أوقات الصّلوات، وإِنما اضطربت المذاهب في صلاة الصبح ووقت الأذان لها، كما سيأتي ذلك؛ فالوجهان اللذان ذكرهما الشيخ ضعيفان جداً.
والوجهُ الثالثُ: ذكره صاحب التقريب، وهو الأقربُ؛ وذلك أَنَّهُ قال: معنى المبادرة أن يتشمر الإِنسان لأسباب الصّلاة عقيب دخول الوقت، بحيث لا يعد متوانياً ولا مؤخراً لها، والطهارةُ والأذان والإِقامة من الأسباب. ثم قال: "لو وقع في شُغل خفيف من أكل لُقَم أو مخاطبة إِنسان من غير تطويل، فهذا مما لا يفوّت الأوَّليّة".
ورأيتُ الطرق مترددة في إِيقاع التستر بعد الدخول. فألحق العراقيون التستر بالطهارة، ولم يَعُدُّوا الاشتغال بها مفوِّتاً للأوَّليّة. وكان شيخي يناقش في هذا من أجل أن فريضة الستر لا اختصاص لها بالصلاة، ولست أرى على الوجه الذي ذكره صاحب التقريب لهذا معنى؛ فإِنَّه صار إِلى أن التناهي في التضييق لا أصل له في تفويت فضيلة الأولية، كما ذكرناه الآن، وليس الزمان الذي يتأتى الستر فيه مما يُنهي الأمر إِلى مجاوزة التقريب في ذلك.
٦٥٥ - وعلى الجملة [أسوتنا] (١) في ذلك كله ما كان يعتاده السلف الصالحون المبادرون لإِقامة الصلوات في أوائل الأوقات، والكلام في مثل ذلك ينتشر، ونحن نحاول ضم النشر ما أمكننا، فنقول: الأذان والإِقامة معتبران بعد وقت الصلاة، وكذلك الطهارة، وكل ذلك من غير تطويل بيّن، ولا تكلّفِ عجلةٍ على خلاف الاعتياد، ويعتبر أيضاً تقديم السنن التي قدّمها الشرع على الفرائض، ثم ما لا يدخل في الحس دخولاً ظاهراً، ولا يؤثر في إِظهار أثر التأخير إِلا للراصد الحاذق، فذاك لو وقع، فغير مؤثر في تفويت الفضيلة، وأكل لقمة يكسر بها (٢) شهوة الجوع، والتستر مع قرب الثوب من هذا الفن.
ثم الذي يتجه في ذلك أن وقت الفضيلة إِن انقسم إِلى الأفضل والفاضل، لم يبعد، فالذي يترك الأذان والإِقامة والستر لا يصير بهذا البدار حائزاً للأفضل، وإِنما تتلقى
стр. 877
حيازة الأفضل من ترك الفعل الذي لا يُحس له أثر ظاهر في الوقت، ويلحق به أيضاً تقديم الطهارة على الوقت لمصَادفة الأوّلية، فهذا أقصى الإِمكان في ذلك.
ثم كان شيخي أبو محمد (١) يميل إِلى ضبط الأولية بنصف الوقت، وكان يذكر فيه دقيقة: وهي أن المرعي نصف الزمان الذي دَخَل تحت بيان جبريل ﵇، وهذا بيِّن في وقت صلاة الظهر، فأما وقت صلاة العصر فمنتهاه في بيانه ﵇ أن يصير ظل كل شيء مثليه.
والمذهبُ امتدادُ وقت الجواز وراء ذلك. وكان شيخي يقول: وإِن كان كذلك، فالفضيلة متلقاة من نصف المثل الثاني، والأمر على ما ذكره.
فهذا حكم ما قيل في ضبط الأوليّة.
٦٥٦ - ونحن نعود بعد ذلك إِلى صلاة المغرب ووقتِها في التفريع على [قول] (٢) التضييق، فنقول: أما رعاية التطبيق على أول الوقت، فليس معتبراً، بلا خلاف، وأما النظر إِلى نصف وقته كما سبق نظيره في الفضيلة، فليس معتبراً أيضاً، وإِنما اعتبر الأئمة في وقت المغرب التقريبَ الذي راعاه صاحبُ التقريب في فضيلة الأولية، وقد نص عليه في صلاة المغرب، تفريعاً منه على قول التضييق.
فنقول: نَعتبر وقتَ الأذان والإِقامة، ونعتبر وقتَ الطهارة، ثم بعد ذلك -مع الاقتصاد في ذلك كله بين التطويل وبين التعجيل- نرعى وقتاً يسعُ خمسَ ركعات بالفاتحة، وقصار المفصل، وإِنما ذكرنا الخمس؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصلون ركعتين خفيفتين (٣) بين الأذان والإِقامة لصلاة المغرب، ولست أرى هذه السنة بمثابة سنة الظهر؛ فإن تقديم سنة الظهر كان مستقراً من فعل رسول الله ﷺ ، مشروعاً، وليس كذلك الركعتان قبل فرض المغرب؛ فإن الصحابة كانوا لا يبتدرونها، كالذي ينتهز فرصة؛ فإن المؤذن كان
стр. 878
لا يصل أول كلمة الإِقامة بآخر كلمة الأذان في المغرب، فهذا ما أردناه في ذلك. ثم إِن أكل لُقَماً يلتحق بما لا يحس له أثر في الوقت.
وعلى الجملة: الأمر في وقت المغرب أضيق قليلاً مما جعلناه معتَبَرَنا في الأولية؛ لأن الأثر يسرع ظهوره في وقت المغرب بازدياد مبادىء الظلام.
٦٥٧ - ثم ذكر العراقيون وراء ما ذكرناه اختلافاً في أمرٍ، وهو يستدعي تقديم أصلٍ آخر مقصودٍ في المواقيت، فنقدمه على دأبنا فيما نُقدِّم، ونقول: من أوقع في غير صلاة المغرب ركعةً في الوقت، ووقعت بقيةُ الصلاة وراء منتهى الوقت، فقد اختلف الأئمة في أن الصلاة مؤداة أو مقضية؟ فمنهم من قال: هي مقضية، مهما وقع التحلل [وراء] (١) الوقت. ومنهم من قال: هي مؤدّاة اعتباراً بإيقاع ركعة في الوقت.
وذكر شيخي في بعض الدروس: أن الأمر منقسم، والواقع في الوقت مُؤدّى، والواقع ورَاءه مقضي. وسيظهر أثر هذا في باب القصر. ومن آثاره الناجزة جواز اعتماد ذلك؛ فإِن حَكمنا بأن الصلاة تصير مقضية أو يصير بعضها مقضياً، فلا يجوز التأخير إِلى هذا الوقت قصداً، وإِن قلنا: هي مؤداة كلها، فقد كان شيخي يردد جوابه مع ذلك في أنه هل يجوز التأخير إِلى هذا الحدّ؟ والمسألة محتملة.
والظاهر عندي منعُ التأخير؛ فإنَّ جَعْل الصلاة مؤداةً مأخوذ عندي من وقت العقد والنيَّة، وما أرى إِخراج بعض الصلاة عن الوقت قصداً جائزاً (٢).
ومما يليق بتمام ما نحن فيه، أن الأئمة ذكروا الركعة فيما يقع في الوقت، فإِنها القدر الذي يقال فيه: إِنَّه معتد به محسوب. وهو الذي يشترط إِدراكه من صلاة الجمعة، [وكان شيخي يردّ ذلك مراراً إِلى] (٣) تفصيل المذهب في إِدراك الفريضة في
стр. 879
حق أصحاب الضّرورات، وسيأتي قولٌ ظاهر في اعتبار تكبيرة العقد في حقوقهم، والذي ذكره ونزَّله غير بعيد، فهذا بيان ما قَدَّمنا.
٦٥٨ - وذكر العراقيون في صلاة المغرب تردداً واختلافاً، في أَنَّا إِذا ضيقنا وقت المغرب، فهذا التضيق لابتداء العقد، أمْ هو جارٍ في الصلاة كلها حلاً وعقداً؟ فأحد الوجهين - أن التضييق يشمل الصلاة، حتى إِذا وقع بعضها وراء الوقت الذي يسمع ما وصفناه، وقع في الخلاف المقدّم الآن، في أن الصلاةَ مقضيةٌ أو مؤدّاةٌ وجهاً واحداً.
الوجه الثاني: أن التضييق في ابتداء العقد، حتى لو مدّ المصلي الصلاة وأخرجها عن الوقت المعتبر، فالصلاة كلها مؤداةٌ، وجهاً واحداً، وجواز المدِّ يمتد إلى غيبوبة الشفق، وإِنما اختصت صلاة المغرب بذلك عند هذا القائل من بين الصلوات، لما روي عن النبي ﵇ "أنه قرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب" (١). وهذا -إِذا حمل على الأمر المعتاد- قصدٌ لإِخراج أفعال الصلاة عن الوقت المذكور، وكان شيخي يذكر هذا في مقتضى ما ذكره العراقيون، ويقول: من جوز في غير صلاة المغرب إِيقاع بعض الصلاة وراء الوقت، ففي تجويز ذلك في صلاة المغرب عنده خلاف؛ لاختصاصها بالتضييق. وهذا وإِن كان يبتدره فهمُ المبتدىء، فهو غلطٌ عندي، والوجه مَا ذكره العراقيون؛ للخبر، ولأن وقت المغرب على قول التضييق خارج عن الضبطِ، فردُّ الأمر إِلى وقت العقد، والاتساع في وقت التحلل حسنٌ بالغ عندي.
ثم قَطعَ أئمتنا بأن من أخرج بعض الصّلاة عن الوقت وإِن منعنا ذلك، فالصلاة صحيحة، وقالوا: إِن خطر للناظر أن القضاء لا يصح بنية الأداء، فهو مردود عليه؛
стр. 880
فإِنا نصحح نية الأداء في محل الضرورة، كما لو صام المحبوس شهراً حسبه شهر رمضان، ثم بان أنه ذو القعدة بعد مضي شهر رمضان، فيقع الاعتداد بما جاء به.
وهذا عندي صحيح إِذا كان لا ينضبط الوقت الذي إِليه التّأخير، وكان يعزم (١) المؤخِّر أنه يسع الصلاة، ثم يتفق خروج بعضها، فأمّا إِذا كان ينضبط في العلم أن الوقت لا يسع إِتمام الصلاة، ثم قلنا: إِن الصَّلاة مقضية، فإذا نوى الأداء والوقتُ وقتُ القضاء على بصيرة، لم تصح الصلاة أصلاً، وهذا بمثابة ما لو نوى الأدَاء في صلاة يبتديها بعد الوقت. ولو أنشأ الصلاة في بقية الوقت، وكان يسع تمام الصّلاة، ثم مَدَّهَا قصداً حتى خَرجَ الوقت، فالذي رأيت الطرق عليْه أن الصَّلاة لا تفسد، تفريعاً على أَنَّ الصّلاة مقضية، فإنه لما نوى الأداء كان الأداء ممكناً، فطريان حكم القضاء غير ضائر، وليس كما إِذا خرج بعض الجمعة عن الوقت، على ما سيأتي؛ فإن الإِيقاع في الوقت شرط صحة الجمعة، ولذلك لا يصح قضاؤها، والوقت ليس شرطاً في غيرها من الصلاة، ولذلك يصح القضاء في غيرها.
فرع:
٦٥٩ - إِذا مضى بعد الغروب على قول التضييق ما وصفناه، فإقامة السنة بعد الفريضة محبوبة، ثم هي مؤداة.
وفي هذا بقية نظر؛ فإن السنة التابعة للفريضة وقتُها وقتُ الفريضة، فينبغي على قياس تجويز أداء سنة صلاة المغرب أن يجوز افتتاح أداء الفرض في وقت أدَاء السنة، والوجه في هذا عندي: أَنَّا اعتبرنا مقدار خمس ركعات بعد التأهّبِ، فإن مضى ما يسَعُ خمساً، فالسنة بعدها نافلة محبوبة، تسمى صلاة الأوَّابين، وما أراها بمثابة سنة الظهر التي تلي الصلاة (٢). وكان كثير من السلف يستغرق ما بين الفراغ من فرض صلاة المغرب إِلى أول وقت العشاء بالنوافل، فالمعدود وقتاً للمغرب بعد انقضاء وقت التأهب ما يسع قدر خمس ركعات. ثم إِن وقعت الركعتان قبل الفرض، فذاك، وإِن
стр. 881
قُدّرتا بعد الفرض، فوقتهما وقتٌ لافتتاح الفرض، وأما ما يزيد على ذلك على قول التضييق، فهو خارج عن الوقت، وما يفرض فيه من نافلة، فليس على حقيقةِ توابع الفرائض. وقد نجز القول في وقت المغرب.
٦٦٠ - فأما وقت العشاء، فيدخل أوله بغيبوبة الشفق الأحمر. والشمسُ إِذا غربت يعقبها حُمرة، ثم ترِقُّ إِلى أن تنقلب صفرةً، ثم يبقى بياضٌ. وأَول وقت العشاء يدخل بزوال الحمرة والصفرة. وبين غيوبة الشمس إِلى زوال الصفرة، يقرب ممّا بين الصُّبح الصّادق إِلى طلوع قرن الشمس، وبين زوال الصفرة إِلى انمحاق البياض، يقرب مما بين الصبح الصادق والكاذب، فهذا بيان أول وقت العشاء.
وآخره في بيان جبريل إِلى مضيّ ثلث الليل وقد روي عن النبي ﵇ في حديث صحيح أَنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت العشاء إلى نصف الليل" (١) واختلف قول الشافعي في وقت الاختيار لصلاة العشاء لمكان الخبرين.
стр. 882
وفي ذلك شيءٌ يجبُ التنبيه لهُ، وهو أن الحديث المشتمل على نصف الليل كان يجب أن يُقطع بتنزيل المذهب عليه، ويُحمل حديث جبريل على أن مد الوقت إِلى الثلث فحسب لدرء المشقة، فإِنه ﵇ قال في الحديث الآخر: "لولا أن أشق عَلى أمتي" فهذا الترتيب موجب لقطع القول، ولكن، ما استاق رسول الله ﷺ الحديث الذي فيه السواك مقصوداً فيما يبين المواقيت، ويمكن أن يقال: أراد ﵇ التقريب بذكر النصف وأرسله مثلاً، وأما حديث جبريل فمسوق للمواقيت، فكان التعلّق به أولى.
ثم ما وراء الوقت المختار إِلى الفجر الصادق وقتٌ لأداء العشاء جوازاً على المذهب الظاهر، وقد تقدّم استقصاء ذلك في أثناء الفصول الماضية.
٦٦١ - وأمّا وقت صلاة الصّبح، فإِنه يدخل بطلوع الفجر الصادق، ويتقدّم الصّادقَ الكاذبُ، فيبدو الكاذبُ مستطيلاً، ثم يَمَّحق، ويبدو الصَّادق مستطيراً، ثم لا يزال الضوء إِلى ازدياد، ولا حكم للفجر الكاذب أصلاً، وسبيله سبيل كوكب يَطلع ويغرب، وهذا متفق عليه، وقال ﷺ "لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير" (١).
ووقت الاختيار إِلى الإِسْفار، ووقت الجواز إِلى طلوع الشمس.
فهذا بيان مواقيت الصّلاة ترتيباً على بيان جبريل.
стр. 883
فصل
قال: "ولا أذان إِلا بعد دخول الوقت" (١).
٦٦٢ - هذا وإِن كان من أحكام الأذان، ولكنه ذكره في المواقيت لتعلّقه بها.
فنقول: الأذان لكل صلاة لا يجزىء ولا يُعتد به ما لمْ يدخل وقت الصلاة، إِلا صلاة الصبح، فإن الأذان قبل الصبح مجزىءٌ عند الشافعي، وقد صح عنده بطرقٍ: أن بلالاً كان يؤذن بليلٍ لصلاة الصبح (٢).
ثم اضطرب أئمتنا في أن الأذان إِلى أي حدّ يقدم على الصبح؟ فقال بعضهم: إِذا مضى الوقت المختار للعشاء، دخل وقت الأذان للصّبح. فإِن جعلناه ثلث اللّيل، فإِذا مضى، جاز الأذان للصبح.
ومنهم من قال: لا يعتد به ما لم يوقع في النصف الثاني، وهذا القائل يمنع ذلك قبل مضي النصف، وإِن كان يرى الوقت المختار ثُلُثاً.
ومن أصحابنا من قال: لا يعتدّ بالأذان إِذا تفاحش التقديم، وإِن وقع في النصف الثاني، وهذا القائل يقول: ينبغي أن يقع سحراً قريباً من الصبح.
ثم وجد هؤلاء متمسكاً في ذلك من الحديث، فَرَوَوْا عن سعد القَرَظ أنه قال:
"كان الأذان لصلاة الصبح على عهد رسول الله ﷺ في الشتاء لسُبُعٍ بقي
من الليل، وفي الصيف لنصفِ سُبُع بقي من الليل" (٣)، وروى صاحب التقريب هذا
стр. 884
في كتابه، وفيه أنه قال: "لسُبع ونصف بقي من الليل في الشتاء، ولسبع بقي في الصيف".
وعندي أن هذا ليس تحديداً، وإِنّما هو تقريب، والمعتبر فيه على التقريب أَنَّ وقت هذه الصلاة يوافي الناس وهم في غفلةٍ، وللشرع اعتناء بالحث على أول الوقت، فلو صادف التأذين أولَ الوقت، فإِلى أن ينتبه النائم وينهض ويلبس ويستنجي ويتوضأ، يفوته أول الوقت، فقدم التأذين بقدر ما إِذا فُرض التهيؤ أمكن مصَادفة أول الصبح، وهو يقرب من السبُع ونصف السبُع، ولاشك أن ذلك ليس بحد على هذا الوجهِ الذي نفرعّ عليه، وإِنما يشترط هذا القائل التقريب. ولا نعتد بالأذان إِذا فرض بُعدٌ مفرط عن الصبح؛ لأنه دعاء إِلى صلاة الصبح، فينبغي أن يكون قريباً منها.
وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص وجهاً رابعاً بعيداً، أنه يجوز الأذان للصبح في جميع الليل اعتباراً له بنية الصوم، فكما يعم جوازُ نية الصوم للغد جميعَ الليل، فكذلك القول في الأذان للصبح، ولولا عُلُوُّ قدر الحاكي، وأنه لا ينقل في الشرحين (١) إِلا ما صح وتنقح عنده، لما كنت بالذي يستجيز نقل هذا. وكيف يحسن الدعاء لصلاة الصُّبح في وقت الدعاء إِلى صلاة المغرب، وإِلى صلاة العشاء، والسَّرَف في كُلّ شيء مُطَّرَح. ثم لو اكتفى المؤذّنُ للصُّبح بالتأذين قبل الصبح، جاز.
ولا شك أنه لا يعتد بالإِقامة إِلا بعد طلوع الفجر.
والأولى أن يكونَ في المسجد مؤذنان: يؤذن أحدهما قبل الفجر، ويؤذن الثاني بعد طلوع الفجر، وهكذا كان في مسجد رسول الله ﷺ ، فإِن بلالاً كان يؤذن بليل، وابن أم مكتوم كان يؤذن إِذا طلع الفجر، ثم كان يقيم بلال عند قيام الصلاة.
قال شيخنا أبو بكر: إِن لم يكن في المسجد مؤذنان، فينبغي أن يؤذن المؤذن مرتين، مرة قبل الفجر، ومرة بعده، وإِن أراد الاقتصار على مرة واحدة، فالأولى أن يؤذن بعد الصبح. هذا ما قطع به في طريق الأوْلى، وهو مقطوع به لاشك فيه.
стр. 885
٦٦٣ - فإِن قيل: قد ذكرتم أوجهاً في ضبط القول في التأذين لصلاة الصُّبح، وكل واحدٍ يسير إِلى مَسْلَكٍ في المعنى قريب أو بعيد، فمن يعتبر انقضاء الوقت المختار للعشاء، فالمرعي عنده ألاّ ينتظم (١) هو وأذان العشاءِ، فيلتبس الأمر.
ومن راعى إِيقاعه في النصف الأخير يعتبر مع ما ذكرناه انقضاء معظم الليل.
[ومن يقرب، يعتبر] (٢) تحقيق الدعاء للصلاة، مع التهيؤ لها، وهذه معان.
والشافعي نص فيما نقله المزني (٣) أَنَّ تقديم التأذين ليس بقياس.
قلنا: لو ردّ الأمر إِلى نظرنا، ولم يرد في صلاة الصبح ما يدل على جواز تقديم التأذين لها، لكنا نرى التقديم بمسلك المعنى، ولكن إذا ورد، فما ذكرناه استنباطات، فلا تستقل بأنفسها دون الاعتضاد بمورد الشرع.
فصل (٤)
٦٦٤ - من بقية القول في المواقيت في حالة الرفاهيَة، القولُ في الاجتهاد فيها. اتفق الأئمة على أن المحبوس الذي لا يتأتى منه الوصول إِلى دَرك (٥) اليقين في الوقت، بحيث لا يخشى الفوات، يجتهد برد الظن إِلى تأريخات وتقديراتِ أزمنة ومحاولة ضبطٍ بأورادٍ أو غيرها، وكيف لا؟ وقد رأى الشافعي للمحبوس في المطامير (٦) أن يجتهد في طلب شهر رمضان، ثم إِن بان أنه أصاب، وقع الاعتداد بما جاء به، وإِن وقع صومُه بعد شهر رمضان، صح، وتأدّى الفرضُ بنية الأداء، وإِن
стр. 886
وقع قبل شهر رمضان، وتبين أمره بعد انقضاء الشهر المطلوب، ففي المسألة قولان، وسيأتي ذلك في موضعه.
وكان شيخي يُجرِي الصلاة في حق المحبوس، وفي حق من اعتاص الأمر عليه مجرى الصوم، في صورة القطع نفياً وإِثباتاً، وفي صورة القولين، ويقول: الصلاة أولى بذلك من الصّوم؛ فإِن الأمر فيها أخف، ولذلك سقط قضاؤها عن الحُيَّضِ، وإِن لم يسقط عنهن قضاء الصَّوم.
فأمّا إِذا كان بحيث لو صبر، لانتهى إِلى وقتٍ يستيقن دخولَ وقت الصلاة، فهل يجتهد في الوقت ويصلي بناء على الاجتهاد؟ فيه خلاف، وجماهير الفقهاء على تجويز ذلك؛ فإِن أسباب الظنون فيها ممكنة، ويشهد لذلك، أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يبنون أمر الفِطر على الظن، ولذلك اتفق في زمن عمر وقوعُ الفِطر في النهار، في قصة ستأتي في موضعها.
وكان الأستاذ أبو إسحق يمنع الاجتهاد في الصُّورة التي نحن فيها، ويرى تقريب ذلك من اختيارٍ له في صورةٍ ظهر الاختلاف فيها، وهي أنّه إِذا كان مع الرجل إِناءان، أحدهما طاهر، والثاني نجس، وقد أشكل عليه أمرُهما، فإِنّه يجتهد ويتحرى، فلو كانا معه، وكان معه إِناء ثالث مستيقن الطهارة، ففي جواز اعتماد الاجتهاد خلافٌ مشهور.
٦٦٥ - ومما يتعين النّظر فيه، أن أول الفجر إِذا بدا لأحَدِّ الناس بصراً وأشدِّهم نظراً، فلا شك أنّه طلع الفجر في علم الله قبيل إِدراك من وصفناه، فلو اجتهد المجتهد في صلاة الصبح، ثم بدا الفجر، وكانت الصلاة وقعت في وقت يعلم أنها فيه انطبقت على أول الفجر، ولكن كان ذلك في زمانٍ لا يتصور أن يتبين فيه الفجر للناظر، فالذي كان يقطع به شيخي، أن هذه الصلاة واقعة شرعاً قبل الوقت، وكان يُنزل هذا منزلة وقوع عقد صلاة الظهر في وقت الاستواء، ووقوف الظل، هذا حفظي عنه، وهو الذي طرده في أمر الصوم، وسأذكر فيه قولاً شافياً، في الصوم إِن شاء الله تعالى.
стр. 887
فصل
قال: "والوقت الآخر وقت العذر والضرورة" (١).
٦٦٦ - [جمع الشافعي بين العذر والضرورة] (٢) ولَعله عبر بهما عن معبَّر واحدٍ، وأراد بيان أوقات صلوات أصحاب الضرورات، وهذا مقصود الفصل، والأصحاب يعبرون بالعذر عن السَّبب الذي يجوِّز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً، وهو السفر والمطر، كما سيأتي بيانه إِن شاء الله تعالى.
وغرض الفصل الكلام في زوال الضرورات المؤثرة في منع وجوب الصّلاة في بقايا الأوقات، فنذكر جنساً واحداً من أصحاب الضرورات، ونسوق حكم الفصل فيه، ثم نذكر في خاتمة الفصل أعدادهم واستبانةَ الأحكام فيهم.
فالمرأة إِذا طهُرت من حَيضٍ أو نفاس في آخر النهار، وقد بقي من النهار إِلى الغروب ما يسع مقدارَ ركعة، فقد صارت مُدْرِكةً لصلاة العصر، ولو أدْركت من النهار ما لا يسع ركعةً تامة، بل كان يسع قدرَ تكبيرة واحدة مثلاً، ففي إِدراكها صلاة العصر قولان للشافعي: أحدهما - أنها تصير مدركةً، وهذا مذهب أبي حنيفة (٣)، والثاني - لا تصير مدركة، ما لم تدرك مقدار ركعة، وهذا اختيار المزني.
توجيه القولين: من اكتفى بإِدراك مقدار تكبيرة قال: قد أدركتْ شيئاً من الوقت، فلو فرض وقوع التكبيرة فيه، لكان ركناً من الصلاة مُقيَّداً (٤)، فإِذا لم يُشترط إِدراك مقدار الصلاة بتمامها، فالتكبيرة كالركعة، وهذا القول متجه في القياس.
ومن قال باشتراط مقدار الركعة، احتج بما روي عن النبي ﵇ أنه قال:
стр. 888
"من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر" وهذا قد تمسك المزني بمفهومه. وليس في الحديث ما يدل على التعرض لزوال الضرورات، بل ظاهر معناه: إِن تلبس بفعل الصلاة وتحرم بها، صار مؤدياً للصلاة، ولم يكن قاضياً إِذا أدرك مقدار ركعة، وهذا يدل على توجيه ما سبق من ذكر الأداء والقضاء في وقوع بعض الصلاة وراء الوقت.
ثم الجواب السديد عن الحديث، أن ما ذكره الفقهاء من إِدراك مقدار تكبيرة فليس مما يفرض وقوعه، ويقدّر تعلق الحسّ بهِ، وإِنما ذكروه تقديراً لبيان مناط الأحكام على التقديرات، وإِن كان لا يقع، ومقصود حَمَلَةِ الفقه في التقديرات بيانُ مأخذ الأحكام، وتمهيد طرق الاستنباطات في مواقع الإِمكان، والرسول ﷺ لا يتعرض لمثل هذا، وإِنما ينوط حكمَه وقضاءه بما يقدّر وقوعه، وأقلُّ ما يحصل إِدراكه مقدارُ ركعة، ولعلّه لا يفرض أيضاً إِلا مع الترصد، وإِحضار الذِّهن، فجرى كلام رسول الله ﷺ على ما يقع، وهو اللائق بمنصبه، وجرى كلام الفقهاء على التقدير.
٦٦٧ - ومما يتعلق به المزني أنه قال: "إِدراك الجمعة يختص بمقدار ركعة، ولا يحصل بأقلَّ منها" (١) وهذا الذي ذكره غير واقع؛ فإِن الأصل إِقامة الصّلاة أربع ركعات، والجمعة مُغَيَّرةٌ عنها بشرائط، والقياس، أن من عَدِم الجماعة في جميعها أو في شيء منها، لم يكن مدركاً لها، وكان مردوداً إِلى الركعات الأربع، ففي إِدراك الجمعة إِسقاطٌ للرَّكعتين، فكان حكم الإِيجاب أغلب، وهذا المساق يقتضي أن يُغلَّب حكم الإِيجاب في مسألتنا، ويكتفى بمقدار تكبيرة.
ونظير ما نحن فيه: لو أوقع المسافر تكبيرةً في الحضر وهو في السفينة، فَجَرَت، يلزمه الإِتمام، وإِن لم يتم ركعة في حالة الإِقامة، فهذا بيان القولين.
٦٦٨ - ثم أجمع علماؤنا على أنها تصير مدركةَ الظهرَ على الجملة بإِدراك وقت العصر، وإِنما الاختلاف في أنها بماذا تصير مدركة لها؟ فقال الشافعي في قولٍ: مهما
стр. 889
أدركت العصر فقد أدركت فريضة الظهر. ثم يخرّج ذلك على ما تقدّم، فإن قلنا: تُدرك العصر بمقدار تكبيرة، فتدرك الظهر به أيضاً، وإِن شرطنا ركعةً، فعلى ما نرى.
وقال في قول آخر: إِنما تصير مدركة للصلاتين بإِدراك أربع ركعات وزيادة، ثم تلك الزيادة تكبيرة أو ركعة على ما تقدّم.
وأبو حنيفة (١) لا يجعلها مدركة لصلاة الظهر ما لم تدرك من وقت الظهر شيئاً. وتعليل مَذْهبنا أنّ وقت العصر على الجملة وقتُ الظهر في حال العذر، والذي نحن فيه وقت الضرورة، ولا يبعد أن يعتبر فيه وقت الضرورة بوقت العذر، فإذا غيَّر العذرُ ترتيبَ الوقت في إِدراك الصّلاتين، غيرت الضرورةُ حُكمَ الإِدراك، حتى كأن من زالت ضرورته في حكم من أخر الصلاة بعذر إِلى آخر الوقت.
٦٦٩ - فأمَّا توجيه القولين في أنها تصير مدركة للظهر بماذا؟ فوجه قول من قال: يكفي فيهما مقدار ركعة أو تكبيرة أن الغرض إِدراك وقتٍ مشترك، وليس المطلوبُ إِيقاعَ الصَّلاتين وجوداً في الوقت؛ فإِنها لو حاولت ذلك، لم تتمكن من إِقامة الظهر في وقت العصر، والمقدار الذي ذكرناه يحصل بإدراك مقدار ركعة فما دونها.
ومن قال: لا يحصل الإِدراك إِلا بمقدار ركعة وزيادة، اعتلّ بأنا إِنما جعلناها مدركة للصلاتين تمسكاً بالجمع وحملاً على الجمع، فلتدرك زماناً يتصور أن يقع صورة الجمع فيه، وذلك بوقوع صلاة تامة في الوقت وبعض الأخرى.
فإن حكمنا بأن الرّكعة فما دونها تكفي، فلا كلام، وإِن شرطنا أربع ركعاتٍ وزيادة، فالركعات في مقابلة صلاة الظهر، والزيادة في مقابلة صلاة العصر، أم الأمرُ على العَكس من ذلك؟ قولان مخرّجان من معاني كلام الشافعي: أصحهما - أن الركعات في مقابلة صلاة الظهر؛ فإنها الصلاة الأولى، ولو فرض الجمع، لكانت البداية بصلاة الظهر على الرأي الظاهر، ولو أدركت مقدار ركعة فحسب، لأدركت العصر، ولم تدرك الظهر على القول الذي نفرع عليه، وإِذا كانت تدرك العصر بركعة
стр. 890
أو تكبيرة، فينبغي ألا يقابلها عند الزيادة إِلا ذلك المقدار.
والقول الثاني: أن الركعات في مقابلة صلاة العصر؛ فإِنه إِذا اقتضى الحالُ الحُكمَ بإِدراك الصّلاتين، فالظهر تابعة في الإِدراك للعصر؛ فإنها أُدركت بسبب إِدراك العصر، فينبغي أن يكون الأكثر في مقابلة المتبوع، والأقل في مقابلة التابع، وكأَنَّ هذه المسائل وما فيها من الاختلاف يدور على أن الرخصة في الجمع عند العذر، كأنها عوض عن الالتزام عند زوال الضرورة.
ْفهذا عقد المذهب.
ثم سيظهر أثر القولين الأخيرين في صلاة المغرب والعشاء الآن.
٦٧٠ - ثم اختلف القول في أنا هل نعتبر مع إِدراك ركعة، أو تكبيرة في الصلاتين، أو في العصر، وفي إِدراك الركعات والزيادة إِدراكَ (١) زمان الطهارة؟ والأصح أنه لا يشترط؛ لأن الطهارة لا تكون شرطاً في التزام الصَّلاة، وإِنما تشترط في العقد والصحة؛ إِذ الصّلاة تجب على المحدث، ويعاقَب على ترك التوصل إِليها.
والقول الثاني: أنا نشرط مع ما ذكرناه إِدراكَ زمان الإِتيان بالطهارة. والقولان أراهما مخرَّجين، وقدْ ذكرَهمَا الصيدلاني قولين مطلقين.
٦٧١ - فإِن قيل لنا: جمعتم أقوالاً في أحكام، فعبروا عن جميعها في الصلاتين، واذكروا ما تجمع، وأعلمونَا بما تصير الطاهرة عن الحيض مدركة للصلاتين؟
قلنا: يحصل ممّا ذكرنا ثمانية أقوال:
أحدها - أنها تدركهما بمقدار تكبيرة.
والثاني - بتكبيرة وزمان الطهارة.
والثالث - بركعة.
والرابع - بركعة وزمان الطهارة.
والخامس - بأربع ركعات وتكبيرة.
стр. 891
والسادس - بما ذكرنا الآن وزمان الطهارة.
والسابع - بخمس ركعات.
والثامن - بخمس ركعات وزمان الطهارة.
فهذا بيان المذهب في الظهر والعصر.
وإِذا طهرت في آخر الليل، فالتفصيل في إِدراك صلاة العشاء ما ذكرناه قبلُ في صلاة العصر، والتفصيل في صلاة المغرب، كالتفصيل في صلاة الظهر، ويظهر الآن ما وعدنا قبلُ.
فإن قلنا: الركعات الزائدة في مقابلة الصّلاة الأولى، فيكفي ثلاث ركعات وتكبيرة: الثلاث في مقابلة المغرب، والتكبيرة في مقابلة العشاء، أو أربع ركعات: الثلاث في مقابلة المغرب، والرابعة في مقابلة العشاء.
وإن قلنا: الركعات في مقابلة الصلاة الثانية، فلا بد من أربع ركعات وتكبيرة: الأربع نظراً إِلى عدد ركعات العشاء، والتكبيرة في مقابلة المغرب، أو خمس ركعات: الأربع في مقابلة العشاء، والركعة في مقابلة المغرب، ثم إِذا اجتمع ما زدناه في صلاة المغرب والعشاء إِلى ما مضى، انتظم من المجموع اثنا عشر قولاً.
فهذا مجامع الكلام في ذلك.
٦٧٢ - ثم نذكر بعد ذلك ثلاثة أشياء لنعطف على ما تقدم، ونلحق كل شيء بمحله: أحدها - أن إِدراك التكبيرة واعتباره قولٌ صحيح، كما تقدّم، وهو في التحقيق تقدير؛ فإِنّ إِدراك الزمان الذي يسع مقدار تكبيرة، ليس بمحسوس، ولكن الكلام يجري على التقدير؛ فلو فرض فارض إِدراك زمان يسع بعض تكبيرة ولا يدرك تمامها، فكان شيخي يتردد في هذا، وفيه احتمال ظاهر؛ إِذ إِدراك الوقت متحقق في هذا، ولكن ليس [المدرَك مقداراً] (١) يسع رُكناً، فهذا أحد الأشياء.
стр. 892
والثاني - أنا ردَّدْنا ذكر الركعة: والمراد بذكر الركعة (١) إِدراكُ زمانها، فكان شيخي يقول: المعتبر ركعة تشتمل على أقل ما يُجزىء، وجرى له في تحقيق هذا مرّةً، أنا نعتبر ركعة من العقد، والركوع من غير قيام وقراءة، نظراً إِلى ركعةِ مسبوقٍ يدرك الإِمامَ راكعاً، وهذا فيه بُعد عندي.
والثالث - أنّا اعتبرنا في قولٍ في مقابلة إِحدى الصلاتين ركعات، وقلنا في صلاتي الظهر والعصر: نعتبر أربع ركعات ويحتمل عندي أن [نعتبر] (٢) ركعتين؛ نظراً إِلى الصلاة المقصورة؛ فإنا اعتبرنا وقت الجمع بداراً إِلى إِلزام الصلاتين، فتعتبر الصّلاة المقصورة؛ اكتفاء في الحكم بالإِدراك بالركعتين، وفي مذهب الصيدلاني إِشارة إِلى هذا، وإِن لم يكن مصرحاً به.
والذي ذكرناه أن جميع وقت العصر وقتٌ للظهر، نظراً إِلى الجمع، فإن قلنا: لا يشترط في إِقامة الظهر تأخير العصر عنه، ولا يرعى الترتيبُ في إِقامتهما، فلا وقت من العصر يشار إِليه إِلا وهو صالح لإِقامة الظهر.
وإِن قلنا: يجب تقديم الظهر، فجميع وقت العصر وقتٌ للظهر إِلا مقدار أربع ركعات في آخر الوقت؛ فإنه على رعاية الترتيب لا يتصور إِقامة الظهر في هذا الوقت.
قال الشيخ أبو بكر: الذي أراه أنه يرعى مقدار ركعتين في آخر الوقت اعتباراً بالقصر، فأما وقت العصر، فقد دخل مع اعتبار الجمع إِذا مضى من أول وقت الظهر ما يسع أربع ركعات، فإنه لابد من اعتبار الترتيب في إِقامة العصر في وقت الظهر، فجميع وقت الظهر وقتٌ للعصر، إِلا ما يسع مقدار أربع ركعاتٍ من أول الوقت؛ فإنه لا يتصور إِقامة العصر في ذلك الوقت.
قال الصيدلاني: ينبغي أن يعتبر الصلاة المقصورة في ذلك أيضاً.
فهذا منتهى القول في هذه الفصول.
стр. 893
٦٧٣ - ومما يتعلق بهذا الفصل: القول في خلو أول وقت الظهر عن الحيض مع طريان الحيض بعده، فإِذا كانت المرأة طاهراً في أول وقت الظهر، ثم حاضت واستمر الحيض بها، فالذي صار إِليه الأئمة أنها إِذا لم تدرك من أول الزمان ما يسع الصّلاة التامّة، فإنها لا يلزمها الظهر، فإِنه لو فرض افتتاحها الصّلاةَ مع أول وقت الظهر، ثم طرأ الحيض، فلا تتم الصّلاة. وإِذا فرض انقطاع الحيض في آخر وقت العصر، فلو تطهرت وتحرّمت لاستتبَّت لها الصّلاة، فظهر الفرق بين طريان الحيض على الوقت، وبين انقطاعه في الوقت.
وذهب أبو يحى البلخي (١) -من أئمتنا- إلى أن القول في إِدراك أول الوقت في رعاية التكبيرة على قول، والركعة على آخر، والنظر في إِدراك صلاة العصر بإدراك وقت الظهر كالقول في إِدراك الظهر في آخر العصر، وهذا متروك على أبي يحيى، وهو رديٌ جدّاً، وفيما ذكرناه من قول الأئمة ما يوضح بطلان هذا المذهب.
٦٧٤ - ثم من تمام القول في هذا الطرف، أن من الضرورات الجنون؛ فلو أفاق المجنون في آخر وقت العصر، ثم عاد الجنون متصلاً بأول وقت المغرب، فهذا في الترتيب بمثابة ما لو كانت المرأة طاهرة في أول الوقت، ثم طرأ الحيض؛ فإِن طريان الجنون فيما ذكرناه يمنع تقدير جريان الصّلاة على الصحة، لو فرض التحرم بها عقيب الإِفاقة من الجنون، كما يمتنع صحة الصّلاة لو طرأ الحيض بعد أول الظهر.
٦٧٥ - وهذا أوَانُ ذكر أصحاب الضرورات بأجمعهم. والصفة الجامعة لهم ما يمنع وجوب الصلاة. والموصوفون بذلك: الصبي، والمجنون، والحائض، والنفساء، والمغمى عليه، والكافر، فمن هؤلاء من لا تصح منه الصّلاة كما لا تجب، ومن هؤلاء من لا يجب عليه الصّلاة وإِن كان يصح منه كالصبي، فإِذا زالت
стр. 894
هذه الصفات في آخر الوقت، ففيه التفاصيل المقدمة.
والإِغماء كالجنون عندنا في إِسقاط قضاء الصلوات، ولا فرق بين الإِغماء الذي يقصر عن يوم وليلة، وبين ما لا يقصر عن هذه المُدَّة. وأبو حنيفة يقول: الإِغماء القاصر عن يوم وليلة كالنوم (١).
ولو زالت الضرورة في آخر وقت الصبح، فما يجري من القول في التزام الصّلاة، يختص بصلاة الصبح؛ فإِنها ليست مجموعة إِلى صلاة قبلها، ولا إِلى صلاةٍ بعدها، فلا يلزم بإِدراكها غيرُها. فهذا مجامع أحكام الأوقات في أصحاب الضّرورات.
٦٧٦ - وممّا نذكر في باب المواقيت: أنّ الصلاة تجب عند الشافعي بإِدراك أول الوقت، ثم إِن كان في الوقت فسحة، فهي وَاجبة وجوباً موسعاً، وخلاف أبي حنيفة (٢) في ذلك مشهور.
وفي هذه المسألة غائلة أصولية، ذكرتها في مصنفاتي (٣)، فليطلبها من يريدها.
ثم المذهب الظاهر أن من أخَّر الصلاة إِلى وسط الوقت، ومات، فلا يلقى الله عَاصياً، وظاهر المذهب أن من أخَّر الحج مع الاستطاعة، ومات، مات عاصياً، وفي المسألتين جميعاً خلاف، وسنجمع القول في ذلك في كتاب الحج.
...
стр. 895
باب صفة الأذان
٦٧٧ - لما هاجر رسول الله ﷺ إِلى المدينة، وشرع الجماعات في الصلوات، وانتشر الإِسلام، وكثر المسلمون فكان منهم المكتسبون والملابسون لما يتعلق بإِصلاح المعايش، وكانوا لا يشعرون بدخول المواقيت فتفوتهم الجماعة، شق ذلك عليهم، واحتاجوا إِلى أمارة يعرفون بها الوقت، فاجتمعوا في مسجد رسول الله ﷺ واشْتَورُوا، فقال بعضهم: نضرب بالناقوس، وقال آخرون: تلك عادة النصارى، وقاك آخرون: نوقد بالليل، وندخّن بالنهار، فقال آخرون: تلك عادة المجوس، ثم تفرقوا، ولم يجتمعوا على رأي. قال عبد الله بن زيد بن عبد ربّه الأنصاري: كنت بين النائم واليقظان إِذ نزل ملك من السماء عليه ثيابٌ خضر، بيده ناقوس، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ قلت: أضرب به في مسجد رسول الله، فقال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: بلى، فاستقبل القبلة، وقال: الله أكبر. وذكر الأذان، ثم استأخر غير بعيد، وأقام، فلما أصبحتُ أتيت رسول الله ﷺ وذكرتُ له ذلك. فقال: رؤيا حق، ورؤيا صدق إن شاء الله، ألقِه على بلال، فإنه أندى صوتاً منك، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي لأؤذن مرة، فأذّنت، فلما سمع عمر صوته، خرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما رأى، فقال: الحمد لله، فذلك أَثْبَتُ. ثم أتاه بضعةَ عشر من الصحابة قد رأى كلهم مثل ذلك (١). فهذا أصل الأذان.
стр. 896
واعتمد الشافعي في باب الأذان حديثَ أبي محذورة، قال عبد الله بنُ مُحَيْريز: كنت في حجر أبي محذورة، فلما أردت الخروج إِلى الشام قلت: إِني خارج إِلى الشام، وإِني أخشى أن أُسأل عن تأذينك، فأخبرني به، فقال: نعم! كنت عاشر عشرة، فقفل رسول الله ﷺ من خيبر، ونزل منزلاً، فأذن بلال، فجعلْنا نصرخ عليه ونستهزىء به، فبعث إلينا رسول الله، حتى وقَفْنا بين يديه، فقال: أيكم الذي سمعتُ صوته قد ارتفع، فأشاروا إليَّ، وصدقوا، فأرسل كلَّهم وحبسني، ثم قال: قل الله أكبر -ولا شيء أكره إليّ من رسول الله ولا مما يأمرني به- وسَرَدَ الأذان، ونصَّ على الترجيع بالأمر بالشهادتين سراً، ثم قال: ارجع ومُدَّ من صوتك، وقل أشهد أن لا إله إِلا الله، ثم ذكر هكذا إِلى آخر الأذان، ثم أدناني فمسح يده على ناصيتي ووجهي، فما بلغت يده صدري حتى عادت تلك الكراهية كلها محبّةً، ثم ألقى إِليَّ صُرةً فيها دُريهمات، فقلت: يا رسول الله اجعلني مؤذن مَكة، فبعثني إِلى عتّاب بن أَسيد، فكنت أؤذن عنده (١). فهذا هو الأصل في الأذان.
٦٧٨ - ثم الذي نرى تقديمه القول في أن الأذان من السنن، أم من فروض الكفايات؟ وقد ذكرَ بعض المصنفين في المذهب: أنّ الأصحّ الذي، ذهب إِليْه جمهور الأئمة أن الأذَان من فروض الكفايات، على ما نفصله في التفريع، وقال: ذهب أبو سعيد الإصطخري إِلى أن الأذان سُنة، فحكي هذا حكاية الشَّوَاذِّ والنوادِر.
وقال الصيدلاني: الأذان عندنا مستحب، ولم يحك عن أصحابنا إِلا هَذا، قال: وذهب بعض أهل العلم إِلى أنه فرض على الكفاية.
стр. 897
والمذهب الذي عليه التعويل ما ذكره الشيخ أبو بكر.
ثم نستكمل التفريع على مَا ذكره بعض المصنفين، ونذكر ما يتحصل آخراً.
فإِن قلنا: إِنّه فرض على الكفاية، فقد قال هذا الرجل: الصحيح أنه يجب في اليوم مرة واحدة في كل محلة، والذي يقرب في ضبط هذا أن يترتب المؤذنون في محالّ البلدةِ، بحيث لا يبقى قطرٌ منها لا يبلغها صوت مؤذن، وَحُكي عن عطاء أنه أوجب الأذان على هذا الترتيب على الكفاية في اليوم والليلة خمس مرات. ولم أر هذا المذهب مَعْزياً إِلى أحد أصحابنا.
قال: وذهب ابن خَيْران إِلى أن الأذان يجب في كل جمعة مرة.
فهذا ما حكاهُ في فرض الكفاية وتفريعه.
ونحن نُوجه هذا، فإِن ما يعد من فروض الكفايات سيأتي مجامعه في كتاب السير، ولكن من أظهر فنون فروض الكفايات ما يتعلق باستيفاء الشعائر الظاهرة المستمرة في الشريعة، وهذا يظهر في شعارٍ لو خلا عنه قُطْر، لتنادى الخلق بالإِنكارِ والاستنكارِ، وقد صح أن رد جواب المسَلِّم من فروض الكفايات، من حيث إِن ذلك من شعائرِ الإِسلام، فالأذان بذلك أولى. ثم لا يُؤْذِنُ الشعار بالدَّرْس إِذا كان مما يقامُ في اليوم والليلة مرّة واحدة.
وأما وجه ما ذكره ابن خَيْران، فهو أن الأذان دعاء إِلى الجماعات، وإِنما تجب الجماعة على الأعيان، مع الاختصاص بأوصافٍ معروفة يوم الجمعة، فاختص الأذان الذي هو دعاء إِليها بكونه فرضاً على الكفاية.
وسمعت شيخي يفرِّع على هذا الوجه، ويذكر فيه اختلافاً، ويقول: من أئمتنا من قال: الأذان فرضٌ يوم الجمعة، وهو الأذان الذي يقام بين يدي الخطيب؛ فإِنّه من الشعائر المختصة بصلاة الجمعة، فلا يمتنع القضاءُ بفرضيته كالجماعة، والخطبةِ، وقيامِ الخطيب في الخطبتين، وقعودِه بينهما. ومنهم من قال: يسقط بالأذان الذي يؤتى به لصلاة الجمعة، وإِن لم يكن بين يدي الخطيب، واتفق هؤلاء أن الأذان ينبغي أن يكون لصلاة الجمعة، ولا يسقط بأذانٍ لصلاة أخرى في يوم الجمعة، فإِن ذلك عند هذا القائل مختص بصلاة الجمعة على الخصوص.
стр. 898
ثم لا يكاد يخفى معنى فرض الكفاية فيما ذكرناه. فإِذا قام بالأذان -الذي يبلغ أهلَ البلدة- رجل أو رجال، سقطت فريضة الأذان عن الباقين، وسيأتي فصل بعد ذلك في أنه إِذا سقط فرض الكفاية على رأي من يقول بالفرضيّة، فكيف الترتيب في استحباب الأذان لآحَاد الناس بعد فراغ المؤذنين المسقطِين للفرض؟
٦٧٩ - فإِن فرعنا على ما كان يصححه شيخي، وقطع الصيدلاني به، وهو أن الأذان سنة، فلو أطبق أهل ناحيةٍ على تركه، وتعطيل المساجد منه، وقُدِّمَ إِليهم نذير، فلم يقبلوا واستمروا عليه، فهل يقاتَلون؟ ما ذهب إِليه الأصحابُ أنهم لا يقاتَلون، وحكَوْا عن أبي إسحق المروزي أنه قال: إِنهم يقاتلون (١)، وإِن (٢) حكمنا بأن الأذان في وضع الشريعة سنة، واستدلّ هؤلاء بما روي أن أصحاب رسول الله ﷺ في زمانه كانوا إِذا مَرُّوا بناحية، ولم يسمعوا صوت الأذان، صابحوا أهلها بالقتال. وربما تعلقوا من طريق المعنى بأن النفوس لا تطمئن إِلى إِماتة الشعائر الظاهرة إِلَاّ إِذا أضمروا ردَّ الشريعة، واعتقدوا بطلانها.
ونحن نقول (٣): أما الخبر، فلا حجة فيه؛ من جهة أنهم كانوا يَرَوْن ترك الأذان علامةً في أن أهل الناحية من الكفار؛ إِذْ كانوا قاطعين بأن قابلي الإِسلام، ومصدقي الرسل في علو الدين وصدمة الشريعة، وصفوة الملة، كانوا لا يتركون الأذان، ولم يكن ذلك عندهم -في حُكم عرف الزمان- أمراً مظنوناً، بل كان مقطوعاً به، والدليل عليه أن أبا إسحق لما رأى نَصْب القتال إِنّما رآه إِذا أُنذروا، فامتنعوا، واستمروا، وكان رسول الله وأصحابه يشنون الغارة على أهل النّاحية -إِذا علِموا أن لا أذان فيهم- من غير إِنذار وإِعلام، وإِشعار.
وأما ما ذكروه من إِنذار ترك الشعائر بالخلو عن الاعتقاد، فليس وراءه حاصل؛ فإِنهم إِذا اعتقدوا كون الأذَان سنة، وتناجى بذلك الخواص والعوام، وشهروا فيما بينهم، وانضم إِلى ذلك عسر القيام بدرك مواقيت الصلاة، فينبني عليه ترك الأذان على
стр. 899
تدريج، ثم يستمر، فحملُ الأمر على وجه واحد، -سيما مع إِطباق القوم على بذل كنه الجهْدِ في إِقامة فرائض الشرع- تحكُّمٌ (١)، وقتلُ النفوس، وسفكُ الدماء من غير ثَبَت لا سبيل إِليه.
ثم الذي نختم هذا الفصل به أن هذا المحكي عن المروزي على قولنا: إِن الأذان سنة، وهذا مُضطرب؛ فإِن كل ما يتعلق بتركه في عاقبة الأمر قتلٌ، وهو نهاية العقوبات، فيستحيل القضاء بكونه سُنة، ومن حقيقة السنن جواز تركها، وما يجوز تركه يستحيل أن يَجُرَّ قتلاً.
نعم: إِن قال ذلك قائلٌ، على قولنا: إِنّه من فروض الكفايات -فإِذا عطله أهل ناحية، كانوا بمثابةِ وَاحدٍ عطل فرضاً من فرائض الأعيان؛ إِذ الحرج ينال الكافة من فرض الكفايات، كما ينال الحرجُ الواحدَ في فرض عينٍ- كان (٢) مُتَّجِها، فإِذاً، القتال باطل، ثم المصير إِليه على قولنا: الأذان سنة، لا أصل له أصلاً.
وليس مَا ذَكَرناه من طريق رد مذهبٍ بمسلك الفقه في أساليب الظنون، ولكن الكلام في نفسه غير منتظم.
فهذا تفصيل المذهب في أن الأذان سنة، أو فرض كفاية.
والقول في الإِقامة كالقول في الأذان في جميع ما ذكرناه.
فصل
قال: "ولا أحب أن يكون في أذانه وإقامته إلا قائماً مستقبل القبلة ... إلى آخره" (٣).
٦٨٠ - ثَم ينبغي للمؤذن أن يؤذن قائماً، مستقبل القبلة، ولو ترك القيام
стр. 900
والاستقبال، أو ترك أحدهما، فذكر شيخي وجهين في الاعتداد بأذانه، وذكرهما بعض المصنفين. وظهر ميله إِلى أنهما شرط في الأذان في كتابه المترجم "بمختصر المختصر" (١)، وكان يوجه ذلك بأن شرائط الشعار متلقى من استمرار الخلق على قضية واحدة، وهذا ما بنى عليه الشافعي مذهبه في إِيجاب القيام في الخطبتين، والقعود بينهما في يوم الجمعة.
والأصح القطع بأن القيام والاستقبال ليسا مشروطين في الأذان.
٦٨١ - ثم إِذا فرعنا أن الأَوْلى أو المشروط هو الاستقبال، قلنا: لو التوى يميناً وشمالاً في الحيعلتين، كان حسناً، حتى يُسمعَ النواحي، وكان ذلك معتاداً مألوفاً من دأب المؤذنين في العُصُر الخالية، ولكن لا ينبغي أن يستدير على المئذنة، بل يُقر قدميه قرارهما، ويلتوي يميناً وشمالاً بقدر التفات المسلم في آخر الصلاة.
ثم اختلف الأئمة، فقال الأكثرون: يقول: حيَّ على الصلاة مرتين عن يمينه، ثم يقول: حيَّ على الفلاح مرتين عن يساره، وهذا ما عليه العمل، وكان القفال يرى أن يقسّم الحيعلتين على الجهتين، فيقول: حيَّ على الصلاة عن يمينه، ثم حيَّ على الصلاة عن يساره، ثم حيَّ على الفلاح عن يمينه، ثم حيَّ على الفلاح عن يساره.
ثم الذي ذهب إِليه الأصحاب استحباب الالتفات على الوجه المذكور في الإِقامة.
وحكى بعض المصنفين (٢) أن القفال ذكر مرّة أن الالتفات غير محبوب في الإِقامة.
وهذا غير صحيح، والرجل غير موثوق به فيما ينفرد بنقله.
стр. 901
فصل
٦٨٢ - الترجيع مأمور به عندنا في الأذان، وهو أن يقول عقيب التكبيرات الأُوَل في صدر الأذان: أشهد أن لا إِله إِلا الله مرتين، وكذلك يقول: أشهد أن محمداً رسول الله مرتين، ولا يمد صوته، ثم يعود ويرجع إِلى سجيته في رفع الصوت، فيقول مادّاً صوته: أشهد أن لا إِله إِلا الله مرتين، وأشهد أن محمداً رسول الله مرتين.
والترجيع منصوص عليه في قصة أبي محذورة.
وأما أبو حنيفة (١) فإِنه لم ير الترجيع، وحمل حديث أبي محذورة على أن النبي ﵇ كرر الشهادتين سرداً على أبي محذورة لتأكيد حفظه في التلقين؛ إِذْ كان صبياً، ثم لما رآه استظهرَ، أَمَرَه بأن يرجع ويمدّ صوته، فهذا طريقه.
وأما مالك (٢) فقد حكى الصيدلاني من مذْهبه أَنّهُ كان يرى الترجيع، ولا يزيد في كلمات الأذان، وكان يقول: ينبغي للمؤذن أن يقول مرة واحدة أشهد أن لا إِله إِلا الله، ثم مرة أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يرجّع فيمد صوته، فيقول: أشهد أن لا إِله إِلا الله رافعاً صوته مرة واحدة، أشهد أن محمداً رسول الله مادّاً صوته.
وما ذكره الشافعي أقصد الطرق، ومعتمده قصة أبي محذورة، وهي مدوَّنة في الصحاح.
وما قدره أبو حنيفة من ترديد الكلام لاستمرار حفظ المتلقن غيرُ صحيح من أوجه: أحدها - أنه خصص كلمتي الشهادتين بهذا، وعُسْرُ الحفظ، والتلقين كان متوقعاً في غيرهما.
والثاني - أنه صح أن أبا محذورة كان يرجّع في أذانه طول زمانه، وهذا قاطع في أنه
стр. 902
فهم من رسول الله ﷺ الأمرَ بالترجيع.
والثالث -وبه يبطل مذهب مالك- أن أبا محذورة قال: "لقنني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة" وأراد أصناف الكلِم في الأذان، وإِنما يبلغ هذا العدد إِذا حُسب الترجيع من الأذَان وَكُرِّرَ مرتين، [فاستدّ] (١) مذهب الشافعي على قصة أبي محذورة، وعلى ما فهمه من رسول الله ﷺ ، وجرى عليه وأخبر عنه.
٦٨٣ - ثم اختلف أئمتنا في أن الإِتيان بالشهادتين بالصوت الرخيم (٢) ركن لا يعتد بالأذان دونه أم لا؟ فمنهم من قال: ليس بركن للأذان، ولعله الأصح؛ فإِن مبنى الأذان على الإِسماع، والإِبلاغ، فإِذا لم يشترط ذلك في هذا، دل على أنه ليس رُكنَ الأذان.
ومنهم من قال: هو ركن الأذان، لما روي عن أبي محذورة أنه قال: "لقنني رسول الله ﷺ الأذان تسعَ عشرةَ كلمة" فَعَدَّ ما فيه الكلام من متن الأذان.
وذكر بعض المصنفين، أن التثويب على قولنا: "إِنّه مشروع" ليس ركنَ الأذان وجهاً واحداًْ، وإِنما الخلاف في الترجيع، وهذا إِن صح، فسببه أنه صح في الترجيع عَدُّه من [كلم] (٣) الأذان في قَرَن، ولم يصح مثله في التثويب، وفي التثويب عنْدي احتمال، من جهة أنه يضاهي كلم الأذان في شرع رفع الصوت به، وهو أيضاً موضوع في أثناء الأذان. والأظهر في الترجيع أنه غير معدود من أرْكان الأذان.
٦٨٤ - ومما يتم القول به في الترجيع، أن المصلي في الصلاة السِّرِّيَّة يقتصر مع سلامة حاسة السمع على إِسماعه نفسَه، والمُرَجِّعُ فيما يأتي به في صوت خفيض كيف
стр. 903
حده؟ كان شيخي يقول: ينبغي أن يُسمع من بالقرب منه، أو أهل المسجد إِن كان واقفاً عليهم، وكان المسجد مقتصِدَ الخِطّة، وهذا فيه احتمال ظاهر، ويحتمل أن يكون المرجِّع كالقارىء في الصلاة السرية، ويحتمل أن يكون فيه رَافعاً صوته قليلاً، كما ذكره شيخي. وهذا ينشأ مما حكي عن مالك، كما ذَكرناه؛ إِذ عدَّ الترجيعَ من كلم الأذان، ولم يزد في الأذان، [ويشبه عندي على هذا] (١) أن يقال: يكون صوت المرجع في ترجيعه كصوت الذي يؤذن في نفسه؛ وسيأتي فصلٌ في تعليم الأذان يحوي ذلك وغيره.
ثم الذي يؤذن في نفسه لا يقتصر على إِسماعه نفسَه، كما سيأتي إِن شاء الله.
فصل
قال: "وأحب رفع الصَّوت لأمر رسول الله ﷺ بذلك" (٢).
٦٨٥ - الأذان مشروع للإِبلاغ والإِسماع، والأصل الذي ذكرناه في الأذان من اجتماع الصحابة واشتوارهم، وقول رسول الله ﷺ : "ألقهِ إلى بلال فإنه أندى صوتاً منك" قاطعٌ في أن الغرض من الأذان الإِسماع والتنبيه على دخول المواقيت، وهذا يقتضي لا محالة رفعَ الصوت، وإِذا كان كذلك، فلو لم يرفع صوتَه بحيث يحصل الإِبلاع، فمقتضى هذا الأصل أنه لا يعتد بالأذان، وإِذا سبق الفقيه إِلى اعتقاد ذلك، ورامَ الجريانَ على مراسم هذا المذهب في محاولة هذا الضبط في مكان (٣) الانتشار، فسيطرأ عليه التشوّف إِلى ضبط أقل ما يُراعي في إِجزاء الأذان مما يتعلق برفع الصوت، وهذا يستدعي تقديمَ أصل مقصودٍ في نفسه، وبذكره ينتطم ما نريد.
стр. 904
فنقول: إِذا كان في المسجد مؤذن راتب، فأذن، وحضر من الجمع من حضر، فلا شك أن الذين حضروا يكتفون بالأذان الراتب، والإِقامة الراتبة، ولا يؤذن واحد منهم.
ولو صلى الناس في الجَمْع الأول، ثم حضر جمع آخر، وأرادوا عقد جماعة في ذلك المسجد بعينه، فقد قال صاحب التقريب: لا ينبغي أن يؤذن مؤذنُ الجمع الثاني مع الإِسماع والإِبلاغ؛ فإِن ذلك إِن فُرِضَ، جَرَّ لبساً، وتعاقبت الأصوات، والتبس الأمرُ.
ولكن هل يؤذن مؤذنٌ في نفسهِ من غير إِبلاغٍ في رفع الصوت؟ ذَكر صاحبُ التقريب نصوصاً مضطربة في ذلك، وانتزع منها قولين: أحدهما - أنهم يكتفون بما سبق من الأذان الراتب؛ فإِنه يتضمن دعاء كل من يحضر أولاً وآخراً إِلى انقضاء الوقت، فليقع الاكتفاء به.
والقول الثاني - أنه يؤذن المؤذن في نفسه ولا يبالغ في رفع الصوت، ويقيم، فهذا على قولٍ أذان ليس فيه إِبلاغ في رفع الصوت. والقول الثاني حكاه المزني عن الشافعي في الأذان والإِقامة من غير إِبلاغ في الرفع، في المختصر الكبير.
قال صاحب التقريب: هذا فيمن يحضر المسجد الذي جرى فيه الأذان، وقد انقضى الجمع الأول، فأمَّا إِذا أذن مؤذنو المصر على مواضعهم، وبلغت أصواتُهم الناسَ في رحالهم، فأرَاد من لا يحضر المسجد أن يصلي في بيته، فهل يؤذن ويقيم؟ أم يكتفي بأذان المؤذنين في المصر؟ قال: هذا محتمل، يجوز أن يقال: يكتفي بأذان البلد، ويجوز أن يقال: يؤذن ويقيم.
٦٨٦ - وممّا نذكره مرسلاً، أن المرأة لا تؤذن رَافعةً صوتَها، ولو أذنت في جمع الرجال لا يعتدّ بأذانها وفاقاً، وذلك يناظر حكمنا بامتناع اقتداء الرجال بها، وإِن كانت صلاتها صحيحة، والقياس أن من صحت صلاتُه، صح الاقتداء به، ولكن ظاهر النص أن المرأة تقيم ولا ترفع صوتها، وكان شيخي يقطع بأن المرأة ليست مأمورة بالأذان، وهذا ما قطع به العراقيون.
стр. 905
وحكى صاحب التقريب عن الشافعي في الأم أنه قال: "ليس على النساء أذان، وإِن جمعن الصلاة، فإِن أذَّنَ وَأقمن، فلا بأس، وإِن تركت الإِقامة، لم أكره لها مِن تركها ما أكره للرجال" (١). هذا لفظ الشافعي في "الأم". ومساقه مشعر بأمور منها: أن الإِقامة على الجملة مَأمور بها في حقها؛ فإِنه قَدَّر في تركها كراهية، وحطّ قدرها عن كراهية التركِ في حق الرجال، وتَخصيصُه الإِقامة بالذكر في الكراهية دَليل على فصله بين الإِقامة والأذان، وهو مشعر بأن لا كراهية عليها في ترك الأذان، وقول الشافعي في الأذان والإِقامة "لا بأس" مشير إِلى أن الأمر لا يظهر في الأذان والإِقامة جميعاً، فهذه وجوه في التردد.
ونظم الأئمة من مجموع ذلك أقوالاً: أحدها - أن المرأة لا تؤذن وتقيم.
والثاني - أنها تؤذن وتقيم.
والثالث - تقيم ولا تؤذن، ثم إِن أذنت لم ترفع صوتها.
ومما نذكره مرسلاً أن الرجل إِذا انفرد بنفسه في الصلاة، وكان ذلك في موضعٍ لم ينته إِليه صوتُ مؤذن، فظاهر المذهب، أنه يؤذن ويقيم، وهو المنصوص عليه في الجديد.
وفي بعض التصانيف قولٌ محكي عن الشافعي في القديم، أنه لا يؤذن المنفرد ولكنه يقيم.
وقال بعض أئمتنا: إِن كان يرجو حضور جمعٍ، فالأذان مأمور به، وإِن كان لا يرجو، فلا يؤذن.
وإِذا رأينا له أن يؤذن، فالظاهر أَنا نُؤثر له رفعَ الصوت، والأصل فيه ما روي أن النبي ﵇ قال لأبي سعيد الخدري: "إنك رجل تحب الغنم والبادية، فإذا
стр. 906
دخل عليك وقت الصلاة فأذّن وارفع صوتك؛ فإِنه لا يسمع صوتك حجر ولا مَدَر إِلا يشهد لك يوم القيامة" (١).
ومن أئمتنا من قال: إِن كان يرجو حضورَ جمع، رفع صوته، وإِن كان لا يرجو أذَّنَ في نفسه، وحديث أبي سعيد الخدري وقول الرسول له ليس نصاً في حالة انفراده؛ فإِنه ﷺ لم يتعرض لذلك، وليس يبعد عن الحال أنه كان يتبدّى (٢) مع عُصبة من خدمه وحشمه.
٦٨٧ - فهذه مسائل أرسلناها وحكينا ما قيل فيها، ونحن الآن نبغي فيها ضابطاً، ونؤثر تخريج محل الوفاق والخلاف عليه إِن شاء الله تعالى.
فالغرض الأظهر الذي انبنى عليه أصل الأذان إِظهار الدعاء إِلى الصلاة، وإِعلام الناس دخول الوقت، والغرض من الإِقامة إِعلام من حضر أو قرب مكانُه ممن يحضر أَنَّ الصلاةَ قد قامت، وهذا واضح بينٌ. ثم من اندرج تحت الدعاء وحضرَ الجمع، فهو مدعوٌّ مجيب، فلا يؤذن ولا يقيم، ومن لم يحضر أصلاً، ولزم موضعَه، ولكن
стр. 907
بلغه الدعاء العام، فالأصح أنه يؤذن، ولكن [ليس] (١) أذانه إِقامةَ الشعار الذي وصفناه؛ فإِنه ليس يَطلبُ دعاءَ جمع، وقد قام بالدعاء العام المرتَّبون له.
وكذلك المنفرد الذي لا يرجو حضور الجماعة، فإِن لم تبلغه دعوةٌ عامة، ففيه خلاف حكيته، وهو بالأذان أولى. ثم ينتظم من كونه أولى، مع ما تقدم في حق من بلغته الدعوة أقوال: أحدها - يؤذنان (٢)، والثاني - لا يؤذنان، والثالث - يؤذن المنفرد، حيث لم تبلغه دعوة، ولا يؤذن من بلغته دعوة.
[ولا ينبغي أن يختلف القول في المنفرد الذي لم تبلغه دعوة] (٣) وهو يرجو حضور جمع. ثم من لم تبلغه الدعوة وهو يرجو [حضور جمع] (٤)، فنرى له رفعَ الصوت، ومن لا يرجو، ولم تبلغه دعوة ففي رفع الصوت تردّد وخلاف، ومن بلغته دعوة وهو يصلي في رَحلِه، ولا يقصد جمع طائفة، ففي رفع الصوت خلاف، وهو أوْلى بألاّ يرفعَ صوته.
ويترتب من المسألتين ثلاثة أوجه: فحيث نقول: لا يرفع، لا نكره رفع الصوت، ولا ننهى عنه، بل هو أولى قطعاً، وإِنما الكلام في الاعتداد بالأذان من غير رفع الصوت، وقد يُنهى عن رفع الصوت في بعض الصور، كما نصّ عليه، فالمرأة ممنوعة من رفع الصوت منعَ تحريم. ومن حضر الجمع الثاني في المسجد الذي أقيم فيه الأذان الراتب والجمع الراتب، لا يحرم عليه رفع الصوت بالأذان، ولكن الأولى ألا يرفع.
ثم حيث حرّمنا الرفع -وهو في حق المرأة- فهل [يشرع] (٥) الأذان؟ فيه التردد المقدم، والأظهر أنه لا يشرع، وحيث ننهى ولا نُحرِّم، فهو في الأذان من غير إِبلاغ
стр. 908
في رفع الصوت [أوْلى] (١)، فينتظم في الصّورتين في شرع الأذان من غير رفع الصوت ثلاثةُ أوجه، من حيث ترتُّبُ صورةٍ على أخرى في الأوْلى، وكذلك يجري ترتيبُ كل مسألةٍ على الأخرى من طريق الأولى.
ثم في كل صورة استحببنا الأذان، فلا شك أنا نؤثر فيها الإِقامة، وحيث لا نرى الأذان من جهة كون الإِنسان مدعوّاً مجيباً في الجمع الأول، فلا إِقامة، وحيث لا نرى الأذان في غير هذه الصورة من الصور المقَدَّمة، ففي شرع الإِقامة خلاف.
فهذا ضبط هذه المسائل.
٦٨٨ - وقد خرج منها أن أصل الأذان الإِبلاغ، وما عداه مما [شرعناه] (٢) إِذا لم يكن فيه معنى الإِبلاغ، ففي أصل شرعه تردد، ثم من يراه [يثبته] (٣) تشبيهاً بما هو للإِبلاع، [ثم ما هو للإِبلاغ] (٤) يتعين فيه الوفاء بتحقيق الإِبلاع، وذلك برفع الصوت، والذي ليس إِبلاغاً لابدّ فيه من نَوْع رفعٍ، على ما سنشير إِلى ضبطه.
فإِن قيل: فما الذي تراعونه في أقل درجات رفع الصوت في الأذان من المبلِّغ؟
قلنا: [ينبغي] (٥) أولاً: أن تبلغ أصواتُ المؤذنين أهلَ الناحية، فإن قام بذلك رجل واحد جَهْوَرِيُّ الصوت، كفى، وإِن قام به عدد في المحالّ، جاز، كما تقدّم ذلك، حيث ترددنا في أَنَّ الأذان فرض على الكفاية أم لا.
ثم الغرض من إِبلاع الأذان أمران: أحدهما - التنبيه على دخول الأوقات، والثاني - الدعاء إِلى الجماعات، فليبلغ صوتُ كلّ من يقوم بالتبليغ من يحضر الجمع، أو يُتصوّر حضوره في الأمر الوسط، فقد يحضر الجمع طوائفُ تمتلىء بهم أرجاء المسجد، وقد لا يحضر إِلا شرذمة تقوم بهم الجماعة، فالوجه اعتبار الوسط،
стр. 909
وهؤلاء هم الذين عبر عنهم الأئمة بأن المؤذن يُبْلِغ جيران المسجد.
فإِن قيل: هلَاّ نُزِّلَ أقلّ الرفع على ما يدعو أقلّ الجمع؟ قلنا: ليس ذلك بأذانٍ يسمى إِبلاغاً، وشَهْراً، وإِقامةً للشعار، فليدع الداعي جمعا وسطاً، فهو أقلُّ مرعيٍّ في ضبط الإِسماع والإِبلاغ، ولو أذن المؤذن في نفسه لا يبلغ بذلك شرذمة، والذي يطرأ علينا في ذلك أنه لو كثر عدد المؤذنين، ولم ينته كلّ مؤذن في نفسه إِلى ما ذكرناه، ولكن عمَّ الأذان البلدة بكثرة الدعاة لا برفع الصوت، فهذا فيه احتمال ظاهر.
فهذا في أذان الإِبلاغ، فأمَّا حيث يؤذن المؤذن في نفسه، فلو اقتصر فيه على حدِّ قراءة القارىء في الصلوات السرية، فلا يكون ما جاء به أذاناً ولا إِقامة، فليرفع صوته.
قلنا: والضبط فيه أنه يعني تنبيه من حضر أو على حَدِّه (١)، وإِن لم يحضر أحد.
فهذا تمام ما انتهى إِليه الفكر في تقاسيم الأذان، وفيما يُراعى فيها من رفع الصوت.
فصل
قال: "ويكون على طُهر فإن أذن جنباً كرهته" (٢)
٦٨٩ - أذان الجنب والمحدِث معتدّ به، فإِنا إِن نظرنا إِلى نفس الأذان، فهو دعاء وأذكار، وإِن نظرنا إِلى مقصود الأذان، فلا ينافيه الحدث، غير أنا نكره الأذان من غير طُهر، وسبب ذلك على الجملة أنه إِن حضر الجَمْعَ، فإِنه خيرٌ كثير (٣)، وقبيح أن يدعو ولا يُجيب بنفسه، فكان في حكم من يعظ ولا يتعظ، وتسوء الظنون به أيضاً.
ثم الكراهية في الجنابة أشدّ، من جهة أن الشغل في رفعها أكثر، وإِن انتظر
стр. 910
المؤذن، كان أمدُ الانتظار أطولَ، وعلى الجملة حدث الجنابة أشد وأغلظ، وليس الجنب أيضاً من أهل المكث في المسجد للتأذين.
والكراهية في الإِقامة أشد منها في الأذان؛ لأن المقيم إِذا كان جنباً، أو حدثاً، فهو حري بأن تفوته الجماعة أو صدْر منها.
وإِنما اختلف الأئمة في اشتراط الطهر في خُطبتي الجمعة، كما سيأتي، وإِن كانتا أذكاراً، من جهة الاختلاف في أنهما مُقامتان مقام ركعتين، وهذا قد يتطرق إِليه سؤال، كما سنذكره في موضعه. وأقرب منه التردد في اشتراط الموالاة بينها وبين افتتاح الصّلاة، وهذا يتعذر مع تخلل الطهر بينهما، وبين ابتداء الصّلاة، ولا يتحقق ما ذكرناه في الأذَان والإِقامة.
فصل
قال: "وألا يتكلم في أذانه، فإن تكلم لم يُعِد" (١).
٦٩٠ - إِذا تكلم المؤذن ولم يرفع صوته، ولم يطوِّل بحيث ينقطع وِلاءُ الأذان، لم يبطل الأذان بما جاء به وفاقاً.
والترتيب في مضمون الفصل: أنه إِن سكت سكوتاً طويلاً بحيث يظن السّامعون أنه أضرَبَ قصداً، أو نابه مانع من استتمامِه، ففي بطلانه قولان مرتبان على القولين في تفريق الطهارة. والأذانُ أولى برعاية الموالاة؛ من جهة أن المقصود منه الإِبلاغ والإِسماع، وإِذا تَبَتَّر، التبس الأمر على السامعين، وهجس لهم أن الذي جاء به لم يكن أذاناً، وكان الغرض منه تعليم الغير الأذانَ، أو ما في معنى ما ذكرناه، ولا يتحقق من الوضوء مقصود يُفرض زواله بترك الموالاة والمتابعة.
وهذا فيه إِذا ترك الموالاة في الأذان بالسكوت، فأما إِذا طوّل، وضمَّ إِليهِ الكلامَ مع رفع الصوت، فهذا يترتب على السُّكوت، وهو أوْلى بالإِبطال من جهة أنه أبلغ في إِبطال مقصود الأذان، وجَرِّ اللبس على السامعين.
стр. 911
وإِذا لم نحكم ببطلان الأذان، فالمؤذن يبني على بقية أذانهِ، ويأتي بها، وهل يبنى غيرهُ عليه؟ فعلى هذا القول قولان، فإِنَّ صدور الأذان من رجلين غاية في جرّ اللبس ومدافعةِ مقصود الأذَان.
٦٩١ - ولو أذن مؤذن وأَقام غيره، فالذي قطع به الأئمة أن ذلك جائز، وذَكر بعض المصنفين (١) فيه خلافاً، وزعم أنه مبني على أنه لو خَطب رجل يوم الجمعة، وصلى غيره، فهل يجوز ذلك أم لا؟ وهذا بعيد، وتلقِّي الأذان من الخطبتين غير سديد.
٦٩٢ - ومن تمام القول في ذلك أنه لو تكلم المؤذن ولم يُطوّل ورفع صوته بحيث أسمع من أسمعه الأذانَ، فالذي يقتضيه كلام الأئمة أنه غير ضارٍّ، ولا ينقطع الأذان به، وكان شيخي يتردد في هذا، من جهة أن الكلام يُلبِّسُ على السامعين أمرَ الأذَانِ، كما يتخبط عليهم الأذان بالسكوت الطويل.
٦٩٣ - ولو ارتدَّ المؤذن، ففيه اختلاف نصوص، وتصرف الأصحاب بالنقل والتخريج. وحاصل القول فيه. أنه إِذا أتى ببقية الأذان مع الردةِ، لم يعتد به، كما سيأتي بعد ذلك القولُ في أذان الكافر. وإِن عاد إِلى الإِسلام على قرب من الزمان من غير أن ينقطع الولاء، ففي المسألة قولان: أحدهما -وهو الأصح- أن الأذان معتدّ به؛ لأن الأذان ليس مفتقراً إِلى نيّة هي رابطته، حتى يُقضى بانقطاعها بطريان الردة.
ومن أبطل الأذان ومنع البناءَ عليه، استدل بأن الردة من المحبِطات، فالأذان لو صدر من المرتد، لم يعتد به، وإِن كانت النية غير مرعية فيه، فينبغي أن يحبِط ما مضى بطريانها.
ولو طال الزمان، ثم عاد إِلى الإِسلام، ولم يأتِ في زمان الردة بشيء من كَلِم
стр. 912
الأذان. فالقول الآن يتركب من تأثير الرّدة في الإِحباط، ومن تخلل ما يقطع وِلاءَ الأذان، والخلاف فيه يترتب على أحد الأصلين المتجردين: إما تجرد (١) انقطاع الوِلاء بسكوت، أو طروء الردة، وقربِ الزمان.
فهذا منتهى البيان فيما يتعلق بوِلاء الأذان.
فصل
قال: "وما فات وقته أقام ولم يؤذن (٢) ... إلى آخره".
٦٩٤ - إذا أرادَ قضاء فائتة واحدة، فالمنصوص عليه في الجديد أنه يقيم لها،
ولا يؤذن. ونص في القديم على أنه يؤذن، ويقيم. ونص في "الأمالي" أنه إن رجا
جماعةً أذَّن، وإن لم يرجها، اقتصر على الإقامة. فكأنه في "الجديد" اعتبر حرمة
الوقت، واعتبر في "القديم" حرمة الصلاة، واعتبر في "الأمالي" الجماعة.
ولو أراد أن يقضي فوائت وِلاء، ففي الأذان للأُولى منها الأقوال الثلاثة، ويقيم
لها، ولكل فائتة بعدها إقامة، ولا يؤذن لغير الأولى، قولاً واحداً.
وقال أبو حنيفة (٣): يؤذن لكل فائتة ويقيم، ولو كان يقضي فائتة في وقت أداء
فريضة، وكان يؤدي بعدها فرضَ الوقت، فإن أدى فرضَ الوقت أوَّلاً، أذَّنَ وأقام،
ويقيم للفائِتة ولا يؤذن.
ولو أراد تقديم الفائِتة، ففي الأذان لها الأقوال الثلاثة، ثم إن رأى أن يؤذن لها، فلا ينبغي أن يؤذن للأداء بعدها؛ فإِنَّ أذانين لا يتواليان، وإن لم يؤذِّن للفائتة -في قول- بل اقتصر على الإقامة، فيؤذن للصلاة المؤدّاة في وقتها، ويقيم ويؤدي.
стр. 913
٦٩٥ - ومما يتعلق بهذا تفصيل القول في الجمع بين الصّلاتين، فإن قدم العصر إلى وقت الظهر، فلا شك أنه يقدم الظهر، فيؤذن ويقيم، ثم يقتصر على الإقامة لصلاة العصر، ولا يسوغ غير هذا؛ فإنه لو أذن لصلاةِ العصر لانقطع وِلاء الجمع، ولا خلاف أن الموالاة مرعية في جمع التقديم.
على أنا ذكرنا أن توالي الأذانين لا سبيل إليه إلا في صورة واحدة على قولٍ، وهي إذا قضى فائتة قبيل الزَّوَال وأذن لها على قولٍ، ثم لمّا فرغ من الفائِتة زالتِ الشمس، فأرَادَ إقامة الظهر في وقته، فإنه يؤذن لا محالة؛ فإن الأذان الواقع قبل الزوال لم يكن معتداً به عن أداء صلاة الظهر، ولم يكن دعاءً إلى صلاة الظهر.
ولو أخر الظهر إلى وقت العصر، فسيأتي في كتاب الجمع الخلاف في أنه هل يجب رعاية الترتيب والموالاة في هذا الجمع؟ فإن قلنا: يجب، فيبدأ بالظهر، ثم يأتي بالعصر، قال الأئمة: هل يؤذن لصلاة الظهر أم لا؟ فعلى الأقوال في قضاء الفائتة؛ فإن هذه الصلاة في حكم الفائتة؛ من حيث أخرجت عن وقتها المعتاد، والأذانُ المتفق عليه إنما يجري دُعاءً إلى الوقت المعتاد للصلوات. فإن قلنا: لا يؤذن لصلاة الظهر، فلا يؤذن أيضاً للعصر؛ فإنه على إيجاب رعاية الموالاة يفرعّ، والأذانُ لو تخللَ، لقطعَ الموالاة.
وهذا فيه نظر عندي. ويظهر أن نقول: يؤذن قبل صلاة الظهر، ثم ينقدح في تعليل ذلك وجهان: أحدهما - أن الصلاة مؤداة، وهذا وقت أدائها في السّفر إذا أُخِّرت. والآخر - أنه يبعد أن يدخل وقت العصر ولا يؤذن له، ثم لا يمتنع أن يقال: يقع الأذان لصلاة العصر، ويقدّم عليها صلاةُ الظهر، والإنسان يؤذن لصلاة، ثم يأتي بعد الأذان بنوافل وتطوعات إلى أن تتفق الإقامة.
فالوجه عندي: القطع بأنه يؤذن قبل صلاة الظهر ويقيم، ثم يقيم بعد الفراغ من صلاة الظهر، ويفتتح صلاة العصر.
فهذا كله إذا قلنا: يجب رعاية الترتيب والموالاة.
стр. 914
٦٩٦ - فأما إذا قلنا: لا يجب رعاية الموالاة والترتيب، فصلاة الظهر على هذا (١) مقضِيَّة، فإن قدّمها، ففي الأذان لها الأقوال المقدمة، ثم إن أذن لصلاة الظهر على قول، فلا يؤذن مرة أخرى لصلاة العصر، وإن قلنا: لا يؤذن لصلاة الظهر، فيقيم لها ثم يؤذن لصلاة العصر؛ فإن الموالاة ليست مشروطة، فلا بد من الأذان، فإن صلى العصر أولاً، فيؤذن لها ويقيم، ثم يقيم لصلاة الظهر، ولا يؤذن، كالذي يقيم فريضة مؤداة، ويُعقبها بفائتة يقضيها، فإنه يؤذن ويقيم للصلاة المؤداة، ويقيم للصلاة المقضية.
٦٩٧ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أنا إذا قلنا: يجب رعاية الترتيب، فعليه أن يقدم صلاة الظهر، فلو قدم صلاة العصر، فقد أساء فيما فعل؛ فإنه حرَّم على نفسه رخصة الجمع، وصلاةُ العصر المقدّمة صحيحة، ولكن تعتبر صلاة الظهر في حكم صلاة أخرجت عن وقتها من غير عذر.
فإذا وضح هذا، فإذا قدم العصر، فقد قال بعض المصنفين (٢): صلاة العصر في هذه الصورة في حكم صلاة مقضية؛ فإنها أخرجت عن وقتها المؤقت لها شرعاً في ترتيب الجمع المثبت رخصة. وهذا خطأ صريح لا وجه له؛ فإن صلاة العصر مؤداة في وقتها قطعاً، وما جرى من إخلالٍ بالترتيب آيلٌ إلى صلاة الظهر؛ فإنها خرجت عن حكم الرخصة إلى تفريط التفويت. فهذا منتهى القول في ذلك.
стр. 915
فصل
قال: "إذا سمع المؤذن أحببتُ أن يقول مثل ما يقول ... إلى آخره" (١).
٦٩٨ - إجابة المؤذن مستحبة إذا سمع السامعُ الأذانَ، ولم يكن في الصلاة، والأكمل أن يقول مِثلَ ما يقول حرفاً حرفاً، إلا إذا قال: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، فإن المجيب يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنّ معنى الكلمتين الدعاء، ولا يليق بالمدعوّ أن يعيد كلمة الدعاء، ولكن ينبغي أن يقول إذا سمع الدعاء: لا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هذا نَقْلُ الأثبات عن السلف، وفيه التبرّي من الحول والقوة، مع الاعتصام بالله تعالى. ثم إذا قال: "الله أكبر" قال مثل ذلك وإذا قال: "لا إله إلا الله" قال مثل قوله.
وتستحب إجابة المقيم كما تستحب إجابة المؤذن.
وإذا قال المؤذن في صلاة الصبح: "الصلاة خير من النوم" فجوابه به "صدقت وبررتَ" وإذا قال: "قد قامت الصلاة"، فجوابه "اللهم أقِمها وأدِمها، واجعلني من صالحي أهلها".
وقد روي أن النبي ﷺ قال: "من سمع المؤذن يؤذن، فليقل مثل ما يقول المؤذن" (٢). وقد روي أنه ﷺ قال: "من قال بعد فراغ المؤذن: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، حلت له الشفاعة" (٣).