية على حالتي الهدر والضمان.
ومما يتفرع على هذه النهاية أنا إذا أسقطنا القصاص عند اعتراض المهدر، [إن] (٢) قرب زمانه، ولم [يُحسّ] (٣) موقع السراية، فمن أصحابنا من قطع هاهنا بإكمال الدية وردَّ المسالكَ الثلاثةَ والخلافَ إلى ما إذا طال الزمان، وكانت السراية محسوسةً مع المهدر.
ومن أصحابنا من طرد الخلاف في قرب الزمان وتماديه، ولم يُفَصِّل؛ فإن السراية وإن كانت غائبة ولم تحس، فليس ذلك للحكم [بانتفائها وعدم وجودها، ولكن غَوْرها يَبْعُد بها عن الحس] (٤)، ولا شك فيها.
هذا تمام الكلام في المسألة.
١٠٣٥٠ - وقد حكى الصيدلاني في مصنفه مسلكاً عن الققال لا يليق بمنصبه ونحن نذكره على وجهه، ثم ننبه على الخلل فيه.
قال: قال الققال: القولان في القصاص مبنيان على ما إذا زَهَقت الروح بجناية
стр. 8284
مضمونة واقعةٍ عمداً، وجنايةٍ واقعةٍ عمداً غير مضمونة، كما قدمناه في شريك الحربي أو شريك السبع، ووجه التقريب أن السراية في حالة الهدر لها حكم العمد، ولكن لا ضمان فيها، والجراحة والسراية في الطرفين لهما حكم [العمد] (١) والضمان.
وهذا إن صح النقل فيه هفوةٌ عظيمة؛ من جهة أنا إنما نردد القولين في الجانبين إذا كان أحدهما ضامناً عامداً، وكان الثاني عامداً ولم يكن ضامناً، [فأما إذا صدرت الجراحتان من جارح واحد، فلا قصاص على الجارح] (٢)، سواء كانت تلك الجراحة مضمونة أو لم تكن؛ والسبب فيه أنه إذا صدر المُسقِط والموجب من شخص واحد، فلا بد من إثبات أثر المسقط، والمحلُّ واحد، فيغلب السقوطُ الثبوتَ، وإذا تعدد الجانيان أمكن إثبات أثر الإسقاط والإيجاب جميعاً، فندرأ القصاصَ عمن لا يستوجبه ونُثبته على من يستوجبه، وفي ذلك توفية الموجِبين، والوفاء بحق الجنايتين.
[فلو] (٣) عدنا إلى مسألتنا: السراية في حالة الردة، [فهي] (٤) بمثابة جناية تصدر من ذلك الجارح بعينه، فكيف ينتظم هذا فيها، ولو كان الناقل غيرَ موثوق به، لقطعت بتغليطه، ولكن الناقل [معتمدٌ] (٥)، وقد عزّ من لا يهفو.
هذا تمام المراد في المسألة نقلاً [وتخريجاً] (٦) وبحثاً.
١٠٣٥١ - ومما ذكره العراقيون أنا إذا أوجبنا الدية وكانت الجناية خطأ، [فهل] (٧) تُضرب على العاقلة؟ ذكروا فيه وجهين: أحدهما - أنه لا يضرب على العاقلة إلا نصف الدية، فإنه قد جرى ارتداد في الأثناء.
وهذا زلل غيرُ معتد به؛ فإن الردة لو اعتبرناها، لما أوجبنا الدية بكمالها، فإذ
стр. 8285
قلنا: تجب الدية الكاملة، دلّ أنا لم نعتبر الردة أصلاً، وأسقطنا أثرها بالكلية.
والثاني - أنه تضرب الدية بكمالها على العاقلة. وهذا هو الذي لا يجوز غيره.
فصل
قال: "ولو مات مرتداً، لكان لوليه المسلم أن يقتص بالجرح ... إلى آخره" (١).
١٠٣٥٢ - إذا جرح مسلماً، فارتد المجروح، ومات على الردة من ذلك الجرح، فلا شك أن القصاص لا يجب على القاتل في النفس، وكيف يجب القصاص في النفس ولا ضمان في النفس، وقد مهدنا ذلك فيما سبق.
أما ضمان الجرح بالمال إذا كان النظر فيه، فهو ثابت، وأما القود في الجرح، فقد قال الشافعي ﵁: "لوليه المسلم أن يقتص منه".
وقد اختلف أئمتنا في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه أراد بالولي الإمام؛ فإنه إذا مات مرتداً، فالمسلم لا يرثه أصلاً، وإذا لم تكن وِراثة، ولا طريق في استحقاق القود غيرُ الوراثة، استحال أن يستحق القصاصَ؛ فالولي عبارة عن الإمام أو عن نائبه.
وهذا التأويل فيه بُعد، وإن كان المذهب سديداً.
ومن أصحابنا من قال: أراد بالولي قريبَه المسلم الذي كان يرثه لو مات مسلماً، ولفظ الشافعي صريح في هذا المعنى؛ فإنه قال: "لوليه المسلم"، فإن أمكن حمل الولي المطلق على الإمام على بُعدٍ، [فتَقْييد] (٢) الولي بالمسلم نصٌّ في أن المراد به القريب الوارث.
ولكن توجيه هذا الوجه عسر، والممكن فيه أن المقصود من القصاص التشفِّي
стр. 8286
ودَرْكُ الثأر، وهو [بالقريب] (١) وإن كان مسلماً أولى، [فإذا عفا] (٢)، وآل الأمر إلى المال، فالولي الخاص المسلم لا يرث، فالذي ذُكر من الجواب عنه أنه لا يمتنع أن يَتَصرف في القصاص من لا يتصرفُ في المال؛ فإن من قُتل [ظلماً] (٣) وعليه ديون وللوارث أن يقتص، [فلو] (٤) عفا، فالمال مصروف إلى الديون (٥)، (وقد يفرض من الوصايا من الثلث من الديون) (٦).
وهذا لا يثبت على المساق الذي نريده ونبني هذا المجموع عليه.
١٠٣٥٣ - ثم ينتظم من مجموع ما ذكرناه أنا إن لم نُثبت حقَّ الاقتصاص للولي الخاص، ووكلناه إلى الإمام، فللشافعي قولان في أن من قُتل أو قطعت يده، ثم مات وليس له وارث خاص، فهل يثبت القصاص [ممّن] (٧) قتله؟ أحدهما - لا يثبت القصاص؛ لأنه لو ثبت، لاستحقه كافة المسلمين وفيهم الصبيان والمجانين، ولا يسوغ استيفاء القصاص وفي الأولياء من وصفناهم.
والقول الثاني - أنه يثبت القصاص، [ولا أصل] (٨) لما ذكره ناصر القول الأول؛ فإن القصاص يثبت بجهةٍ مخصوصة، ولا يُنظر فيها إلى آحاد المسلمين، وعلى الإمام أن يصرف ما يأخذه من ميراث من ليس له وارث حاضر إلى [الذين] (٩) ولدوا بعد موته، فاستبان أن هذا التوريث لا يتعلق بالأشخاص، وإنما يُعزى إلى جهة المصالح فحسب.
стр. 8287
والوجه أن نقول: [في] (١) إيجاب القصاص معنيان: أحدهما - الزجر والتشفي ودرك الغيظ، فإن راعينا الزجر، أثبتنا القصاص، وإن راعينا معنى التشفِّي، لم نثبته.
١٠٣٥٤ - فخرج من مجموع ما ذكرناه أن أصل القصاص في المسألة التي نحن فيها مختلف فيه: فمن الأصحاب من لم [يثبته] (٢) أصلاً.
ومنهم من أثبته، [ثم فيمن] (٣) يثبت له حق الاقتصاص خلاف.
ولا وجه لإثبات القصاص للولي الخاص، وإن كان النص يخالفه والله أعلم.
١٠٣٥٥ - ذكر العراقيون ترتيباً في أرش الطرف، فقالوا إن قلنا: لا يجب القصاص [في الطرف] (٤) المقطوع في حالة الإسلام، فهل يجب الأرش؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يجب الأرش، ولا قصاص فيه ولا أرش.
وهذا بعيد، لا اتجاه له، والممكنُ فيه أن الأطراف تندرج تحت النفس، وإذا مات مرتداً بسراية الجناية، وجب اندراجها في حكم الإهدار تحت النفس. وهذا الوجه إنما يجري إذا مات مرتداً بسراية الجناية الجارية في الإسلام.
والوجه الثاني - أنه يجب الأرش؛ فإنها جناية جرت في حالة الإسلام، فيستحيل إهدارها، فإذا قلنا: يجب الأرش، [فإن] (٥) كان الأرش مقدارَ الدية أو أقل، فإنه يجب ويصرف إلى مصرف الفيء، ولا يدفع إلى قريبه الخاص الذي كان يرثه لو مات مسلماً؛ فإن المسلم لا يرث المرتد أصلاً. وإن كانت الأروش أكثر من الدية مثل إن كان قطع الجاني يديه ورجليه، فأروشها ديتان، ففي الواجب وجهان: أصحهما - أنه لا يجب أكثر من الدية، فإنه لو مات مسلماً، لما وجب أكثر من الدية، فيستحيل أن
стр. 8288
[يزيد] (١) الضمان بسبب موته مرتداً والمسألة مفروضة فيه إذا مات بسراية الجراحات.
[والوجه الثاني - أن الأروش تجب بجملتها] (٢) بالغةً ما بلغت، وإن زادت على دياتٍ، وهذا اختيار الإصطخري، ووجهه أن الأروش إنما تعود إلى مقدار الدية بسبب الاندراج تحت النفس، والنفسُ مهدرة في هذه المسألة، فلا سبيل إلى الإدراج، وإذا تعذر المصير إليه كما ذكرناه، فلا وجه إلا إفراد الجراحات بأروشها، ويصير تعذّر الإدراج بسبب الردة بمثابة ما لو اندملت الجراحات، ومات هو مرتداً بسببٍ آخر، [أو قتل] (٣) لردته، ولو كان كذلك، لوجبت الأروش، وإن بلغت دياتٍ، فهذا ترتيب المسألة في القصاص والأروش.
فصل
١٠٣٥٦ - إذا قطع يدي نصراني ورجليه مثلاً، فتمجس ومات من سراية الجرح، فهذا يتفرع على أن الذمي إذا تنقل من دينه إلى دين آخر سوى الإسلام، فهل يُقرّ عليه أم لا؟ وفيه قولان تقدم ذكرهما في النكاح. فإن قلنا: إنه لا يُقر عليه، فهو في تمجسه [هذا كالمرتد] (٤)، فتفصيل القول فيه على هذا القول كتفصيله فيه إذا قطع يد مسلم، ثم ارتد ومات من الجرح مرتداً.
فإن قلنا: إنه يقرّ على ما انتقل إليه، فقد انتقصت ديته، واندرجت أطرافه تحت نفسه، فلا يجب إلا دية مجوسي. وإذا تقرر أنا نعتبر في مقدار الدية المآل، فما ذكرناه قياس الأصول، وسنذكر أن من قطع يدي عبد قيمته دياتٌ، وعَتَق ومات حراً من السراية، فلا يجب إلا ديةٌ واحدة.
هكذا ذكر العراقيون هذا الفرع.
стр. 8289
فصل
قال: "ولو فقأ عين عبد قيمته مائتان من الإبل ... إلى آخره" (١).
١٠٣٥٧ - هذا الذي ذكره ﵁ تقدير، فإن قيمة العبد تعتبر تحقيقاًً بالدراهم والدنانير، والمعنيّ بقوله: "إن العبد لو كانت قيمته" بحيث لو صرفه إلى الإبل، لبلغت مائتين.
ونعود إلى الغرض، ونقول: إذا جرح عبداً قليلَ القيمة، فعَتَق وسرت الجراحة إلى النفس، وأهلكته، فيجب على الجاني ديةُ حر؛ اعتباراً بالمآل.
وهذا أصلٌ متمهد على مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة (٢): لا يلزمه إلا قيمةُ العبد، ولو كانت قيمة العبد أكثرَ من دية حر وبلغت مقدارَ ديتين، فإذا جنى جانٍ وقطع يديه، فعَتَق ومات، فمذهب الشافعي أنه يجب دية الحر، ولا مزيد؛ اعتباراً بالمآل.
وقال المزني: يجب على الجاني أرشُ اليدين، وإن بلغ مقدار ديتين، وهذا بعيد عن مسالك المزني؛ فإنه لا يرتضي إلا الأقيس وما يعضده أجْلى النظر، فلعله ﵁ قال ما قال عن أصلٍ، وهو أن المولى يستحق الأرش على التفصيل الذي سيأتي ذكره على أثر هذا، فيستحيل أن يُصرف إلى السيد دية حر؛ فإنه لا يستحق إلا أرش ما يرد على الرق، فلما استحال حِرمان المولى، واستحال أن يصرف إليه من دية الحر، فالوجه قطع أثر الحرية، والمصيرُ إلى إيجاب أرش الجراح الجارية في الرق، فينقطع أثر السراية في هذا المسلك.
وهذا يناظر الوجه الذي حكيناه عن الإصطخري فيه إذا قطع يدي مسلم ورجليه، فارتدّ المجروح، [ثم عاد مسلماً] (٣)، فإنه قال: تجب أروش الجراحات وإن زادت على ديات، فإنه لو نظر إلى السريان، لوجب الإهدار، فإذا امتنع الإهدار، وعسر
стр. 8290
تفريع السريان، رأى اعتبارَ الأطراف. كذلك سلك المزني هذا المسلك، وكان شيخي يقول: من سلك مسلك الإصطخري من أصحابنا، لم يُبْعد أن يوافق المزني في مذهبه.
وهذا بعيد غير معتد به.
والمذهب ما قدمناه من إيجاب دية حر، من غير مزيد، وتمام البيان في هذا الفصل يتصل بالفصل الذي يليه، وها نحن نبتديه.
فصل
قال الشافعي ﵁: "ولو قطع يدَ عبد، فأُعتق ... إلى آخره" (١).
١٠٣٥٨ - صورة المسألة: إذا قطع يد عبد [فعَتَق] (٢) وسرى إلى نفسه، فمات، وجب عليه دية كاملة، كما تمهد ذكره من اعتبار المآل في المقدار، ثم غرض الفصل أن نبيّن ما يصرف إلى السيد، وما يصرف إلى ورثة القتيل؛ فإنه مات حرّاً موروثاً.
والمسألة مفروضة فيه إذا قطع الجاني يداً واحدة، فالمنصوص عليه في هذه المسألة أنه يجب للمولى أقلُّ الأمرين من أرش الجناية على الملك، لو قُدِّر اندمالُها، ومما التزمه الجاني على الملك، فإن كان أرش الجناية على الملك أقلَّ من الدية، فيستحيل أن يستحق السيد مزيداً بسبب الحرية. فإنه لا يستحق إلا جبرانَ ملكه، فأما ما زاد بسبب الحرية، فلا حظَّ له فيه.
وإن كانت دية القتل أقلَّ من الأرش لو قدر الاندمال في الرق، فلا وجه لإثبات مزيد على الجاني؛ نظراً إلى المآل، كما ذكرناه، وإذا لم نزد شيئاًً على الجاني، فلا يستحق السيد إلا ما التزمه الجاني.
هذا بيانُ هذا القول ووجهُه.
[وفي] (٣) المسألة قول آخر مأخوذ من نصّ الشافعي في مسألة أخرى سنذكرها على
стр. 8291
أثر هذه، وهو أن المولى يستحق أقلَّ الأمرين من دية القتيل، وتمامِ قيمة العبد المجني عليه. فإذا كان قَطَع الجاني يداً واحدة من العبد، ثم عَتَق ومات، فللمولى أقل الأمرين من تمام دية القتيل، أو تمام قيمته.
وتوجيه هذا القول: أن هذا الشخص إنما مات بسبب الجناية عليه في الرق، وإذا وجب اعتبار السريان، ولم [يجْر] (١) تقديرُ الاندمال، وقد تحقق السريان، فنقدر القتيل ميتاً رقيقاً، ونقدره ميتاً حراً، ونوجب للسيد أقل العوضين، فإن كانت الدية أقلَّ، فليس للسيد إلا ما أوجبناه على الجاني، وإن كانت القيمة أقلَّ، فالزيادة تثبت بسبب الحرية، فيستحيل أن يستحقها، أو يستحقَّ شيئاًَّ مَنها السيدُ.
فرجع حقيقةُ القولين وتوجيههما إلى أنا نقول في القول الأول؛ نعتبر أرش الجناية مع الرق، أو ما يلتزمه الجاني على الملك، ثم نقول: للسيد أقلُّ الأمرين، ولا نعتبر السريان على الرق؛ فإن هذا تقدير على خلاف ما وقع تحقيقاًً.
وناصر القول الثاني يقول: الجراحة على الملك قد سرت حساً، وما ذكره الأول من أنها ما سرت على الرق يعارضه أن ما يصرف إلى السيد في كل وجه إنما هو جزءٌ من دية حر، فإذا لزم ذلك واحتُمِل، فتقدير الموت على الرق لا يبعد.
هذا بيان القولين وتوجيههما.
١٠٣٥٩ - فإن قيل: إذا كان الواجب ديةَ حر، فكيف يستقيم صرفها أو صرف شيء منها إلى السيد، وأثبتوا هذا الأصل؟ ثم الكلام في المقدار متفرع على ثبوت هذا الأصل، وهلا قلتم: إذا أعتق السيد العبدَ المجني عليه، فيكون إعتاقُه إياه إسقاطاً لحقه من الأرش بالكلية، وأنه إنما يستحق ما يستحقه بحق الملك واستحقاق الرق، فإذا أَسقَطَ حقَّ الرق، فقد أسقط الأصلَ الذي منه صدر استحقاقه للأرش؟
قلنا: الإعتاق إزالة للملك، واليد المقطوعة لا يبقى عليها الملك، ولا ينصرف إليها العتق، ولا ينعطف على المستحَق بها إسقاطٌ، ثم لا مرجع إلا على الجاني
стр. 8292
ولا شيء على الجاني إلا ديةُ الحر، فاضطررنا إلى إثبات حق المولى من الدية، ويثبت على الجاني.
وسأعود إلى تحقيق ذلك في آخر الفصل، عند نجاز المسائل، فإذا كان قَطَع الجاني يداً من العبد، ثم عتق ومات من السراية، فقد ذكرنا القولين وتوجيههما.
١٠٣٦٠ - ثم [حرر] (١) المراوزة عبارتين عن القولين نذكرهما لنجري عليهما الصور التي سنذكرها، فالعبارة عن القول الأول: أن للسيد أقلَّ الأمرين من أرش الجناية على الملك، أو ما التزم الجاني بسبب الجناية على الملك، وأرشُ الجناية على الملك نصف القيمة، وما التزم الجاني دية كاملة، فللسيد الأقلُّ منهما.
والعبارة عن القول الثاني: أن للسيد أقلَّ الأمرين ممّا التزم الجاني [بالجناية] (٢) على الملك، أو مثل نسبته من قيمته، وما التزمه الجاني بسبب الجناية على الملك [الديةُ، ومثل نسبته] (٣) من القيمة تمامُ القيمة، فللسيد أقلُّ الأمرين من تمام الدية، أو تمام القيمة.
ونحن نرسم بعد ذلك صوراً ونُخرِّجها على القولين، ثم نختم الفصل بما ذكرناه.
١٠٣٦١ - صورة لو قطع يد عبدٍ فعتَق، ثم جاء آخر وقطع بعد الحرية رجله، ثم جاء ثالث، وقطع يده الأخرى، فقد اجتمع ثلاثةٌ من الجناة، فالوجه أن نقول: الواجب دية كاملة، وهي أولاً موزّعة على هؤلاء، فإن الجناة إذا اجتمعوا، لكان التوزيع على رؤوسهم، فعلى الجاني في الرق ثلث الدية، والمولى يستحق ما يستحق من جهة الجاني على الملك؛ فإن الجنايتين الأُخريين جنيا بعد الحرية، فلا تعلق للسيد بهما، ثم كم للسيد مما التزمه الجاني على الملك؟ فعلى ما قدمنا من القولين: أحدهما - أن للسيد أقلَّ الأمرين من أرش الجناية على الملك، وهو نصف القيمة، أو ما التزمه الجاني بالجناية على الملك، وهو ثلث الدية، فيصرف إلى السيد أقلُّ الأمرين مما ذكرناه.
стр. 8293
وتحقيقه على التوجيه أنا نعتبر الأرش من غير تقدير السريان، أو جميعَ ما يلتزمه الجاني بسبب الجناية على الملك.
والقول الثاني - أن للسيد أقلَّ الأمرين من ثلث الدية، أو ثلث القيمة، نصّ الشافعي على هذا، في هذه الصورة، فخرّج الأئمة ذلك في الصورة الأولى، وفي كل صورة تفرض.
والعبارة عن القولين أنا نقول في قولٍ: للسيد أقلُّ الأمرين من أرش جناية الملك، أو ما يلتزمه الجاني بالجناية على الملك. وأرش الجناية نصف القيمة، [وما التزمه] (١) الجاني ثلث الدية، وللسيد الأقل منهما.
ونقول في القول الثاني: للسيد أقلُّ الأمرين مما التزمه الجاني بسبب الجناية على الملك، وهو ثلث الدية، أو مثلُ نسبته من قيمته، وهو ثلث القيمة، فللسيد الأقل منهما.
١٠٣٦٢ - صورة أخرى: لو قطع رجل يد عبد، ثم عَتَق، فجاء جانٍ وقطع يده الأخرى، وجاء ثالث وقطع إحدى رجليه، ثم جاء الجاني الأول الذي جنى في الرق، وقطع رجله الأخرى، فالجناة ثلاثة، والواجب دية حر، وهي موزعة على رؤوسهم أثلاثاً؛ فإن هذا التوزيع لا يختلف بأن يَكْثر [الجرمُ أو ينقص] (٢) وإنما النظر إلى رؤوس الجناة.
ثم نقول بعد ذلك: على الذي جنى في الرق والحرية ثلثُ الدية، ثم له حالان: حالُ جنايةٍ على الرق وحالُ جنايةٍ في الحرية. فيوزع الثلث الذي عليه على حاليه: فيخص حالَه في الرق سدسُ الدية، وحاله في الحرية سدس الدية، ثم نُجري القولين، فنقول في أحد القولين: للسيد الأقلُّ من أرش الجناية على الملك، وهو نصف القيمة، أو ما التزمه الجاني على الملك، وهو سدس الدية؛ فإن ما التزمه بالجناية على الملك هذا المقدار.
стр. 8294
فإن قيل: ألستم لم تعتبروا عدد الجراحات، ولم تفصلوا بين أن تكثر أو تقل؟ قلنا: هذا كذلك إذا أردنا التوزيع على الجناة، فإنا نجوز أن يكون الجرح الواحد من بعضهم أعظمَ أثراً من جراحات، فهذا ما بنينا أصلَ التوزيع على الرؤوس. وإذا [أدرنا] (١)، نظرنا إلى من فيه كلامُنا، وقد خصه من الغرم الثلث، وصدر منه جرحان: أحدهما - على الملك. والثاني - على الشخص الحر، فلا بد وأن نثبت لجرحه في حالة الحرية أثراً، ويستحيل [أن نلغيه] (٢)، فيتعين المسلك الذي ذكرناه. هذا أحد القولين.
والقول الثاني - أن للسيد أقلَّ الأمرين مما التزمه بالجرح الواقع على الملك [السدسُ] (٣) أو مثلُ نسبته من قيمته، وهو سدس القيمة.
وإذا وجهنا القولين في الابتداء مرة، كفانا في تفريع المسائل اتباعُ العبارة المحررة، وإن رمزنا في هذه المسألة إلى التوجيه، كان سبباً في [رسوخ] (٤) المعنى في الفكر، كأن أحد القائلَين يعتبر أقل الأمرين من الأرش لو فرض الاندمال أو ما التزمه الجاني بالجناية على الملك، والثاني - يعتبر الموت والسرايةَ في جانب الأرش؛ فإن الموت واقع في الواقعة، ثم ينتظم من هذا المقصود الأقلُّ من الملتزَم أو مما يناسبه من القيمة، فإن النسبة تتحد؛ إذ الساري هو الذي يوجب قسطاً من الدية، ثم ننظر في مثله من القيمة، ثم العبارة المحررة تَهدي إلى المقصد.
ويجب التنبه لتقييد الكلام بالجناية على الملك؛ فإنه قد يفرض من الغارم للسيد جرحان: أحدهما - في الرق، والثاني - في الحرية، ولا حظ للمولى إلا فيما يقابل الجناية على الرقيق سواء قدر جزءاً من الدية -إذا كان هو الأقل- أو جزءاً من القيمة.
وبيان الفصل عند نجازه.
١٠٣٦٣ - صورة أخرى: إذا أَوْضح رأس عبد، فعَتَق، فجرحه آخر، ومات من
стр. 8295
الجراحتين، فالدية عليهما نصفين قسمةً على الرؤوس، ثم فيما للسيد قولان: أحدهما - له أقل الأمرين من أرش الجناية، وهو نصف عشر القيمة، أو ما التزمه الجاني بالجناية على الملك وهو نصف الدية.
والقول الثاني - أن للسيد أقلَّ الأمرين مما التزمه الجاني بالجناية على الملك، وهو نصف الدية أو مثل نسبته من قيمته وهو نصف القيمة.
١٠٣٦٤ - صورة أخرى لو أَوْضح رأس عبد، فعَتَق، فجرحه آخر بعد العتق، فعاد الموضح في الرق، فجرحه أخرى، فمات، فالدية بينهما نصفان، ثم للجاني في الرق حالان كما تقدم، فيخص الجناية على الرق ربع الدية، ففي أحد القولين: للسيد أقلّ الأمرين من أرش جناية الملك، وهو نصف عشر القيمة، أو ما التزمه الجاني بالجناية على الملك وهو ربع الدية، والقول الثاني - أن للسيد أقلَّ الأمرين مما التزمه الجاني بالجناية على الملك وهو ربع الدية أو مثل نسبته من قيمته وهو ربع القيمة.
وما عندي أنه يخفى إخراج القولين في صورةٍ بعد تمهيد ما ذكرناه.
١٠٣٦٥ - وأورد المزني [مسألةً نذكرها] (١)، ولكن مذهب المزني خارج عن القولين جميعاً؛ فإن مذهبه أن الجاني يلتزم للمولى أرش الجناية أبداً، ولا يتغير ذلك، وهذا تركٌ للنظر إلى السراية، وقرارِ الجنايات على الأطراف.
ولا خلاف أنه لو قطع أطراف حرٍّ موجَبُها ديات، [ولو] (٢) انتقلت فسرت وزَهَقَت الروح، فلا تجب إلا ديةٌ واحدة؛ اعتباراً بالمآل.
فأما المسألة التي [أوردها] (٣)، فصورتها: عبد قيمته عشرون بعيراً تقديراً، فأوضح رأسه، فعَتَق، فشاركه تسعةٌ في الجراحة، ومات العتيق، فالواجب ديةٌ، على كل واحد عُشرها، وهو عَشرٌ من الإبل، ثم فيما للسيد قولان: أحدهما - أن له بعيراً واحداً (٤)،
стр. 8296
وهو أرش الجناية؛ فإنه أقل مما التزمه الجاني بالجناية وهو عَشرٌ من الإبل.
والقول الثاني - أن للسيد بعيرين، وهو عُشر القيمة، وهو أقل من عُشر الدية، هذا بيانٌ مقصودٌ (١).
١٠٣٦٦ - وقد كنا تعرضنا في ابتداء الفصل لأمر، ثم رأينا تأخيره، فنقول: الآن نوضّح [غرضنا في اتحاد الجاني] (٢) ثم لا يخفى ما يرد بعده، فنقول: إذا قطع يدي عبد، فعتق، ومات، وكانت قيمة العبد مقدار مائة من الإبل، وقد مات المجروح حرّاً، فالبدل بكماله مصروف إلى السيد في هذه الصورة، على القولين.
وهذا بيّنٌ لمن فهم ما قدمناه.
ثم الذي يقع المباحثة فيه أن الواجب دية حر، ولا حظّ للسيد في بدل الحرية، وقد ذكرنا طرفاً مما فيه جوابُ هذا، وقلنا: إذا [كان] (٣) أرش الجناية على الملك لا سبيل إلى إبطاله أصلاً؛ فإن الإعتاق لا يُسقط الأرش المتعلق بالجناية، ولكن تخللت الحرية والسراية، وعسر الأمر لتركبه من الرق والحرية، وآل حاصل الكلام إلى أنا نؤدِّي حق الجناية على الملك من بدل الحر؛ فإن الموت حصل بالجناية الجارية على الرقيق.
ولا يتضح الغرض في ذلك إلا بعَرْض الكلام فيما [يصرفه] (٤) الجاني.
فإن قيل: كل ما على الجاني في الصورة التي ذكرتموها مصروفٌ إلى السيد، وقيمة الأرش مقدار مائةٍ من الإبل؛ فإن المجني عليه مات حراً، فلو جاء بمائة من
стр. 8297
الإبل، فقال السيد: أريد الدراهم، وهي النقد الغالب، وقال الجاني: ليس عليّ إلا الإبل، فإن ألزمنا السيد قبول الإبل، كان ذلك قبول الحيوان قيمةً، وإن ألزمناه الدراهم والقتيل حر، كان ذلك مخالفاً للأصل الذي مهدناه في أن الاعتبار بالمآل؟ قلنا: قد يتقدم في ذلك أن الواجب مائة من الإبل، فلا معدل عنها، ومن أراد طلب غيرها لم يمكّن إلا أن يقع التراضي على العدول.
وهذا موجه بما ذكرناه؛ فإن جميع ما على الجاني مصروف إلى السيد، وإنما عليه الإبل، فتكليفه بيعَها لا وجه له. وإن أراد هو أن يأتي بالدراهم، فالسيد يقول: لم تفعل هذا والواجب المحتوم عليك الإبل؟ وليست الإبل في حكم المرهون عندك، ولا حق لغيري فيما عليك، فسلم إليّ ما عليك.
هذا وجهٌ لا بأس به.
ولو قال السيد: لا أبغي منه إلا الدراهم، [فما أمكن] (١) يغرم لي بحق ملكي، [ومن] (٢) جنى على ملكٍ، لم يغرَم الإبل، فهذا محال، والسيد لا يجاب إليه؛ فإن القتيل حر، وإذا كنا نرد الأروش -وإن زادت على الديات- إلى دية حر، وفيه تنقيص المقدار؛ نظراً إلى المآل، فلا يبعد أن يرجع الأمر إلى جنس الإبل، وإن كان أرش الجناية على الملك الدراهم؛ نظراً إلى المآل.
١٠٣٦٧ - والوجه السديد عندي أن يقال: إن جاء الجاني بالدراهم، وجب [إجبار] (٣) المولى، فإن قال: أريد الإبل، قيل: هذا من أثر الحرية، ولا حظّ لك فيما تقتضيه الحرية، وإن جاء بالإبل، وجب أيضاً إجبار المولى على القبول؛ فإن الجاني يقول: هذا هو الذي يلزمني، فخرج منه أن الخيار إلى الجاني/، ولا تحكّم للمولى، وهكذا يتركب إذا مست الحاجة إلى أداء قيمةٍ من دية.
فإنتظم إذاً مما ذكرناه وجهان: أحدهما - أن الإبل [تتعين] (٤)، فلا تعدّل إلا
стр. 8298
بالتراضي، ووجهه أنه هو الواجب، وهو مصروفٌ إلى السيد، فلا وجه للتصرف فيه.
والثاني - أن الخيار إلى الجاني، وهذا أفقه وأغوص.
١٠٣٦٨ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن السيد في الصورة التي ذكرناها، لو أبرأ الجاني عن حقه، برئت ذمةُ الجاني، ولا يبقى للورثة حق؛ فإنه ليس يثبت حق للسيد والورثة على الازدحام، حتى يقال: إذا سقط أحد المزاحِمَيْن، وكان مقدَّماً، ثبت حق الثاني، بل ما يثبت للسيد يسقط بإسقاطه، وتبرأ ذمة الجاني عنه.
وقد انتجز الغرض، ولم نغادر شيئاً رأيناه مشكلاً إلا أوضحناه إن شاء الله.
١٠٣٦٩ - ومما [بقي من] (١) الصور أن ذميّاً لو جرح ذمّياً، فلحق المجروح بدار الحرب، ونقض العهدَ، ثم وقع في الأسر واستُرق والجراحة سارية، ومات رقيقاً، ولا سبيل إلى الخوض في هذه المسألة، فإنها تستدعي الكلام في أن الحربي إذا كان له أموال، فاسترق، فما مصرِف ماله؟ ولو أودع عندنا أموالاً حين كان ذمياً، ثم نقض العهد، واستُرق، فماذا نفعل بودائعه؟ وهذا من الفصول المنعوتة في كتاب السير، فسنذكره إن شاء الله في موضعه، ونذكر هذا الفرع في آخره، إن شاء الله .
فصل
قال: "وعلى المتغلب باللصوصية ... إلى آخره" (٢).
١٠٣٧٠ - مقصود الكلام والفصل أن من أكره رجلاً على قتل من يكافئه، فقتله، فالقصاص على من يجب؟ [ومن أركان الفصل] (٣) الكلامُ في حدّ الإكراه، وقد أجريناه مستقصىً في كتاب الطلاق على أبلغ وجهٍ في البيان.
стр. 8299
والذي نذكره هاهنا في ذلك التفصيل فيما يحل بسبب الإكراه، وفيما يبقى على الحظر: أما القتل، فإنه يبقى محظوراً، ولا يؤثر الإكراه في إباحته.
وأما الإكراه على الزنا، ففي أصحابنا من يقول: لا يتصور الإكراه عليه، وقد ذهب إلى ذلك بعض أصحاب أبي حنيفة، وهذا مما قدمناه [في ثنايا] (١) الإيلاء والظهار، ووجهه -على بعده- أن الزاني منتشر، ولا يتأتى الانتشار إلا مع [نشطةٍ] (٢) في النفس [وانبساط] (٣) في الشهوة، وهذا ينافي الإكراه.
والأصح أن الإكراه متصوّر فيه؛ فإن الانتشار لا اختيار فيه، والزنا هو الإيلاج، والإكراه عليه ممكن.
ثم إن تُصوِّر الإكراه، فلا يحل، بل الحظر فيه قائم؛ فإن فيه اهتتاك الحرمة الكبرى.
والإكراه على شرب الخمر يقتضي وجوبَ الشرب عندي؛ إذ من غُص بلقمة، ولم يجد إلا خمراً يُسيغها، فيجب استعمال الشراب لذلك، فالإكراه بهذه المثابة. والله أعلم.
فأما الإكراه على كلمة الردة؛ فإنه يبيح النطق بها، بنص القرآن، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَان﴾ [النحل: ١٠٦] ثم في الفقهاء من يقول: يجب التلفظ بالردة لتخليص المهجة، والذي ذهب إليه الأصوليون من أئمتنا أن المكرَه [عليه] (٤) أن يصابر الحقَّ والسيفُ مسلول على رأسه، وهذا هو الذي لا يجوز عندي غيره، وإذا كانت النفوس تُعرَّض للقتل [في] (٥) الجهاد، والذب عن الدين، فكيف يجب النطق بالردة، وما المانع من مصابرة الدين وإظهار [الثبات] (٦) وبذل الروح دونه.
стр. 8300
فأما شرب الخمر، فليس في هذه المرتبة، فإن من اضطر في عطشٍ إلى شربٍ، وجب شربها، كما يجب تعاطي الميتة في شدة المخمصة.
فإن قيل: أليس ظاهر المذهب أن التداوي بالخمر غيرُ جائز؟ قلنا: لأن إصابة الشفاء غيرُ موثوق به.
فإذا اكره الرجل على إتلاف مال غيره، وكان يخاف على روحه، فيجب عليه أن يُتلفه، كما يجب عليه تعاطي طعامِ غيره في شدة المخمصة، فهذا ما ذكرناه في ذلك.
١٠٣٧١ - ونحن الآن نبتدىء ذكرَ أحكام الإكراه على القتل، ثم نذكر بعده ما يتصل به، فإذا أكره رجل رجلاً على قتل إنسان، وتحقق الإكراه، كما وصفناه، فقتله المُكرَه، فقد اختلفت مذاهب العلماء: فذهب زُفَرُ وأبو يوسف (١) في روايةٍ إلى أن القصاص يجب على المكرَه دون المكرِه، وهذا مذهبٌ معتضد بالفقه والقياس؛ فإن المكرَه باشر القتلَ إثماً غيرَ معذور، والمباشرةُ تغلب السبب، وإذا كان الإكراه لا يسلط المكرَه، ولا يدفع الإثم عنه، ولا يرفع الحظر، وقد تحققت المباشرة، فالوجه إعدام أثر الإكراه بالكلية.
واتفق الشافعي وأبو حنيفة على أن القود يجب على المكرِه، وقال أبو حنيفة: لا قصاص على المكرَه أصلاً، وفعله منقولٌ إلى المكرِه، وهو حالٌّ محلَّ آلته وسيفه، ووافق أنه يأثم بالقتل، ويستمر الحظر عليه.
واختلف قول الشافعي ﵁ في ذلك، فقال في أحد قوليه: يجب القصاص على المكرَه، وحقيقة قولنا يجب القصاص عليهما، تقديرهما شريكين، فإن أحدهما ملجىء مستمسك بأقوى الأسباب المفضية إلى القتل غالباًً، والثاني مباشر آثم، وتوجيه القولين مستقصًى في (المسائل) و (الأساليب) (٢).
ثم إن قلنا يجب القصاص على المكرِه والمكرَه، فهما شريكان.