← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

ثم قال الأئمة في هذا المنتهى: الغالب أن الثنايا تكون أطول من الرَّباعيات، فإن كان ثنايا بعض الناس مثل الرَّباعيات أو أقصر منها، فكيف الحكم؟ ما ذهب إليه الأكثرون أنه لا يجب في الثنية والحالة هذه تمام الأرش، كما إذا كانت الإصبع الوسطى مثل المسبِّحة، فلا يجب فيها تمام دية إصبع، [ولذلك] (١) يجب [في] (٢) الثنية مقدار من الأرش: فنقدر الطول الذي كان ينبغي أن يكون، ويتوزع الأرش، ويسقط في مقابله ما عدمنا مقدارَه، ويبقى مقدار الباقي، وفي بعض التصانيف أنا نوجب فيه حكومة، وهذا غلط إلا أن يريد بها البعض على القياس الذي ذكرناه. وكان يحتمل أن يجب تمام الأرش، وفي كلام الأئمة رمزٌ إليه، ووجهه أن زيادة الثنايا [ليست] (٣) مطردة؛ حتى يقال: خلافُه خارج عن عادة الخلقة، والناس على تفاوت عظيم في خلقة الأسنان، وليس كذلك الأصابع، على أني سأذكر في الأصابع إذا انتهيت إليه ما ينبغي. ١٠٦٣٨ - ثم نتكلم بعد هذا في استيعاب الأسنان في القلع، وتعدد أروشها، فنقول أولاً: إذا قلع الجاني سناً، وتركه حتى برأ واندمل، وزال أثر الجناية، ثم قلع سناً آخر، ثم هكذا إلى استيعاب الأسنان، فهاهنا نوجب في كل سن خمساً من الإبل. [ولو] (٤) اشترك جماعة، فقلع كل واحد منهم سناً [أو واحدٌ عشرين] (٥)، وقلع

стр. 8577

الآخر الباقي، فيجب على كل واحد [منهم] (١) الأروش بكمالها؛ فإنه لا يختص كل واحد [بأكثر] (٢) من الدية، وهذا [نهايتها] (٣)، [ولو قلع قوم] (٤) كل واحد سناً (٥)، وكذلك إن قلع سناً، وغرم أرشه، وقلع آخرَ وغرم [أرشه] وهكذا، (٦) حتى استوفى الأسنان، فالأروش تثبت، [وإن] (٧) زادت على الدية هذه صورة وحكى الأئمة الوفاق في وجوب تمام الأروش فيها (٨). ولو جنى جناية أسقط فيها جميع الأسنان دفعة واحدة، فهل نوجب الأروش بكمالها، أم لا نزيد على ديةٍ واحدة؟ فعلى قولين: أصحهما - أنا نوجب الأروش، وإن زادت على الدية، وهذا هو القياس. والثاني - أنه لا يجب أكثر من دية واحدة؛ فإنها [أعدادٌ متقابلة متعاونة على العمل كالأصابع] (٩) وهذا [لا يستدّ] (١٠) مع أن الأروش تزيد في الصور التي ذكرناها.

стр. 8578

ولو قلع جانٍ واحدٌ، فقلع الأسنان واحداً واحداً، ولم يتخلل اندمالٌ، ولا غرامةُ أرش، ففي هذه الصورة طريقان: أحدهما - القطع بإيجاب الأروش بالغةً [ما بلغت] (١)؛ لتعدّد الأفعال وترتبها. والثانية - أن المسألة تخرّج على القولين اللذين ذكرناهما. ١٠٦٣٩ - ومن الأصول في الأسنان أن اللحيين فيهما دية كاملة، وهي من مباني البدن، ولا يخفى ظهور وقعهما ومنفعتهما وعِظم أثرهما. ثم قال الشافعي ﵁: "الأسنان العليا في عظم الرأس، والسفلى في اللحيين" (٢) وقصد بذلك التعرض [لأرش اللحيين] (٣)، وهو أن من قلع لحيي شخص، وألزمناه الدية، فهل تلزمه أروش الأسنان مع دية اللحيين؟ فعلى وجهين: أحدها - أنها تتبع؛ فإن المتركب على الشيء إذا قُلع مع أصله، لم يفرد كل واحدٍ منهما بأرش الانفراد، والأقيس إثبات الأروش مع دية اللحيين (٤). ١٠٦٤٠ - إذا ضرب سنَّ إنسان فاسودّ، فقد اختلف نصّ الشافعي فيه، فقال في موضعٍ: "يلتزم الحكومة" [وقال في موضع يلتزم عقلها] (٥)، فقال المزني: أجعل المسألة على قولين، واختار إيجاب الحكومة، واحتج بأن منفعة السن باقية: من القطع والمضغ وغيرهما (٦). فقال الأئمة: ليست المسألة على قولين، بل النصان منزلان على حالين: فحيث

стр. 8579

أوجب الدية أراد إذا سقطت منفعة السن، وحيث أوجب الحكومة أراد إذا لم تسقط منفعتها. وفيما [ذكروه] (١) نظر وبحث، فنقول: إن كان يتأتى المضغ والقطع ولم يحدث إلا اسوداد، فلا يلزم إلا الحكومة، وإن كان لا يتأتى بالسن ما ذكرناه، فربما [يتعذر بسببه] (٢) الانتفاعُ [بما عداه، فقد سقطت] (٣) المنفعة، وبقاء الجرم [لا ينافي] (٤) وجوب الأروش، كما لو ضرب يداً، فأشلها. [وإن اخضرّت السن أو انتبرت، وتقلقلت] (٥)، وبان أنه من آثار الجناية، فإذا سقط، وجب الأرش في سقوط العضو [على] (٦) ما تقدم ذكره. وإن كان يتأتى به القطع والمضغ ولكن على ضعف، فهذا بمثابة ما لو ضرب يد إنسان فأضعفها ولم تسقط منفعتها بالكليّة، فتجب الحكومة، ثم الحكومة على قدر ما فات، ولا سبيل إلى [التقدير] (٧)، فإنه لا ينضبط ما فات وبقي على وجهٍ لا يتأتى فيه [شبهة] (٨) من جهة التقدير، فإذا لم [يتقدّر] (٩) ما فات، لم يتأت تعبير عن [عوضه] (١٠)، فأثبتنا الحكومة صادرةً عن النظر والاجتهاد، فهذا جميع ما يتعلق بهذا. فالاسوداد المجرد لا يوجب الأرش بكماله. نعم، يتعلق به الحكومة، وستأتي أصول الحكومة، إن شاء الله .

стр. 8580

ثم حيث أوجبنا على الجاني حكومة، فلو جنى جانٍ وقلع ذلك السن، قال الأصحاب: على قالعه أرشٌ كامل، وإن أوجبنا على الجاني الأول أرشاً كاملاً، فنوجب على القالع حكومة، وهذا بيّن عند الأصحاب في الأصول. ١٠٦٤١ - وفيه نظر عندي وبحثٌ: فإن من نَقَصَ (١) السنَّ وأزال بعضَ منفعته، فالذي يضمنه في مقابلة ما أزاله -إذا ضمن- شيءٌ (٢) من المنفعة، [فالقول] (٣) بإيجاب تمام الأرش قد يُشكل على الناظر؛ وهذا السؤال قد يتجه فيما إذا جنى على يد إنسان، فأضعفها، وضمن الحكومة، ثم يترتب على ما ذكرته من الإشكال أمر القصاص، وقد قال الأئمة: في الصورة التي انتهينا إليها: لو قلع قالع ذلك السن، أو قطع تلك اليد فيلزمه القصاص، واليد الكاملةُ لا تقطع إلا بيدٍ كاملة. فنقول: إذا ضعفت اليد خلقةً، أو ضعف السن، [فلا] (٤) إشكال في إتمام الأرش على الجاني، فإنا لَوْ لم نقل هذا، لوقعنا في عَماية لا تنجلي، فإن [أفراد] (٥) منافع الأعضاء لا تدخل تحت الضبط، فيكفي في إكمال أبدالها كمال الخلقة صورةً، وثبوتُ المنفعة على الجملة، ولا نظر إلى قدر المنفعة. هذا في الضعف الذي يكون من [طريق] (٦) الخلقة ويستوي فيما ذكرناه الأصلي والطارىء إذا كان من طريق الخلقة، من غير فرض جنايةٍ وضمان. فإذا فرض النقصان بجناية، وفرض الضمان، ففيه الإشكال، فإن [قيل] (٧) [الفائت] (٨) مضمون، فإذا وجب تمام الأرش، فهذا يتضمن تضعيف الضمان في القدر الذي تعلق الضمان الأول به. قلنا: الأمر كذلك، ولكن سرّ الحكومة أنا

стр. 8581

لا نوجبها في مقابلة مقدارٍ من المنفعة على التحقيق، ولكنا نقول: جنايةٌ مؤثرةٌ، [وليس] (١) فيها تقدير شرعي، ففيها حكومة، ثم أقرب مسلك نلتفت إليه المنفعةُ اجتهاداً وتخميناً، [وتعدّد] (٢) الجناة قد يوجب مثلَ ذلك؛ فإن من قطع يدي رجل وحز رقبته، فالنص أنه لا يلزمه إلا دية واحدة، ولو قطع يديه إنسان، وقتله غيرُه، فديتان وفاقاً، وسنذكر هذا موضحاً في فصول الحكومات، إن شاء الله . فصل ١٠٦٤٢ - إذا تحرك سن الإنسان وتقلقل لهَرَمٍ أو لعلة، فقَلَعَه قالع، قال الأئمة: في وجوب القصاص والأرش الكامل قولان. وهذا عندي فيه ترتيب؛ فإن تقلقل على وجهٍ يغلب على الظن أنه يثبت [ولم] (٣) تسقط المنفعة [ولم تزُل، فهذا] (٤) بمثابة مرض في العضو، فإذا قُلعت، فيجب [لضمان] (٥)، ويُقْطَع بالقود وبكمال الأرش. وإن كان التحرك بحيث يغلب على الظن أن السن إلى السقوط لما به، ففيه قولان: أصحهما - وجوب القصاص والأرش الكامل؛ [فإن] (٦) المنفعة وإن قلّت وضعفت، فالعضو باقٍ، وقد قدمنا أن مثل هذا وإن [نقص] (٧) المنفعةَ لا يؤثر في إسقاط الصحة والحكم بالسلامة. والقول الثاني - أن [القود] (٨) لا يجب؛ فإن السن انتهى إلى السقوط، وفي جنسه ما لا يتعلق به كمال الأرش؛ من حيث إن مصيره إلى السقوط، وهو سن الصبي الذي

стр. 8582

لم يُثْغر، وإنما خرج هذا القول لهذا الشبه، وإلا فلا خلاف في سائر الأعضاء أنها إذا [اكتسبت] (١) ضعفاً، فهي [كالأعضاء] (٢) القوية. ثم هذا التعلّق غير صحيح أيضاً؛ فإن المعتبر في سن الصبي أنه يسقط ويخلف، وهذا لا يتحقق في سن الشيخ؛ فإنه إن سقط، فلا [خلف] (٣) له. فكأن الأعضاء تنقسم: فما ضعف وكان الغالب أنه يبقى صاحبه (٤)، فلا حكم لذلك الضعف، وما سقط إلى خلفٍ وبدل، فهو سن من لم يثغر سنه، وما يسقط غالباًً إلى غير خلف، وإن لم يظهر أثره، فهو عضو كامل في القصاص والأرش، فإن ابتدأ يتحرك، ففيه القولان، والأصح عندي الحكم بموجب الكمال. فرع: ١٠٦٤٣ - إذا قلع سناً لم يُثْغَر من صبي، فقد ذكرنا أنا ننتظر من أمره العَوْدَ [أو غُرْمه] (٥)، فلو مات الصبي قبل أن يعود سنه، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين: أحدهما - لا نكمل الأرش؛ لأن [العود كان متوقعاً] (٦)، فقطعه الموت. والثاني - يلزم، فإن القطع [قد] (٧) تحقق، ولم يكن عود، ولا ننظر إلى تفصيل السبب الذي لأجله لم يعد السن. ومما يتعلق بهذا المقام أنه لو قلع قالع سنَّ صبي، فجاء جانٍ وجنى على ذلك المنبت، فلم يعد السن، وقيل: لولا الجناية، لكان يعود السن، فهذا [محلٌّ] (٨) مشكل: [يجوز أن يقال: يجب الأرش على القالع] (٩)، ويجوز أن يقال: لا يلزم القالع إلا الحكومة، ثم ليس يظهر في هذه الحالة إيجابُ الأرش على الجاني الثاني

стр. 8583

وإن نفيناه عن الأول، وإيجاب الأرش بينهما لا يصير إليه فقيه. ولو سقط سن الصبي بنفسه، فجنى جانٍ على المنبت، فلم يعد السن، فهذا مشكل أيضاًً، وقد يتجه إيجاب الأرش على الجاني؛ من جهة ظهور فساد المنبت ولم تتقدم جناية من قالع حتى تكون الإحالة [عليها] (١)، والله أعلم، ولا قطع مع الاحتمال، [ولا نَقْلَ] (٢) نعتمده. فرع: ١٠٦٤٤ - إذا بلغ (٣) الصبي في العاشرة وله سن بعدُ لم يُثغَر، فقلع سناً لم يُثْغَر مماثلاً لسنه، فهل نقلع سنَّ القالع جرياً على إجراء القصاص في الأعضاء الزائدة. قال شيخي لما راجعته في ذلك: لا قصاص في الحال، فإن سن المجني عليه إن عاد، فقد لا يعود سن الجاني، فإن لم يعد سن المجني عليه، ورأينا القصاص فيه، كما تقدم، فنقطع سن من لم يُثْغَر، فإن لم يعد، فالسن بالسن. وإن عاد سنه، فهذا العود معتبر بلا خلاف، فنقول: لم يعد سن المجني عليه، وعاد سن الجاني، فهل نقلع سنَّه الثاني؟ فيه خلاف، ويظهر هاهنا أن نقلع ثانياً، فإن الأول لم يكن مثغوراً، وإن لم يقلع، ولا شك في إكمال الأروش في سن المجني عليه، فتأملوا، ترشدوا، إن شاء الله . فرع: ١٠٦٤٥ - إذا انقلع سن إنسان وسقط، فاستعمل سناً من ذهب، وردّه إلى سنخ ذلك السن، فنشب اللحم به ونبت، وصار يَقطَعُ به ويمضغ، فلو قلع قالع هذا السن، فقد اختلف قول الشافعي في أنه هل يجب على القالع حكومة أم لا؟ فأحد القولين - أنه لا حكومة لأنه لم يكن جزءاً من الحيوان، والثاني - تجب الحكومة لما كان فيه من المنفعة، والتعلق بالآدمي، وفي المسألة احتمال بيّن لو تُصوّرت، وعندي أنها لا تتصور ولا يتصور أن يلتحم [اللحم] (٤) على [الذهب] (٥) والله أعلم. فهذا ما حضر ذكره في أصول أحكام الأسنان.

стр. 8584

فصل قال: "وفي اليدين الدية ... إلى آخره" (١). ١٠٦٤٦ - في اليدين الدية، وقد قال ﵇: "في اليدين الدية، وفي الرجلين الدية" ثم يجب في اليد الواحدة نصف الدية، والديةُ تكمل بلَقْط الأصابع، فإن قُطعت اليد من الكوع، لم نزد شيئاًً وفاقاً، وفي كل إصبع عشرٌ [من الإبل] (٢)، ولا فرق بين إصبع وإصبع، وقيل: كان عمر ﵁ يفاوت بين الأصابع في الأروش، فبلغه أن الرسول ﵇ قال: "الأصابع سواء، والأسنان سواء" فرجع إلى الاستواء، وترك ما كان عليه (٣). ولكل إصبع في اعتدال الخلقة ثلاثة أنامل إلا الإبهام، فإن [لها] (٤) أنملتان عندنا، وفي كل أنملة من [الأنامل] (٥) الثلاثة (٦) ثُلُث الإصبع، وفي أنملة واحدة من الإبهام نصف دية الإبهام، والكفُّ يتبع الأصابع. ولو قطع اليدَ من المرفق، ففي الساعد حكومة زائدة، وكذلك إذا قطع من الكتف، فالتبعية إنما تثبت في الكف، كما ذكرناه، [ولو قطع القاطع من المنكب، فالقصاص جارٍ فيه، فإنه مفصل لا يتعذر استيفاء القود منه] (٧)، كما قدمناه في كتاب القصاص. ولو جنى على يده، فأشلها، وجب كمال دية اليد؛ لإزالة المنفعة، ولا يجري

стр. 8585

القصاص في المنافع؛ [فإن] (١) إجراء القصاص غير ممكن فيها. ولو كسر يد إنسان فجبره، [فجاء] (٢) الجبر معوجاً، وجبت الحكومة، فلو قال الجاني: أنا أكسره، وأجبره مستوياً، حتى يقلّ الغُرم عليه، لم يكن له ذلك، ولو فعله وانجبر مستوياً، لم يسقط عنه ما وجب أولاً، وتجب حكومة جديدة بالكسر الجديد. وهذا القول في اليد. ١٠٦٤٧ - ويجب في الرِّجْل ما يجب في [اليد] (٣)، والقول في أصابع الرجل كالقول في أصابع اليد سواء، وقد يعترض إشكال فيها، فإن أصابع اليد إذا لُقطت [وتُركت] (٤) الكف، فمن قطعَ الكفَّ، فعليه حكومة في الكف. ولو قطعت أصابع الرجل، [فإن] (٥) معظم منافع الرجل باقية؛ فإن المقصود منها المشي، وهو باقٍ، وإن المقصود من اليد البطش ومعظم البطش في الأصابع، ولكن اتفق العلماء على أن القدم من غير أصابع بمثابة الكف من غير أصابع. وفي رِجْل الأعرج كمالُ الدية؛ فإن سبب العرج في الحِقْو أو الفخذ، وقد يكون تشنج (٦) في العصب، [فلا] (٧) تنتقص الدية بالعرج أصلاً. ١٠٦٤٨ - ثم قال (٨): "وإذا كان بيد رجل كفَّان ... إلى آخره". ما قدمناه في اليد والرجل بمثابة الأصول، وهذا أول الخوض [فيما] (٩) يكاد يغمض، ونحن بعون الله تعالى نأتي منه بالبيان الشافي. فليعلم الناظر أنه لا يتصور أن يكون على معصم واحدٍ كفان أصليتان، ولا على

стр. 8586

ساقٍ واحد قدمان أصليتان، فلا بد وأن تكون إحداهما زائدة، أو تكونا ناقصتين في مقابلة يد واحدة، كما قدمنا تصوّر ذلك في الأصابع، في كتاب القصاص، وكل ما يتعلق بهذا الفصل [قد] (١) سبق مستقصىً في الجراح. ولا يتأتى استيفاء حكم القصاص دون ذكر أحكام الديات، فلذلك تقدم [لُباب] (٢) هذا الفصل فيما تقدم، ونحن نذكر ما نراه زائداً، [وما في] (٣) إعادته [ما يفيد] (٤). فإذا كانت إحدى الكفين أصلية، والأخرى زائدة، وقد تبين الأصلى من الزائد، ففي الأصلي الدية، والقود، وفي الزائد الحكومة. ونحن نجمع ما يدل على الأصلية منهما: فإن كانتا على سَنَنٍ واحد، وأصابع كل واحدة كاملة، فإن كانت إحداهما باطشة، والأخرى ضعيفة، فالأصلية الباطشة، وإن كانت الباطشة منحرفة [والمستدة] (٥) ضعيفة، فالأصلية الباطشة، فأَوْلى معتبر في ذلك البطشُ. ولو كانتا جميعاً تبطشان، ولكن إحداهما أقوى بطشاً، فهي الأصلية، وإن استويا في أصل البطش. وبالجملة لا نعدل بالبطش [شيئاً] (٦)، والسبب فيه أن البطش [هو ما خلقت اليد له] (٧) وهذا أمثل شاهدٍ على تأصل العضو، وتفرّعه على الأعضاء الرئيسة.

стр. 8587

ولو استويا في [الاستداد] (١) والبطش، ولكن إحداهما ناقصة الخلق، والأخرى [كاملة، فالكاملة] (٢) هي الأصلية. هكذا ذكره العراقيون. ولو كانت إحداهما على اعتدال الخلق والأخرى [عليها] (٣) إصبع زائدة، فقد قال العراقيون: لا يؤثر ذلك في تمييز الأصل عن الزائد، وقال القاضي: اليد الزائدة هي التي عليها الإصبع الزائدة؛ فإن ذلك يدل على تشويش الخلق [والفطرة] (٤)، وهذا بعيد لا يثبت له، وكل ما ذكرناه يقع للاستواء في البطش، وإلا فأصل البطش وزيادته مقدم على كل صفة معتبرة. ولو كانت إحدى اليدين ناقصة بإصبع، وهي [مستدة] (٥) باطشة، والأخرى مائلة [حائدة] (٦) عن السنن، وهي كاملة الخلق، وهما متساويتان في البطش، فالأصلية هي [المستدّة لاستدادها] (٧) أم المنحرفة لكمال خلقها؟ هذا فيه احتمال عندي، والله أعلم. ١٠٦٤٩ - فإن لم تتميز إحداهما عن الأخرى بوجهٍ، وكانتا باطشتين، فمن قطعهما، وله يد واحدة، قُطعت يده قصاصاًً بهما، وللمجني [عليه] (٨) مزيد حكومة لزيادة الخلقة. ولو قطع قاطع إحداهما والقاطع معتدل، لم نقطع يدَه، وعليه نصفُ دية اليد، وزيادة حكومة؛ لأن المقطوع على صورة يدٍ كاملة، وقد تمهد هذا فيما تقدم. ولو كانت إحداهما [باطشة] (٩) [فقطعها] (١٠)، أوجبنا فيها دية اليد، فلو اشتدت

стр. 8588

الأخرى لمّا قطعت الباطشة، وبطشت هذه الأخرى، واشتدت اشتداد [الأصليات] (١)، فهل نسترد من المجني عليه [من] (٢) الأروش ما يردّ [المغروم] (٣) إلى مقدار الحكومة، أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نسترد؛ فإنا لو لم نفعل هذا، لأبقينا له أصلية [وقد] (٤) غرمنا له فيما تقدم بدل أصلية. والثاني - أنا لا نسترد، وقد مضى ما مضى، فلا نتَّبعه بالنقض، ولا نتعقبه. وهذا الخلاف يقرب من القولين في [عَوْد] (٥) السّن المثغور، وقد غرّمنا القالع دية السن، فإن قلنا: عودُه نعمة جديدة، [ولا يتغير حكمُ ما مضى] (٦) بهذا، [فلا] (٧) نسترد في مسألتنا. وإن قلنا: نسترد ثَمّ إلى مقدار حكومة إن بقي سن، فنسترد فيما نحن فيه. وإذا اشتدت اليد الباقية وبطشت، فلا خلاف أنها لو قطعت الآن، تعلق بقطعها القصاصُ والديةُ التامة. ومما يتعلق بما نحن فيه أن اليد المقطوعة الأولى لو كانت على نصف البطش، وكانت لا تتميز عن يده، فغرَّمنا القاطع نصف أرش [اليد] (٨)، وزيادة حكومة، على ما تقدم، فإن بقيت اليد الباقية على ما عُهدت عليه أولاً، [فلا] (٩) إشكال، وإذا ازدادت الباقية من القوة، ما لو كانت عليه ابتداء، لحكمنا بأنها الأصلية، فتصير هذه أصلية حتى لو قطعت، لاستوجب قاطعها الأرشَ الكامل والقصاصَ، وهل نسترد من أرش الأول ما يردُّ [الأرشَ] (١٠) إلى مقدار الحكومة؟ فعلى الخلاف الذي قدمناه.

стр. 8589

١٠٦٥٠ - ومما ذكره صاحب التقريب في أطراف المسألة أن من له يدان على معصمٍ باطشتان، لا تعتضد إحداهما [بالأخرى] (١)، فلو قطع هذا الشخصُ يداً واحدة من معتدل، فلا نقطع منه اليدين جميعاً، لزيادة الخِلقة، [ولو قطع] (٢) ذلك المعتدل اليدين جميعاً منه، فإنا نوجب القصاص عليه في يده الفردة، ونثبت [عليه] (٣) مزيد حكومة لزيادة الخلقة. [ولو] (٤) قطع المعتدل إحدى يديه، فلا يلزمه القَود، كما تمهد هذا فيما مضى من كتاب الجراح، فلو غرّمناه نصف الأرش وزيادة [حكومة] (٥) كما تقدم، ثم إنه عاد وقطع يده الأخرى، فإن قنع بالأرش، لم يخف حكمه، وكان الجواب إيجابَ مثل ما أوجبنا أولاً. وإن قال: أريد الآن القصاص من اليد الفردة من القاطع، فهل يجاب [إلى] (٦) القصاص الآن؟ فعلى وجهين ذكرهما (٧): أحدهما - أنه لا يجاب؛ فإن القصاص يتعلق بقطع يديه جميعاً، وقد سبق منه أخذ أرش اليد عن يدٍ، وأخذُ الأرش يتضمن إسقاط القود لا محالة، ولا يعود إلى القود بعد سقوطه. الوجه الثاني - أنه يطلب القصاص [وعذره فيما] (٨) أخذه من الأرش أنه يقول: لم يكن القصاص ممكناً لمّا قطع إحدى اليدين، فاخترت الأرش لتعذر القصاص، لا لإسقاطه، والآن لما قطع الثانية

стр. 8590

أمكن القصاص، وأنا على طلبه، فأرد ما [أخذته] (١) من الأرش إلى مقدار حكومة. هذا تمام ما أردناه في ذلك. فصل قال: "وفي [الأَليتين] الدية ... إلى آخره" (٢). ١٠٦٥١ - يجب تمام الدية في [الأَليتين] (٣)، وهما من المثاني [والمنفعة] (٤) فيهما بيّنة في القعود والركوب، وفي إحداهما نصف الدية. والذي يجب الاعتناء به [بيان] (٥) منتهى القطع الموجِب للدية: اتفق الأئمة ﵃ على أنا لا نشترط إيصال الحديدة إلى العظم الكائن تحتها، والمعتبرُ قطع ما يدخل تحت اسم الأَلْية، ولا مزيد على ما ذكره الشافعي ﵁، [فيُكتفى بما إذا] (٦) قُطع ما يكون مُشرفاً ناتئاً على الظهر والفخذ، والناس يتفاوتون في مقدار النّاتىء حَسَب تفاوتهم في أجرام سائر الأعضاء، ئم الفخذ من الحِقو إلى الركبة يأخذ في الاستدقاق [والنحافة] (٧)، والمرعيُّ في تمام القطع ألا يبقى إشرافٌ، وهو بالإضافة إلى الظهر، وبالإضافة [إلى] (٨) أصل الفخذ، وهذا بيِّنٌ في الذّكْر [والكلام] (٩)، ولكنه عسر في الإيقاع والفعل، ولهذا اتفق الأصحاب على أن

стр. 8591

القصاص [لا] (١) يجري [فيهما] (٢)، فإنه ليس مَفْصلاً يتأتى فيه مراعاة المساواة، وليس له مَردٌّ من عظم وراءه؛ فلا يجري القصاص فيه أصلاً (٣). ١٠٦٥٢ - ثم قال ﵁: "ولا عين أعور ... إلى آخره" (٤). أراد الرد على مالك (٥) فمذهبنا أن من قلع عينَ أعور يلزمه نصف الدية فحسب، وقال مالك: فيها تمام الدية، وصار إلى أن قوة الإبصار تنصبّ بجملتها إلى العين الفردة، وهذا الذي ذكره خيال لا تعويل على مثله، وقد صح أن رسول الله ﷺ " أوجب في العينين الدية" فإيجاب الدية الكاملة في إحدى العينين مخالفٌ لحكم الرسول ﵇. ١٠٦٥٣ - ثم قال: "ولو كسر صُلبه، فصار لا يطيق المشي ... إلى آخره" (٦). الصلب من أعضاء الدية، فمن كسر صلبَ إنسان، فمن أعراضه ألا يطيق المشيَ، فإن تحقق الكسر، وخرج المشي عن الإمكان وجبت الدية الكاملة، وإن لم يسقط إمكان المشي بالكلية، ولكن ضعف وتثاقل، أو صار بحيث يمشي مستعيناً بعكازه،

стр. 8592

فلا تجب الدية، ولكن تجب حكومة على قدر التأثير، وهذا بمثابة ما لو جنى على اليد، فنقص من بطشها. فإن قيل: الماشي بعكازه يعتمده، فلا مشيَ منه، قلنا: هذا محالٌ، فإن من كسر صلبه على التحقيق لا يتأتى ذلك منه أصلاً، بل الاعتماد على العكاز إنما يتأتى [ممن] (١) معه [قيامٌ] (٢) من صلبه. ومما ذكره الأئمة في هذا أنه لو كسر صلبه، فقد تعطلت منفعة رجليه، فلا يلزمه دية الرِّجل؛ فإنها صحيحة لا آفة بها، وتعطل المشي فيها ليس من جهة الجناية عليها، وهذا متفق عليه بين الأصحاب، وهو بمثابة ذهاب العين؛ فإنه ينتقص بسببه انتفاع الإنسان بمعظم أعضائه، ولا تجب إلا دية العينين. ولو كسر صلبه، فسقط بسببه مشيه، فقد ذكر أئمتنا فيه وجهين. والجملة المعتبرة في ذلك أن من جنى على عضو، فسقطت المنفعة الكائنة في ذلك العضو، فلا شك أنا نفرد تلك المنفعة بموجَبٍ، بل إن ما وجب في العضو ما [وجب] (٣) [إلا] (٤) لاتصافه بتلك المنفعة؛ فإن الأعضاء تُعنى لمنافعها، لا [لأجزائها] (٥). ولو جنى على عضوٍ، فتعطل به عضوٌ [وهو صحيح لا آفة به] (٦)، فهذا تعطيل، والتعطيل لا يوجب ضماناً إلا في المحل المجني عليه، فإذا ذهب [منيُّه] (٧) والمجني عليه صلبه، فقد اشتهر خلاف الأصحاب في ذلك، والوجه عندي أن نقول: ليس للمنيّ [محل مخصوص] (٨) من البدن، وإنما هو مادة ترسلها الطبيعة من الاعتدال

стр. 8593

الصحيح بالحلو والدسم نحو أوعية المني في الخُصية وما يتصل بها. فأما التعرض للصلب، ففيه نظر، والله أعلم. ١٠٦٥٤ - ثم قال: "ودية المرأة وجراحها ... إلى آخره" (١). المذهب الذي عليه التعويل أن جراح المرأة من ديتها بطريق النسبة كجراح الرجل من ديته، فإذا كان في يد الرجل نصفُ ديته، فالواجب في [يدها نصفُ ديتها] (٢)، والواجب في إيضاحها نصف عُشر ديتها، وهذا مطرد فيما قلّ وكثر. وللشافعي قول في القديم: "أن المرأة تعاقل [الرجل] (٣) في ثلث الدية" ومعناه أنها تساويه في المقدار، ففي إصبع منها عشر من الإبل، كما في إصبع الرجل، وفي إصبعين عشرون، وفي ثلاث أصابع ثلاثون. والمعتبر في المعاقلة ثلث دية الرجل، لا ثلث ديتها، ولو قطع أربع أصابع منها، فعشرون، ففي ثلاث أصابع ثلاثون، وفي أربع أصابع عشرون. ولست أدري للمصير إلى المعاقلة معنىً، ومتمسكاً. والظن به أنه وجد آثاراً من الصحابة، وكان يرى في القديم تقديمَ قول الصحابة على القياس والرأي، وإلا فلا معنى لما ذكرناه، ثم [لو] (٤) قطع ثلاث أصابع، فلم يتفق تغريم الجاني الأرش حتى قطع إصبعاً أخرى، رجعت الأروش إلى عشرين، وإن لم تكن الجنايات متواصلة. وهذا يناظر ما لو أوضح الرجل مواضع من رأس إنسان وتعلقت به أروشها، ثم انعطف الجاني عليها ورفع الحواجز، [فالأروش] (٥) ترجع إلى أرش موضحة واحدة.

стр. 8594

وكذلك في ستةٍ من أسنانها ثلاثون بعيراً، فإذا قلع سابعةً، عادت الأروش إلى سبعةَ عشرَ بعيراً ونصف بعير. فصل قال: "وفي ثدييها ديتها وفي حلمتيها ديتها ... إلى آخره" (١). ١٠٦٥٥ - الحلمتان من المرأة مضمونتان بكمال الدية، وهما من المثاني، وفي الواحدة نصف ديتها، والحلمة ما يلتقمه الصبي، والأروش تكمل باستئصال ما يتجمع [ناتئاً] (٢) من رأس الثدي ولونها في الغالب يخالف لون الثدي، وحواليها دائرة على [لونها] (٣) من سترة (٤) الثدي، وليست تلك الجلدة من الحلمة، ولو قطع قاطع ثدييها بعد قطع الحلمتين، فعليه في كل ثدي حكومة لا تبلغ أرش [الحلمة] (٥). ١٠٦٥٦ - ونحن نجمع الآن مسائل قدمنا بعضها، فنعيد ما قدمنا، وننظم المسائل حتى تُلفى مجموعة. اضطرب الأصحاب في قطع المارن وقصبة الأنف، واستئصال الذكر من أصله، وقلْع السن من سنخها، واستئصال الثدي وعليه الحلمة، فمن استأصل هذه الأعضاء نكتفي منه بدية واحدة، أو نجمع عليه دية وحكومة، أم كيف السبيل؟ وجملة المسائل متفقة في أن الدية تكمل دون الاستئصال فيها، فإن على من قطع المارن تمامَ الدية، وإن أبقى القصبة، وكذلك من قطع الظاهر من السن، التزم الأرش الكامل، وعلى من قطع الحشفة الديةُ، ودية المرأة تكمل بقطع الحلمتين، وقد اجتمعت المسائل فيما ذكرناه، واجتمعت أيضاً في أن من انفرد بقطع المقدار الذي تكمل الدية فيه، ثم وُجد من جانٍ آخر الاستئصال، فعليه الحكومة، وهذا لا شك فيه.

стр. 8595

١٠٦٥٧ - وإذا وجد استئصال العضو الكامل من شخص واحد، فللأصحاب طرق أشرنا فيما تقدم إلى بعضها، ونحن الآن نعيدها، ونستكمل تمام الطرق: فمن أصحابنا من طرد في جميع المسائل وجهين: أحدهما - لا يجب على المستأصل إلا دية تندرج الحكومة تحت الدية، ويطرد هذا في المارن والقصبة، وغيره من الأعضاء، قال بعض المصنفين: هذه الطريقة هي المرضية. ولست أرى الأمر كذلك، فإن النبي ﷺ قال: في كل سن خمسٌ من الإبل، ولم يتعرض لقَطْع ما ظهر وتَرْكِ السنخ باطناً، والأولى مل كلام رسول الله ﷺ على ما قد يجري مثلُه في العرف، وقلعُ السن قد يتفق، فأما قطع الظاهر منه، فلا يكاد يقع إلا أن [يُتعمد] (١)، فمن أوجب في السن المقلوع أرشاً وحكومة، فقد [راغم] (٢) قول الشارع. ومن أصحابنا من قال: لا يجب على من يستأصل [الثدي] (٣) مع الحلمة، والذّكَرَ مع الحشفة، [ويقلع] (٤) السن من سِنْخه إلا دية واحدة، وفي استئصال الأنف مع القصبة وجهان: أصحهما - إيجاب دية في المارن، وحكومة في القصبة. وفي بعض التصانيف أن من أصحابنا من أوجب [على] (٥) من قلع السن من سنخه الأرش والحكومة وجهاً واحداً، وذكر الخلاف فيما عدا هذه المسائل، واعتل بأن السِّنخ [أصلٌ] (٦)، فكان له حكم الانفراد، وهذا لا يصح مع ما ذكرناه. ولو خُلّينا والقياس، لقلنا: في جميع هذه المسائل يجب القود والحكومة على المستأصل؛ لأنه جمع بين ما تتمّ الديةُ أو الأرش المقدَّر فيه، وبين ما تجب الحكومة فيه لو أفرد بالجناية، ولكن هذا المعنى على اتجاهه لا يجري؛ فإن من قطع اليد من الكوع، لم يلزمه إلا ما يلزم لاقط الأصابع، وهذا متفق عليه، وحديث الرسول

стр. 8596

صلى الله عليه وسلم في السن، نصٌّ لا يقبل التأويل، كما ذكرناه؛ فامتنع إجراء ذلك المعنى، ولم يبق إلا تشبيه هذه المسائل بالأصابع والكف؛ فإن طريق المعنى إذا انتقض وأمكن التعلق [بالشبه] (١) [فالتعلق] (٢) به من الوجه. ويلي هذه الطريقةَ النظرُ في التجانس في الأجزاء، وموجب ذلك الاكتفاء بالمقدّر في الذكر، والثدي، والسن، [وإفراد] (٣) القصبة في الأنف بالحكومة. ثم إذا كنا نوجب على الجاني باستئصال العضو دية وحكومة، فلو قطع مما تكمل الدية به بعضَه، [فالتوزيع] (٤) يقع على محل الدية فحسب، وإن كنا لا نوجب على المستأصل إلا ديةً واحدة، فإذا قطع من محل الدية شيئاً، فالتوزيع على جميع العضو أو على محل الدية؟ فعلى وجهين قدمنا ذكرهما فيما سبق. هذا بيان هذه المسائل. ١٠٦٥٨ - وفي حلمتي الرجل قولان: [منصوص] (٥)، ومخرَّج، فالمنصوص أنه لا تجب فيهما إلا حكومة؛ إذ لا منفعة في حلمتي الرجل يعتد بها. وفي المسألة قولٌ آخرُ مخرّج: أن الدية تكمل في حلمتي الرجل، فإنهما موجودتان صورةً من الرجل وجودهما من المرأة، فينبغي أن يتعلق بهما دية [كالمرأة] (٦). ثم تحت حلمة الرجل لحمة -إن لم يكن هزيلاً- تسمى [الثُّنْدوة] (٧)، وليست من [الحلمة] (٨) بمثابة ثدي المرأة من حلمتها، ولو قطع الجاني ثُندُوة الرجل وعليها الحلمة، وجرينا على القول المخرج في إيجاب الدية في حلمة الرجل، فالثندوة مفردة بالحكومة، بلا خلاف؛ فإنها ليست مع حلمة الرجل كعضو واحد، وهذا بيّن لمن تأمّل.

стр. 8597

١٠٦٥٩ - ولو جنى الرجل على ثدي المرأة جناية، لم [يبق] (١) لأجلها اللبنُ ودروره، وامتنعت منفعة الإرضاع لذلك، وقال أهل الصنعة: [ذهبت] (٢) منفعة الإرضاع بذلك، فلا يجب على الجاني إلا حكومة، هكذا ذكره القاضي. ولو جنى رجل على رجل جنايةً، فانتزع منه الماء، وقال أهل البصر قد أبطل منيّه، وهذا وإن أورده الفقهاء عسر في التصوير؛ فإن تُصور، فقد قيل: على الجاني الدية، فإنه أبطل منفعة عظيمة، وحاولوا الفرق بين إبطال الإرضاع وبين إبطال المني، وقالوا: اللبن ليس [شيئاً] (٣) موجوداً في الجبلة وإنما يَطْرى ثم يزول، واستعداد الطبيعة للمنيّ صفة لازمة للفحول، فإذا أبطلها، لم يمتنع أن يلتزم الدية. هذا ما بلغنا في ذلك والله أعلم. ١٠٦٦٠ - ثم قال: "وفي إسْكَتَيْها، وهما شُفراها ديتُها ... إلى آخره" (٤). في إسكتي المرأة وهما شُفراها، والشفران حرفا الفرج، ويلتقيان على المنفذ. والذي يجب الاعتناء به في هذه الصورة تصوير الشُّفرين، وقد ذكرنا في الأَلْيتين قولاً ضابطاً، لا يغادر إشكالاً، ونحن نحرص أن نذكر في تصوير ما نحن فيه ما يقرب من اللسان، فنقول: الشُّفران يلتقيان، وهما على نعت النتوء في الملتقى، والدية تتعلق بقطع الناتىء منهما، وإن ظن ظان أنهما يلتقيان من غير نتوء، فقد أبعد في التخيل؛ إذ لو كان كذلك، لما انتظم تصوير قطع الشفرين؛ فإن وراءهما حائطا الفرج، وهما ينطبقان ويلتقيان لا فضاء بينهما، فإذا اتصل الشُّفران على استواء من غير نتوء [ووراءهما] (٥) لحمُ داخلِ الفرج من الجانبين، فلا ينتظم مع هذا قطع الشفرين. ولو فُرض قطع الحرف الذي تنقطع البشرة عليه من الظاهر واللحم الباطن، لأمكن

стр. 8598

فرض قطع الشفرين بقطع جلدة مستدقة من كل حرف، هو ملتقى [البشرة] (١) والباطن، ونحن على قطع نعلم أن العلماء لم يعلّقوا الدية بهذا المقدار. وإن ظن سبَّاق إلى الظواهر لا يعرّج على درك الأسرار [والبواطن] (٢) أن قطع الشُّفرين هو الذي يزيل انطباق أحدهما على الآخر، فهذا لا يتأتى تصويره إلا مع تصوير [قطع] (٣) لحم كثير من الباطن، ونحن لا نستريب في أن ذلك ليس مرادَ العلماء، فمعنى الشفرين إذاً ما ذكرناه. ثم يجب في شفري القرناء والرتقاء ما يجب في شفري من لا علة بها؛ فإن منفعة الشفرين أظهر في وجوهٍ غيرِ الوقاع، وتلك الوجوه تستوي فيها من تجامَع [من النساء ومن لا تجامَع] (٤). ولو قطع جانٍ شُفري المرأة [البكر] (٥) فأزال بالجناية جلدة البكارة، فعليه الديةُ في قطع الشفرين، وأرشُ البكارة، [فهو لا يندرج] (٦) تحت دية الشفرين، لأن جلدة العذرة ليست في محل الشفرين، بل هي منفصلة عنها. فصل "ولو أفضى ثيباً، كان عليه ديتها ... إلى آخره" (٧). ١٠٦٦١ - اختلف أصحابنا في معنى الإفضاء، فذهب بعضهم إلى أن مُعْتَبَره يصيّر المسلكين واحداً، وقال قائلون: هذا بعيد عن التصور، ولا يتأتى رفع الحاجز بين

стр. 8599

مسلك البول والغائط بآلة الاستمتاع، فالإفضاء أن يصير مسلك الجماع ومدخلَ الذكر ومجرى البول واحداً، ففي الفرج [مسلكان: واحد] (١) مدخل الذكر والآخر مخرج البول، فإن البول يأتي من المثانة ومدخل الذكر يُفضي إلى الرحم. ثم إذا أفضى الرجل زوجتَه أوْ أفضى أجنبية، فعليه كمال ديتها. وفصل أبو حنيفة (٢) بين أن يفضي زوجته وبين أن يفضي أجنبية، واعتقد أن إفضاء الزوجة مترتب على الوطء المستحق، فلم يكن مضموناًً. ولو أفضى امرأة، فاسترسل بولها [وحلّ] (٣) أُسْرَها (٤)، فهل يجب مع الدية حكومة لاسترسال البول؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يجب؛ فإن ذلك في الغالب من توابع الإفضاء. والوجه الثاني - أنه يجب لاختلاف المحلّين. ولو أكره أجنبية، ووطئها وأفضاها، غرم المهرَ وديةَ الإفضاء. ولو زنا بمطاوعة زانية، فأفضاها، غرم دية الإفضاء أيضاًً؛ لأن دية البضع إذا جعلناه بمثابة إذنها، فالإذن في الوطء لا يكون تسليطاً على الإفضاء، كما ذكرناه في المنكوحة. ١٠٦٦٢ - ومما ذكره الأصحاب في ذلك، أن من استكره امرأة بكراً، وافتضّها، فقد قال الشافعي: يغرم مهر مثلِ البكر، وأرشَ البكارة، قال القاضي: هذا مشكل، لأنا إذا أوجبنا مهر مثلِ البكر، فقد أدخلنا أرش البكارة تحت المهر، فإذا ضممنا إلى ذلك أرشَ البكارة، كان ذلك تضعيفاً للغرم، وإيجاباً له من وجهين، ولا سبيل إلى ذلك.

стр. 8600

وكان شيخي يحكي أن الشافعي ﵁ قال: يجب المهر وأرش البكارة، ثم كان يقول من عند نفسه: هذا بمثابة إيجابنا مهرَ مثل البكر، وكنا نقول: قد لا يكون كذلك، فإنه إذا [كان في بيتٍ وأهل نسب] (١) مهرٌ، فلا يختلف مبلغه بالبكارة والثيابة، فلو اقتصرنا على إيجاب مهر مثل البكر، فقد يؤدي ذلك إلى تعطيل العُذرة وجلدة البكارة. هذا ما كنا نتردد فيه. فأما نقل النص مقيداً [بإيجاب] (٢) مهر مثل البكر، وإلزام أرش البكارة، فلم أسمعه إلا من نقلٍ [يؤثر عن] (٣) القاضي. [فقد] (٤) تحصَّل من ذلك أن الجمع بين إلزام أرش البكارة وإيجاب مهر مثل البكر، حيث يختلف مهر مثل البكر والثيب، [لا] (٥) معنى له. وإن كان مهر البكر ومهر الثيب لا يختلف، هذا يشعر بأن البكارة لا قيمة لها في محل الكلام، فيقع التفصيل في جنايةٍ لا أثر لها، في تنقيص. وسيأتي تفصيل القول في هذا الجنس، إن شاء الله . ولو أفضى امرأة بكراً بخشبة، غرم أرش البكارة وديةَ الإفضاء، ولا يدخل أرش البكارة فيها، لاختلاف المحل، ولو أزال الزوج بكارة زوجته بإصبع أو خشبة، فالذي ذهب إليه أكثرون أنه لا يغرم بسبب إزالة البكارة شيئاً، لأنها مستحقة له بطريق الوطء، فإن استوفاها بجهة أخرى، فقد أساء. ومن أصحابنا من قال: يلزمه أرش البكارة؛ فإنها في التحقيق غيرُ مستحَقة للزوج مقصودةً، فإنما الذي يستحقه الزوج

стр. 8601

الاستمتاع، غير أنه لا يصل إليه إلا والبكارة تزول، فإذا لم يستمتع وأزال البكارة كان جائفاً. فصل قال: "وفي العين القائمة واليد والرجل الشلاء ... إلى آخره" (١). ١٠٦٦٣ - ذكرنا فيما تقدم قواعدَ القول في الأروش [المقدرة] (٢)، وإن شذ شيء، فسنستدركه إن شاء الله في آخر الباب. وهذا الفصل معقود لبيان الحكومة، وذكر أصلها وتفصيلها، والحكومة عبارة عن موجَب جُرح ليس له أرش مقدر من جهة التوقيف، ثم مبنى الحكومة على أن تُحطَّ عن دية العضو [الذي يُقدّر محلاً لجناية الحكومة، وسيتضح ذلك] (٣)، إن شاء الله. وبيان ذلك بالأمثلة أن موجب الإصبع عشر من الإبل، ولو فرضت جناية على الإصبع، فأتى على طولها، فحكومتها لا تبلغ ديةَ الإصبع، والجناية على اليد إذا كانت بحيث تناولت (٤) الأصابع، تحط حكومتها عن دية اليد، وتعليل ذلك أن الجراحة إذا وقعت على عضو مفدًّى بأرش مقدرٍ، فيستحيل أن يجب فيها والعضو [قائم] (٥) ما يجب في العضو إذا [فات] (٦) بالجناية. وشبه الأئمة قولهم في هذا الأصل، [بالتعزير والحد، والرضخ] (٧) والسهم، فإن

стр. 8602

التعزير محطوط عن الحد، والمرضَخ محطوط عن السهم، ولا حاجة إلى هذا الاستشهاد مع ما قدمناه. ثم جراحات الحكومة يُتأنّى بها إلى أن تندمل، [فإن بقي شَيْنٌ] (١) له أثر في التنقيص، جعلناه المعتبر في الحكومة. ١٠٦٦٤ - [والحكومة] (٢) أن يفرض المجروح عبداً سليماً عن ذلك [الشَّيْن ونعرف] (٣) مبلغ قيمته مع [تقدير] (٤) سلامته، ثم نُقوّمه [مع] (٥) ما به من الشين ونضبط التفاوت، ونعرف النسبة، فإن كان الناقص عُشراً أوْ أقل، أوجبنا تلك النسبة من الدية، ونحن مع ذلك نلتفت إلى مقدار الأرش المقدر الذي حقّقنا حطَّ الحكومة عنه، فإن كان ما رأيناه محطوطاً عن الدية التي نرعاها، فهو المراد، وإن كان ما اقتضاه التقدير مثل ذلك الأرش المقدّر، أو أكثر، [فلا بد] (٦) من الحط عن ذلك القدر. ثم يجب النظر في مقدار المحطوط [فلا يجوز] (٧) أن يقال: نكتفي في الحط بأقل القليل، فإن أمور الجنايات وأحكام الدماء لا تجري إلا على ترتب وتحقق، فلو قال قائل: نضبط النقصان الحاصل بالجناية على العضو مع بقاء العضو، ثم نقدر النقصان بفوات العضو، ثم ندرك ما بين النقصانين ونحط مثلَ تلك النسبة بأن نعتبر نقصان الجزء عن [الجزء] (٨) ونقصان الكل عن الكل (٩). فهذا وجه من الرأي جيد. وإن كان

стр. 8603

فيه اعتبار النقصان في اليد، واليد مقدّرة الأرش. ولكن هذا محتمل، إذا ضاق مسلك النظر، وليس هو بأبعدَ من تقدير الحرّ عبداً وردِّ الأمر بعد ذلك إلى الدية، وتحكيم القيمة فيها. فهذا قول كلّي على أصل الحكومة. ١٠٦٦٥ - ولو كانت جراحة الحكومة بحيث لو اندملت، لم تُعقب [شيناً] (١) ولم [تترك] (٢) نقصاً، فهل تجب الحكومة والحالة هذه؟ اختلف أصحابنا في المسألة على وجهين: أحدهما - أنه لا يجب شيء أصلاً، وهو ظاهر القياس؛ لأن المعتمد في الحكومات اعتبار النقصان، وبناء النسبية عليه، فإذا لم يكن نقصان أصلاً، فلا معنى لإيجاب شيء، مع انعدام الموجِب. ومن أصحابنا من قال: لا بد من إيجاب حكومة؛ لأن الجناية على الدم خطيرة لا سبيل إلى إحباطها، ولأجل ذلك أثبت الشرع ضمان [الحر] (٣) وإن لم يكن الحرّ مالاً، ولكن لما عظم خطره وارتفع قدره، بَعُد أن يقع تلفه محبَطاً، فكان إيجاب العوض فيه للتعظيم، وهذا المعنى محقق في الجناية وإن لم تُفضِ إلى شَيْن. التفريع: ١٠٦٦٦ - إن قلنا: لا ضمان أصلاً، فلا كلام، وإن أوجبنا الضمان، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: هو مفوّض إلى اجتهاد الإمام، بقدر ما يليق بالحال، وهذا الوجه وإن كان مشهوراً، فهو عريٌّ عن التحصيل، وللفقيه أن يقول إن كان الإمام يوجب [ما شاء] (٤)، فهذا بعيد، وقصاراه تطريق الاحتكام في الغرامات. وإن كان الإمام يُسند نظرَه إلى رأي، فهو المطلوب، فلنبحث عنه، فهو

стр. 8604

مرادنا: [من] (١) أصحابنا من قال: نعتبر هذه الجراحة بحالتها الأولى، وهي مؤلمة أوْ مدمية، ثم نقول: كيف تقدير قيمة العبد وبه الألم، فنفرض [قيمته] (٢)، ثم نبني عليه تقدير الحكومة على الرأي الممهد في معرفة التفصيل، وبناء [النسبة] (٣) عليه. وهذا القائل يستدل على هذا بأن الجناية إذا ثبتت، لم يبعد تقدير عوضِها وإن اندملت؛ فإنا لم [نعدم] (٤) مثالَ ذلك في الجراحات [والأروش] (٥) المقدرة، [فإن من أوضح] (٦) رأس إنسان، ثم التحم الجرح واكتسى باللحم والجلد، لم يسقط أرش الموضِحة، وقد ينتهي الاندمال إلى حالةٍ لا يبقى فيها من النقصان شيء. وكأنا في الجراحات التي تُبقي [شيناً] (٧) نعتبر [النهاية، ولا إشكال في الاجتهاد] (٨)، وإذا لم تُبق شيناً وعسر الإهدار، فلا وجه إلا اعتبار حالةِ الجناية، فهذا ما قيل. وفي النفس من هذا حزازات؛ من قِبل أنا إذا اعتبرنا حالة الجناية، فكيف نعتبرها؟ [أنقول:] (٩) ما قيمة العبد والتقدير على أن الآلام لا تزول؟ أو نقول: نعتبر حالة الجناية مع تقدير زوال الآلام؟ [إن] (١٠) قلنا: كم قيمة العبد والآلام لازمة، فهذا باب من الظلم، ولا ينبغي أن نقدر الشيء إلا بما هو عليه. وإن قدرنا زوال الآلام، فسيقول المقومون: إذا كانت الآلام ستزول والشين لا يبقى ولا أثر لوجود الألم في [القيمة] (١١)، فليس ينقدح هذا، ولا وجه إلا المصير إلى أنه لا يجب شيء أصلاً، وصحة المذاهب وفسادها بالتفريعات.

стр. 8605

١٠٦٧٧ - ثم قال الأئمة ﵃: إذا لطم الرجل لطمة، فهذه وما في معناها لا توجب غُرماً أصلاً، وليس هو في محل النزاع، ولا خلاف، وقد قال من أراد عقد مسائل الباب: كل جناية تُبقي [شيناً] (١)، فالمعتبر في حكومتها الشين، وإن كانت لا تبقي شيناً ولم تكن بحيث تؤلم في الابتداء، فلا يتعلق بها حكومة، وإن كانت تؤلم في الابتداء ولا تبقي شيناً، ولا ألماً [آخراً] (٢)، فهذا محل الخلاف في أن الحكومة هل تجب أم لا؟ ثم إن أوجبناها، ففي مقدارها الخلاف الذي ذكرناه، وسنجيب عنه، إن شاء الله . وهذا ليس بضبطٍ كامل في محل الخلاف. ونحن نذكر منه مسائل أُخر، ثم نحرص على الجمع: قال الأئمة: إذا قلع إنسان سنّاً شاغية (٣)، وكانت [تزيد] (٤) قيمته بالقلع، فهل يجب بهذه الجناية شيء أم لا؟ فعلى وجهين. ثم إن أوجبنا [شيئاً] (٥)، ففي اعتباره ومقداره الخلاف، وكذلك لو قطع إصبعاً زائدة، ولم ينتقص بها منفعة، وذلك قد يزيد في قيمة العبد، ففيه الخلاف، وذكر الأصحاب إفساد منبت لحية المرأة. فهذا مجموع المسائل. ١٠٦٦٨ - فخرج مما ذكرناه أن الجناية التي تُبقي شيناً ونقصاً موجبها في الفنون التي نحن فيها الحكومة، واعتبارها بحالة الاندمال. وكل جناية [تُبقي] (٦) شيناً في الخلقة، ولكن لا تفضي إلى نقصان في المنفعة أو الخلقة، ففيها الخلاف.

стр. 8606

وما لا تزيل خلقة ولا تعقب شيناً ونقصاً، فإن كانت لا تؤلم إيلاماً [به] (١) مبالاة [فلا يتعلق] (٢) بمثل هذا شيء. وإن كانت تؤلم ابتداء إيلاماً ظاهراً، ثم لم تعقب نقصاناً وشيناً آخِراً، ففيه الخلاف. فهذا حصر هذه المسائل. ١٠٦٦٩ - وعندي في ذلك بقايا: منها أن الذي لا يزيل خِلقةً، ولا يُعقب نقصاً لا يكفي فيه أن تكون مؤلمةً ابتداء، ولكن ينبغي أن يكون غيرَ مأمون العاقبة، ثم إذا اتفقت السلامة، فلا يُدرأ الضمان بالكلية، وإنما شرطت هذا حتى يكون للكلام ثبات (٣). ويقال: يجوز أن يَنْقُصَ وقد يبرأ من غير بقاء نقص، فيقال: من جُرح وكان بحيث لا يقطع الناظر أنه يبرأ من غير نقيصة، بل كان يتردد، فكم قيمة عبد هذا نعته؟ فالخطر يَنْقُص من قيمته. ثم يجوز أن يقال -على بُعدٍ - ذلك النقص المعلّق [بالغرر] (٤) لا يزول، وإن زال [الغرر] (٥) وانتفى النقص، وهذا الذي ذكرناه احتمالٌ؛ فإن [الغرر] (٦) طَرْدُ حكم الظن إذا زال، واستعقب الأمن أن يزول حكمه، ولكن ما ذكرناه معقول على حال، وإذا [علل] (٧) باحترام الآدمي وامتناع تعطيل ما فيه غرر، كان كلاماً بعيداً. ١٠٦٧٠ - ومما أجراه الأصحاب في ذلك أن لحية المرأة إذا أفسد الجاني منبتها، ولم يَشِنْها، بل زادها جمالاً، وأزال عنها شَيْناً، فإذا رأينا إيجاب الحكومة تفريعاً على الوجه البعيد، [فلا] (٨) طريق إلا في [تقدير] (٩) هذه اللحية بغلام، ثم ننظر إلى

стр. 8607

النقصان إذا زالت اللحية، فنوجب في المرأة هذا الاعتبار (١). ولا حاصل لقول من يقول الالتحاء ينقُص قيمَ المُرد من [الغلمان؛ فإن ما ذكرناه] (٢) في لحيةٍ تنبت في أوانها، وعدم اللحية في الرجال في أوان نباتها نقص بيّن وشينٌ ظاهر، ولهذا قالت عائشة ﵂: "سبحان من زيّن الرجال باللحى والنساء بالذوائب" (٣). ثم الذي نراه في مثل ذلك أن نضبط النقصان في الرجال، ثم نحط عنه أرش لحية المرأة؛ فإن التسوية بين من [تشينه] (٤) اللحية [وبين من تزينه اللحية] (٥) [أمرٌ خارج] (٦) عن الاعتدال، ثم [لست أجد] (٧) ضبطاً في مقدار الحط، وليس الرجوع إلا [إلى] (٨) بوادر خاطر المجتهد. ويعسر هذا. [ولم] (٩) يعتبره الأصحاب، ونزلوا لحية المرأة منزلة لحية الرجل، وهذا بعيدٌ وكل ما [نخبط] (١٠) فيه، فسببه أنه تفريع على أصلٍ فاسد.

стр. 8608

والقياس الحقُّ أن كل جراحة لا تنتهي إلى نقصٍ، [لا يتعلق] (١) بها موجَب. ثم قال الأصحاب: ما ذكرناه من الخلاف في هذه المسائل إنما يجري في الحر المجني عليه. ١٠٦٧١ - فأما إذا كان المجني عليه عبداً، وقد جُرح ولم تعقب الجراحة في انتهائها نقصاً وشيناً، فلا يجب على الجاني شيء؛ فإن المعتبر فيه النقصان، ثم الحر معتبر به بعد تعديل النسبة، والعبد نفسه لا يتجه فيه ضمان، إذا لم يتحقق به نقصان. والذي أراه في ذلك أن هذا يخرّج على القولين في أن الواجب من العبد ما ينقص من قيمته، أم نقول: [تتقدّر] (٢) أروش جراحِه (بجزءٍ من قيمته نسبته إليها نسبةُ الواجب في الحر إلى ديته) (٣)؛ فإن قلنا: المعتبر فيه النقصان، فلا يجب في هذه الجراح شيء إذا لم تُفضِ إلى نقصان وكذلك القول في الجناية على البهائم. [وإن] (٤) كنا نثبت أروشاً مقدرة في جراح العبد، فنقول: في يديه تمام قيمته، وإن لم ينقص من القيمة إلا نصفها، فهذا القياس يقتضي أن نوجب في الجرح الحكومة وإن لم يُفض إلى نقصٍ أصلاً. وهذا تأسيس القول في أصول الحكومة. ١٠٦٧٢ - ثم عزا الأئمة ﵃ [إلى الشافعي ﵁] (٥) جملاً من أعضاء الحكومة، فنذكرها اتِّباعاً: ففي العين القائمة حكومة، لا تبلغ ديةَ العين المبصرة.

стр. 8609

وفي اليد الشلاء، والرِّجل الشلاء حكومةٌ، [والشللُ] (١) يبين بالقَحَل (٢) وذبولِ [الجلد] (٣) وسقوط الحركة بالكلية، ومن آثار الشلل أن تُبسَطَا ولا تقبلا الانقباض، أو تنقبضا ولا تعودا للانبساط. ولا تكون يد المفلوج على هذا الحد في الاستحشاف، والشللُ يقع في العضو ويخرجه عن الاستعداد للانطباع، ويد المفلوج لا نقص فيها، وإنما النقص في القوة الإرادية، وقد يفرض في الأعصاب المحركة، والرُّبُط، والأوتارُ التي على العضل أغلال يتأتى [الانتقاص] (٤) منها للمعالجات، فما كان كذلك لا يكون منتهياً إلى حد الشلل. وأنا أقول: في هذا العضو [الصحيح] (٥): إذا سقطت منفعته الكبرى بسبب اختلال عضوٍ آخر [فلا تجب] (٦) دية ذلك العضو؛ فهذا بمثابة ما لو كُسر [صلب] (٧) [الإنسان] (٨) فيمتنع عليه المشي لا محالة، والمنفعة العظمى في الرجل المشيُ، ثم لا يجب على كاسر الصلب دية الرجلين، وإن عطّلهما بما فعل. هذه منزلة. وفي معارضتها [الشلل المحقّق] (٩) وهو استحشافٌ يقع في العضو، كما وصفناه، يخرجه عن [التأثير والانطباع] (١٠)، وبينهما يد الفالج، فإذا أطبق أهل البصر على أنها

стр. 8610

[لا يعود عملها] (١)، واليد صحيحة، فإذا كان الخلل في الأعصاب من جهة تمددها واسترخائها، [فلا] (٢) يبعد إلحاق العضو بالشلل، وفيه احتمال وتردد بين ما ذكرناه وبين تعطل الرجل بكسر الصلب. وإن قال أهل البصر: الخلل كله في [الدماغ] (٣)، فيظهر تشبيه ذلك بكسر الصلب مع الرجلين (٤). ثم إذا سقطت الحركات من اليدين والرجلين ورأينا ذلك خللاً في الأعضاء وشللاً، فنوجب [حكومة] (٥) [لكل] (٦) الأعضاء. وإن رأينا صرفَ ذلك إلى [الدماغ] (٧)، فتجب دية واحدة؛ لأن الجناية أبطلت القوة المحركة، وإذا كان يجب في إلسمع إذا [أزيل، وفي الشم ديةٌ] (٨)، فإزالة القوة المحركة بالدية أولى (٩).

стр. 8611

هذا قولنا في اليد الشلاء، وما في معناها. ثم واجب [اليد] (١) الشلاء لا يبلغ ديةَ يدٍ، ولا يبعد أن يزيد على دية إصبع، فإنا فرضنا الشلل في الأصابع والكف، فليقع اعتبارها بجملة دية اليد. وفي الكف التي لا أصابع عليها حكومة، واختلف أصحابنا في أنها تُحَط عن دية إصبع، أو تحط عن دية يد، فمنهم من قال: هي محطوطة عن دية إصبع، وهذا هو الأظهر (٢)، والكفان محطوطتان عن ديتي أصبعين، ومنهم من قال: حكومتها محطوطة عن دية يدٍ؛ فإن غَنَاءَها ومنفعتها تزيد على منفعة إصبع دفعاً وأخذاً وقبضاً. ١٠٦٧٣ - والشعورُ بجملتها إذا أفسدت منابتها، ففيها الحكومات؛ خلافاً لأبي حنيفة (٣). ثم بيان أقدار الحكومات ما ذكرناه. وإذا أزال لونَ عضو بأن ضربه، فاسودّ أو اخضرّ، فموجبه الحكومة، ومذهبنا أن المعتمد في إيجاب الأروش المقدرة المنافعُ على الجملة، ثم لا تتعلق أيضاً بكل منفعة، فأما الجمال المحض إذا أزيل، فلا يتعلق بإزالته أرشٌ مقدر، وأبو حنيفة قد يعتمد الجمال المحضَ في إيجاب الدية، وهذا معتمده في إيجاب الديات في صنوف من الشعور. ١٠٦٧٤ - ومما يغمض في أصول الحكومات، [والمقرّر من] (٤) بناء الأمر على المنافع أن الأصحاب أكملوا الدية في أصابع الرجلين، كما أكملوها في أصابع اليدين، مع العلم بالتفاوت بين الأصابع والأصابع في المنفعة؛ إذ معظم عمل الآدمي بأصابع يديه، وأصابع الرجلين لا تدنو من أصابع اليدين، ثم الإشكال الأظهر أنهم

стр. 8612

أوجبوا في القدمين إذا قطعت أصابعهما ما أوجبوه في الكفين، ولا يخفى أن المشي يبقى ما بقي القدمان، ولا يسقط بسقوط أصابع الرجلين إلا الإسراع في المشي، وأين يقع هذا من الاحتواء والقبض والبسط وتعاطي آلات العمل المتعلقة بأصابع اليدين؟ ولكن هذا يخرّج على اتّباع الأصول [الكلية] (١)، وترك التفريع على ضبط [الأقدار] (٢). ولهذا الأصل أوجبوا في الأذنين على الرأي الظاهر ما أوجبوه في العينين، وإن كانت منافع الأذنين لا تقع موقعاً إذا نسبت إلى منافع العينين واليدين، ولكن لما عسر ضبط أقدار المنافع حَسم الشرعُ النظرَ إليها، وأجرى الأجناس من الأعضاء مجرىً واحداً في تكميل [الدية] (٣). هذا ما أردنا بيانه في أصول الحكومة. ١٠٦٧٥ - ثم قال الشافعي: "وفي الترقوة جَمَلٌ، وفي الضِّلَع جَمَلٌ ... إلى آخر الفصل" (٤). ذكر الشافعي ﵁ في موضعٍ أن الترقوة فيها جمل، وفي الضِّلع (٥) جمل، وقال: قلّدتُ فيه عمرَ بن الخطاب ﵁، فإنه أوجب في كل واحد منهما جملاً، وقال في موضع آخر: فيهما حكومتان على أصول الحكومة، وجعل المزني في المسألتين قولين، وأخذ يوجّه الحكومة، واختلف أصحابنا: فمنهم من وافق المزني، وجعل المسألة على قولين: أقيسهما - إيجاب الحكومة. والثاني - إيجاب المقدار تأسياً بقضاء عمر ﵁. ومن أصحابنا من قطع بالحكومة، وجعل قضاء عمر حكومةً وافقت جَملاً، وحمل نصَّ الشافعي على هذا المحمل، وهذا هو المسلك المرضي الذي لا يسوّغ غيره.

стр. 8613

وقد روي: "أن زيدَ بنَ ثابت أوجب في العين القائمة مائةَ دينار" (١)، ثم لم [يذهب] (٢) أحدٌ من الأصحاب إلى أن المائة تقدير في العين القائمة. والوجه القطع بأن ما ذكره في الترقوة والضِّلع [مآلٌ] (٣) في الحكم، وليس تقديراً مثبوتاً يجب اتباعه، وقد يجوز لمن يسلك طريق القولين أن يشبه أقضية أصحاب الرسول ﷺ في الحكومات [أنها متبعة] (٤) كما اتبعت أقضيتهم في إثبات أمثال الصيود، ولم أسمع أحداً يُجري [القولين] (٥) في العين القائمة؛ لمذهب زيد بن ثابت؛ ولعل السبب فيه أن ذكر الدنانير مشعرٌ بالتقريب والاجتهاد، بخلاف ذكر الجَمَل؛ فإنه بالتوقيف أشبه. والعلم عند الله. ١٠٦٧٦ - ثم قال ﵁: "ولو جَرحه، فشان وجهَه ... إلى آخره" (٦). إذا جرح رأسَه وأوضحها، وشان ما حواليها، فلا يجب إلا أرشُ موضِحة، فإن [متصل الشين] (٧) لو كان إيضاحاً، لما وجب في الموضِحة (٨) [وإن استوعبت الرأس] (٩) إلا أرشٌ واحد، فالشين المتصل لا يزيد على الإيضاح، ولو كان مكان [الشين] (١٠) إيضاح، لما وجب إلا أرش موضحة واحدة.

стр. 8614

ولو اتسع الشين حتى انتهى إلى القفا، فهذا ما تردد فيه أصحابنا: فمنهم من قال: لا يجب فيه إلا أرش الموضحة، كما لو لم يبعد الشين من محل الإيضاح. ومن أصحابنا من قال: يُفردُ الشين، فإنه تعدى محلَّ الإيضاح، ونحن إنما أتبعنا الشينَ الإيضاحَ، لأنا قدرنا إيضاحاً بدل الشين، فوجدنا الأرش يتّحد في الإيضاح، ونزلنا الشين الذي هو الأدنى منزلة الإيضاح الذي هو أعلى، وهذا لا يتحقق إذا كان الشين على [القفا] (١)، ولا يتحقق هذا أصلاً. هذا إذا كان الجرح على الرأس، وكان مقدَّر الأرش كالموضِحة. فأما إذا كانت الجراحة على الرأس، وكانت متلاحمة، فهذا ينبني على أن أرش المتلاحمة هل يتقدّر أم لا؟ وفيه قولان ذكرناهما، مبنيان على أن القصاص [هل] (٢) يجري في المتلاحمة. فإن قلنا: إن أرش المتلاحمة [يتقدر،] (٣) فإذا ظهر شينٌ حوالي الجراحة، فقد اختلف أصحابنا على وجهين: منهم من قال: نُتبع الشينَ المتلاحمة، كما أتبعنا الشينَ الموضِحة؛ فإن الجراحتين متساويتان في تقدير الأرش، ولو اتسعت المتلاحمة، كان كما لو اتسعت الموضِحة. ومن أصحابنا من قال: لا نتُبع الشينَ المتلاحمة، وذلك [أنا، و] (٤) إن قدّرنا أرشها؛ فإنا في تقدير الأرش على ظنٍّ وتخمين؛ فإنا نقدّر سمك الجراحة، وهذا لا يتوصّل إليه إلا باجتهاد وفكرٍ، فيجب إلحاق هذه الجراحات بجراحات الحكومة التي لا تتقدر أروشها. ١٠٦٧٧ - ونحن نذكر الآن تفصيلَها، فنقول: إذا كانت الجراحة في موضع لا يتقدر أرشها، فظاهر النص (٥) أن الجراحة إذا شانت ما حواليها، فننظر إلى الأكثر

стр. 8615

إذا اندملت الجراحة: فإن كان الجرح أكثرَ من الشين، أوجبنا موجَبَ الجرح، وإن كان الشين أكثر أوجبنا حكومة الشين. وهذا النص مشكلٌ جدّاً؛ وذلك أن الجراحة [إذا] (١) اندملت، وظهر شين حواليها، كتغير لون، أو استحشافٍ، فالمصير إلى الفرق بين الجراحة والشين لا معنى له، فإن الجراحة إذا اندملت، فمحلها -إذا بقي الأثر- شينٌ، ينطلق على أثرٍ [مُتكَرَّه] (٢) يؤثِّر مثله في نقصان القيمة، [ثم] (٣) إنه ينقسم، فقد يكون [تغيّر] (٤) لون، وقد يكون [نحولاً] (٥) واستحشافاً، وقد يكون [ثُغرة] (٦) تبقى، ولا ينبت اللحم فيها، وقد يكون تغيّرَ لون (٧)، وقد يكون [لحمةً] (٨) زائدة، فهذا كله يسمى شيناً، فإذا اندملت الجراحة، وبقي في موضعها أثر وحواليها شين، فهذا التفصيل فيه لبس؛ [فإن] (٩) كل شين وإن اختلفت صفاته، فالوجه المقطوع به أن السراية إذا انتهت، وبقي الأثر، فتجب الحكومة في الأثر الباقي، وليس للإتْباع وذكر الأقل والأكثر معنى، وقد اختار القاضي هذا المسلك، وهو الذي لا يجوز غيره. ١٠٦٧٨ - ثم [نسرد] (١٠) ما ذكره الأئمة: قالوا: ننظر إلى أثر الجرح، يعني ما بقي على محل الجراحة من نقصان عن الاستواء أو زيادة على اعتدال الخلقة، وننظر
следующие страницы →