← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

هذا قولنا في اليد الشلاء، وما في معناها. ثم واجب [اليد] (١) الشلاء لا يبلغ ديةَ يدٍ، ولا يبعد أن يزيد على دية إصبع، فإنا فرضنا الشلل في الأصابع والكف، فليقع اعتبارها بجملة دية اليد. وفي الكف التي لا أصابع عليها حكومة، واختلف أصحابنا في أنها تُحَط عن دية إصبع، أو تحط عن دية يد، فمنهم من قال: هي محطوطة عن دية إصبع، وهذا هو الأظهر (٢)، والكفان محطوطتان عن ديتي أصبعين، ومنهم من قال: حكومتها محطوطة عن دية يدٍ؛ فإن غَنَاءَها ومنفعتها تزيد على منفعة إصبع دفعاً وأخذاً وقبضاً. ١٠٦٧٣ - والشعورُ بجملتها إذا أفسدت منابتها، ففيها الحكومات؛ خلافاً لأبي حنيفة (٣). ثم بيان أقدار الحكومات ما ذكرناه. وإذا أزال لونَ عضو بأن ضربه، فاسودّ أو اخضرّ، فموجبه الحكومة، ومذهبنا أن المعتمد في إيجاب الأروش المقدرة المنافعُ على الجملة، ثم لا تتعلق أيضاً بكل منفعة، فأما الجمال المحض إذا أزيل، فلا يتعلق بإزالته أرشٌ مقدر، وأبو حنيفة قد يعتمد الجمال المحضَ في إيجاب الدية، وهذا معتمده في إيجاب الديات في صنوف من الشعور. ١٠٦٧٤ - ومما يغمض في أصول الحكومات، [والمقرّر من] (٤) بناء الأمر على المنافع أن الأصحاب أكملوا الدية في أصابع الرجلين، كما أكملوها في أصابع اليدين، مع العلم بالتفاوت بين الأصابع والأصابع في المنفعة؛ إذ معظم عمل الآدمي بأصابع يديه، وأصابع الرجلين لا تدنو من أصابع اليدين، ثم الإشكال الأظهر أنهم

стр. 8612

أوجبوا في القدمين إذا قطعت أصابعهما ما أوجبوه في الكفين، ولا يخفى أن المشي يبقى ما بقي القدمان، ولا يسقط بسقوط أصابع الرجلين إلا الإسراع في المشي، وأين يقع هذا من الاحتواء والقبض والبسط وتعاطي آلات العمل المتعلقة بأصابع اليدين؟ ولكن هذا يخرّج على اتّباع الأصول [الكلية] (١)، وترك التفريع على ضبط [الأقدار] (٢). ولهذا الأصل أوجبوا في الأذنين على الرأي الظاهر ما أوجبوه في العينين، وإن كانت منافع الأذنين لا تقع موقعاً إذا نسبت إلى منافع العينين واليدين، ولكن لما عسر ضبط أقدار المنافع حَسم الشرعُ النظرَ إليها، وأجرى الأجناس من الأعضاء مجرىً واحداً في تكميل [الدية] (٣). هذا ما أردنا بيانه في أصول الحكومة. ١٠٦٧٥ - ثم قال الشافعي: "وفي الترقوة جَمَلٌ، وفي الضِّلَع جَمَلٌ ... إلى آخر الفصل" (٤). ذكر الشافعي ﵁ في موضعٍ أن الترقوة فيها جمل، وفي الضِّلع (٥) جمل، وقال: قلّدتُ فيه عمرَ بن الخطاب ﵁، فإنه أوجب في كل واحد منهما جملاً، وقال في موضع آخر: فيهما حكومتان على أصول الحكومة، وجعل المزني في المسألتين قولين، وأخذ يوجّه الحكومة، واختلف أصحابنا: فمنهم من وافق المزني، وجعل المسألة على قولين: أقيسهما - إيجاب الحكومة. والثاني - إيجاب المقدار تأسياً بقضاء عمر ﵁. ومن أصحابنا من قطع بالحكومة، وجعل قضاء عمر حكومةً وافقت جَملاً، وحمل نصَّ الشافعي على هذا المحمل، وهذا هو المسلك المرضي الذي لا يسوّغ غيره.

стр. 8613

وقد روي: "أن زيدَ بنَ ثابت أوجب في العين القائمة مائةَ دينار" (١)، ثم لم [يذهب] (٢) أحدٌ من الأصحاب إلى أن المائة تقدير في العين القائمة. والوجه القطع بأن ما ذكره في الترقوة والضِّلع [مآلٌ] (٣) في الحكم، وليس تقديراً مثبوتاً يجب اتباعه، وقد يجوز لمن يسلك طريق القولين أن يشبه أقضية أصحاب الرسول ﷺ في الحكومات [أنها متبعة] (٤) كما اتبعت أقضيتهم في إثبات أمثال الصيود، ولم أسمع أحداً يُجري [القولين] (٥) في العين القائمة؛ لمذهب زيد بن ثابت؛ ولعل السبب فيه أن ذكر الدنانير مشعرٌ بالتقريب والاجتهاد، بخلاف ذكر الجَمَل؛ فإنه بالتوقيف أشبه. والعلم عند الله. ١٠٦٧٦ - ثم قال ﵁: "ولو جَرحه، فشان وجهَه ... إلى آخره" (٦). إذا جرح رأسَه وأوضحها، وشان ما حواليها، فلا يجب إلا أرشُ موضِحة، فإن [متصل الشين] (٧) لو كان إيضاحاً، لما وجب في الموضِحة (٨) [وإن استوعبت الرأس] (٩) إلا أرشٌ واحد، فالشين المتصل لا يزيد على الإيضاح، ولو كان مكان [الشين] (١٠) إيضاح، لما وجب إلا أرش موضحة واحدة.

стр. 8614

ولو اتسع الشين حتى انتهى إلى القفا، فهذا ما تردد فيه أصحابنا: فمنهم من قال: لا يجب فيه إلا أرش الموضحة، كما لو لم يبعد الشين من محل الإيضاح. ومن أصحابنا من قال: يُفردُ الشين، فإنه تعدى محلَّ الإيضاح، ونحن إنما أتبعنا الشينَ الإيضاحَ، لأنا قدرنا إيضاحاً بدل الشين، فوجدنا الأرش يتّحد في الإيضاح، ونزلنا الشين الذي هو الأدنى منزلة الإيضاح الذي هو أعلى، وهذا لا يتحقق إذا كان الشين على [القفا] (١)، ولا يتحقق هذا أصلاً. هذا إذا كان الجرح على الرأس، وكان مقدَّر الأرش كالموضِحة. فأما إذا كانت الجراحة على الرأس، وكانت متلاحمة، فهذا ينبني على أن أرش المتلاحمة هل يتقدّر أم لا؟ وفيه قولان ذكرناهما، مبنيان على أن القصاص [هل] (٢) يجري في المتلاحمة. فإن قلنا: إن أرش المتلاحمة [يتقدر،] (٣) فإذا ظهر شينٌ حوالي الجراحة، فقد اختلف أصحابنا على وجهين: منهم من قال: نُتبع الشينَ المتلاحمة، كما أتبعنا الشينَ الموضِحة؛ فإن الجراحتين متساويتان في تقدير الأرش، ولو اتسعت المتلاحمة، كان كما لو اتسعت الموضِحة. ومن أصحابنا من قال: لا نتُبع الشينَ المتلاحمة، وذلك [أنا، و] (٤) إن قدّرنا أرشها؛ فإنا في تقدير الأرش على ظنٍّ وتخمين؛ فإنا نقدّر سمك الجراحة، وهذا لا يتوصّل إليه إلا باجتهاد وفكرٍ، فيجب إلحاق هذه الجراحات بجراحات الحكومة التي لا تتقدر أروشها. ١٠٦٧٧ - ونحن نذكر الآن تفصيلَها، فنقول: إذا كانت الجراحة في موضع لا يتقدر أرشها، فظاهر النص (٥) أن الجراحة إذا شانت ما حواليها، فننظر إلى الأكثر

стр. 8615

إذا اندملت الجراحة: فإن كان الجرح أكثرَ من الشين، أوجبنا موجَبَ الجرح، وإن كان الشين أكثر أوجبنا حكومة الشين. وهذا النص مشكلٌ جدّاً؛ وذلك أن الجراحة [إذا] (١) اندملت، وظهر شين حواليها، كتغير لون، أو استحشافٍ، فالمصير إلى الفرق بين الجراحة والشين لا معنى له، فإن الجراحة إذا اندملت، فمحلها -إذا بقي الأثر- شينٌ، ينطلق على أثرٍ [مُتكَرَّه] (٢) يؤثِّر مثله في نقصان القيمة، [ثم] (٣) إنه ينقسم، فقد يكون [تغيّر] (٤) لون، وقد يكون [نحولاً] (٥) واستحشافاً، وقد يكون [ثُغرة] (٦) تبقى، ولا ينبت اللحم فيها، وقد يكون تغيّرَ لون (٧)، وقد يكون [لحمةً] (٨) زائدة، فهذا كله يسمى شيناً، فإذا اندملت الجراحة، وبقي في موضعها أثر وحواليها شين، فهذا التفصيل فيه لبس؛ [فإن] (٩) كل شين وإن اختلفت صفاته، فالوجه المقطوع به أن السراية إذا انتهت، وبقي الأثر، فتجب الحكومة في الأثر الباقي، وليس للإتْباع وذكر الأقل والأكثر معنى، وقد اختار القاضي هذا المسلك، وهو الذي لا يجوز غيره. ١٠٦٧٨ - ثم [نسرد] (١٠) ما ذكره الأئمة: قالوا: ننظر إلى أثر الجرح، يعني ما بقي على محل الجراحة من نقصان عن الاستواء أو زيادة على اعتدال الخلقة، وننظر

стр. 8616

إلى الشين حوالي الجراحة، فإن كان أثر الجرح أكثر حكومة، أوجبنا تلك الحكومة، وأتبعناها حكومة الشين المتصلِ بالجراحة. وإن كان موجب الشين الذي هو حوالي الجراحة أكثر من حكومة الأثر الباقي في موضع الجرح، فنوجب حكومة الشين، ونتبعُها حكومةَ الجرح، هكذا ذكره الصيدلاني وشيخي أبو محمد ﵁. والممكن في [توجيه] (١) ذلك أن الجرح إذا انتهى [وبقي] (٢) أثره، وظهر شَيْن حواليه، فهذا بمثابة ما لو قطع إصبعاً شلاء، وأوجبنا فيها الحكومة، فهل يستتبع ذلك الإصبع قسطاً من حكومة الكف؟ فيه اختلاف وتردد، تقدم ذكره في كتاب الجراح، فيجب أن يكون الجرح وموضعه بمثابة الإصبع الشلاء، والشين المتصل بمثابة ما ذكرناه من جزء الكف، وهذا يخرج على القاعدة التي قدمنا تمهيدها، وهي أن موجَب الحكومة [هل يستتبع الحكومة] (٣) أم لا؟ وفيها التردد الذي ذكرناه، والدية قد تستتبع الحكومة كالأصابع، قد تستتبع الكف. ثم ينشأ مما ذكره الأصحاب في الجراحة والشين أن الشين إذا كانت حكومته أكثر استتبع الجرح، ويخرج من ذلك أن المقدار الذي يقابل الإصبع الشلاء من الكف إذا كانت حكومته أكثر من حكومة الإصبع الشلاء، فيجب أن تكون حكومة ذلك الجزء من الكف تُسقط حكومةَ الإصبع الشلاء، فإن المسألة مفروضة فيه إذا قطع الإصبع، وذلك القدر الذي يقابله من الكف، وهذا التفصيل لا بد منه، والجرح والشين بمثابة الإصبع الشلاء مع القدر الذي يقابلها من الكف إذا قدر القطع فيهما. ١٠٦٧٩ - وانتظم مما ذكرناه في مسألة الجرح والشين خلافٌ بين الأئمة: الصحيح - أن نرفع طريق الإتباع بالكلية، وننظر إلى أثر الجرح والشين، ونوجب الحكومة في الجميع، وهذا يناظر قولَنا: إنا لا نتبع الكف الأصابع الشلاء، بل نوجب الحكومة في الجميع.

стр. 8617

والوجه الثاني - أنا نتُبع الأقلَّ الأكثر [من] (١) الشين والجرح، ويطرد هذا في الكف والإصبع، فنُتبع الأقلَّ الأكثرَ. ثم يعترض في هذا المنتهى أنه لو فرض استواء حكومة الشين وموضع الجرح، والتفريع على أنا لا نوجب حكومة الجميع، بل نُتبعُ. هذا فيه احتمال، والظاهر أنا [نوجب الحكومتين] (٢)، وإن فرعنا على الإتباع؛ فإنه ليس أحدهما أولى بالإتباع من الثاني، والأظهر ما تقدم. والمسلك [الحق] (٣) الذي لا [يستدّ] (٤) [غيره] (٥) إيجاب الحكومتين في الصور كلها. هذا تمام الكلام في قواعد الحكومات. فصل في نوعين ١٠٦٨٠ - أحدهما - في ذكر موجبات قد تشذّ وتنسلّ عن ذكر الفقه. والثاني - في ذهاب منفعة عضو والجنايةُ على غيرها. فأما النوع الأول، فقد تقدم ما تتعلق به الديات في الجراح وهذا الكتاب، ولكنا نذكر ما نرى ذكره، فإن كنا ذكرناه فيما تقدم، لم تضرّ الإعادة.

стр. 8618

[فمما] (١) نورده أنه لو أذهب ماءه ومنيّه، التزم الدية، ولو أذهب شهوته للوقاع، فقد قال الأئمة: يجب في [انبتات] (٢) الشهوة الديةُ، فهذا يدل على أن إذهاب الشهوة مع بقاءالماء يوجب الدية. وهذا لا يتصوّر؛ فإن المني إذا كان باقياً، فيبعد إذهاب الشهوة، وإن بعد أن [نتبين] (٣) أن الجناية هي التي أثرت في إذهاب الشهوة، حتى يناط به الدية، ويجب أن يقال: إذا ذهب بالجناية شهوتُه للطعام، تجب الدية، بل هذا أولى إن صح [تصوّرُه] (٤) والوصولُ إلى درك [إبطاله] (٥) بالجناية، والله أعلم. ولو ضرب لِحْييه، [فأذهب] (٦) منفعة المضغ، وجبت الدية، وإن بقيت اللحيان والأسنان، وهذا واضح. وهو بمثابة ما لو جنى على اليد، فأشلها. ولو كسر رقبته، فكان لا ينساغ الطعام والشراب، فتجب الدية حكماً لها (٧). ولو جنى [عليه] (٨)، فأذهب صوته، فالدية التامة وإن بقيت مخارج الحروف، وعندي أني ذكرت هذا في مسائل الكلام، وهذا واضح. ولو قيل: تعطل الكلامُ بإذهاب الصوت، فهل تزيدون على دية واحدة؟ قلنا الغرض الأظهر من الصوت الكلامُ، فكأن الدية إنما وجبت لأجله، والكلامُ معنيٌّ في وجوه: منها أن اللسان إذا قطع، فالدية تكمل بسبب الكلام، ولو عطلت الحروف بسببٍ آخر سوى قطع

стр. 8619

اللسان، فالجواب كذلك، وإذهاب الصوت من أسباب تعطيل الكلام. ١٠٦٨١ - ومما ذكره الشيخ أبو علي ﵁ [نه لو سلخ الرَّجُلَ من قَرْنه إلى قدمه، لوجبت الدية الكاملة، ثم قال: فلو فرض قطع اليدين بعد هذا مثلاً، فسلْخُ الجلد يوزع بالتقدير والمساحة على جميع اليدين حتى يتبين مقدار كل عضو منه، فيحط حصته من اليدين، فنوجب الدية على قاطع اليدين إلا المقدار الذي يخص الجلد المسلوخ، هكذا ذكره ﵁، ولم أره إلا له]. ١٠٦٨٢ - ومما يتعلق بتتمة هذه الفصول التي ذكرناها أنه إذا أزال معنىً من هذه المعاني ظاهراً، وقال أهل النظر: إنه سيعود على قرب، [فننتظر] (١). وإن قالوا: يعود بعد زمان طويل، ولم يضربوا في ذلك مدة، ولكنهم أطلقوا إمكان العَوْد، فالذي وجدته للأصحاب في ذلك أنا نوجب الأرش، ثم إن فرض العَوْدُ، رددناه، وعلى هذا يجري زوال البصر وغيرُه، في مثل الصورة التي ذكرناها، وهذا ذكره صاحب التقريب على هذا الوجه، وهو متجه لا يسوّغ غيره. والله أعلم. ولو ضربوا مدةَ إمكان العَوْد، فقد قيل: لا بد من انتظارها، وهذا يجب أن يفصّل: فإن [ذكروا مدة] (٢) يغلب على الظن انقضاءُ العمر في مثلها -وتصوير ذلك بعيد- فالوجه إيجاب الأرش، كما لو أطلقوا، ولم يضربوا مدة. وإن ذكروا مدة يقرب رجاء البقاء إلى مثلها، [فلا] (٣) يبعد الانتظار والحالة هذه. ١٠٦٨٣ - ومما يتعلق بذلك أنه إذا أذهب منفعةً لا يتصور معها طول البقاء، وقد قيل: لا يتصور البُرء، ففي هذا فضل نظر وتدبّر، ويفرض فيه إذا كان الطعام والشراب [لا] (٤) ينفذان -والمجنيُّ عليه لا يبقى إذا كان هكذا- فهذا فيه نظر، وقد تقرر أنه لو قطع اليدين والرجلين، فسرت الجراحات إلى النفس، صارت نفساً، ولم

стр. 8620

يجب إلا دية واحدة، فماذا نقول في امتناع [نفوذ] (١) الطعام والشراب؟ يجوز أن يقال: إذا أفضى إلى الموت بسبب الجوع والعطش، فهذا بمثابة سراية الجراحات؛ حتى لا تجب إلا دية الجملة، ويجوز أن يقال: ليس ذلك من قبيل السراية، فيجب دية في إفساد هذه المنفعة، أو في كسر الرقبة، وتجب دية في إزهاق الروح على تخريج ابن سريج؛ فإنه يقول: من قطع يدي رجل، ثم حزّ رقبته، وجبت ديتان، وهذا هو القياس. وإن فرعنا على النص، فلا شك أنه تجب دية واحدة، فإنه لو قطع أطرافه ثم قتله، لم يلزمه على النص إلا دية واحدة، وامتناع وصول الطعام إليه بمثابة قتله إياه، والمسألة محتملة جداً. ونصُّ الأصحاب على إيجاب الدية بسبب إفساد هذه المنفعة - مع القطع بأن البقاء لا يطول مع امتناع نفوذ الطعام والشراب- دليلٌ على أنهم اعتقدوا أن هذه الدية لا تندرج تحت دية [الروح] (٢) والعلم عند الله. فهذا ما أردنا أن نذكره في ذلك. ١٠٦٨٤ - فأما الكلام في إسقاط منافعَ بسبب جنايات على أعضاء (٣) فكل منفعة كانت في عضوٍ، فإذا فرضت الجناية على العضو، لم يَخْفَ أن المنفعة لا تفرد [بديةٍ] (٤)؛ إذ الدية إنما [تجب] (٥) في ذلك العضو بسبب تلك المنفعة، وهذا بمثابة البطش في اليد، والبصر في العين، فأما إذا قطع الأنف وأزال الشم، فديتان، ولا إدراج؛ فإن لطيفة الشم ليست في الأنف، وكذلك إذا قطع الأذنين وأزال السمع، [أو ضرب الرأس، فأزال البصر] (٦). واختلف الأئمة في مسائلَ نذكرها، ثم أقرّب القول جهدي فيها: قالوا إذا كسر

стр. 8621

صُلبَه، فأزال منيّه، ففي المسألة وجهان، وهذا الخلاف بنَوْه على اعتقادهم أن مقرّ الماء الصلب أخذاً من قوله تعالى: ﴿بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِب﴾ [الطارق: ٧] ولست أرى الأمر على التردد في أن الدية تعدد، فإن المنيّ لو كان من [منافع] (١) الظهر، لما وجب على من كسر صلب إنسان [لا منيّ] (٢) له الدية، كما لو قطع يداً شلاء، أو فقأ عيناً عمياء، ولا خلاف في وجوب الدية. ١٠٦٨٥ - ومما ردد الشافعي ﵁ قوله فيه زوالُ العقل، فقال: إذا قطع يدي رجل أو رجليه أو ما يفرض من الأعضاء، فزال العقلُ، [فهل] (٣) نُدرج حتى لا نوجب إلا ديةً واحدة؟ فعلى قولين: أحدهما - أنا لا ندرج، وهو الذي لا ينساغ في مسلك المعنى غيرُه؛ فإنا نقطع بأن العقل ليس من منافع اليدين، [وهما] (٤) من الأعضاء الظاهرة. والقول الثاني - أنه لا يجب إلا دية واحدة؛ فإن العقل لا يُدرَى محلُّه على التعيين، فمهما (٥) زال بسبب الجناية على عضو، وجب سلوك طريق الإدراج فيه، ثم إن قطع يديه، فزال العقل، فدية واحدة، وإن قطع إحدى اليدين، فزال العقل، وجبت دية واحدة، فندرج الأقل وهو أرش يدٍ تحت الأكثر وهو الدية الكاملة. وهذا القول ضعيف؛ فإن محل العقل بين [القلب] (٦) والدماغ لا يعدوهما، فكيف يفرض الإدراج في الأعضاء الظاهرة، ولكن القولان مشهوران، كما ذكرنا. فهذه جمل ترشد إلى المقاصد في هذا الفن، والله أعلم. ١٠٦٨٦ - ويخرج منها أن كل منفعة لو زالت، لصار العضو عضو حكومة، فهي تستتبع العضو لا محالة، وكل منفعة تحققنا أنها في محلٍّ سوى العضو المجني عليه

стр. 8622

كالشم والأنف، فلا يكاد يخفى أن لا إدراج فيه، وإذا ظهر على الجملة محل كون منفعة في عضو، ولم يتحقق تحقّقَ كون البطش في اليد، والبصر في العين، وكان العضو الذي فيه [النظر] (١) تكمل الدية فيه دون تلك المنفعة، فقد يختلف الأصحاب في مثل ذلك، كالمني والظهر، وأما العقل، فليس لي فيه إلا حكاية القولين، وإلا فالعقل أبعد عن اليدين من الشم عن الأنف، والله أعلم. فصل "ودية اليهودي والنصراني ثلث الدية ... إلى آخره" (٢). ١٠٦٨٧ - الكفار في غرضنا ثلاثة أقسام: منهم من له كتاب، وهم اليهود والنصارى، فدية الرجل منهم ثلثُ دية المسلم عندنا، وأبو حنيفة (٣) يوجب مثلَ دية المسلم، ومالك (٤) يوجب نصف دية المسلم، وقد [ذكرت في (الأساليب) وغيرها مسلكَ المذهب] (٥) وطريقَه، ثم لا خلاف أن الذمي [والمستأمنَ ذا العهد المؤقت] (٦) في هذا بمثابة واحدة. وقد قيل: [السامرة] (٧) من اليهود، فإن لم يكونوا معطِّلة (٨)، فديتهم دية اليهود،

стр. 8623

وقيل: الصابئون من النصارى، وإن صح ذلك، فديتهم ديةُ النصارى، وقد استقصيت القول في ذلك في كتاب النكاح. والقسم الثاني - من له شبهة كتاب، وهم المجوس، فدية المجوسي خمس دية اليهودي، وإن أردتَ، قلت: دية المجوسي [خمس] (١) ثلث دية المسلم. والقسم الثالث من الكفار - من ليس [له] (٢) شبهة كتاب، وهم عبدة الأوثان، ولا يتصور لهم عهد مؤبد، وإنما يعرض الضمان فيهم إذا كانوا مستأمنين، قال الأئمة في [الزنديق] (٣) المعاهَد دية المجوسي، فلا أقل منه، وإذا تعذر الإهدار لمكان العهد، ولا سبيل إلى الحط من أقل الديات، وهو دية المجوسي؛ إذ لا توقيف معنا في [الحَطِّ من] (٤) هذا المبلغ، فهذا هو الجواب. ولا يُفرض للمرتد عهد، بل هو مقتول بكل حال، وإن [تحرف] (٥) طائفة من المرتدين، ومست الحاجة إلى مراعاة طرف الإيالة (٦) منهم من ترتيب إقامة الحرب، فإذا أتانا رسول منهم، فإنا لا نتعرض له، فإذا قُتل، فلا ضمان أصلاً، وكان شيخي أبو محمد ﵁ يتردد في الزنادقة [إن] (٧) لم يسبق منهم التزام الإسلام أصلاً، ولا يُبعِد أن يُلحقوا بالمرتدين في جميع أحوالهم، وكان يقول: يحتمل أن يكونوا كعبدة الأوثان في إيجاب أصل الديات في معاهدتهم، والعلم عند الله. ١٠٦٨٨ - فأما الذين لم تبلغهم دعوة الإسلام، فلا بد من تفصيل المذهب فيهم بعد قول الشافعي: "لم يبق من لم تبلغه الدعوة" ولكنا صورنا ذلك على بُعد حَمْلاً على اتساع الدنيا، فسبيل التفصيل فيهم أن نقول: من كان متمسكاً منهم بدين من أديان النبيين، ولم تبلغه دعوة تخالف ما عليه، فلا يجوز التعرض لهم قَبْل الدعوة أصلاً،

стр. 8624

فلو قتل قاتلٌ [واحداً] (١) منهم قَبْل الدعوة، فقد قُتل سعيداً (٢) في ظاهر الحال، فإنه كان متعلقاًً بدين الحق، ولم يبلغه دعوةٌ أخرى، حتى يُتبين إنكارٌ منه أو قبول. قال القفال: إذا كان القاتل مسلماً، توجه القصاص، فإن المقتول ليس بكافر. وذهب غيره إلى أن القصاص لا يجب؛ لأنه وإن لم يكن موصوفاً بالكفر، فليس موصوفاً بالإسلام قبل التزامه، فإن أوجبنا القَوَد، فلا شك أنا نكمل الدية، وإن لم نوجب القود، ففي الدية وجهان: أحدهما - نوجب الدية الكاملة. والثاني - أنا نوجب دية أهل الدين الذي هو عليه، فإن كان على دين موسى، فثلث دية المسلم. وإن لم يكن متعلقاًً بشريعةٍ، ولكن ما كانت الدعوة بلغته من ملة من الملل، فالوجه القطع بنفي القصاص. ونقل المعتمدون عن القفال إيجابَ القصاص على المسلم بقتله، وفيه بُعد في هذا المقام. فأما الدية، فقد حكى الأصحاب نصين عن الشافعي: أحدهما - أنه تجب الدية الكاملة. والثاني - يجب أقل الديات، وهو دية المجوسي، فمن أصحابنا من أجرى القولين على ظاهر اختلاف النصين، وتوجيههما: أنا في قولٍ نقول: سعيدٌ [معذور] (٣)، وفي قولٍ نقول: لا تعلق له بدين أصلاً. ومن أصحابنا من قال: ننزل النصين على حالين، فحيث أكمل الدية أراد إذا كان متعلقاًً بدين حق، لم يُغَيَّر، وحيث نوجب أقل الديات أراد إذا لم يكن متعلقاًً بدين أصلاً. ١٠٦٨٩ - ونحن نوضح بعد ذلك قسماً آخر وبه تمام البيان، فنقول: إذا صادفنا هؤلاء متعلقين بدين موسى مثلاً، وكان الدين [مغيّراً] (٤)، فإذا لم تبلغهم دعوةُ نبينا ﵇، فالوجه أن نُبلغهم الدعوة، [فإن] (٥) [قتل المسلمُ] (٦) واحداً منهم قبل

стр. 8625

الدعوة، فلا قصاص مذهباً واحداً، لتعلقهم بالدين المغيَّر، وأما الدية، ففيه احتمال وتردد: يجوز أن يقال: لا يجب الضمان أصلاً، إذ لا عهد [ولا ذمة] (١)، فهم في [منزلة] (٢) الحربي، وإن امتنعنا من قتلهم، فهو بمثابة انكفافنا عن قتل نساء أهل الحرب، وذراريهم ثم لو قُتلوا، فلا ضمان أصلاً. ويجوز أن يقال: على من قتل واحداً منهم قبل الدعوة الضمان، وهو ظاهر النص؛ فإن امتناع قتالهم ينزل منزلة العهد لهم، وليسوا كالنساء من الحربيين، فإنا انكففنا عن قتلهم من جهة أنا رأينا الاشتغال بالمقاتِلة أهمّ، ورأينا استنماءهن (٣) للاسترقاق، وا لأطقال يجرون [معهم] (٤). ثم إن أوجبنا الضمان، فظاهر النص يشير إلى أنا نوجب أقلَّ الديات، وإن كان متعلقاًً باليهودية التي عليها اليهود، لضعف سبب الحرمة والانكفاف، والظاهر عندي إيجابُ دية يهودي إن صح القول بالضمان. فهذا تفصيل القول في الذين لم تبلغهم الدعوة والله أعلم. فصل قال: "وبقول سعيد بن المسيب أقول: جراحُ العبد من ثمنه كجراح الحر من ديته ... إلى آخره" (٥). ١٠٦٩٠ - قد ذكرنا أن العبد إذا قُتل، فهو مضمون بقيمته بالغةًَ ما بلغت، [ولو] (٦) زادت على ديات، ومقصود الفصل الكلامُ في أروش الجراح على العبد، فالمنصوص

стр. 8626

عليه للشافعي في الجديد أن جراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته، ففي يديه كمال قيمته، وفي اليد الفردة نصف القيمة، وفي موضِحته نصف عشر قيمته، وفي أنملة من مسبّحته ثلث عشر قيمته، وهذا مطرد في الجراح، [بلا] (١) مناقضة. وخرّج ابنُ سريج قولاً للشافعي في أن الواجب في جراحه ما ينقص من القيمة، وسبيل الجراح عليه كسبيل جرح البهائم، وهذا أخذه ابن سريج من قول الشافعي في أن العاقلة [لا] (٢) تحمل قيمة العبد المقتول خطأ، كالبهائم، وقد نص الشافعي على ما خرّجه في القديم، فحصل في المسألة قولان. توجيههما: من قال يجب ما نقص تعلّق بأنه مملوك مقوّم، وقيمة جملته لا تتقدر، فلتكن أطرافه كذلك. وهذا القول [معتضد] (٣) بالقياس المعنوي. ومن قال: تتقدر جراح العبد، فمتعلقه الشبه الخاص؛ فإن العبد آدمي، وقد أثبت الشرع في يدي الحرّ تمام الدية، وغَناء يد العبد من العبدكغَناء يد الحر من الحر. ثم قال الأئمة: تحمُّل العاقلة قيمة العبد على قولين، وجريان القسامة في العبد على قولين، فهذه المسائل الثلاث مجراها واحد، تقدُّر البدل، وتحمل العاقلة، وجريان القسامة. ومما تجب الإحاطة به في قاعدة المذهب أن القصاص يجري في العبد وفاقاً، والسبب فيه أن حرمة روح العبد توجب صونَه بالقصاص، ويتعلق بحرمته الكفارة. ١٠٦٩١ - وإذا آل الأمر إلى أحكام المال، فأما قيمة الجملة فمردودةٌ إلى السوق؛ فإنه يتقوّم، وأما تفاصيل الأحكام في الجراح وغيرها، فعلى التردد الذي ذكرناه. ثم إن قطع ذكر عبد وخُصيتيه، فهذا يخرج على القولين: إن رأينا تقدير أروش

стр. 8627

جراحه، فيجب قيمتان، كما تجب [فيهما] (١) ديتان من الحر. وإن أوجبنا ما ينقص من القيمة، فقد لا ينقص ما جرى، بل يزيده، فقد قال بعض الأئمة: هذا يخرّج على الخلاف في [شَيْن] (٢) الجرح على الحر إذا لم ينقص شيئاًً في تقدير الحكومة، فهل يجب شيء أم لا؟ ثم التفصيل كما مضى. والقياس عندي ألا نوجب [شيئاًً] (٣) إذا لم يظهر نقصانٌ أصلاً؛ فإنا نفرع على إلحاق العبد في ذلك بالبهائم، ولست أعرف خلافاً أن من خصى بهيمة وزادت قيمتها، لم يلتزم شيئاً إذا سلمت البهيمة. ومن الظواهر التي نذكرها أنا إذا أوجبنا في الجراح [على] (٤) قولِ المقدرات، فقد يعترض في العبد ما لا يتصور في الحر، وبيانه أن العبد إذا كانت قيمته ألفَ درهم، فمن ابتدره وقطع اإحدى يديه التزم خمسَمائة، وإن نقص من القيمة أربعمائة، فإذا قطع قاطع آخر يده الأخرى، وقيمته عند قطع [يده] (٥) ستمائة فعليه ثلاثمائة، ومثل هذا لا يتصور في الحر؛ فإن بدله لا ينتقص. وقد [نُحْوَج] (٦) أيضاًً على قول [التقدير] (٧) في بعض الصور إلى اعتبار النقصان، فإن من اشترى عبداً فقطع يديه في يد البائع، فلا يمكننا أن نقابل اليدين بتمام القيمة، إذ لو فعلنا هذا، لجعلنا المشتري [قابضاً] (٨) المبيع، وهذا يستحيل القول به مع بقاء العبد في يد البائع، فلا يتأتى من ذلك إلا اعتبار النقصان. والله أعلم. وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيع.

стр. 8628

فصل قال: "وقيل جناية المعتوه والصبي ... إلى آخره" (١). ١٠٦٩٢ - اختلف قول الشافعي ﵁ في أن الصبي إذا عمد [وقتل] (٢) فهل لفعله [حكم] (٣) [العمد] (٤) أم لا؟ وأحد القولين أنه لا يثبت له حكم العمد، والثاني - أنه يثبت له حكم العمد. توجيه القولين: من قال: لا يثبت [له] (٥) حكم العمد، احتج بانتفاء القصاص عنه مطلقاً من غير استثناء، ومن نصر القول الآخر، احتج بالعِيان، والعمدُ في الحقيقة يصدر عن الصبي؛ فإن العامد هو الذي له رويّة قبل فعله، وفكرُه منعطف عليه بعد فعله، وهذا يتصور من الصبي المميز، وذكر الشافعيُّ المجنونَ والصبي في قَرَن واحد فيما ردّد فيه القولَ في تصوّر العمد. والمجنون ينقسم إلى ما له أدنى تمييز، ويتصور منه ما ذكرناه من الرويّة والفكر، فيقع منه العمد، كما صورناه من الصبي. ثم قال الأئمة: فائدة العمد إذا وقع منه أمران: أحدهما - وجوبُ القصاص على شريكه في القتل، ونزوله مع الشريك منزلة الأب إذا شارك أجنبياً في القتل. والثاني- أن تجب الدية في ماله إن كان عامداً، ولا تُضرب على عاقلته، فلا يتخلف -إذا أنشأ العمدَ- فعلُه عن فعل المكلف إلا في القصاص، كما ذكرناه. ومما يتعلق بما ذكرناه أنا إذا لم [نجعل] (٦) الصبي عامداً، ففعله في حكم الخطأ المحض، وفائدته ألا تتغلظ الدية على العاقلة، فإن من يتصور منه شبه العمد يتصور

стр. 8629

منه حقيقة العمد، [والصبي] (١) الذي [لا تمييز] (٢) له أصلاً لا عمد له، وكذلك [المجنون] (٣)، ولا يخفى أن الصبي ذو عقل، وهو بعقله متميز عن المجنون الذي وصفناه بالتمييز، ولكن ذلك القدر كافٍ في تصور العمد حسّاً، والله أعلم. فصل قال: "ولو صاح برجل، فسقط من حائط ... إلى آخره" (٤). ١٠٦٩٣ - إذا صاح ببالغٍ على طرف جدارٍ، نُظر: فإن كان متبيّناً متماسكاً، فواجهه رجل وصاح في وجهه عِيانا، فسقط من الحائط وهلك، فلا ضمان على الصائح أصلاً؛ فإن مثل الرجل الذي وصفناه لا يسقط من الجدار [بصيحة] (٥) وإن اشتدت. وإن لم يواجهه ولكن أتاه من ورائه [وتغفّله] (٦)، فصاح من حيث لا يحتسب، فسقط، لم يجب القود عليه [بلا] (٧) خلافٍ فيه، وفي وجوب الضمان وجهان، وربما كان يقول قولان: أظهرهما - أنه لا يجب [وفي] (٨) بعض التصانيف: "أن من أصحابنا من طرد القولين في وجوب الضمان فيه، إذا واجهه ولم يتغفله" وليس هذا من مواقع الظنون حتى يجري التردد فيه على مسالك الظن الفقهية، وإنما يتعلق المقصود فيه بأمور تتعلق [بالعِيان] (٩). وقد مهدنا في ابتداء الجراح ما يكون عمداً محضاً وما لا يكون منسوباً إلى الجاني، وما يعد شبه عمد، وأوضحنا المعنى المعتمد في هذه الأقسام. وهذه مشتملة على

стр. 8630

سقوط شخص من غير أن يعلَقَ به آلةٌ من الجاني [أو] (١) تحاملٌ [منه] (٢)، ولكن الإنسان في غفلاته قد يسمع صوتاً ويهتز ويرتعد، ويكون تحركه سبباً للسقوط من موضع [عال لا دفعَ] (٣) في موقعه (٤)، ويكون وقوع الارتعاد والخروج عن التماسك أمراً ضروريّاً (٥) لا يدفعه المقصود (٦). ثم رأى الأئمة أن الرجل الكبير إذا واجهه الصائح، ولم يلحقه الصوت على غفلة لا يسقط، فإن سقط، كان أمراً قدريّاً، يقال في مثله: اتفق سقوطه، وأدركه قضاء الله، ولم يكن سقوطه بسبب الصيحة، وهو بمثابة ما لو ضرب رجلاً أيِّداً بيدٍ ضربة لا يتصور [أن يهلك] (٧) بها، فإذا اتصل بها هلاكه، قيل: وافق الهلاك غيرَ منسوب إلى الضارب، ثم التغفّل والصيحة على غفلة مما تردد فيها الرأي، واحتمل إمكان السقوط منه، فجرى ذكر القولين، وفي طرد القولين في المواجهة لم نُبعد الارتعاد، وزوال التمسك، ولا شك أن هذا يختلف [باختلاف] (٨) الأشخاص، ويثبت من يثبت، ويرق [الجبان] (٩) الذي يستشعره (١٠) في أدنى شيء. ١٠٦٩٤ - ثم قال الأئمة: إن صاح بصبيٍّ، وهو على طرف جدار: واجهه بالصيحة أو بغفلة، وجب الضمان، فقطعوا بوجوب الضمان، وذكروا وجهين في وجوب القصاص [ورتّبوا] (١١) الوجهين على ما إذا احتفر بئراً في مضيق [كان] (١٢) يطرقه

стр. 8631

إنسان، ويغلب أن يقع فيه، فإذا وقع، ففي وجوب القصاص خلاف رمزنا إليه فيما تقدم، وسنعيده في مسائل البئر، إن شاء الله . ومسألة سقوط الصبيّ من طرف الجدار [أولى] (١) من مسألة البئر في المضيق بوجوب القصاص؛ فإن التردي يقع بفعلٍ من الذي يتخطّى ويقع، والصبي إذا صيح به، أخذته هزّة ورعدة تُزيل إمساكه، فكان هذا أولى بالنسبة (٢) إلى الصائح. وما ذكره الأصحاب في صبي لا يميز، أو كان ضعيف التمييز، بحيث يبعد منه أن يتماسك، فلو كان مراهقاً، فهو في معنى الكبير، والكبير إذا كانت تعتريه الوساوس، وكان مرعوباً بحركة أدنى شيء [قد] (٣) يكون في معنى الصبي. [وانقضى] (٤) ما علينا في ضبط الأصول وردّ الوقائع إليها. ولا ينبغي أن يعتقد الناظر أن الصور تفرض على وجه واحد، بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، والتعويل على ما يقع، ثم يحكم الفقيه في كل حالة بما يليق بها، والصوت يلتحق بالضرب الذي يتعلق بالظاهر، فإن كان مما يقصد به الهلاك غالباًً، فهو موجب للقود. وإن كان لا يغلب الهلاك منه، ولكن يمكن أن يصار إليه، فهو شبه عمد، وإن رجع التردد إلى ظن الناظر، فهذا يثور منه الخلاف، وبيانه أن الإنسان إذا كان يقطع بأن وقوع الهلاك ممكنٌ من هذا، ولم يقطع بأن هذا الواقع وقع بما جرى، فكون السبب مما يمكن وقوع الهلاك به معلوم، واتفاق الوقوع مظنون، فهذا موضع القطع، وإن وقع الفكر في أن هذا يمكن انتساب الهلاك إليه، فهذا النوع من التردد [يثمر] (٥) خلافَ الفقهاء، وهذا مما يجب إنعام النظر فيه. ولو صاح على صبي، وهو على الأرض، فمات، فقد أجرى بعض الأئمة هذا

стр. 8632

مجرى السقوط عن الجدار في التفصيل، وهذا غير سديد؛ فإن الارتعاد والسقوط أظهر في الإمكان من الموت بالصوت من غير فرض سقوط. وإذا صاح بالصبي وأزال عقله، فالأمر على ما ذكرناه، وهذا أقرب إلى الإمكان من الموت. وزوالُ العقل والموت لا يفرضان من الكبير المتماسك؛ فإن وقع، حُمل على موافقة القدر، وليس كالسقوط من حرف الجدار؛ فإن الإمكان قد يتطرق إليه في بعض الصور. وقد تمهد للناظر مسالك النظر. ١٠٦٩٥ - ولو طلبه رجل بسيفه، فولّى وهرب وألقى نفسه إلى ماءٍ أو نارٍ، أو ألقى نفسه من شاهق، فلا يجب الضمان في هذه المواضع؛ فإن المطلوب أهلك نفسه بفعله، والذي كان يحاذره من الذي يتبعه الهلاكُ، وقد أوقع بنفسه ما كان يحذره من المتبع، وهذا بمثابة ما لو أكره رجل رجلاً على قتل نفسه، وقال: إن قتلت نفسك، وإلا قتلتك، فإذا قتل نفسه، لم يضمنه المكرِه، لما أشرنا إليه. ولو طلبه بسيفه في [فلاة] (١)، فولّى، فتلقاه سبع وافترسه، فلا يضمنه المتبع؛ فإن هذا مضاف إلى السبع، وفعلِه، ولم يوجد [من] (٢) المتبع إهلاك، وليس هذا كما لو أغرى به سبعاً في مضيق، كما تقدم التصوير فيه، أو كما [لو أنهشه حيّة] (٣) وذلك بيّن. ولو كان المطلوب على سطحٍ، فولّى، فسقط من السطح، قال الأئمة: إن كان المطلوب أعمى أو بصيراً، ووقع ذلك في ظلمة الليل، فهذا يتميز عما قدمنا ذكره، من إلقائه نفسه في ماء أو نار أو من شاهق، فإنه في تلك المسائل أهلك نفسه، وقصد

стр. 8633

إلقاء نفسه؛ فجرى الجواب كما تقدم، وفي هذه المسألة سقط ولم يُسقط نفسَه قصداً، ولسنا ننكر أنه بتخطيه ووضعه للرِّجل على الهواء سَقَط، ولكنه لم يقصد ذلك، فأضيف ما جرى إلى من ألجأه. وليس ذلك بدعاً؛ وقد وضح أن من تردى في بئر محفورة في مخل عدوان فالسبب مضاف إلى حافر البئر، وإن كان المتردي هو الذي تخطى في جهة البئر حتى تردّى، فنجعل اتباع الطالب في الصورة التي ذكرناها بمثابة احتفار البئر، وهذا يؤكد كون [التغرير] (١) سبباً في إيجاب الضمان، وقد أجرينا ذلك في مسألة [تقديم] (٢) الغاصب الطعامَ إلى إنسان في (الأساليب) وغيرها من المصنفات في الخلاف. ١٠٦٩٦ - ومما ذكره الأئمة أنه لو طلبه بسيفه، فعدا على الأرض، فتردّى في بئر، فإن كان في ليلةٍ ظلماء، فهو كما ذكرناه في السقوط من السطح، وإن كان ذلك نهاراً، فإن ردّى نفسه في البئر، فقد مضى هذا، وهو بمثابة ما لو ردّى نفسه من شاهق، وإن لم يُردِّ نفسه، ولكنه لم يتأمل البئر بين يديه، فتردّى والبئر مفتوحة، فالذي ذكره الأئمة أن الضمان لا يتعلق بالطالب وفعله، وقد ذكرنا ذلك في التردّي من السقف نهاراً. ويعترض في هذا إشكال، وهو أن الفقهاء أطلقوا أن من تردّى في بئر محفور في محل عدوان، تعلّق الضمان بعاقلة [الحافر] (٣)، ولم يفصلوا بين أن يتفق ذلك نهاراً أو ليلاً، وهذا يقتضي أن يقال: إذا كان المطلوب محمولاً مُلْجأً على العَدْو، فهو لا يتفرغ والحالة هذه إلى تأمل المخطَى الذي [يعدو فيه] (٤)، فكان يجب أن يضاف تردّيه إلى طلب الطالب إياه بالسيف، وليس [إلى] (٥) الضمان بحفر البئر من غير فرق

стр. 8634

بين الليل والنهار في وقوع التردي، ولا [يبعد] (١) حَمْل التردِّي على [اتباع] (٢) الطالب، حتى يتمهد عذر المتردِّي في ترك التحفظ. وهذا فيه نظر؛ فليس الحمل على الهرب [بأبعد من] (٣) أن يكون سبباً من حفر البئر في [أصله] (٤). وإن قيل الضمان بحالٍ على حافر البئر، فهو بعيد أيضاًً؛ فإن التخويف بالسيف أحق بأن يحال عليه التردِّي من حفر البئر، فليتأمل الناظر ذلك. وقد قال الأصحاب: لو طلبه بسيفه، فقدّر [أن يتخطّى] (٥) بئراً، فغطاه، فانهار فيها، فالضمان يتعلق بطلب الطالب، وهذا يدل من كلام الأئمة على أن البئر إذا كانت مفتوحة، فالتردي منسوب إلى المتردِّي من حيث ترك التصوّن، وإذا كان البئر مغطاة، فالتردِّي محال على المُلجىء الطالب. فخرج من مجموع ما ذكرناه أنا إن قلنا في المتردي في البئر المحفورة: إذا تردّى نهاراً [لا يضمن أو نفصل] (٦) بين البصير والأعمى نهاراً، فينتظم الكلام في المسائل على نسق. والذي نتخذه [مذهباً] (٧) الفرق بين الليل والنهار، وبين أن تكون البئر مغطاة أو مفتوحة، وهذا متجه لا بأس به، وبقي النظر في حفر البئر والتردِّي فيه إذا انتهينا إلى مسائل البئر، أنعمنا النظر في ذلك، إن شاء الله . ١٠٦٩٧ - ومما ذكره الأئمة ﵃ أنه لو اتبع إنساناً على سطح فولّى، فانخسف به السطح، فلا يتعلق بالطالب ضمان، بخلاف ما لو كان الهارب في الطريق، فتخطى بئراً مغطاة، فانهار، فإن الضمان يتعلق بالطالب. ثم فرق

стр. 8635

الأصحاب بأن البئر المغطاة ليست محلّ مقام وتخطٍّ، فإذا ألجأ الطالب المطلوبَ إليه، فقد تسبب إلى إهلاكه، وليس السطح بهذه المثابة، فإنه محل تردّدٍ (١) وإقامة، فإذا اتفق الانخساف فيه، لم يكن الطالب منسوباً إلى الإلجاء إلى سبب الهلاك. وهذا فيه إشكال؛ فإنه لاينخسف موضع في السقف -وإن أُضعف، فقد صار ذلك الموضع في معنى البئر المغطاة-[ولو كنا] (٢) نقول: إن علم الطالب أن على طريق المطلوب بئراً مغطاة، فحينئذ يتعلق بفعله الضمان، وإن لم [يعلم] (٣)، لا يتعلق به الضمان، لكان ما ذكرناه في السقف سديداً، وإن كنا لا نفرق في البئر المغطاة بين أن يعلم الطالب بها وبين ألا يعلم؛ فإنه [يجدّ] (٤) في طلبه متعرضاً [للفداء] (٥) ملتزماً بسلامة العاقبة، وهذا هو الفقه. فقياس ذلك يقتضي أن يقال: إذا انخسف [السقف] (٦) لضعف موضع منه لم يشعر به، فيجب أن يتعلق الضمان بهذا الطالب، فهذا تمام الكشف في ذلك. ١٠٦٩٨ - ومما ذكره الأصحاب أن السلطان إذا هدّد امرأة حاملاً، وتوعدها بشيء بلغه منها، فأَجْهَضَتْ جنيناً، تعلق الضمان بذلك، [كان هذا] (٧) للإمام، [فحقه] (٨) في توعده بمثابة ما لو عزّر الإمام إنساناً، فهلك فيه، وسيأتي تفصيلٌ في كتاب الحدود -إن شاء الله وقد روي: "أن عمر بنَ الخطأب ﵁ أرسل إلى امرأة بلغه منها فجورٌ وهددها، وكانت ترقَى في سلّم، فسقطت وأجْهَضَتْ. جنيناً، فجمع

стр. 8636

عمر أصحاب رسول الله ﷺ وشاورَ. فقال عبد الرحمن: إنك مؤدِّب ولا شيء عليك، فقال علي: إن لم يجتهد، فقد غشك وإن اجتهد، فقد أخطأ، أرى عليك الغرة" (١) وغرض هذا الفصل مما ذكرناه أن هذا مما يعد من الأسباب المؤدية إلى الهلاك. ولو توعد رجلاً، وكان المتوعِّد مهيباً، فإذا وقع الوعيد من المتوعَّد موقعاً، وأفضى إلى هلاكه، فالضمان يتعلق به؛ فإن وقوع الهلاك من هذا السبب ليس بدْعاً، والذي يوضح ذلك ويحققه أن من أكره إنساناً على قتلٍ، فأحكام الإكراه تثبت بوعيد يصدر من المكرِه [قد يفي به] (٢) وقد لا يفي، ولكن إذا غلب على الظن وفاؤه به، كان بإكراهه قاتلاً (٣)، وفي المكرِه التفصيلُ المشهور. ثم هذه الأسباب التي ذكرناها، وقضينا بكونها مضمّنة، فهي تقع شبه عمد على ما سنعيد في باب من العواقل مراتب الأفعال في وقوعها عمداً وخطأ وشبهَ عمد، ونوضح حكمَ كلِّ مرتبة، إن شاء الله . فصل ١٠٦٩٩ - [إذا أخذ صبياً حُرّاً] (٤) وتركه في مَسْبَعة ولم يقدمه إلى سَبُع ضارٍ، وتركه في مضيعة، فافترسه سبع: فإن كان الصبي بحيث يتأتى منه المشي والانتقال عن المَهْلكة، فاتفق هلاكُه في تلك البقعة، فلا ضمان على حامله، فإنه لم يُهلكه، ولم

стр. 8637

يصدر منه سبب يعد مهلكاً، وإنما الذي انتسب إليه التضييع، واليد لا تثبت على الحرّ، [فامتنعت] (١) أسباب الضمان. ولو كان الصبي بحيث لا يتأتى منه الحركة والانتقال، وقد ألقاه في مضيعة، فهلك فيها [بسبع] (٢)، فقد اختلف أصحابنا، فذهب بعضهم إلى أن الضمان يجب، لأن هذا سبب ظاهر في الإهلاك عُرفاً، ولعله أبلغ من احتفار بئر في مسلك الطارقين. والوجه الثاني - أنه لا يغرم؛ فإن اليد لا تثبت على الحر ولم يوجد منه سبب هو أهلكه. ١٠٧٠٠ - وقد ذكر العراقيون صورة متصلة بما نحن فيه، فقالوا: لو سُلّم صبي إلى إنسان سباح ليعلمه السباحة، فأخذ يعلّمه، فغرق، فالواجب الضمان متعلقاًً [بأستاذه] (٣)، وزعموا أن ذلك من الأستاذ نازل منزلة ما لو كان يؤدبه، فأفضى التأديب إلى الهلاك، وزعموا أن اليد تثبت على الصبي الحر، ثم قالوا: لو كان بالغاً، فهلك، فلا ضمان؛ فإن البالغ [يستقل] (٤) بنفسه، ولا تثبت اليد عليه. والذي ذكروه في البالغ سديد، لا منازعة فيه، فأما ما ذكروه في الصبي، فإن ألقاه في الماء، وكان [يعلمه] (٥) السباحة، فإلقاؤه إياه يوجب الضمان، على تفاصيل ذكرناها في صدر كتاب الجراح، وإن أشار عليه من غير إكراه، فدخل الماء، وهو مهلك، فهذا فيه احتمال، والذي ذكره العراقيون توجيه الضمان، وشبهوه بالتأديب، وأطلقوا في أثناء كلامهم أن الصبي تثبت عليه يد الأستاذ، وثبوت اليد [غير] (٦) سديد، أما ربط الضمان بإلزامه التعليم وعدم الاستقلال للصبي بنفسه، فغير

стр. 8638

بعيد، وقد قالوا: إذا كان بالغاً، لم يجب الضمان أصلاً، ويحتمل أن يقال: لا يجب الضمان في الصبي المميز في الصورة التي ذكرناها؛ فإنه لم يوقع بالصبي فعلاً، وإنما الصبي دخل الماء من غير إكراه، والمسألة محتملة وسنذكر في باب حفر البئر سرّ القول في الأسباب التي يتعلق الضمان بها، ونكثر الأمثلة والمسائل، إن شاء الله. فصل قال: "ويقال: لسيد أم الولد ... إلى آخره" (١). ١٠٧٠١ - ونتكلم في القن إذا جنى، ثم نذكر أم الولد إذا جَنَتْ. فأما العبد القن إذا جنى أو أتلف مالاً، فما يلزمه من المال يتعلق برقبته لا محالة، ثم السيد له مسلكان: أحدهما - أن يسلم العبد ليباع في الجناية. والثاني - أن يفديه. فإن أراد أن يفديه، فبم يفديه؟ فعلى قولين مشهورين: أحدهما - أنه يفديه بأقل الأمرين من الأرش أو قيمة العبد. والقول الثاني - أنه يفديه بالأرش بالغاً ما بلغ وإن زاد على القيمة. توجيه القولين: [من قال] (٢): نفديه بالأقلّ وهو المنصوص عليه في الجديد احتج بأن الأرش إن كان أقل، فلا يخفى أنه لا يلتزم غيرَه، وإن كانت القيمة أقل، فلا يلتزم أكثر منها، فإنه لو سلم العبد ليباع، انقطعت الطّلبةُ عنه، فإذا أراد أن يفديه، فلا يلزمه إلا قيمة [بيعه] (٣)، ولم يسلمه. ومن نصر القول القديم، فلا تعلق له إلا أن العبد لو سلم وبيع [فربما] (٤) يشتريه زَبُونٌ بأكثر من قيمته. فإذا منعه -ثم لا منتهى يقف عنده في توقع ما يُشترَى به- فالوجه أن نقول: يجب الأرش بالغاً ما بلغ.

стр. 8639

١٠٧٠٢ - وقال القاضي: ينبغي أن يُتلقى القولان من التردّد في أن الجناية هل يتعلق أرشها بذمة العبد أم لا تعدو رقبتُه؟ وقد ذكر أصحابنا في ذلك وجهين: أحدهما - أن الجناية يتعلق أرشها بذمة العبد ورقبته مرتهنة. والثاني - أنه لا يتعلق بذمته. ومن أدنى آثار الخلاف في ذلك أنه لو عتق يوماً من [الدهر] (١)، وكان بقي من أرشه [شيء] (٢)، فهل يطالب بتلك البقية أم لا؟ فعلى الخلاف الذي ذكرناه. فالوجه الثاني - أنه لا يطالب إذا عتق؛ فإن الأرش لو كان يتعلق بذمته، لما تعلق برقبته كسائر الديون التي تلزم الذمة في المعاملات الصادرة عن [إذنٍ] (٣)، وقد يقول هذا الإنسان: ذمة العبد إنما يتعلق [بها] (٤) الحقُّ إذا امتنع [تعلقه] (٥) بالرقبة. وما ذكرناه من تردد الأصحاب أخذوه استنباطاً من القواعد، ولا نص للشافعي فيه، ثم زعموا أن القولين مأخوذان من هذا الأصل، ومعناه أن حقيقة القولين ترجع إلى ذلك، ووجهه أنا إن منعنا تعلق الأرش بالذمة، [فلا وجه إلا التعلق بالرقبة] (٦). وإن قلنا: الأرش يتعلق بذمة العبد [فيد] (٧) السيد بمثابة الضمان عن العبد. ومن أراد التخليص من دين، فينبغي أن يضمنه بكماله وتمامه، وكأن الأرش لزم ذمة العبد، وصارت الرقبة مرهونة بجميعه، فإذا أراد السيد فكَّ الرقبة، فلا بد من أداء جميع الدين، حتى تنفك الوثيقة. وقال بعض الأصحاب: الخلاف في أن الأرش يتعلق بالذمة، وهذا أصل يبين

стр. 8640

تفريعه، وهذه العبارة مختلة؛ فإن المصير إلى أن الأرش يتعلق بالذمة ليس فرعاً لأصل، وإنما هو حقيقة القولين ومعناهما. هذا حاصل [ما] (١) ذكروه. وفي البناء خلل؛ من جهة أن الأصح أن الأرش يتعلق بذمة العبد وأن العبد يطالب إذا عتق، والأصح أن السيد يفدي بأقل الأمرين، فلا ينتظم البناء للوجه الذي ذكرناه، والأولى الاقتصار على التوجيه الذي ذكرناه في صدر الفصل. ١٠٧٠٣ - ومما يتعلق بالتفريع على هذا الأصل أن السيد [إذا جنى عبدُه] (٢)، [فهل] (٣) يلزمه أن يفديه؟ فعلى القولين: فإن سلمه [ليباع] (٤)، فلا يلزمه غيره، وإذا قال: اخترت فداه، فهل يلزمه الوفاء به أم هو على خِيرته إن شاء وفا، وإن شاء سلم العبد؟ ظاهر المذهب أنه بالخيار، ولا يصير ملتزماً وإن اختار. ومن أصحابنا من قال: إذا قال: اخترت الفداء، لزمه الوفاء بما قال، ولا يشترط هذا القائل أن يقول: التزمت، بل إذا قال: اخترت، كفى ذلك، وكذلك لو قال أنا أفديه، فصيغة الوعد الجازم كافية، وإذا لم نشترط الالتزام، فقوله: اخترته بمثابة قوله: أنا أفديه. ١٠٧٠٤ - ثم مما فرعه هؤلاء أن جارية لو جنت، فوطئها مولاها، فهل يكون الوطء [اختياراً] (٥) أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يكون اختياراً، كما لو وطىء البائع الجارية المبيعة في زمان الخيار، فإن وطأه يكون اختياراً [للفسخ] (٦) ولو وطىء المشتري، كان ذلك اختياراً منه لإلزام العقد. والثاني - أنه لا يكون الوطء اختياراً؛ فإن تعلّق الأرش لم يثبت باختياره وقصده،

стр. 8641

والخيار يثبت شرطاً، وخيار المجلس وإن كان شرعاً، فهو مترتب على عقد ثبت اختياراً، وكل ذلك خبطٌ، لست أرى الاعتداد به، والمذهب (١) أن الفداء لا يلزم باختياره. ومما يتفرع على هذا المنتهى أنا إذا قلنا: لا يلزم الفداء بالاختيار، فلو قال: التزمت الفداء، فهل يلزم ذلك؟ إن قلنا: الأرش لا يتعلق بالذمة، ولا يفيد لفظ الالتزام شيئاًً، [فإن الأرش يبقى] (٢) برقبة العبد، وللسيد الفداء إن شاء. فإن قلنا: الأرش يتعلق بذمة العبد، فهل يصح ضمانه حتى لو قال أجنبي: ضمنت الأرش، يلزمه الوفاء به؟ هذا فيه تردد عندي، مأخوذ من كلام الأئمة، يجوز أن يقال: يصح الضمان، كما يصح الضمان عن الميت المعسر الذي لم يخلف شيئاًً، والعبد يرجو أن يعتق ويتمول [وآماله متوقعة] (٣)، وإن صح الضمان عن الميت المعسر، فلأن يصح عن العبد أولى. ويجوز أن يقال: لا يصح الضمان؛ فإنا وإن أطلقنا الذمة، فهو على تقدير التوقع والترقب بتقدير العتاقة، ولو لزم ذمّةَ العبد دينٌ غيرُ متعلق برقبته، ففُرض ضمانه، فالضمان في هذا النوع أولى بالصحة من الضمان في الأرش، ولا خلاف أنه يصح ضمان ما يتعلق بكسب العبد، وهو مايلتزم بإذن السيد، كالمهر في النكاح الصحيح، والوجه تصحيح الضمان عن العبد مهما (٤) حكمنا بتعلق الأرش برقبته، هذا فيه إذا كان الضامن أجنبياً. فأما إذا كان الضامن هو السيد، وذكر لفظاً مضمونه الالتزام، فهذا عندنا مرتبٌ على ضمان الأجنبي، ولعل الأصح أنه يصح منه الضمان والالتزام لتعلق ذلك بملكه. والله أعلم.

стр. 8642

١٠٧٠٥ - ومما يتعلق بتمام التفريع في ذلك أنه لو أعتق السيدُ العبدَ الجاني، وقلنا: إنه ينعقد العتق فيه، [فالأصح] (١) أنه لا يلتزم إلا الأقل، والسبب فيه أن أجنبياً لو قتله، لم يلتزم أكثر من قيمته، وإعتاق السيد بمثابة إتلافه، فيبعد أن يلتزم السيد بإعتاقه مملوك نفسه أكثر مما يلزمه الأجنبي بقتله، وفي بعض التصانيف أن من أصحابنا من أجرى في الإعتاق القولين أيضاًً، ويصير السيد بالإعتاق ملتزماً للأرش -على أحد القولين- بالغاً ما بلغ. ولو قتل السيد العبدَ الجاني، فالوجه القطع بأنه لا يلتزم إلا الأقل في هذا الباب، [ومن أصحابنا] (٢) من أجرى القولين فيه إذا قتله، وأما إذا باع العبدَ الجاني، فقد ذكرنا في كتاب البيع تفصيلَه على بيانٍ شافٍ، فليطلب في موضعه. ولو قتل أجنبيٌ العبد الجاني، والتزم قيمته، فيتعلق حق المجني عليه بقيمة العبد حسَب تعلقه برقبته، ثم السيد على التخيير في ذلك، كما أنه متخير في الرقبة، فإن سلم البدل [بعينه] (٣)، فهو كتسليمه العبد، وإن أراد أن يؤدي الأرش من سائر ماله، فله ذلك، كما للوارث أن يفعل ذلك في أعيان التركة المستغرَقة، وكل ما ذكرنا في العبد القن إذا جنى. ١٠٧٠٦ - فأما أم الولد إذا جنت، فبيعها غير ممكن، ولكن أجمع أئمتنا على أن السيد يلزمه الفداء، وهذا مما يغمض تعليله؛ من جهة أن السيد تصرّف في ملك نفسه، واستولد جاريته، فإلزامه الفداء بسبب جناية تصدر منها بعد الاستيلاد بعيدٌ عن قياس الأصول، ولكنه متفق عليه بين أصحابنا. ثم إذا ألزمناه الفدية، فقد اختلف أصحابنا فيما يلتزمه، فذهب المحققون إلى القطع بأنه لا يلتزم إلا الأقل، ومن أئمتنا من قال: فيما يلتزمه السيد قولان كالقولين

стр. 8643

في العبد القن؛ فإنه بالاستيلاد السابق، صار مانعَها من البيع عند الجناية. ثم ذكر الشيخ أبوعلي أن القيمة المعتبرة في الفداء للمستولدة هي قيمة يوم الاستيلاد، واعتل بأن قال: إنما صار السيد مانعاً يوم الاستيلاد، وذلك المعنى لا يتجدد، فينبغي أن نعتبر [قيمة يوم الاستيلاد] (١)، وهذا الذي ذكره غيرُ متجه عندي، والذي كان يرتضيه شيخي أن الاعتبار [بقيمتها] (٢) يومَ الجناية؛ فإن اعتبار قيمةٍ متقدمة على الجناية بعيد عن التحصيل. نعم، يجوز [أن] (٣) نجعل السيد بالاستيلاد المتقدم [مانعاً حال] (٤) وقوع الجناية، وهذا أقيس وأفقه [مما] (٥) ذكره الشيخ أبو علي. فقد تحصّل وجهان كما ذكرناه: على طريقة شيخي نعتبر قيمته وقت الجناية، فإن الفداء في المستولدة بالجناية، ولا حاجة إلى تقدير اختيار الفداء، فإنه لا وجه له غير الضمان (٦). ١٠٧٠٧ - ومما نفرعه على جناية المستولدة [أنه] (٧) لو جنت أم الولد، ففداها، ثم جنت مرة أخرى، فهذا يستدعي تقديم حكم العبد القن في تكرر الجناية، فنقول: إذا جنى عبدٌ مراراً، فلا يخلو إما أن يجني ويفديه ثم يجني، وإما أن تصدر منه جنايات ولا يتخللها الفداء. فإن جنى مراراً، ولم يتخلل الفداء، ثم توجهت الطلبة، فأروش الجنايات وإن كثرت بمثابة الجناية الواحدة، فيجري القولان في أنه بكم يفديه؟ أحدهما - أنه يفديه

стр. 8644

بأقل الأمرين من الأروش والقيمة مرة واحدة. والقول الثاني - أنه يفديه بالأروش بالغة ما بلغت، [أو يسلم] (١) العبد ليباع في الأروش. فإن جنى العبد، ففداه السيد على القولين كما تقدم، فإذا جنى مرة أخرى، فأراد فداه على الترتيب الذي فداه في المرة الأولى، فلا أثر لما تقدم ولكل جناية حكمها، [وإن تقدم فداء] (٢) الجناية المتقدمة، والسبب فيه أنه مانعٌ عند كل جناية منعاً جديداً، فيقتضي كلُّ منع فداءً مستقلاً، هذا حكم العبد إذا تكررت منه الجناية. فأما المستولدة إذا تكررت منها الجناية، فلا يخلو إما أن يتخللها الفدية أو لا يتخللها الفداء، فإن اجتمعت جنايات ولم يتخللها الفداء، فجميع الجنايات كجنايةٍ واحدة، كما تقدم. فإذا جنت أم الولد جناية أرشُها مثلُ قيمتها، ففداها المولى، ثم جنت جناية أخرى أرشها مثل قيمتها أيضاً، ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما - أنه لا يلزم السيد أن يفديها مرة أخرى بعد ما [بذل] (٣) قيمتها في الفداء، فإنه إنما التزم الفداء لأن [الاستيلاد] (٤) في حكم الإتلاف والاستيلاد لا يتكرر، ولا يتعدد (٥)، [فعلى هذا

стр. 8645

يشارك] (١) المجني عليه الثاني الأولَ فيما أخذه، يشتركان فيه، كما سنذكره في التفريع. والقول الثاني - أن السيد يلزمه أن يفدي مرة أخرى، ولا يسترد من الأول ما أخذه وتنزل المستولدة منزلة العبد القن، وقد ذكرنا أن العبد إذا تكررت منه الجناية، وتخلل الفداء تتجدد الجناية. توجيه القولين: من قال لا يلزم السيد أكثر من القيمة مرة واحدة، استدل بما ذكرناه من اتحاد [سبب] (٢) الضمان وهو الاستيلاد، ومن نصر القول الثاني احتج بأن السيد مانعٌ عند كل جناية بحكم الاستيلاد السابق، [فيتعدّد] (٣)، المنع على هذا التقدير. التفريع على القولين: ١٠٧٠٨ - إن قلنا: إن الفداء يتعدد، فلو جنت أم الولد، ففداها بمثل قيمتها، فجنت مرة أخرى، فيفديها كما فداها أولاً، ولا يُسترد من الأول شيء [مما] (٤) أخذه. وإن قلنا بالقول الثاني [فإن] (٥) كان الفداء [الأول] (٦) مثلَ القيمة، فقد انتهى غُرْم المولى، فإن جنت مرة أخرى جناية توجب القيمة، فالثاني يشارك الأول ويسترد منه نصفَ ما أخذ، ولا [يتميز] (٧) الأول بسبب تقدّمه، بل يقسمان الفداءَ الأول على قدر

стр. 8646

أرش الجنايتين، [فإن] (١) كان الأرش الأول ألفاً والثاني ألفاً، فهو بينهما نصفان، وإن كان أرش الجناية الأولى ألفاً والأرش الثاني خمسَمائة، فالألف المبذول بينهما ثلث وثلثان، وعلى هذا البابُ وقياسُه. ومما يليق بما نحن فيه أن الذي غَرِمه أوّلاً [إن] (٢) لم يبلغ تمام قيمة المستولدة، فجنت جناية أخرى، فيجب على المولى تتمة القيمة، ثم يضم الآخر إلى الأول ويقسم بينهما على أقدار الأروش. وبيان ذلك بالتصوير أن الجناية الأولى كان أرشها خَمسمائة وقيمتها (٣) ألفٌ، وقد غرم المولى خَمسمائة، فجنت جناية أخرى أرشها ألف، فيغرم المولى خَمسمائة، ولا يزيد، ثم يأخذ المجني عليه [الثاني] (٤) من الألف الذي غرمه المولى -بدفعتين- ثلثاه، وهو ستة وستون وستمائة درهم وثلثا درهم. وقد بان الغرض بما ذكرناه، نبهنا بالمسائل التي صورناها على أمثالها. ١٠٧٠٩ - ثم إن المزني اختار من القولين أن السيد يغرَم بكل جناية أرشَها، أو ما يقتضيه الفداء فيهما ابتداء، ولا يسترد المتأخر من المتقدم شيئاً. وقال: إذا ملك المجني عليه الأولُ الأرشَ الذي سُلّم إليه، فيبعد أن يقال: يُنقض ملكه بسبب جناية أخرى تتفق، وأتى بلفظه المعهود منه في الإعراب عن نهاية الاستبعاد (٥). وقال: "نقضُ ملك الأول ليس بشيء" (٦). [فيقال] (٧) له: أما إلزام المولى أصل الفداء، فمشكل من طريق المعنى

стр. 8647

[جدّاً] (١)، كما تقدم ذكره في صدر الفصل، ثم إن لم يكن من الفداء بد، فالزيادة على قيمةٍ واحدة ولم [يوجد] (٢) الاستيلاد إلا مرة واحدة بعيد. وإذا أوجبنا ألا نزيد على قيمة المستولدة في تغريم المولى، وهذا قياس بيّن، [فالتزاحم] (٣) بعد هذا القياس ليس ببعيد؛ إذ لا [يستقيم] (٤) بعد ما مهدناه - غيرُه. ورب شخص يملك شيئاً في ظاهر الأمر، وهو موقوف مراعى (٥)، وهذا بمثابة ما لو كان حفر رجل بئراً في محل ضمان وعدوان، ومات وخلف ألف درهم، فتردى في البئر -بعد اقتسام الورثة الألفَ-[متردٍّ] (٦) قيمتُه ألف، فتُنقض [قسمة] (٧) الورثة، وتُصرف الألف إلى جهة الغرامة، فهذا نقضُ ما في (٨) أقل التصور، فلو [تردّى] (٩) في البئر بهيمة أخرى قيمتُها ألف، فإنا نجعل الألف بين الجهة الأولى والثانية، وهكذا لو تعددت جهات الضمان وتجددت، فلا نزال ننقضُ ونعيد القسمةَ، ولا نجعل للمتقدم مزيةً، بسبب تقدمه، ولا [تحديد] (١٠) من المضارب في مقدار التركة. هذا بيان مأخذ المسألة في الصور والحتم (١١).

стр. 8648

فصل (١) قال الشافعي ﵁: "إذا اصطدم الراكلبان على أي دابة كانت ... إلى آخره" (٢). ١٠٧١٠ - إذا التقى ماشيان واصطدما وماتا، فعُلم أن كل واحد منهما مات بقوّة نفسه وقوة صاحبه؛ فإن الصدمة تقع بالقوتين جميعاً، ثم ما يقابل قوة الإنسان، فهو هدر من جانبه وما يقابل قوة صاحبه، فهو مضمون، ثم إذا تأصل ذلك، فلا وجه للنظر في تفاوت القوتين، واختلاف تأثيرهما في الصدمة، فإن ذاك أمر لا يدخل تحت الضبط، وهو بمثابة قولنا: إذا جرح رجل رجلاً مائة جراحة من غير [تذفيف] (٣) وجرح المجروح نفسه جراحة واحدة، وحصل الزهوق محالاً على الجراحات، فالحكم أنه يُهدَر نصفُ الدية، ويجب نصفها. هذا مأْخذ الباب، وموجب ما ذكرناه يتضمن أن نُهدر ما يقابل فعلَ كل واحد منهما في حق نفسه، ونوجب ما يقابل فعل الثاني، وموجَب ذلك التنصيفُ لا محالة. ١٠٧١١ - فإذا تمهد أصل الباب قلنا: إذا اصطدم ماشيان على غير عمد وهلكا، فيهدر نصفُ دية كل واحد منهما بسبب فعله، ويجب دية نصف كل واحد منهما على عاقلة صاحبه؛ فإن مسائل الباب تتصور في الخطأ وشبه العمد، كذلك تتصور الوقائع في العادة المطردة. ولو اصطدم راكبان على دابتيهما، وهلكا، وهلكت الدابتان، فيهدر من كل واحد نصفُ ديةٍ، ويهدر نصفُ قيمة دابة كل واحد منهما، ويجب نصف قيمة كل دابة في مال الآخر، ويجب نصف دية كلِّ واحد منهما على عاقلة الآخر؛ فإن الدية محمولةٌ معقولة، بخلاف قيمة الدابة.

стр. 8649

ويجب على كل واحد منهما كفارةٌ بسبب تأثير فعله [في] (١) قتل الثاني. ومن حيث شارك كلُّ واحد في قتل نفسه، فيجب عليه كفارةٌ أخرى بسبب سعيه في إهلاك نفسه إن قلنا: على من قتل نفسه الكفارة، ففيه اختلاف مشهور سيأتي مشروحاً -إن شاء الله فإذاً يجب على كل واحد منهما كفارةٌ بسبب سعيه في إهلاك صاحبه، وفي إيجاب كفارة أخرى وجهان مأخوذان [من أن] (٢) من قتل نفسه هل تلزم الكفارة [في] (٣) تركته أم لا؟ ثم قد يعترض في قسمة الديتين التقاصُّ إن كانتا متساويتين، وإن كانتا متفاوتتين [فإجراء] (٤) التقاصّ في مقدار التساوي، والزيادة على التساوي تجب في مال الآخر. وما ذكرناه كله من جليات الفقه وقواعده، ولا يخفى بعد تمهيدها تخريج المسائل عليها، إن شاء الله . ١٠٧١٢ - ونحن نذكر ثلاثة أنواع من الكلام تجري مجرى الأصول: أحدها - أنا لا ننظر [إلى] (٥) المصطدمين في القوة والضعف، حتى [لو كان في إحدى الدابتين،] (٦) و [ذلك] (٧) من الماشيين بمثابة صدور جنايتين من جانيين، ثم قد ذكرنا أنه إذا كثرت جناية أحد الشريكين وقلت جناية الآخر، وآل الأمر إلى المال، فالدية موزعة عليهما بالسوية، فإنا لا نجد ضبطاً في التوزيع والتقسيط، فلا وجه إلا الحكم بالمقابل [وعدم] (٨) الالتفات إلى أقدار القوة والضعف. ثم ذكر الشافعي ﵁ في محاولة تحقيق هذا شيئاً أجراه مثلاً، فقال: "لو كان أحدهما على فيل والآخر على كبش، فاصطدما، فالإهدار في الشطرين وإثبات

стр. 8650

الضمان في الشطر الثاني على ما ذكرناه (١) " ولم يرد الشافعي بهذا تصويراً على التحقيق؛ فإن الكبش لا يركب، ولا يفرض تصادمه للفيل. والذي يجب اعتباره في ذلك أن الدابة وإن كانت ضعيفة، فينبغي أن نَفْرِض لصدمتها أثراً مع قوة الدابة الصادمة، فأما إذا قطعنا بأنه لا أثر لها أصلاً، فلا يناط بحركتها حكم، وهو بمثابة ما لو جرح رجل جراحات ناجعة، ويفرض من [الثاني الإبرة يغرزها] (٢) في جلدة [العقب] (٣) فهذا لا أصل له، [والقتل] (٤) محال على الجارح. وإن كان لا يبعد تقدير تأثير، [فلا نظر] (٥) إلى التفاوت بعد ثبوت أصل التأثير، ولا يشترط أيضاً القطع بالتأثير؛ فإن من جرح رجلاً مائة جراحة ضعيفة، فقد لا نقطع بأن هذه الجراحة لها أثر، ولكن إذا كنا نجوّز أن نثبت لها أثراً، كفى التجويز في ذلك، ورجع الحكم إلى التشطير بين الجانيين، هذا أحد الأنواع. ١٠٧١٣ - النوع الثاني - أن نصوّر ما يقع عمداً أو ما يقع خطأ، وهذا يفرض على ثلاثة أوجه، فإن اصطدم الفارسان، وكانا مقبلين وقصدا الصدمة، وحققا قصديهما، فالذي صدر من كل واحد عمدٌ محض، [والواجب] (٦) القصاص [والتخريج] (٧) على شريك النفس، وقد مضى التفصيل فيه إذا جرح رجل رجلاً، فجرح المجروح نفسه، فإن قلنا (٨) [بالقصاص، فقد] (٩) فات محل القصاص، فسقط القصاص، والرجوع بعد سقوطه إلى المال، ثم يهدر على ما ذكرناه نصفُ دية كل واحد منهما، ونصف دية
следующие страницы →