← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

١٠٥٧٨ - قال العراقيون: إذا كان للغارم إبل وأصنافها مختلفة، [أخذ] (١) من كل صنفٍ بقسطٍ. وهذا بنَوْه على اعتبار إبل الغارم، وقد ذكرنا مثلَ هذا الطريق عن المذهب. ثم إن كان له ثبوت، فقد ينقدح فيه تخريج قولين: أحدهما - الأخذ من كل صنفٍ كما ذكروه. والثاني - الأخذ من أغلب ملكه إن كان في ملكه أغلب، وقد ذكرنا مثلَ هذين القولين في الزكاة. فإن قيل: إذا [اعتبرتم] (٢) إبلَ الناحية وهي أصناف، فهلا خرجتم في كل صنف؟ قلنا: هذا إن كان ينقدح في الملك المحصور، فكيف ينضبط في إبل القطر، وكيف تتجه أقساط [النسب] (٣) إلى قيمة الإبل في القول الجديد اعتباراً بوقت [العِزّة] (٤). هذا معتمد الشافعي. قال فيما نقله المزني: "فإن أعوزت الإبل، فقيمتها بالدنانير أو بالدراهم كما قومها عمر ﵁" (٥) قال عطاء: "كانت لإبل حتى قومها عمر ﵁" (٦). قال الشافعي ﵁: "والعلم يحيط أنه لم يقوّمها إلا قيمةَ يومها" (٧). هذا نص الشافعي في لجديد. ونص في القديم على أنا نأخذ في [الذهب] (٨) ألف دينار، ومن أهل الورِق اثني عشر ألف درهم، وله في المصير إلى هذا القدر تعلّقٌ بآثار وأخبار ذكرناها في (المسائل) (٩).

стр. 8507

واختلف أصحابنا في تنزيل هذا القول، فمنهم من قال: هذا في [عزّة] (١) الإبل، ففي المسألة عند [عزتها] (٢) قولان: أحدهما - أن الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت. والثاني - أن الرجوع إلى المقدار الشرعي من الدراهم والدنانير. هذا طريق. وذهب بعضُ أصحابنا إلى إجراء القول القديم مع وجود الإبل، وهذا القائل يردّ الأمر إلى [اختيار] (٣) الجاني، وفيه بُعد. وإن لم يكن من القول القديم بدّ، فالوجه تخصيصه بحالة الغرم. قال المزني: "رجوعه عن القديم رغبة عنه إلى الجديد، وهو بالسنّة أشبه" (٤). ثم الدنانير على قول التقدير من [الذهب] (٥) الخالص، وكذلك الدراهم من النقرة الخالصة، ولسنا نقنع [بأحدٍ] (٦) من الصنفين حتى يطبع ويسك، والخِيَرة على قول التقدير إلى المعطي بين الدراهم والدنانير، وإن رجعنا إلى قيمة الإبل، فالرجوع إلى النقد الغالب؛ اعتباراً بقيمة المتلفات، وإن غلب النقدان، فالخِيَرةُ إلى الجاني. ١٠٥٧٩ - ومن تمام القول في هذا التفصيل: أنا لا نأخذ قطّ معيباً من أصناف الإبل [إلا] (٧) أن يرضى المستحق، وإذا كنا نرعى البراءة من العيوب في الرقبة المعتقة في الكفارة، وليست عوضاً، والملك إلى الزوال بالإعتاق، [فلأن نرعى] (٨) السلامة عن العيوب في الديات وهي أعواض أولى، غيرَ أن السلامة المرعية في رقبة الكفارة هي السلامة عن العيوب المانعة من الاستقلال المؤثرة في العمل؛ فإن الغرض تخليص عبدٍ عن الرق ليستقل، لا ليصير كلاًّ على المسلم، وكل باب معتبرُه على حسبه.

стр. 8508

فأما المرعي في عيوب الديات، فما يؤثر في المالية؛ فإنها أعواض، فكل عيب يُثبت الرد في البيع، فالسلامة منه معتبرة. ولو كانت إبل الناحية عجافاً مِراضاً، أو كانت إبلُ الغارم كذلك -إن اعتبرنا ملكه-[عدلنا] (١) عنه، وجعلنا عيبَ الإبل كعدمها، وليس هذا كأخذنا المعيب من الإبل المعيبة في الزكاة؛ فإن الزكاة واجبُ الأموال، فاعتبرت [فيها] (٢) صفة الأموال وهذا ظاهر. ثم نقول: إن كانت الدية مخففة، قوّمت على صفاتها، وإن كانت مغلّظة قومت، ثم يظهر التفاوت تغليظاً وتخفيفاً في القيمة، كما كان يظهر في الأصل لو وجد. وإن فرعنا على القديم، ورجعنا إلى المقدّر من الدراهم والدنانير، فالمذهب الأصح أن أثر التغليظ يسقط، وهذا من أصدق ما يدل على فساد هذا القول. وذهب بعضُ أصحابنا إلى أنا وإن قدّرنا [نزيد للتغليظ] (٣) ثلث المقدّر، فيصير الاثنا عشر ستةَ عشرَ ألفاً، أخذاً من قول ابن عباس. وهذا لا أعتد به ولا أعده من المذهب. ١٠٥٨٠ - ثم ما ذهب إليه المحققون أنا نغلّظ دية المرأة على [النسبة] (٤) المتقدمة، ونغلّظ دية اليهودي، والنصراني، وهذا مجمع عليه بين الأصحاب، والغرض ما وراءه، قال هؤلاء: نغلظ دية المجوسي على قدره، فإنا إذا كنا نغلّظ أروش الجنايات وإن قلّت، فأبدال النفوس ينبغي أن تكون في معناها. وكان شيخي أبو محمد يقول: التغليظ جارٍ في كل ما نطق الشرع فيه بالنسبة والجزئية، وقد ورد في الشرع أن المرأة على النصف من الرجل، واليهودي عند الشافعي على الثلث، ولم يصح في دية المجوسي لفظ النسبة، وإنما اتبع الشافعي قضاء عمر في ديته بثمانمائة درهم. قال ﵁: "نتبع هذا المقدار،

стр. 8509

ولا نوجب الأبل، وإن وجدناها" ويتفرع عليه ألا يغلظ، وهذا عندي كذلك (١). والوجه القطع بتنزيل دية المجوسي منزلة سائر الديات في التغليظ والتخفيف، والرجوعُ إلى الإبل عند وجودها، وديتُه ثلث خمس (٢) دية المسلم، فإنها لم ترد [بلفظ] (٣) النسبة لطول الكلام فيه. فهذا ما نراه مقطوعاً به في الباب، ولم أحك ما ذكرته عن شيخي [إلا] (٤) لتعتقدوا أنني نبهت على ما فيه من خلل، والمعتمد إجراء الديات قلّت أو كثرت على وتيرة واحدة في التغليظ والتخفيف، والتقويم والتقدير. نعم، إذا وجب العبدُ غرةً عن الجنين، فذاك لا تفاوت قطعاً، وهذا بدل النفس؛ إذ لا يتصور فيه رعاية التفاوت أعني تفاوت التغليظ والتخفيف، والجناية على الجنين تفرض خطأً وشبهَ عمد، وإذا رجعنا إلى الإبل في بدل الجنين، عاد النظر في التخفيف والتغليظ، كما سيأتي أبدال [الأجنّة] (٥). فصل قال: "وفي الموضحة خمسٌ من الأبل ... إلى آخره" (٦). ١٠٥٨١ - قد مضى معظم الكلام في الشجّات (٧) في كتاب الجراح، فإنا وإن سقناها للقول في القصاص، فقد أتينا في أثناء الكلام بجمل من أحكام الديات، ونحن الآن نذكر ما يتعلق بالأروش في الشجات، وإن مست الحاجة إلى إعادة بعض ما مضى، أعدناه على قدر الحاجة.

стр. 8510

والذي يجب تصدير هذا الباب به أن المقادير مستندها توقيف الشارع لا يهتدي إليها رأي، ولا يجري فيها قياس. نعم، قد يتأصل منها أصول، فيلتحق بها من طريق التشبيه والتقريب فروعٌ، وقد اعتمد الشافعي ﵁ في تقدير أروش الأطراف كتابَ عمرو بن حزم، وقد أورد إسحاقُ في مسند عمرو بن حزم: "أن رسول الله ﷺ كتب كتاباً فيه: [وفي] (١) أصابع اليدين والرجلين في كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي الموضِحة خمسٌ من الإبل، وفي الجائفة الثلث، وفي المأمومة الثلث، وفي الأنف إذا [أُوعي] (٢) جدعاً مائةٌ من الإبل، وفي اليد خمسون من الإبل" (٣). فيثبت من جهة النص تقدير أرش الموضحة بالخمس من الإبل، وهي إذا نسبت إلى الدية الكاملة، وقعت نصفَ عشرها، فالواجب في الموضحة من كل شخص نصفُ عشر ديته، على اختلاف المقادير، ولا حاجة إلى ذكر الديات في هذا الفصل. ثم الكلام متعلق في الشجات وأروشها بأصولٍ لا بد من تفصيلها، ونحن نأتي بها مفصلة: الأول، فالأول. ١٠٥٨٢ - فأهم ما نبتديه ذكر محل الموضِحة وفي كلامٍ كيِّسٍ (٤): وقد تحقق لنا من مجموع كلامهم أن الموضحة محلها كُرةُ الرأس، ومنها الوجه، وهي مركبة على السالفة، وكل عظم اتصل بالجرح من القمة إلى تركّب الكرة، فهو موضِحة، وتفصيل ذلك: أما الأجزاء الثلاثة المشهورة من الرأس، فلا حاجة إلى ذكرها: كالهامة والفَوْدَيْن (٥) والقَذال والناصية، [وما] (٦) يتصل باستواء القفا في منحدر القَمَحْدُوة إذا

стр. 8511

اتضح العظم منه، فموضِحة، وهذه المواضع إذا عمرتها (١) [استبنت] (٢) العظمَ في محل العَمْر، وما ينطبق عليه صدفة الأذن عظمة صلبة تسمى الخُششاء، كل ذلك محل الإيضاح، وليس من الرأس في أحكامٍ [كالستر] (٣) على المحرم، ومحل المسح من الرأس، وإذا تعدى تصور الإيضاح إلى الوجه والوجنة واللِّحى، فما ذكرته إشكال، ومحل الإيضاح من الوجه بيّن: [منه] (٤) الوجنة والجبينان، [والجبهة] (٥)، وقصبة الأنف، واللحيان [في جهة] (٦) المقابلة [ومن جهة تحت] (٧)، فهذا بيان محل الموضحة تفصيلاً وضبطاً. وأما الرقبة نفسها، فالعظم الخصِّيص بها فقراتٌ يحيط بها الحلقوم، والمريء، والأوداج، من جهة المقابلة، والأعصاب والشجاج من جهة الفقار، ولا تعلق بوضوح العظم منها [أرش] (٨) مقدّر كسائر عظام البدن. وإنما خص الشارع [بتقدير] (٩) الأرش شجات الرأس -فيما نظن- لأنها المنظر ومحل الجمال، ومجمع المحاسن، والشَّيْنُ عليها ظاهر [الوقع] (١). هذا كافٍ في بيان المحل.

стр. 8512

١٠٥٨٣ - والأصل الآخر في بيان وجوب اتباع الاسم، وذلك من غير نظر إلى الصغر والكبر، فيجب [في] (١) الموضحة التي يقرعها المِيل (٢) ما يجب في استيعاب الرأس، والسبب فيه أنه لا ضبط [ننتهي] (٣) إليه إلا الاسم، وهذا هو المتعلق إذا انحسم الضبط والتقدير، وعلى هذا الأصل نبني تعدد الأروش عند تعدد الموضحة وانفصال بعضها عن البعض بالحواجز الكاملة، ولو فرض الاختلاف في الموضحة المتصلة من جهة المحل، [فلا] (٤) أثر لأجزاء الرأس في ذلك، فالموضحة التي تعم الناصية والهامة ليس لها حكم التعدّد، من جهة [أنها] (٥) على مسمّيَيْن. فإن قيل: أي إشكال في هذا، وقد ذكرتم أن الموضحة المستوعبة للرأس واحدة؟ قلنا: قد يتخيل الفطن فرقاً بين أجزاء الرأس وبين جملته، وعلى هذا انبنى اتحاد الدية في النفس، وتعددها في الأطراف، فنصصنا على ما ذكرناه [دفعاً] (٦) لهذا الوهم. والأجزاء مختلفة في القصاص، حتى لا نقيم جزءاً من الرأس في القصاص مقام جزء من غير ضرورة، وهي متساوية في تصوير اتحاد الموضحة. ولو اتصلت الموضحة من الناصية إلى الجبهة، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الأرش لا يتعدد، لاتصال الجراحة واتحاد الاسم، ولا ينظر إلى تعدد المحل. والوجه الثاني -[يتعدّد] (٧) لاختلاف المحل، [وأنا لا نكمل] (٨) في القصاص جراحة على الرأس الكبير [من جبهة الجاني بعد استيفاء] (٩) رأسه.

стр. 8513

وإذا جمع الناظر ما ذكرناه من آثار الاختلاف في القصاص إلى ما نبهنا عليه الآن من اختلاف المحل في الدية، [استبان ما بين البابين من بون] (١). ولو انتهت الجراحة إلى العظمة المعمودة وراء القَمَحْدُوة القريبة من مركب الكرة من الرقبة، فالأصح الاتحاد في هذا؛ فإن تيك العظمة من تتمة القِحف (٢) ذي [الدوران] (٣) ومن أئمتنا من جعل اتصال الموضحة بها كاتصالها بالجبهة، حتى تخرّج على الخلاف الذي قدمناه. وهذا الأصل متصل بالكلام في المحل. والموضحةُ على الجبهة إذا انحدرت إلى الجبينين، فأراها واحدة، وإن هي اتصلت بالوجنة، ففيه تردد، والأظهر منع الاتصال [الآن] (٤)، تنزيلاً لما تقابَل به منزلة الرأس. ١٠٥٨٤ - الأصل الآخر: الكلام في [الجراحة ووصفها وتقدير] (٥) رفعها وارتفاعها، فمن أوضح موضعين من رأس إنسان وبينهما حاجز كامل أو لحم وجلد، فموضحتان، وفيهما أرشان، وإن كان الحاجز لحماً لا جلد عليه، أو لا لحم تحته، [اضطربت] (٦) مسالك الأصحاب في الطرق، ومجموعها أوجه: أحدها - أن الجلد دون اللحم، واللحم دون الجلد ليس حاجزاً، وللجرح حكم الموضِحة الواحدة؛ لأن الجناية أتت على الموضِحتين وما بينهما، فنَجْعل كأن الجناية بينهما إيضاح، ولو اتصل الإيضاح، لاتحد الأرش، فالمتلاحمة دون الموضحة، وهذا وجهٌ منقاس. والوجه الثاني - أن الأرش يتعدد اتباعاً للاسم، وقد تحقق [الحائل] (٧) سواء كان

стр. 8514

جلداً مَحْضاً أو لحماً، والتعويل على الاسم عند هذا القائل. والوجه الثالث - أن اللحم حائلٌ والجلد ليس بحائل؛ لأن اللحم ساترٌ للعظم تحته سترَ خلقة، فلا وضوح بالعظم الذي تحته، وإذا انقطع الإيضاح، تعدّد الاسم، فأما الجلد إذا لم يكن [تحته] (١) لحم، فالعظم تحته بادٍ ووضوحه متصل. والوجه الرابع -وهو أضعفها- أن الجلد المجرّد حاجزٌ، واللحم ليس بحاجز؛ فإن المرعي في الوضوح ما يبدو للناظر، وإن كانت الجلدة متصلة، فالعظم غيرُ بادٍ. وهذا ليس بشيء. هذا مجموع ما قيل في بيان الحواجز. ومن لم يجعل اللحم دون الجلد والجلد دون اللحم حاجزاً، هؤلاء اختلفوا في صورةٍ، وهو إن أوضح الرجل موضعين من رأس رجل، وبين الموضحتين حاجز قائم، ثم إنه أدخل حديدة من الموضحة إلى الموضحة، ثم [استلّها] (٢)، فهل يكون الحاجز في حكم المرتفع بهذا؟ فعلى وجهين ذكروهماً: أحدهما - أنه لا يكون مرتفعاً، فإن الحديدة إذا استلّت انطبق اللحم على اللحم، وعاد الأمر إلى ما كان. والثاني - أن هذا يكون رفعاً للحاجز، فإن الحديدة قد نفذت واتصلت الموضحتان، فإن فرض بعد هذا انطباق والتحام، فلا حكم لما يجري من بعدُ، والدليل أنا إذا لم نجعل اللحم بمجرده حاجزاً، فلو فرضنا موضحتين وبينهما لحم، وقلنا: الجراحة واحدة، فلو ألبست تلك اللحمة بالجلد، فقد كمل الحاجز الآن، ولا نقضي بتعدد الأرش بعد الحكم باتحاده، فإن طوارىء الالتحام لا تؤثر في الشجات، كما سنصف ذلك. وإذا بان ما ذكرناه من إدخال الحديدة وتنفيذها من الموضحة، [فقد] (٣) ينشأ من ذلك صورة وفيها احتمال ظاهر عندي، وهو أن الرجل إذا غرز إبرة في رأس إنسان، وتحققنا انتهاء رأس الإبرة إلى العظم، ثم استلّها، فهل يكون هذا موضحة أم لا؟ أرى تخريج هذا على الوجهين اللذين نقلتهما في تنفيذ الحديدة في الحاجز بين

стр. 8515

الموضحتين؛ فإن لم يكن [رفعاً، فهذا ليس] (١) موضحة، وإن كان ذلك رفعاً للحاجز، فهذا موضحة، وترجع حقيقة التردد إلى أن الاعتبار بجرح يشق إلى العظم ويوضِحه فعلاً، أم الاعتبار [بما] (٢) سمي موضِحة مدركة. ومما يتصل بهذا الفصل أن الجاني لو أدخل حديدة في رأس إنسان وجرها، فأوضح موضعاً وانملست (٣) الحديدة على موضعٍ، ثم غاصت، وأوضحت موضعاً،. وفِعْلُ الجاني في حكم المتَّحد، فقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن هذه موضحة واحدة نظراً إلى اتحاد الفعل، وهذا خَرْمٌ لقاعدة المذهب الكلّية؛ فإذا تعدد الجرح، وتعدد الاسم، وكمل الحاجز، فالنظرُ بعد هذا إلى اتحاد الفعل، وتواصلُ الجراحات لا حاصل له، وقد قال هذا القائل: إنما تتعدد الموضِحة إذا رفع الحديدة من شجة ووضعها في أخرى، وهذا ليس بشيء. ١٠٥٨٥ - الأصل الآخر في رفع الحواجز وارتفاعها، فإذا أوضح الرجل مواضع من رأس إنسان، واتصلت الموضِحات بالحواجز، ثم تأكّلت وارتفعت بالسراية، اتحد الأرش، وزال تقدير التعدد، ونزل ارتفاع الحواجز بالسريان منزلة سريان قطع الأطراف إلى الروح، لا خلاف على المذهب في ذلك. ولو عاد الموضح ورفع الحواجز بنفسه، فهذا مسلك النص، وتخريج ابن سريج في الأطراف والنفس، ومقتضى النص اتحاد الأرش، كما لو قطع يدي رجل ورجليه، ثم حز رقبته، وابن سريج خالف في الجراح، وأوجب على قاطع اليدين والرجلين، ثم القاتل بعد ذلك دياتٍ، ومذهبه يطّرد لا محالة في رفع الحواجز. ولو أوضح موضعين عمداً، ورفع الحاجز خطأ، والتفريع على النص، ففي اتحاد الأرش وجهان، وكذلك الخلاف في الجراح والنفس، كما تقدم في أول الجراح، ولا فرق على الجملة.

стр. 8516

ولو رفع الحاجز [بين] (١) الموضحتين، [رجل آخر] (٢)، فلا خلاف أن الأروش لا تتحد في حق الجاني الأول، وهذا يناظر في الجراح والنفس ما لو قطع رجل يدي رجل، فجاء آخر وقتله، فلا خلاف في تعدد الدية عليهما؛ إذ لا نربط فعل شخصٍ بفعل شخص في هذه الأبواب، فلا جَرَمَ قلنا: على صاحب الموضحتين أرشان، وعلى رافع الحاجز أرشٌ ثالث. ولو أوضح رجل موضعاً من رأس إنسان، فجاء آخر وابتدأ من منتهى جناية الأول، وأوضح، ثم هكذا حتى إذا استوعب الرأسَ جناةٌ، فعلى كل واحد أرش موضحة، بلا خلاف. وإذا كان قياس مذهب ابن سريج أن يجعل أفعال جان واحد في تعديد الموضحة أولاً ورفع الحاجز ثانياً بمثابة أفعال جناة، فليت شعري ما يقول إذا استوعب جان واحد رأسَ إنسان بالإيضاح بموضحتين [متواصلتين] (٣) بأفعال متفرقة؟ ظاهر قياسه أنها موضحات إذا تعددن بالأفعال، وفيه احتمال على خلافٍ، فإنها في الآخر جنسٌ واحد، وليس كقطع اليدين والقتل، وليس كما إذا تحقق تعدد الإيضاح ثم فرض الرفع. فلينظر الناظر، وليستدّ [نظره] (٤) إذا كُرِّر أعدادُ الموضحات في شخص، ولو اجتمعت أروشها، لزادت على دية، فالمذهب أنا نوجبها بالغةً ما بلغت، وأبعد بعض المصنفين وقال: نردها إلى دية، وهذا بعيد، والاختلافُ المذكور فيه [مذكور] (٥) في الأسنان، والأصح ثَمَّ أيضاًً أنا لا نبالي بالزيادة على مقدار الدية ولو قُتل الإنسان، الزيادة أولى؛ من جهة أن أعدادها في اعتدال الخلقة إذا قوبلت بالأروش زادت الأروش على الدية، وإطلاقُ الشارع ذكر الأروش في آحادها من غير تعرض لرده الزيادة إلى مقدار الدية مناقض لما قال هذا القائل، ولا ينبغي أن نفرع على الوجه

стр. 8517

الضعيف. وما ذكره هذا القائل في الموضحة ليس بعيداً في التفريع، ولكن التفريع على الضعيف مجتنبٌ. فرع: ١٠٥٨٦ - إذا أوضح الرجل موضعاً من رأس إنسان، وجرّ السكين، فاتصل بالموضحة متلاحمة، فقد أجمع المحققون على أنا لا نفرد المتلاحمة بأرش، لأن الجراحة واحدة، ولو كانت المتلاحمة موضِحة، لما وجب إلا أرش واحد، وهو منفصلٌ عما قدمناه من موضحتين بينهما لحم؛ فإن اسم الموضحة متعدد ثَمَّ في [وجهٍ] (١)، ولم أعرف في الصورة التي رسمتُ الفرعَ لها خلافاً بين الأصحاب، وهذا يدل على اتحاد الأرش في اللحم الحائل بين الموضحتين. ولو أوضح قَمَحْدُوة إنسان، وجرّ السكين إلى القفا، فموضحة، وجرحُ حكومة، وإن جرها من الناصية إذا أوضحها إلى الجبهة وجرح الجبهة متلاحمة، فهذا يخرج على أن الموضحة لو اتصلت هل كان يتعدد الأرش فإن قلنا: لا يتعدد [فالمتلاحمة] (٢) على الجبهة تتبع الموضحة على الناصية، إذا اتصلت بها، فإن قلنا: لو اتصلت الموضحة على الناصية بإيضاح الجبهة، لتعدد الأرش، فتفرد المتلاحمة بحكومة. هذا وضع المذهب. فصل ١٠٥٨٧ - ذكرنا اختلاف قولٍ في أن القصاص هل يجري في المتلاحمة، وكان شيخي ﵀ يقول: أرش المتلاحمة يُبنى على وجوب القصاص؛ إن قلنا: لا قصاص في المتلاحمة، فأرشها حكومة، وإن قلنا: فيها القصاص، فإنا نطلب [تقدير] (٣) أرشها بالنسبة إلى السُّمك جهدنا، كما نطلب هذا المسلك في إجراء القصاص، وهذا عندي ليس يظهر له أثر؛ [فإنا] (٤) وإن لم نوجب القصاص إذا

стр. 8518

حاولنا الحكومة، فتحويمنا على النظر إلى النسبة، ولهذا نفصل بين متلاحمة غائصة وبين أخرى دونها، ولا نغفل على كل مذهب عن الفرق بين النصف الذي بقي إلى العظم وبين النصف الذي شُق، ونرى النصف الآخر أشرف، فإنه ينتهي إلى الإيضاح، وإذا كان هذا عمادنا في النظر، فليس يختلف المذهب بأن يجري القصاص أو لا [يجري] (١) وأرش الجائفة [مقدّرٌ ولا قصاص] (٢) فيها، والقصاص جارٍ في الإصبع الزائدة وأرشها لا يتقدّر. فرع: ١٠٥٨٨ - إذا ثبت أرش الموضِحة، فلم نستوف من الجاني حتى التحمت الموضحة واكتست، فالأرش لا يسقط بما يجري، باتفاق الأصحاب؛ فإن مبنى الباب على اتباع الاسم، ولو أوضح [جانٍ] (٣) ذلك الموضع الذي [اكتسى] (٤)، استوجب أرشاً جديداً، ولو أوضحنا رأس الجاني قصاصاًً، ثم [اندمل] (٥) موضع القصاص، فقد استوفينا الحق كَمَلاً. وهذا متفق عليه، والجراح قد تختلف في هذا المقتضى على ما سنجمعها في فصلٍ، إن شاء الله . فصل قال: "وفي الهاشمة عشر من الإبل ... إلى آخره" (٦). ١٠٥٨٩ - إذا أوضح العظمَ، وهشم العظمَ الذي أوضحه، لزمه عشرٌ من الإبل، فكان الايضاح مقابل الخمس، والهشم مقابل الخمس. ومن أصحابنا من قال: لم يرد في الهاشمة حديث، وإنما جرى التقدير فيه من جهة الرأي والنظر.

стр. 8519

ومن أئمتنا من روى عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﷺ أوجب في الهاشمة عشراً من الإبل" (١). ولو [هشم] (٢) الرجل العظم من الرأس ولم يوضح فيه؟ اختلف أصحابنا فيما يجب: فمنهم من قال: الواجب خمسٌ من الإبل، وهو أرشٌ مقدّر، ومنهم من قال: الواجب فيه حكومة، وسبب هذا التردد إذا انفرد الهشم [ما] (٣) حكيناه في الموضحة الهاشمة، فإن أوجبنا [أرشاً مقدَّراً] (٤) وهو المذهب، فلا خلاف أن في الموضحة الهاشمة عشراً، فإذا أُفرز منه حظ الموضحة، بقي على القطع مقدارٌ في مقابلة الهشم. وإن فرعنا على أن الهشم إذا تحدد ولم يسبقه إيضاح، فموجبه حكومة، فهل تبلغ تلك الحكومة أرش موضِحة؟ تردد في هذا جواب القاضي، وهو موضع التردد؛ من جهة أن الموضحة الهاشمة فيها عشر وأرشُ الموضحة منها خمس، فلا يبعد بلوغها إذا انفردت خمساً، وفائدة هذا الوجه أنه لا يمنع أن تنقص حكومة الهشم عن خمس من الإبل، وسبب هذا التردد أنه تفريع على وجه ضعيف. ١٠٥٩٠ - وفي المنقّلة خمسةَ عشرَ، وقد روي ذلك عن النبي ﵇، والمأمومة جائفة، فلو أوضح رأسه واحدٌ، وهشمه آخر في محل الإيضاح، ونقّله آخر، وأمّه آخر، وكل ذلك على محلٍّ واحد، فعلى الأول خمسٌ من الإبل، أو القصاص، ولا قصاص في غيره مما جرى، وعلى الثاني تفاوت ما بين الموضحة والهاشمة على الأصح، وهو وجهٌ، والتقدير والتفاوت خمس من الإبل، وعلى الثالث تفاوتٌ ما بين الهاشمة والمنقّلة وهو خمس، وعلى الرابع تفاوت ما بين المنقلة والمأمومة وهي ثمانية عشر وثلث بعير.

стр. 8520

وذكر الأصحاب صوراً يُرشد إليها ما مهدناه، فقالوا: في متلاحمة فيها موضحة أرشُ موضِحة [بلا] (١) مزيدٍ، وفي موضحة فيها هاشمة عشرٌ بلا مزيد، وفي منقّلة فيها في حسابها هشم وإيضاح عشرٌ بلا مزيد، وسبب ذلك مأخوذ مما قررناه. أما المتلاحمة إذا كان فيها موضحة، فلو كانا موضحة لم يجب فيها إلا خمس. وهذا المسلك يطّرد في جميع ما ذكرناه. ١٠٥٩١ - ثم ذكر الأصحاب ما يتصور في الوجه من الشجاج، أما الموضحة فتتصوّر [فيه] (٢)، وكذلك الهاشمة، والمنقّلة، [وفي الجراحة التي تنفذ إلى داخل الفم والأنف] (٣) خلاف سنذكره في فصل الجوائف؛ فإن قلنا: إنه جائفة، فقد تُصوَّرُ على الوجه أمثال شجاج الرأس. والدامغةُ ليست من الجراح؛ [فإنها توحي وتذفّف تذفيف] (٤) حز الرقبة. وإن لم نجعل الجراحة النافذة إلى داخل الفم جائفة، قال الأصحاب: إن نفذت من الوجه إلى الفم، فيجب فيها أرش منقلة وزيادة؛ فإن [النفوذ] (٥) في صورته يزيد على التنقيل، وإن نفذ الجرح من الخد إلى الفم، ففيه أرش متلاحمة وزيادة لصورة النفوذ. وأعاد الأصحاب في آخر الفصل اختلافاً بين الجاني والمجني عليه، وقد قدمنا ذكره، فلا نعيده، وصورته أن يقول الجاني: ارتفعت الجراح بالسراية من جراحتي، وقال المجني عليه: بل رفعها أجنبي. هذا فن مضى مقرّراً.

стр. 8521

فصل قال: "وفي كل جرح ما عدا الوجه والرأس حكومة إلا الجائفة ... إلى آخره" (١). ١٠٥٩٢ - لما تكلم في أحد القسمين وهو الجرح الذي يشق، [واستوعب] (٢) الكلام في شجاج الوجه والرأس، قال: كل جرح يشق على سائر البدن، فلا يتعلق به [أرش] (٣) مقدّر إلا الجائفة، فإن موجَبها ثلثُ دية المجني عليه. والكلام فيه يتعلق بأصول: منها تصوّرها، فنقول: كل جراحة وصلت إلى باطن عضو يُعدّ [مجوّفاً] (٤)، فهي جائفة كالواصلة إلى البطن والصدر، وكالآمّة، وليس من تمام الجائفة أن تخرق [المقابل] (٥)، إذا وصلت إلى المعادات (٦) جائفةً، والواصلة إلى جوف عظم الفخذ ليست جائفة، وإن كان ذلك العظم مجوفاً، فإن [العظم] (٧) لا يعدّ مجوفاً، وكأن أرش الجائفة على مقابلة خطرها في وصولها إلى تجاويف البدن، وهذا لا يتحقق في الأعضاء التي تعد [مصمتة. والجرح] (٨) الواصل إلى المثانة جائفة؛ وفي الواصل إلى ممرّ البول من القصبة وجهان: أحدهما - أنه جائفة؛ لأن العضو يعد مجوفاً. والثاني - ليس جائفة؛ فإن

стр. 8522

الجوف الحقيقي ما فيه قوىً محيلة للأغذية أو الأدوية، وليس ممرّ البول كذلك، والجراحة النافدة من العِجان (١) إلى أصل الشَرْج جائفة. وفي الواصلة إلى داخل الفم والأنف وجهان: أحدهما - أنها جائفة؛ لأنها تُفسد العضو إفساد سائر الجوائف وتعطّل منفعته. والثاني - أنها ليست جائفة؛ فإن داخل الفم والأنف [في حكم الظاهر، وكذا الخلاف في خرق الأجفان] (٢)، فإن الأجفان تنطبق على مضطرب الحدقة (٣) انطباق الشفاه على الأفواه. فهذا بيان محال الجوائف. ١٠٥٩٣ - ولو أجاف رجلاً في مواضع، ففي كل جائفة ثلث الدية إذا كان بين الجوائف حواجز، والقول في رفع حواجزها وارتفاعها، كالقول في الموضحات وحواجزها حرفاً حرفاً. ولو طعن رجلاً في بطنه، فنفذ السنان من الظهر، فالمذهب الأصح أن ذلك جائفتان، فإن النفوذ [تحقق من الخلف] (٤). وقال بعض أصحابنا جائفة واحدة؛ فإنها تعد جراحة واحدة، وهذا لا أصل له، فلسنا في الألفاظ العرفية، حتى نرجع إلى موجب العرف، وإنما ندير هذه المسائل على حقائق [ماثلة] (٥)، ولا شك أن ما جرى نافذتان إلى البطن، ولو طعنه في بطنه، ولم ينفذ، ثم طعنه على ظهره على محاذاة طعنة البطن والتقى النفوذُ، فلا ينبغي أن يعد هذا توسيعاً للجائفة الأولى، [ولو قيل بذلك، لكان بعيداً] (٦). ولا شك أن من ضرب بطن إنسان بمشقص وأجافه في موضعين بينهما حائل [في

стр. 8523

الاتصال] (١) قال الشيخ أبو بكر (٢): إذا جعلنا الطعنة النافذةَ جائفة واحدة، فالقياس عندي أن يجب فيه ثلث الدية وزيادة حكومة؛ فإن هذه الجراحة زائدة على الواصلة إلى الجوف، واقتضى ذلك مزيد حكومة، وهذا الذي ذكره فيه نظر؛ فإن تلك الزيادة التي بجانبها (٣) حقيقتُها أنها جائفة أخرى؛ فإن مال إلى حقيقة هذا، فالوجه إيجاب ثلثي الدية، وإلا فلا وجه مع اعتقاد اتحاد الجائفة لإيجاب الزيادة، وهذا بمثابة ما لو أجاف بطن إنسان، ثم زاد، فوسع تلك الجائفة، فلا يجب في التوسع مزيدٌ. ١٠٥٩٤ - ولو أجاف شخصاً جائفة، فاندملت الجائفة، والتحمت، واكتست بالجلد، فالمذهب الصحيح أن أرش الجائفة لا يسقط بما جرى، قياساً على لتحام الموضحة، والجوائف في تفاصيلها كالموضحات. ومن أصحابنا من قال: إذا التحمت الجائفة، لم يجب إلا حكومة على قدر [الشَّين] (٤)، وهذا القائل لا يستدّ له فرق بين الجائفة والموضِحة، ولا يُتصور عند هذا القائل ثبوت أرش الجائفة إلا بأن تفرض إجافةٌ من جانٍ، ثم يفرضَ من آخرَ حزُّ رقبة المجني عليه، ولا يتَصَور [هذا زوالَ] (٥) الجائفة إلا بالتحامها بخلاف الموضحة. ولو [أجاف] (٦) رجلاً جائفةً، فخيطت الجراحةُ، وكادت تلتحم، فجاء إنسان، وقطع الخيط، فانفتقت، لم يلتزم قاطعُ الخيط شيئاً إلا التعزير؛ فإنه لم [يجن] (٧) على جرح.

стр. 8524

ولو التحمت، وتم التحامها فجاء جانٍ، وجرح ذلك الموضع، فهو مُجيف ملتزم لثلث الدية، وهذا بيّنٌ، ولو التحم ظاهر الجرح، ولم ينتظم الالتحام بعدُ، فإذا جاء وفتق ما كان التحم، فلا يلزمه أرش جائفة، بل حكومة، وقد [يفرض] (١) الالتحام من ظاهر دون الباطن، ولا يجب على الجارح والحالة هذه أرش جائفة، كما ذكرناه، وغرضنا فيما أجريناه الكلامُ على الجوائف. فلو جرح الظاهرَ الملتحم، فأدى ذلك إلى اتساع الجائفة الأولى وانفتاق لحمٍ نامٍ وجلدٍ متصل بموضع الجناية ونفوذٍ إلى الباطن، فهذه جائفة تسبب إليها، والضمان يجب بالأسباب والسرايات. ولو كان قطْعُ الخيط من الجائفة سبباً لهلاك المجروح، تعلق الضمان به؛ فإن الأسباب التي يتعلق الضمان بها قد تكون أبعد من هذا، وليس قطع [الخيط من الجرح] (٢) بأقلَّ من حفر البئر وغيره من الأسباب. فصل قال: "وفي [الأذنين] الدية ... إلى آخره" (٣). ١٠٥٩٥ - المذهب الذي عليه التعويل أن الدية تكمّل في الأذنين، إذا استؤصلتا ولم يبق شيء شاخصٌ من الصدفة، وفي إحداهما نصف الدية، هذا ظاهر المذهب. ومن أصحابنا من خرّج وجهاً في أن الدية لا تجب في الأذنين، وإنما قال هذا الإنسان ما قال؛ من جهة غموض منافعها، والتعويل في كمال الدية على المنافع عندنا، والذي [يقوّي] (٤) هذا الوجهَ قليلاً أنه لم يجد لرسول الله صلى النه عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم إيجابَ الدية في الأذنين، وفي الكتاب إيجاب الدية في

стр. 8525

الأنف، كما رويناه في صدر فصل الموضحة، وقد روى بعض الفقهاء (١) أن النبي ﷺ قال: "في الأذنين الدية" (٢) وهذا مجازفة في الرواية، ولم يصح عندنا في ذلك خبر في كتب الحديث. ولكن إلحاقَها بمثاني البدن من أعلى وجوه الشبه، وللشبه جريان إذا تقاعدت المعاني. ثم الذي تخيله الفقهاء من منفعة الأذن أن صدفتها [تجمع الصراخ] (٣)، ومعاطفها تصون الصماخ، وهو غضروف يتأثر بالصوت تأثر الجلد الممدود على الطبل. [وفشا] (٤) بين الأصحاب بعد الاختلاف في الأصل خلافٌ آخر، فقالوا: في الأذنين المستحشفتين وجهان إذا استؤصلتا: أحدهما - فيهما الحكومة، فإن استحشافهما: سقوط حسّهما - بمثابة الشلل في الأعضاء. والثاني - أنه يجب فيهما الدية؛ فإن المنفعة الكائنة في [الحساستين] (٥) ثابتة في المستحشفتين؛ فإن المعنى الظاهر جمع الصوت ورده إلى [الصماخ] (٦) وهذا لا يختص بالأذن الحسّاسة، وإن عُدّ حِسُّها من تمام منفعتها، على معنى أنها إذا أحست بدودةٍ، اشتغل صاحبها بطردها، فإن لم تكن حسّاسة، فلا يحصل هذا المعنى، فهذا خفي، والمنفعة الظاهرة جمع الصوت، وذاك لا يختلف بالاستحشاف والإحساس. وعلى ذلك اختلفوا في أن من جنى على [أذن إنسان] (٧) واستحشفت أذنه من أثر

стр. 8526

الجناية، فهل يجب عليه الدية، كما يجب على من جنى على يدٍ فشلّها؟ فمن أوجب الدية الكاملة في الأذن المستحشفة، لم يوجب بالجناية المؤدية إلى الاستحشاف الديةَ، ومن لم يوجب الدية في الأذن المستحشفة قياساً على اليد الشلاء، أوجب فيما يؤدي إلى الاستحشاف الديةَ. ١٠٥٩٦ - ويجب في أذني الأصم الديةَ الكاملة؛ فإن السمع ليس حالاًّ في الأذنين، حتى نَفرض سقوطَ ديتها بزواله، وهذا يُسقط [اعتبارُنا المنفعةَ] (١) المقصودة، والجمال بمجرده لا يتضمن إيجاب الدية عندنا، ويتجه في الخلاف المصيرُ إلى أن الدية لا تكمل [في الأذنين إن لم] (٢) يثبت فيهما خبر، وإن ثبت خبر، اتبعناه؛ فإن إيجاب بدل الكل في الطرف ليس منقاساً في الأصل، والأصل المعتمد في تكميل بدل الجملة في [الجزء] (٣) توقيف الشارع، كما ذكرته في (الأساليب). ١٠٥٩٧ - وإذا ظهر المقصود في الأذنين، فنتكلم في السمع، فنقول: الجناية المزيلة [للطيفة] (٤) السمع توجب الديةَ الكاملة، وهو من أشرف المنافع، ثم لا يستريب ذو عقل أن [لطيفة] (٥) السمع ليست متعلقة [بجِرم] (٦) الأذن، وإنما هو في مقرها من الرأس، وقال العلماء: السمع من الآحاد، وليس من [المثاني] (٧)، بخلاف النظر، وذهب بعض الأصحاب إلى إلحاقه بالمثاني، وكأنه يتخيل [لطيفتين] (٨) لكل واحدة نفوذ في صوب أذن، كما يتحقق ذلك في البصر، وهذا مزيّف عند جماهير الأصحاب؛ من جهة أنهم اعتقدوا لطيفةَ البصر في جِرْم الحدقة

стр. 8527

والعين من [المآقي] (١)، وليس السمع في الأذن، ولا ينتظم في الاستدلال على تعدده بتعدد الأذن [دليل] (٢). وهذا موقف يتعين إنعام النظر فيه في وجوه نبنيه عليها، على ما سنبين في سياق [الكلام] (٣). فإذا ادعى المجني عليه زوالَ السمع بالجناية، لم يصدَّق حتى يمتحن، وامتحانه بأن يراعى غفلاتُه، ثم يصاح به صيحة منكرة، فإن كان سميعاً، ظهر الأثر عليه، وتبين كذبه في دعوى الصمم، وإن لم يظهر الأثر عليه، ظهر صدقُه، ثم لا يُؤمن تماسكه، فمن الناس من يتماسك في مثل ذلك مع السمع، فنحلِّفه، وهذا غاية الإمكان. ولو لم يدّع زوال السمع بالكلية، ولكن ادعى اختلالَه ونقصانَه، نظر: فإن ادعى النقصان في جهتي الأذنين، غمض التعلق بامتحانه، فإنه ليس ينكر أصلَ السمع، ولو صيح به فتأثر، أمكنه حمل تأثره على المقدار الباقي، فلا وجه إلا أن يعتبر النقصان الذي يدّعيه بسمع رجل في مثل حاله [سنّاً] (٤) واعتدالاً، ويكون غير مأووف (٥) السمع، ثم نقف على منتهى [سمع] (٦) هذا السليم المعتبر، [فنأمر] (٧) من يصيح به على مسافة، ثم يبعد حتى ينقطع سمعه من صراخه، ثم نضبط المسافة ونعود، فنعتبر (٨) سمع من ادّعى نقصان السمع، ونُبيّنُ مقدار النقصان بالمسافة في صياح الصارخ به، ونوجب ذلك القدر من الدية، وليس في هذا الامتحان ما يوجب تغليب

стр. 8528

[صدقه] (١) على القلب، فنحلّفه، فلا وجه إلا [التعويل] (٢) على الحلف، وهذه يمين لا مستند لها إلا ظهور الجناية، وإمكان اختلال السمع بها، ولو لم نسلك هذا المسلك، لتعطّل نقصان السمع، ولو قُدّر تحليف الجاني في هذا المحلّ [، لهان عليه] (٣) بناءً على أصل بقاء السمع، وكل ما يؤدي إلى تعطيل أثر الجناية، فهو غير محتمل من الشرع، وهذا أصلٌ ثابت في قواعد الحجج، وكل ما يمكن الوصول إلى اليقين فيه من غير تعذر ظاهر، فهو المطلوب، وإن عسر الوصول إلى [اليقين] (٤) من غير تعذرٍ ظاهر، وشرُف قدرُ المدعَى، [فقد يقع الاكتفاء فيما لا تبلغ ديته ديةَ النفس بالإشهاد عليها كذلك، فإنها لا تستند إلى يقين نظر] (٥)، ولو لم تثبت بالبينات، لأدى هذا إلى تعطل أعظم المقاصد في الدنيا، والشهادة على النفي مردودة، ثم هي على الضرورة مقبولة في الإعسار، وفي أنه لا ولد للميت سوى من حضر. هذا مأخذ الكلام في ادعاء نقصان السمع. ولو قال المجني عليه: لست أسمع بإحدى الأذنين أصلاً وعيّنها، قرب امتحانه بأن تصمّم الصحيحة، ونمتحنه في الأخرى حَسَب امتحان من يدعي زوالَ السمع أصلاً. وإن ادعى نقصان السمع من إحدى الأذنين، ولم يدّع ذهابه، [امتحنا] (٦) هذه الأذن بالأخرى، وإن كان ذلك أقرب من الاعتبار بشخص آخر، فنصمم العليلة ونعتبر [منتهى] (٧) السماع في الصحيحة، كما تقدم، ثم نصمم الصحيحة، ونطلق العليلة ونضبط ما بين السمعين بالمسافة، ونوجب ذلك القسط من نصف الدية. هذا مسلك الكلام.

стр. 8529

١٠٥٩٨ - والذي أشرنا إليه في صدر الفصل أن السمع ليس من المثاني، فهذا أوان بيانه، وحذف (١) الأصحاب إطلاق القول [بأن] (٢) الجناية إذا أصمّت إحدى الأذنين، فالواجب نصف الدية؛ من هذا تخيل ما تخيل من قال: إن السمع ينقسم [كانقسام] (٣) البصر، وهو من المثاني، ومن تخيل من العلماء أن إحدى العينين إذا أخلّت (٤) انقلبت قوة البصر إلى العين الأخرى لست أدري [ما رأيه] (٥) في السمع إذا لم [يبق] (٦) في أذنٍ [والذي] (٧) أشرنا إليه [مذهب مالك] (٨) في البصر كما سيأتي. وكان شيخي أبو محمد ﵁ يمتنع من قطع القول بإيجاب نصف الدية في صمّ إحدى الأذنين، ويصير إلى أنا نعتبر ما نقص في السمع بحالة الكمال، ويقرّب القول في درك النقصان ونسبته إلى السمع قبل الآفة، وهذا الذي ذكره، وإن كان قياساً بيّناً إذا حكمنا بأن السمع ليس من المثاني، فاعتبار [النظر] (٩) عند صمم إحدى الأذنين أقرب إلى معرفة جزئيّة النقصان من ذرع المسافات في اعتبار النقصان والكمال، فالوجه ما ذهب إليه الجمهور من تعليق شطر الدية [بصمّ] (١٠) إحدى الأذنين، لا لأن السمع من المثاني، ولكن لأن هذا معتبر قريب في مقدار النقصان. فهذا بيان مضطرب الأصحاب في ذلك.

стр. 8530

١٠٥٩٩ - ومن تمام الكلام فيه أن أهل البصيرة إذا قالوا: لطيفة السمع باقية في مقرها من الدماغ، ولكن ارْتتق بالجناية داخل الأذن [ارتتاقاً لا وصول] (١) إلى زواله، والسمعُ باق بحاله، فهذا في حكم جنايةٍ على الأذن، أو على داخلها، وليس السمع حالاًّ في باطن الأذن، فكيف السبيل إذا تصورت المسألة كذلك؟ فنقول: سيأتي اختلاف الأصحاب في مسألة تناظر هذه: وهي أن المولود إذا كان ولد أصمّ، فإنه لا ينطلق لسانه وإن كان صحيحاً، وعلامةُ صحته وحركاتُه لا تخفى على ذوي البصائر، ولكن الصبي إنما [ينطق متلقياً] (٢) مما يسمعه، فإذا لم يسمع لم ينطق، ولو قطع اللسان منه، ففي وجوب الدية فيه خلاف، والأصح أنه لا يجب؛ لأن المنفعة المعتبرة في اللسان النطق، وهو مأيوسٌ منه. فهذا عضو صحيح تقاعدت منفعته لا لآفةٍ فيه، فالْتحق بالعضو المأووف. فإذا ظهر هذا، عُدنا إلى مسألتنا، وقلنا: إذا لم يكن للسمع نفوذ، فهو متعطل بالكلية؛ فالوجه قطع القول بإيجاب الدية، وليس يخرج هذا على الخلاف الذي أشرنا إليه في لسان الصبي الأصم؛ فإن صحة لسانه معلومة أو مظنونة ظناً معتبراً في الشرع، ولسنا نثق ببقاء السمع والسلامة، فنبني الأمر على تقدير زوال السمع. ١٠٦٠٠ - فقد انتظم في السمع أمور بديعة: منها أنه ليس حالاًّ في الأذنين، وإنما هو لطيفة في مقرها من الرأس، وارتتاق منافذ الأذنين يوجب دية السمع، والمعاني التي لا تحلّ الأعضاء لا تضمن دياتها بالجناية على الأعضاء التي ليست محلاًّ لها، ومن البدائع أن السمع ليس من المثاني وله حكم المثاني، فإن الجناية التي تصمّ إحدى الأذنين موجبها نصف الدية، ولا تعويل على ما كان تردد قوله (٣) فيه، ثم أوجبنا مع هذا كلِّه الديةَ في أذن الأصم، فلا منفعة في الأذن تعقل إلا ردّ الصراخ إلى الصماخ، وهذه الأشياء مجموعها يتخيلها الفطن خارجة عن القوانين، والفقيه يتلقاها بالقبول؛ فإنها جارية على القياس اللائق بالباب.

стр. 8531

فصل "وفي ذهاب العقل الديةُ ... إلى آخره" (١). ١٠٦٠١ - الجناية المزيلة للعقل موجبها الدية الكاملة؛ فإن العقل أشرف المعاني، وهو مِلاك البدن، ثم لم يتعين للشافعي محلُّه، وأتى منه بهذا السبب ترددٌ في أمر نذكره في مساق الفصل. قال ﵁: "إذا ظهر زوال العقل مرتباً على الجناية، وجبت الدية" ويمكن تقدير امتحانٍ فيه، [إذا] (٢) اتهمنا المجني عليه [بالتشبه] (٣) بالمجانين، وهو سهل لا عسر فيه، [وذلك] (٤) إذا اتبعناه وراقبنا خلواته، فقد نعثر منه على انتظامٍ في أفعال العقلاء وأقوالهم، فنمتحنه بهذا المسلك، فإن لم نعثر على أمرٍ مخالف لما ظهر منه، [فيبعد] (٥) الاعتصام باليمين أيضاًً، وهذا يناظر ما إذا ادّعى [الصبي] (٦) البلوغ، فإنا نصدقه؛ ولا نطلع على هذا إلا من جهته، فذهب المحققون إلى أنه لا يحلّف؛ من جهة أنه لو كان صادقاً، فلا معنى لتحليفه، فإن كان كاذباً، فهو صبي إذاً، والصبي لا يحلف [سبق ذكر ذلك] (٧) في كتاب الحجر، فإذا كنا لا نحلّف من يدّعي البلوغ لغائلة توجد من دوائر الفقه، فكيف نهجم على تحليف مجنون؟ ولو كان يجن أياماً ويُفيق أياماً، كان هذا من [اختلال] (٨) العقل، ثم رأى الأئمة اعتبار [الإفاقة بالزمان] (٩) من الجنون والعقل، وهذا أقرب معتبر ممكن، وإذا كنا

стр. 8532

نفرح (١) باليمين حيث لا متعلق غيرها، فإذا ظهر [إمكانه] (٢)، تمسَّكْنا به، ثم إذا عقل أمكن تحليفه في زمان العقل إن اتهمناه في التشبه بالمجانين. ١٠٦٠٢ - قال الشافعي ﵁: "إذا قطع الجاني يدي رجل وزال عقله، فالواجب دية أو ديتان" فعلى قولين: أحدهما - تجب ديتان، وهو الذي لا ينقدح [غيره] (٣) في القياس، فإنا نقطع بأن العقل ليس على اليدين، ومن الأصول الممهدة أنه إذا زال معنىً عند قطع عضو ولم يكن ذلك المعنى حالاًّ فيه، فإنا نوجب في العضو بدله، وفي المعنى الفائت أرشه. والقول الثاني - أنا لا نوجب إلا ديةً واحدة، إذا قطعت اليدان وزال العقل؛ فإن العقل ليس له محل متعين حتى يجتنب موقعه، ولا يُعد مجتنبُ محله هاجماً عليه، وإذا كان كذلك، كان إضافة إلى عضو بتأويل إن كان قَطْعُ ذلك العضو مفضياً إلى زواله، والحلول الذي اعتبرناه سببه أن قطع العضو يزيل ذلك المعنى، فإذا هجمت الآلام أوشك أن يزول بها العقل، كما أن الروح ليس يتعين له محل، وإذا زال، تعينَ الحكمُ [بالإدراج] (٤). ثم لفظ الشافعي يشير إلى أن الواجب ديةُ العقل وديةُ اليد مندرجةٌ. وهذا فيه اضطراب؛ فإن الأطراف إنما تدرج تحت النفس؛ من قبل أنها تتعطل بفوات الروح، والأعضاءُ لا تتعطل بفوات العقل، فإن جوارح المجنون مضمونة بالديات، فليتأمل الناظر ذلك. فلو أتبعنا دية العقل ديةَ اليد، كان بعيداً، ولو أتبعنا دية اليد ديةَ العقل، لم يكن على قياس إتباع الأطراف، وبهذا يظهر ضعف القول.

стр. 8533

ولو قطع يداً، فزال العقل، والتفريع على القول الضعيف، [فالواجب] (١) ديةٌ، فلو قطع يدين ورجلين، فزال العقل، وجبت ديتان (٢)، وهذا يُبَيِّن أن الأطراف لا تتبع العقل، كما تتبع الروح. وذكر القاضي: أن الجراحة إذا لم يكن أرشها مقدراً، وترتب عليها زوال العقل، اندرج الأرش في دية العقل، قولاً واحداً. وهذا ليس بشيء؛ فإن عدم التقدّر لا يغير من عوض المسألة شيئاًً، وليس لقول الإدراج في الأرش المقدر من الثبات ما يوجب هذا التفصيل، والوجه إجراء القولين في الأرش كان مقدراً أو غير مقدر. فصل قال: "وفي العينين الدية ... إلى آخره" (٣). ١٠٦٠٣ - لطيفة البصر مضمونة [بالدية] (٤) وهي من أشرف المعاني، واتفق علماؤنا على أنها منقسمة على العينين حالّةٌ فيهما، فتكون إذاً من المثاني، فإن ادعى المجني عليه ذهابَ البصر من عينيه، سهل [اختباره، فنغافله ونقرب] (٥) حديدةً أو غيرها من عينيه، وننظر هل يطرف؟ ويعسُر التماسك في هذا. ثم إذا كان لا يطرف، ولا يُتبع الشخص بصرَه، ولا يحدّق في صوب حدقتي من يخاطبه، ظهر صدقُه، ثم نحلفه مع هذا. وإذا ادّعى نقصان البصر في العينين، أو في إحداهما، فسبيل الامتحان وضبط

стр. 8534

مقدار النقصان ما قدمناه في السمع، فلا نعيده. والجناية على عين الأحول والأخفش (١) إذا أزالت البصرَ، توجب الدية الكاملة، وإن لم تُزل إلا بصراً ضعيفاً، وهو بمثابة ما لو جنى على يد ضعيفٍ في البطش، فأشلها، فإنه يلتزم ما يلتزمه بإشلال اليد الأيّدة التامة القوة، وسأعقد في بيان هذا وأمثاله فصلاً، إن شاء الله. ١٠٦٠٤ - ثم ذكر الشافعي أن الجاني إن أنكر بصر المجني عليه قبل الجناية، فكيف الوجه؟ وهذا أمرٌ تقدّم ذكره، وغرضه بإعادته أن المجني عليه إذا أقام شاهدين على أنه كان بصيراً قبلُ، ثبت المقصود. والشاهد يَعتمِد في الشهادة على البصر ما ذكرناه في طريق الامتحان، [ويستبين] (٢) بصرَ البصير بقرائن الأحوال على الضرورة، ثم ينبغي أن يجزم الشهادةَ في مجلس الحكم، وله أن [يجزمها] (٣) إذا وثق بالمخايل التي ذكرناها، ولو أنه لم يجزم الشهادة وذكر الأحوال التي ابتنى عليها علمُه بالبصر، فالقاضي لا يقضي به. فإن قيل: إذا كان له أن يشهد تعويلاً على ما ذكر، ولا معوّل له في تحمل الشهادة غيرُه، [فلم لم] (٤) يعتمده القاضي؟ قلنا: لا تحيط العادة بما يفيد العلم من قرائن الأحوال، وهي تدق عن مدارك الأوصاف، وإنما يحيط بها [العِيان] (٥)، والقاضي لا يحلّ محل الشاهد فيما استفاده من العلم بزعمه، فليجزم الشهادة، ثم ذكر الشافعي ﵁: أن الشهادة سبيل تحملها على منافع سائر الأعضاء تعويلاً على المخايل كما ذكرناه في البصر.

стр. 8535

فصل قال: "وفي الجفون إذا استؤصلت الدية ... إلى آخره" (١). ١٠٦٠٥ - لا خلاف أن الدية تكمل في استئصال الأجفان وهي أربعة؛ ففي كل جفن ربع الدية [وكل متعدّد على البدن ضمنت منه المنفعة] (٢) وله أرش مقدر، فذلك الأرش يتوزع على الآحاد على مقتضى العدد، فإذا وجب في أصابع اليدين الدية، وهي عشرٌ، وجب في واحدة منها عُشر الدية، وهذا يجري مطرداً في كل ما يتعلق بجملته دية. ومن الأعضاء [ما لم يرد] (٣) في الشرع تعليق الدية بجملتها، وقدّر إثبات المقدر في آحادها كالأسنان، ثم الدية إنما تكمل في الأجفان إذا استؤصلت، واستئصالُها بقطع جميع ما يتجافى حتى لا يبقى منها شيء، وإذا قطع العظم من جفنٍ، فقد تتقلّص المآقي، وهو معدود من الجفن لا تتم الدية دون استئصالها. ولو جنى الجاني على الأهداب، فأفسد منبتها، غرِم الحكومة لا محالة، وإذا استأصل الأجفان بعد زوال الأهداب، أُلزم بالأجفان [الديّةَ] (٤) التامة لا شك فيه، وإذا استأصل الأجفان وعليها الأهداب، وألزم الدية في الأجفان، فهل يلتزم مع الدية الحكومة في الأهداب؟ ذكر العراقيون والقاضي وجهين: أحدهما - أنه لا يلتزمها؛ فإنها على الأجفان، وقد ضمن الأجفان بديتها، والقياصُ أن نُتبع الأهدابَ كلها، ولا خلاف أن من أوضح رأس رجل استأصل قطعةً من جلد رأسه واللحم تحته، فلا يلتزم إلا أرش الموضحة، فإذا كنا نتبع شعرَ الرأس أرش الموضحة بلا خلاف، وجب أن نُتبع الأهدابَ الجفون.

стр. 8536

والوجه الثاني - أنا نفرد الأهداب بالحكومة؛ فإنها عظيمة الوقع في الحال، وإذا زالت شوّهت العينين، وفيها منفعة على حال؛ فإنها تُسْبل في ثوران [الرياح] (١)، فتدرأ الغبار ولا تمنع نفوذ البصر، وليست كشعر الرأس، فإنه ليس فيها منفعة بها مبالاة، فاتجه فيها أن تُتْبع. وكان شيخي يقطع بالتبعية. ثم إذا أوجبنا في كل جفن ربعَ الدية، ففي بعض الجفن بعض الربع إذا أمكن [نسبة] (٢) ما قطع [لما] (٣) بقي. وبالجملة [إنا نتشوف إلى التقدير جهدنا، طالما وجدنا إليه سبيلاً، ولا نتجه للحكومة إلا عند تعذر إمكان التقدير] (٤) ثم إن الحكومة بالاجتهاد تنتهي إلى إثبات قدرٍ يراه مَنْ إليه الرجوع، ونوجب بحسب هذا في قطع بعض الأذن مقداراً إذا انتظم له النسبة، وقد يُشكل الأذن من جهة اختلاف خلقته وشخوص [غضروفه] (٥) ولو أردنا أن نعتبر شحمة الأذن بالصدفة الغضروفية ذات العضو، لم نتمكن منه إلا على وجه التقريب. ففصل قال: "وفي الأنف إذا أُوعي مارنُه جدعاً الدية ... إلى آخره" (٦). ١٠٦٠٦ - في الأنف الدية الكاملة، وتتم الدية بالمارن -وهو ما لان منه-[فإذا] (٧) استؤصل وانتهى القطع إلى القصبة، فلم يبق شيء -منه- شاخص [في] (٨) الوجه، كملت الدية فيه.

стр. 8537

ثم المارن [منخران] (١) وحاجزٌ بينهما، فلو قطع الجاني أحد المنخرين، وبقي الحاجز والمنخر الآخر، ففيما يجب في المنخر طرق للأصحاب: منهم من قال: فيه ثلث الدية؛ فإن أقسام المارن ثلاثة: منخران وحاجز، وفي كل قسم منفعة، ولا نظر إلى أقدار المنافع، [كالأصابع] (٢)؛ فإن منافعها متفاوتة وأروشها متساوية، هذا وجه. ومن أصحابنا من قال: يجب في المنخر الواحد إذا قطع وإن بقي الحاجز نصفُ الدية؛ فإن المقصود من المنفعة في المنخر، والحاجزُ كالتابع، وهو يجري من المنخرين من حيث إنه منزلُهما منزلةَ الكف من الأصابع، فالدية تنقسم على المنخرين انقسامهما على [المثاني] (٣)، فالمنفعة لظاهر الأنف -[بعد الجمال- منعُ الهوام] (٤) من مصادمة الخيشوم المتصل بالعظم المُشاشي، ولا ينتفع الأجدع ما لم يتخذ أنفاً من جوهر من الجواهر، وهذه المنفعة ليس منها للحاجز بين المنخرين كبير وقع، ولعل أثر الحاجز في [دفع الغبار وتعطيل ما يسيل من رطوبات الرأس] (٥)، حتى يجري على تدريج؛ ثم تدركه الأنفاس فيجف، ومنفعة الكف أظهر من منفعة ذلك. وذكر بعض المصنفين (٦) وجهاً أن الواجب [في] (٧) أحد المنخرين حكومة، وهذا

стр. 8538

ساقط؛ فإنا ذكرنا أن ما تجب الدية فيه تجب [أقدار الدية في أفراده] (١)، كما ذكرنا في الأجفان والأذن. وإن عَنَى بالحكومة أنا لا نوجب نصفاً ولا ثلثاً، ولكن نُثبت [بالنسبة] (٢) إلى ما بقي، فهذا أوجه الوجوه عندي، وعبارة الحكومة في هذا المعنى زللٌ، فليُعتقد هذا الوجه الثالث، على هذا النسق. ١٠٦٠٧ - ومما يتم به التفريع في ذلك أن من أوجب في المنخر الواحد الثلثَ -جرياً على ما ذكرناه في توجيه ذلك الوجه-[يوجب في الحاجز إذا أفرد الثلثَ] (٣) وغالب ظني أني سمعت الإمام (٤) يذكر ذلك، ولست واثقاً به على التحقيق، والذي صرح به الأصحاب أن واجب [الوترة] (٥) لو أفردت بالإبانة الحكومة، وهذا تخليط بإبطال الثلث (٦). ولو قطع قاطع القصبة بعد قطع المارن، وهي العظم يلتزم حكومةً، ولو قطع الجاني المارن والقصبة معاً، فظاهر المذهب أنه لا يلتزم إلا ديةً واحدة؛ فإن اسم الأنف يتناول الكل، وقد صح أن رسول الله ﷺ ، أوجب في الأنف الدية. ولو قطع قاطع شيئاًً من طرف المارن، فظاهر المذهب أن الدية مقسطة على المارن لا على الأنف من أصله، وسأجمع في هذا وفي الحشفة والذكر، والجملةِ (٧) واليدين، وما يظهر من السن مع سِنْخه فصلاً كاملاً في معناه، حاوياً لطرق الأصحاب.

стр. 8539

ولو جنى الجاني على الأنف، فاستحشف، وسقط حسُّه، ففيه الخلاف الذي ذكرناه في استحشاف الأذن؛ فإن هذا العضو مستحشفاً وحساساً على حدٍّ قريب في المنفعة. ١٠٦٠٨ - ثم الشمُّ لطيفة مضمونة بالدية الكاملة [كالسمع] (١) والبصر. وفي بعض الطرق وجهٌ غريب أن الشم لا يضمن بالدية الكاملة، وعلى [مزيله] (٢) الحكومة. وهذا القائل يزعم أن الانتفاع بالشم من استنشاق الدماغ [للطيب، والتأذي] (٣) بالإنتان أكثرُ من التلذذ بالروائح الطيبة (٤)، وهذا خيال لا أصل له، وهو أحد الحواس فلا وجه إلا القطع بمقابلته بالدية الكاملة، وهذا الوجه حكاه صاحب التقريب وغيره من الأئمة. وفي أنف الأخشم (٥) ما في أنف صاحب الشم، كما ذكرناه في أذن الأصم والسميع. وإذا ادعى المجني عليه زوالَ الشم، امتُحن بأن يتغفل ونُدني -في غفلاته- من أنفه رائحةً ذكية طيبة أو منتنة، والغالب أنه يتأثر بها انبساطاً واستبشاراً] (٦) أو [انزواءً] (٧) وانقباضاً، ثم نبني على ذلك ما قدمناه من خلافه مع الامتحان. وإذا ادّعى نقصاناً في الشم، فليس معنا فيه معتبر -كما تقدم في السمع والبصر- فلا حاجة إلا الرجوع إلى المجني عليه، فنقول له: أنت أعرف بمقدار الخلل، فاذكره واحلف، يَغْرَم لك الجاني، وإن لم يذكر لنا مقداراً، وهو المدعي، وهو كمن يرى

стр. 8540

شيئاً مجهولاً وسبيله في نفسه أن يأخذ بالأقلِّ المستيقن. وقد يخطر للناظر في أثناء هذه الفصول تقدير عَوْد بعض هذه اللطائف، بعد ظننا زوالها، وسأجمع ذلك كلَّه عند ذكر التفصيل في عَوْد السن من المثغور وغير المثغور. فصل قال: "وفي الشفتين الدية ... إلى آخره" (١). ١٠٦٠٩ - لا خلاف في وجوب الدية في الشفتين، وهما من المثاني عندنا، وفيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية، ولا نفضّل العليا على السفلى، وقال مالك (٢):

стр. 8541

في العليا ثلثا الدية، وفي السفلى ثلثها. ثم أول [ما نُعنى] (١) به ذكر حدِّ الشفتين، وقد اختلف عبارة أصحابنا، فقال بعضهم: الشفة العليا حدّها في كمال الدية ما يستر اللثة وعُمورَ (٢) الأسنان في طول الوجه، ومن الشدق إلى الشدق في عرض الوجه، وكذلك القول في الشفة السفلى. وعبر آخرون عن ذلك بعبارة أخرى، وهي أشفى مما ذكرناه، مع أنه لا خلاف في المعنى، فقال: الشفة العليا تتجافى في محاذاة الوترة من الأنف، ثم ترتق عندها، فنعبّر خطاً على مسامتة موضع الارتتاق والانتهاء إلى الشدق. وهذا [موقع] (٣) التعليل، فإنا على قطع نعلم [أنا] (٤) لا نبغي مزيداً [عن] (٥) موضع الارتتاق، فإذا وضح ذلك، فلا وجه للتعليل إذا جاوزنا هذا المحل، حتى [نعوج] (٦) الخط من طرفيه اعوجاج الحاجب بموضع الاتصال إذا سوَّرَ الناظرَ، فليعتبر، وهذا القول يتحقق في الشفة السفلى، فإنها ترتتق في جهة العَنْفَقة ثم نعتبر القطعَ من الجانبين على مسامتة منتهى التجافي إلى محاذاة الشدقين، ثم نعتبر القطعَ في طول الوجه إلى الشدق، كما صورناه في الشفة العليا، والذي أتخيله [أن مَنْ] (٧) راعى منتهى التجافي، فقوله يخالف قول من يعتبر انكشاف اللثة؛ فإن اللثة هي التي تستر سِنْخ (٨)

стр. 8542

السن، ووراء سنخ السن ما ليس مركبَ السن، ومنتهى التجافي وراء مركبات الأسنان. وذكر شيخي ﵁ أن الدية تكمل بقطع ما ينتؤ من الشفتين إذا انطبقتا (١)، وهذا [الفارق] (٢) مقصود، وهو قريب، فإنا [سنوضّح] (٣) أن المرعي هذا القدر في الشفتين. وإذا جمعنا هذه العبارات، انتظم منها خلاف ظاهر في المعنى، ولو قيل: إذا قطع من العليا ما لم ينطبق معه (٤) ما بقي على السفلى، مع تقدير (٥) السفلى، وقطع من السفلى ما لا ينطبق -مع تقدير (٦) العليا- على العليا حتى يحصل بقطعهما امتناع الانطباق، كان قريباً (٧)، ويمكن أن نعزي (٨) هذا إلى المذهب؛ فإني لم أقله حتى رأيت مرامز في كلام الأئمة تشير إلى [مراعاة فَرْق] (٩) الانطباق، ولم يختلفوا في أن الأجفان يراعى استئصالها، والسبب فيه أن منفعتها تستر [الحدقة] (١٠) فحسب، ولا يتحقق كمال الجناية إلا بالاستئصال، وفي الشفتين منافع متصلة بالأجزاء المتصلة بها، وكان سببُ التردد ما نبهنا عليه، ولم يصر أحد من أصحابنا إلى أخذ شيء من الشدق، [في] (١١) عرض الوجه، وإنما المقطوع من الشفتين منحدر بالانتهاء إلى الشدقين.

стр. 8543

فصل ١٠٦١٠ - إذا قطع الجاني شيئاًً من الشفة العليا أو السفلى، ولم نر ذلك -من [طريق التقدير] (١) - الشفةَ الكاملة، ولكن تقلص محل القطع، وانكشف ما تحته انكشافاً، وبلغ الحدَّ المعتبر في استئصال الشفة، [فقد] (٢) اختلف أصحابنا في هذه الصورة، فمنهم من نظر إلى القدر الذي قَطَع الجاني وإلى القدر الذي أبقاه ووزع الدية. ومنهم من قال: إذا انكشف ما اعتبرناه على كماله بسبب التقلّص، فهو كما لو انكشف بسبب القطع والاستئصال، فتجب الدية الكاملة إن حصل تمام الانكشاف، وهذا القائل يحتج بأن الدية تكمل بالقطع مرة وبإبطال المنفعة أخرى، والمنفعة المقصودة الظاهرة من الشفة سترُ ما تواريه الشفة، وإذا أورثت الجناية الانكشافَ التام فالجِرْمُ المتقلص ساقطُ المنفعة، بمثابة اليد الشلاء، ولو قطع رجل إصبعاً وأشل الأصابع الباقية، التزم تمام الدية، كذلك هاهنا، وهذا متجهٌ حسن. فصل (٣) قال: "وفي اللسان الدية ... إلى آخره" (٤) ١٠٦١١ - لا خلاف أن اللسان عضو شريف فيه دية، وقد نص الشارع عليه في الصحائف المشتملة على أروش الجنايات، وصَدْرُ الفصل أن اللسان عضو ديةٍ، ومنفعتُه المعتبرةُ في الأرش الكلامُ، وهذه المنفعة حالّةٌ فيه، وليست كالسمع

стр. 8544

بالإضافة إلى الأذنين، والشمِّ بالإضافة إلى الأنف، ولا التفات إلى الأطراف، ولكن المنفعة الظاهرة هي المعتبرة، ثم الكلام ينتظم من الحروف، وهي أصواتٌ منقطعة على مخارج لها، والحروفُ التي منها انتظام الكلام ثمانيةٌ وعشرون، ولام ألف حرفان [كررا لغرض] (١) لا يليق استقصاؤه بما نحن فيه. فلو فرضت جناية انتقص بها بعض الحروف، فيقع التوزيع على ما فات وبقي، ثم الذي صار إليه جماهير الأصحاب أن التوزيع على الثمانية والعشرين. وذهب الإصطخرىِ إلى أن الحروف [الحَلْقية] (٢) تُستثنى من جملة الحروف، وكذلك الشفوية، وهي الميم والباء، ويقع التوزيع على باقي الحروف وهي [اللسنية] (٣) حتى إذا أبطلت الجناية حروفَ اللسان، كملت الدية، فإن أبطلت حروفَ اللسان والشفة والحلق، وجبت الديةُ الكاملة في حروف اللسان والحكومةُ في حروف الشفة والحلق. وهذا الوجه [مردودٌ] (٤) عليه؛ فإن الكلام لا يتأتى دون اللسان، وهو الذي ينظم الكلامَ، [وحتى] (٥) ما يصدر من غير اللسان، فانتظامه موقوف على اللسان، والوجهُ إحالة جميع الحروف على اللسان، وتوزيع الدية على جميع الحروف الثمانية والعشرين، ومن حكى مذهب الإصطخري لم يتعرض للقاف والكاف، وليستا من حروف الحلق، وقد يعتقد أنهما ليسا من حروف اللسان، ولكن لعل الإصطخري ألحقهما بحروف اللسان، فإنه لا يتأتى الإتيان بهما إلا بالاعتماد على أصل اللسان [وقاعدتِه] (٦) وترقيها إلى الحنك الأعلى وبينهما تتحرَّفُ (٧) الكاف والقاف، ولم

стр. 8545

يتعرض [ناقل] (١) مذهب أبي سعيد [للفاء] (٢)، وهذا أظهر من القاف والكاف؛ فإن الاعتماد في النطق [بالفاء على الأسنان] (٣) العليا والشفة السفلى وليس للسان فيه أثر محسوس. والصحيحُ اعتبار جميع الحروف ونسبتها إلى اللسان، فليقع التوزيع على الثمانية والعشرين. ومقصود الفصل وراء هذا لا تضبطه التقاسيم، فإنما نأتي عليه بالمسائل، فنأتي [بها أرسالاً] (٤) ونستوعب، إن شاء الله تعالى - كمالَ الغرض. ١٠٦١٢ - فلو كان الرجل في أصل الخلقة بحيث لا يتأتى منه جملة الحروف، ولكنه كان [يعبر] (٥) بما يحسن منها عن جميع ما يبغيه ويحويه الضمير مثل إن كان لا يحسن إلا عشرين حرفاً، فإذا جنى جانٍ، وأفسد جميعَ الحروف، فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب أنه يجب على الجاني الديةُ الكاملة؛ فإن مثل هذا الشخص سمّي ناطقاً متكلماً، وقد ينسب إلى ضعف في المنطق، وضعفُ منفعة العضو لا يحطُّ من الدية [شيئاًً] (٦) إذا فسدت المنفعة بالجناية، كما لو كان ضعيف البطش، فجنى عليه جانٍ أبطل بطشه، أو كان ضعيفَ البصر والسمع، وهذا [مُطبق] (٧) في المنافع جمع.
следующие страницы →