← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

البدل والنسبة؛ فيد الشاب الأيّد مقطوعةٌ بيد الشيخ الفاني الهرم، والسبب في ذلك أن التفاوت في الشلل يوجب التفاوت في البدل، وذلك يغير النسبة، وهذا الذي اتفق الأصحاب فيه يؤكد ما قدمته في تفاوت العضوين الزائدين إن كان [لجِرْمهما] (١) أثر في نقصان البدل. ١٠٤٧٩ - ولا تصفو هذه المسائل وما يأتي بعدها عن كدر التردد، ما لم نذكر الشلل ومعناه، فيد المرتعش وإن ازدحمت عليها الحركات الضرورية كاليد السليمة، فما الضبط في ذلك؟ الوجه أن نقول: الشلاء هي التي لا حراك بها أصلاً، وإن [أعملها] (٢) صاحبها [بتحريك] (٣) الساعد إياها، فسبيل إعماله إياها كسبيل إعماله آلة من الآلات. وكان شيخي ﵁ يقول: الشلل ينافي الحس والحركة، ولست أرى الأمر كذلك، ولا يبعد أن يبقى الحس بعض البقاء مع تحقق الشلل، والتعويل على ما ذكرناه من سقوط [العمل] (٤). ثم أطلق الأصحاب أن الشلل مما يتصور زواله، وفرعوا عليه مسائل عندهم، وهذا يُبيِّن أن [الشلل] (٥) ليس موتَ العضو، وليست الشلاء [ميتة] (٦) قطعاً، ولو ماتت وانقطع روح الروح عنها، لأنتنت [وعَفِنت] (٧)؛ فإنها ليست كالشَّعْر المخلوقة (٨) على [الخُشارة] (٩) وقلة الرطوبة.

стр. 8402

وإن قيل هلاّ اعتبرتم البطش [بحيلة] (١)، ثم حططتم قدراً من الدية بزوال بعضه كدأبكم في البصر، فإنكم ستصفون في مسائل الديات أن البصر قد يضعف بالجناية، وسبيلَ (٢) [قياس] (٣) النقصان بما كان في حالة الكمال، على ما سيأتي شرح ذلك في الديات؟ قلنا: لا فرق بين القاعدتين في الأصل، وآية ذلك أن الجناية المنقِصة للبصر توجب غُرماً على الجاني والجناية المنقصة للبطش توجب [غرماً] (٤) أيضاًً، فلا فرق في هذا الأصل؛ فإن الغرم وإن سمي حكومةً جزء من الدية، وإذا أُخذ جزء من الدية من الجاني في مقابلة نقصان معنى مطلوب في المجني عليه، فلا بدّ وأن يكون لفوات ذلك الجزء أثر، ولا بد والحالة هذه من أن نقول: من غَرِم الجاني بدلَ بعض بطشه، فلو قطع رجلٌ كاملُ البطش هذه اليدَ التي وصفناها، فلا وجه لقطع تيك اليد بهذه. ولو فرض نقصان البطش بآفة سماوية، فلا أثر له، وعليه بنينا قطع يد الشاب بيد الشيخ؛ فكأنا في وجوه الخلل [الخِلْقية ننظر] (٥) [إلى] (٦) غايته، وغايةُ نقصان البطش الشلل، والشلل تبدّلٌ في الخلقة، وليس في حكم تحوّل من طور إلى طور. فإن قيل: اليد التي نقص بطشَها الجنايةُ، وغرم أرشَها، ولم تنته [إلى] (٧) الشلل، لو قطعت هل يجب على قاطعها تمامُ دية اليد؟ قلنا: لا يجب التمام على الأصح، إذا استمر الضعف، وسيأتي تفصيل ذلك في العين، والبطش، والشَّيْن، وشبه الفقهاء هذا المسلك بوقوع إنسان في [السكرات] (٨)، ومصيرِ آخر إلى حركة

стр. 8403

المذبوح بفعل فاعل، والصائر إلى حالة المحتَضَرين حيٌّ في حكم الجناية، حتى لو حزّ جانٍ رقبته، وجب عليه القصاص، ولو صار إلى مثل هذه الحالة بفعل فاعل، فالأمر بخلافه. هذا منتهى ما أردناه في بيان الشلل، والبطش، وتنخّل منه أن ما تفاوت الشلل [فيه] (١) يرجع إلى نضارة العضو واستحشافه، وحُسنه في المنظر وقبحه، وإلا [فلا عمل] (٢) مع الشلل. وكان شيخي يقول في مجلس الإلقاء: إذا سقط معظم العمل، ولم يبق إلا أدنى حركة، فلست [أخشى] (٣) أن أقابل بهذه اليد يداً باطشة. وهذا عندي خبل (٤) لا أصل له، وبين أيدينا مسألة سأعيد فيها بعض هذه المباحثة، فإن الشافعي قال: إذا بدا الجذام بالأنف، فإن لم يأخذ في التقطع، فالعضو كالسليم وإن أخذ في التقطع، كان كاليد الشلاء، وسنذكر حقيقة هذا في موضعه. وكل ما ذكرناه إذا تفاوتت اليدان في الشلل والسلامة، مع الاستواء في الصورة، والخلقة. ١٠٤٨٠ - فأما إذا كان التفاوت راجعاً إلى الخلقة، فذلك يختلف، فقد تكون [إحدى] (٥) اليدين على الخلقة التامة، والأخرى ناقصة عنها نقصاناً معتبراً. وقد يكون التفاوت باختصاص إحدى اليدين بزيادة في الخلقة على الخلقة المعهودة في الاعتدال. فأما إذا كان التفاوت في نقصان إحدى اليدين، وكون الأخرى على الاعتدال، فإن كانت إحداهما ناقصة بإصبع والأخرى على كمال الخلقة المعتدلة، فإن كان النقصان في يد القاطع، وكانت يده ناقصة بإصبع ويد المقطوع كاملة، فالمجني عليه يقطع يد

стр. 8404

الجاني ويرجع إلى أرش إصبع، وقد ذكرنا أن هذا من نقصان [الجزئية] (١)، وليس كما لو كانت يد القاطع شلاء وصور الأصابع والكف ثابتة، ولكنها منعوتة بالشلل. وإذا قطع المجنيُّ عليه -وكانت يده كاملة- يدَ الجاني قصاصاًً، ويد الجاني ناقصة، لم يرجع إلى مزيد أرش في مقابلة نقصان الإصبع من يد الجاني. ولو كانت يد الجاني كاملة الأصابع، فقطع يداً ناقصة بإصبع، فلا سبيل إلى قطع يد الجاني من الكوع؛ فإن في ذلك -إن قلنا به- زيادة على القدر المستحق؛ فإن يد الجاني كاملة في اعتدال الخلقة، ثم لو قال المجني عليه: مكّنوني من استيفاء القصاص من أصابعه الأربع، أجبناه إلى ذلك، ومكّناه أن يلقطها ونترك [الإصبع] (٢) التي [ما مُكّن منها للمجني عليه] (٣)، ونترك الكف لا محالة لمكان تلك [الإصبع] (٤)، وأبو حنيفة (٥) يأبى هذا النوعَ من القصاص، ولا يجيز أن تلقى حديدةُ القصاص مَوْضعاً غيرَ الموضع الذي لقيته حديدةُ الجاني من المجني عليه. ١٠٤٨١ - ثم طرد أئمتنا الأصل الذي انتهينا إليه، وقالوا: إذا قطع الجاني يد إنسان من نصف الساعد، فلا نقطع يد الجاني من ذلك الموضع، لما قدمناه من أن إجراء القصاص في العظم عسر، ولا يتأتى الوفاء فيها برعاية المماثلة، ولكنا نجوّز للمقطوع يده من نصف الساعد أن يقطع يد الجاني من الكوع، [ثم] (٦) يرجع بحكومة الساعد. وكذلك لو قطع الجاني من نصف العضد، فللمجني عليه قطع يد الجاني من المرفق، ثم إذا فعل ذلك رجع بحكومة العضد. وإذا أبان الجاني يد المجني عليه من [الكتف] (٧) وخفنا الإجافة في القصاص؛

стр. 8405

فمنعنا الاقتصاص من الكتف، فللمجني عليه القطع من المرفق، والرجوع إلى حكومة العضد. ولو وقع القطع من [المرفق] (١) وقد أوضحنا أن القصاص يجري فيه، فلو أراد المجني عليه أن يقطع من الكوع، لم نمكنه من ذلك، فإنه قادر على وضع حديدة القصاص في الموضع الذي وضع الجاني حديدة الجناية عليه، فإذا أمكنت رعاية المساواة، فلا معدل عنها، ومستحِق القصاص مخير بينها وبين ترك القصاص [إحساناً] (٢). ولو قال من قطعت يده، وقد تمكن من قطع يد الجاني: مكنوني من قطع أنملة من يد الجاني وأنا أقنع بهذا، فلا يجاب إلى ذلك. ثم إذا كان قَطَعَ الجاني من المرفق، وأمكن إجراء القصاص فيه، فابتدر المجني عليه، وقطع يد الجاني من الكوع، فقد أساء، ولكن وقعت اليد قصاصاًً، فلو قال: مكنوني الآن من القطع من المرفق، فإني كنت مستحقّاً لذلك، لم نسعفه بذلك أصلاً، ولو قال: إذا أبيتم هذا فأثبتوا لي حكومة الساعد، لم نثبتها، وقلنا له: أنت تركت حقك مع القدرة عليه، ورضيت ببعض حقك. هكذا قال الأصحاب. ١٠٤٨٢ - ولو وقع القطع من نصف الساعد، فقد ذكرنا أن للمجني عليه أن يقطع يد الجاني من الكوع، [فلو قال] (٣): ألقط أصابعه، لم نمكنه، لتعدد الجراحات، وهذا عظيم الموقع، وهو متمكن من القطع من الكوع، وهو أهون وأكمل. ولو وقع القطع ابتداء من نصف العضد، فأراد المجني عليه أن يقطع من الكوع، مع تمكينه من القطع من المرفق، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - ليس له ذلك؛ فإن المرفق أقرب إلى محل الجناية. والوجه الثاني - له ذلك، فإن حديدة

стр. 8406

القصاص إذا [جازت] (١) عن محل الجناية ضرورةً، والقطع من الكوع أهون من المرفق، فلا يمتنع القطع الذي يتضمن ترك بعض الحق من غير تعديدٍ في القطع يتضمن المثلة، كما ذكرناه في طلب لقط الأصابع. ثم إذا قطع الكوع إما مبادراً، وإما بأن سوغنا له ذلك، فهل يجوز له الرجوع إلى حكومة الساعد، والقدرِ المقطوع من العضد؟ هذا ينبني على الخلاف في جواز القطع من الكوع، فإن منعنا ذلك، فليس له حكومة الساعد، وإن جوزنا القطع من الكوع، ففي سقوط حكومة الساعد وجهان: أحدهما - أنه يسقط؛ من جهة أنه أعرض عن حقه، مع التمكن منه. والثاني - له حكومة الساعد، وترْكُه لحقه في الساعد بمثابة عفوه عن القصاص، ولو عفا عن القصاص، لثبت له الرجوع إلى المال. فإن قيل: هلا قلتم: له الرجوع إلى حكومة الساعد، وإن فرعنا على منعه من القطع من الكوع، لأنه تاركٌ حقَّه في قطع المرفق، ومستحقُّ القصاص يرجع إلى المال؟ فهذا [عفوٌ] (٢) على كل حال؟ قلنا: لا ننكر كونَ هذا قياساً، ولكن أجرى الأصحاب إسقاط الحكومة تغليظاً على المقتص إن فعل ما ليس له أن يفعله، وأما الحكومة في مقابلة بعض [العضد] (٣)، فإنها ثابتة في كل حساب؛ فإن التعذر في الاقتصاص محقق شرعاً، لا ينسب المقتصَّ إلى تركٍ. واستشهد القفال لسقوط الحكومة في الساعد في صورة الوجهين بمسألة من القسْم تقْرُب فقهاً؛ وإن كانت تبعد تصويراً: [فللثَّيب إذا أرادت ثلاثةُ العقد] (٤)، لا تحسب عليها من أدوار القَسْم، فلو أرادت أن يقيم الزوج عندها سبعاً -وهي مدة الأبكار- أجابها الزوج، وقضى السبعَ للباقيات، وبطل اختصاصها بالثلاث؛ لأنها تعدّت محلّ حقها، وحدَّ استحقاقها.

стр. 8407

وهذه المسألة شاذّةٌ عن القياس، والمعول [فيها] (١) الخبر؛ فلا ينبغي أن يستشهد بها، وسبيل التوجيه أن نقول: إذا قدر على القطع من المرفق، فقطع من الكوع، فكأنه أقام هذا القطعَ من الكوع مقام هذا القطع من المرفق، فقام مقامه وليس [كالعفو] (٢) عن القصاص أصلاً مع الرجوع إلى الدية. هذا منتهى النظر، والله أعلم. ١٠٤٨٣ - ومما يتعلق بذكر التفاوت بين يدي الجاني والمجني عليه أن يد المجني عليه لو كانت على الخلقة المعتدلة، وكانت يد الجاني [مختلَّة] (٣): إصبعان منها شلاّوان، وثلاثٌ صحيحة، فإن قنع المجني عليه بيد الجاني كما صادفها، جاز، ولا مرجع إلى الأرش، وقد ذكرنا ذلك في اليد الشلاء، فما الظن بها إذا كان الشلل في بعض أصابع الجاني؟ ولو قال المجني عليه: لست أقنع بيد الجاني، ولكني ألقط الأصابع الثلاثَ الصحيحة، أجبناه إلى ذلك، ويرجع إلى الأرش فيما لم يستوفِ. والتفصيل فيه أن نقول: يرجع بدية أصبعين لا محالة، وبقي الكلامُ في حكومة الكف، فأما ما يقابل الأصابع الثلاثة التي اقتص فيها، وهو ثلاثة أخماس حكومة الكف، فهل يطالِب بها أم تندرج تحت القصاص في الأصابع الثلاث، فعلى وجهين: أحدهما - أنها تندرج تحت دياتها؛ فإن دية الأصابع الخمس من الرجل الكامل خمسون من الإبل، ودية اليد إذا قطعت من الكوع خمسون من الإبل، فالكف إذاً في الاعتبار الذي ذكرناه مندرجة تحت الأصابع في الدية، والقصاص أحدُ البدلين؛ فلتستتبع الأصابع فيها مغارسَها من الكف. والوجه الثاني - أن الحكومة لا تتبع القصاص؛ فإن القصاص في [وضعه] (٤) مماثلة

стр. 8408

محسوسة، والديات أبدال [تحكّميّة] (١)، فإذا جرى القصاص في الأصابع دون الكف، وقد قطع الجاني منه الكف، فمقابلة الكف والأصابع بالأصابع المحضة يخالف المماثلةَ المرعيةَ في [قضية] (٢) القصاص والأروش، ولا يغني [القصاص] (٣) على هذا. هذا قولنا فيما يقابل الأصابع المقطوعة قصاصاًً في حكومة الكف. [فأما الخمسان] (٤) المقابلان للأصبعين اللذين يرجع فيهما إلى الدية، فالمذهب الذي قطع به معظم أئمتنا أنه لا يرجع بما يقابل الأصبعين في حكومة الكف، لما قدمناه من أن دية الأصابع الخمس [هي دية اليد المقطوعة من الكوع] (٥)، فإذا اندرجت جملة الكف تحت ديات الأصابع، فليندرج البعض فيها تحت البعض؛ فإن الكل متركب من الأجزاء، والحكم الثابت للكل ينقسم على أجزائه. وذهب بعض أصحابنا إلى أن له المطالبةَ بما يقابل الإصبعين، وهذا بعيد، وإن حكاه معتمدون، ووجهه على بعده: أن كل الأصابع إن استتبعت الكف، فلا يمنع ألا يجرى ذلك في بعضٍ، ويقال: إذا وجب بعض حكومة الكف يجب تمام حكومتها، وما ذكرناه في الأصبعين اللذين ثبت ديتهما يرتب على ما يقابل الأصابع الذي جرى القصاص فيها، فإن قلنا: القصاص يستتبع، ففي الدية الخلاف الذي ذكرناه. فهذا كلام أرسلناه، وتمامُ بيانه في آخر الفصل. ١٠٤٨٤ - ولو كان يد المجني عليه [مختلّة] (٦): فكانت إصبعان شلاوان وثلاث صحيحة، ويد الجاني معتدلة الخلقة، فلا شك أنا لا نقطع يدَ الجاني من الكوع،

стр. 8409

وللمجني عليه أن يقتص من ثلاث أصابعَ ويلقطَها، من يد الجاني، ويرجعَ إلى حكومة الإصبعين الشلاوين. ويبقى الكلام في حكومة الكف: أما ما يقابل القصاص، فعلى الخلاف المشهور، وأما ما يقابل الإصبعين الشلاوين، فالمذهب أنه يرجع بذلك القدر من حكومة الكف، [وهو] (١) خمسا حكومة الكف، [وأبعد] (٢) بعض الأصحاب وزعم أن الأصبعين الشلاوين يستتبعان ما يقابلهما من حكومة الكف، وهما خُمسا الحكومة، وهذا الخلاف يرتّب على ما ذكرناه في الدية؛ فإن قلنا: الدية لا تستتبع، فلأن لا تستتبع الحكومةُ أولى. وإن قلنا: الدية تستتبع، ففي الحكومة وجهان: أصحهما- أنها لا تستتبع، والفرق أن الدية أصلٌ والحكومة فرع، فلا يبعد أن يستتبع الأصل الفرعَ، فأما الحكومة، فيبعد أن تستتبع الحكومةَ. وضبط القول فيما ذكرناه من الاستتباع يقتضي التنبه لأمور: منها أن الدية حَرِيةٌ بأن تستبع الحكومةَ، والحكومة بعيدة عن استتباع الحكومة، والقصاص على التردد [من] (٣) حيث إنه أصل، كما أن الدية أصل، ولكنه [مخالف] (٤) في وضعه للمال، فاقتضى ذلك تردداً فيه. ومما يتعين ذكره أن الاستتباع في جملة الأصابع متجه واقع، وهو في البعض أبعد، ويتبين الآن ما أشرنا إليه بالتفصيل. فإذا كان يد المجني عليه كاملةً معتدلة، وكانت يد الجاني زائدة بإصبع، فلا سبيل إلى قطع يد الجاني، فإذا قال المجني عليه: اغرم لي ديات أصابعي، كان كما لو قال: اغرم لي دية يدي، ولا يبين نظرٌ في الاستتباع لمكان اجتماع الدية مع فرض الكلام في جملة الأصابع.

стр. 8410

ولو طلب المجني عليه القصاصَ في الأصابع الخمس، ففي الاستتباع وجهان، ولكن الاستتباع هاهنا أظهرُ، لجريان القصاص في جميع الأصابع. وإذا جرى تغريم الدية في بعض الأصابع، ظهر هاهنا أوّلُ الخلاف في الاستتباع، والأظهر الاستتباع. وأما الحكومة؛ فإنها بعيدة عن الاستتباع. هذا تمام الغرض فيما ذكرناه. والقول في مقدار حكومة الكف مؤخر إلى كتاب الديات، ففيها نستقصي الحكومات، وسبيلَ الاعتبار فيها. ١٠٤٨٥ - ولو اشتملت يد الجاني والمجني عليه على الشلل في بعض الأصابع، فإن كان ذلك على الاستواء، جرى القصاص [من] (١) الكوع، مثل أن يكون المُسبِّحة من يد كل واحد منهما شلاء، ولو اختلفت اليدان فيما ذكرناه لم يجرِ القصاصُ من الكوع، وذلك بأن تكون المُسبِّحة من إحدى اليدين شلاء، [والوسطى من الأخرى] (٢)، فلا يجري القصاص من الكوع، ولا تجزىء الصحيحة من يدٍ الشلاءَ من الأخرى. وقد نجز ما أردناه من تفاوت اليدين في الزيادة، والنقصان، والخروج عن الاعتدال، وبقي منه فصل في نهاية الإعضال، وهو القول في زيادة الإصبع، ونحن نفرد هذا بفصلٍ بعد هذا، جرياً على تفصيل [السواد] (٣). فصل قال: "لو سأل القودَ ساعةَ قُطع أصبعه أقدتُه ... إلى آخره" (٤). ١٠٤٨٦ - من قطع طرفاً أو أطرافاً من إنسان، واستوجب القصاص فيها،

стр. 8411

[فسأل] (١) المجنيُّ عليه القودَ من ساعته، فالمذهب الذي عليه التعويل أنه يجاب إلى ذلك، ويمكّن من الاقتصاص على [جزئه] (٢)، وذلك أن القصاص لا يسقط في الأطراف بتقدير سِراياتها إلى النفس، وقد مهدنا في أول الكتاب أن القصاص لا يندرج تحت القصاص في النفس، وإنما تندرج الأطراف تحت النفس في الدية، وإذا كان كذلك، فالوجهُ إسعافُ طالب القصاص بحقّه على الفور. قال شيخي: قلنا للققال: إذا قطع الجاني اليد في المساء، فطلب المجني عليه القصاص في حَمارّة [القيظ] (٣)، وقد يغلب على الظن أن ذلك مهلك في هذا الوقت، فهل نجيب طالب القصاص، أو نؤخر حق الاقتصاص إلى مثل الزمان الذي جرت الجناية فيه؟ فتردد القفال، واستقر جوابه على أنا لا نؤخر ولا نبالي بما يؤدي القطع إليه. ولو قطع رجل يدي رجل، وتركه حتى اندمل ما به من جرح، ثم قطع رجليه، ثم تركه [حتى اندمل، ثم والى القطعَ حتى ما] (٤) فضل منه أعضاء مع تخلل الاندمال، فإذا جاء المجني عليه يطلب القصاص، أسعفناه بما يطلبه، ومكّنّاه من استيفاء القصاص [وِلاءً] (٥) في الأطراف، وإن جرت الجناية مفرقة (٦). وقال بعض أصحابنا: من جنى على طرف أو أطراف لم نقصّ المجني عليه ما لم تندمل تلك الجراحات، كما سنذكر مثل ذلك في الدية.

стр. 8412

وهذا بعيد لا أعرف له وجهاً، ولكن حكاه معتَمدٌ في الحكاية والنقل. ١٠٤٨٧ - ثم لو آل الأمر إلى المال، فطلب المجني عليه المالَ، فظاهر النص للشافعي في الكتب: أنا نتوقف إلى الاندمال، وقال في السيد إذا جنى على مكاتَبه: "إن الأرش يتعجل على المولى، ليصرف إلى جهة التحرير"؛ فاختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: في [المسألة] (١) قولان: أحدهما - التعجيل وإسعاف الطالب بحقه من المال؛ قياساً على القصاص في المذهب الظاهر. والقول الثاني - أنا نتوقف؛ فإن الجراحات قد تسري، فتصير نفساً، فيختلف قدر المال، فالوجه التوقف إلى أن يبين حكمُ المال. فإن قلنا: نقدم له ما يطلبه من حق المال، [ففي] (٢) القدر الذي نُكلّف الجاني تعجيلَه قولان: أحدهما - أنا نكلفه تعجيلَ ديات الأطراف، فإن سرت وأدت إلى الهلاك، استرددنا حينئذٍ ما يزيد على الدية الواحدة، وليس ذلك بدعاً في أصول الشريعة، فإنا قد نغرّم المعتدي قيمة عبدٍ غصبه إذا أبق؛ للحيلولة الناجزة، ثم إذا آب العبد، رددنا القيمة واسترددناه، فإذا كنا نغرّم القيمة لتنجُّز الحيلولة، فلأن نغرّم أروشَ الأطراف، وقد تنجز فواتُها أولى. والقول الثاني - أنا لا نعجل إلا ديةً واحدة؛ فإن الجراحات سارية، وهي محمولة على السرايات إلى الزهوق. وإذا جمعنا [ما أخّرنا] (٣) إلى ما قدمنا، انتظم منه أقوال: أحدها - أنّا نقدّم الأروشى كلَّها، ثم ننظر ما يكون. والقول الثاني - أنا لا نقدّم إلا ديةَ النفس. والقول الثالث- أنا لا نقدّم الأرش ما لم تندمل الجراحة. فإن قيل: ما وجه هذا القول، وما محمله والأروش لا تنحط عن الدية؟ قلنا: قد [يشارك] (٤) هذا الجاني أعدادٌ من الجناة، ثم تسري الجنايات إلى الموت، فلا

стр. 8413

يخص الجاني إلا جُزءٌ من مائة جزء مثلاً، وإذا أمكن تقدير هذا، ولا ضبط ولا مردّ، فالوجه التوقف في [الجميع] (١). فأعدل [الأقوال] (٢) إجابة الطالب إلى دية واحدة، فإن [حَمْلَه] (٣) السريان على الزهوق [ليس] (٤) بدعاً، وتصوير الاشتراك نادر، ولا وجه للحمل على النوادر، فإن هذه طريقة الأصحاب. ومن أئمتنا من أقر النصوص في مواضعها، ولم ير تعجيل شيء من الدية قبل الاندمال إلا في مسألة المكاتَب، والسبب فيه أن الكتابة موضوعُها على تعجيل [عَتاقة] (٥) المكاتَب، ولذلك قطعنا بأنه لو جاء المكاتَب بالنجم قبل محِله، أُجبر السيد على قبوله. [وإذا] (٦) جاء من عليه الدين المؤجل بالدين قبل محِله، ففي [إجبار] (٧) مستحقه على القبول قولان، والفارق ما أشرنا إليه. [ومن] (٨) سلك هذا المسلك اختلفوا في تنزيل هذا الكلام [في] (٩) المكاتب: فمنهم من حمله على النجم [الأخير] (١٠) وفرض أرشا يكمل به النجوم، حتى لو لم يكن كذلك، رُدّ الأمر إلى التفصيل المذكور في [الإجبار] (١١). ومن أصحابنا من طرد هذا في جميع [الأقساط] (١٢) والنجومِ، وهذا ظاهر النص. فإن قيل: أي فائدة لتعجيل أرش المكاتب، ولو كانت الأروش زائدة على

стр. 8414

القيمة، فأدت [السراية] (١) إلى الهلاك، رجعت إلى القيمة، وبيّنا أن ما حكمنا به في الزائد على القيمة منقوص، وإنما يقع الحكم بموجَب المآل؟ قلنا: نعم، الأمر كذلك، ولهذا لم يُصحح الأئمة إلا طريقة الأقوال مع الاطراد في الحر والمكاتب. ١٠٤٨٨ - ومن تمام الفصل أن الجراحة لو كانت جراحةَ حكومة، لم يختلف أصحابنا المعتبرون في التوقف إلى أن تبين عاقبة الأمر، والسبب فيه أنها غيرُ مقدّرة، ولا يبين أمرها إلا عند منتهاها. وحكى شيخي أن من أصحابنا من قال: يُسعَفُ المجني عليه بأقلِّ حكومة تعرض، وهذا يُعتمد. وسيكون [لنا] (٢) على حال إلى هذا الفصل عودة في كتاب الديات، إن شاء الله . فصل قال: "ولو كان للقاطع ست أصابع ... إلى آخره" (٣). ١٠٤٨٩ - مضمون الفصل كلامه في الإصبع الزائدة، ونحن نذكر حكمها، لو كانت على يد الجاني مع اعتدال خَلْق المجني عليه. وحكمَها لو كانت على يد المجني عليه مع اعتدال خَلْق الجاني. فإن كانت على يد المجني عليه، فقطعها الجاني من الكوع، قطعنا يد الجاني، وغرمناه أرش الإصبع الزائدة. ولو كانت على يد الجاني، لم نقطع يده؛ لمكان تلك الزيادة. ولو أراد المجني عليه أن يلقط أصابعه الأصلية، نظر: فإن كانت الزيادة مائلةً عن

стр. 8415

سمت منابت الأصليات، تركناها وقطعنا الأصابع الأصلية قصاصاًً. وإن كانت الإصبع الزائدة على سَنَن الأصليات واستواء منابتها، فإن كانت غيرَ ملتبسةٍ بالأصليات، وكان استيفاء الأصليات مع إبقائها ممكناً، فللمجني عليه استيفاؤها، [وفي] (١) حكومة الكف من التفصيل ما قدمناه، لمّا ذكرنا الاختلاف في أن القصاص في الأصابع هل يستتبع [أقدارها] (٢) من حكومة الكف. وإن كان قطْعُ بعض الأصليات يؤدي إلى فسادٍ للزيادة، لم يجر القصاص فيما يؤدي قطعه إلى إتلاف الإصبع الزائدة. وكل ذلك بيِّن في الأصول التي سبق تمهيدها. ١٠٤٩٠ - [وإنما] (٣) المشكل من هذا الفصل صورتان: إحداهما - أن الجاني لو كانت له ست أصابع، وقال أهل البصر: لا ندري أن أصبعاً واحدة زائدة فيها، وهي ملتبسة بها، أو الأصابع الست أصليات، والطبيعة قسمت مادةَ الأصابع بتقدير العزيز العليم ستةَ أجزاء على استواءٍ في القوى والعمل، وهي على الاعتياد تنقسم من غير هذا الشخص خمسةَ أقسام، هذه صورة. الصورة الأخرى - أن يحكم أهل البصائر أنها أصليات، انقسمت ستةَ أقسام. ونحن نتكلم في كل صورة بما يليق بها، إن شاء الله . ١٠٤٩١ - فأما إذا جوزنا أن تكون واحدة زائدة، وخمس أصليات، وجوزنا أن يكنَّ أصليات، فإذا كان الجاني بهذه الصفة، وكان قطَعَ يداً معتدلة من الكوع، فلا نقطع هذه اليدَ من الجاني، قال الأئمة: لا نمكّن المجنيَّ عليه من لقط خمسِ أصابعَ من يد الجاني، لأصلٍ متفق عليه بين الأصحاب، وهو أن الإصبع الزائدة لا تقطع بأصلية، وإن تدانيا في المنبت، ولا تقطع بها أصلية، وليست الزائدة كالإصبع الشلاء، والسبب في ذلك أن الاختلاف في الأطراف يمنع إجراء القصاص، ولهذا لا نقطع خِنصراً ببنصر، ويُسرى بيُمنى، وليست الزائدة كالشلاء؛ فإن الشلاء أصلية

стр. 8416

نابَها الشّلل، واختلاف الصفة لا يوجب اختلاف الجنس. فإذا تقدم ذلك، فنحن نجوّز أنا لو قطعنا خمساً من أصابع الجاني أن تكون واحدة منها زائدة، ولا تكون [مجزئةً] (١) في مقابلتها بأصلية. هذا هو السبب في المنع عن الإقدام على قطع خمس أصابع، فإن كل واحدة يُفرض الإقدام عليها [يصدق] (٢) أن يقال: إنها الزائدة، وهذا بيّن. ثم بنى الأصحاب على هذا، فقالوا: لو ابتدر المجني عليه في هذه الصورة، وهي صورة الإشكال، فقطع خمسَ أصابعَ [وِلاءً] (٣)، ثم قلنا: الأصابع التي قطعتها هي أصابعك من غير زيادةٍ هي ولا نقصان؛ فإنا نجوّز أن تكون أصلية، والزائدة [هي] (٤) التي أبقيتها، ويجوز غيرُ ذلك، فلا لك ولا عليك. فإن قال: [لم تقطعوا له حقي عليه في الكف الذي عليه الأصابع] (٥)، والأصل بقاء استحقاقي. قلنا: نعم، ولم نأمر؛ إنك استوفيت حقك، وأنت جَرَرْتَ إلى نفسك هذا؛ فإن قدرناك غير مستوفٍ حقك وقد قطعت -والشرعُ لا يعطل القطع- عارضه إمكان القطع موفياً حقك، فلا وجه إلا ردُّ الأمر إلى النظر في حكومة الكف، وقد مضى القول فيه. ١٠٤٩٢ - فأما إذا قال أهل البصيرة: الأصابع أصلية، ولكنها انقسمت ستة أقسام، فقد قطع أئمتنا بأن القصاص يجري فيها؛ فإن التفاوت في الانقسام مع الحكم بتأصل الأصابع لا يوجب اختلافاً في الجنس، وسنذكر بعد هذا أن الإصبع إذا كان على رأسها أنملتان مستندتان، وعاملتان، فهما أصليتان، فلو قطعهما معتدلٌ في الخلقة، قطعنا الأنملة العليا منه، وألزمناه زيادة حكومة.

стр. 8417

وقالوا: لو كان هذا الانقسام في الأصابع في يد المجني عليه ويدُ الجاني معتدلة، قطعنا يد الجاني بيد المجني عليه، وألزمناه زيادة الحكومة، فقد تحقق أن الانقسام لا يُثبت اختلافاً يمنع من التقابل في حكم القصاص. فنعود بعد هذا إلى فرض هذه الزيادة في يد الجاني، فنقول: إذا أراد المجني عليه أن يقطع خمس أصابع من يد الجاني، فله ذلك، سنصف ونقول: ينبغي أن يكون قطع هذه الخمسة على وِلاء، فيقع واحدٌ منها على الطرف لا محالة، والذي يختلج [في النفس] (١) لا محالة، فمن [دقّة النظر] (٢) إيثار منع القصاص، فإن الأصابع الست انقسمت على [نظمٍ] (٣) يخالف نظمَ الخمس المعتدلة، فالقطع منها يغمض. نعم، لو قطعها قاطع، لم يغمض قطع الخمس بها، كما ذكرناه في قطع أنملة معتدلة بالأنملتين. وهذا هو الذي يختلج في الصدر، والاحتمال فيه واقع. ولكن ما رأيناه للأصحاب، هذا الذي نقلناه. ثم إذا تعدينا هذا الكلام بعده في الرجوع بمزيد، فإذا قطع المجني عليه خمسَ أصابع من يد الجاني، فلا شك أن حقه لم يتوفر عليه، وليس كالصورة التي قدمت، وهي إذا قطعنا أن واحدة زائدة وخمساً أصلية؛ فالأصابع الخمس تقع خمسة أسداس، وأصابع المجني عليه كانت على كمالها، فنُثبت له مع قطع الخمس رجوعاً إلى شيء،

стр. 8418

وظاهر هذا التقدير يقتضي أن نثبت مع قطع الخمس دية [الإصبع] (١) ونحن نقدر هذا ونحط منه بالاجتهاد؛ فإن الأصابع التي قطعناها من يد الجاني خمسٌ في الصورة مشابهةً خمساً معتدلة، فكان ذلك مقتضياً مزيةً وزيادةً على نسبة التسديس، وسنذكر لهذا نظائر في الأنامل، والذكرين، وغيرها، ثم ذلك الذي نحطّه من السدس مفوّض إلى رأي المجتهد. هذا تمام المراد ونحن نهذبه بمسائل: ١٠٤٩٣ - فإذا قطع مَنْ أصابعه منقسمة ستةَ أقسام إصبعاً أصلية، قطعنا من تلك الجهة إصبعاً من أصابعه، وألزمناه ما بين الخُمس والسدس مع حطيطةِ مقدارٍ لما نبهنا عليه. ولو قطع رجل معتدل الخلق إصبعاً من هذه الأصابع الست، لم نقطع أصبعاً من الجاني وتعليله بيّن، ولكنا نُلزم الجاني سدس دية اليد مع [مزيدٍ لزيادة] (٢) الخلقة في الصورة، وستأتي أمثلة ذلك في الأنامل وغيرها. ولو قطع المعتدل إصبعاً من الأصابع الست، فقد ذكرنا أنه لا تقطع إصبع من أصابع هذا المعتدل، فلو ابتدرها المجني عليه وقطعها، كان هذا عندنا بمثابة ما لو كانت إصبع المجني عليه شلاء وإصبع الجاني سليمة، فابتدر المجني عليه الإصبع السليمة، وقطعها، فهل يقع قصاصاًً، وكيف الحكم؟ هذا مما تقدم ذكره. وقد انتهى الكلام في الفصل ولم يبق فيه إشكال في النقل، وفي الاحتمال ما نبهت عليه. فصل ١٠٤٩٤ - إذا كان لإصبعٍ أربعُ أنامل، نظر فيها، وقيل: إن لم يزد طولها على طول الأصابع، فلا زيادةَ في الخلقة، وإنما الزيادة في تفصيل المفاصل، وتعدد الأنامل، فإذا قطعَ هذا الشخص إصبعَ إنسان، وكانت مثل إصبعه، فإن كانتا

стр. 8419

مسبّحتين مثلاً [فإنا] (١) نقطع الإصبع من الجاني، وإن زاد عدد أناملها؛ فإنه لا زيادة، ولكن انقسمت إصبعه أرباعاً، وانقسمت إصبع الرجل المعتدل أثلاثاً، فلا تفاوت في أصل الخلقة وإنما التفاوت في أعداد الأقسام، وكيفية الانقسام. [والذي] (٢) صار إليه الجمهور أن الإصبع المربعة إذا كانت في يد الجاني، فقطع أنملة من إصبع معتدلة، قطعنا أنملة من إصبعه، وألزمناه مع القصاص مزيداً، وهو ما بين الربع إلى الثلث من دية إصبع، فإن قطع أنملتين من إصبع معتدلة، قطعنا أنملتين من إصبعه المربعة، وألزمناه مع القصاص ما بين النصف إلى الثلثين من دية إصبع، فإن استأصل الإصبع المعتدلة من أصلها، قطعنا إصبعه المربعة، فاكتفينا بالقصاص؛ فإن جملة الإصبع الآن تقابل جملة الإصبع من يد المجني عليه، وأربعة الأرباع تعدل ثلاثة الأثلاث، وإنما كان يطرأ التفاوت والقطعُ (٣) في الأجزاء، فإذا رجع الأمر إلى مقابلة الجملة بالجملة، زال التفاوت (٤). وإذا جنى مَنْ إصبعه معتدلة، على من إصبعه مربعة، فإذا قطع الأنملة العليا، لم نقطع الأنملة العليا من إصبع الجاني؛ فإنا لو فعلنا هذا كنا مقابلين ثلثاً بربع، فإن قطع أنملتين من الإصبع المربعة، قطعنا أنملة من إصبعه المثلثة، وألزمنا الجاني ما بين الثلث إلى النصف، وهو سدس دية الإصبع. وإن قطع ثلاثة أنامل من الإصبع المربعة، قطعنا أنملتين من إصبع الجاني وألزمناه ما بين الثلثين إلى ثلاثة أرباع، وهو نصف سدس دية إصبع. وإن قطع الجاني الإصبع المربعة من أصلها، قطعنا إصبعه، واكتفينا؛ فإن جملة [الإصبع مقابلة بجملة الإصبع] (٥) الأخرى، وإنما التفاضل بين الأجزاء، كما سبق.

стр. 8420

١٠٤٩٥ - وكل ما ذكرناه فيه إذا انقسمت الإصبع أربعةَ أقسام، ولم يزد طولها، فإن زاد طولها، ظهر في الظن أنها إصبع وزيادة أنملة، فيجب الحكم بزيادة ذلك، ثم الأنملة الزائدة قد تساوي بقية الأنامل في [النضارة والانصياع] (١) للعمل، وقد تكون الأنملة العليا [مستحشفة] (٢) ساقطةَ العمل، أو ضعيفة العمل، فيظهر أنها شلاء، أو زائدة على التعين، ولا شك أنا إذا اعتقدنا مزيداً نوجب في الإصبع إذا قطعت دية إصبع وزيادة. ولو قطع صاحب هذه الإصبع إصبعاً معتدلة، لم نقطع إصبعه من أصلها بالإصبع المعتدلة، لمكان الزيادة التي اعتقدناها، ولو قُطعت هذه الإصبع، فالقول في الزائد على دية إصبع يختلف، [كما نبهنا] (٣) عليه: فإن كانت الزيادة ضعيفة [مستحشفة] (٤)، فالزيادة على قدرها، وإن كانت قوية، كانت الزيادة أكثر، وإذا لم يكن فرقٌ، استوت الأنامل ونزلت منزلةَ الأصابع الست، التي اعتقدناها أصلية، وقدرنا مادةَ الأصابع منقسمة ستة أقسام، فلو قطعت أنملة من الأنامل الأربع، وهي متساوية، أوجبنا ربعَ دية إصبع وزيادة، وهكذا إلى الاستيعاب، كما نوجب في إصبع من الأصابع الست التي استشهدنا بها سدس دية يدٍ، وزيادة. ولا يبعد أن نقول: صادفت القوة المدبرة بإذن الله تعالى مزيد مادة [فزادت الإصبع] (٥) قسماً، ثم لا فائدة في قول القائل: [الزائدة] (٦) في الأنامل [أيتها؟] (٧)؛ فإنه [إن] (٨) أراد بذلك طلب حكم في القصاص والدية، [فلا فرق] (٩)

стр. 8421

بين أنملة وأنملة، وإن أراد اطلاعاً على حقيقة الخلقة قيل له: لا فرق بين الأنامل في الخلقة، ولا سبيل إلى [تعيين] (١) واحدة للزيادة. فهذا منتهى المراد في ذلك. ١٠٤٩٦ - ولو تصورت الإصبع بالصورة التي ذكرناها وهي الزيادة في العدد والطول، فلو قطع صاحبها أنملة من إصبع معتدلة، قطعنا أنملة منه؛ فإن أنملته لا تزيد على [ثُلث إصبع] (٢) وإن كان يعترض في [دقة النظر] (٣) شيء، فهو كما ذكرناه من مقابلة إصبع معتدلة بإصبع من الأصابع الستة، وقد قدمت النقلَ والاحتمال. ولو قطع صاحب الإصبع الموصوفة بالزيادة إصبعاً معتدلة، فلا تقطع الإصبع التي وصفناها من أصلها؛ فنكون زائدين في الاقتصاص على قدر الجناية. ولكن هل [نقطع] (٤) ثلاثَ أنامل، ثم ننظر إلى التفاوت (٥)؟ هذا موضع النظر عندنا؛ فإن محل القطع متفاوت؛ فإن الجناية اتصلت بمركب الإصبع من الكف، والأمر في هذه الإصبع بخلاف تلك، ولكن الأصل أن نقطع ثلاث أنامل من إصبعه، ونرجع إلى مزيدٍ، فنسلمه إلى المجني عليه. وإن كان المحذور اختلافَ [موقع] (٦) الحديدة، فهذا سائغ في مذهبنا؛ فإنا نقول: إذا كانت يد الجاني زائدة بإصبع، لقطنا أصابعه الخمس، ولم نقطع يده من الكوع، لمكان الإصبع الزائدة. ١٠٤٩٧ - ومما يطرى في المسألة أنا لو صادفنا إصبعاً فيها أنملتان، ولكنها على طول الأصابع، فيجوز أن يقال: إنها إصبع واحدة، انقسمت بنصفين. والمقصودُ في ذلك لا يتبين إلا بشيء هو في نفسه من أغراض الفصل، وذلك أن

стр. 8422

إصبعاً من الأصابع لو كانت أعداد أناملها على الاعتدال، ولكنها كانت أقصرَ من سائر الأصابع، وهي عاملة، فما نبهنا [عليه] (١) [أن قصر] (٢) الأنامل لا يَنْقُص ديتَها عن أرش إصبع نظراً إلى تمام العدد، وحصول العمل. ولو كانت الإصبع مثلّثة، ولكن أناملها طوال، [فالإصبع] (٣) زائدة في الطول؛ لا لزيادة أنملة، ولكن لزيادة طول الأنامل، فالوجه ألاّ نزيد حكومةً لهذا السبب. وإذا بان هذا، قلنا: إذا صادفنا إصبعاً بأنملتين اعترض لنا خاطران: أحدهما - أنه إصبع ذو قسمين؛ فإنه على طول سائر الأصابع. والثاني - أنهما أنملتان طويلتان، وقد ذكرنا أن طول الأنملة لا يُثبت مزيداً، وإذا اعترض هذان، فالأظهر منهما أنها إصبع تامة [ما نقص قسم منها] (٤)، فكانت كإصبع مربعة، ثم تربعُّ الإصبع مع المساواة في الطول، لم يقتض مزيداً؛ فتنصّفُه (٥) مع الطول المساوي لا يقتضي نقصاناً. وأبو حنيفة لما اعتقد الإبهام [ذا أنملتين] (٦)، أوجب في كل أنملة نصف دية الإصبع (٧). ويحتمل غير ذلك بتأويل الحمل على نقصان الإصبع بأنملة، وازدياد الأنملتين الكائنتين طولاً، وينضم إليه الاستمساك ببراءة الذمة (٨)، وليس معنا في هذه الصورة نقل مُحصِّل. والأظهر تكميل الدية، نظراً إلى الطول.

стр. 8423

فإن قيل: ظهر سقوط منفعةٍ بنقصان أنملة (١)؟ قلنا: قد نتخيل سقوط منفعة الاستداد في تربع الأنامل؛ فإن كمال الخلقة إذا كان يقتضي تثليثاً، فالتربيع يَنْقُصُ معنى مقصوداً كالتنصيف. فهذا منتهى النظر في ذلك. ١٠٤٩٨ - ولو فرضنا أصبعاً لا [تفاصيل] (٢) فيها، فالأظهر عندي نقصان شطرٍ من الدية؛ فإن الانثناء بالكلية إذا زال، سقط معظم منفعة الإصبع في الاحتواء والقبض، وهذا يسهل سبيل [التنقيص] (٣) في انقسام الإصبع نصفين. والعلم عند الله. وفي بعض التصانيف تردد في شيء لا بد من التنبه له، وهو أن الإصبع إذا كانت مربعة وطولها كطول الأصابع؛ فإنها لا تقطع بالإصبع المثلثة المعتدلة، وهذا لم أره لأحد (٤)، ثم في كلامه تناقض، فإنه أَثبت في كل أنملة رُبعَ دية الإصبع، وهذا يناقض ما ذكره في الامتناع عن مقابلة هذه الإصبع بالإصبع المثلثة، وهذا التناقض يحدث، ويقال بعده: لا يمتنع في مسالك الظنون أن يقال: الإصبع المربعة زائدة بأنملة، ولكن أناملها قصار، وهذا وإن كان خلافَ ما قاله الأصحاب، فهو إلى حالٍ يشير إلى مسلكٍ في الظن، لو ساغ القول به [لعُدّ] (٥) وجهاً بيناً (٦)، ولكن الجمع

стр. 8424

بين هذا الاعتقاد وبين مقابلة كل أنملة بالربع من غير مزيدٍ تناقض [محذوف] (١). وقد نجز تمام الغرض في الفصل بحثاً ونقلاً. فصل قال: "ولو قطع أنملة لها طرفإن ... إلى آخره" (٢). ١٠٤٩٩ - إذا كان على رأس إصبع إنسان أنملتان، فإن كانت إحداهما أصلية [مستدّة] (٣) عاملة، والأخرى زائدة مائلة، ففي الأصلية الأرش الكامل، وفي الزائدة الحكومة، ثم إذا قطع صاحبُ هذه الإصبع الأنملة العليا من معتدل، اكتفينا بقطع أنملتِه الأصلية، ولو قطع معتدلٌ أنملته المعتدلة، [قُطعت أنملته بها، وإن انتقل الأمر إلى المال، ففيها الأرش الكامل] (٤). وإن كانت الأنملتان منتصبتان عاملتان لا تتميز إحداهما عن الأخرى، فالقول فيهما يقرب من القول في الأصابع الست الأصلية، التي حُمل المزيد في عددها على زيادة الانقسام، فإن قطع معتدلٌ إحدى الأنملتين، لم تقطع أنملته، وإن قطعهما، قطعنا أنملته، وألزمنا مزيداً لزيادة الخلقة، وقد سبق نظير ذلك في الأصابع الست. ولو كان الجاني صاحب الأنملتين، فإذا قطع الأنملة العليا من معتدل، لم نقطع [أنملتيه] (٥) لمكان الزيادة، ولكنا نقطع أنملة واحدة من الأنملتين، ونلزمه مع

стр. 8425

القصاص شيئاًً من الأرش. فإن قيل: تُبلِّغون ذلك الشيءَ نصفَ أرش أنملة؟ قلنا: لا نرى ذلك، بل نقول: ننقص من نصف الأرش، والسبب فيه أن الذي قطعناه قصاصاًً على صورة أنملة، فاقتضى ذلك مزيداً على الشطر، وإذا كان كذلك، فقد زاد القصاص على شطر الأنملة المعتدلة، فكان الباقي أقلَّ من الشطر، [فناسب] (١) إلزامه شيئاًً يقل عن نصف أرش الأنملة المعتدلة، والنظر فيه إلى المجتهد. ومن عجيب ما يعن في هذه المسألة أنا إذا كنا نجري القصاص في إحدى الأنملتين، فنرى الأمر على الخيار في هذا؛ إذ ليست إحدى الأنملتين أولى من الأخرى، والأنملة المعتدلة ذات شطرين، وكل أنملة من الأنملتين يضاهيها شطر، فإذا استوى الأمران، فليت شعري يُخيّر المقتصُّ أم المقتص منه؟ وكيف النظر فيه؟ الوجه عندنا يخيّر المقتص المستوفي؛ لأن استحقاقه متعلق بهما على البدل، وإنما الممتنع استيفاؤهما. وما ذكرناه في الأنملتين فيه إذا [نبتتا] (٢) على رأس الأنملة الوسطى. ١٠٥٠٠ - ولو لقي رأسَ الأنملة الوسطى عظمٌ، ثم [انشعب] (٣) بعد الاتحاد، فهذه صورة أخرى، فإن كان مركب الأنملة المشعَّبة عظماً واحداً ولم يكن له شعبة (٤) تنفصل على مركبه، فلا يتصور إجراء القصاص؛ فإن العظام لا تقطع في القصاص وإن كان [لكلّ] (٥) شعبة مفصل من مركبه، فذلك المركب الحائل بين الشعبتين وبين الأنملة الوسطى أنملة زائدة، فيتصل الكلام بإصبع ذات أربع أنامل في الطول، وأنملته العليا متشعبة، وإذا أدخلناها في العدد، قلنا: ذات خمس أنامل (٦).

стр. 8426

ولا يبقى مع ما مهدناه إشكال، إن شاء الله . ١٠٥٠١ - ولو كان على الساق قدمان، فالقول فيهما كالقول في الأنملتين، فإن كانت إحداهما أصلية والأخرى زائدة، لم يخف الحكم، وإن كانتا عاملتين ولا تميز بينها كالأنملتين، [فواجبهما] (١) نصف الدية وزيادة، كما أن موجب الأنملتين ثلث دية إصبع وزيادة. ثم التفاصيل في الاقتصاص وتقدير الأرش على حسب ما تقدم في الأنملتين، غير أن المعتبر ثمَّ ثلثُ دية الإصبع، والمزيد منسوب إليه، والمعتبر هاهنا نصفُ دية النفس، والمزيد منسوب إليه، [والكفان] (٢) على ساعدٍ [على] (٣) هذا النحو، فلا حاجة إلى الإعادة. فصل قال: "ولو قطع أنمل من طرفٍ، ومن آخَر الوسطى ... إلى آخره" (٤). ١٠٥٠٢ - صورة المسألة أن يقطع الأنملة العليا من [شخص، والوسطى من] (٥) آخَرَ لا عليا له، فيجب القصاص مع إمكان الاستيفاء في أنملته العليا، مهما (٦) طالب

стр. 8427

صاحب الأنملة العليا أجيب، فاقتصّ، وصاحب الوسطى لو أراد الابتداء بالمطالبة، لم يُجَب؛ فإن الوسطى منه قطعت ولا عليا عليها، ولو قطعنا الوسطى من الجاني قبل استيفاء العليا، كنا متلفين أنملتين في مقابلة أنملة، ولا سبيل إلى هذا. والوجه أن نذكر مسلك الأصحاب، ثم نختتم الفصل بمباحثة القفال ﵁، فنقول: إن قطعنا الأنملة العليا قصاصاًً، ثم قطعنا الوسطى عن الوسطى قصاصاًً، فقد ترتب الأمر. وإن لم يطلب صاحب العليا، وطلب صاحبُ الوسطى، لم نجبه إلى ذلك، فلو قال: إذ حُلْتم بيني وبين القصاص، فادفعوا إليّ المال للحيلولة، فهل يجاب إلى المال؟ فيه خلافٌ مشهور بين الأصحاب، وقد ذكروا ﵃ أحكاماً، وصاغوا لها صيغاً وطردوا الاختلاف فيها، وجميعها تدور على معنى واحد: قالوا: لو أخذ المال، ثم سقطت الأنملة العليا، فهل يردّ المال ويطلب القصاصَ؟ فعلى وجهين، سبقت لهما نظائر في الغرامات، والمراجعات في أرش العيب القديم في المبيع، فلا حاجة إلى إعادتها. قالوا: وهل له طلب المال من غير عفو؟ فعلى وجهين. وقالوا: نفس أخْذ المال هل يكون عفواً منه عن القصاص؟ فعلى وجهين، وجميع ذلك يرجع إلى ما ذكرناه من أن الحيلولة في القصاص هل تُثبت حق الرجوع إلى المال؟ فإن لم تَثْبُت الحيلولةُ مقتضيةً لذلك، لم يُجب إذا طالب، وإن قنع بالمال، لم يرجع إلى القصاص، [وأَخْذُه المطلق] (١) للمال عفو. قال الشيخ أبو بكر (٢): إذا قَتَلت المرأةُ، واستوجبت القصاص وهي حامل، فهل [لمستحق] (٣) القصاص طلبُ المال للحيلولة؟ قال: فيه احتمال، كمسألة الأنملة التي نحن فيها.

стр. 8428

والذي يقتضيه الترتيب اتخاذ نص الشافعي أصلاً في الباب، ثم تنزيل المسائل على مراتبها. قال الشافعي ﵁: "إذا قُتل إنسان وخلف [ابناً] (١) مجنوناً، فلا سبيل إلى استيفاء حقه من القصاص في حالة الجنون؛ فإن استيفاء القصاص لا يدخل تحت الولايات"، ثم قال الشافعي: "لو أراد ولي المجنون أن يأخذ المال، كان له ذلك". هذا هو النص، وذكر بعض الأصحاب فيه تخريجاً. وما ذكره الشافعي متجه، من جهة أن [الجنون] (٢) ليس له [حدّ] (٣)، وقد ينتهي إلى اليأس من الزوال، ولو لم نجوّز أخْذَ المال، ولا سبيل إلى استيفاء القصاص، لكان هذا قريباً من التعطيل. هذا وجه النص، ثم إذا جرينا عليه، وأثبتنا تغريمَ من عليه القصاص المالَ، فلو زال الجنون، ففي العَوْد إلى القصاص وردّ المال خلاف مشهور. ولو كان القصاص ثابتاً لصبي، فبلوغه منتظر، ثم الذي ذكره الأصحاب أن الولي لا يطلب المال، فإن [الصِّبا له حدّ] (٤)، وما ذكره الصيدلاني في الحامل يضاهي ما ذكرناه في الصبي؛ فإن وضع الحمل منتظر كزوال الصبا. ومسألة الأنملة العليا والوسطى دون الجنون، من قِبل أن الجنون لا يتعلّق بزواله انتظار ثابت، وثبوت الاقتصاص في الوسطى متعلق بضربٍ [من] (٥) الترقب؛ فإن الظاهر أن صاحب القصاص في العليا يطلب حقه، ولكن ليس له [مردّ] (٦) بخلاف الحمل والصبا، وليس [ببعيدٍ] (٧) عن الترقب، بخلاف الجنون. نعم، لو عفا

стр. 8429

صاحب الأنملة العليا، التحقت المسألة في الوسطى بمسألة المجنون؛ إذ لا ترتب إلا من جهة سقوط الأنملة العليا بآفة، وسبيل الانتظار في هذا كسبيل الانتظار في زوال الجنون، فلئن انقدح طلب المال في مسألة الحامل، فلا بد من طردها في الصبي، ثم لا يخفى بعد ما ذكرناه ترتيب المراتب وتنزيلها على حقائقها. هذا استقصاء ما ذكره الأصحاب. ١٠٥٠٣ - فأما المباحثة التي جرت للقفال، قال شيخي: قلنا للقفال: إذا قَطَع الوسطى ممن لا عليا له، وإصبع الجاني سليمة، فلا نجيب المجني عليه إلى طلب القصاص، ولو سقطت الأنملة العليا، فهل نقول: لا قصاص الآن أيضاًً؛ فإن الجناية جرت والقصاص غيرُ ممكن حالةَ جريانها؟ فقال: المسألة محتملة، فلا يبعد أن يسقط القصاص رأساً، بخلاف ما إذا جنت الحامل؛ فإنا ننتظر وضعها، إذ الحمل كان [طارئاً] (١) على الخلقة، والأنملة العليا من أصل خلقة الجاني. وهذا التردد الذي ذكره القفال ﵁ فيه إذا لم يقطع إلا الوسطى وأصبعه كاملة، فأما إذا قطع العليا، ثم قطع الوسطى ممن لا عليا له، فليس هذا موضع تردد القفال، فإن العليا كأنها مقطوعة، من جهة أنها مستحَقة لصاحب العليا. قال شيخي: لو قطع رجل سليمُ اليدين يداً شلاء، فلا قصاص، ولو شَلّت يد القاطع [وساوت] (٢) اليدَ المقطوعة، فقال المقطوع: الآن أطلب القصاص، فهل له ذلك؟ قال (٣): القفالُ [خرّجه] (٤) على الوجهين المذكورين في الأنملة الوسطى، ثم رجع عن هذا التردد، وقطع القولَ بأن اليد التي شَلَّت، وكانت سليمة عند الجناية لا تقطع، فإن الكمال بالسلامة مَنَع وجوب القصاص، فإن الصفة لا يقدّر تميّزها عن الموصوف، والأنملة العليا ليست صفة للوسطى. ولو قتل حر كافر ذميٌّ عبداً كافراً، ثم نقض العهدَ الذميُّ، فأُرق، لم يجرِ

стр. 8430

القصاص عند طريان الرق، وإن حصلت المساواة. [ولا وجه] (١) إلا تخصيص الخلاف بالأنملة في الصورة التي [قصصناها عليك] (٢)، وما ذكره في الشلل لا يعتدّ به، ولا يعدّ من المذهب (٣).

стр. 8431

١٠٥٠٤ - ثم قال الشافعي ﵁: "ولا أُقيد يمنى بيسرى"، وهو [كما قال] (١)، والسبب فيه بعد الإجماع أن الاتفاق في المحل والاسم لا بد منه، ولهذا لم يُقطع الإبهام بالسبابة والخنصر بالبنصر، وهذا واضح. فصل قال: "ولو قَلَع سنه، أو قطع أذنه ثم إن ذلك المقطوع منه. ألصقه ... إلى آخره" (٢). ١٠٥٠٥ - مضمون هذا الفصل ثلاثةُ أشياء، سبق أهمُّها، ونحن نقتصر على إشارة إليه. [والثاني] (٣) يتعلق بأمرٍ تقدم استقصاؤه [في] (٤) كتاب الصلاة. والثالث - متعلق بأمرٍ سيأتي في أحكام الجنايات. فأما الأول، فلو قطع البعضَ من أذن إنسان، فإن أبأنه، أوجبنا القصاص فيه،

стр. 8432

ونسبنا المقطوعَ إلى الباقي؛ فإن كان المقطوع نصفاً، قطعنا النصف من أذن الجاني على ذلك الحدّ، لم يختلف الأصحاب فيه. وإن قطع الجاني البعضَ، ولم يُبن، فقد ذكرتُ ذلك في المراتب السابقة، وبقي ثلاثٌ: منها قطع بعض الأذن، ومنها المتلاحمة، ومنها قطع بعض اليد والرجل وغيرهما. هذا هو الذي تقدم. ١٠٥٠٦ - وأما ما يتعلق المقصود منه بكتاب الصلاة، وفيه غرض بيّن من القصاص، فهو أن الرجل إذا أبان أُذنَ إنسان، فألصقها المجني عليه في حرارة الدم، فالتحمت، فكيف الحكم؟ هذا أولاً لا يتصور قطعاً، ولكن صور الفقهاء الكلامَ عليه (١)، فنقول: إذا وجب القصاص بالإبانة، لم يُزل القصاص بما فرض من الالتصاق؛ فإن هذه الأذن وإن التصقت، فهي مستحِقة الإزالة، ولا حكم لما اتفق من الالتصاق، ولو قطع قاطع تلك الأذن، لم يستوجب القصاص بقطعها، لما ذكرناه من أنها مستحَقة للقطع، ثم سبب استحقاق القطع تنحية النجاسة لأجل الصلاة؛ فإن الأذن لما بانت، حكمنا بنجاستها، ولا يزول الحكم بالالتصاق. [وحظّ] (٢) الصلاة من هذا أنا [إن] (٣) لم نخف على صاحب الأذن، قلعنا أذنه، وإن خفنا عليه، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا لا نقلعها [حفظاً للروح] (٤) والثاني - نقلعها، ونؤول (٥) بما يجري من التلف على الملصق، ونحن نقتل تارك (٦) الصلاة.

стр. 8433

وهذا استقصيناه في باب الصلاة بالنجاسة عند ذكرنا [وصلَ] (١) الإنسان عظمَه بعظم نجس. وقد يعترض على من يطلب التمام أنا إذا لم نحكم بنجاسة الآدمي بالموت، وجب ألا نحكم بنجاسة أجزائه إذا أُبينت، وإذا كان كذلك، فلا حاجة إلى فصل الأذن، ووجه الكشف فيه أنا مع الحكم بطهارة الآدمي على تردّد [في] (٢) طهارة ما يبان عنه في حياته، فإن حكمنا بالنجاسة، استمر عليه ما ذكرناه، وإن حكمنا بالطهارة، اعترض لنا بعد ذلك أنه قد يلتحم على دمٍ ظَهَرَ، وحكمنا بنجاسته ووجوب إزالته، فيعود الترتيب إلى ما ذكره الأصحاب، والأظهر أن الدم إذا استتر بما التحم عليه، سقط التكليف بإزالته. فهذا كلام لا يتعلق بما نحن فيه، ولكن طالب الغايات قد يخرج عن مقصوده بعضَ الخروج. ومما يتصل بهذا الفصل من حكم القصاص أن الأذن إذا التحمت وخفنا من قلعها على الملصِق، [وجرينا] (٣) على أنها لا تُقلع، فلو قلعها إنسان وأدى القلع إلى الهلاك، فقد قال المحققون: على القالع القصاصُ في النفس، وقد يعترض فيه أن جواز القطع أو وجوبه مختلف فيه، فلا يمنع أن يصير خلافُ العلماء شبهةً في دفع القصاص، كما قدمناه في انفراد أحد الوليين بالقتل والإشارة إلى خلاف بعض أهل المدينة، فهذا ما أردناه في ذلك. ١٠٥٠٧ - والمقصود الثالث - يتعلق بشيء استقصاؤه بين أيدينا، وهو أن من قطع

стр. 8434

النصف من أذن إنسان، وأجرينا القصاص فيه، فالتحم أذنُ المجني عليه، فقد قال القفال: لو قطعت هذه الأذن، وجب القصاص على قاطعها، وقد أجرينا القصاص في نصفها. وهذا الفصل ليس بالهيّن، وهو يشتمل على مراتبَ منها: عود البصر بعد ظن الزوال، ومنها التحام الموضحة، ومنها نبات اللسان، ومنها عود [السِّن المثغورة] (١)، ولكل مرتبة من هذه المراتب وضعٌ في الوفاق، والخلاف. وسيأتي شرحنا عليها، إن شاء الله. ومما ذكره الأصحاب في ذلك أن من استأصل أذن إنسان إلا جلدةً منها، قالوا: القصاص يجري في المقطوع، ومالوا إلى القطع بإجراء القصاص في هذه الصورة، بخلاف ما لو انتهت الحديدة إلى نصف الأذن مثلاً، وأبقت من أصل العضو شيئاًً سوى الجلدة، وسبب قطع الأصحاب أن رعاية المماثلة ممكنة لا عسر فيها، إذا لم يبق إلا جلدة، ولا شك أنا نبقي في القصاص مثلَ تلك الجلدة. فلو ألصق المجني عليه الأذن، فالتصقت، فليست مستحَقةً للجاني، فإنها لم يثبت لها حكم الانفصال، ثم الكلام في قطعها ثانياً ووجوب القصاص على قاطعها، كالكلام فيه إذا جرى القطع في نصف الأذن ثم التحم، والقول في هذا يتعلق بالمقصود الأخير الذي أشرنا إلى انقسام مراتب الكلام فيه. فصل ١٠٥٠٨ - إذا قطع رجل أذناً مثقوبةً، قال العراقيون: إن كان الثقب يَزينُ ولا يَشين، فلا مبالاة به، ويُقطع بها الأذن التي لا ثقب بها. ولو كان أذن القاطع مخروماً (٢)، قد أزيلت منها قطعة، وبقي الخرم، وقد قطع

стр. 8435

أذناً لا خرم بها، قطعنا الأذن المخرومة، ورجعنا إلى قسطٍ من الأرش. ولو كان الخرم بالمجني عليه، [فهل] (١) نقطع أذن الجاني [ولا] (٢) خرم بها، وهل نقطع [من] (٣) أذن الجاني مقدار المساواة؟ هذا يخرّج على إجراء القصاص في بعض الأذن، وقد تفصل المذهب فيه. ولو كان القطع -[بأذن] (٤) المجني عليه-[خرماً يسيراً] (٥)، ولم [يفصل قطعةً] (٦) من أذنه (٧)، قال العراقيون: [لا تقطع] (٨) الأذن التي لا خرم بها بهذه، [إن] (٩) لم ينفصل بالخرم الذي ذكرناه جزء. [ولست] (١) أرى الأمرَ كذلك؛ فإنه إذا لم يزُل من الجِرْم شيء، فرعاية [الصفات] (١١) مع التساوي في الذات والصحة بعيد، وإنما يؤثِّر في الأطراف التفاوتُ في القدر، والسلامة والشلل (١٢)، ئم خصصوا هذا [بالأذن] (١٣) ولم يطردوه في

стр. 8436

غيرها من الأعضاء، فلعلهم تخيلوا التعويل -في الأظهر في الأذن على الجمال؛ فإنها خَفِيةُ المنفعة، ولما أُمِرنا في الضحايا باستشراف العين والأذن (١)، منعنا على تفصيلٍ الضحيةَ بالشَّرْقاء (٢) والخَرْقاء (٣) والعلم عند الله. ١٠٥٠٩ - ثم قال العراقيون: إذا قطع رجلٌ يدَ رجل، والأظفارُ من يد المجني عليه مُخْضرَّة [زائلةُ] (٤) النضارة، قطعنا يدَ الجاني، وإن كانت أظفاره سليمة، وهذا يدل على ما أشرنا إليه من النظر إلى جمال الأذن، والتعويلُ على منفعة اليد. ثم لو لم تكن لأصابع المجني عليه أظفار، لم تقطع يد الجاني، ونقلوا هذا عن نص الشافعي، وهذا محتملٌ (٥) جداً، والقياسُ (٦) إجراء القصاص؛ فإن الأظفار

стр. 8437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8438

لا تظهر منافعها إلا مع الاحتيال (١)، ويلزم على قياس النص أن لا تكمل دية إصبع سقط ظفرها، وهذا بعيد، وليس له ذكر في طريق المراوزة. فصل قال: "ويقاد بذكر رجلٍ وشيخٍ ... إلى آخره" (٢). ١٠٥١٠ - الذكر عضو قصاص، وذكر الفحل يقابله ذكر الخَصي، والعنّين، والصبي، والشيخ الهرم؛ فإن التفاوت في مراتب الانتفاع لو أسقطَ القصاصَ، لجرّ ذلك عمايةً، ونزاعاً دائماً في مَدْرأة القصاص، وظهورُ هذا مُغنٍ عن كشفه، ولا نقطع ذكراً سليماً لا شلل به [بذكرٍ أشلّ] (٣). وقيل: الذكر الأشل هو الذي ينقبض [ولا ينبسط] (٤)، وينبسط، فلا ينقبض، وهذا فيه فضل نظر، فقد [بلغنا] (٥) في قول أهل البصائر أن الذكر الذي يتقلّص بالبرد ويسترخي بالحرّ ليس بأشلَّ، وإن كان لا ينتشر. والذي لا يلحقه التقلص والاسترخاء، هو الذي لا يتوقع انتشاره، فلست أدري أن الفقهاء عنَوْا بالانقباض والانبساط الاسترخاءَ [والتقلصَ] (٦) في حالتي الحر والبرد، [أم عَنَوا]، (٧) به الانتشار ونقيضه.

стр. 8439

والذي يجب القطع به الحملُ على التقلّص والاسترخاء؛ فإن العضو إذا كان كذلك، فلا خلل به ولا شلل، والانتشارُ تُسبّبه قويً روحية، ومن أصولنا أن العضو إذا لم تحلُّه منفعة، ولكن كان سبيلاً لتلك المنفعة، ومحلُّ المنفعة عضوآخر، فإذا أردنا تبيّنَ صحةِ العضو وشللِه، لم ننظر إلى تلك المنفعة التي هي في محلٍّ آخر، ولهذا جعلنا أذنَ الأصم كأذن السميع، وإن كانت الأذن آلةً في السماع [لا تنوب عن] (١) لطيفة السمع. وأما تبيُّنُ صحة العضو فيما نحن فيه، فنقول: الأعصاب المتلفة للتغايير في التقلص والاسترخاء، وسقوط الباه، قد تكون من انقطاع مادة الزرع، وقد تكون من ضعف الدماغ، فلا ينبغي أن يكون بالانتشار اعتبار، وقد أطلق الشافعي إثباتَ القصاص في ذكر العنّين، والغالب عليه ألا ينتشر، وأطلق أيضاً القصاصَ في ذكر الخَصي مع العلم بأن الانتشار قد يسقط مع [سَلِّ] (٢) الأنثيين. ثم إذا أثبتنا القصاص على الفحل بسبب قطع ذكر العنين والخَصيّ والأشل، [فإنا] (٣) نكمل الدية في ذكر العنين والخَصي، وأبو حنيفة (٤) لا يوجب القصاص، ولا يكمل الدية في حق الخَصي، وقال بحسب هذا: لا تكمّل الدية في الذكر ممن [سُلّ] (٥) أنثياه، وكمال الدية في العضوين ثابت على حكم التعلق، ولا يستقل أحدهما عنده بكمال الدية، وقال مفرعاً: لو قطع الجاني الذكر [من] (٦) أعلى مثلاً، وانتهت الحديدة إلى الأنثيين، فقطعهما، فيجب في الذكر دية كاملة، وفي الأنثيين

стр. 8440

حكومة؛ فإن الحديدة انتهت إليهما والمجني عليه مجبوب (١)، وكذلك لو أتى القطع من أسفل، فأبان الأنثيين، ثم [مرقت] (٢) الحديدة منهما إلى الذكر، [قال: يجب دية الأنثيين والحكومة في الذكر (٣)] (٤). وإن صادفت الحديدة العضوين معاً، بأن فرض وضعها على أحد الجانبين واحتوت على الذكر والأنثيين، فعند ذلك يجب ديتان، هذا أصله. ونحن نوجب الديتين في الذكر والأنثيين كيف فرض القطع؛ بناء على ما مهدناه في استقلال كل عضو بنفسه، وامتناعِ اعتباره بغيره، أو بمنفعة غيره. فإن قيل: الذكر الأشل لم توجبوا فيه كمالَ الدية، والمنفعة العظمى منه انسلال البول [منه] (٥)، وهذا باقٍ؛ فإن سقوط بعض المنفعة من العضو لا يسقط ديتها. قلنا: المنفعة المقصودة في هذا العضو تهيؤه للوقاع الذي بسببه بقاء الزرع، وأما انسلال البول فيبقى مع القطع، ويخرج البول من [الثُّقبة] (٦) في أصل الذكر خروجَه من فرج [النساء] (٧)؛ ولو كانت صورة الذكر محتاجاً إليها في البول، لنبتت للمرأة نبوتَها للرجل لاستوائهما في الاحتياج، اعتباراً بسائر الأعضاء، فظهر أن الغرض الأظهرَ ما ذكرناه، ثم فصلنا عن العضو الخلل الواقع في القلب وغيره من الأعضاء الرئيسة، فانتظم لنا المراد في ذلك.
следующие страницы →