← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

في العليا ثلثا الدية، وفي السفلى ثلثها. ثم أول [ما نُعنى] (١) به ذكر حدِّ الشفتين، وقد اختلف عبارة أصحابنا، فقال بعضهم: الشفة العليا حدّها في كمال الدية ما يستر اللثة وعُمورَ (٢) الأسنان في طول الوجه، ومن الشدق إلى الشدق في عرض الوجه، وكذلك القول في الشفة السفلى. وعبر آخرون عن ذلك بعبارة أخرى، وهي أشفى مما ذكرناه، مع أنه لا خلاف في المعنى، فقال: الشفة العليا تتجافى في محاذاة الوترة من الأنف، ثم ترتق عندها، فنعبّر خطاً على مسامتة موضع الارتتاق والانتهاء إلى الشدق. وهذا [موقع] (٣) التعليل، فإنا على قطع نعلم [أنا] (٤) لا نبغي مزيداً [عن] (٥) موضع الارتتاق، فإذا وضح ذلك، فلا وجه للتعليل إذا جاوزنا هذا المحل، حتى [نعوج] (٦) الخط من طرفيه اعوجاج الحاجب بموضع الاتصال إذا سوَّرَ الناظرَ، فليعتبر، وهذا القول يتحقق في الشفة السفلى، فإنها ترتتق في جهة العَنْفَقة ثم نعتبر القطعَ من الجانبين على مسامتة منتهى التجافي إلى محاذاة الشدقين، ثم نعتبر القطعَ في طول الوجه إلى الشدق، كما صورناه في الشفة العليا، والذي أتخيله [أن مَنْ] (٧) راعى منتهى التجافي، فقوله يخالف قول من يعتبر انكشاف اللثة؛ فإن اللثة هي التي تستر سِنْخ (٨)

стр. 8542

السن، ووراء سنخ السن ما ليس مركبَ السن، ومنتهى التجافي وراء مركبات الأسنان. وذكر شيخي ﵁ أن الدية تكمل بقطع ما ينتؤ من الشفتين إذا انطبقتا (١)، وهذا [الفارق] (٢) مقصود، وهو قريب، فإنا [سنوضّح] (٣) أن المرعي هذا القدر في الشفتين. وإذا جمعنا هذه العبارات، انتظم منها خلاف ظاهر في المعنى، ولو قيل: إذا قطع من العليا ما لم ينطبق معه (٤) ما بقي على السفلى، مع تقدير (٥) السفلى، وقطع من السفلى ما لا ينطبق -مع تقدير (٦) العليا- على العليا حتى يحصل بقطعهما امتناع الانطباق، كان قريباً (٧)، ويمكن أن نعزي (٨) هذا إلى المذهب؛ فإني لم أقله حتى رأيت مرامز في كلام الأئمة تشير إلى [مراعاة فَرْق] (٩) الانطباق، ولم يختلفوا في أن الأجفان يراعى استئصالها، والسبب فيه أن منفعتها تستر [الحدقة] (١٠) فحسب، ولا يتحقق كمال الجناية إلا بالاستئصال، وفي الشفتين منافع متصلة بالأجزاء المتصلة بها، وكان سببُ التردد ما نبهنا عليه، ولم يصر أحد من أصحابنا إلى أخذ شيء من الشدق، [في] (١١) عرض الوجه، وإنما المقطوع من الشفتين منحدر بالانتهاء إلى الشدقين.

стр. 8543

فصل ١٠٦١٠ - إذا قطع الجاني شيئاًً من الشفة العليا أو السفلى، ولم نر ذلك -من [طريق التقدير] (١) - الشفةَ الكاملة، ولكن تقلص محل القطع، وانكشف ما تحته انكشافاً، وبلغ الحدَّ المعتبر في استئصال الشفة، [فقد] (٢) اختلف أصحابنا في هذه الصورة، فمنهم من نظر إلى القدر الذي قَطَع الجاني وإلى القدر الذي أبقاه ووزع الدية. ومنهم من قال: إذا انكشف ما اعتبرناه على كماله بسبب التقلّص، فهو كما لو انكشف بسبب القطع والاستئصال، فتجب الدية الكاملة إن حصل تمام الانكشاف، وهذا القائل يحتج بأن الدية تكمل بالقطع مرة وبإبطال المنفعة أخرى، والمنفعة المقصودة الظاهرة من الشفة سترُ ما تواريه الشفة، وإذا أورثت الجناية الانكشافَ التام فالجِرْمُ المتقلص ساقطُ المنفعة، بمثابة اليد الشلاء، ولو قطع رجل إصبعاً وأشل الأصابع الباقية، التزم تمام الدية، كذلك هاهنا، وهذا متجهٌ حسن. فصل (٣) قال: "وفي اللسان الدية ... إلى آخره" (٤) ١٠٦١١ - لا خلاف أن اللسان عضو شريف فيه دية، وقد نص الشارع عليه في الصحائف المشتملة على أروش الجنايات، وصَدْرُ الفصل أن اللسان عضو ديةٍ، ومنفعتُه المعتبرةُ في الأرش الكلامُ، وهذه المنفعة حالّةٌ فيه، وليست كالسمع

стр. 8544

بالإضافة إلى الأذنين، والشمِّ بالإضافة إلى الأنف، ولا التفات إلى الأطراف، ولكن المنفعة الظاهرة هي المعتبرة، ثم الكلام ينتظم من الحروف، وهي أصواتٌ منقطعة على مخارج لها، والحروفُ التي منها انتظام الكلام ثمانيةٌ وعشرون، ولام ألف حرفان [كررا لغرض] (١) لا يليق استقصاؤه بما نحن فيه. فلو فرضت جناية انتقص بها بعض الحروف، فيقع التوزيع على ما فات وبقي، ثم الذي صار إليه جماهير الأصحاب أن التوزيع على الثمانية والعشرين. وذهب الإصطخرىِ إلى أن الحروف [الحَلْقية] (٢) تُستثنى من جملة الحروف، وكذلك الشفوية، وهي الميم والباء، ويقع التوزيع على باقي الحروف وهي [اللسنية] (٣) حتى إذا أبطلت الجناية حروفَ اللسان، كملت الدية، فإن أبطلت حروفَ اللسان والشفة والحلق، وجبت الديةُ الكاملة في حروف اللسان والحكومةُ في حروف الشفة والحلق. وهذا الوجه [مردودٌ] (٤) عليه؛ فإن الكلام لا يتأتى دون اللسان، وهو الذي ينظم الكلامَ، [وحتى] (٥) ما يصدر من غير اللسان، فانتظامه موقوف على اللسان، والوجهُ إحالة جميع الحروف على اللسان، وتوزيع الدية على جميع الحروف الثمانية والعشرين، ومن حكى مذهب الإصطخري لم يتعرض للقاف والكاف، وليستا من حروف الحلق، وقد يعتقد أنهما ليسا من حروف اللسان، ولكن لعل الإصطخري ألحقهما بحروف اللسان، فإنه لا يتأتى الإتيان بهما إلا بالاعتماد على أصل اللسان [وقاعدتِه] (٦) وترقيها إلى الحنك الأعلى وبينهما تتحرَّفُ (٧) الكاف والقاف، ولم

стр. 8545

يتعرض [ناقل] (١) مذهب أبي سعيد [للفاء] (٢)، وهذا أظهر من القاف والكاف؛ فإن الاعتماد في النطق [بالفاء على الأسنان] (٣) العليا والشفة السفلى وليس للسان فيه أثر محسوس. والصحيحُ اعتبار جميع الحروف ونسبتها إلى اللسان، فليقع التوزيع على الثمانية والعشرين. ومقصود الفصل وراء هذا لا تضبطه التقاسيم، فإنما نأتي عليه بالمسائل، فنأتي [بها أرسالاً] (٤) ونستوعب، إن شاء الله تعالى - كمالَ الغرض. ١٠٦١٢ - فلو كان الرجل في أصل الخلقة بحيث لا يتأتى منه جملة الحروف، ولكنه كان [يعبر] (٥) بما يحسن منها عن جميع ما يبغيه ويحويه الضمير مثل إن كان لا يحسن إلا عشرين حرفاً، فإذا جنى جانٍ، وأفسد جميعَ الحروف، فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب أنه يجب على الجاني الديةُ الكاملة؛ فإن مثل هذا الشخص سمّي ناطقاً متكلماً، وقد ينسب إلى ضعف في المنطق، وضعفُ منفعة العضو لا يحطُّ من الدية [شيئاًً] (٦) إذا فسدت المنفعة بالجناية، كما لو كان ضعيف البطش، فجنى عليه جانٍ أبطل بطشه، أو كان ضعيفَ البصر والسمع، وهذا [مُطبق] (٧) في المنافع جمع.

стр. 8546

١٠٦١٣ - وحقيقة هذا لا تبين إلا بأصل آخر تمهيده في أحكام اللسان، وهو مقصود في نفسه، ونبني عليه كمالَ الكشف، [فيما ذكرناه] (١) من نقصان الحروف، فنقول: من استأصل جرْم اللسان قطعاً، فيسقط الكلام لا محالة، ولا يجب على الجاني إلا دية واحدة؛ [وإن] (٢) جنى على الجرْم والمنفعة كجرم اليد وبطشها. ولو قطع الجاني عَذَبةَ اللسان (٣)، وأبطل جميع الكلام، استوجب الدية الكاملة، كما لو قطع أصبعاً من يد، فأشل اليدَ. ولو قطع ربع اللسان، فأبطل نصف الكلام، وجب نصفُ الدية، ولو قطع نصفَ اللسان، وبطل ربعُ الكلام، فقد قطع الأصحاب بأنه يجب نصف الدية، فنظروا عند تفاوت المقطوع من الجِرم والفائت من الكلام إلى الأكثر، فإن كان المقطوع أكثر، فالمقطوع [يقدّر بنسبته] (٤) الواجبُ من الدية، وإن كان الفائت أكثر، فالاعتبار به. أما إذا كان الفائت من الكلام أكثر، فاعتباره منقاس بيّن؛ فإن المنفعة هي المقصودة، فإذا فات شطرها، لم يخف تعليل إيجاب نصف الدية، ولو جنى على اللسان، فأذهب نصف الكلام من غير قطع، وجب نصف الدية، فلا خفاء بالقول في هذا الطرف. فأما إذا قطع نصف اللسان، وذهب ربع الكلام، ففي هذا اعتياض قليل، ولا خلاف، وهو مشبه بما لو قطع أصبعين من يد رجل، ولم يسقط من منفعة بطشه خمساها، وكان [صاحب] (٥) اليد جاريَ الحركة، فالنظر إلى الأَجْرام التي قطعها، والواجب خمسا دية اليد. وإذا تبين ما ذكرناه، ترتب عليه إيجابُ الأكثر، فإن كان الفائت من جرم اللسان أكثر، فهو المعتبر.

стр. 8547

ثم ذكر أئمتنا عبارتين في ذلك، فقال بعضهم: ينظر إلى الأكثر، كما ذكرناه، ونوجب أغلظ الأمرين. وقال أبو إسحاق: إن قطع نصف اللسان، فقد أبان من عضو الدية نصفَه، وسقط من المنفعة شيء، وإن قطع ريعَ اللسان وأمات نصفَ الكلام، وجب نصف الدية، لأنه أمات نصف اللسان أيضاًً، غير أنه قطع ربعاً. ويظهر [أثر] (١) هذا الاختلاف في مسألتين: إحداهما - أنه لو قطع ربع لسانه، فذهب نصف كلامه، وأوجبنا نصف الدية، فإذا جاء آخر، وقطع ما بقي، وهو ثلاثة أرباع اللسان، فعلى طريقة أبي إسحاق يجب نصف الدية، فلا يلزمه [إلا] (٢) النصف في مقابلة النصف مع نصف الكلام، والحكومة في مقابلة الربع الذي لحقه الشلل تقديراً. وغيرُه من الأصحاب يوجب على من يقطع ثلاثة الأرباع الباقية ثلاثة أرباع الدية؛ نظراً إلى [أن] (٣) الأكثر جرْمُ اللسان، ولا يستبعد هذا القائل أن نوجب في عضو قطعه شخصان في [جنايتين] (٤) أكثرَ مما نوجبه على القاطع الواحد إذا استأصل العضو بقطعٍ واحد، وسيأتي لذلك نظائر، إن شاء الله تعالى. [وهذا] (٥) بيان المسألة الأخرى: لو قطع نصف لسانه وذهب ربعُ كلامه، فقد حكينا الوفاق على إيجاب نصف الدية، فإن جاء جانٍ آخر استأصل اللسان، فمذهب الجمهور أنه يلزم القاطع الثاني ثلاثة أرباع الدية نظراً إلى [ما] (٦) أمات من الكلام، وقد ذكرنا أن نظر هؤلاء إلى الأكثر في الجاني الأول والآخر. وأبو إسحاق يعتبر [جرم] (٧) العضو في هذه الصورة ولا يلتفت إلى كثرة المنفعة.

стр. 8548

والأصح ما ذهب إليه الجمهور. ١٠٦١٤ - فإذا تمهد هذا الأصل، صوّرنا بعده صورةً أخرى، ثم نعود إلى ما كنا فيه: إذا جنى جانٍ على اللسان من غير قطعٍ، وأذهب ربعَ الكلام مثلاً، فإنه يلتزم ربع الدية، فلو جاء جان وقطع اللسان من أصله، فعليه دية كاملة؛ نظراً إلى الأكثر على طريقة الجمهور، واعتباراً بجرم اللسان، وفيه المنفعة على مذهب أبي إسحاق، وهذا مسلك لأصلٍ لا نجد بُدّاً من ذكره، فنقول: من كان باطشاً يَضْعُف بطشه [لآفةٍ] (١)، ثم أزال جانٍ البطشَ، فإنه ملتزم الديةَ الكاملة، وذلك يطّرد في جميع المعاني المضمونة بالديات، إذا لحقها [نقصٌ ببعض الآفات] (٢). ولو سقطت إصبعٌ من اليد بآفة، ثم قطعها قاطع، فأرش تيك الإصبع الساقطة محطوطة من دية اليد، وهذا نقصان حاصل بآفة، ونقصان البطش حاصل بآفة، والمقصود المضمون بالدية المعنى، والجِرم [محلُّه] (٣)، ثم تمهد في المذهب أن النقصان المعنوي غير معتبر في حق الجاني، والنقصان [الحاصل في الجرم] (٤) معتبر. هذا إلى صورة أخرى: لو جرح رجل رأس رجل متلاحمة، وأتلف [اللحم] (٥)، فجاء آخر واستتم ذلك الجرح موضِحةً، [فلا يلتزم] (٦) الثاني أرش الموضِحة، [فإنه لم] (٧) يشق الشق كلَّه، بل حصل وضوح العظم بالمتلاحمة السابقة وما بعدها، فإذا آل الأمر إلى الدية، فإن أوجبنا في المتلاحمة [أرشاً] (٨) [مقدَّراً] (٩)، كما سبق في

стр. 8549

الشجاج، حططناه من أرش الموضِحة [وإن أوجبنا في] (١) المتلاحمة حكومة، حططناها عن أرش الموضحة وأوجبنا الباقي. ولو شج رجل رأس رجل متلاحمة، فالتأم الجرح واكتسى بالجلد، ولكن بقي ذلك الموضع غائراً، فلو انتحاه جانٍ وشقه إلى العظم، ففي هذا أدنى تردد؛ من حيث لم ينبت اللحم الذي مات، وإنما منتهى المتلاحمة [باقٍ] (٢) والأظهر أن حكم ذلك الجرح قد سقط، ولا حكم لما بقي فيه من [إغماض] (٣)، ولعل السبب [فيما ذكرناه] (٤) من اعتبار [الجرم] (٥) أن أثره محسوس، والمنفعة لا ضبط لها، فعسر الاعتبار فيها. وهذا فيه فضل نظر؛ فإنا إذا كنا نعتبر ما يفوت من المنفعة حتى نوجب مقدراً وحكومةً على الجاني المُعيب، فيسقط مع هذا [الاعتلالُ] (٦) بخروج المنفعة على الضبط، فإنا أوجبنا أرشاً على من يجني ويُذهب بعض المنفعة، فينبغي أن ينجرّ ذلك معتبراً في الحط عمن يجني من بعدُ، وهذا متّجهٌ جداً فيه، إذا كانت [المنافع] (٧) محدودة، كالكلام المترتب على حروف محدودة، فكان يجب أن يقال: إذا جنى جانٍ على اللسان، ولم يقطع منه شيئاًً، وأزال ربع الكلام، فلا يلتزم بعد ذلك قاطع اللسان إلا قسطاً من الدية سيّما على مذهب أبي إسحاق، فإنه يقول: سقوط بعض الكلام مع بقاء [جِرم] (٨) اللسان شَللٌ في جزءٍ من اللسان، فيلزم على هذا المساق ألا نوجب على قاطع اللسان بعد فوات ربع الكلام ديةً كاملة.

стр. 8550

١٠٦١٥ - فهذا مغاصٌ من المذهب لا يبينه إلا التفصيل، وسبيل التفصيل أن نذكر ما يتعلق بالأجرام: [فإذا] (١) فرض في جِرم العضو نقصان، لم يخل: إما أن يَسقُطَ ما له أرشٌ مقدّر من [جرم] (٢) العضو، وإما أن ينتقص ما لا يقدّر أرشُه، فأما إذا سقط ما يتقدر أرشه، فهو محطوط من أرش الباقي، ولا فرق بين أن يكون بجناية جانٍ [أو بآفة سماوية] (٣)، ومثال ذلك الأنملة إذا سقطت أو قطعت، فلو فرض قطع اليد بعد سقوطها، فالأرش الذي يقابل الأنملة يُحط [عن] (٤) قاطع اليد؛ فإن الأجزاء المقابَلة بالأروش المقدرة منسوبة إلى أصل العضو، وقد كفانا الشارع بتقدير الأرش فيه إثباته [الجزئية] (٥)، فالأصبع من اليد خمسها، والأنملة ثلث خمسها، ثم إذا ظهرت [الجزئية] (٥)، فلا مبالاة بعدها بالمنفعة وقدرها. وأما إذا [أحدث] (٦) نقصاناً لا يتعلق به أرش مقدر [كفِلْقةٍ] (٧) تبين وتنفصل من لحمة الأنملة، فهذا القسم ينقسم: فمنه ما لا يؤثر في المنفعة، والحكومة التي تجب فيه لمكان الستر، فما كان كذلك، لم يؤثر ما يتقدم منه في [تنقيص] (٨) دية العضو، حتى لو جرى ما وصفناه، ثم قطعت اليد، فعلى القاطع الديةُ الكاملة، ولا فرق بين أن يتفق ما وصفناه بآفة سماوية، وبين أن يتفق بجناية جانٍ؛ فإن العضو إذا كان باقياً، وكانت منفعته تامة لا نقصان فيها، فيستحيل أن نَحطَّ عن قاطعه شيئاًً، وكأن الذي أزاله الشَّيْن ليس من خاصية هذا العضو.

стр. 8551

وبالجملة لا التفات إلى الشَّيْن، مع بقاء المنفعة [والجرم] (١) المنتفع به. ١٠٦١٦ - فأما إذا كان ذلك النقصان يؤثر في نقصان المنفعة، ويحط [منها] (٢)، فإن جرى ما وصفناه بآفة، ثم فرض القطع بعدها، وجبت الدية الكاملة على القاطع، ولا نظر إلى ما انتقص من المنفعة؛ فإن هذا لا ينضبط، والإنسان قد يقوى في بعض الأحوال ويضعف في بعضها بأعراض وأمراض، وتَتَبُّعُ هذه الأمور عَسِرٌ، لا سبيل إلى التزامه. هذا متفق عليه. وإن اتفق نقصانُ [الجرم] (٣) مع نقصان المنفعة من جانٍ، والموجَب الحكومة، فهذا أول مراتب الاحتمال: يجوز أن يقال: لا حكم [لتلك] (٤) الحكومة في حق القاطع بعدها، كما لو فرض النقصان بآفة. ويجوز أن يقال: تلك الحكومة محطوطة من الأرش الذي يلتزمه القاطع؛ من جهة أنها حكومة في مقابلة شيء من المنفعة، فلو أثبتت الدية الكاملة على القاطع -وقد أثبتنا الحكومة على المقتصّ- فيكون ذلك تضعيفاً للغرامة في مقدار الحكومة، وتثنيةُ الغرامة بعيدة. هذا تفصيل القول في الجناية على [جرم] (٥) العضو. ١٠٦١٧ - فأما إذا كان الجرم [باقياً] (٦)، وسقط بعضُ المنفعة، لم يخل: إما أن يكون الساقط بحيث لا يتطرق إليه تقدير، فينقسم [إلى] (٧) ما يترتب على آفةٍ، وإلى ما يترتب على جناية جانٍ، [فأما] (٨) ما ترتب على آفة، فلا معتبر به، وديةُ العضو

стр. 8552

باقية بكمالها على الجاني عليه: إما [بالقطع] (١) وإما بإذهاب المنفعة. فأما إذا كان النقصان بجناية جانٍ [والقدر] (٢) خارج عن الضبط كما ذكرناه، ففي حطّ ذاك عن قاطع العضو أو عن مُذهب المنفعة ترددٌ أذكره، وهو متلقَّى من كلام المشايخ، [ولا بأس] (٣) لو نقلته وجوهاً: [يجوز] (٤) أن يقال: لا تحط الحكومة لا عن قاطعٍ، ولا عن مُذهب المنفعة. ويجوز أن يقال: الحكومة محطوطة عن القاطع، حتى لا تُثنَّى الغرامة. ويجوز أن يقال: هي محطوطة عن مُذهب المنفعة، وليست محطوطة عن قاطع العضو، والسبب فيه أن العضو إذا كان باقياً، فقد تعود [منفعتُه] ٥) إلى الكمال، وقاطع العضو يقطع الرجاء من هذا، فالدية تكمّل عليه لذلك، وأما مُذهب المنفعة، فليس كذلك، والذاهبُ بالجناية من المنفعة مقصودة. هذا إذا كان الذاهب من المنفعة غير محدود. وأما إذا كان الذاهب منها محدوداً، وجِرْم العضو باقٍ، فهو كالحروف التي هي أم الكلام، ومادة الكلم، فإذا ذهب نصفها، لم يخل: إما أن يذهب بآفة سماوية، أو بجناية جانٍ وألزمناه نصف الدية، فهذا موضع خلافٍ للأصحاب، وأبي إسحاق، فالذي ذهب إليه الجمهور أن الدية تكمّل على قاطع اللسان، وقال أبو إسحاق: لا يلزمه إلا نصفُ الدية، وحكومةٌ: النصفُ في مقابلة ما بقي من الكلام، ونصفُ [الجرم] (٦) معدود معه، والحكومةُ على مقابلة نصف الجرم على تقدير [ذهاب] (٧) الحس، وهذا الذي ذكره فقيهٌ.

стр. 8553

وهذا إذا قطع الجاني الثاني العضو. فأما إذا أذهب [بقية] (١) المنفعة، [فلا] (٢) يلزمه إلا بقيةُ الدية على خلافٍ، وهذا إذا كان زوال القدر المقدر من المنفعة بجناية جانٍ. فأما إذا سقط نصف الكلام بآفةٍ أو خُلِقَ الرجلُ كذلك، ففي هذا خلاف بين أصحابنا: منهم من قال: يجب على القاطع تمام الدية، والنقصان [الكائن] (٣) بمثابة ضَعف البطش، والسمع، والبصر، من طريق الخِلقة. ومنهم من قال: إذا تقدّر الفائت، لم يجب على الجاني كمال الدية، وحُطَّ ما يقابِل الناقص، وليس كنقص البطش والبصر؛ فإنّه لا ينضبط. هذا مجامع الكلام. ١٠٦١٨ - فإن قلنا: نحط النقصان، وكان سبب النقصان الآفة، ففي هذا فضل نظر، فإذا كان الرجل لا يحسن إلا عشرين حرفاً، ولكن كان فَطِناً متهدِّياً إلى مناظم الكلام، مستمداً من موارد اللغة، وكان يعبر بالعشرين عن جميع المعاني، ففي هذا وجهان: أحدهما - أنه في حكم الكامل؛ فإنه يعدّ ناطقاً تاماً. والثاني- أنه ناقص واقتداره على أداء المعاني ليس من كمال كلامه، وإنما هو من معرفته باللغة وذكاء قريحته، وفرط كَيْسه. ولا يبقى على من يُنْعم النظر في هذا الفصل أمرٌ خافٍ في هذا الغرض، وهو أنا ذكرنا أن نقصان المنفعة إذا لم يكن منضبطاً، وكان حصوله بآفة، فلا اعتبار به، والدية تكمّل على قاطع العضو، ومُذهب المنفعة. هذا أصلٌ طرده الأصحاب في الباب. وقد يعترض فيه الضعيف النظر الذي يمكن الحكم بسقوط معظم بصره [والفرضُ] (٤)

стр. 8554

والتصوير في البطش وغيره من المعاني، ولا ينبغي للفقيه أن يرتاع من هذا، والدية كاملة في يد الهرِم، مع القطع أنه على أقلَّ من العُشر من بطشه في [شبابه] (١)، ونقصان المنفعة بهذه الجهات كنقصان القوة الحيوانية، ومن أطبق أهلُ البصيرة على وقوعه في الموت، وصار بحَرَضٍ (٢) [وقد شخصت منه الأبصار] (٣)، وأنفاسُه تتعثر في شراسيفه، فلو حزّ جان رقبته، التزم القصاصَ أو الدية، فالمنافع إذا ضعفت، فإنها تحل هذا المحل. وقد نجز تمام الغرض في هذا الطرف، وبالله التوفيق. ١٠٦١٩ - ومما يتعلق بأصول الكلام في فصل اللسان أنه لو جنى جانٍ، على إنسان، فأذهب صوته، وكان اللسان على اعتداله منطاعاً في التقطيع والتردد في فضاء الفم، [لو] (٤) وَجَدَ صوتاً، فعلى الجاني المُذهب للصوت الديةُ. ولو كان الصوت باقياً والحروف زائلة، وذلك بسبب عجز اللسان عن تقطيع الصوت، وهو ذهاب الكلام، ففيه الدية، ولو أذهب الصوتَ، وأشل اللسان، ففي المسألة وجهان: أحدهما - لا تجب إلا دية واحدة؛ فإن الكلام هو المعني، وقد زال ولزواله سببان: أحدهما - انقطاع الصوت، والثاني - عجز اللسان. ومن أصحابنا من قال: تجب ديتان؛ للجناية على منفعتين، وليس كما لو أزال إحداهما، فإن من أزال الصوت، فعَوْد الصوت لا يعيد الكلام، والمسألة محتملة جداً. ولو صور متكلف صورة وقال: لو جنى جان على اللسان، ولم يُسقط حرفاً، ولكن صار عاجزاً عن تأليف حرف إلى حرف، ولا ينتظم الكلام إلا بتأليف الحروف؟

стр. 8555

قيل له: هذا تكلف لا يتصوّر، فإن القادر على الحروف العاقل لا يتصور أن يعجز عن نظم الحروف. وقد ظهر اختلاف أصحابنا في صورة تدنو من الأصل الذي نحن فيه وهو [أن من ولد] (١) أصمَّ، فإنه لا ينطق، وإن قوي لسانُه، من جهة أن الصبي إنما ينطلق لسانه بالنطق لتلقِّيه [ما] (٢) يسمع، فإذا كان أصم، ولم ينطق، فلو قطع قاطعٌ اللسان مِمّن هذا وصفه، ففي وجوب الدية عليه وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا تجب؛ لأنه أخرس، وهو الأبكم حقاً. والثاني - تجب الدية؛ فإن اللسان [لا نقصَ] (٣) به وسبب سقوط النطق زوال السمع. ويترتب على هذا الآن أن جانياً لو جنى على صبي قبل [مظنة] (٤) النطق وأزال سمعه، وتعذر بهذا السبب نطقُه، فإن كنا نوجب الدية على قاطع لسانه، فلا يجب على مزيل سمعه إلا دية واحدة، وإن كنا لا نوجب على قاطع لسانه دية [فالواجب إيجاب ديتين] (٥) على الجاني، [إذ جنى] (٦) على سمعه، وأفسد لسانه، ولا يعترض على ذلك أنه لم يُفسد نطقاً، إذ لم يدخل وقت النطق، لأن إفسادَ العضو [المتهيِّىء] (٧) للمنفعة إتلافُ المنفعة، ولهذا قلنا: من قلع سن من لم [يُثغر] (٨)، فلم يَنبُت سنُّه، كملت الدية على الجاني، لا من جهة [اعتدائه على السن] (٩)، ولكن من جهة إفساده [للمنبت] (١٠). ولو كان الإنسان في الخلقة مقصوم الفقار ورجلاه سليمتان، لا آفة بهما، ولو كان

стр. 8556

ذا فقارَ، [لمشى] (١) برجليه، فالميل الظاهر للأصحاب إلى إيجابِ الدية على قاطع رجلي من وصفناه، وقالوا بحسبه: لا يجب على كاسر الفقار إلا ديةٌ واحدة، ولا يلزمه ديةُ الرجلين، وإن تعطلتا. والوجه عندي تنزيل الرجلين من المقصوم فِقارُه منزلةَ اللسان ممن [ولد أصم] (٢) ولا فرق بين الأصلين. ١٠٦٢٠ - ومما فرعه الأصحاب أن من أذهب بجنايته حرفاً، فقد سبق أنه يلتزم جزءاً من ثمانية وعشرين جزءاً من الدية، فلو تعطل بالحرف الذي أذهبه [كلمة] (٣) مثل أن يذهب الميم فيتعطل بذهابه النطق لمحمد، فقد أطلق الأصحاب القولَ بأنه لا يلتزم إلا ما يخصّ حرفاً؛ فإن الحروف هي الأصول، والكلام فروعها، ولو أُلزمنا [الخرصَ] (٤) فيما ينتظم من الكلام وفيما لا ينتظم، كان ذلك إلزام [خَرْصٍ لما] (٥) لا يتناهى بالقوى [البشرية] (٦)؛ فإن جهات المناظم لا يحدها الوهم، فليقع الاعتناء بالحروف. ولكن ما يقتضيه الإنصاف على هذا [أن] (٧) لا نوجب الدية الكاملة بإذهاب عشرين حرفاً، [ممّن] (٨) لا يحسن غيرها [لكنه] (٩) ينظم بها كل [صيغة] (١٠).

стр. 8557

١٠٦٢١ - ومما ذكره الأصحاب في ذلك أن الرجل إذا كان لا ينطلق لسانه بالثاء وكان ينطق بالسين، فجنى عليه جانٍ [فأذهب] (١) مكنة السين من [أسنانه] (٢) ولكن [نطق] (٣) لسانه بالثاء، وصار يقول بدل [السين الثاء] (٤)، فقد قال العلماء: على الجاني أرش ما أذهبه، وما تجدد له من الحرف [منحةٌ] (٥) من الله تعالى، [وهنا] (٦) لا بد من النظر في شيء وهو أن الثاء [المستفادة هل تُضَمّ في التوزيع إلى الحروف التي كانت في اللسان قبل الجناية] (٧)؟ هذا موضع النظر، فليتأمله الفطن. ١٠٦٢٢ - ولو جنى على لسان إنسان، فألزم لسانَه تمتمة أو فأفأة، والتمتام هو الذي [يتردّد] (٨) في التاء، ثم ينطق [بها] (٩) آخر الشيء، فليس على الجاني -وهو أثر جنايته- إلا الحكومة؛ فإنه لم يذهب الحرفَ، بل أضعف اللسان فيه. ولو قطع الجاني فِلقةً من اللسان، ولم يسقط بسببها شيء من الكلام، فهذا يخرّج

стр. 8558

على القاعدة الممهدة في [مراعاة المنفعة أو الجرم] (١): من راعى الكلام، لم يوجب على القاطع إلا الحكومة، ومن راعى [الجِرم] (٢)، أوجب قسطاً بالنسبة إلى العضو، كما أوجبه [على] (٣) قاطع جزء من المارن [أو جزءٍ من] (٤) الحشفة، وهذا غير محبوب عند القياسين؛ فإن إيجاب قدرٍ من الدية، والمنفعةُ [بحالها] (٥) وتمامها، يلتزم إيجاب الدية الكاملة بقطع لسان الأخرس، وإن لم يؤثر القطعُ [في] (٦) إفاتة الكلام. فليتأمل الناظر ما ينتهى إليه. فلو قطع فِلْقة من لسانه واقتضى الحال إيجابَ مقدارٍ حكومةً، فلو نبتت، وعاد اللسان إلى شكله في اعتداله، فقد اختلف أئمتنا: فمنهم من نزل عَوْد اللسان إلى ما كان منزلةَ عود السن من بعد، وسيأتي شرح ذلك في فصول الأسنان، والجامع أن عود ما يقطع من اللسان [ندوره في ندور] (٧) عود السن من المثغور، وسأجمع، إن شاء الله، تفصيلاً فيما يعود، وأذكر فيه مواقع الخلاف والوفاق في النفي والإثبات. ومن أصحابنا من قطع بأن عَوْد المقطوع من اللسان لا حكم له أصلاً، وأرش الجناية لا يزول قولاً واحداً؛ لأن هذا مما يُتحدّث به ولا [يقع] (٨)، فإن فُرض، كان بالغاً في الندور، والسن على الجملة من العائدات. ١٠٦٢٣ - ومما يتعلق بتمام الفصل القول في لسان الصبيان، فالذي ذكره الأصحاب

стр. 8559

فيه أنه إذا بدا في لسان الصبي مخايل [النطق] (١) فكان يحركه تحريكاً صحيحاً بالضحك، والبكاء، والمصّ، قاللسان صحيح، والجاني عليه يلتزم الدية أو القصاص، كما يلتزم ذلك بالجناية على رجليه، قبل [أن يستقل] (٢) وينهض إذا ثبتت علامة الصحة في رجليه. فإن لم يبد في لسان الصبي مَخيلة النطق، لم نحكم بوجوب الدية حملاً على غالب الحال، [وإن] (٣) لم يتبين فيه مخيلة الخرس. وكان شيخي يقول: إن بانت [مخيلة] (٤) الخرس، فالحكومة، وإن لم تبن علامة الخرس ولا علامة النطق، فالذي قطع به الأصحاب الحكومة وإن لم تبن علامة الخرس. وكان يقول: في قلبي من هذا شيء، وليس هذا وجهاً ولا احتمالاً، فاعلموه (٥). ولو قطع بعض لسان المجني [عليه] (٦)، فبلغ حالةً لو كان جميع لسانه باقياً،

стр. 8560

لتكلم بجملة الحروف، وقد تكلم الآن بما يتكلم به البالغ، لو قطع هذا القدر من لسانه، فيجب على الجاني [ما] (١) يقابل الحروف الفائتة. ولو لم يتكلّم [بما يتكلم] (٢) به البالغ [بما] (٣) بقي من لسانه، ولو كان ناطقاً، لنطق بشيء مما بقي، فهذا علمه عند الله ظاهر في الخرس في الأصل، فالواجب الحكومة. ولو اختلف الجاني والمجني عليه، فقال الجاني: كنتَ أبكم أو أخرس، فعليّ الحكومة، واعترف المجني عليه عن نفسه بأني كنت ناطقاً، فعليك الدية، فهذا مما مهدناه في اختلاف [الجاني] (٤) والمجني عليه، فلا نعيده. فصل ١٠٦٢٤ - [الذوق] (٦) إذا أفسده الجاني بالجناية، تعلقت به الديةُ الكاملة؛ فإنه من [الحواس] (٧) العظيمة النفع، وإذا ادعى المجني عليه بطلانَ حاسة الذوق، امتحن [بأن] (٨) يُلقم الأشياء المرة الشنيعة، فإن لم يظهر عليه أثر العبوس والتكرّه ظهر صدقه، ولا بد من [تحليفه] (٩) إذا أراد الجاني، كما قدمناه (١٠). ويمكن أن يجري

стр. 8561

ما ذكرناه من الامتحان من حيث لا يشعر، فتوصف غفلاته ويلقم من حيث لا يشعر، ولا يؤخّرُ ممكنٌ في الامتحان. والحواس بجملتها شريفة، والأصحاب [مطبقون] (١) على تعليق الدية بكل واحدة (٢)، ولم يُؤثر الخلاف إلا في الشمّ [كما] (٣) تقدّم، والمذهب القطع بتعلق الدية بحاسّة الشم والخلاف في ذلك غير معتدٍّ به. فصل قال: "وفي السن خمسٌ من الإبل ... إلى آخره" (٤). ١٠٦٢٥ - الكلام في السن يتعلق بأصولٍ ونحن نقدمها ونذكر ما فيها، ثم إن شذّت فروع، أتينا بها، والله ولي التوفيق. ففي كل سنٍّ مما هنالك من الحر المسلم خمسٌ من الإبل، والأصل فيه ما روي أن رسول الله ﷺ ، قال: "في كلل سن خمس من الإبل" وهذا منقول عنه ﵇ في [كتاب] (٥) عمرو بن حزم، هذا في الكامل بالذكورة، والإسلام، والحرية، ثم نأخذ النسبة ونتخذها أصلاً في الديات كلّها، فالخمس من الإبل تقع نصفَ العُشر من المائة، فنوجب في كل [سن] (٦) إذا قُلع من صاحبها نصفَ عشر ديته.

стр. 8562

ثم إذا قَطَع الرجلُ من السن ما يظهر، وترك السِّنْخَ عليه، فلم يقلع، [نُكْمل] (١) الأرش بقطع ما يظهر، وعلّتُه أن المنفعة التي تتعلق بالسن من العضّ [والقطع] (٢) وجَمْع الريق، وغيره، كله يتعلق بما يظهر من السن، فالظاهر [من السن ينزل من] (٣) السِّنخ منزلة الأصابع من الكف، ثم من قلع السن مع السنخ، لم يستوجب إلا الأرش، كما أن [من] (٤) [أزال] (٥) الأصابع [استوجب] (٦) الدية، ولو قطع اليدين من الكوع، لم يستوجب مزيداً بسبب الكفين. وما ذكرناه متفق عليه، والتعليل في نهاية الوضوح. ١٠٦٢٦ - ولو قطع الجاني شيئاًً مماظهر من السن، فيجب فيه جزء مقدر من الأرش، ثم التوزيع يقع على الظاهر، أم على السن والسنخ؟ ولا شك أن الأمر يتفاوت تفاوتاً ظاهراً بيّناً، قالمقطوع لو نسب إلى الظاهر من السن، فقد يكون نصفَه، ولو نسب إلى السن [مع] (٧) أصله وسنخه، فقد يكون ثلثاً، أو ربعاً، فكيف السبيل في ذلك؟ فعلى وجهين مشهورين: أظهرهما -وهو الذي لا يتوجه غيره- أن التوزيع يقع على ما يظهر؛ فإنا إذا كنا نكمل الديةَ في الظاهر، فالذي يقتضيه القياس الحقُّ أن نوجب نصف الدية في نصف ما ظهر، وهذا كما أنا إذا كمّلنا الدية في الأصابع، فنوجب في بعضها بنسبة الأصابع، ولا ننسب موجب بعضها إلى الكف. والوجه الثاني - أنا نوجب في المقطوع من السن بنسبته إلى جميع السن مع السِّنخ؛ فإنه لو قلع السن مع السنخ، لم نوجب فيه إلا الأرش، فالسنخ في هذا الوجه متّحدٌ

стр. 8563

مع السن، فليقع التوزيع عليه، وليس ما ظهر من السن مع السنخ بمثابة الأصابع مع الكف في المعنى الذي [نحن] (١) فيه؛ فإن سنخ السن متصل مع الظاهر منه اتصال اتحاد، فهو أصل، ولا ينفصل ما يظهر مما يبطُن إلا بالظهور والبطون فحسب، والأصابع منفصلة عن الكف بمفاصلها؛ حتى كأنها منفصلة عنها خِلْقة، ثم هي مربوطة بالكف بالرُّبُط والأعصاب، وأيضاًً ففي كل إصبع أرش مقدر معلومٌ، وكل إصبع منقسم إلى أناملها: ففي كل أنملة منها [أرشٌ] (٢) مقدّرٌ معلوم، ولا مشابهة في المعنى الذي نحن فيه بين الظاهر والسنخ وبين الأصابع والكف. نعم، الكف إذا انبتّت مع الأصابع، لم تفرد بمزيد؛ لأن منفعتها الظاهرة أنها مَرْكَب للأصابع، وبها استقلال الأصابع، فاقتضى هذا فيها معنى التبعية إذا قطعت، كما أن السنخ مَرْكب الظاهر منه. ولو قيل لمن [يتخير] (٣) التوزيع على السنخ: لم أوجبتَ تمامَ الأرش في الظاهر، ثم وزّعت على الجميع؟ فهذا [تعييرٌ] (٤) لا ينقدح له جواب شاف فيه، ولهذا كان الأصح الوجه الأول. والممكن في الجواب أنه إذا قلع جميع ما ظهر، فقد ظهر المقصود، ولم يبق في السنخ منفعة بها مبالاة، فكمل الأرش في الظاهر، فإذا قطع بعض الظاهر، فالسنخ حافظه وحامله، فأمكن أن يقال: يقع التوزيع على ما بقي وعلى السنخ؛ فإن المنافع تتواصل عند بقاء البعض، فالتوزيع يقع على هذا [النحو] (٥) وإذا سقط جميع ما ظهر تتعطل منفعة السنخ بالكلية، هذا هو الممكن في توجيه هذا الوجه. ١٠٦٢٧ - ثم ألحق أئمتنا بما ذكرناه صوراً، ونحن نأتي بها مرسلة، ثم ندرّجها في ترتيب وضبط: ففي الحشفة الدية الكاملة، ولو استوعب الذكرَ قطعاً من أصله، لم

стр. 8564

تجب إلا الدية، ولو قطع [جزئية] (١) من الحشفة، وجب بعض الدية، ثم التوزيع على الحشفة أو على الذكر من أصله؟ فعلى الوجهين المذكورين في السن والسنخ. ومما ألحقه الأصحاب بما ذكرناه أن [الحلمة من الثديين] (٢)، يكمل فيها الموجب، ولو قطع بعض [الحلمة] (٣)، فالتوزيع على الحلمة أم على جميع [الثديين] (٤)؟ فعلى وجهين. والصور [تجتمع] (٥) في أن [أجزاء] (٦) العضو متواصلة في الخلقة، وفي أن القطع لو وقع من الأصل، لما وجب أكثر من الدية، أو [الأرش] (٧) المقدر المعلوم، ثم في القطع [للجزء] (٨) الخلافُ الذي ذكرناه. ولو قطع أنف رجل مع القصبة، ففي إيجاب مزيد على الدية بسبب القصبة خلاف حكيته، ولا خلاف أن الدية تكمل في المارن نفسه، فإذا قطع بعضاً من المارن؛ فإن رأينا إفراد القصبة بمزيدٍ [لو] (٩) قطع الجميع، فلا شك أن توزيع المقطوع من المارن يقع على المارن نفسه فحسب، وإن قلنا: لو قطع الأنف كله، فليس في القصبة مزيد، فإذا قُطع من المارن شيء، فالتوزيع على [الكل أَمْ] (١٠) على المارن؟ فعلى وجهين كما ذكرناه في السن والذِّكر [والثديين] (١١). فإن بانت المسائل، فالأصح في جميعها التوزيع على المقدار الذي تكمل الدية [فيه] (١٢).

стр. 8565

ثم هي مع ذلك مرتبة، فالوجه الأضعف في مسألة السن أثبت؛ فإن السنخ له اتصال عظيم، حتى إن منفعته تتعطل بقطع الظاهر. وما وراء الحشفة له استقلال وانفراد، وفيه انتفاع ظاهر، فكانت الحشفة أولى بأن تفرد بنفسها، ويقع توزيع جزئها عليها لا على الذكر كله؛ فإن انفراد ما وراء الحشفة بالمنفعة يوجب استقلاله بنفسه، وعدم اعتبار الحشفة به. وكذلك [الحلمة مع الثديين] (١). وأبعد هذه المسائل في الوجه البعيد الأرنبة (٢) مع القصبة، فلهذا اختلف الأصحاب في أن جميع الأنف لو قطع هل يجب في القصبة مزيد. هذا بيان هذا الأصل بما فيه. ١٠٦٢٨ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك في السن - أن القاضي حكى عن نص الشافعي: أن من قطع بعض السن -[ونزله] (٣) على ما تقدم [من] (٤) اختلاف الأصحاب-[فبقي] (٥) من الظاهر بعضُه، فلو قلع قالع ما بقي مع سنخه، قال الشافعي: "ويفرد السنخ في هذه الصورة بحكومة، [فيلزمه] (٦) في السنخ حكومة على حيالها؛ والسبب في هذا أنا لو أسقطنا حكومة السنخ، لكنا أتبعناه بعضَ السن، والسنخ يتبع جميع الظاهر، وقد فرض قطع بعض السن في الصورة التي ذكرناها" (٧).

стр. 8566

هذا هو النص وتوجيهه ما ذكرناه. ويتجه فيه [أخذاً] (١) من فحوى كلام الأصحاب وجهان آخران سوى ما ذكرناه منصوصان: أحدهما - أن السنخ لا يفرد بشيء، فإنه مركب ما بقي، وسنخه يتبعه، كما يتبع الجميع لو فرض القلع في الجميع، وهذا متجه. والثاني - أنه يسقط منه مقدار ويثبت مقدار، وبيانه أن الذي قطع من السن هو النصف مثلاً، [فيستقر] (٢) على مقابلته نصف حكومة السنخ، فإذا قطع الثاني، سقط نصف الحكومة، واستقر نصفها فتوزع حكومة السنخ على ما طع أولاً، وعلى ما قلع مع الباقي من الظاهر. ومما يجب الإحاطة به أن من قطع [ظاهر] (٣) السن، ثم قلع السنخ متصلاً أو منفصلاً، فالسنخ يفرد بالحكومة في هذه الصورة، كما أنه فرض مثل ذلك في لقط الأصابع أولاً، ثم رتب قطع الكف على اللقط. ولو قطع من الحشفة مقداراً، وجب فيه ما تقدم، فلو قطع ثانٍ الذكرَ من أصله، ففي إفراد ما وراء الحشفة بالحكومة من الخلاف ما في السنخ، إذا سبق القطع في بعض السن، فهذا بيان أصلٍ واحد في أحكام السن. ١٠٦٢٩ - الأصل الثاني - الكلام في تفصيل المثغور وغير المثغور، وهذا من أعظم الأركان في الفصل، فنقول: من قلع سنَّ صبي لم يُثغر سنه، فلا نعجل في إيجاب شيء ونتأمل ما سيكون؛ فإن السن سيعود غالباًً، فإن عاد السن من غير نقص، لم يتجه على القاطع ديةٌ ولا قصاص، ونظر: فإن لم يبق [شينٌ] (٤) ولا أثر للقلع السابق، فهل يجب على القاطع شيء أم لا؟ فعلى وجهين سيأتي أصلُهما، والنظائرُ التي يجري الوجهان فيها.

стр. 8567

ثم إذا أوجبنا شيئاًً، ولا شَيْن، ولا أثر، ففي مقداره واعتباره كلامٌ سيأتي مشروحاًً في باب الحكومات، إن شاء الله . وإن بقي شينٌ، فلا شك [في إيجاب] (١) الحكومة، وتفصيلُ القول في الحكومة بين أيدينا. وإن لم يعد السن، فقد بان [أن] (٢) القلع أفسد المنبت، فيجب فيه أرش كامل. وألحق معظم الأصحاب القول بأنه يجب القصاص على القالع في هذه الصورة إذا تبين فساد المنبت، فنقلع [سنّاً] (٣) من القالع -وإن كان مثغوراً- بهذا السن الذي لم يعد. هكذا أورده القاضي وغيره من الأئمة. وفي القلب من إيجاب القصاص [شيء] (٤)؛ فإن الدية إنما تكمّل إذا لم يَعُد السن الذي لم يثغر، [لما] (٥) ذكرناه من إفساد المنبت، وكأن [عين] (٦) السن الذي لم يثغر لا تتعلق به الدية حتى ينضم إلى تلفه إفساد المنبت، وعين السن من المثغور عضو قصاص، فمقابلته بإفساد المنبت لا تتجه. وقد رأيت في تصرف المذهب [ما يسوّغّ لي] (٧) التوقفَ في إيجاب القصاص. فأما الأرش، فلا شك أنه يكمل إذا لم يعد السن. ولو طالت المدة في ارتقاب عوْد السن الذي لم يثغر، فأوجبنا الأرش، ثم عاد، نسترد الأرشَ قولاً واحداً، ولا يدخل هذا في القولين في عود سن المثغور وهذا واضح.

стр. 8568

١٠٦٣٠ - فأما إذا قطع سناً مثغوراً والقالع مثله، فلا شك في وجوب القصاص في الحال، والدية تكمل، يعني الأرش المقدّر، فلا توقف؛ فإن الأسنان المثغورة يندر عودها بعد القلع؛ فلا توقف إذاً فيها. [هذا] (١) أصل المذهب، ثم يبتدىء التفريع: فإذا عاد السن من المجني عليه، والسن مثغور، وكان العود بعد تقديم الجاني الأرش، فهل نسترد الأرش ن المجني عليه أم لا؟ فعلى قولين منصوصين: أحدهما - أنا لا نسترد، فإن العوْد نادر، والنادر لا حكم له، والعائد نعمةٌ جديدة من الله تعالى، وقد تمت الجناية واستقر موجَبها فلا نُغيّر حكمَها بخلق جديد، ونعمة حادثة من الله تعالى وتقدّس. وهذا اختيار المزني. والقول الثاني - أنا نسترد الأرش، إن السن على الجملة يفرض عود جنسه على الجملة، فإذا تحقق العود، كان كما لو لم يسقط أصلاً، نادراً كان أو معتاداً. والكلام ينبسط الآن بعض الانبساط، فالوجه أن نذكر ما يليق بهذا الموضع في تمهيد الأصل، وذكر النظائر، والإشارة إلى محل الوفاق والخلاف، ثم نعود بعد ذلك إلى تفريع القولين في الأسنان، والله المستعان. ١٠٦٣١ - فنقول: من جنى على إنسان، فصار لا يبصر أصلاً، وربما يقتضي الحال الديةَ، لغلبة الظن في أن البصر زائل، فإذا غرّمنا الجاني [الدية] (٢)، ثم أبصر المجني عليه، فلا خلاف أن الدية [مستردّة] (٣)، وقد بان أن البصر لم يزل، وإنما حدئت غشاوة [أو طرأ مانع ثم زال] (٤). هذا ما عليه بناء الفقه، فلا التفات إلى [التعمق واسترسال] (٥) الكلام.

стр. 8569

ولو جنى جانٍ، فجرى الماء إلى [إنسان العين] (١) فقُدح (٢) الموضع، وزال الماء، وأبصر من عليه الجناية، فالدية مستردة، كما ذكرناه. وكذلك القول في إزالة لطيفة السمع في الظن وتقدير السلامة بعد ذلك؛ فإن هذه المعاني إن زالت، لم تعد أصلاً، وإنما تحدث موانع [ظهورها] (٣)، ثم تزول، وما ذكرناه جارٍ في الحواس [كلّها] (٤). ولو جنى جارٍ، فأذهب بطشَ اليد من المجني عليه، واقتضى الحال إلزام الدية [فأبلّت] (٥) اليد، وعاد البطش. [فهذا] (٦) كالإبصار بعد وقوع لحيلولة، هكذا ذكر الأئمة وهو مقطوع [به] (٧)؛ فإن الأعضاء إذا يبست [أعصابها، وفسد حسها لا تعود، وهو الشلل تحقيقاًً] (٨)، وفيه الدية، وإذا أتاها الخلل، وزال البطش من الدماغ، ثم زالت آفةٌ كانت، وانجلت شدّةٌ وقعت، وكانت مانعة من نفوذ القوة إلى الأعضاء، فهذا كالإبصار بعد امتناعه. فانتظم مما ذكرناه أن المعاني بجملتها إذا فرض العود فيها تسمية وإطلاقاً، فذاك ليس بعَوْد، ولكنا نتبين أنها لم تزُل، وإنما وقعت حوائل وموانع، ثم زال المانع، والمعاني بحالها. ومن ذلك العقل؛ فإن من جنى على إنسان، فجُنّ المجني عليه، ثم أفاق وعقل،

стр. 8570

فنسترد [الدية] (١) إن كنا [أخذناها] (٢)، فقد جرى القول فيها على [ما تمهد] (٣). ١٠٦٣٢ - ثم يقابل هذا القسمَ الذي ذكرناه معارضٌ على حكم المخالفة والمناقضة، فنقول: من أوضح رأس رجلٍ، توجه القصاص أو الأرش، فلو التحم الجرح واكتسى باللحم والجلد، فقد رأيت الأئمة متفقين على أن الأرش لا يُسترد، قولاً واحداً، وحكم الجناية لا يزول بما فرض من الالتحام؛ والسبب فيه أن المرعي في الإيضاح حصول الاسم، ولذلك لم نفرِّق بين الموضِحة الصغيرة وبين الكبيرة التي تستوعب الرأس بالإيضاح، وقد تحقق الاسم، فاستقرت التسمية. ثم الالتحام أمرٌ جديد، ولحم حادث أنبته الله تعالى وتقدس، والذي يحقق ذلك ويوضّحه أن الالتحام في الموضِحة معتاد غير نادر، فلو كان مسقطاً للأرش [مغيِّراً] (٤) لأمر القصاص، لأجريناه جَرْي السن الذي لم يثغر؛ حتى لا نعلِّق به -عند الالتحام- قوداً ولا دية، [وربطنا] (٥) الأرش بما إذا برز العظمُ وبقي [ظاهراً يُنظر] (٦)، وهذا غير واقع، وفيه حسم السبيل إلى موجَب الشِّجاج. وتمام الغرض في هذا أن سن الصبي يسقط لا محالة في [زمن] (٧) قريب، وإذا قلع ثم عاد، كان ذلك بمثابة استعجال في السقوط، وكان إليه مصيره لو ترك، وجلدة الرأس لا تسقط، فإذا تحقق الاسم، فلا ننظر إلى ما يقع بعده من الالتحام، والمعاني إذا قيل: عادت، تبيّنّا أنها لم تزُل، وهذا لا يتحقق في الموضحة، فإنها واقعة قطعاً، ثم كما يغلب التحامها من المجني عليه، فكذلك يغلب في المقتص منه. ويلتحق بهذا القسم أن الجائفة إذا التحمت [وانسدّت] (٨)، فالذي قطع به

стр. 8571

الأصحاب أن حكمها لا يزول؛ فإن المعول فيها على الاسم، كما أن المعول في الموضِحة على الاسم، وقد ذكر صاحب التقريب في الجائفة إذا التحمت وانسدت وجهين: أحدهما - أن حكمها لا يزول كالموضِحة، والثاني - أن حكمها يزول، وهذا وجهٌ ضعيف، لا اتجاه له على الوجه المحكي. ١٠٦٣٣ - والذي عندي فيه أن ما ذكره فيه إذا وصلت الجائفة إلى الباطن بسكين أو غيره، ولم يزُل اللحم من البين، وإنما وُجد [خرق] (١)، ثم التحم من بعدُ. وهذا فيه احتمال؛ فإن الخرق قد زال، من حيث حدث من غير زيادة لحم لم تكن، وعندي أنه لو فرض مثل ذلك في الموضِحة، بأن غرز الجاني إبرة، وقرع العظمَ بها، فهذا إيضاح، فلو ارتتق مثل هذا الجرح واللحم، فالذي أراه طردُ الوجهين في هذه الصورة؛ إذ لا يجوز أن يعتقد الفرق بين الموضِحة وبين الجائفة أصلاً. ولكن الذي يجب اعتماده في ترتيب المذهب أنه إذا زال اللحم، وحصلت الجراحة الموجبة للأرش في الشجاج أو الجوائف، ثم فرض زوال الجرح بنبات لحمٍ جديد، فالأرش لا يسترد أصلاً، وإن وجد خرق [محدَّد] (٢) في النوعين من غير إزالة لحم، ثم قدر التحامٌ من غير لحم جديد، ففيه الوجهان في الموضحة والجائفة جميعاً. فهذا بيان هذا الطرف، وبين الطرفين عَوْد السن المثغور، وفيه القولان، والفرق بينه وبين الموضحة أن المتبع في الموضحة الاسمُ، كما تقدم ذكره، وقد جرى في جنس السن ما يجب القطع فيه بسقوط الأرش، وهو عوْد سن من لم يثغر سنه، والمثغور من جنس ما لم يثغر، فهذا هو أحد القولين. وإلا فالقياس الحق أن ما يحدث من خلقٍ جديد لا يغيّر حكم الجناية السّابقة، ولكن اعترض في الأسنان ما ذكرناه في السن الذي لم يُثغر.

стр. 8572

فهذا بيان التغايير التي تحدث بعد الجناية. ١٠٦٣٤ - ثم إن المزني اختار أن عود السن المثغور لا حكم له، وهو نعمة جديدة من الله تعالى، واحتج في نظره ذلك بأن من قطع لسان إنسان، ثم عاد ونبت، فما وجب لا يسقط، فليكن عود السن المثغور كذلك (١). وقد اختلف أصحابنا على طريقين فيما ذكر: فذهب الأكثرون إلى أحد القولين في عود اللسان، وهذا إن كان يتصور، فإنما يتصور في قطع فلقة من جانب من اللسان، وهو بعيد في التصوّر أيضاً. ومن أصحابنا من سلم للمزني ما ذكره، وقال: إنما قلنا في السن المثغور ما قلناه اعتباراً بالسن الذي لم يُثغر، وليس في اللسان ما يناظر السن الذي لم يثغر؛ حتى نلحقَ اللسان به، فأجرينا القياس في اللسان، وفي الأسنان ما ذكرناه من السن الذي لم يثغر. فهذا منتهى القول في هذه التقاسيم، والله أعلم. ١٠٦٣٥ - وقد عاد بنا الكلام إلى التفريع على القولين في السن المثغور، فنفرض صوراً، ونفرع حكمها على القولين، فنقول: وصفنا القولين فيه إذا قلع السن ممن ثُغر [فغرم] (٢) الأرش، ثم عاد السن من المجني عليه، ففي استرداد الأرش ما ذكرناه من القولين. ولو اقتصصنا من الجاني، فعاد سنُّ المجني عليه بعد الاقتصاص، ولم يعد سن الجاني، فالمذهب أن القولين يفرعان، [فيقال] (٣) فيهما: إن قلنا: لا حكم لعود السن، فلا ننظر إلى العود، وقد جرى القصاص بحقٍّ، وإن أثبتنا للعود حكماً، فيغرم المجني عليه للجاني الذي اقتص منه أرش سنه الذي قلعه في ظاهر الأمر قصاصاً. وحكى صاحب التقريب عن أبي الطيب بن سلمة من أئمتنا أنه قال: لا يجب على

стр. 8573

المجني عليه شيء في هذه المسألة؛ وذلك أنه إذا غرم الجاني الأرشَ، فردُّ الأرش ممكن [عند] (١) عود السن، فأما إذا اقتص الجاني، فهذا لا يمكن ردّه، فلا تتعلق به [تبعة] (٢)، وهذا غلط صريح في القول الذي عليه نفرع، [فسنّ] (٣) المجني عليه إذا عاد، فقد بان أن قلع سن الجاني الذي قلعه على ظنّ القصاص، [لم يكن بحق] (٤). [وقد] (٥) ذكرنا عوْدَ سن المجني عليه، وقد [غرم] (٦) الجاني الأرش [وإن] (٧) فرض الاقتصاص منه. ١٠٦٣٦ - ونحن نصوّر الآن عود السن في الجاني، فنقول: إذا اقتصصنا من الجاني، وقلعنا سنه الذي قلعه من المجني عليه، فعاد سنه، فهذا يتفرع على أصل القولين في العود: فإن قلنا: السن الحادث نعمةٌ جديدة، فلا [يتغير] (٨) به حكم، وقد جرى الاقتصاص على وجهه، ولا أثر للعود المفروض. وإن جعلنا للعوْد حكماً، فقد ذكر العراقيون وجهين: في أنا هل نقتص منه مرة أخرى؟ أحدهما - أنا نقلع سنه مرة أخرى، ولا نزال نفعل ذلك إذا كان السن يعود، ولا نبالي وإن قلعنا مائة مرة، وذلك أن القصاص في التحقيق إنما يجري لإفساد المنبت، [فما لم] (٩) يحصل لا يكون ما يجري اقتصاصاً. والوجه الثاني -وهو الذي قطع به الأئمة المراوزة- أنا لا نقلع سنه مرة أخرى؛ فإن القصاص عقوبة مع مجازاةٍ لعدوان، والمماثلة مرعية في القصاص. وهذا سرف عظيم ومجاوزة حدّ، فإذا نبت سنه، فقد فات الاقتصاص، [والجاني

стр. 8574

يغرَم للمجني عليه] (١) أرش سنه، وكأن الاقتصاص لم يجر، وتعذر [بسبب] (٢) من الأسباب. ولو قلع سنّه جانياً، فقلعنا سنّ الجاني قصاصاًً، فعاد سنهما جميعاً، فإن لم نجعل للعود حكماً، فقد تمت الجناية، وتمّ القصاص. وإن جعلنا للعَوْد حكماً، فنقول: لما عاد سن المجني عليه، فنقول: كأنه لم يقلع، وإذا عاد سن الجاني، فنقول: كأنه لم يقتص منه، فيتفاصلان ولا طلبة لواحد منهما في أصل السن، وهذا من بدائع التفاريع؛ [فإنا قد فرعنا] (٣) على قولين مختلفين، فأفضى التفريع عليهما إلى مقصود واحد، فإنا إن قلنا: لا حكم للعود، فلا [تداعي] (٤) بينهما، وقد تمت الجناية، وتم القصاص. وإن قلنا: للعود حكم، فكأن الجناية في أصلها لم تجرِ، وكأن الاقتصاص لم يجر. والله أعلم. ومما نذكره في التفريع: أنا إذا لم نجعل لعود السن حكماً، فنقول: إذا جنى فقلع سناً، فإنا نبتدر ونقتص من الجاني، أو نغرّمه الأرش، ولا ننتظر أمراً؛ فإن أقصى ما يفرض عود السن ولا أثر له. وإن قلنا: عود السن يؤثر، فهل نتوقف وننتظر العود، أم كيف السبيل فيه؟ ادعى المزني لما اختار أن عود السن لا حكم له أنا لا ننتظر، واحتج بذلك قائلاً: لو كان على عود السن معول، لانتظرناه، كما [نفعل] (٥) ذلك في الذي لم يثغر. فذهب معظم الأئمة إلى أنا نخرّج الانتظار على القولين: فإن قلنا: يتغير الحكم بعود السن، فلا بد من الانتظار، وهذا هو القياس الحق، ثم الرجوع في مدة

стр. 8575

الانتظار [إلى] (١) مدة عود سن الصبي الذي لم يثغر. ومن أصحابنا من وافق المزني في الذي ذكره وقال: إنا لا ننتظر العود لأنه إن وقع، فهو نادر جداً، فلا وجه لانتظار النوادر، وإنما يتعلق انتظار العقلاء بما لا يستبعد، والزائد عليه أنا لو انتظرنا مدة، فلن ينقطع توقع العود وإن طالت المدة، فالوجه قطع الانتظار أولاً، ثم إن اتفق عودٌ، أجرينا ما حكمنا فيه على ما يقتضيه القياس. وقد انتجز غرضنا في هذا الأصل. ١٠٦٣٧ - ومن الأصول الكلامُ في أن الأسنان إذا استوعبت قلعاً، وزادت أروشها على مقدار الدية، فكيف الوجه؟ قال الشافعي ﵁: "والضرس سن وإنما سمي ضرساً" [فجملة] (٢) الأسنان على الاعتبار الغالب في الفطرة اثنان وثلاثون: أربع ثنايا: ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل. وأربع رَباعيات، فوق وأسفل، وأربعة [أنياب] (٣)، كما ذكرنا، [وأربعة نواجذ] (٤) وأربع ضواحك، واثنتا عشرة طواحين، وهي التي تسمى الأضراس، وهذه الأسنان، وإن كانت [متفاوتة فيما] (٥) يتعلق بها من المنفعة، فهي متساوية في الأروش، ففي كل سن منها خمس من الإبل، إذا كمَّل المجني عليه [قلعها] (٦)، كما تقدم ذلك، وهو [كالأصابع فإنها] (٧) متفاوتة في الصورة، والطول، والقصر، والمنافع، وأروشها متساوية، وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: "الأسنان سواء والأصابع سواء والثنية كالضرس: هذه كهذه" (٨).

стр. 8576

ثم قال الأئمة في هذا المنتهى: الغالب أن الثنايا تكون أطول من الرَّباعيات، فإن كان ثنايا بعض الناس مثل الرَّباعيات أو أقصر منها، فكيف الحكم؟ ما ذهب إليه الأكثرون أنه لا يجب في الثنية والحالة هذه تمام الأرش، كما إذا كانت الإصبع الوسطى مثل المسبِّحة، فلا يجب فيها تمام دية إصبع، [ولذلك] (١) يجب [في] (٢) الثنية مقدار من الأرش: فنقدر الطول الذي كان ينبغي أن يكون، ويتوزع الأرش، ويسقط في مقابله ما عدمنا مقدارَه، ويبقى مقدار الباقي، وفي بعض التصانيف أنا نوجب فيه حكومة، وهذا غلط إلا أن يريد بها البعض على القياس الذي ذكرناه. وكان يحتمل أن يجب تمام الأرش، وفي كلام الأئمة رمزٌ إليه، ووجهه أن زيادة الثنايا [ليست] (٣) مطردة؛ حتى يقال: خلافُه خارج عن عادة الخلقة، والناس على تفاوت عظيم في خلقة الأسنان، وليس كذلك الأصابع، على أني سأذكر في الأصابع إذا انتهيت إليه ما ينبغي. ١٠٦٣٨ - ثم نتكلم بعد هذا في استيعاب الأسنان في القلع، وتعدد أروشها، فنقول أولاً: إذا قلع الجاني سناً، وتركه حتى برأ واندمل، وزال أثر الجناية، ثم قلع سناً آخر، ثم هكذا إلى استيعاب الأسنان، فهاهنا نوجب في كل سن خمساً من الإبل. [ولو] (٤) اشترك جماعة، فقلع كل واحد منهم سناً [أو واحدٌ عشرين] (٥)، وقلع

стр. 8577

الآخر الباقي، فيجب على كل واحد [منهم] (١) الأروش بكمالها؛ فإنه لا يختص كل واحد [بأكثر] (٢) من الدية، وهذا [نهايتها] (٣)، [ولو قلع قوم] (٤) كل واحد سناً (٥)، وكذلك إن قلع سناً، وغرم أرشه، وقلع آخرَ وغرم [أرشه] وهكذا، (٦) حتى استوفى الأسنان، فالأروش تثبت، [وإن] (٧) زادت على الدية هذه صورة وحكى الأئمة الوفاق في وجوب تمام الأروش فيها (٨). ولو جنى جناية أسقط فيها جميع الأسنان دفعة واحدة، فهل نوجب الأروش بكمالها، أم لا نزيد على ديةٍ واحدة؟ فعلى قولين: أصحهما - أنا نوجب الأروش، وإن زادت على الدية، وهذا هو القياس. والثاني - أنه لا يجب أكثر من دية واحدة؛ فإنها [أعدادٌ متقابلة متعاونة على العمل كالأصابع] (٩) وهذا [لا يستدّ] (١٠) مع أن الأروش تزيد في الصور التي ذكرناها.

стр. 8578

ولو قلع جانٍ واحدٌ، فقلع الأسنان واحداً واحداً، ولم يتخلل اندمالٌ، ولا غرامةُ أرش، ففي هذه الصورة طريقان: أحدهما - القطع بإيجاب الأروش بالغةً [ما بلغت] (١)؛ لتعدّد الأفعال وترتبها. والثانية - أن المسألة تخرّج على القولين اللذين ذكرناهما. ١٠٦٣٩ - ومن الأصول في الأسنان أن اللحيين فيهما دية كاملة، وهي من مباني البدن، ولا يخفى ظهور وقعهما ومنفعتهما وعِظم أثرهما. ثم قال الشافعي ﵁: "الأسنان العليا في عظم الرأس، والسفلى في اللحيين" (٢) وقصد بذلك التعرض [لأرش اللحيين] (٣)، وهو أن من قلع لحيي شخص، وألزمناه الدية، فهل تلزمه أروش الأسنان مع دية اللحيين؟ فعلى وجهين: أحدها - أنها تتبع؛ فإن المتركب على الشيء إذا قُلع مع أصله، لم يفرد كل واحدٍ منهما بأرش الانفراد، والأقيس إثبات الأروش مع دية اللحيين (٤). ١٠٦٤٠ - إذا ضرب سنَّ إنسان فاسودّ، فقد اختلف نصّ الشافعي فيه، فقال في موضعٍ: "يلتزم الحكومة" [وقال في موضع يلتزم عقلها] (٥)، فقال المزني: أجعل المسألة على قولين، واختار إيجاب الحكومة، واحتج بأن منفعة السن باقية: من القطع والمضغ وغيرهما (٦). فقال الأئمة: ليست المسألة على قولين، بل النصان منزلان على حالين: فحيث

стр. 8579

أوجب الدية أراد إذا سقطت منفعة السن، وحيث أوجب الحكومة أراد إذا لم تسقط منفعتها. وفيما [ذكروه] (١) نظر وبحث، فنقول: إن كان يتأتى المضغ والقطع ولم يحدث إلا اسوداد، فلا يلزم إلا الحكومة، وإن كان لا يتأتى بالسن ما ذكرناه، فربما [يتعذر بسببه] (٢) الانتفاعُ [بما عداه، فقد سقطت] (٣) المنفعة، وبقاء الجرم [لا ينافي] (٤) وجوب الأروش، كما لو ضرب يداً، فأشلها. [وإن اخضرّت السن أو انتبرت، وتقلقلت] (٥)، وبان أنه من آثار الجناية، فإذا سقط، وجب الأرش في سقوط العضو [على] (٦) ما تقدم ذكره. وإن كان يتأتى به القطع والمضغ ولكن على ضعف، فهذا بمثابة ما لو ضرب يد إنسان فأضعفها ولم تسقط منفعتها بالكليّة، فتجب الحكومة، ثم الحكومة على قدر ما فات، ولا سبيل إلى [التقدير] (٧)، فإنه لا ينضبط ما فات وبقي على وجهٍ لا يتأتى فيه [شبهة] (٨) من جهة التقدير، فإذا لم [يتقدّر] (٩) ما فات، لم يتأت تعبير عن [عوضه] (١٠)، فأثبتنا الحكومة صادرةً عن النظر والاجتهاد، فهذا جميع ما يتعلق بهذا. فالاسوداد المجرد لا يوجب الأرش بكماله. نعم، يتعلق به الحكومة، وستأتي أصول الحكومة، إن شاء الله .

стр. 8580

ثم حيث أوجبنا على الجاني حكومة، فلو جنى جانٍ وقلع ذلك السن، قال الأصحاب: على قالعه أرشٌ كامل، وإن أوجبنا على الجاني الأول أرشاً كاملاً، فنوجب على القالع حكومة، وهذا بيّن عند الأصحاب في الأصول. ١٠٦٤١ - وفيه نظر عندي وبحثٌ: فإن من نَقَصَ (١) السنَّ وأزال بعضَ منفعته، فالذي يضمنه في مقابلة ما أزاله -إذا ضمن- شيءٌ (٢) من المنفعة، [فالقول] (٣) بإيجاب تمام الأرش قد يُشكل على الناظر؛ وهذا السؤال قد يتجه فيما إذا جنى على يد إنسان، فأضعفها، وضمن الحكومة، ثم يترتب على ما ذكرته من الإشكال أمر القصاص، وقد قال الأئمة: في الصورة التي انتهينا إليها: لو قلع قالع ذلك السن، أو قطع تلك اليد فيلزمه القصاص، واليد الكاملةُ لا تقطع إلا بيدٍ كاملة. فنقول: إذا ضعفت اليد خلقةً، أو ضعف السن، [فلا] (٤) إشكال في إتمام الأرش على الجاني، فإنا لَوْ لم نقل هذا، لوقعنا في عَماية لا تنجلي، فإن [أفراد] (٥) منافع الأعضاء لا تدخل تحت الضبط، فيكفي في إكمال أبدالها كمال الخلقة صورةً، وثبوتُ المنفعة على الجملة، ولا نظر إلى قدر المنفعة. هذا في الضعف الذي يكون من [طريق] (٦) الخلقة ويستوي فيما ذكرناه الأصلي والطارىء إذا كان من طريق الخلقة، من غير فرض جنايةٍ وضمان. فإذا فرض النقصان بجناية، وفرض الضمان، ففيه الإشكال، فإن [قيل] (٧) [الفائت] (٨) مضمون، فإذا وجب تمام الأرش، فهذا يتضمن تضعيف الضمان في القدر الذي تعلق الضمان الأول به. قلنا: الأمر كذلك، ولكن سرّ الحكومة أنا
следующие страницы →