← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

وهو أرش الجناية؛ فإنه أقل مما التزمه الجاني بالجناية وهو عَشرٌ من الإبل. والقول الثاني - أن للسيد بعيرين، وهو عُشر القيمة، وهو أقل من عُشر الدية، هذا بيانٌ مقصودٌ (١). ١٠٣٦٦ - وقد كنا تعرضنا في ابتداء الفصل لأمر، ثم رأينا تأخيره، فنقول: الآن نوضّح [غرضنا في اتحاد الجاني] (٢) ثم لا يخفى ما يرد بعده، فنقول: إذا قطع يدي عبد، فعتق، ومات، وكانت قيمة العبد مقدار مائة من الإبل، وقد مات المجروح حرّاً، فالبدل بكماله مصروف إلى السيد في هذه الصورة، على القولين. وهذا بيّنٌ لمن فهم ما قدمناه. ثم الذي يقع المباحثة فيه أن الواجب دية حر، ولا حظّ للسيد في بدل الحرية، وقد ذكرنا طرفاً مما فيه جوابُ هذا، وقلنا: إذا [كان] (٣) أرش الجناية على الملك لا سبيل إلى إبطاله أصلاً؛ فإن الإعتاق لا يُسقط الأرش المتعلق بالجناية، ولكن تخللت الحرية والسراية، وعسر الأمر لتركبه من الرق والحرية، وآل حاصل الكلام إلى أنا نؤدِّي حق الجناية على الملك من بدل الحر؛ فإن الموت حصل بالجناية الجارية على الرقيق. ولا يتضح الغرض في ذلك إلا بعَرْض الكلام فيما [يصرفه] (٤) الجاني. فإن قيل: كل ما على الجاني في الصورة التي ذكرتموها مصروفٌ إلى السيد، وقيمة الأرش مقدار مائةٍ من الإبل؛ فإن المجني عليه مات حراً، فلو جاء بمائة من

стр. 8297

الإبل، فقال السيد: أريد الدراهم، وهي النقد الغالب، وقال الجاني: ليس عليّ إلا الإبل، فإن ألزمنا السيد قبول الإبل، كان ذلك قبول الحيوان قيمةً، وإن ألزمناه الدراهم والقتيل حر، كان ذلك مخالفاً للأصل الذي مهدناه في أن الاعتبار بالمآل؟ قلنا: قد يتقدم في ذلك أن الواجب مائة من الإبل، فلا معدل عنها، ومن أراد طلب غيرها لم يمكّن إلا أن يقع التراضي على العدول. وهذا موجه بما ذكرناه؛ فإن جميع ما على الجاني مصروف إلى السيد، وإنما عليه الإبل، فتكليفه بيعَها لا وجه له. وإن أراد هو أن يأتي بالدراهم، فالسيد يقول: لم تفعل هذا والواجب المحتوم عليك الإبل؟ وليست الإبل في حكم المرهون عندك، ولا حق لغيري فيما عليك، فسلم إليّ ما عليك. هذا وجهٌ لا بأس به. ولو قال السيد: لا أبغي منه إلا الدراهم، [فما أمكن] (١) يغرم لي بحق ملكي، [ومن] (٢) جنى على ملكٍ، لم يغرَم الإبل، فهذا محال، والسيد لا يجاب إليه؛ فإن القتيل حر، وإذا كنا نرد الأروش -وإن زادت على الديات- إلى دية حر، وفيه تنقيص المقدار؛ نظراً إلى المآل، فلا يبعد أن يرجع الأمر إلى جنس الإبل، وإن كان أرش الجناية على الملك الدراهم؛ نظراً إلى المآل. ١٠٣٦٧ - والوجه السديد عندي أن يقال: إن جاء الجاني بالدراهم، وجب [إجبار] (٣) المولى، فإن قال: أريد الإبل، قيل: هذا من أثر الحرية، ولا حظّ لك فيما تقتضيه الحرية، وإن جاء بالإبل، وجب أيضاً إجبار المولى على القبول؛ فإن الجاني يقول: هذا هو الذي يلزمني، فخرج منه أن الخيار إلى الجاني/، ولا تحكّم للمولى، وهكذا يتركب إذا مست الحاجة إلى أداء قيمةٍ من دية. فإنتظم إذاً مما ذكرناه وجهان: أحدهما - أن الإبل [تتعين] (٤)، فلا تعدّل إلا

стр. 8298

بالتراضي، ووجهه أنه هو الواجب، وهو مصروفٌ إلى السيد، فلا وجه للتصرف فيه. والثاني - أن الخيار إلى الجاني، وهذا أفقه وأغوص. ١٠٣٦٨ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن السيد في الصورة التي ذكرناها، لو أبرأ الجاني عن حقه، برئت ذمةُ الجاني، ولا يبقى للورثة حق؛ فإنه ليس يثبت حق للسيد والورثة على الازدحام، حتى يقال: إذا سقط أحد المزاحِمَيْن، وكان مقدَّماً، ثبت حق الثاني، بل ما يثبت للسيد يسقط بإسقاطه، وتبرأ ذمة الجاني عنه. وقد انتجز الغرض، ولم نغادر شيئاً رأيناه مشكلاً إلا أوضحناه إن شاء الله. ١٠٣٦٩ - ومما [بقي من] (١) الصور أن ذميّاً لو جرح ذمّياً، فلحق المجروح بدار الحرب، ونقض العهدَ، ثم وقع في الأسر واستُرق والجراحة سارية، ومات رقيقاً، ولا سبيل إلى الخوض في هذه المسألة، فإنها تستدعي الكلام في أن الحربي إذا كان له أموال، فاسترق، فما مصرِف ماله؟ ولو أودع عندنا أموالاً حين كان ذمياً، ثم نقض العهد، واستُرق، فماذا نفعل بودائعه؟ وهذا من الفصول المنعوتة في كتاب السير، فسنذكره إن شاء الله في موضعه، ونذكر هذا الفرع في آخره، إن شاء الله . فصل قال: "وعلى المتغلب باللصوصية ... إلى آخره" (٢). ١٠٣٧٠ - مقصود الكلام والفصل أن من أكره رجلاً على قتل من يكافئه، فقتله، فالقصاص على من يجب؟ [ومن أركان الفصل] (٣) الكلامُ في حدّ الإكراه، وقد أجريناه مستقصىً في كتاب الطلاق على أبلغ وجهٍ في البيان.

стр. 8299

والذي نذكره هاهنا في ذلك التفصيل فيما يحل بسبب الإكراه، وفيما يبقى على الحظر: أما القتل، فإنه يبقى محظوراً، ولا يؤثر الإكراه في إباحته. وأما الإكراه على الزنا، ففي أصحابنا من يقول: لا يتصور الإكراه عليه، وقد ذهب إلى ذلك بعض أصحاب أبي حنيفة، وهذا مما قدمناه [في ثنايا] (١) الإيلاء والظهار، ووجهه -على بعده- أن الزاني منتشر، ولا يتأتى الانتشار إلا مع [نشطةٍ] (٢) في النفس [وانبساط] (٣) في الشهوة، وهذا ينافي الإكراه. والأصح أن الإكراه متصوّر فيه؛ فإن الانتشار لا اختيار فيه، والزنا هو الإيلاج، والإكراه عليه ممكن. ثم إن تُصوِّر الإكراه، فلا يحل، بل الحظر فيه قائم؛ فإن فيه اهتتاك الحرمة الكبرى. والإكراه على شرب الخمر يقتضي وجوبَ الشرب عندي؛ إذ من غُص بلقمة، ولم يجد إلا خمراً يُسيغها، فيجب استعمال الشراب لذلك، فالإكراه بهذه المثابة. والله أعلم. فأما الإكراه على كلمة الردة؛ فإنه يبيح النطق بها، بنص القرآن، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَان﴾ [النحل: ١٠٦] ثم في الفقهاء من يقول: يجب التلفظ بالردة لتخليص المهجة، والذي ذهب إليه الأصوليون من أئمتنا أن المكرَه [عليه] (٤) أن يصابر الحقَّ والسيفُ مسلول على رأسه، وهذا هو الذي لا يجوز عندي غيره، وإذا كانت النفوس تُعرَّض للقتل [في] (٥) الجهاد، والذب عن الدين، فكيف يجب النطق بالردة، وما المانع من مصابرة الدين وإظهار [الثبات] (٦) وبذل الروح دونه.

стр. 8300

فأما شرب الخمر، فليس في هذه المرتبة، فإن من اضطر في عطشٍ إلى شربٍ، وجب شربها، كما يجب تعاطي الميتة في شدة المخمصة. فإن قيل: أليس ظاهر المذهب أن التداوي بالخمر غيرُ جائز؟ قلنا: لأن إصابة الشفاء غيرُ موثوق به. فإذا اكره الرجل على إتلاف مال غيره، وكان يخاف على روحه، فيجب عليه أن يُتلفه، كما يجب عليه تعاطي طعامِ غيره في شدة المخمصة، فهذا ما ذكرناه في ذلك. ١٠٣٧١ - ونحن الآن نبتدىء ذكرَ أحكام الإكراه على القتل، ثم نذكر بعده ما يتصل به، فإذا أكره رجل رجلاً على قتل إنسان، وتحقق الإكراه، كما وصفناه، فقتله المُكرَه، فقد اختلفت مذاهب العلماء: فذهب زُفَرُ وأبو يوسف (١) في روايةٍ إلى أن القصاص يجب على المكرَه دون المكرِه، وهذا مذهبٌ معتضد بالفقه والقياس؛ فإن المكرَه باشر القتلَ إثماً غيرَ معذور، والمباشرةُ تغلب السبب، وإذا كان الإكراه لا يسلط المكرَه، ولا يدفع الإثم عنه، ولا يرفع الحظر، وقد تحققت المباشرة، فالوجه إعدام أثر الإكراه بالكلية. واتفق الشافعي وأبو حنيفة على أن القود يجب على المكرِه، وقال أبو حنيفة: لا قصاص على المكرَه أصلاً، وفعله منقولٌ إلى المكرِه، وهو حالٌّ محلَّ آلته وسيفه، ووافق أنه يأثم بالقتل، ويستمر الحظر عليه. واختلف قول الشافعي ﵁ في ذلك، فقال في أحد قوليه: يجب القصاص على المكرَه، وحقيقة قولنا يجب القصاص عليهما، تقديرهما شريكين، فإن أحدهما ملجىء مستمسك بأقوى الأسباب المفضية إلى القتل غالباًً، والثاني مباشر آثم، وتوجيه القولين مستقصًى في (المسائل) و (الأساليب) (٢). ثم إن قلنا يجب القصاص على المكرِه والمكرَه، فهما شريكان.

стр. 8301

وإذا آل الأمر إلى المال، فالدية بينهما، وعلى كل واحد منهما كفارةٌ، وإن قلنا: لا يجب القصاص على المكرَه، فهل تجب الدية عليه؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا تجب الدية، وفعله كالمعدوم. والثاني - أنه يجب عليه نصف الدية؛ فإن القصاص إن سقط بالشبهة، فلا وجه لإسقاط الدية مع العلم بأنها تجب مع الشبهة، فإن قلنا: يجب نصف الدية، فهو عامد، فهل تضرب على عاقلته أم تضرب عليه في ماله؟ هذا فيه تردد عندي: يجوز أن يقال: في ماله؛ لما نبهنا عليه، وليس كشبه العمد؛ [فإن الفاعل في شبه العمد] (١) ليس عامداً في القتل، وإنما عمده في الفعل، والمكرَه عامد في القتل نفسه. ويجوز أن يقال: تضرب على عاقلته لسقوط اختياره؛ إذ لو تحقق عمده، لوجب القصاص. والتفريع على أنه لا قصاص على المكرَه. فإن قلنا: يجب نصف الدية، فلا كلام، وتجب الكفارة، ويتعلق بقتله حرمان الميراث. وإن قلنا: لا تجب الدية، فهل تجب الكفارة؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا تجب؛ لأن فعله كالمعدوم. والثاني - تجب الكفارة؛ فإنه قاتل تحقيقاًً، وإذا كنا نوجب الكفارة على من يرمي سهماً إلى الكفار، فيصيب أسيراً من وراء الصف لا يشعر بمكانه، فالإثم بالقتل [بالإكراه] (٢) أولى. فإن قلنا: تجب الكفارة، فيتعلق بقتله حرمانه الميراث، وإن قلنا: لا يلزمه الكفارة، فهل يحرم الميراث؟ فعلى وجهين، وهذا يتعلق ببابٍ في الفرائض في ترتيب [القتل] (٣) الحارم للميراث، فهذا [قاعدة حكم الإكراه] (٤). ١٠٣٧٢ - ونحن نرسم مسائلَ نأتي بها أفراداً، ولا نترك إن شاء الله شيئاً من الأطراف، ثم نختم الفصل بقولٍ في الأسباب الموجبة للقصاص، إن شاء الله .

стр. 8302

فنقول: لو أكره رجلاً على قتل ولده (١)، فالقصاص يجب على المكرِه؛ فإنه لو شارك الأبَ في قتل ولده، وجب القصاص عليه، وإن سقط عن الأب، ولذلك لو أكره [عبد حرّاً] (٢) على قتل [عبد] (٣)، وجب القصاص على المكرِه، وإن سقط عن الحر المكرَه (٤). وكذا لو اكره ذميٌّ مسلماً على قتل ذمّي، وجب القصاص على المكرِه. ولو اكره الأبُ أجنبياً على قتل ولده، فلا شك أن القصاص لا يجب على الأب، وهل يجب على الأجنبي المكرَه؟ فعلى قولين. وكذلك إذا أكره مسلم ذمياًً على قتل ذمي، فلا قصاص على المسلم، وهل يجب القصاص على الذمي المكرَه؟ فعلى قولين. ولو قال: إن قتلتني وإلا قتلتك، فهذا إذنٌ منه في قتله، ومن أذن في قتل نفسه، فقتله المأذون له، فالطريقة المشهورة أن القصاص لا يجب على المأذون، وفي وجوب الدية قولان مبنيان على أن الدية تجب له [ثم] (٥) تنتقل إلى ورثته، أم تجب الدية للورثة ابتداء؟ وفيه قولان سيأتي ذكرهما في الديات -إن شاء الله وإنما أسقطنا القصاص [لتعرضه للاندفاع] (٦) بالشبهات. ونُقل عن الشيخ الإمام سهل (٧) ﵀ تخريجٌ في [وجوب] (٨) القصاص بناء على ما ذكرناه من أن القصاص يثبت للورثة ابتداء، فهو حقهم، فلما [قلنا] (٩): لا تسقط

стр. 8303

الدية بإذنه؛ فكذلك وجب أن [لا] (١) يسقط القود. وهذا التخريج متجه؛ فإن قول القائل: القصاص يسقط بالشبهة لا يُقبل ما لم يُبيّن وجْهَ الشبهة، وإذا كان الحق لغيره على القول الذي ذكرناه، فلا أثر لإسقاطه. ولو قال: إن قتلت نفسك وإلا قتلتك، فأكرهه على قتل نفسه، فهذا ليس بإكراه على الحقيقة، فإن الإكراه إنما يتحقق إذا كان المكرَه يتخلص من التخويف بفعل ما يطلب منه، وإذا كان المخوف القتل، والمطلوب [عين] (٢) ذلك القتل، فليس هذا إكراهاً، والذي قتل نفسه سبيله سبيل المختار في قتل نفسه. ١٠٣٧٣ - وإذا أكره بالغٌ صبياً مميزاً على قتل إنسان، فقتله، فهذا يُبنى على القولين في أنّ المكلف البالغ إذا أكرِه على القتل هل يلتزم القصاص أم لا؟ فإن قلنا: يجب القصاص على المكرَه، فهذا على تقدير المكرِه والمكرَه شريكين كما قررناه في (الأساليب) وأشرنا إليه في قاعدة المذهب. فنقول إذاً: أما الصبي فلا يخفى انتفاء القصاص عنه، والمكرِه يخرّج على أن الصبي هل له عمد أم لا؟ فإن قلنا: فعله خطأ، فالمكرِه مشارِكٌ مخطئاً، فلا قصاص عليه. وإن قلنا: للصبي عمد، فالمكرِه شارك عامداً ضامناً، فيجب القصاص عليه لا محالة. وإن آل الأمر إلى المال، فالدية بينهما نصفان، والنصف الذي يقابل الصبي في ماله. هذا كله إذا فرعنا على أن المكرَه يلزمه القود لو كان بحيث يلتزم القود (٣). فأما إذا فرعنا على أن القود لا يجب على المكرَه أصلاً، فإذا كان المكرَه صبياً،

стр. 8304

فهل يجب القصاص على المكرِه؟ إن قلنا: للصبي عمد، فيجب القصاص على المكرِه، ولا أثر لسقوط القصاص عن الصبي [ولو] (١) باشر مختاراً؛ فإن إلمكرِه لو كان مكلفاً، لأسقطنا القصاص عن الصبي. وإن قلنا فعل الصبي خطأ، ففي وجوب القصاص على المكرِه تردُّدٌ للأصحاب، وقد أشار القاضي إلى الخلاف فيه، وحقيقة هذا التردد ترجع إلى أنا هل ننقل تقدير فعل المكرَه إلى المكرِه على صفته (٢) أم نجعل المكرَه كالمباشر القتل، ولا ننظر إلى صفة فعل المكرِه؟ وعلى هذا يخرج ما لو أجبر إنسانٌ على أن يرميَ إلى ما يحسبه هو -يعني المكرَه- صيداً وهدفاً، وكان المكرِه يعلم أنه إنسان، فإذا رماه مكرهاً، فللأئمة تردد (٣) في وجوب القصاص على المكرَه. ولو أكره صبي بالغاً على قتلٍ، فلا يخفى أن الصبي لا قصاص عليه، فأما البالغ، فأمره يخرّج على أن المكرَه هل يجب عليه القود أم لا؟ وفيه القولان. فإن قلنا: لا قصاص على المكرَه، فلا كلام. وإن قلنا: يجب القود على المكرَه، ففي هذه الصورة نفرع أمره على أن الصبي هل له عمد أم لا؟ فإن قلنا: لا عمد له، فلا قود على المكرَه، فإنا نوجب القصاص على المكرَه بتأويل الشركة، فإذا كان الشريك صبيّاً، لم يجب القصاص. فإن قلنا: للصبي عمد، فقد شارك المكرَه عامداً ضامناً، فيلزمه القصاص، وإن لم يجب على شريكه العامد الضامن.

стр. 8305

١٠٣٧٤ - ولو أكره رجل رجلاً على أن يُكره ثالثاً على قتل رابعٍ، فإذا نفذ الأمر، وجب القصاص على المكرِه الأول لا محالة، وفي وجوب القصاص على المكرِه الثاني والثالث القاتل قولان، فإنهما جميعاً مكرهان. ١٠٣٧٥ - ولو أكرهه على أن يقتل زيداً أو عمراً، وجعل إليه الخِيَرة في قتل من شاء منهما، فإذا قتل أحدَهما، لزمه القود، قولاً واحداً؛ فإن الإكراه لا يتحقق مع التخيير، وهذا كذلك حقاً. وفيه أدنى إشكال لا بد من التنبيه له، وهو أن المكرَه لو لم يقتل واحداً منهما، لخاف وقوع القتل به، وإذا قتل أحدهما، [تخلّص] (١) في ظاهر الظن، ولكن وإن كان كذلك، فإنه لا يقدم على قتل واحدٍ منهما [إلا] (٢) وهو مختار فيه؛ إذ لو فرض إقدامه على قتل الثاني يرجو التخلص منه أيضاًً؛ [فعين] (٣) القتل يقترن به اختياره، والمكرَه هو المحمول على قتل معينٍ، لا يتوقع عنه محيصاً، وكذلك لو أكرهه على طلاق حفصةَ أو عمرةَ، فإذا طلق إحداهما، لم يكن مكرَهاً، ووقع الطلاق للمعنى الذي ذكرناه من اقتران الاختيار بالطلاق الذي يُقدم عليه، وهذا حسن لا يسوّغ في مسلك الفقه غيره. ١٠٣٧٦ - ولو أكرهه على إتلاف مالِ إنسانٍ فأتلفه، فالذي ذكره الأئمة أن قرار الضمان على المكرِه، ولكن هل يطالَب المكرَه حتى إذا غرم، رجع بما يغرمه على المكرِه؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا تتوجه الطلبة على المكرَه المحمول أصلاً؛ فإنا إذا كنا نسلِّط المكرَه على الإتلاف بل نوجبه عليه، فالمكرِه حامله وملجئه، فيُرفَع حكمُ المكرَه من البيْن. والوجه الثاني - أنه يجوز لمالك المال مطالبةُ المكرَه المتلِف [لصدور] (٤) الإتلاف منه، ثم هو يرجع على المكرِه.

стр. 8306

فهذه مسائل تهذب الأصول وتنبه على مجال النظر والتأمل، ولم يبق من الفصل إلا النظر فيما يكون إكراهاً، وقد مضى القول البالغ فيه. ١٠٣٧٧ - والذي ذكره الأصحاب هاهنا: أن أمر السلطان هل يكون إكراهاً أم لا؟ فعلى وجهين. وهذا الخلاف مشهور، وفيه مباحثة، وهي أن السلطان إذا أمر بقتل إنسان، وكان المأمور لا يعلم كونَ السلطان مبطلاً؛ فإذا قتل، فلا يتعلق به ضمان أصلاً، ورأيت مشايخ المذهب مطبقين على هذا، وإن كان الجلاد يجد محيصاً [عن إنفاذ أمره، ولم يكن محمولاً بهذا على القتل] (١)، والسبب فيه أنا لو علقنا الضمان بالجلاد، لما انتظمت السياسات، ولخاف كل من يتعاطى القتل مغبةَ الأمور. هذا إذا قَتَل وهو لا يدري كونَ الإمام مبطلاً. فأما إذا علم أن الإمام مبطل، فعند ذلك ذكر الأصحاب خلافاً في أن أمر السلطان هل يكون إكراهاً أم لا؟ وهذا فيه نظر؛ فإن كان أمره بحيث لو لم يمتثل، لظهر الخوف [من إهلاكه، فهذا إكراه] (٢) في الحقيقة. وإن لم يظهر ذلك في الظن، فلست أرى للخلاف في أن الأمر هل يكون إكراهاً وجهاً أصلاً، ولكن الكتب مشحونة بذكر الوجهين في أن أمر السلطان بمجرده هل يكون إكراهاً؟ فلست أرى له اتجاهاً إلا من جهةٍ واحدة، وهو أنه [إن] (٣) كان يسطو بمن يخالفه [واعتيد] (٤) ذلك منه، [ولا] (٥) يبلغ توقع ذلك مبلغ توقع المخوف لو صرح بالتوعد به، فليقع تنزيل الخلاف على هذا الوجه، والفرض فيه إذا علم كونَ القتل باطلاً، وكان يظن سطوته لو خولف، فهذا هل يكون كما لو توعد؟ هذا وجه في تنزيل الوجهين. وقد أشار بعض الأصحاب إلى مسلك آخر وهو أن المأمور وإن كان يعتقد كونَه مبطلاً، فقد لا يكون كذلك؛ فإنه لا يطلع على حقيقة كونه مبطلاً، ثم نعرض الأمرين

стр. 8307

ونقول: هل ينزل منزلةَ الإكراه، من جهة أن أمر الإمام محمول على الحق. وهذا كلام مضطرب؛ فإن الإمام إذا اعترف بكونه مبطلاً، وأمر بالقتل، فكيف تخريج الخلاف؟ وإن [خُيّل] (١) لإنسان [أنه] (٢) يخرُجُ عن الإمامة، فهذا اقتحامُ تيّارِ بحرٍ مغرق، ثم إن كان كذلك، [فقول] (٣) الأصحاب: هل يكون أمره إكراهاً؟ غيرُ سديد، إذ لو حمل على إمكان الحق، فلا وجه إلا نفي الضمان [عن] (٤) الجلاد؛ بناء على ما ذكرناه، ولكن تخصيص الأصحاب الخلاف بالسلطان يشير إلى هذه الطريقة؛ إذ لو حملناه على أمر من يسطو على من يخالفه، فقد يفرض هذا من متغلب ليس [وليَّاً] (٥) فيرجع [الكلام] (٦) بعد ما ذكرناه إلى أن الجلاد إن لم يعلم حقيقةَ الحال، فأمر السلطان يُخرِج فعلَه عن كونه معتبراً بالكلية. فإن ظهر عند الجلاد كونُ الإمام مبطلاً، ولم يكن مكرهاً، وكان حمله على الحق ممكناً، فالأمر والحالة هذه هل يبرئه؟ فعلى الخلاف. هذا وجه الكلام في ذلك. ١٠٣٧٨ - ومما نختم الفصل به الكلام في الأسباب الموجبة للقصاص: أما المباشِرات، فقد سبق استقصاء القول فيها، وأما الأسباب، فالإلجاء والإكراه إذا تحقق يوجب القصاص على المكرِه، ويلتحق به شهادة شهود الزور على القتل، كما سيأتي مشروحاًً في موضعه، والسبب فيه أن الشهادة [تُحصِّل قتلَ] (٧) المشهود عليه لا محالة، وهو أبلغ من الإكراه، فإن المكرَه قد يتحرج ويؤثر هلاك نفسه، وقد

стр. 8308

ينعطف على المكرِه [بأي وجه] (١)، [وليس] (٢) للقاضي محيص عن الحكم بشهادة العدول، وإن توقف قاضٍ، لم يندفع الحكم؛ إذ قد يقوم به آخر، وتفصيل الشهادة يأتي إن شاء الله ، فقد جرى الإكراه والشهادة على عمد مجرىً واحداً. والتغرير في تقديم الطعام المسموم هل يكون بمثابة الإكراه في إيجاب القصاص على الغارّ؟ فيه قولان قد قدمنا ذكرهما في أول الكتاب، ويُنْتَحَى بهذا ما لو حفر بئراً في مضيق، وغطاها، واستدعى حضور إنسان في تلك الجهة، ويغلب على الظن أنه يأتي تلك البئر، ثم لا [يجد] (٣) محيصاً عن التردي، على ما سيأتي تصوير ذلك على وجهه في مسألة احتفار البئر، فهذا من قبيل التغرير. وإن كان قد احتفر البئر في ملك نفسه، ودعا من دعا؛ فإن الاعتماد في ذلك على التغرير، والتغريرُ يتحقق وإن وقع الحفر في ملكه، فلا مزيد في الأسباب المفضية إلى الهلاك، على ما ذكرناه، والله المستعان. ١٠٣٧٩ - مسألة: قال: "وعلى السيد القود ... إلى آخره" (٤). إذا كان للإنسان عبد أعجمي، فكان إذا أشار عليه سيده بأمر، استرسل فيه لا محالة، [ولم يكن ذا عقل وتمييز] (٥)، فإذا أمره بقتل إنسان، فقتله، فالسيد في محل المكرِه؛ فإن الذي جرى منه سببٌ يُفضي إلى القتل غالباًً، وهو في معنى إغراء سبع ضارٍ في مضيق، على ما قدمنا التفصيل فيه في أول الكتاب، فيخرج القود على السيد في محل القود، والعبد لا قود عليه، فإنا صورناه غير مميز على صورة سبع ضارٍ، وقولنا على ما جرى من السيد يجري مجرى إغراء في سبع. وإذا رجع الأمر إلى المال، فلا شك أن السيد مطالب به، ولكن هل يتعلق برقبة

стр. 8309

العبد؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يتعلق؛ فإنه إذا لم يكن مميزاً، فهو بمثابة سبع، ولو أغرى بهيمةً صائلة على إنسان فأتلفه، أو على مالٍ، لم يتعلق الضمان برقبة البهيمة. والثاني - أن الضمان يتعلق برقبته؛ فإنه عبد مملوك صدر منه إتلاف. ثم إن قلنا: يتعلق الضمان برقبته، فإن سلمه، فبيع في الجناية، وفضل شيء، فهو متعلق بالسيد، ولا ينزل هذا منزلةَ الأرش المتعلق برقبة العبد المختار إذا جنى جناية؛ فإن المتلِفَ على الحقيقة السيدُ، فكان الضمان متوجّهاً [عليه] (١)، وليس هذا التعلّق الذي نفرعه بمثابة تعلق الأرش برقبة الجاني المختار، حتى لا يلزمه إلا تسليم العبد، وهذا بيّنٌ للمتأمّل؛ فإن الفعل منسوب إلى السيد، كما ذكرناه. ولو أمره أجنبي بقتلٍ، وكان لا يخصص جريانه على الموافقة لسيده، بل كان يسترسل بإغراء الأجنبي، فالكلام في الأجنبي وإلزامِه القودَ كالكلام في السيد إذا تُصور انقياده للأجنبي على الوجه الذي يتصور مثله مع السيد. ١٠٣٨٠ - ولو أمر صبياً [حُرّاً] (٢) أو مجنوناً طِباعه ما وصفناه، فقتل إنساناً، فهذا يوجب القصاص لا محالة على الساعي فيه، ثم إذا أتلف مثلُ هذا الصبي بنفسه شيئاً وكان ذا مال، فهل يتعلق الضمان بماله، إذا لم يصدر فعله عن إغراء، أو استحثاث أم لا يلزمه في مالِه شيء؟ قال شيخي: هذا مخرج على الخلاف في أنه هل يتعلق برقبته لو كان رقيقاً؟ وكذلك لو فرض في العبد ما ذكرناه من غير أمر، فهل يتعلق برقبته ولا تمييز له؟ فعلى الخلاف. وهذا متوجه؛ فإنه بمثابة بهيمة تعدو بطباعها، وليس بذي فعل على اختيار، فالمسألة على الاحتمال. ولو أمر أجنبي مثلَ هذا العبد بإتلافٍ، فامتثل، وفرعنا على أنه يتعلق برقبته، فعلى الأجنبي تخليصه؛ فإنه سعى في تحصيل الإتلاف به سعياً يتعلق به وجوب

стр. 8310

القصاص عليه لو فرض في الجناية الموجبة للقصاص؛ فإنه بمثابة الآلة، وإن قلنا: موجب الجناية يتعلق برقبته. ولو كان الصبي أو المملوك مميزاً، ولم يكن بحيث يُستشلى استشلاء السبع، فإن لم يوجد إكراه، لم يتعلق الضمان [بالآمر] (١)، وتعلق موجب الإتلاف برقبة العبد لا محالة، وإن اكره مثلَ هذا الشخص، وتحقق الإكراه والقتلُ قتلُ قود، فيجب القصاص على المكرِه، ثم إن كان القاتل عبداً مملوكاً صبياً، [فهل يتعلق موجب الجزاء برقبته؟] (٢) هذا عندنا مفرع على أن المكرَه هل يلتزم شيئاًً من الدية، فإن قلنا: إنه يلتزم لو كان حراً، فصدور هذا من العبد بمثابة فعل مختار منه في التعلق بالرقبة. وإن قلنا: لا يلتزم شيئاًً أصلاً، وهو بمثابة آلته، فينزل منزلة العبد الذي لا اختيار له أصلاً، ولا تمييز، وقد ذكرنا الخلاف في أنه إذا كان كذلك، فهل يتعلق برقبته موجَبُ إتلاف أم لا؟ ولا حاجة إلى مزيد في التصوير، فإن من أحاط بما ذكرناه، [هان عليه ترك ما سواه] (٣). فصل "ولو قتل مرتدٌّ نصرانياً ... إلى آخره" (٤). ١٠٣٨١ - قد ذكرنا فيما تقدم الترددَ في أن المرتد هل يستوجب القود بقتل النصراني الذمي، وذكرنا في قتل النصراني المرتدَّ الخلافَ أيضاًً، فأجرينا اختلاف الطرق في قتل المرتد، وقد قدمنا التفصيل في قتل الزاني المحصن، وأتينا بتمام البيان، ولو قتل زان محصن مسلم كافراً ذمياً أو مرتداً، فلا قصاص عليه، وإن كان مباح الدم؛ لأنه يفضُل مقتولَه بالإسلام، ويستحيل عندنا إيجابُ القود ابتداء على مسلم بقتل كافر، على أي وجه فرض وقدُّر.

стр. 8311

فصل قال: "ويقتل الذابح دون الممسك ... إلى آخره" (١). ١٠٣٨٢ - قصد ﵁ الرد على مالك (٢)؛ إذ جعل الممسكَ شريكاً في القتل، وقاعدةُ المذهب أن الأسباب في القتل يسقط أثرها مع المباشرة الصادرةِ عن الاختيار التام من المباشر، وتقع الإحالة إليها، وتزول آثار الأسباب معها، إلا فيما يتعلق بالمأثم، وقد صح أن رسول الله ﷺ قال: "من سعى في دم أخيه المسلم ولو بشق كلمة، حشر يوم القيامة ومكتوب على جبينه: الآيسُ من رحمة الله" (٣) والمكرَه على القتل مباشر، ولكن اختيارَه ليس بمستقل؛ من جهة أنه [ملجأ] (٤) إلى اختياره (٥)، والإكراه مشتبه بالمباشرة، من حيث إنه يُفضي إلى حصول

стр. 8312

القتل غالباًً، وقد مضى تأصيل المذهب وتفصيله في المكرِه والمكرَه. والمباشِر مع الممسك كامل الاختيار، وليس محمولاً على اختياره، فيسقط حكم الإمساك لقوة المباشرة. وإذا [باع] (١) رجل طعاماً مسموماً إلى من يغلب على القلب أنه يأكل منه، فهذا محطوط عن رتبة الإكراه؛ من حيث لا إجبار، ولكنه من جهة إفضائه إلى الهلاك يضاهي الإكراه، والمتناول مباشر مختار، [وفي منزلة ما جرى من السبب] (٢) قولان تقدم ذكرهما، فالمراتب في مطلوبنا ثلاثٌ: مباشرة تامة مع سبب لا يتضمن حملَ المباشر على المباشرة. ومباشرة مع سبب يقتضي [حمل المباشر حملَ إجباراً] (٣). ومباشرة مع سبب يقتضي حمل [المباشر] (٤) من طريق الاغترار. ولو أمسك الممسك عبداً، فقتله قاتل، [فقرار] (٥) الضمان على القاتل، والطَّلِبة تتوجه على الممسك لمكان اليد الضامنة. وهذا من قواعد الغصب، وقد مضى القول فيها. ولو أمسك محرمٌ صيداً، فقتله محرم آخر، فالمذهب تنزيل هذا منزلةَ إمساك العبد وقتلِه، فالقرار على المحرم القاتل، وتتوجه الطّلبة على الممسك؛ فإن صام، لم يرجع، وإن بذل مالاً في الجزاء، رجع على المحرم القاتل الممسكُ. وذكر العراقيون وجهين أن الممسك في الصيد بمثابة الشريك، وهذا بعيد، ووجهه -على البعد- أن الجزاء فيه مَشَابه [من] (٦) الكفارات، وقد ثبت تعلق الضمان

стр. 8313

باليد، والرجوع في الكفارة بعد ثبوت الضمان بعيد. وهذا غير سديد، وقد تقدم شرح ذلك في كتاب الحج. فصل قال: "ولو ضربه بما الأغلب أنه يقطع عضواً ... إلى آخره" (١). ١٠٣٨٣ - غرض الفصل أن الجناية على الأطراف تنقسم إلى العمد المحض، والخطأ، وشبه العمد، كما تفصل، فإن ضرب رأس إنسان عمداً بما الأغلب أنه يوضحه، فهذا عمد محض، وإن ضرب رأسه بسوط لا يُقصد الإيضاح بمثله، فحصل الإيضاح وفاقاً، فالذي جرى شبه العمد، وإن قصد جداراً أو هدفاً بضربٍ، فاعترض إنسان وأصاب الضربُ رأسه، فأوضحه، فهو خطأ محض، وقد تختلف مراتب الأفعال بالأعضاء، فالعين تقصد بنخسةٍ بأصبع، فالرجوع في التقاسيم إلى ذوي العقول والعادات، وسيأتي في باب الجناية على الأطراف تفصيلٌ بالغ في أن الأطراف هل تقصد بالسرايات؟ وكيف السبيل فيها؟ فصل "وإن كان الجاني مغلوباً على عقله ... إلى آخره" (٢). ١٠٣٨٤ - لا قصاص على الصبيان والمجانين، أما المجانين، فكالبهائم لا يفيد إجراءُ القصاص في بعضهم ردعَ الباقين، وأما الصبيان، فقصودهم ثابتة، ولكن الشرع حطّ حكمَها، ووقع الاكتفاء باستيلاء أيدي [القوّام] (٣) عليهم، وقد مضى تفصيل الطرق فيه في كتاب الطلاق، وذكرنا أن الطريقة المثلى تخريج أحكامه فيما له وعليه في الأقوال والأفعال على قولين، ولا خلاف أن السكر ينزل منزلة الإغماء في إسقاط الصلوات التي تمر مواقيتها في السكر.

стр. 8314

واختلف الأصحاب في أن السكر هل هو حدث كالإغماء، فمنهم من التفت إلى تخريج ذلك على القولين في السكران، والوجه جعله حدثاً؛ فإن باب الأحداث مبناه على وجود الحدث كيف فرض، مقصوداً أو غير مقصود، فهذا جوامع القول في ذلك، ولم نر الإطناب في تقرير كل قاعدة؛ فإن القواعد قد مضت في مواضعها. فصل قال: "ولو قطع رجلٌ ذكرَ خنثى مشكل وأنثييه وشُفريه ... إلى آخره" (١). ١٠٣٨٥ - الخنثى إذا بقي على إشكاله، فقطع رجل ذكره وأنثييه وشُفريه، فإن رضي المجني عليه بأن يتوقف إلى أن يتبين أمرُه، وكان ينتظر حيضاً أو إمناءً، توقفنا، ثم لا يخفى حكم البيان في المستقبل: فإن بان رجلاً، وجب القصاص على الرجل الجاني في ذكره وأنثييه، وللخنثى الحكومة في شُفريه، ولا يخفى المال إن آل الأمر إليه. وإن بان أنثى، فلا قصاص، ولها الدية في الشُّفرين، وحكومةٌ [في] (٢) الذكر والأنثيين. وإن جَنت امرأةٌ ثم تبين أمرُ المجني عليه، لم يخْفَ حكم البيان. ولو قال المشكل: لست أقف، ولكني أعفو عن القصاص إن كان لي قصاص، فليعطني الجاني حقي من المال، فالذي نقله المزني أن المشكل له دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين، ثم قال: لأن هذا أقلُّ، ولا شك أن المعتبر في الفصل [أنا] (٣) لا نوجب شيئاً إلا بيقين، فذكر المزني أن دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين [مبلغٌ] (٤) مستيقنٌ؛ [فإن] (٥) دية الشفرين خمسون من الإبل؛ نظراً إلى دية المرأة،

стр. 8315

وحكومة الذكر والأنثيين تنقص عن مائة؛ فإن حكومة كل عضو محطوط عن دية صاحب العضو، وإذا أوجبنا دية الشُّفرين باعتبار الأنوثة، فنعتبر حكومة كل عضو بدية أنثى. وذكر بعض المصنفين أنا نوجب في كل عضو حكومةً؛ فإنا لا نقرر ديةً في عضو إلا ويجوز [أنه] (١) عضو حكومةً؛ فنعتبر في كل عضوٍ أقلَّ ممكن [فيه] (٢). وهذا ضعيفٌ لا أصل له، فإن [المغروم] (٣) هو المال، والمقدار الذي ذكره المزني مبلغٌ مستيقَن، فلْيَجِبْ، ولا التفات على السبب والتقديرات، والمتلزَم متحد. نعم، إنما يتوجه ما ذكره هذا المصنف [إذا] (٤) تعدد الجاني فقطع قاطع ذكراً وأنثيين، وقطع آخرُ الشُّفرين، وعفا المجني عليه عن القصاص، فلا يلزم كل جان إلا أقلُّ حكومة. ١٠٣٨٦ - ولو قال المجنيّ عليه: لست أقف، ولست أعفو عن القصاص، وقد علمتم أن القصاص غير متوقع في جميع ما وقع (٥) مني، فليعطني الجاني شيئاًً في العضو الذي لا قصاص فيه. قلنا: حاصل المذهب ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يجب أقلُّ حكومتين في تقدير الذكورة والأنوثة: إما حكومة الشُّفرين على تقدير الذكورة، وإما حكومة الذكر والأنثيين على تقدير الأنوثة؛ فإن ما زاد على ذلك شك، ثم هذا القائل يقول: إن زادت إحدى الجهتين على الأخرى، لم نوجب إلا الأقلَّ، ولو كانت حكومة الذكر والأنثيين مائةً إلا بعيراً وحكومة الشفرين مع تقدير الذكورة خمسين مثلاً، فنوجب الخمسين.

стр. 8316

وهذا الوجه مزيف ضعيف، ويبينُ تضعيفه بذكر الوجه الثاني -وهو المختار- فنقول: كل عضو يتوقع فيه جريان القصاص، فلا يُعطَى المجنيّ عليه [فيه] (١) شيئاً؛ فإن الجمع بين المال وإمكان القصاص محال، وليس القصاص مما يفرض فيه حيلولة مضمِّنةٌ مالاً، بخلاف الأموال؛ فإنها تُضَمَّن بالتقريب (٢) تارةً، وبالحيلولة أخرى، فإذا توقفنا في الاقتصاص [من] (٣) [القاتلة] (٤) الحامل، لم نُلزمها لتعذر الاقتصاص مالاً، فكذلك القول في تعذّر الاقتصاص بالإشكال. وستأتي مسألة تشير إلى مناقضة هذا الأصل، وهو أن مستحق القصاص لو كان مجنوناً، فالولي لا يقتصّ له، ولكن قال الشافعي: له أن يرجع إلى مالٍ، [وليس هذا عفواً] (٥) عند بعض الأصحاب، وشرْحُ تلك المسألة يأتي، وغرضنا الآن فصلها عما نحن فيه؛ فإن الجنون لا منتهى له، والعفو غير ممكن، ففي منع أخذ المال تعطيل، والمجني عليه في مسألتنا يتمكن من العفو، ولوضع الحمل أمد منتظر. فإذا كان الجاني رجلاً، فلا مال في الذكر والأنثيين لإمكان القصاص، وللمجني عليه حكومة الشُّفرين بتقدير الذكورة؛ فإن القصاص لا يتوقع جريانه في الشُّفرين والجاني رجل. والمال وإن أضافه الأصحاب في هذا الوجه الصحيح الذي لا يتجه غيره إلى الشُّفرين، ففي تهذيب الكلام فضلُ نظر لا بد منه، فنقول: إن كانت حكومة الشُّفرين بتقدير الذكورة مائةً إلا بعيراً، فقد زادت حكومة الشفرين الزائدين على دية الشُّفرين من المرأة، ولكن لا مبالاة بهذه الزيادة مع تقدير الذكورة، وقد يمتنع من لم يُحط بحقيقة هذه المسألة عن إيجاب ما يبلغ ديةَ الشفرين من امرأة، فضلاً عن الزيادة عليها، ولا امتناع في إيجاب ذلك؛ فإنه إن كان امرأة، فالواجب ديةُ الشفرين، وإن

стр. 8317

كان ذكراً فلا يمتنع زيادة حكومةُ عضو من الرجل على دية المرأة. فالوجه المرتب، والمسلك المهذب أن نقول: نعتبر حكومة الشُّفرين بتقدير الذكورة، ونضبط مبلغها، ثم نرجع، فنقدر دية الشفرين بتقدير الأنوثة وحكومة الذكر والأنثيين بتقدير الأنوثة، ونضم حكومة الذكر والأنثيين إلى دية الشُّفرين، ونقابل المبلغ بحكومة الشفرين على تقدير الذكورة، فأي المبلغين كان أقلَّ، فهو الواجب؛ فإنا على اليقين نجوِّزه وإياه نطلب، وهذا القدر مستيقن، وإن فرض جريان القصاص. ولو كان الجاني امرأة، فالقصاص موهوم (١) [في الشفرين] (٢) دون الذكر والأنثيين، فلا نوجب دية الشفرين، ونوجب حكومة الذكر والأنثيين بتقدير الأنوثة، ولا ينقدح فيه تقديرآخر؛ فهو الأقل مع الوفاء بالامتناع من إيجاب المال فيما يتوقع القصاص فيه. وقد ذكرنا وجهين من الأوجه الثلاثة. ١٠٣٨٧ - والوجه الثالث الذي حكاه الصيدلاني عن الققال - أنا لا نوجب شيئاً إذا قال: لا أعفو ولا أقف؛ فإنا لو أوجبنا شيئاًً، لم ندر أنه وجب [عن ماذا] (٣)، وهذا يلتفت على خلاف الأصحاب فيه إذا اتفق زيد وعمرو أن لعمرو على زيد ألفاً واختلفا في جهة استحقاقه؛ فإن في الأصحاب من يقول: لا يثبت الاستحقاق أصلاً مع الاختلاف في الجهة حتى تتعين. وهذا ضعيف، ولكن ظاهر [نصّ] (٤) المزني يدل على هذا الوجه، والمزني نقل عن الشافعي في مسألة الخنثى: "فأما إذا رضي بالتوقف" ثم ذكر بقيةَ المسألة من عند

стр. 8318

نفسه، [فيما] (١) إذا قال: "عفوتُ عن القصاص" وبيّن: "أن الأقل فيه دية الشُّفرين وحكومة الذكر والأنثيين" (٢) كما ذكرناه، وهو الحق، وما عداه خيال. ثم صورةَ (٣) ما إذا قال: "لا أعفو ولا أقف" وقال في الجواب: بل "لا يجوز أن يُقَصّ مما لايُدرَى [أي القِصاصين] (٤) لك، فلا بدّ لك من أحد الأمرين على ما وصفنا" (٥)، ومعناه لا بدّ لك من العفو ليكون الجواب كما ذكرته، أو من الوقف ليكون الجواب كما نقلته عن الشافعي. وظاهر هذا يدل على أنه لا يُعطى [شيئاًً من] (٦) المال إذا قال: لا أعفو ولا أقف، وهذا هو الوجه الثالث، الذي حكيناه، وهو ضعيف لا أصل له. ١٠٣٨٨ - ومما يجب الإحاطة به أن من مسائل الفقه ما يكون مأخذ القول فيه ظنوناً متعارضة، فينقدح الخلاف فيها، ومنها ما يُسْنَد إلى أصول في الحكم قطعية لا خلاف فيها، ولكن [تشوبه] (٧) أمور تقديرية حسابية، وقد يتفق فيها هفوات، ولا وجه [لعدّ] (٨) الهفوات من المذهب، ولا طريق لترك نقل ما قيل، فالوجه [نقلُه والحكمُ بخطئه.] (٩). ١٠٣٨٩ - فالذي تحصّل إذاً في أقسام المسألة مذهباً مبتوتاً أنه إن عفا عن القصاص، فله دية الشفرين، وحكومة الذكر والأنثيين، وإن قال: لا أعفو

стр. 8319

ولا أقف، فالوجه القطع بأنه لا يأخذ من عضو القصاص على التخصيص شيئاًً، وله أقل مقدّر يفرض مع تقدير القصاص عند البيان. ١٠٣٩٠ - ولو قطعت امرأة شفري خنثى وقطع رجل ذكره وأنثييه، ثم قال: لا أعفو ولا أقف، فلا شيء له؛ فإنه لا يطالب واحداً منهما إلا وله أن يقول: القصاص بيننا ممكن. ولو قطعت امرأة ذكره وأنثييه، وقطع رجل شفريه، فقال: لا أعفو، قلنا: لا حاجة إلى عفو، فلا قصاص، وله مطالبة كل واحد منهما بحكومة ما جنى عليه، على التعليل الذي وصفناه. ١٠٣٩١ - ولو جنى خنثى على خنثى، فقطع ذكره وأنثييه، وشُفريه، فليس يخفى حكم التوقف، وحكم العفو عن القصاص، فالأمر لا يختلف في هذين. ولو قال: لا أعفو ولا أقف، قال الققال: الذي تلقيناه من السماع أن له أقل الحكومتين؛ لأن كل واحد من الجهتين [يفرض] (١) أن يكون فيها القصاص. ثم قال: وهذا غلط؛ فإن إمكان القصاص جارٍ في الجميع بناء على أصلٍ سيأتي في الجناية على الأطراف، وهو أن الأعضاء الزائدة يجري القصاص فيها، فيحتمل أن يكونا ذكرين، فيجري القصاص في الذكر والأنثيين من جهة أنهما أصليان، ويجري أيضاًً في الشفرين بناء على إجراء القصاص في الزوائد، والوجه ألا يثبت له شيء لإمكان جريان القصاص من الكل، والأمر على ما ذكره إذا تشابهت الأعضاء، وهذا موضع استدراكه، وسيأتي الكلام في الأعضاء الزائدة وما يُرعى فيها. وقد نجز الكلام في المسألة، ولم نغادر أمراً إلا نبهنا عليه، فكل صورة يأتي بها متكلِّف، ففيما مهدناه جواب عنها والله أعلم. ١٠٣٩٢ - ومما يتصل بتمام ذلك أن الجاني لو كان رجلاً مثلاً، فقال (٢): أقررتَ بأنك امرأة، فأنكر المقطوع وقال: بل أقررتُ بأني رجل، نص الشافعي في مواضع أن

стр. 8320

القول قول القاطع؛ لأن الأصل أن لا قصاص، وحكى ابن سريج قولاً عن الشافعي أنه قال في كتاب التعريض بالخطبة القولُ قول الخنثى. وتهذيب القول في هذا أن العلامات إذا عَدِمْناها ورجعنا إلى قول الخنثى، فأخبر عن نفسه بأنه رجل، ثم جرت الجناية بعد هذا، فنأخذ بموجب قوله؛ فإن الحكم قد وقع بقوله، واستقر، فيجري أمر القصاص بناء على ما يثبت ولو جرت الجناية، ثم قال: إني رجل، فظاهر المذهب أنه لا يقبل قوله، لإيجاب القصاص على الرجل الجاني. ومن أصحابنا من قال: يقبل؛ فإنه أعرف بنفسه. وهذا مزيّف لا أصل له، والوجه القطع بأن قوله غير مقبول بعد الجناية إذا كان يتضمن ثبوت حقٍّ لولاه لما ثبت: مالاً كان، أو قصاصاًً؛ لأنه متهم، [والبناء على ما ثبت له أمثلةٌ في الشريعة] (١): منها أنه لو ثبت غصبٌ بشاهد وامرأتين، وقضى القاضي، ثم قال المحكوم المقضي عليه: إن [غصبتُ] (٢)، فامرأتي طالق ثلاثاً، فالطلاق يقع؛ فإن الغصب تمهد، ثم انبنى [التعليق] (٣) عليه. ولو أنكر الغصب أولاً، وحلف على نفيه بالطلاق، ثم ادُّعي عليه الغصب، وأُثبت بالشاهد واليمين، واتصل القضاء به، ففي وقوع الطلاق خلافٌ، سنذكره في الدعاوى والبينات، والأظهر أن الطلاق لا يقع. ...

стр. 8321

كتاب الديات ١٠٣٩٣ - ذكر الشافعي ﵁ قول النبي ﷺ لما قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هُذيل وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلاً، فأهله بين خِيَرتَيْن إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" (١) فمذهبنا أن ولي الدم بالخيار بين القصاص وبين الدية، فأي الأمرين طلب كان له، من غير حاجة إلى رضا مَنْ عليه القصاص. وقال أبو حنيفة (٢): لا يختار الدية دون رضا الجاني، ثم عندنا إذا فات محل القصاص، تعيّن المال، وحقَّت الطلبة فيه، ولأبي حنيفةَ خبط في فوات محل القصاص. ١٠٣٩٤ - ثم اختلف قول الشافعي وراء ما ذكرناه في أن موجب العمد القودُ لا غير ومستحِقه يملك إسقاطه إلى مال، أو الموجَب أحدُ الأمرين: القصاص أو المال. فأحد القولين - أن موجَبه القود؛ لقوله ﵇: "العمد قود". والثاني - أن الواجب أحدُ الأمرين، كما أن الواجب على الجاني أحدُ الأشياء الثلاثة. فإن قلنا: الموجَب أحدُهما، فلو عفا عن القصاص مطلقاً، ثبت المال، وتعين. ولو قال: عفوت عن القصاص والدية، سقط حقه بالكلية. ولو قال: عفوت عن المال، ففي المسألة أوجه: أحدها - أن المال سقط

стр. 8322

بالكلية، حتى لو أراد الولي إسقاط القصاص على مال، لم يجد إليه سبيلاً، فهو بالخيار بين أن يقتص وبين أن يُسقط القصاص ولا مال له، وهذا كما أنه لو عفا أولاً عن القود، لم يتصور رجوعه إليه، وتعين حقه في المال. والوجه الثاني - أنه لا معنى للعفو عن المال مع بقاء القود، فالذي جرى منه لغوٌ، وهو على خِيَرته، وكأنه لم يعف، والسبب فيه أنا وإن كنا نثبت المال أصلاً، فهو على قضية التبعية للقود، فيستحيل أن ينبتّ أثر المال مع بقاء القود. والوجه الثالث - وهو اختيار شيخي أن العفو عن المال يُلحق هذا القول بقولنا: موجَب العمد القودُ المحض، وفائدة هذا أنه يملك [العفو عن] (١) القود إلى المال. فلو رضي الجاني، واصطلحا عن القصاص على مالٍ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - لا يجوز المصير إلى المال مع التراضي، كما لا يجوز المصير إلى المال في حد القذف. والثاني - يجوز. وهو موافق لمذهب أبي حنيفة، ولعله الأصح، ووجهه أن القصاص في مقابلة [متقوِّم] (٢) بالمال على الجملة وهو النفس، والتلف به يُتقوّم وليس كذلك [العرض] (٣) في القذف، وإذا جاز بذل العوض في بدل الخلع للأجنبي، فهذا في الدم أجوز، مع ترغيب الشارع في إسقاطه. ومما نفرعه على هذا القول أنا إذا قلنا: الواجب أحدهما، فلو قال: عفوت عن الدم والمال، فقد عفا عن حقه، ولو قال: عفوت عن الدم على أنْ لا مال لي، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يسقط كما لو عفا عنهما. والثاني - لا يسقط؛ فإن قوله على أن لا مال شرط انتفاء وليس بنفيٍ على الحقيقة، وهذا ما إليه ميل كلام الصيدلاني. وقال العراقيون في التفريع على هذا القول: لو قال: اخترت الدية، فقد تعينت الدية، فلا رجوع إلى القصاص، وهذا [قالوه] (٤) قياساً، ثم قالوا: لو [قال] (٥):

стр. 8323

اخترت القصاص، فلو أراد الرجوعَ إلى الدية، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - ليس له ذلك كعكسه المقدم. والوجه الثاني - له الرجوع إلى المال؛ فإنه أدنى، ولا يبعد الرجوع من الأعلى إلى الأدنى. وهذا الذي ذكروه يجب أن يفرع على التصريح بإسقاط المال. فإن قلنا: العفو عن المال لغو، فلا معنى [لقوله] (١): اخترت القصاص. وإن قلنا: العفو عن المال حكم، فقوله: اخترت القصاص هل يفيده؟ فعلى الوجهين اللذين ذكرناهما. ١٠٣٩٥ - فأما إذا قلنا: موجب العمد القود المحض، فالتخير على هذا القول قائم، على معنى أن ولي الدم لو أراد المال، لم يحتج إلى رضا الجاني، ولو عفا عن القصاص على مال، ثبت المال. ولو عفا مطلقاً، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن المال يثبت، والثاني - لا يثبت. توجيه القولين: من قال لا يثبت، احتج بأن التفريع على أن لا واجب إلا القود، وقد أسقطه، ومن ثَم [لا] (٢) يثبت المال، [فإن العفو إسقاطُ ثابت لا إيجابُ ما ليس بثابت] (٣) [ومن قال: يثبت المال، قال: إن المقصود بقولهم: إن موجب] (٤) العمد القود أنه الأصل، ولا يثبت المال معه. كما لا يثبت البدل مع المبدل إذا ترتب البدل على المبدل، فإذا سقط القصاص، [حان] (٥) وقت البدل، فيثبت المال ثبوتَ الأبدال عند سقوط المبدلات. ١٠٣٩٦ - والذي أراه أن هذين القولين في الأصل والتفريع عليهما على ما رسمناه

стр. 8324

تكلّفٌ، فإنا إذا [خيّرنا] (١) الولي على القولين ورجعنا إلى المال عند فوات المحلّ على القولين، فلا معنى لترديد القول أولاً في أن موجب العمد ماذا، بل الصيغة الناصّة على الغرض: أن القتل يقتضي ثبوت المال لا محالة، ولكن يقتضيه أصلاً [معارضاً (٢) للقصاص أم يقتضيه على قضية من التبعية؟ وعليه يخرّج القولان من العفو المطلق، وما قدمناه من التفاصيل. ١٠٣٩٧ - ثم قال العلماء: هذا تفريع على عفوِ مُطلَقٍ. فأما المحجور عليه إذا عفا، فإن كان مسلوب العبارة كالصبي والمجنون، فلا أثر لقوله، ولا حكم لعفوه. وإن كان محجوراً عليه صحيح العبارة، لم يخل: إما أن يكون الحجر عليه بسبب غيرِه، وإما أن يكون الحجر عليه بسببه في نفسه، فإن كان الحجر عليه بسبب غيره، فالمحجور عليه بالعكس، فإن أراد الاقتصاص، فله ذلك، وإن أراد العفو عن القصاص، فلا شك في سقوط القصاص. فأما المال قال (٣) الأصحاب: إن قلنا: موجب العمد أحدُ الأمرين، فليس له العفو عن المال، فإن اقتصّ وإلا فمهما (٤) عفا، فالمال مصروف إلى غرمائه، ولا نكلفه تعجيلَ الاقتصاص أو العفو، بل إن أراد التوقف، توقفنا. وإن قلنا: موجب العمد القود المحض، فإن عفا على مال ثبت، وإن عفا مطلقاً، وقلنا: العفو المطلق يُثبت المالَ، ثبت المالُ. وإن قلنا: العفو المطلق لا يُثبت المالَ من الرجل المطلَق الذي لا حجر عليه، [فلا يُثبته ممّن عليه الحجر]؛ فإن ما لا يقتضي المال من المطلق لا يقتضيه من المحجور.

стр. 8325

ولو قال المفلس: عفوت على أن لا مال، وقلنا: مطلق العفو لا يوجب المال، فمقيّده أولى ألا يوجبه، [وإن] (١) قلنا: مطلق العفو يوجب المال، فمقيَّدُه بالنفي لا يوجب المال من المطلَق، وهل يوجبه إذا صدر من المحجور؟ فعلى وجهين: أحدهما - أن المال يجب، فإنه لو أطلق العفو، لوجب، فنفيه المالَ إسقاطٌ منه [لما] (٢) له حكم الوجوب. والثاني - لا يجب المال؛ فإن العفو على أن لا مال من المطلق لا يقتضي مالاً، فلو كلفنا المفلس الإطلاق حتى يُثبتَ المالَ، كان ذلك تكليفَ نوعٍ من الكسب. وعبّر الأئمة عن هذين الوجهين، بأن قالوا: إن قلنا: العفو على أن لا مال إسقاطٌ أم منعٌ للوجوب، ولا خلاف أن المفلس لا يكلّف [قبولَ] (٣) الهبة. هذا قولنا فيمن حُجر عليه بسبب غيره. ١٠٣٩٨ - والمريضُ [في] (٤) الزائد على الثلث في تفريع ذلك [كالمفلس] (٥). والورثة إذا عفَوْا عن قصاصٍ لهم استيفاؤه، والتركة مستغرَقة بالديون - ينزلون منزلة المفلس. ١٠٣٩٩ - فأما المبذر، فالحجر عليه بسبب النظر له في نفسه، والقول الجامع فيه أن الأئمة اختلفوا، فذهب بعضهم إلى أنه كالمفلس في الترتيب المقدّم، وذهب آخرون إلى القطع بأنه يَثْبتُ المال، [مهما] (٦) عفا عن القصاص على الأقوال كلها، وهذا هو الذي قطع به الصيدلاني، ولا وجه غيرُه؛ فإن الأئمة قالوا: لو وُهب له شيء أو أوصي له بشيء فَرَدَّ، لم يصح ردّه، وللولي أن يقبل الهبةَ والوصيةَ للمبذر.

стр. 8326

وفي القلب من هذا أدنى احتمال. وإذا صرح من يملك الطلاقَ وتصلح عبارته للعقود بردّ وصيةٍ أو هبة، فالذي نقله الأئمة ما ذكرناه. ١٠٤٠٠ - فرع: إذا قال المُطْلَق الّذي لا حجر عليه لمن عليه القصاص: عفوت عنك. فإن قلنا: موجب العمد القود المحض، فيسقط القصاص في هذه الصورة بلا خلاف، وينزل قوله هذا منزلة ما لو عفا عن القصاص مطلقاً، وفيه القولان المقدمان في ثبوت المال: فإن قلنا: موجَب العمد أحدُهما لا بعينه، فإذا قال: عفوت عنك. ولم يتعرض لشيءٍ، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين: أحدهما - أنه يسقط القصاص ولا يُرجَع إلى تفسيره، حتى لو قال: أردت بذلك العفوَ عن الدية، فلا يُقبل ذلك منه في استيفاء القصاص، بل نحكم بسقوطه. والوجه الثاني - أنه يُرجع إلى [نيته] (١)، وهذا هو الذي قطع به الشيخ أبو علي، ووجهه بيّن؛ فإن الموجب مترددٌ، والعفو مُطلَق، فإن قال: أردت بذلك العفوَ عن الدية، قُبل ذلك منه، وعاد التفريع إلى العفو عن الدية، وقد مضى. فإن قلنا: يُرجع إلى نيته، فلو قال: لم تكن لي نية، فقد حكى الشيخ وجهين في [هذه] (٢) الصورة، وأشار إليهما صاحب التقريب: أحدهما - أنه يصرف العفو المطلق إلى القود؛ فإنه المتعرض للسقوط بأقرب الأمور. والثاني - أنه يقال له: إن كنت لم تنو شيئاً، فاصرف الآن نيتك إلى [ما شئت منهما] (٣) ويلزمك ذلك. وهذا إذا قلنا العفو عن الدية لا يلغو. فإن قلنا: العفوُ عن الدية لاغٍ على هذا القول، ثم سوغنا له أن يصرف إلى ما شاء، فإذا صرفه إلى جهة الإلغاء، لم يكن للفظه حكم، فالأمر إذاً إليه.

стр. 8327

فصل "ولم يختلفوا أن العقل موروث ... إلى آخره" (١). ١٠٤٠١ - الدية مال من التركة مقسوم على فرائض الله تعالى، وكان عمر ﵁ متوقفاً في توريث أحد الزوجين من دية صاحبه، حتى روي له: "أن رسول الله ﷺ ورّث امرأة أَشْيَم (٢) الضِّبابي من دية زوجها" (٣). وأما القود، فهو بَيْن الورثة لا يختص به الأقارب والعصبات، ويشارك في استحقاقه الزوج والزوجة، ويثبت للصغير والكبير. ١٠٤٠٢ - ثم مذهب الشافعي أنه إذا كان في الورثة صغير يُنْتظر بلوغُه، [ولم يجد للبالغين سبباً للاستبداد بالقصاص، والخلاف] (٤) فيه مشهور مع أبي حنيفة (٥)، ولا اتجاه لمذهبه مع الاعتراف بثبوت القصاص للطفل، ولا بد منه، فإن البالغين في صورة الخلاف لا يلون الطفل، فاستيفاء [الحق] (٦) من غير ولايةٍ محال، فالاستبداد بالحق مع مشاركته لا وجه له، ومن أصلنا أن القصاص لا يدخل تحت تصرف الولاة، فلو ثبت القصاص للطفل، لم يكن لوليه أن يستوفيه له، ولم يكن له العفوُ والرجوعُ إلى المال. وفي المجنون الذي يبعد أن يُفيق كلام سيأتي بعد ذلك. فإذاً القصاص في الخروج

стр. 8328

عن تصرف الولي كالطلاق عندنا، فإذا ثبت حق القصاص لطفلٍ أو مجنون: أما المجنون، فلا يمكّن من استيفاء القصاص، وكذلك الطفل، فلو وثب الطفل أو المجنون على الجاني واقتص، هل يقع ذلك قصاصاًً؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنه يقع قصاصاً؛ فإنه وإن مُنع من الاقتصاص، فهو المستحق للقصاص دون غيره، وأقرب المحامل لفعله أن يُصرف إلى جهة استحقاقه، ولا سبيل إلى إحباطه. والوجه الثاني - أنه لا يقع قصاصاًً؛ فإنه ليس من أهل استيفاء الحقوق، وقد مضى تفصيل القول في قبض الصبيان الحقوق المالية، وقبضِهم المبيع وإتلافِهم إياه في كتاب البيع. فإن قلنا: ما استوفاه يقع قصاصاًً، فلا كلام، وإن قلنا: لا يقع قصاصاًً، فلا [يُهدر] (١) بل يجب بدلُ ما استوفاه مالاً، إما متعلقاً بماله، إن جعلنا له عمداً أو بعاقلته (٢)، وقد فات محلّ القصاص بالقطع أو القتل، فعلى الجاني الأرشُ، أو الديةُ إن كان الكلام مفروضاً في [النفس] (٣) وقد [تثبت] (٤) أقوال التقاصّ إذا علقنا الضمان بمال الصبي والمجنون. قال العراقيون: هذا إذا لم يكن ما جرى باختيار الجاني الذي عليه القصاص، فلو أخرج الجاني يده ومكن المجنون أو الصبي من قطعها، قالوا: فلا يقع قصاصاًً قولاً واحداً؛ فإن التفريط من الذي أخرج يده، ثم قالوا: فإذا لم يقع قصاصاًً، فيكون هدراً من فعل المجنون غيرَ مضمون، وعلى الجاني المالُ إذا فات محل القصاص بما جرى (٥). هكذا رتبوه، ولم أر ذلك في طرقنا، وظاهر ذلك ما ذكروه. فإذا ثبت أن حق القصاص إذا ثبت لصغير وكبير، لم ينفرد الكبير بالاستيفاء ويتعين انتظارُ بلوغ الصبي.

стр. 8329

فهذا قولنا فيه إذا كان منهم مجنون، وإن كان قد لا يظن إفاقته، فلسنا نحرص على استيفاء القصاص، وليس لولي المجنون أن يستوفي القصاص له، وإنما التردد في أنه هل يأخذ المال أم لا؟ [سرُّ ذاك] (١) سيأتي في موضعه، إن شاء الله . ١٠٤٠٣ - ثم إذا توقفنا في الاقتصاص، لم نترك من عليه القصاص مطلَقاً [بل] (٢) نحبسه، ولا يُنظر إلى طول أمد الحبس؛ فإن الحبس بالإضافة إلى القتل غيرُ معتد به، وإن تبرم المحبوس به، قلنا: [ليكن] (٣) في مقابلة [مَهَلِ] (٤) الحق، [فالحبس] (٥) لا يكون عقوبة مع هذا التقدير، ولا سبيل إلى غيره. وإذا كان في الورثة غائب، انتظرناه وحبسنا الجاني في الانتظار إلى حضوره. ولا ينتظم في المال مثلُ هذا؛ فإنه إذا ثبت حق المال لغائب وحاضر، فالحاضر يستمكن من استيفاء حقه، ولا حبس، وفي مسألتنا حق الحاضر [غير] (٦) ممتنع، وإن يثبت لغائب حق، فقد يتصور أن يُستأدَى ويحفظ له إن اقتضى الحال ذلك، كما سيأتي في الدعاوى والبينات، إن شاء الله ، فإذاً لا وجه إلا الحبس في القصاص. [فصل] (٧) قال الشافعي: "قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] ... إلى آخره".

стр. 8330

١٠٤٠٤ - قيل: الإسراف أن يقتل غير القاتل، [وقيل] (١): هو أن يفعل بالجاني ما لم يَفْعل من المَثُلة (٢). ومقصود الفصل الكلامُ فيمن يستحق ويستوفي القصاص. ليس لمستحق القصاص أن يستبد باستيفائه، بل يتعين عليه رفع الأمر إلى مجلس الوالي؛ فإن الاستقلال بأمور الدماء لا يتسلط آحاد الرعايا [عليه] (٣)، ولو استبدّ، وقعَ القصاصُ موقعَه، ولكنه يتعرض للتعزير لإقدامه على ما حُرّم عليه الاستبداد فيه بالنفس (٤)، فإذا ارتفعت القصة إلى مجلس الوالي، وكان في أولياء الدم من يتأتى منه تعاطي الاقتصاص، فإذا استدعاه، وجب إسعافه، مع تقديم الاحتياط، كما سنصفه. هذا في القصاص في النفس. فأما القصاص في الطرف، فقد اختلف أصحابنا فيه: منهم من أوجب تفويضه إلى مستحقه إذا استدعاه، قياساً على القصاص في النفس. ومنهم من لم يجوّز ذلك؛ فإن مستحق القصاص متهم بمجاوزة الحد في كيفياتٍ خفيّة، كترديد الحديدة، ونحوه، والمستحَق الطرفُ لا غير، [فأما] (٥) القصاص في النفس، [فالمحذور] (٦) فيه [المَثُلَة] (٧)، [وترديد الحديدة يترتب] (٨) عليها زهوق النفس، وهو مستحق (٩).

стр. 8331

١٠٤٠٥ - والنسوة ليس من أهل التعاطي وكذلك الضعيف من الرجال الذي نعلم أنه لا يستقلُّ بالأمر. وإذا كان في الأولياء جماعة يتأتى منهم الاقتصاص؛ فإن سلّموا لواحدٍ أن يتعاطى، فذاك، وإن تنازعوا أُقرع بينهم. والضعيف الذي لا يستقلّ لا بد وأن يراجَع، فلا يسوّغ القتل دون إذنه ورضاه. ولكن هل يدخل في القرعة حتى إذا خرجت القرعة عليه، استناب من شاء من الأولياء أو من الأجانب؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يدخل؛ فإنه لا فائدة به إذا كان لا يتعاطى، ولئن كان في التعاطي حظ بيّن في شفاء الغليل، فلا غرض في الاستنابة، وما ذكرناه يطّرد في المرأة. ١٠٤٠٦ - ثم إذا تعين تعاطي واحد، فلا بد وأن يحتاط الوالي، فينظر في الآلة. قال الشافعي: ينبغي أن يقع الاقتصاص بأحدّ سيفٍ وأحدِّ ضربة، لقوله ﷺ : "إن الله يحب الإحسان في كل شيء، حتى في القتل، فإذا قتلتم، فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم، فأحسنوا الذبحَ، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (١). ومما يتفقده أن لا تكون الحديدة مسمومة إذا كان القصاص في الطرف. وإن كان القصاص في النفس، فمن أصحابنا من قال: لا بأس باستعمال المسموم [لأنه ليس فيه زيادة عقوبة. ومن أصحابنا من قال: لا يقتص باستعمال المسموم] (٢) محافظةً على حفظ

стр. 8332

الجثة؛ فإن السم إذا نفذ قد يتسرع البلى إلى الجثة، وجسد الميت محترم على الوجوب، ولعل الأصحَّ الأولُ. ولو سلمنا السيف إلى ولي القصاص، فضرب غير الموضع المقصود فإن كان يضرب الرقبة فيما زعم، فلم يصبها السيف، نُظر: فإن بان تعمده بضرب الرِّجْل أو غيرها، والسيف لا يتعدى الرقبة إلى الرجل، فإنا نعزّر الوليّ بما يراه الوالي. ثم قال الشيخ أبو بكر (١): لا يصرفه عن ذلك، ولكن يعزّره ويهدده بمزيد التشديد عليه لو عاد إلى مثل ما بدر منه. وقال بعض أصحابنا: يأخذ السيفَ منه؛ فإنا لا نأمن أن يفعل ثانياً مثلَ ما فعل أولاً، والأوجه ما ذكره الصيدلاني؛ فإن حقه في التعاطي ينبغي ألا يبطل بعدُ، وإن صدر منه [ما صدر] (٢)، كما لو جرحَ الجاني قبل الارتفاع إلى مجلس الوالي، فيبعد أن لا يسلم السيف إليه لما تقدم منه من الجرح والمَثُلة. ولو ظهر لنا أنه أخطأ في الضرب، ولم يتعمد، وقد يبينُ ذلك بأن يتعدى السيف من الرقبة إلى الكتف، أو إلى القَمَحْدُوة (٣)، فإذا أخطأ، لم يعزر، ولكن قال الشيخ أبو بكر: يُعْزل ويؤخذُ السيف منه، ويقال له: استنب، وليس [كالعامد] (٤) والفرق أن العامد لم يبن لنا خُرقه في الأمر، ولكنه اعتدى، فنهيناه، ونحن له -إن أعاد- بالمرصاد. وأما المخطىء، فتبين أنه ليس يحسن الأمر، ولا ينفع زجره. وذهب بعض الأصحاب إلى أن المخطىء لا يعزل، بل يعزّر، وهؤلاء هم الذين قالوا: العامد يعزل. ١٠٤٠٧ - ولا بد في تمام الفصل من استدراكات في مواضعَ: أقربُها أن ما ذكره الشيخ أبو بكر في الخطأ من العزل يجب أن يكون فيمن لم نعرفه ماهراً بضرب الرقاب، والماهر قد يخطىء ولا يضرب، ولا يجوز أن يكون فيه خلاف. ومن قال: المخطىء

стр. 8333

لا يُعزل؛ فإنما يقول ذلك إذا لم يبن خُرْقُه، فإن ظهر ذلك، فلا بد من صرفه. وما ذكره الشيخ من أن العامد لا يُصرف، فما أراه يقول ذلك إذا تكرر ذلك منه، وإنما هو في المرة [الأولى] (١). ومما نستدركه أن السيف إذا كان مسموماً بحيث تتقطع الجثة به، [فيعسر الغسل] (٢) والدفن على [هيئة الاحترام] (٣)، فلا يجوز استعمال مثل هذا السيف في القتل، فإن كان الأمر كذلك، فلا خلاف، وإنما الخلاف إذا لم يظهر ذلك، وكنا نحاذر تسرع البلى بعد الدفن، ويخرج من ذلك أن البحث لا بد منه، ثم المذهب يتفصّل كما ذكرناه. فصل قال: "ولو أذن لرجل فتنحّى به، فعفا الولي ... إلى آخره" (٤). ١٠٤٠٨ - قد ذكرنا في كتاب الوكالة اختلافَ قول الشافعي في التوكيل باستيفاء القصاص في غيبة الموكِّل، والقول في هذا الفصل غيرُ مفتقر إليه؛ فإنه مفروض في الاستنابة بحضرة المستنيب، وهذا جائز لا خلاف فيه، إذا استناب مستحقُّ القصاصِ من يستوفيه له، فيتنحى المستناب بمن عليه القصاص ليقتله، وكان بمرأى ومسمع من المستنيب، فلو عفا مستحقُّ القصاص، وقتل المستناب، نُظر: فإن وقع العفو بعد وقوع القتل، [فهو] (٥) لغو. وإن أشكل الأمر، فلم يُدْر أوقع العفو قبل القتل أو بعده؟ فالأصل أن لا عفو، والقتل واقع قصاصاً، اتفقت الطرق عليه. وإن تحققنا تقدم العفو واستئخار القتل، ولكن وقع القتل على جهل من القاتل

стр. 8334

بجريان العفو، فلا قصاص على القاتل، إجماعاً، وليس كما لو قتل رجل رجلاً في دار الإسلام عمداً، ثم راجعناه، فزعم أنه حسبه مرتداً أو حربياً، ففي وجوب القصاص قولان، وستأتي هذه المسألة ونظائرها. وغرضنا [الفرق] (١) الآن، فالمستناب إذا قتل، كان معذوراً، وكان عذره ظاهراً، والذي يدّعي الردة [يستند] (٢) في قتله إلى أمر [بعيد] (٣)؛ فإن المرتد لا يترك مُسيَّباً، والحربي يبعد اجتراؤه على دخول دار الإسلام من غير ذمام. وإذا ثبت ما ذكرناه، فقد يُدعى على المستناب أنه قتل عالماً بالعفو، قالقول قوله مع يمينه في نفي العلم. ١٠٤٠٩ - فإذا وضح انتفاء القصاص، ففي وجوب الدية على هذا القاتل قولان. واختلف أصحابنا في مأخذهما: فمنهم من قال: هما مأخوذان من اختلاف قول الشافعي في أن الوكيل إذا عزله الموكل ولم يبلغه الخبر، فهل نحكم بانعزاله؟ وقد مضى القولان في الوكالة، قال هؤلاء: إن حكمنا بأن الوكيل لا ينعزل، فقتْلُ المستناب واقعٌ بحقٍّ، فلا دية، وإن حكمنا بأنه ينعزل، فالقتل غير واقع بحق، فتجب الدية. وهذا مسلك باطل، وقد أورده الصيدلاني، وبنى المسألة عليه، ووجه بطلانه أنا وإن حكمنا بأن الوكيل لا ينعزل، فتصرف ذي الحق نافذ في حقه، فإذا نفذ وتضمّن نفوذه عزلاً للوكيل، انعزل قطعاً. ولو وكل الرجل رجلاً ببيع عبده، ثم إن الموكل أعتقه، ثم باعه الوكيل، فالبيع مردود؛ فإن العتق لا بد من تنفيذه، وفي تنفيذه رد [بيع] (٤) الوكيل، والعفو في مسألتنا من مستحِق القصاص مشبّه بالعتق في الصورة التي ذكرناها، فلا وجه لرد

стр. 8335

العفو، وإذا سقط القصاص، فلا معنى لبقاء الاستنابة مع سقوط أصل الحق، فقد ظهر فساد أصل هذا المأخذ. ومن أصحابنا من قال: القصاص ساقط بالعفو لا محالة، والوكالة زائلة، والقولان في وجوب الدية مأخوذان من أصلٍ آخر، وهو أن من قتل إنساناً عمداً في دار الحرب، وجرد القصد إليه وألفاه في صف المشركين، ثم تبين أنه كان مسلماً [مأسوراً] (١)، فلا شك في انتفاء القصاص، وفي وجوب الدية قولان؛ من جهة ظهور العذر في الإقدام على القتل، فالمستناب إذا قتل بهذه المثابة؛ من جهة أنه بنى أمره على قصاصٍ [ثابت] (٢) واستنابةٍ صحيحة، وهذه الطريقة [مثل] (٣) قليلاً، وإن كان يتضح الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة الأسير؛ فإن القاتل لا يبعد نسبتُه إلى التقصير وترك التحفظ، من جهة اقتداره على أن يقتل والمستحِق واقف عليه، ولا يستمكن الغازي من العلم بالمصطفّين في صف الكفار، وهو مأمور بقصدهم بأسباب المنايا. ١٠٤١٠ - ثم إن قلنا: تجب الدية على المستناب، فلا شك في وجوب الكفارة، وإن قلنا: لا تجب الدية، فظاهر نص الشافعي أن الكفارة لا تجب. ومن أصحابنا من قضى بوجوبها، وهو مذهب المزني، ولا وجه في انتفاء الكفارة إلا المصير إلى تقدير بقاء القصاص ووقوع القتل حقاً؛ فإن (٤) الكفارة تثبت على من قتل أسيراً بسهم غَرْب (٥) على العاقلة (٦).
следующие страницы →