← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وهذا الذي ذكرته صرح به الأئمة، ولم أذكره في المبتدأة التي طبَّق عليها الدم استنباطاً. قلت: لو صح القول بالاحتياط في حق المبتدأة في الخمسةَ عشرَ من كل شهر، لم يمتنع أن يغلو غالٍ، فيوجب قضاء الصلوات؛ فإنها لا تفرغ من صلاةٍ إلا ويجوز تقدير وقوع صدرها في بقية الحيض، ولو فُرض ذلك، لكانت الصلاة باطلة، وهي واجبة لمكان الانقطاع في الوقت. وأبو زيد يوجب قضاء الصلوات على المتحيرة (١) بمثل ذلك، فلو أوقعت الصلاة في آخر الوقت على وجهٍ لو فرض انقطاع الحيض بعد العقد، لما وجبت الصلاةُ، مثل أن تُوقع ركعةً في آخر الوقت والباقي وراءه، فلا يجب القضاء في هذه الصورة، [إذا] (٢) قلنا: لا تجب الصلاة بدراك ما يقصر عن قدر الركعة من الوقت. ثم القولان في الاحتياط في الخمسةَ عشرَ، فأمّا ما وراءها، فهي مستحاضةٌ فيه، قولاً واحداً، فلتوقع قضاءَ الصوم فيه إذا أمرناها بالقضاء. ٦١٨ - ومما ذكره الأئمة في المبتدأة المستحاضة التي تقطّع الدم عليها مذهبٌ انفرد به [أحمد] (٣) بن بنت الشافعي، وذلك أنه قال تفريعاً على ترك التلفيق: " إن انفصل آخر الخامسَ عشرَ عن أول السادس عشر، بأن وُجد نقاء في الخامس عشر، أو في أول السادس عشر، أو فيهما، فكل ما في الخمسةَ عشرَ إلى آخر دمٍ فيه حيض "؛ فلم يعتبر الأقل والأغلب في هذه الصورة. وبيان ذلك بالمثال أنّها إذا كانت ترى الدم يوماًً وتطهر مثله، فهي في الخامس عشر ذات دم، وهي ظاهرة في أول السادس عشر، فنحيّضها في الخمسة عشر كلها. فلو كانت ترى الدم يومين والنقاء مثله، فهي نقية في الخامس عشر والسادس عشر، ذاتُ دمٍ في الرابع عشر، فنحيّضها أربعة عشر يوماًً. ولو كانت تحيض ثلاثة وتنقى ثلاثة، فهي ذات دمٍ في الخامس عشر، نقية في أول

стр. 842

السادس عشر، فنحيّضها الخمسةَ عشرَ كلَّها. ولو كانت تحيض ستة وتنقى مثلَها، فالدم في النوبة الثالثة ينقسم على آخر الخامس عشر، وأول السادس عشر، فلا انفصال الآن، فنرجع إلى ترتيب الأصحاب في ردّها إلى الأقل أو الأغلب كما سبق من كلام الأصحاب. وقد رأيت الحذّاق لا يعدّون مذهبه من جملة المذاهب، ويَروْنه منفرداً بتفصيلٍ، وهو غير مساعَدٍ عليه. ٦١٩ - فأما المميزةُ في حكم التلفيق، فوجه تصوير التلفيق فيها بتقدير اعتقاب الدم القوي والضعيف. فإذا كانت ترى يوماًً دماًً أسودَ، ويوماًً دماًً مشرقاً، فنصوّر وِجدانها لأركان التمييز (١) وفقدِها لها. فأمَّا تصوير وجود أركان التمييز، فوجهه ألا ترى الدماء القوية إلا في الخمسةَ عشرَ، مثل إن كانت ترى يوماًً سواداً ويوماً شُقْرةً، ثم استمر الدم المشرق في النصف الأخير، فهذه متمكنة من التمييز. فإذا كانت مبتدأة، نفرع أمرَها على القولين في ترك التلفيق، والتلفيقِ: فإن تركنا التلفيق حيّضناها خمسةَ عشرَ يوماًً؛ فإن الخامسَ عشرَ نوبةُ السواد، وإن لفّقنا حيّضناها في أيام السواد، وهي ثمانية، وحكمنا لها بالطهر في أيام الشُّقرة، وحكمنا بذلك في النصف الأخير. وإن كانت معتادة، ففي ردّها إلى العادة خلاف. فإن رأينا ردَّها إلى التمييز، فقد سبق تفصيله، وإن رأينا ردّها إلى العادة، فقد تقدم ترتيبُ القول في تقطّع الدم على المستحاضة المعتادة. وها هنا الآن دقيقة، وهي أنا إذا رَدَدْنا المميزةَ إلى العادة، فلا ننظر إلى صفة الدم أصلاًً، ولا نُعلِّق بها حكماً، كما مضى مشروحاً فيما مضى. فلا جرم نقول: إذا كانت ترى يوماًً سواداً، ويوماًً شُقرةً، والتفريع على اعتبار العادة، فلا نرى ذلك من صور التلفيق، حتى تُخرّج على القولين، ولكن ما نراه

стр. 843

بمثابة دمٍ دامَ على لون واحد. ولا نظر إلى لون الدم على هذا الوجه. وما ذكرناه فيه إذا انقطع الدم القوي والضعيف على المدّة في الخمسةَ عشرَ. فأما إذا جرى ذلك دائماً في جميع الأيام، فكانت ترى يوماًً سواداً ويوماًً شُقرةً أبداً، فهي فاقدة لأركان التمييز. فإن قيل: كان دورها ثلاثين، وهي الآن لا ترى في الثلاثين إلا خمسةَ عشرَ سواداً، وهذا المبلغ غيرُ زائدٍ على الخمسةَ عشرَ، قلنا: وإن كان كذلك، وفرّعنا على التلفيق، فهي فاقدة لأركان التمييز؛ فإن الحيض حقُّه أن ينحصر في الخمسةَ عشرَ، ولا يسوغ انبساطه على أكثرَ من هذه المدة. وهذا يؤكد القول بترك التلفيق، فإن القائل بالتلفيق يجوّز تقطّع الطهر على الحيض، ويمنع تقطع الحيض على الطهر في أكثر من خمسةَ عشرَ يوماًً. وهذا تصريحٌ باختلاف حكم الحيض والطهر، ولا يتضح بينهما فرقٌ معنوي، فلئن جاز عَوْدُ الحيض قبلَ تمامِ الطهر، فما المانع من بسط خمسةَ عشرَ يوماًً حيضاًً على خمسة عشر يوماًً طهراً؟ فإذاً تبين من وفاق الأصحاب أنها فاقدةٌ للتميز. فإن كانت معتادة، رُدَّت إلى العادة، وجعل كأنّ الدماء على لونٍ واحد مطبق، ولا التفات إلى اختلاف ألوان الدماء؛ فإنه إذا بطل التمييز، لم يكن للون الدم حكمٌ. فافهم. وإن لم تكن معتادة، فهي مبتدأة، ولا تلفيق، ولا اعتبار بتفاوت ألوان الدماء، وحكم لون الدم مرفوعٌ بالكلية. وهذا واضحٌ ولا إشكال فيه. ٦٢٠ - ونحن نذكر الآن تقطع الدم والنقاء على المتحيرة التي لا تذكر شيئاًً من أمرها، ثم نذكر موجَب التقطع مع أبوابها في الخلط، والضلال. فإذا كانت ترى يوماًً دماًً، ويوماً نقاءً، واستمر ذلك بها، وكانت لا تذكر شيئاً، فنفرّع حكمَها على قولي التلفيق، فإن حكمنا بترك التلفيق، والتفريعُ على قول الاحتياط، فحكمها في زمان الدم ما تقدّم في قضايا الاحتياط، فتغتسل لكل فريضة، لاحتمال انقطاع الدم في كل لحظة، وانقلابها إلى دم الفساد، وتصوم، ويجتنبها زوجها كما مضى حكمها في أثناء الكتاب.

стр. 844

وأما أيامُ النقاء، فهي مأمورة بالاحتياط فيها، والزوج يجتنبها؛ فإن التفريع على ترك التلفيق، ولا يمر بها يوم في النقاء إلا ويُحتمل أن يكون ذلك النقاء حيضاً محتوشاً بحيضين، ولكنا لا نأمرها في أيام النقاء بالاغتسال؛ فإنها إن كانت حائضاً حكماً، فالغسل إنما يجب عند احتمال انقطاع الحيض، وهذا التقدير محال في زمان النقاء قطعاً، وكما لا نأمرها بالاغتسال في أيام النقاء لا نأمرها بتجديد الوضوء؛ فإن الوضوء إنما يؤمر بتجديده عند تجدّد صورة الحدث، وهذا المعنى مفقودٌ قطعاًً في زمان النقاء. نعم، نأمرها بالاغتسال في أثر انقضاء كل نوبة من نُوَب الدم. ثم يكفي ذلك إلى عود الدم. ومن دقيق ما ينبغي أن يُتفطَّن له أنه كلّما عاودَ الدمُ، فلا تُؤمر بالاغتسال مع اللحظة [الأولى؛ فإن الانقطاع إنما يدخل أوان احتماله بعد اللحظة الأولى، من عود الدم، واللحظة] (١) الواحدة لا يحيط بها فهم، ولا ينتهي إليها تنصيصُ فكرٍ، ولكن يجري حكمُها في العقل، وتستمر العبارة عنها. فهذا إن فرّعنا على ترك التلفيق. ٦٢١ - فأما إذا قلنا بالتلفيق، فالذي نزيده أنها طاهرة في أيام النقاء والزوج يغشاها، ولا يخفى حكم الطهر في حقها، ولا تتوضأ لكل صلاة؛ فإن الحدث ليس متجدداً، وأما إمكان الانقطاع في زمان استمرار الدّم، فجارِ، والأمر بالغسل مترتب عليه. وإن عنَّت صورةٌ يختلف الحكم فيها في التفريع على وجهٍ ضعيف، لم يخفَ درْكُها على الفَطِن المنتهي إلى هذا الموضع، مثل أن نفرعّ على أنّ الشرط ألا ينقص الدم في كل نوبةٍ عن يوم وليلة. وهذا على قول التلفيق في نهاية الضعف، ولكن قد يلتزم الفطن التفريعَ على الضعيف للمرون والدُّرْبة في الكلام على الدقائق، فعلى هذا، مهما عاد دمٌ لا نأمرها بالاغتسال، ما لم يمضِ من زمان الدم يومٌ وليلة، ثم نطرد الأمرَ بالغُسل إن تمادت نوبةُ الدم. ٦٢٢ - وقد جرى رسم الخائضين في هذا الكتاب بذكر الخلط والضلال مع تقطّع

стр. 845

الدم في حق الناسية، فإذا كان الدمُ منقطعاً، وذكرت أنها كانت تخلط الشهر بالشهر، حيض بحيض، فالصور تختلف في ذلك، فإن كانت النُّوَب تقتضي أن يُطبق الدم على أول كل شهر، ويخلو عنه آخرُ كل شهر، فنحيّضها في اللحظة الأولى من الدم في أول كل شهر، ولا نحيّضها في اللحظة الأخيرة من الدور، وإن كنا نرى تركَ التلفيق؛ فإنها تصادف في آخر كل دور نقاءً، ونحن إنما نجعل النقاء حيضاً إذا كان محتوشاً بحيضتين، والذي استفدناه من ذكرها الخلطَ الحيضُ في لحظة من آخر الدور ولحظة من أوله، فلا نزيد على هذا. ولا يتأتى الحكم بأن النقاءَ في آخر الدور حيض إلا أن نجعل جميعَه حيضاًً، ونجعل الدمَ المتقدمَ عليه حيضاً، وهذا إن قلنا به، فهو احتكامٌ من غير [ثَبَت] (١)، وبناء أمرٍ على قطع. وإن تقطّع الدم تقطّعاًً كان حسابه يوجب خلوَّ آخر الدّور وأوّلِه عن الدم، وقد ذكرت أنها قبل استمرار هذه الحال لها كانت تخلط شهراً بشهر حيضاً، فلا حيض لها بيقين، بحكم ذكرها الخلط [وإن فرّعنا على ترك التلفيق، فإنا لم نصادف دماًً في محل الخلط، ثم إذا بطل الخلط،] (٢) فقد سقط أثر ذكرها الخلط بالكلّية، وتبين أنّ ما كانت عليه من الخلط قد تحوّل وزال، فهي كالتي لا تذكر من ذلك شيئاًً. وإن تقطّع الدمٌ تقطّعاً يقتضي ترتيبُه أن ترى دماًً في آخر الدور وأوّله، فنجعلها حائضاً في اللحظتين، ثم لا يخفى التفريع بعد ذلك. فهذا ما رأينا ذكره في تقطّع الدم (٣ مع ذكر الخلط. ولا يخفى غيره على من يحاوله إن أحكم القواعد المتقدمة. ٦٢٣ - فأما ذكرها الضلالَ مع تقطّع الدم ٣)، فنذكر فيه صورةً واحدةً، ونوضح ما فيها، ثم يهون قياسُ غيرها عليها: فإذا تقطعت الدماء، وكانت تحيض يوماً وليلةً، وتطهر يوماًً وليلةً، وذكرت أنّها كانت تحيض خمسةَ أيامٍ، وقد أضلّتها في

стр. 846

العَشر الأول من الشهر، فنفرّع هذه الصورةَ على قولنا بترك التلفيق، ثم نفرعها على التلفيق: فإن تركنا التلفيق، ولم نبعد أن يكون النقاء بين الحيضين حيضاًً (١)، فمن موجب هذا القول، أنا لا نتجاوز محلَّ الحيض، كما مضى مفصلاً، حتى إذا كانت تحيض ستة أيام من أول كل شهر، ثم تقطع دمُها، فصارت ترى يوماًً دماًً ويوماً نقاءً، فإنها ترى يومَ السادس [نقاءً] (٢) ولا نتعدى السادس، ولا نجعله حيضاً؛ إذ ليس بعده حيض، فيعود حيضها بسبب التقطع إلى خمسة [أيام] (٣). فإذا تجدّد العهدُ بهذا، فنعودُ إلى الصورة التي انتهينا إليها، فنقول: حسابُ التقطع يوجب أن تكون نقيةً في اليوم العاشر، ونحن لا نرى تعدِّي المحلّ في ترك التلفيق، فقد خرج اليومُ العاشر من محلّ الضلال، وآل محل الضلال إلى تسعة، فنقول بعد ذلك: ليس لها حيضٌ معيّن بيقين. فإن قيل: قد ذكرتم في أبواب الضلال أن مقدار الحيض إذا زاد على نصف محل الضلال، فلا بدّ أن يثبت حيضٌ بيقين، والحيض في الصورة التي فيها الكلام خمسة، وهي تزيد على نصف التسعة. قلنا: ذلك إذا كانت الدماء مطّردة وِلاءً، فيقتضي الحسابُ ثبوتَ حيضٍ مستيقنٍ لا محالة، فأمّا إذا كانت متقطّعةً، فلا يجري ذلك، وإن كنا نجعل النقاء بين الحيضين حيضاً، ورَوْمُ تحصيل هذا [يُحوِج] (٤) إلى مزيد بسط. فنقول: نقدّر كأنّ حيضَها قديماًً كان ينطبق على الخمسة الأولى من الشهر، وكانت ترى دماًً متوالياً لا تقطّع فيه، فإذا انقطع، فالخمسة الأولى كلُّها على هذا التقدير حيضٌ مع النقاء المتخلل؛ فإنها في اليوم الأوّل والخامس ترى دماً، ويحتمل أنّ خمستها كانت تقع في الخمسة الثانية، وكانت ترى دماً متصلاً، والآن إذا تقطّع،

стр. 847

فإنها لا ترى في السادس دماً، فلا سبيل إلى جعله حيضاً؛ [إذ ليس قبله حيض، ولا نرى مجاوزة العشر، فينقص على هذا التقدير حيضها] (١) ويعود إلى ثلاثة أيام. وإن قدّرنا خمستها وسطاً، فقد [تلقى طهراً يعسر] (٢) تقديره حيضاًً، ولا تتحصّل على حيض مستيقن أصلاًً، والحكم أنا لا نأمرها بالغُسل في الخمسة الأولى؛ إذ انقطاع الحيض فيها غير [مقدّر] (٣). نعم، نأمرها بغسل واحد في آخر اليوم الخامس، ثم نأمرها بغسل واحد عقيب السابع، وبآخرَ عقيب التاسع، والسبب فيه أنّا نجوّز أن يكون ابتداء دمها من أول الثالث، فينقطع في آخر السابع، ونجوّز أن يكون الابتداء من أوّل الخامس والانقطاع في آخر التاسع. وذهب بعضُ أصحابنا إلى أنها مأمورةٌ بالاغتسال لكل فريضة في السابع والتاسع؛ فإنّ انقطاع الحيض ممكن في أوساط اليومين. وهذا غلطٌ غير معدودٍ [من] (٤) المذهب؛ فإنا لو قدّرنا الانقطاعَ في وسط السابع، احتجنا إلى تصوير ابتداء الحيض في وسط الثاني، وهذا التقدير مع التقطّع الذي صوّرناه غير ممكن؛ فإنها في اليوم الثاني نقية، والنقاء إنّما يكون حيضاًً إذا تقدمه حيض. وكذلك القولُ في وسط اليوم التاسع. فهذا مجموع ما ذكره الأئمة في التفريع على ترك التلفيق. ٦٢٤ - وذكر القفّال شيئاًً آخر، فقال: لو قدّرنا حيضاًً قديماًً في الخمسة الثانية، فإن تقطع [الدم] (٥) ولم تر في السادس حيضاً، فقد تأخر حيضُها ضرورة بيوم [وفاتَحها] (٦) في أول السابع، [فتجاوز العشرة، وتجعل ابتداء خمستها من

стр. 848

السابع] (١) ويمتدّ إلى آخر الحادي عشر؛ فعلى هذا نأمرها بالاغتسال في آخر الحادي عشر، ثم نقطع وراء ذلك بالطهر. وطردَ هذا المذهبَ في صورة لا بد من ذكرها، فقال: لو كانت تحيض خمسةً من أول كل شهر، فتقطّع تقطّعاًً يوجب خلوَّ أول الشهر عن الدم، وكانت ترى الدمَ في اليوم الثاني، فعنده أن حيضها قد استأخر؛ فنجعل أول خمستها من اليوم الثاني، وتجاوز الخمسة الأولى. وعند غيره نقصت حيضتُها، ولا سبيل إلى مجاوزة الخمسة الأولى. فهذا إذا قلنا بترك التلفيق. ٦٢٥ - فأمّا إذا رأينا التلفيق، فقد اشتهر الخلافُ في أنها هل تجاوز في اللقط محل العادة؟ وقد مضى ذلك مقرّراً، فإن لم نر المجاوزة، فلا تتعدى العشرةَ التي هي محل الضلال، ولا نجعل لها حيضاً بيقين. والتفريع في جميع الأحكام، كالتفريع على ترك التلفيق، غير أنا نُثبت لها حكمَ الطاهرات قطع في زمان النقاء، ونأمرها بالاغتسال عقيب كل يوم ينقضي من الدم؛ فإنا على تقطّع الحيض نفرعّ، ومهما انقطع الحيضُ وجب الغُسل، وعلى ترك التلفيق لا تصور لانقطاع الحيض في الخمسة الأولى. وإن رأينا مجاوزةَ المحل، فإنا نلقط في بعض التقديرات مما وراء العشرة أيضاً. وبيان ذلك أنا إن قدرنا حيضها في الخمسة الأولى، ورأينا المجاوزة، حيضناها في الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع، وإن قدّرنا حيضها في الخمسة الثانية قديماًً، حيّضناها إذا انقطع في السابع والتاسع والحادي عشر والثالث عشر والخامس عشر. فإن قيل: كيف تجاوزون العشرة، وقد زعمت أنها أضَلَّت حيضتها في العشرة؟ قلنا: هذا بمثابة قولها: كنت أحيض الخمسة الأولى، ثم تقطع دمُها فتجاوز الخمسة الأولى وقد عينتها، فإذا جاوزنا ما عينته حيضاً، [جاوزنا] (٢) ما عينته محلاًّ

стр. 849

للضلال، فإذا ثبتت التقديرات، قلنا: فهي حائض في اليوم السابع والتاسع قطعاً، والسبب فيه أنهما يدخلان في كل حساب كيف فُرض الأمر، وما دخل في كل تقدير يفرض للحيض، فهو حيض، وعليه وقع بناء حساب التقديم والتأخير في أبواب الخلط والضلال. فهذا منتهى ما حاولناه في ذكر الضلال مع التلفيق، ومن أحاط بما ذكرناه لم يخف عليه ما يُورد عليه مما سواه. فقد نجزت مسائل الحيض. ونحن الآن نبتدىء بابَ النفاس مستعينين بالله. وهو خير معين. وبالله التوفيق. ***

стр. 850

باب النفاس ٦٢٦ - والنفاس في اللغة يتناول الحيضَ، والدمَ الذي يخرج على أثر خروج الولد، وفي حديث عائشة أنها قالت: " كنت مع رسول الله ﷺ في الخميلة (١)، فحضت، فانسللتُ فقال ﵇: مالكِ؟ أَنَفَستِ؟ (٢) " (٣)، فَعبّر بالنفاس عن الحيض، والنّفْسُ في اللسان هو الدم نفْسُه كيف فرض، ولكن العلماء يعبّرون بالنفاس عن الدم الذي يخرج عقيب الولادة. وهذا غرضُ الباب ومضمونه، والدم يحتوي عليه الرحم إذا علق بالولد، ثم يُزجيه إذا انفصل الولدُ. وحكم دم النفاس حكم الحيض؛ فإنه الحيضُ بعينه اجتمع، ثم استرخى وانسل. ومضمون الباب تحصره ثلاثة فصول: أحدها - في ذكر أقلِّ النفاس، وأغلبِه، وأكثرهِ. والثاني - أن الحامل هل تحيض؟ وإن حاضت، فكيف يجري حساب دورها الأخير مع النفاس؟ والثالث - في فرض ولدين توأمين بينهما دم، كيف حكمه؟ وعلى أي وجه ينزل حسابه؟ فإذا نجزت هذه الفصول، ذكرنا بعدها حكمَ اتّصال الاستحاضة بالنفاس.

стр. 851

[الفصل الأول] (١) ٦٢٧ - فأما الفصل الأول: فأكثر النفاس ستّون يوم عند الشافعي، ومعتمدهُ فيه الوجودُ، كما سبق في الحيض. وأغلب النفاس أربعون يوماًً، وأقل النفاس لحظةٌ واحدة. وعلل بعض أصحابنا ذلك بأن المرأة قد تلد، ولا ترى دماًً أصلاًً، وهي التي تسمى ذات الجفاف، فإذا تُصوّر ذلك، لم يبعد أن ترى الدمَ لحظة. وهذا التعليل باطلٌ ويُلزَم مثله في الحيض، فلا زمان تحيض المرأة فيه إلا ويتصوّر أن يستمر بها الطهر فيه. ثم هذا لا يدل على أن أقل الحيض لحظة، فالمتبع الوجودُ إذاً في قاعدة المذهب. وذهب المزني إلى أن أقل النفاس أربعةُ أيام؛ مصيراً إلى أن أكثر النفاس مثلُ أكثر الحيض أربع مرّات، فليكن أقله مثل أقل الحيض أربع مرّات. وهذا الفن غير لائق بفقه المزني، وعلوِّ منصبه؛ فإن المقادير لا تبنى على الخيالات الشبهية، ولست أرى لهذه الأصول مستنداً غير ما تقدَّم في أعصار الأولين من الوجود. [الفصل الثاني] (٢) ٦٢٨ - فأما الفصل الثاني، فلا شك أن الحامل ترى (٣) الدمَ على ترتيب (٤) أدوار الحيض، واختلف قول الشافعي في أنه دم حيض، أو دم فساد، والأصح أنه دم حيضٍ (٥).

стр. 852

وتوجيه القولين، وذكْرُ مأخذهما مستقصىً في كتاب العِدَّة، فإن جرينا على أنه دمُ حيضٍ، فحكمه حكمُ الحيض، في كل تفصيل، غيرَ أنه لا يتعلق بتلك الأقراء انقضاء العِدة. والذي يتعلق بأمر النفاس من ذلك أنها إذا كانت ترى أدواراً مستقيمةً في زمان الحمل، والتفريعُ على أنّ الحامل تحيض، فإذا كانت تحيض خمسةً وتطهر خمسة وعشرين، فرأت خمستها، وطهرت عشرة أيام، ثم ولدت ونُفست، ولم يتخلل بين الخمسة التي [رأتها] (١) قبل الولادة وبين دم النفاس طهر كامل. فأما دم النفاس، فهو على حكمه، ونقصان الطهر قبله لا يؤثر فيه، واختلف أئمتنا في تلك الخمسة، فذهب بعضهم إلى أنها دم فساد؛ لأنها لم تستعقب طهراً كاملاً، والأصح أنها دم حيض، على القول الذي عليه التفريع؛ فإنّ الدم إنّما يضعف إذا لم يتقدمه طهرٌ كامل، والخمسة مسبوقة بطهر كامل، ونقصان الطّهر يؤثر فيما بعده، ولا ينعكس أثره على الدم السابق، وإذا لم يؤثر نقصان الطهر في النفاس بعده، لم يؤثر في الدّم قبله، والذي يوضّح ذلك أن الولادة إذا تخللت، فهي أقوى في فصل الدم من الطهر الكامل. ولو رأت خمستها، ثم اتصلت الولادة بها ونُفِست من غير طُهرٍ، فالخلاف في الدم المتقدّم على الولادة كما تقدم، وإن لم يتخلل نقاءٌ أصلاً. [الفصل الثالث] (٢) ٦٢٩ - فأما " الفصل الثالث " فمضمونه ولادة توأمين بينهما دمٌ، فإذا ولدت ولداً، ورأت دماًً أياماً، ثم ولدت ولداً آخر من ذلك البطن، فالذي رأته من الدم على أثر الولد الأول نفاسٌ أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما - أنه ليس بنفاس؛ فإنه متقدم على فراغ الرحم من الولد. والثاني أنه نفاس؛ فإنه على أثر الولادة.

стр. 853

فإن قلنا: إنه ليس بنفاس، فهل نجعله دمَ حيض أم لا؟ فعلى قولين مرتبين على أن الحامل هل تحيض؟ فإن قلنا: إن ما تراه من الدم يكون حيضاً، فهذا بذلك أولى، وإن قلنا: إنه لا يكون حيضاًً، ففيما نحن فيه قولان. والفرق أنّ الغَالبَ في الحامل أنها لا ترى دماً؛ لانسداد فم الرحم، فإن رأته، فقد يُقَدَّر ذلك دم فسادٍ لندوره، وينزل ذلك منزلة ما لو رأت الصبيّةُ، وهي ابنة ثمانٍ دماًً. فأمَّا إذا ولدت ولداً، وانفتح الرحم، فاسترخاء الدم من الرحم ليس بدعاً، بل النادر ألا ترى دماًً إذا ولدت، ثم إذا جعلنا ما رأته دمَ حيضٍ، فيلزم على هذا الوجه [رعاية] (١) قضايا الحيض فيه، حتى إذا زاد على خمسة عشر يوماً، كان الزائد دمَ فساد، والترتيب فيه كالترتيب في دم الحيض إذا زادت نوبته. ثم يترتب على هذا الوجه أنه إذا تقدم على ولادة الولد الأول دمٌ، وتخلّل بينه وبين الدم بعدَ الولد الأول أقلُّ من أقلِّ الطهر، فيلزم من هذا القياس أن نجعل ذلك الدمَ دمَ حيضٍ؛ لأنه لم يتقدمه طهر كامل، وليس ذلك الدم دمَ نفاس حتّى ينفرد بحكمه، كما تقدم في الصورة الأولى، وهذا بعيد عن التحصيل. وباختباط هذه التفريعات يتضح ضعف هذا الوجه. ٦٣٠ - وإن قلنا: إن ما رأته بين الولدين دمُ نفاسٍ، وهو الصحيح، فإن ولدت الولد الثاني، فرأت على أثره الدمَ أيضاً، فقد ذكر الأئمة اختلافاً في ذلك: وحاصل القول فيها يؤول إلى أن ما رأته على أثر الولدين في حكم نفاسٍ واحد، أو في حكم نفاسين، وفيه الاختلاف. ومنه ينشأ ما سنذكره. فمن أصحابنا من قال: إنهما في حكم نفاسين؛ لمكان الولدين، وانفصال إحدى الولادتين عن الأخرى. ومنهم من قال: إنهما في حكم نفاسٍ واحدٍ؛ فإن الرحم اشتمل على الولدين اشتمالا واحداً، فالفراغ عنهما في حكم ولادةٍ واحدةٍ. فإن قلنا: إنهما نفاسان، فإن ولدت ولداً، ورأت الدمَ ستين يوماً، [ثم ولدت

стр. 854

آخر، ورأت على أثره ستين يوماًً دماً] (١) فالدماء كلها نفاسٌ. ولو ولدت أولاداً من بطنٍ واحدٍ، ورأت على أثر كل واحدٍ ستين يوماًً دماًً، فالجواب كما سبق، ولكل ولدٍ حكمُ نفاسٍ، ولا يتعلّق حكم نفاسٍ في حسابٍ بنفاسٍ. وإن قلنا: الدماء كلها في حكم نفاسٍ واحدٍ، فينبغي ألا يزيد الدمان جميعاًً على ستين يوماًً، ويحتسب أول الستين من أول الدم الذي رأته على أثر الولد الأول. ويتفرع عليه أنها لو ولدت ولداً، ورأت على أثر الولد الدمَ ستين يوماً، ثم ولدت الثاني، ورأت دماًً، والتفريع على اتحاد النفاس - فقد قال الصيدلاني: اتفق أئمتنا في هذه الصورة أن الولد الثاني ينقطع عن الأول، ويستعقب نفاساً؛ فإن الذي تقدّمه نفاسٌ كامل، ويستحيل أن يقال: إذا ولدت ثانياً، ورأت دماًً على أثره، فلا يكون ذلك نفاساً. وقد سمعت شيخي يقول في هذه الصورة: إذا فرّعنا على اتحاد النفاس، فالذي رأته بعد الولد الثاني دمُ فسادٍ، وهذا ولدٌ تقدّمه النفاس. ويلزم على قياس هذه الطريقة أن يقال: إذا رأت على أثر الولادة الأولى ستين يوماً دماًً، ثم تمادى اجتنان الولد (٢) الثاني أشهراً، ثم أتت به، ورأت دماًً، فيلزم أن يقال: إنه دمُ فسادٍ. وهذا بعيد جداًً. وبهذا يتبين أنّ كلَّ ولدٍ يستتبع نفاساً، ولا يعتبر حساب نفاسٍ بحساب نفاسٍ. ٦٣١ - ومما يتعلق بما نحن فيه، أن الحامل إذا كانت ترى دماًً، وجرى التفريع على أنه حيض، وإن لم يتخلل بينه وبين الولد طهرٌ كامل، فلو رأت الدم خمسةَ أيامٍ، واتصل الولد بها، فلا يكون ذلك الدم المتقدم محسوباً من النفاس أصلاًً. ولو طُلِقت (٣) المرأة، وبدأت مخايل الولادة، وانحلّ الدم، فالذي قطع به الأئمة

стр. 855

أنه ليس من النفاس، وإن أمكن أن يقال: هذا من آثار الولادة. وذكر صاحبُ [الإفصاح] (١) وجهاً بعيداً: أن ما كان كذلك، فهو محسوب من النفاس، حتى يعتبرَ ابتداؤه منه، وهذا غير معتدٍّ به في المذهب. نعم، ظهر اختلاف أصحابنا في أنّ الولد إذا بدا، وظهر مع ظهوره الدمُ، فهل يعدُ ذلك من النفاس أم لا يثبت حكمُ النفاس ما لم ينفصل [الولد] (٢)؟ هذا فيه خلاف مشهور، ووجه الاحتمال فيه ظاهر. فرع: ٦٣٢ - ذكر الشيخ أبو حامد: أن الدم إذا رأته الحامل، ووقع الحكم بكونه حيضاًً، وإن اتصلت الولادة والنفاس به تفريعاً على أحد الوجهين، فلو رأت النفاس بعد الولد ستين يوماًً، ولم ينقطع الدم، قال: فأحسب [الدمَ] (٣) بعد الستين حيضاً، وإن لم يتخلل بين منتهى النفاس، وبين الحيض طهرٌ، قياساً على ما لو تقدّم الحيضُ على النفاس واتصل به، ولم يتخلل بينهما طهر كامل، فجعل تقدُّم الحيض على النفاس من غير تخلل طهرٍ كتأخر الحيض واتصاله بآخر النفاس. وهذا متروك عليه. والقياس الذي ذكره غير منتظم؛ فإن الدم المتقدم يتقوّى بتخلل الولادة، واعتقاد أن الولادة إذا تخللت، فهي أقوى من الطهر يتخلّل، وهذا المعنى لا يتحقق في اتصال الدّم بآخر النفاس؛ فإنّ جريان النفاس الكامل يتضمن فراغَ الرحم عن دم الحيض، [فإذا] (٤) كان تقدّمُ الحيضِ الكامل ثَمَّ يستدعي تخللَ طهر، فتقدم النفاس الكامل لأنْ يقتضي ذلك أولى وأحرى.

стр. 856

وذكر بعض أصحابنا وجهاً آخر ضعيفاً، قد يرجع إلى ما ذكره أبو حامد، و [ذلك] (١) أنه قال: إذا كانت تحيض خمسةً، وتطهر خمسةً وعشرين، فرأت خمسةً دماًً، ثم ولدت، فنحسب لها من أول النفاس خمسة وعشرين في تقدير الطهر، وإن لم يكن طهراً، ثم نُقدِّرُ خمسةً دمَ حيض، وإن كانت نفاساً، وقد انقضى في هذين التقديرين ثلاثون يوماًً من النفاس، ثم نحسب خمسة وعشرين في تقدير الطهر، ثم نحسب خمسة حيضاًً تقديراً، وقد تمّ أكثر النفاس. ثم نحسب بعد ذلك خمسة وعشرين طهراً تحقيقاً، ثم يعود الحيض المحقق. وهذا تقدير لا [مُستندَ له ولا ثَبَت] (٢). ثم قد تؤدي بعض الصور في قياسه إلى عين مذهب أبي حامد، وذلك بأن يفرض حيضَ المرأة خمسة، وطهرها خمسةً وعشرين، ويقدّر أمَدَ النفاس المعتاد خمسةً وأربعين، ثم يفرض رؤية الخمسة قبل الولادة بعشرة أيام، فيحسب تلك العشرة، ويحسب من مدة النفاس خمسة (٣ عشر، ثم يحسب خمسة ٣) في تقدير الحيض، وقد مضى من أمد النفاس عشرون يوماًً، ثم يحسب الطهر خمسة وعشرين، وقد مضى زمان النفاس. وهذا هو المحكي عن أبي حامدٍ، وهو مزيّف متروك عليه. فرع: ٦٣٣ - إذا ولدت المرأة، ولم تر على أثر الولادة دماًً أياماً، ثم استرسل الدمُ، فابتداء مدّة النفاس يحسب من وقت الولادة، أو من وقت رؤية الدم؟ اختلف فيه الأئمة: فمنهم من قال: هو محسوب من وقت رؤية الدم؛ فإنه النفاس حقاً، ومنهم من قال: هو محسوبٌ من وقت الولادة، وهذا الخلاف فيه إذا لم يتخلل بين الولادة وبين الدم طهرٌ كامل، فإن تخلل، فسيأتي ذلك بعد هذا. فهذا تمام المراد في إيضاح مضمون الفصول الثلاثة. مع ما يتعلق بها ويتشعب عنها.

стр. 857

[اتصال الاستحاضة بالنفاس] (١) ونحن الآن نذكر تفصيل القول في اتصال الاستحاضة بالنفاس، ونشير إلى المستحاضات الأربع، في حكم النفاس ونبدأ بالمعتادة. [المعتادة] (٢) ٦٣٤ - فنقول: إذا ولدت المرأة مرتين فصاعداً، وكانت تُنفَس أربعين يوماً، فولدت مرة ونُفست، وكان يتوقع انقطاع الدم على الأربعين، فزاد الدمُ وتمادى، فهي مأمورة بالتربّص، وترك ما يتركه الحُيّض، فإن انقطع على الستين، فالكل نفاس، وإن زاد على الستين، فقد بان أنها مستحاضة، ونردّها إلى عادتها القديمة، تبيناً واستناداً (٣) ونستبين أن ما رأته وراء الأربعين دمَ فساد، كما سبق تقرير ذلك في أحكام

стр. 858

المعتادة في أدوار الحيض، ثم نحسب وراء الأربعين طهرها المعتاد في أدوار الحيض، ثم نحيّضها المقدارَ المعتاد، وندير عليها أدوارها، ويرجع ترتيب الكلام [إلى] (١) القول في المستحاضة المعتادة، [ونقدّر] (٢) النفاس في أمده بمثابة حيضةٍ من الحيض، ثم نعتبر بعده الطهرَ، كما ذكرناه. ويليق بمذهب أبي حامدٍ أن يقول: أحتسب بعد أمد النفاس حيضةً ثم طهراً؛ إذ لا يبعد عنده اتصال الحيض بالنفاس، كما سبق، وهو باطل غيرُ معتدٍّ به، وهذا إذا كان ثبت لها أمد النفاس قديماً، وتكررت الولادة. فإن ولدت مرة واحدة، ونُفست أربعين وطهرت، ثم اتصلت الاستحاضة بالولادة الثانية، فهذا يخرّج على أن العادة هل تثبت بالمرة الواحدة؟ وهاهنا الأصح ثبوتها بها، فإن الاستمساك بالمرة الواحدة أولى من ردّها إلى [عماية] (٣) الظنون، ونقدرها مبتدأة، كما سنذكر الآن. [المبتدأة] (٤) ٦٣٥ - فأما المبتدأة، فهي التي كما (٥) ولدت ونُفست استحيضت، وفيه قولان، كالقولين في أمر الحيض: أحدهما - أنها مردودة عند زيادة الدم على الستين إلى أقل

стр. 859

النفاس بطريق التبيّن، وهو لحظة واحدة، وما وراءها استحاضة والثاني - أنها مردودة إلى الغالب، وهو أربعون يوماًً. ثم إن كانت معتادة في أدوار الحيض مبتدأة في النفاس، فإذا انقضى ما رددناها إليه من النفاس، حسبنا بعده طهراً من أطهارها، وعادت إلى أدوارها المعتادة. وإن كانت مبتدأة في الحيض، حسبنا نفاسها لحظةً، وجرينا على قياسنا في أمر طهر المبتدأة، كما [مضى] (١) مقرراً. وذهب المزني إلى أن المبتدأة في النفاس مردودة إلى الأكثر، وهو ستون (٢) يوماً. وهذا مما انفرد به، وليس له أصل؛ فإنّه وافق أن المبتدأة في الحيض لا تردّ إلى أكثر الحيض، ولا فرق بين النفاس والحيض، ولم يخالف أن المعتادة في النفاس إذا استحيضت، فهي مردودة [إلى العادة قياساً، وليست مردودة] (٣) إلى الأكثر. فرع: ٦٣٦ - إذا ولدت مرةً أو مراراً، ولم تُنفَس أصلاًً، ولم تر دماًً، ثم ولدت ونُفست، واستحيضت، فلسنا نرى ما مضى من حالها فيما تقدم عادةً، حتى نقول: لا نفاس لها، ردّاً إلى ما عُرف من أمرها مرةً أو مراراً، بل نجعلها إذا نُفست، واستحيضت، بمثابة مبتدأة تُنفس وتستحاض؛ فإنها مبتدأة في الصورة التي ذكرناها في النفاس، وإن لم تكن مبتدأة في الولادة، ونحن إنما نتبين النفاس وجريانه على اعتيادٍ أو ابتداء. [المميزة] (٤) ٦٣٧ - فأما المميزة، فهي التي تُنفَس وترى دماًً قوياً، ثم ترى دماًً ضعيفاً، ويستمرُّ ويزيد على الستين، فيتبيّن بالأَخَرة أن نفاسَها الدمُ القوي، ثم إن اجتمع التمييز

стр. 860

والعادة، ففيه الخلاف المشهور في أدوار الحيض. فرع (١): ٦٣٨ - المميزةُ في أحكام الحيض إذا رأت مرة الدم القويَّ، وبلغ أقلَّ الحيض، فصاعداً، ولم يزد على أكثر الحيض، وضعف الدم، وتحقّق أنها مستحاضة، ثم تمادى الدم الضعيف سنةً مثلاً، ولم يعد الدم القوي أصلاً، فالذي يقتضيه قياس التمييز والرد إليه أنها طاهرةٌ، وإن تمادى الدم سنين. وقد يختلج في النفس استبعادٌ في الحكم بطهارتها، وهي ترى الدمَ دائماً. وسببُ أنّا لا نحيّضها [أنها] (٢) رأت السواد يوم وليلة مرة واحدة، و [لو] (٣) لم تره، لم تكن مميزة، وكان استمرار الدم بها يوجب أن يدور عليها الحيض على ترتيبٍ وأدوار رسمناها للمبتدأة، ولو تشوّفنا -وقد طال أمرُ الدم الضعيف- إلى تحييضها، فليس معنا مردٌ ضَابط في ذلك ننتهي إليه، وليس لأكثر الطهر ضبطٌ، فنتعلّقَ به. فهذا وجه التنبيه على إشكال الفرع. وأنا أراه ملتفتاً على مسألة ذكرناها من كلام القفّال، في أن المرأة إذا حاضت، ثم طهرت، وتباعد حيضُها سنة أو سنتين، ثم عاودها الدمُ، وقلنا: العادة تثبت بالمرّة الواحدة، فلا نردها إلى الأمد الطويل في الطهر آخراً، إذا طَبَّق الدم عليها، بل نعتبر ثلاثة أشهر، وهو مدة العدة في حق الآيسة. وقد فصلتُ هذا وألحقته بالحاشية (٤)؛ فلا يبعد أن نقول: إذا تمادى الدمُ الضعيفُ، فلا نُخلي ثلاثة أشهرٍ عن حيض، فظاهر القياس أنها طاهرة، وإن بلغ أمد الطهر الضعيف ما بلغ. والله أعلم. [المتحيرة] (٥) ٦٣٩ - فأما المتحيرة في النفاس، فهي التي سبقت لها عاداتٌ قديمة فنسيتها، ثم ولدت ونُفست، واستحيضت قال الأئمة: هي في قولِ كالمبتدأة، وقد تفصّل

стр. 861

حكمها. وفي قولٍ نأمرها بالاحتياط، وذلك كلّه بعد أن يزيد الدمُ على الستين، فإذ ذاك ننعطف بالحكم، ونخرِّج الأمر على القولين. ثم [إذا] (١) كان تحيرُها في النفاس، وكانت ذاكرةً لعادتها في أدوار الحيض، فليس عليها ترتيب أدوار الحيض؛ فإنها لا تدري أنّ طهرها متى يقدر عودُه بعد منقرض النفاس، وينجرّ عليها من هذا إشكالٌ، لا يكاد يخفى تفريعه؛ فإن ترتيب الطهر والدور وإن أعضل، فإذا كانت ذاكرةً لمقدار الحيض، فتستفيد بذلك أحكاماً بيّنةً. قلت: الصحيح في المتحيرة في أحكام الحيض الردُّ إلى الاحتياط، كما تقدم. والسبب فيه أنا لا ندري مبتدأ دورها ولا سبيل إلى التحكم بإثبات مبتدأ لدورها من غير ثبت، فهذا هو الذي ورّط في الاحتياط. وإذا ولدت ونُفست، فابتداء النفاس معلوم، فيظهر عندي جعلُها كالمبتدأة في النفاس، وإن كان يضعف ذلك في الحيض. فهذا منتهى القول في ذلك. ٦٤٠ - ومما يتعلق بأحكام النفاس أنه لو تقطّع الدم على النفساء، فكانت ترى يوماًً دماًً، ويوماًً نقاءً، فحكم التلفيق قد مضى مفصلاً. والذي نجدده في أمر النّفاس أنّها لو طهرت في أيام النفاس خمسة عشر يوماًً، ثم عاد الدم في الستين، فقد اختلف أئمتنا في أن العائد نفاسٌ أم لا؟ فمنهم من قال: ليس بنفاس؛ لأنه انقطع وجرى طهرٌ كامل، ومنهم من قال: هو دم نفاس؛ لأنه في الستين. فإن قلنا: إنه ليس بنفاس، فنقدّر الدم العائد حيضاًً. وإن جعلنا الدمَ العائد نفاساً، وكنا نرى ترك التلفيق، فالذي صار إليه الأكثرون أن زمان النقاء حيضٌ، وإن بلغ خمسةَ عشر. ومن أصحابنا من قال: وإن كنا نرى ترك التلفيق، فنقضي بأنها طاهرة في الخمسة عشر ونستثني هذه الصورة في التفريع على هذا القول.

стр. 862

٦٤١ - ومما يتصل بذلك أن المرأة إذا ولدت، ولم تر الدم خمسة عشر يوماً، ثم رأت الدمَ، فهذا يخرّج على الخلاف المذكور. ففي وجهٍ نقول: هي نفساء؛ لوقوع الدم في الستين. وفي وجهٍ نقول: هي ذاتُ جفاف، لم تُنفس، والذي رأته من الدم حيض. فهذا تمام البيان في ذلك. ٦٤٢ - وقد ذكر الصيدلاني في تخللِ طهرٍ كامل في الستين تفصيلاً حسناً، فقال: إن عاد الدم في الستين، ثم انقطع على الستين، فالوجهان في أنّ العائد نفاسٌ أم لا في هذه الصورة، فأمّا إذا جاوز الدمُ الستينَ، وصارت مستحاضة، فالذي يعود بعد الخمسةَ عشَر ليس بنفاس وجهاً واحداً، وإنما هو حيضٌ. ولا وجه عندي إلا ما ذكره، وما أطلقه الأئمة منزل على هذا التفصيل قطعاً. والله أعلم (١). ...

стр. 863

نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني رحمه الله تعالى (٤١٩ - ٤٧٨ هـ) حققه وصنع فهارسه أ. د عبد العظيم محمود الديب الجزء الثاني الصلاة الجمعة صلاة العيدين صلاة الخسوف دار المنهاج

стр. 864

الفقه صعب مرامه، شديد مراسه، لا يعطي مقاده لكل أحد ولا ينساق لكل طالب، ولا يلين في كل يد، بل لا يلين إلا لمن أيد بنور الله في بصره وبصيرته، ولطف منه في عقيدته وسريرته. الإمام أبو المظفر السمعاني المتوفي سنة ٤٨٩ هـ

стр. 865

كتاب الصلاة (١) ٦٤٣ - الأصل في الصّلاة: الكتابُ، والسُّنة، والإِجماع، فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ومعناه: فرضاً موقوتاً. والآيات المشتملة على ذكر الصّلاة كثيرة. والسنة ما روي عنه ﵇ أنه قال: "بُني الإِسلام علَى خمسٍ" (٢) الحديث. وقال: "الصلاة عماد الدين" (٣) فمن ترك الصلاة، فقد هَدم الدين. وقال: "من ترك الصّلاة متعمداً، فقد كفر" (٤). وكلام العلماء في تفسير الحديث مشهور،

стр. 866

وسنذكر الأخبار الواردة في تفصيل الصلوات على حسبِ الحاجة في مظانها. والأمة مجمعة على أنّ الصّلاة ركن الإِسلام. ثم كان المسلمون متعبدين بصلاة الليل في ابتداء الإِسلام على ما يُشعر بها ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، ثم لما عُرج برسول الله ﷺ ، افترض الله الصلوات الخمس، في قصة مشهورة، ونسخت فرضية صلاة الليل عن الأمّة، وقيل: إِن فرضيتها باقية على الرسول ﵇، والله أعلم. وليس في القرآن تنصيصٌ على أعيانها وتصريحٌ، ولكن فيه تلويحٌ وإِيماء إِليها، ومما تكلم العلماء عليه منها، قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقد اختلف العلماء في الصّلاة الوسطى، فالذي اختاره الشافعي أنها صَلاة الصُّبح؛ فإِنها محتوشة بصلاتين ليلتين قبلها، وصَلاتين نهاريَّتين بعدها، وهي حَرِيَّة بمزيد الاستحثاث، من حيث إِن وقتها يُوافي الناسَ وأكثرهم في غمراتِ النّوْمِ والغفلاتِ. ثم الذي ذَكَره الشافعي وإِن كان ظَاهراً، فهو مظنون، والذي يليق، بمحاسن الشريعة، ألا تتبين على يقين؛ حتى يحرص الناسُ على جميع الصّلوات، حتى توافقَ الصّلاة الوسطى، كدأب الشريعة في ليلة القدر. وقد ورد خبرٌ في غزوة الخندق يدل على أن الصلاة الوسطى هي: صلاة العصر (١) والله أعلم.

стр. 867

٦٤٤ - ثم صَدَّر الشافعي كتاب الصّلاة ببيان المواقيت، واعتمد في باب المواقيت حديثَ جبريل، وأجمعُ الروايات ما رواه ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أمّني جبريل عند باب البيت مرتين، فصلّى بي الظهرَ حين زَالت الشمس، وصلى بي العصرَ حين كان ظل كلِّ شيء مثلَه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الصبح حينَ حَرُمَ الطعامُ والشرابُ على الصائم، ثم عاد فصلى بي الظهر حين كان ظل الشيء مثله، وصلى بي العصر حين كان ظل كُلّ شيء مِثْلَيْهِ، وصلى بي المغرب كصلاته بالأمس، وصلى بي العشاء حين ذَهب ثلُثُ الليل، وصلى بي الصبح وقد كاد حاجبُ الشمس يَطلع، ثم قال: يا محمد: الوقت ما بين هذين" (١). فلتقع البداية بوقت صلاة الظهر تأسياً بما ورد في قصة جبريلَ. فأول وقت الظهر يدخل بزوال الشمس، وهو انحطاطها عن منتهى ارتفاعها، فإذا انحطّت، فهذا زوالها، ثم إِنما يتبين زوَالُها بزيادة الظِّل بعد النقصان، وظل الشمس عند ابتداء طلوع الشمس مستطيل في صَوْب المغرب، ثم كلما ارتفعت الشمس، يتقلص الظل وينقص، فإِذا انتهت الشمسُ إِلى مُنْتهى ارتفاعها، وقف الظل، فإذا أخذ في الزيادة، فهذا أوّل الزّوالِ في الشرع، والشمس لا وقف لها، وهي دائبة في استدارتها على الخط الذي ترسمه، فلو ظن ظان أنها كما (٢) تنتهي إِلى مداها، تنحط

стр. 868

ويتصل انحطاطها بآخر ارتفاعها -وإِن كان لا يتبيّن للراصد في الظل- فهذا تخيّل لا اعتبار به في الشرع، والذي يحقق ذلك، أنا أولاً: لا نُبعِد أن يتخيَّل وقوفُ الظل والشمسُ في [آخر] (١) الترقي، كما لا نُبعِد ذلك في اعتقادِ أول الانحطاط وقد ورد الشرع بالنهي عن الصلاة في وقت الاستواء، كما سيأتي ذلك في باب الأوقات المكروهة، وذلك الوقت ليس وقتَ إِجزاء الظهر وفاقاً، والذي يدور في خَلَد الفطِن، أنه إِذا بان ازدياد الظل، فنعلم قطعاً أن الشمس قد زالت قبل أن بان للراصد بلحظة. فإِن قال قائل: لو صادف التكبيرة ما قبل زيادة الظل، ثم اتصل على القرب بها ظهور الفيء، فهل تقضون بانعقاد الصلاة في هذه الحالة؟ فالخبير بالمواقيت لا يعجز عن تقسيم وقت وقوف الظل ثلاثة أقسام، حتى يفرض قسماً إِلى آخر الارتفاع، وقسماً إِلى آخر (٢) تردّد الراصد، وقسما إِلى الزوال. وهذا أقصى مَا يُبديه ذو الفطنة في هذا. ولكن الوجه القطع بأنه لا يدخل وقت إِجزاء الظهر ما لم يتبين ازدياد الظل، وما قبل ذلك معدود في وقت الاستواء. وإِذا وقعت التكبيرة قبل تبيّن ظهور الزيادة، لم يُحكم بانعقاد الصّلاة؛ فإِن المواقيت الشرعية مبناها على ما يُدرك بالحواس، وفي مساق الحديث ما يدل على ذلك؛ فإِن جبريل أبان لرسول الله ﷺ أن آخر الوقت بمصير ظل كل شيء مثله، ولا يخفى على المتأمل أن الآخر إِذا تأقَّتَ بذلك، فأول الوقت بظهور أول الظل الزائد. فهذا بيان أول وقت الظهر. ٦٤٥ - ثم ينقضي وقته إِذا صار ظل كل شيء مثلَه، من أول الزيادة. ولا يحسب المثل من أول ظل الشخص (٣)، فإِنه لو قُدّر ذلك، فقد يكون الظل وقت الاستواء في

стр. 869

الشتاء زائداً على الشخص، فالنظر إِلى ما يفيء ويرجع من الظل بعد النقصان، ولا خفاء بمثل ذلك، ولكني أُضطر إِلى ذكر الجليّات؛ [إِذ التزمت] (١) نظم مذهب جامع. ٦٤٦ - وأول وقت العصر يدخل بانقضاء وقت الظهر، فليس بين منتهى وقت الظهر ومبتدأ وقت العصر فاصل وزمان متخلل، ثم صلاة العصر مجْزِئة أداءً إِلى غيبوبة [الشمس] (٢). ونحن نذكر الآن فصلين في مواقيت الصلاة، بهما تمام البيان. [الفصل الأول] (٣) ٦٤٧ - أحدهما: أن معتمد الشافعي في المواقيت بيانُ جبريل ﵇؛ والخبر المأثور فيه مشعر بتعرضه لبيان أوائل الأوقات في نوبة، وبيان أواخرها في نوبة، وهذا واضح معترف به في صلاة الظهر. وفي الحديث أدنى غموض؛ فإِنه يخيل أن صلاة الظهر أقامها في اليوم الثاني في الوقت الذي أقام فيه صلاة العصر في اليوم الأول، ومن هذا اعتقد مالك (٤) أن الوقت مشترك. وقد اضطربت المذاهبُ في وقت الظهر والعصر، وأبعدُها مذهبُ أبي حنيفة؛ فإِنه زعم أن وقت العصر يدخل بمصير ظل كل شيء (٥ مثليه، وأن وقت الظهر يمتد إِلى أن يصير ظل كل شيء ٥) مثليه، وخالفه صَاحباهُ (٦)، وقالا: لم يقنع صاحبنا بمخالفة

стр. 870

رسول الله ﷺ حتى خالف جبريل ﵇، ولم يَبْنِ مذهبه على خبر، ولا قياس، وإِنما استمسك بحديث أرسله رسول الله مثلاً، لما قال: "مثلنا ومثل من كان قبلنا" الحديث (١)، ثم ليس فيه للأوقات ذكر، وإِنما اشتمل الحديث على كثرة الأعمال وقلتها. فأما متعلق مالك في ادعاء الاشتراك، فما نبهنا عليه في أول العصر بمقدار ما يسع أربع رَكعات، فهذا المقدار يصلح لأداء الظهر والعصر، وهذا مذهب المزني فيما حَكاه الصيدلاني. ٦٤٨ - وَاقتصد الشافعي، واعتمد الحديث، وفهم من بيان جبريل فَصْلَ أواخر (٢) الأوقات عن أوائل ما يليها، فعلم من هذا المساق انقطاعَ آخر وقت الظهر من أول وقت العصر، فاعترض له منشأ إِشكال مالك، فرأى في ذلك تقريبا حسناً، وقال صلى جبريل صلاة الظهر في اليوم الثاني في آخر المثل الأول، بحيث انطبق التحلل عنها على انقضاء المثلِ، فقيل: صلى جبريل حين صار ظل كلِّ شيء مثله، وصلى صلاة

стр. 871

العصر في اليوم الأول حين ابتدأ المثل الثاني متصلاً بانقضاء المثل الأول، فحسنٌ أن يقال: صلى حين صار ظل كل شيء مثلَه، فكانت إِحدى العبارتين مشيرة إِلى آخر المثل، والثانية إِلى الزمان المتصل بالآخر، واحتمال هذا في اللفظين مع إِمكانه وانسياغه في اللسان أمثلُ من التزام الاشتراك، والخروجِ عن مقصود الوقت المؤقّت في فصل أواخر المواقيت عن أوائل ما يعاقبها ويليها. فهذا بيان تأسيس مذهب الشافعي في ذلك، وليس ما ذكره بِدْعاً؛ الله تعالى ذكر بلوغ الأجل في العدة، وعَنى الإِشراف على الانقضاء، فقال: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] معناه: "فراجعوهن" وذكر البلوغ في آية أخرى وأراد الانقضاء، فقال تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (١) [البقرة: ٢٣٢] وقال الشافعي في تجويز مثل ذلك في اللسان: يقال: بلغ المسافر البلد، إِذا انتهى إِليها، وإِن لم يدخلها، ويقال: بلغها، إِذا دخلها وتوسط [أبنيتها] (٢). ٦٤٩ - ثم بعد هذا اعترض إِشكالٌ آخر في الحديث، فإِن جبريل أبان بالتعرض لآخر وقت الظهر انقضاءَ وقته، وجرى على تلك الصيغة في صلاة العصر، والعشاء، والصبح، ما (٣) يدل على ما يخالف ظاهر المذهب؛ فإِنه صلى العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى صلاة العشاء في النوبة الثانية حين ذهب ثلث الليل، وصلى صلاة الصبح في المرة الثانية حين أسفر، فاقتضى ظاهر ذلك أن وقت الأداء في هذه الصلوات ينتهي بالانتهاء إِلى هذه الأوقات، كما جرى ذلك في صلاة الظهر، ولكن اضطرب الأصحاب في هذا على طرق: فذهب الأقلون إِلى التزام ذلك في هذه الصلوات، والمصيرِ إِلى أن الصلاة تفوت بالانتهاء إِلى هذه الأوقات، وهذا غير معدود من متن المذهب، وقد عزاه الناقلون إِلى الإِصْطخري.

стр. 872

والذي نص عليه الشافعي وتابعه عليه الأئمة، أن هذه الصلوات لا تفوت بالانتهاء إِلى هذه الأوقات. ورأى الشافعي إِزالة الظاهر فيها؛ لأخبار صحيحة صريحة عنده في امتداد وقت الأداء وراءها؛ فإن النبي ﵇ قال: "من أدرَك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح" (١)، فكان ما ذكره جبريل بياناً للمواقيت المختارة في الصلوات الثلاث. وقال قائلون من حملة المذهب: "صلاة العصر والصبح لا تفوت بالانتهاء إِلى المثلين والإِسفار، وصلاة العشاء تفوت بالانتهاء إِلى الزمان المذكور"، وإِنما فصَّل هؤلاء؛ لأن الخبر في إِدراك ركعة ورد في العصر والصبح دون العشاء. وهذا غير مرضي؛ فإِنه ثبت في صلاة العشاء ما يناقض هذا المذهب؛ فإِنا لا نعرف خلافاً في أن الحائض إِذا طهرت، وقد بقي من الليل مقدارُ ركعة، أنها تصير مُدْرِكة لصلاة العشاء، ولو لم يكن ذلك معدوداً من وقت العشاء، لما صارت مدركة لها، كما لو طهرت مع طلوع الفجر. فهذا أحد الفصلين. الفصل الثاني في بيان كلام الأصحاب في وقت الفضيلة، والاختيار، والجواز في صلاة العصر ٦٥٠ - قال الشيخ أبو بكر (٢): للعصر أربعة أوقات: وقت الفضيلة: وهو أول الوقت. ووقت الاختيار: وهو يمتد إِلى انقضاء المثل الثاني. ووقت الجواز من غير كراهية: وهو ما بعد ذلك إِلى اصفرار الشمس.

стр. 873

ووقت الجواز مع الكراهية: وهو مع الاصفرار إِلى الغروب. وما ذكره سديد. أما الفضيلة، فمأخوذة من الأخبار التي تستحث على مبادرة الصلوات في أوائل الأوقات، ونحن نذكر على الاتصال (١)، فهذا بيان وقت الفضيلة. وأما وقت الاختيار: فمتلقى من بيان جبريل، فما دخَل تحت بيانه، فهو مختار، وإِن انحط عن الأفضل. والجواز إِلى الغروب مستفاد من الحديث الذي ذكرناه. والكراهية ثابتة في وقت الاصفرار؛ لأخبار سنرويها في باب الأوقات المكروهة. وللعصر وقت خامس وهو: وقت الجمع بعذر السفر والمطر، كما سيأتي إِن شاء الله تعالى. ٦٥١ - فأما صلاة الظهر، فلم يقسم وقتَها الصيدلاني، ولاشك أنه ينقسم إِلى: الفضيلة والاختيار. فأما وقت الفضيلة، فالأولُ. والاختيار ممتد إِلى انقضاء الوقت الذي ذَكره جبريلُ. ولها وقت الجمع، كما سيأتي. فهذا تمام مضمون الفصْلين. ٦٥٢ - ونحن نذكر الآن وقتَ صلاة المغرب، ووقتَ صلاة العشاء، والصبح. فأما وقت صلاة المغرب، فيدخل بغروب الشمس، وبه إِفطار الصائم، وقد يُشْكل غروبُ الشمس على من يقطن موضعاً محفوفا بالتلال، والجبال، فالرجوع فيه إِلى بَدْو (٢) الظلام منَ المشرق، فليعلم الطالب أن للطلام طلوعاً وبَدْواً من المشرق عند تحقق غروب الشمس، كما للصبح الصادق طلوعٌ منه في أول النهار. وقد صح أن رسول الله ﷺ أشار إِلى المشرق بيده فقال: "إذا أقبل

стр. 874

الظلام من هاهنا، وأشار إِلى المغرب. وقال: وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم" (١). فهذا بيان أوّل وقت صلاة المغرب. فأمّا آخر وقتها، فقد اختلف قول الشافعي فيه، فقال في أحد القولين: يمتّد وقتها إِلى غيبوبة الشفق الأحمر، فبها يدخل وقت العشاء، وليس بين منقرض وقتها ومبتدأ وقت العشاء فاصل من الزمان. وقال في القول الثاني: لا يمتد وقت أدائها إِلى وقت العشاء (٢). توجيه القولين: من قال: إِنه لا يمتدّ، استدل بحديث جبريل وإِقامته صلاة المغرب في وقتٍ واحد في النوبتين جميعاً، ويشهد لهذا القول اتفاق طبقات الخلق في الأعصار على مبادرة هذه الصلاة في وقتٍ واحد، مع اختلافهم فيما سواها من الصلوات. ومن نصر القول الثاني، استدل بأخبار رواها الأئمة وصححوها (٣)، منها ما روي "أن النبي ﵇ صلى المغرب عند اشتباك النجوم" (٤) وقد ذهب أحمدُ بن حنبل (٥) إِلى هذا القول، ولولا صحة الأخبار عنده، لما رأى ذلك.

стр. 875

وأما ابتدار الناس إِلى هذه الصلاة، فالسبب فيه -والعلم عند الله- أن العَمَلَة وأصحابَ المكاسب يأوون ليلاً عند الغروب إِلى منازلهم، ووقت الغروب غير بعيد من وقت غيبوبة الشفق، فلو لم يبتدروا هذه الصلاة، لغلبَ فَواتُها على طوائفَ. ٦٥٣ - التفريع على القولين: إِن قلنا: يمتد الوقت إِلى غيبوبة الشفق، فلا كلام، وإِن حكمنا بأن الوقت لا يمتدّ إِلى الغيبوبة، فإِلى أي وقت يمتد؟ وما التفصيل فيه؟ هذا يستدعي تقديمَ أمرٍ في المواقيت هو مَعْنِيٌّ في نفسه، والحاجة ماسة إِليه فيما نحاوله من وقت صلاة المغرب على قول التضييق، فنقول: مذهب الشافعي أن الأفضل إِقامة الصلوات في أوائل الأوقات، وسيأتي ذلك في فصل بعد هذا. ٦٥٤ - والذي نذكره منه أن ضبط القول في إِدراك فضيلة الأوّليّة مختلف فيه، وحاصل القول فيه ثلاثة أوجه: وجهان ذَكرهما الشيخ أبو علي، والثالث ذَكرهُ صاحب التقريب. فأحد الوجهين اللذين ذكرهما أبو علي أن وقت الفضيلة يمتد إِلى نصف الوقت في كل صلاة، ووجْهُ هذا، أنه ما لم يتم النصفُ، فمعظم الوقت باق، فيجوز أن يسمى مقيم الصلاة -والحالة هذه- موقِعاً صلاتَه في حدّ الأولية. وهذا بعيد عنْدي؛ فإِن إِقامة الصلاة في أول الوقت يقتضي بداراً، ومن أخَّر الصلاةَ إِلى قريب من نصف الوقت، في حُكم المؤخِّر، ثم من يضبط بالنصف لاشك أنه يجعل البدار أولى، وهذا تقسيم أول (١) الوقت إِلى الأفضل وغيره. والوجه الثاني: أن الفضيلة إِنما يُدركها من نطق تكبيرةَ العصر على أول الوقت، وهذا القائل يقول: لا يدرك فضيلة الأوّليّة إِلا من يقدم الطهارة، والتأهب على دخول الوقت، حتى قال هذا القائل: لا يتصور إِدراك فضيلة الأوّلية مع التيمم؛ فإِنَّ شرط التيمم أن يقع بعد دخول وقت الصلاة. وهذا سرفٌ ومجاوزة حدّ؛ فإنَّ الذين كانوا يبادرون الصلاة في أول الوقت كانوا لا يضيقون الأمر على أنفسهم إِلى هذا الحد، فكيف يتخيل المحصّل ثبوت هذا مع العلم بان الأذان والإِقامة كانا يقعان بعد دخول

стр. 876

أوقات الصّلوات، وإِنما اضطربت المذاهب في صلاة الصبح ووقت الأذان لها، كما سيأتي ذلك؛ فالوجهان اللذان ذكرهما الشيخ ضعيفان جداً. والوجهُ الثالثُ: ذكره صاحب التقريب، وهو الأقربُ؛ وذلك أَنَّهُ قال: معنى المبادرة أن يتشمر الإِنسان لأسباب الصّلاة عقيب دخول الوقت، بحيث لا يعد متوانياً ولا مؤخراً لها، والطهارةُ والأذان والإِقامة من الأسباب. ثم قال: "لو وقع في شُغل خفيف من أكل لُقَم أو مخاطبة إِنسان من غير تطويل، فهذا مما لا يفوّت الأوَّليّة". ورأيتُ الطرق مترددة في إِيقاع التستر بعد الدخول. فألحق العراقيون التستر بالطهارة، ولم يَعُدُّوا الاشتغال بها مفوِّتاً للأوَّليّة. وكان شيخي يناقش في هذا من أجل أن فريضة الستر لا اختصاص لها بالصلاة، ولست أرى على الوجه الذي ذكره صاحب التقريب لهذا معنى؛ فإِنَّه صار إِلى أن التناهي في التضييق لا أصل له في تفويت فضيلة الأولية، كما ذكرناه الآن، وليس الزمان الذي يتأتى الستر فيه مما يُنهي الأمر إِلى مجاوزة التقريب في ذلك. ٦٥٥ - وعلى الجملة [أسوتنا] (١) في ذلك كله ما كان يعتاده السلف الصالحون المبادرون لإِقامة الصلوات في أوائل الأوقات، والكلام في مثل ذلك ينتشر، ونحن نحاول ضم النشر ما أمكننا، فنقول: الأذان والإِقامة معتبران بعد وقت الصلاة، وكذلك الطهارة، وكل ذلك من غير تطويل بيّن، ولا تكلّفِ عجلةٍ على خلاف الاعتياد، ويعتبر أيضاً تقديم السنن التي قدّمها الشرع على الفرائض، ثم ما لا يدخل في الحس دخولاً ظاهراً، ولا يؤثر في إِظهار أثر التأخير إِلا للراصد الحاذق، فذاك لو وقع، فغير مؤثر في تفويت الفضيلة، وأكل لقمة يكسر بها (٢) شهوة الجوع، والتستر مع قرب الثوب من هذا الفن. ثم الذي يتجه في ذلك أن وقت الفضيلة إِن انقسم إِلى الأفضل والفاضل، لم يبعد، فالذي يترك الأذان والإِقامة والستر لا يصير بهذا البدار حائزاً للأفضل، وإِنما تتلقى

стр. 877

حيازة الأفضل من ترك الفعل الذي لا يُحس له أثر ظاهر في الوقت، ويلحق به أيضاً تقديم الطهارة على الوقت لمصَادفة الأوّلية، فهذا أقصى الإِمكان في ذلك. ثم كان شيخي أبو محمد (١) يميل إِلى ضبط الأولية بنصف الوقت، وكان يذكر فيه دقيقة: وهي أن المرعي نصف الزمان الذي دَخَل تحت بيان جبريل ﵇، وهذا بيِّن في وقت صلاة الظهر، فأما وقت صلاة العصر فمنتهاه في بيانه ﵇ أن يصير ظل كل شيء مثليه. والمذهبُ امتدادُ وقت الجواز وراء ذلك. وكان شيخي يقول: وإِن كان كذلك، فالفضيلة متلقاة من نصف المثل الثاني، والأمر على ما ذكره. فهذا حكم ما قيل في ضبط الأوليّة. ٦٥٦ - ونحن نعود بعد ذلك إِلى صلاة المغرب ووقتِها في التفريع على [قول] (٢) التضييق، فنقول: أما رعاية التطبيق على أول الوقت، فليس معتبراً، بلا خلاف، وأما النظر إِلى نصف وقته كما سبق نظيره في الفضيلة، فليس معتبراً أيضاً، وإِنما اعتبر الأئمة في وقت المغرب التقريبَ الذي راعاه صاحبُ التقريب في فضيلة الأولية، وقد نص عليه في صلاة المغرب، تفريعاً منه على قول التضييق. فنقول: نَعتبر وقتَ الأذان والإِقامة، ونعتبر وقتَ الطهارة، ثم بعد ذلك -مع الاقتصاد في ذلك كله بين التطويل وبين التعجيل- نرعى وقتاً يسعُ خمسَ ركعات بالفاتحة، وقصار المفصل، وإِنما ذكرنا الخمس؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصلون ركعتين خفيفتين (٣) بين الأذان والإِقامة لصلاة المغرب، ولست أرى هذه السنة بمثابة سنة الظهر؛ فإن تقديم سنة الظهر كان مستقراً من فعل رسول الله ﷺ ، مشروعاً، وليس كذلك الركعتان قبل فرض المغرب؛ فإن الصحابة كانوا لا يبتدرونها، كالذي ينتهز فرصة؛ فإن المؤذن كان

стр. 878

لا يصل أول كلمة الإِقامة بآخر كلمة الأذان في المغرب، فهذا ما أردناه في ذلك. ثم إِن أكل لُقَماً يلتحق بما لا يحس له أثر في الوقت. وعلى الجملة: الأمر في وقت المغرب أضيق قليلاً مما جعلناه معتَبَرَنا في الأولية؛ لأن الأثر يسرع ظهوره في وقت المغرب بازدياد مبادىء الظلام. ٦٥٧ - ثم ذكر العراقيون وراء ما ذكرناه اختلافاً في أمرٍ، وهو يستدعي تقديم أصلٍ آخر مقصودٍ في المواقيت، فنقدمه على دأبنا فيما نُقدِّم، ونقول: من أوقع في غير صلاة المغرب ركعةً في الوقت، ووقعت بقيةُ الصلاة وراء منتهى الوقت، فقد اختلف الأئمة في أن الصلاة مؤداة أو مقضية؟ فمنهم من قال: هي مقضية، مهما وقع التحلل [وراء] (١) الوقت. ومنهم من قال: هي مؤدّاة اعتباراً بإيقاع ركعة في الوقت. وذكر شيخي في بعض الدروس: أن الأمر منقسم، والواقع في الوقت مُؤدّى، والواقع ورَاءه مقضي. وسيظهر أثر هذا في باب القصر. ومن آثاره الناجزة جواز اعتماد ذلك؛ فإِن حَكمنا بأن الصلاة تصير مقضية أو يصير بعضها مقضياً، فلا يجوز التأخير إِلى هذا الوقت قصداً، وإِن قلنا: هي مؤداة كلها، فقد كان شيخي يردد جوابه مع ذلك في أنه هل يجوز التأخير إِلى هذا الحدّ؟ والمسألة محتملة. والظاهر عندي منعُ التأخير؛ فإنَّ جَعْل الصلاة مؤداةً مأخوذ عندي من وقت العقد والنيَّة، وما أرى إِخراج بعض الصلاة عن الوقت قصداً جائزاً (٢). ومما يليق بتمام ما نحن فيه، أن الأئمة ذكروا الركعة فيما يقع في الوقت، فإِنها القدر الذي يقال فيه: إِنَّه معتد به محسوب. وهو الذي يشترط إِدراكه من صلاة الجمعة، [وكان شيخي يردّ ذلك مراراً إِلى] (٣) تفصيل المذهب في إِدراك الفريضة في

стр. 879

حق أصحاب الضّرورات، وسيأتي قولٌ ظاهر في اعتبار تكبيرة العقد في حقوقهم، والذي ذكره ونزَّله غير بعيد، فهذا بيان ما قَدَّمنا. ٦٥٨ - وذكر العراقيون في صلاة المغرب تردداً واختلافاً، في أَنَّا إِذا ضيقنا وقت المغرب، فهذا التضيق لابتداء العقد، أمْ هو جارٍ في الصلاة كلها حلاً وعقداً؟ فأحد الوجهين - أن التضييق يشمل الصلاة، حتى إِذا وقع بعضها وراء الوقت الذي يسمع ما وصفناه، وقع في الخلاف المقدّم الآن، في أن الصلاةَ مقضيةٌ أو مؤدّاةٌ وجهاً واحداً. الوجه الثاني: أن التضييق في ابتداء العقد، حتى لو مدّ المصلي الصلاة وأخرجها عن الوقت المعتبر، فالصلاة كلها مؤداةٌ، وجهاً واحداً، وجواز المدِّ يمتد إلى غيبوبة الشفق، وإِنما اختصت صلاة المغرب بذلك عند هذا القائل من بين الصلوات، لما روي عن النبي ﵇ "أنه قرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب" (١). وهذا -إِذا حمل على الأمر المعتاد- قصدٌ لإِخراج أفعال الصلاة عن الوقت المذكور، وكان شيخي يذكر هذا في مقتضى ما ذكره العراقيون، ويقول: من جوز في غير صلاة المغرب إِيقاع بعض الصلاة وراء الوقت، ففي تجويز ذلك في صلاة المغرب عنده خلاف؛ لاختصاصها بالتضييق. وهذا وإِن كان يبتدره فهمُ المبتدىء، فهو غلطٌ عندي، والوجه مَا ذكره العراقيون؛ للخبر، ولأن وقت المغرب على قول التضييق خارج عن الضبطِ، فردُّ الأمر إِلى وقت العقد، والاتساع في وقت التحلل حسنٌ بالغ عندي. ثم قَطعَ أئمتنا بأن من أخرج بعض الصّلاة عن الوقت وإِن منعنا ذلك، فالصلاة صحيحة، وقالوا: إِن خطر للناظر أن القضاء لا يصح بنية الأداء، فهو مردود عليه؛

стр. 880

فإِنا نصحح نية الأداء في محل الضرورة، كما لو صام المحبوس شهراً حسبه شهر رمضان، ثم بان أنه ذو القعدة بعد مضي شهر رمضان، فيقع الاعتداد بما جاء به. وهذا عندي صحيح إِذا كان لا ينضبط الوقت الذي إِليه التّأخير، وكان يعزم (١) المؤخِّر أنه يسع الصلاة، ثم يتفق خروج بعضها، فأمّا إِذا كان ينضبط في العلم أن الوقت لا يسع إِتمام الصلاة، ثم قلنا: إِن الصَّلاة مقضية، فإذا نوى الأداء والوقتُ وقتُ القضاء على بصيرة، لم تصح الصلاة أصلاً، وهذا بمثابة ما لو نوى الأدَاء في صلاة يبتديها بعد الوقت. ولو أنشأ الصلاة في بقية الوقت، وكان يسع تمام الصّلاة، ثم مَدَّهَا قصداً حتى خَرجَ الوقت، فالذي رأيت الطرق عليْه أن الصَّلاة لا تفسد، تفريعاً على أَنَّ الصّلاة مقضية، فإنه لما نوى الأداء كان الأداء ممكناً، فطريان حكم القضاء غير ضائر، وليس كما إِذا خرج بعض الجمعة عن الوقت، على ما سيأتي؛ فإن الإِيقاع في الوقت شرط صحة الجمعة، ولذلك لا يصح قضاؤها، والوقت ليس شرطاً في غيرها من الصلاة، ولذلك يصح القضاء في غيرها. فرع: ٦٥٩ - إِذا مضى بعد الغروب على قول التضييق ما وصفناه، فإقامة السنة بعد الفريضة محبوبة، ثم هي مؤداة. وفي هذا بقية نظر؛ فإن السنة التابعة للفريضة وقتُها وقتُ الفريضة، فينبغي على قياس تجويز أداء سنة صلاة المغرب أن يجوز افتتاح أداء الفرض في وقت أدَاء السنة، والوجه في هذا عندي: أَنَّا اعتبرنا مقدار خمس ركعات بعد التأهّبِ، فإن مضى ما يسَعُ خمساً، فالسنة بعدها نافلة محبوبة، تسمى صلاة الأوَّابين، وما أراها بمثابة سنة الظهر التي تلي الصلاة (٢). وكان كثير من السلف يستغرق ما بين الفراغ من فرض صلاة المغرب إِلى أول وقت العشاء بالنوافل، فالمعدود وقتاً للمغرب بعد انقضاء وقت التأهب ما يسع قدر خمس ركعات. ثم إِن وقعت الركعتان قبل الفرض، فذاك، وإِن
следующие страницы →