← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

ثم من كان معتدياً في إخراج فسقط خراجُه (١) وأتلف شيئاًً، أو أهلك حيواناً، فلا شك في وجوب الضمان، فإن لم يكن [معتدياً] (٢) بإشراع الجناح، فانقضّ وسقط على شيء فأتلفه، فالذي أطلقه الأصحاب وجوب الضمان، وأجمعوا على قولٍ جامعٍ في هذه الفنون، [فقالوا] (٣): [من تصرّف] (٤) في هواء الشارع بما يرجع إلى غرضه ومقصوده الخالص ضامن لسلامة العاقبة، وإن كان فعله [مشروعاً] (٥). ثم قالوا: إذا أخرج ميزاباً، فاتفق سقوطه وإفضاؤه إلى تلفٍ، ففي وجوب الضمان وجهان: أحدهما - لا يجب الضمان أصلاً. والثاني - يجب. ووجه قول من قال: يجب الضمان: القياسُ على [الجناح] (٦) المشترع، والجامع رجوع [شغل] (٧) الهواء إلى منفعة المتصرف فيه. ومن نفى الضمان، [قال] (٨): الحاجة ماسة إلى إخراج المرازيب، ولا تستقل الأبنية المزاحمة للشوارع المتخللة بين الأملاك من مرافق الأملاك، وإنما هي ازدياد في اتساع [أرفقة] (٩) البيوت والعرصات، ولا يمتنع أن يكون تجويزها مشروطاً بسلامة العاقبة، فإن قلنا: لا يجب الضمان، فلا كلام. وإن حكمنا بإيجاب الضمان، فلو تقطّع القدر [البارز] (١٠) في هواء الشارع وأُبين وسقط، وبقي المقدار الذي كان ثابتاً في الملك، فما يَتلفُ في ضمانه (١١) على هذا

стр. 8752

الوجه. [وإن] (١) تقلع المرزاب وسقط بجملته، وأفضى إلى التلف، فالذي ذكره الأصحاب أنه يجب بعض الضمان في مقابلة ما كان بارزاً، ويسقط ما يقابل الذي كان في الملك. ثم اختلفوا في كيفية التقسيط، فذهب الأكثرون إلى التنصيف كيف فرض الأمر، وعلى أي قدر صوّر البارز والداخل في الملك، وهذا هو القياس المرتضى في هذا المنتهى. ومن أصحابنا من قال: نضبط وزن الخارج ونردّ ما كان داخلاً في الملك ونوزع الثبوت والسقوط عليهما. وهذا بعيد؛ فإنه إذا ضرب رجلان رجلين بعمودين متفاوتين في [الرزانة والثقل وأفضت] (٢) الضربات إلى الهلاك، فالدية نصفان، فإن كان صاحب الوجه الأخير يسلم هذا، فلا جواب له عنه، وفي هذا الرمز تنبيهٌ للفطن، وهذا يشير إلى زيادة [أسواطٍ] (٣) في الحد، وقد تقدم خلافٌ فيه، وسيأتي مستقصًى في الحدود، والذي لا ننظر فيه إلى أعداد الجراحات، فإنها غائرة غير مضبوطة الآثار. ١٠٨١٧ - ومن التصرفات في الشوارع [جمع الكناسات] (٤)، وطرح قشور البطيخ، ورش الماء: أما طرح قشور البطيخ، وما في معانيها، فللأصحاب فيه طرق: منهم من قال: لا ضمان فيها على الطارح؛ لأن الشوارع كما قررنا من مرافق الأملاك، ولو مُنع الملاك من طرح الكناسات والفضلات في [الشوارع] (٥) الواسعة، لضاقت عليهم الأملاك، وقد تمس الحاجات إلى تكلّف صور لا استقلال بها. ومنهم من قال: يتعلق الضمان بها، لأن المقصود الذي ينسب الشارع إليه

стр. 8753

الاستطراقُ، وكل ما يؤثر فيه إن كان ظاهراً، [فهو ممنوع] (١)، وإن كان خفياً، [يجرّ] (٢) على الندور ضرراً [على طارقٍ، فهو] (٣) مقرون بشرط سلامة العاقبة. ومنهم من قال: إن جمعت هذه الفضلات في الزوايا أو في الأوساط التي لا ينتهي إليها المارة غالباًً، فلا يتعلق بها ضمان، إذا أفضى إلى تلف نادرٍ، فإن طرحت على متن الطريق وسَرَارةِ (٤) الشارع، فهي من أسباب الضمان. والوجه عندنا القطع [بأن] (٥) الإلقاء على متن الطريق سببُ الضمان، وردّ التردد إلى الإلقاء على الأطراف، والمواضع التي لا ينتهي إليها المارة في الغالب. وأما [رش الماء] (٦)، فإن كان لغرض صحيح [كتر طيب] (٧) التراب، حتى لا يثور الغبار، فهو وجه في مصالح المارة، إذا لم ينته إلى [التزلّق] (٨)، فلو خَرَّ بعير -والحالة كما وصفناها- ففي تعلق الضمان به خلاف، وإن انتهى إلى حد [التزلّق] (٩)، فهو في معنى طرح قشور البطيخ، والعادة المألوفة فيها أنها تجمع في الزوايا، ثم إذا [كثرت] (١)، نُقلت.

стр. 8754

والضابط في هذه الأجناس أن ما يجاوز الاعتياد عدوان، وما يقع على حد الاعتياد، ففيه تردد في وجوب الضمان عند الإفضاء إلى التلف. ١٠٨١٨ - وممّا [تشتدّ] (١) الحاجة [إليه] (٢) ويظهر فيه إسقاط الضمان، ولا يخلو عن خلافٍ في إيجابه [هو إتلاف البهائم] (٣). والوجه عندنا أن نقول: البهائم الطارقة إذا كانت تبول وتروث، ثم فرض تزلق بعض المارة بأبوالها وأرواثها، فلا ضمان على أصحاب الدواب؛ فإن هذا مما لا يمكن التصون منه، وفي إثبات الضمان فيه - منعٌ من المرور والطروق، فإن كان يتجه [نفي الضمان في اشتداد الحاجة، فهذا] (٤) أولى الصور، وقد ذكر الأصحاب فيها وجوب الضمان على من يستاق البهائم (٥)، والذي ذكرته مأخوذ من كلام الأئمة عند اعتبارهم الضرورة الخاصة، والحاجة البيّنة في إسقاط الضمان، وإذا كانوا يُسقطون الضمان في المرازيب لحاجات الأملاك؛ فلأن يسقطوا الضمان في [هذه الحالة أولى. وأما ضمان ما يَتْلَف إذا كان يركب] (٦) الدابة، فجفلت أو عضت، فهذه الأشياء تُنسب إلى [خُرْق] (٧) الفارس، فإنه بين أن لا يحسن صون مركوبه، وبين أن يركب

стр. 8755

دابة نَزِقة لا تنقاد لمثله، وعلى أي وجه فرض، فهو مقصر. ١٠٨١٩ - فهذه جمل في أسباب الضمان، ولكنها مرسلة لا تثبت في حفظ الفقيه ما لم تنخرط في سلك الفقه، والضبطِ الجامع المعروف المشتمل على تبيين المنازل والمراتب، ونحن نقول والله المستعان: ما [يشرع] (١) من تصرفات الملاك في أملاكهم لا [يجرّ] (٢) ضماناً قط، وليس مقروناً بشرط سلامة العاقبة. وما يجري في الموات [لا يجري] (٣) عدواناً، ولا يتضمن ضماناً. وأما ما يجري في الشوارع إن كان ممنوعاً، ثم أفضى إلى تلفٍ، [فهل يجب] (٤) الضمان به؟ حاصل المذهب فيه أقوال: أحدها - يتعلق الضمان به. والثاني - لا يتعلق، والثالث - يفصل بين أن يكون صادراً عن إذن الوالي وبين ألا يكون صادراً عن إذنه. فأما ما يجري من المارة في أنفسهم كبول البهائم وروثها في أنفسها، فقد سبق الكلام فيه: نقلاً وتنبيهاً، والرَّمحُ والرَّفسُ والعضُّ يتعلق بالراكب والسائق والقائد، وفي هذا باب [يأتي] (٥). وأما ارتفاق الملاك بالشوارع، فالممنوعُ منه سببُ الضمان، والمجوَّز منه ينقسم إلى الارتفاق من غير اشتداد الحاجة، وإلى ما تشتدّ الحاجة فيه، فأما الارتفاق المحض، فإن كان مسوّغاً، فهو على مذهب الأصحاب مقرون بشرط السلامة [كالأجنحة والقوابيل] (٦) إذا سقطت، وما اشتدت فيه حاجات الأملاك، ففي ثبوت أصل الضمان فيه خلاف كالمرازيب، وعلى هذين القسمين [إخراج القمامات] (٧) وطرح القشور. ١٠٨٢٠ - ويتعلق بهذا المنتهى كلام متردد بين تصرف الملاك في أملاكهم، وبين

стр. 8756

ارتفاقهم بالشارع: فمن بنى جداراً على ملكه، وأمال طرفَه إلى الشارع، فالطرف الممال بمثابة الجناح. ولو بناه غير مائل، فمال وسقط من غير استمكان من الاستدراك، فلا ضمان؛ فإن [الباني] (١) تصرف في ملكه على الاعتياد. وإن بنى الجدار مستوياً، فمال وأمكن تقويم الجدار؛ فإنه [إن] (٢) بقي مائلاً زمناً، ولم يتفق تقويمه ولا نقضه حتى تهدّم [وخرّ] (٣) ملقى، ففي وجوب الضمان على صاحب الجدار وجهان: أصحهما - وهو الذي يدل عليه ظواهر النصوص أن الضمان لا يجب؛ نظراً إلى أصل البناء، فإنه كان ارتفاقاً بالملك على ما يجب. ومن أصحابنا من قال: يجب الضمان؛ لأنه كما (٤) [مال أمكن] (٥) استدراكه، [وإن] (٦) كان في حكم ما يبني كذلك، وقد ذكرنا أنه لو بُني مائلاً، كان المقدار [المائل] (٧) الشاغل لهذا الشارع بمثابة الجناح، وهذا مذهب أبي حنيفة (٨)، غيرَ أنه يُفصِّل تفصيلاً لا يساعده عليه أصحاب هذا الوجه الثاني، ويقول: إذا أشهد على صاحب الجدار إنسانٌ شاهدين، ونبهه على صورة الحال ثم فرض السقوط بعده، وجب الضمان، وإن لم يجر إشهاد، لم يجب الضمان، وهذا لا يصير إليه أحد من أئمتنا. وكنت أود لو فرق فارق بين أن يعلم صاحب الجدار، ثم يفرض انتسابه إلى [التقصير] (٩) وبين ألا يعلم، ولم أر هذا لأحد من أئمة المذهب.

стр. 8757

وقد انتهى رسم المسائل في أسباب الضمان، وذكر معاقد المذهب في كل مرتبة والتنبيه على تعاليل التفاصيل. ١٠٨٢١ - ونحن نختم هذا الفن بنوع آخرَ مجموعٍ وجيزٍ، فنقول: اللائق بالفقه بالكلتاب [أنه لا يجب بسبب] (١) فعل مباح على التحقيق ضمانٌ، والذي أطلقه الفقهاء من أن تعزير الزوج زوجته، والمؤدب تلميذه مباح، مشروط بسلامة العاقبة، كلام عري عن التحصيل؛ فإن التعزير المباح هو المقدار الذي لا يفضي إلى الهلاك، فإن أفضى إليه، تبين أن المعزِّر جاوز الحد: إما في قدر الضرب، وإما في [توقِّي ما] (٢) يجب أن يتوقى من البدن، وإما في ترك النظر في زمان أو حال المضروب المؤدَّب، فنتبين أن فعله ليس مباحاً، ولكنه خطأ، ولو علمه واعتمده، لكان عدواناً على التحقيق، وقد أجرينا أن إخراج القابول مباح مشروط بسلامة العاقبة. والذي يجب تنزيل هذا [عليه] (٣) أن من تصرف في [ملكه] (٤) لا يجب عليه من التحفظ الحدُّ الذي يجب على من يُخرج القابول، ثم يتعين أن [يرعى في دوامه] (٥) ما يصونه عن السقوط، فماذا فرض سقوطه، [دلّ] (٦) ذلك على تقصير في البناء، أو تقصير في مراعاة الصَّوْن في الدوام، فإذا تعلق الضمان به، أفضى إلى العلم بمجاوزة حد الأباحة المحضة ابتداء أو دواماً. وهذه الحدود غير مرعية في الأملاك، ولو قال الملاك: هذا وضع الشرع، وتبينا من هذا المنتهى أن من أخرج القابول، وتناهى في الاحتياط، فجرت حادثة

стр. 8758

لا تُتوقّع من وجه، أو صاعقة [تندر] (١) وسقط القابول، فلست أرى إطلاق القول بالضمان. فلينظر من أدرك هذا المغاص في ذلك. واللهُ العليمُ. وهذا نجاز الأسباب التي هي أسباب العدوان على الجملة. ١٠٨٢٢ - ونحن نعقد بعد هذا فصلاً في تفصيل الضمان وما يوفيه بما يُكمل البيان - إن شاء الله فنقول: إذا حفر حافرٌ بئراً فى محل عدوان، فإذا أطلقنا هذا اللفظَ، فالمراد به الحفرُ الموجب للضمان، فإذا تردى متردٍّ في مثل هذا البئر، وجبت ديته على عاقلة الحافر، ووجبت الكفارة على الحافر. فإن تردت بهيمة، فالضمان في مال الحافر، ولو كان مات الحافر وقسمت تركته، فالضمان الذي كان يتعلق بماله لو كان حياً يتعلق بتركته بعد وفاته، ولو كانت قُسِّمت وتطاول الزمان، فالضمان يتبعها، ثم لا يؤاخذ [المتردّي] (٢) بتخطيه، [وإن] (٣) كان سببُ [الهلاك] (٤) تردّيه، بل يحمل الضمان على الحافر. وهذا يكاد يخرم قاعدة السبب والمباشرة؛ [فإنا] (٥) مهدنا في الأصول المتقدمة أن المباشرة مقدمة على السبب، إذا لم يكن السبب [غالباً] (٦)، أو في معنى الملجىء، ولا محمل لهذا في الأقيسة الجزئية إلا تغليظ الأمر على المعتدين، وزجرهم عن أسباب العدوان، ثم لم يفرق أحد من الأئمة بين أن يتفق التردي ليلاً أو نهاراً. ولا ينضبط هذا الأصلُ، ما لم نجدد العهدَ بمسألة ذكرناها في باب الاصطدام، ولا نُخلي إعادتها عن إفادةٍ وذكر زيادة.

стр. 8759

١٠٨٢٣ - قال الشافعي: "إذا صدم الماشي واقفاً، فمات الصادم والمصدوم، فالصادم ضامن لدية المصدوم" (١) وهو في نفسه [هدرٌ] (٢) في حق المصدوم، ولسنا نعني بإضافة الضمان إلى الصادم الضرب على ماله، وإنما نعني ارتباط الضمان بعاقلته، ولكن التحفظ عسر في أثناء الكلام، وقال الشافعي: "لو تعثر ماشٍ بقاعد على الطريق فدية الصادم على عاقلة القاعد والقاعد المصدوم هدر" وقد قدمنا اختلاف أصحابنا في ذلك، وذكرنا أن منهم من نقل وخرّج وأجرى في المسألتين قولين: أحدهما - أن الضمان على الصادم منهما، والثاني - أن الضمان على المصدوم منهما على التأويل الذي ذكرناه في إضافة الضمان. ومن أصحابنا من أقر النصين قرارهما، وفرق [بين حالين] (٣) كما سنعيد على حسب حاجتنا في هذا الفصل. وذكر صاحب التقريب قولاً ثالثاً في أنه يجب تمام دية الصادم، وتمام دية المصدوم، ولم يصر أحد إلى تنزيلهما منزلة المصطدمَيْن؛ فإن المصطدمين مشتركان في فعلين [متماثلين] (٤)، وهذا متحقق في الصادم والمصدوم في مسألتنا، وكان هذا القائل (٥) يجعل الصادم متعدياً على نوعٍ، ويجعل المصدوم متعدياً على نوع آخر، ولم يجعل النوعين بحيث يتحقق الاشتراك بهما، وهذا على بُعده لطيف المأخذ، ولم يصر أحد من الأصحاب إلى تنزيلهما منزلة المصطدمين. ١٠٨٢٤ - فإذا تجدد العهد بهذه المسألة؛ فإنا نقول بعدها: الظاهر في قانون المذهب الفرق بين أن يكون المصدوم قائماً أو قاعداً، وكيف لا نقول هذا، والنص مصرح بهذا، والنقلُ والتخريج عندي تكلف، وسبب الفرق أن المنفعة المقصودة في

стр. 8760

الطريق المرور والطروقُ، ويغلب على المار أن يقف لانتظارٍ، أو تأمل، أو نفض ثوبه، أو [للاسترواح] (١)، فبالحري أن يكون الوقوف في حكم الجزء من المرور، فإذا كان كذلك، فلا اعتداء فيه أصلاً. وأما القعود، فإنه يبعد أن يكون ملتحقاً بالمرور، بل هو قطع المرور، والوقوف [أناةٌ] (٢) في المشي، على أن من قال القائم كالقاعد، قال: رب مارّ يعيا ويكلّ، ويحتاج إلى انتظار، ويؤئر القعود، فمن سلك هذا المسلك ألحق القعود بحاجات المرور. وإنما قدمنا جميع ذلك لغرض، وهو أن من نصب حجراً، فتعقّل به إنسان من المارة، وجب الضمان على ناصب الحجر، والتعقل بالقاعد كالتعقل بالحجر، ثم لا خلاف أن نصب الحجر [مُضمِّنٌ] (٣) وفي القعود التردد الذي ذكرناه، والسبب فيه أن القعود مما يطرى على المارة، ونصب الحجر لا تعلق له بأغراض المرور والطروق. ١٠٨٢٥ - ثم إنا نندفع بعد هذا في تفاصيل أسباب الضمان، وتقديم البعض منها على البعض، والتسوية بين ما يجب فيه التسوية، فلو احتفر إنسان بئراً في محل عدوان، ونصب ناصب على شفير البئر حجراً، فتعقل المارّ بالحجر، وتردّى في البئر، فقد أجمع الأصحاب على أن الضمان على صاحب الحجر؛ فإنه سبب دفعه إلى البئر، والسبب كالمباشرة، فنجعل كأن مباشرَ نَصْبِ الحجر [باشر] (٤) دفعَه، ولو فرض ذلك، لكان الضمان على الدافع، وإن كان الهلاك لا يحصل لولا البئر، [ودَفْعُ] (٥) الدافع، فإن البئر يصير بمثابة الآلة [يصادفها] (٦) مباشر القتل، [فيقتل

стр. 8761

بها] (١)، ولولاها لما تأتى القتل، ولا ضمان على من هيّأ الآلة. ولو نصب ناصب حجراً، ونصب آخر [أمام] (٢) الحجر سكيناً، فتعقّل المار بالحجر، ووقع على السكين، وهلك بسبب ما ناله من جرح السكين، فالضمان على ناصب الحجر (٣). وقال الأئمة: لو استمسك الرجل بنصاب (٤) سكين، وكان بين يديه إنسان واقف، فجاء آخر من ورائه، فدفعه على السكين، فإن لم يحرك صاحب السكين يده في صوب المدفوع، بل أثبتها، أو اكتنّت (٥) يده، فالضمان على الدافع، هكذا قال الأصحاب، وإن حرك يده قدُماً في صوب الملقَى عليه، فيجب الضمان عليه حينئذ. ونحن نرسل هذه المسائل، ثم ننعطف عليها بالبحث والتنبيه على أغلب الوجوه، إن شاء الله. ولو ألقى رجل رجلاً من عُلوّ، فتلقاه إنسان واقفٌ بالسيف، وقدَّه نصفين، فالذي أطلقه الأصحاب أن الضمان والقصاص على القادّ. ومما ذكروه أن من حفر بئراً معتدياً، ونصب ناصب في أسفل البئر سكيناً، فتردى وصار في البئر، وهلك بالسكين، فالضمان على حافر البئر، وهذا جارٍ على قياس الدفع الذي ذكرناه في الحجر إذا فرض التعثر والوقوع في البئر، أو فرض التعثر به والتعثر بالسكين، المنصوب أمامه. ولو حفر حافر بئراً وجعلها عشرة أذرع (٦)، فجاء آخر وعمقها، فتردى المار في

стр. 8762

البئر، وهلك، فما ذكره الأصحاب من قياس الدفع ينبغي أن يكون الضمان على المبتدىء بالحفر، فإنه في محل الدافع، وذهب بعض الأصحاب إلى أن الضمان مشترك، وهذا وإن كان يمكن توجيهه، فهو هادم لما قدمناه في الحجر والسكين، والحجرِ والبئر، والسكينةُ التي ذكرناها في الدفع قوية (١). فإذا بيّنتُ هذه المسائل، فلا نأخذ [في] (٢) غيرها حتى ننعطف عليها بالتنقيح والتصحيح، ثم نأتي بعدها بما يليق بالترتيب: ١٠٨٢٦ - فمما ذكرناه الحجر والبئر، وتقدير الحجر كالدافع، وهذا وإن كان متفقاً عليه، ففيه سؤال: [فالحجر] (٣) سببٌ في الدفع وليس دفعاً، والبئر سبب في الهلاك وليس إهلاكاً، فلا يبعد من طريق القياس أن يقال: اجتمع السببان، فيشترك [المتسببان] (٤) في الضمان، وليس من الإنصاف أن نجعل الحجر كالدافع المباشر، ونجعل البئر على حقيقة السبب، فإن قدرت سبب الدفع دفعاً، فقدِّر سببَ الهلاك إهلاكاً.

стр. 8763

ولو ألقى ملقٍ إنساناً على سكين بيد إنسان، فتلقاه صاحب السكين، فالهلاك منهما، والضمان عليهما، فهذا وجهٌ في الإشكال بيّن. وما ذكره الأئمة ﵃ من إلقاء الواقف على السكين القائم أظهر إشكالاً من هذا؛ فإن [رَمْي] (١) السكين وإسقاطَه ممكن، والاستمساك به والتحامل عليه ليدوم منتصباً كيف محطُّه، فإن كان هذا مفضياً حيث يتفق الدفع [والاعتمادُ] (٢) على وجهٍ لا يمكّن صاحبَ السكين فيه من طرح السكين، فإذ ذاك يجوز أن يُكفَى الضمان، وهذا مما لا أستريب فيه، ولست أردّ على من مضى ولكن أحمل كلامهم على الصورة الأخيرة - ومن أعظم الدواهي ما وقع من الخلل في نقل النقلة. أما مسألة الحجر والبئر، فلا شك أن المذهب [فيها] (٣) ما ذكره الأصحاب، والشافعي [صوّر] (٤) تلك المسألة (٥)، فلا مزيد على ما قال الأصحاب، والإشكال قائم في التعليل إلى أن يحلّه ذو فكر صائب. وأما مسألة القد، فقياسها بيّن؛ فإن القتل على الحقيقة إنما صدر من القادّ، وليس الملقي في حكم المشارك له، بل هيأ له القتل، فكان الملقي كالممسك، الذي [يقرّب الشخص بإمساكه لسلاح من يقتله] (٦). وفي بعض التصانيف حكاية وجه غريب أن القاتل هو الملقي، وهذا بعيد لا أصل له، ولم [يقل أحد باشتراكهما] (٧).

стр. 8764

وقد انتهى غرضنا في هذا الفن نقلاً وبحثاً. ١٠٨٢٧ - ثم قال الأصحاب: لو احتفر إنسان بئراً في محل عدوان، ثم جاء السيل بحجر، فانتصب على شفير البئر، فتعقّل به متعقل، وتردّى، فالمتردي هدرٌ؛ لأن الحجر كالدافع، وليس انتصابه مضافاً إلى ضامن، فلا وجه إلا الإهدار، ويلزم من هذا المساق أن كل من احتفر بئراً [فجاء آخر وجعل على حافة البئر أيَّ نتوءٍ، ولو كان هذا البئر] (١) في مضيق من الطريق، فمن تعثر [بالنتوء] (٢)، وسقط في البئر، فلا ضمان على حافر البئر، ونُرتِّب عليه أن الضمان إنما يجب على الحافر إذا تردى المتردِّي بخطوه في البئر، هذا لا بد منه، إذا تمهد الأصل المقدم، وكذلك إذا وضع الحجر على شفير البئر، وفرض التعقل والتردي، فلا ضمان أصلاً. فرع: ١٠٨٢٨ - إذا طرحت قشور البطيخ في الطريق وجرينا على أنها سببُ الضمان على الجملة، فقد ذكر صاحب التلخيص تفصيلاً نستاقه على وجهه، ثم نذكر وجه الصواب، قال: "قشر البطيخ إذا طرح، فإن كان الوجه المطعوم منه يلي الأرض والوجه الآخر يلي الهواء، فإذا وضع المارّ رجله عليه [وتعثر] (٣)، نظر: فإن لم يتحرك القشر، فلا ضمان، والتعثر [والتكفؤ] (٤) محمول على عثرة المار؛ فإن الوجه الذي لا طعام عليه لا يُزلّق، والوجه الذي عليه الطعام لم يتحرك حتى يُحملَ التزلقُ عليه، فكان سقوط المارّ غيرَ مضاف إلى القشر. وإن تحرك القشر، وهو على هذه الهيئة تحت القدم، وسقط المار، وجب الضمان؛ لأن كل ذلك محمول على [مزلّة] (٥) تحت القدم، ثم التعثر مرتَّب عليه. ولو كان الوجه المطعوم بحيث يلي الهواء، والوجه الآخر يلي الأرض، فوضع

стр. 8765

المارُّ قدمه عليه، فإن تحرك القشر تحت القدم، وسقط المار، فلا ضمان، والأمر محمول على [عثرةٍ وِفاقيّة] (١)؛ فإن القشر إذا تحرك مع القدم -والذي يلي الأرض لا ينزلق- فلا مزلق من جهة القشر، وإنما الرجل [انساق] (٢) للحركة [متعرضاً فيها] (٣). وإن [كثر] (٤) القشر -وهو على الهيئة التي ذكرناها آخراً- وانملس (٥) القدم، فهو محمول على تزلق الطعام البادي للهواء". هكذا ذكر صاحب التلخيص وطائفة من طوائف الأصحاب (٦). [وذهب] (٧) معظم المحققين إلى إبطال هذا التفصيل في الصورتين والمصير إلى أنَّ الضمان يجب، فإن القشر سبب [التعثر] (٨) حيث فرض الأمر، ولا يُنْكر ظهور الإحالة عليه، وما ذكره في الصورة الأخيرة من أن القشر إذا تحرك، فلا ضمان في ذلك، فإنه في الغالب يتحرك بوطأة الواطىء، وينعصر من الرطوبة عليه ما يزلق الجلد، فلا خير في هذا التفصيل. وما ذكره في الصورة الأولى أمثل قليلاً إن كان الوجه البارز للهواء خشناً لا يفرض التزلق عليه، والغالب أنه مما يفرض التزلق عليه، إما [لملاسته] (٩) -فإن ذلك غير منكر في أجناس البطاطيخ- وإما لكونه رَخْصاً حاوياً رطوبة.

стр. 8766

فإن كان نشفاً خشناً والوجه المطعوم مما يلي الأرض، [فلا] (١) يبعد اعتبار التحرك. ١٠٨٢٩ - وخرج من مجموع ما ذكرناه طرقٌ: منها ما حكيناه عن صاحب التلخيص في التفصيل. والطريقة الثانية - وهي التي ذهب إليها معظم المحققين أنا لا نفصل بين التحرك وعدمه، وبين أن يكون الوجه بادياً أو كان مما يلي الأرض. والذي (٢) ذكرناه [قبلُ من] (٣) تصويبه في اشتراط التحرك إن كان الوجه البادي نشفاً، فهو لو تفصل على هذا الوجه، لم [يبعد] (٤). [ويتعلق] (٥) بتمام البيان أن من رش الماء، حتى انتهى إلى مبلغ تزلُّقٍ، فهو من أسباب الضمان، كما تقدم، ولكن يشترط أن يضع المتعثر قدمه على موضع الزلق من حيث لا يشعر، فإن وضع قدمه عليه وهو [يعاين] (٦) الأثر المزْلق فتزلّق، فلا ضمان أصلاً، وهذا يجري في وطء [القشور] (٧) كيف فرضت، وهو بمثابة ما لو وضع [الساقط] (٨) قدمَه على شفير البئر وهو [معاين] (٩) فإذا تردى، فلا ضمان على الحافر، وإن كان الرش غير منته إلى الزلق، وكان فيه منفعةٌ ظاهرة، فهو كاحتفار البئر لمنفعة المسلمين، وقد مضى التفصيل فيه [وانتجز] (١٠) بهذا القول في مضمون الباب.

стр. 8767

فصل ١٠٨٣٠ - إذا احتفر رجل بئراً في محل عدوان، فتردى فيها متردٍّ، [وانجرّ عليه ثانٍ] (١)، ثم سقط ثالث على الثاني، إلى أي عدد يُفرض. فلا يخلو إما أن يتفق التساقط من غير جذب، وإما أن يتفق بين المتساقطين جذب، وذلك بأن تزل قدم الأول، فيجذب ثانياً، ثم يجذب الثاني ثالثاً. فإذا تبين الغرض في هذا العدد، نبني في الزوائد عليه. [فإذا] (٢) كانوا ثلاثة - وقد جذب الأول الثاني، والثاني الثالث، وانهاروا في البئر، فإن تفاوتت مساقطهم، ولم يقع أحد على أحد، وماتوا بسبب التردي - فالجواب بيّن: أما الأول فديته على عاقلة الحافر، ودية الثاني على الأول؛ فإنّ جذبه عمدٌ محض، ولولا فوات الأول، لتكلمنا في القصاص عليه، وتجب دية الثالث على الثاني. ١٠٨٣١ - وأول ما تجب الإحاطة به قبل الخوض في نقل المذاهب أنه قد [اجتمعت] (٣) أسبابٌ في إهلاك هؤلاء، يجمعها البئر [والجذب] (٤). ثم اختار الأئمة المعتبرون في هذه المسألة مذهبَ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وذلك أنه قال: الأول مات بسبب صدمة قعر البئر، وسببِ سقطةِ الثاني ووقوعِه عليه، وسببِ سقطة الثالث، فإنه وإن وقع على الثاني، فلا شك أن ثقله يؤثر في الأول، فهلاكه مضاف إلى ثلاثة أشياء: أحدها - صدمة البئر، والثاني - ثقل الثاني، والثالث - ثقل الثالث، وقد انتسب الأول إلى سبب واحد من هذه الأسباب الثلاثة، وهو سقوط الثاني عليه؛ لأنه جذبه وكان سقوطه بسببه، فخرج منه أن الدية

стр. 8768

تثلّث، فالثلث فيها على عاقلة [الحافر] (١)، ويهدر الثلث، ويجب الثلث الثالث على عاقلة الثاني؛ لأنه جذب الثالث، [فكان] (٢) تثقيلُ الثالث الأولَ مضافاً إلى جذب الثاني. وكأنا نؤثر أن نصوّر ذلك على وجه شبه العمد، حتى ينتظم الكلام على نسق واحد. وأما الثاني، فهلاكه مضاف إلى جذب الأول إياه، وإلى جذبه الثالث، فهدر النصف من ديته لمكان جذبه، ويجب النصف من ديته على الأول بجذبه إياه. والأمر يطول في الفرق بين العمد وشبه العمد، [والضرب] (٣) للعاقلة وخاصّ مال الجاذب، وليس ذلك من غرضنا الآن. وأما الثالث، فهلاكه مضاف إلى جذب الثاني لا غير، فيجب تمام ديته على الثاني إن تعمد. هذا مذهب علي. وإن زاد العدد، لم يخف التفريع، فلو كانوا أربعة ووجد الساقط على الصورة التي ذكرنا من الجذب ووقع البعض على البعض، فقياس ما ذكرناه أن هلاك الأول مضاف إلى البئر وإلى ثقل الثاني والثالث والرابع، وإذا تخيلنا هذه الأسباب الأربعة، فننظر ما يضاف فيها إلى الأول فإذا هو جذبه الثاني، فنهدر ربع ديته، ويجب ربع ديته على عاقلة الحافر، وربعها على عاقلة الثاني لجذبه الثالث، وربعها على عاقلة الثالث لجذبه الرابع. وهلاك الثاني بجذب الأول إياه، وبثقل [الثالث والرابع] (٤) وهي ثلاثة أسباب، واحد منها مضاف إليه، وهو جذبه الثالث، [فهدر] (٥) ثلث ديته، ويجب ثلثها على الجاذب الأول، وثلثها على الثالث لجذبه الرابع.

стр. 8769

وأما الثالث، فهلاكه مضاف إلى سببين: أحدهما - جذب الثاني إياه، والثاني جذبه الرابع، وهذا [يقتضي] (١) التنصيف، فنُهدر نصفاً لجذبه الرابع، ونوجب نصفاً على الثاني. وأما الرابع فسبب هلاكه شيء واحد، وهو جذب الثالث إياه، فلا مهدر في حقه، وتمام ديته على الثالث. هذا بيان مذهب علي (٢) وهو مختار أئمة المذهب. ١٠٨٣٢ - وذهب أكثر الأصحاب إلى وجهين آخرين سوى ما أوضحناه من مذهب علي وهو اختيار الجمهور، ونحن نذكر الوجهين كما وجدناهما، ثم نُتبع [ذلك] (٣) تحقيقَ ما نحكي. من أصحابنا من قال: إذا كان [الفرض] (٤) في ثلاثة فَهَدَرَ (٥) الأول والثاني جميعاً،

стр. 8770

[فأما] (١) دية الثالث، فإن نصفها يضاف إلى الأول، ونصفها يضاف إلى الثاني. والذي ذكره الأصحاب في توجيه ذلك: أن الأول لا يضاف هلاكه إلى البئر، فإنه لما جذب الثاني، فقد جنى على نفسه جناية مباشرة، وحفر البئر تسبُّبٌ بعيدٌ، وإن وجدنا مباشرة، أسقطنا معها أثر السبب، وإذا خرج النظر إلى البئر من البئر، فهلاكه مضاف إلى ثقل الثاني، وإلى ثقل الثالث، أما ثقل الثاني، فهو الذي جذبه [وحوّله] (٢) إلى نفسه، وأما ثقل الثالث، فهو من وجه مضاف إلى الأول، فإنه جذب الثاني، وجذب مجذوبه، فصار الأول هالك أيضاًً، لأنه جذب الثالث، فكان هذا مباشرة منه، فسقط جذب الأول له، وأما الثالث، فإنه مضاف هلاكه إليهما جميعاً: إلى الثاني؛ من حيث إنه جذبه، وإلى الأول من حيث جذب جاذبه. وهذا الوجه ليس مما يضعف فيه وجه الظن والرأي، بل هو خطأ على تحقيق؛ من جهة أنه أهدر الثاني بالكلية، [وهلاكه] (٣) بجذب الأول له، وجذبه الثالث، ولئن كان يخطر لذي نظر إسقاط أثر البئر بمباشرة الجذب، فإسقاط أثر جذب الأول، وهي مباشرة [بجذب] (٤) الثاني الثالثَ غيرُ معقول (٥). ثم قال هذا القائل: الثالث يضاف هلاكُه إلى [جذبين] (٦)، فكيف [يستدّ] (٧) إضافة هلاكه إلى [جذبين] (٨) مع أنه لا يضاف هلاك الثاني إلى [جذبين] (٨)، فلا حاصل لهذا. وقد نجز أحد الوجهين الزائدين على مذهب الجمهور.

стр. 8771

والوجه الثاني - أن حفر البئر لا يُحْبط اعتباره، ولا نُخرج [البئر من] (١) الإحالة عليه، [فأما الأول] (٢)، فهلاكه بصدمة البئر، وثقلِ الثاني والثالث، غيرَ أن ثقل الثاني حصل بجذبه، وثقلُ الثالث حصل بجذبه اتصالاً به، فجذْبُ الثاني جاذبُ مجذوبه وهو الثالث، فديته بين الحافر وبين الإضافة إليه نصفان، فهدر نصفها، ويجب على عاقلة الحافر نصفها. وأما الثاني فيهدر نصف ديته بجذبه الثالث، ويجب نصف ديته على الأول بجذبه إياه. وأما الثالث فقد قال (٣): إن تمام ديته على الثاني لأنه جاذبه. وهذا فيه خلل ظاهر، [فإنه] (٤) في تنصيف دية الأول أضاف إليه [جذبه] (٥) الثاني والثالث، ولما انتهى إلى الثالث أضافه إلى الثاني بالكلية. وهذا متناقض (٦)، فهذا ما تلقيناه على تثبت. وبقي [بعد النقل والبحث الثقةُ] (٧) بأن المذهب ما نقله الناقلون عن علي بن أبي طالب (٨)، وهو الذي اختاره جماهير الأصحاب. ١٠٨٣٣ - وقد ذكرنا ما هو باطل قطعاً في مجال الوجهين المحكيين بعد قولِ

стр. 8772

الجمهور، وعلينا أن نتعرض [لما] (١) هو بمحل الظن، ثم نبني عليه ما يجب أن يقال لو ثبت ذلك المظنون، وحدث ما هو باطلٌ قطعاً. فمما يتعلق [بهذا] (٢) القسم أن الأول لما جذب الثاني - والمسألة في ثلاثة- وجذب الثاني الثالثَ، فمن قال: الأول جذب الثاني، وجذب مَنْ جذب [الثالث] (٣)، فهو منتسب إلى جذبهما، فقوله غيرُ بعيد عن الظن، ولكن لا بد من تفصيلٍ فيه، فإنْ جذب الأول الثاني، فهوى الثاني هُويّاً لا يملك التماسك، فانتساب التعلق بالثالث بعد أن زلت به القدم ونسبة الثالث إلى الأول محال، فإنه تمم جذب الثاني وأزاله عن اختياره، ثم افتتح هو بعد ذلك جذبَ الثالث، وكان جذب الثالث محالاً [على] (٤) [محض] (٥) قوة الثاني. وإن تعلق الثاني بالثالث، ثم جذب الأولُ الثاني، وهو متعلق أبه، (٦)، فهذا محل النظر؛ من [جهة] (٧) أن الأول أنشأ جذب الثاني وهو متعلق بالثالث، فأثرت قوتُه في جذبهما، ولكن إحالة انجذاب الثالث على الثاني أولى، لاستمساكه به، مع إمكان تركه إياه، وهو على حالٍ محتمَلٌ؛ سيّما إذا فرض نفيه [عن] (٨) الأول، فيقع الثاني والثالث قبل أن يفرض إعمال الاختيار في حلّ اليد، فهذا مما يجول [فيه] (٩) الظنُّ. ومما يتعلق بالمظنونات بعضَ التعلق ما أحدثناه في سياق أحد الوجهين المذكورين بعد مذهب الجمهور من قولنا: إن أثر البئر يسقط بالجذب، وقد أشرنا إليه

стр. 8773

[إذ] (١) قلنا: البئر في حكم السبب، [والجذب] (٢) المفضي إلى سقوط المجذوب في حكم المباشرة تغلب السبب، وهذا تخيّلٌ، والأولى إلحاقه بما يُقطع ببطلانه، وذلك لأن وقوع الأول في البئر وما يناله من أثر الصدمة ليس مما ينكر، وهو واقع حساً، وقد حكم الشرع بأن حافر البئر في حكم [المُردي] (٣) للمتردي، فكيف نحكم بانعدام أثر الصدمة بسبب جذبةٍ ننظر إليها؟ فهذا إذاً خبالٌ لا حاصل له. ١٠٨٣٤ - وتنخّل [مما] (٤) ذكرنا أن المذهبَ الأولُ، ولا يصح على السبر غيرُه. والذي يختلج فيه الظن [نسبة] (٥) الثالث إلى جَذْبةِ الأول في صورة واحدة ذكرناها، [وهي] (٦) أن يجذب الأول الثاني وهو متعلق بالثالث على مفاجأة، [فصار] (٧) الظاهر أن الأول تسبب إلى جذب الثالث، فإن جعلنا [متسبِّباً]، (٨) وقد أبطلنا ما عدا ذلك، فوجه التفريع- مع الاقتصار على هذا المظنون، وإسقاط ما سواه، [فيما] (٩) قدمناه- أن نقول- والفرض في ثلاثة: الثاني والثالث في حق الأول كشخص واحد يُقْتل، ولو جذب شخصاً واحداً، لقلنا ديته (١٠) نصفان نصفه على عاقلة الحافر، ونصفه مهدر. وأما إذا أردنا النظر إلى الثاني والثالث، فهلاك الثاني بجذب الأول، وبثقل [الثالث] (١١)، والثالثُ على كل حال مجذوب الثاني، وإن كان مجذوب الأول،

стр. 8774

فمضاف (١) بثلاث إلى تسببين، وهو كما لو جرح الرجل رجلاً جرحين، وجرح ذلك المجروح نفسه جرحاً واحداً، [فالهلاك] (٢) مضاف إلى مهدر [ومُضمِّن] (٣) وهذا يقتضي التشطير لا محالة. وأما الثالث، فيضاف إلى جذب الأول والثاني، [فتكون] (٤) ديته نصفين، يضاف نصفٌ إلى الأول، ونصفٌ إلى الثاني. هذا منتهى الكلام في ذلك. وكل هذا والمسألة [مفروضة] (٥) في جذب البعض بالبعض. ١٠٨٣٥ - فأما إذا تهافتوا في البئر من غير جذب، وسقط الثاني على الأول، والثالث على الثاني، فهذا فيه فقهٌ [غائص] (٦)، والوجه ذكرُه في شخصين أولاً، ثم لا يخفى ما بعده، فإذا سقط متردٍّ، وتبعه الآخر، فلا شك أن هلاك الأول في ظاهر الحال يضاف إلى صدمة قعر البئر، وإلى سقوط من سقط عليه، ولكن يتعارض في سقوط الثاني كلامان: أحدهما - أن سقوط الثاني مضاف إلى حفر البئر، حتى كأن حافر البئر أسقطه، وآيةُ هذا أن ضمانه واجب على حافر البئر، [وموجَب] (٧) ما ذكرناه إيجاب دية الأول بكمالها على حافر البئر، ويعارض هذا أن [المتردي] (٨) الأول يقول: هذا الثاني أسقط نفسه في البئر لما وضع القدم على هواء البئر، ولو كان

стр. 8775

عامداً لم نشك في ذلك، فسقوط العمد لا يغير حكم التلف، ومقتضى الضمان المترتب عليه، نعم، قد يختلف الأمر في متعلق موجب الخطأ والعمد، وليس ذلك [من] (١) غرضنا الآن. والأولى أن نقول: إذا كان تردّيه مضموناً على الحافر ضماناً مستقراً، فكيف يصير سبباً للضمان في حق هذا المضمون، والمسألة محتملة، والإشكال فيها بالغ. وفي كلام الأصحاب ما يشير إلى التردد، فيجوز أن يقال: لا ضمان على الثاني الساقط على الأول، لا تعلقاً، ولا قراراً، لما ذكرناه آخرأ، ويجوز أن يقال: الثاني في [منزلة] (٢) المغرور بالإضافة إلى الحافر، وهو فاعل [متسب]، (٣) لتلف، فتعلق الضمان به لفعله، ويثبت الرجوع على حافر البئر، كما تقدّم [في] (٤) المكرَه على إتلاف المال إذا طولب في وجهٍ، ثم يرجع على المكرِه، والأولى الوجهُ الأول، وهو قطع الطّلبة بالكلية، فإنه مضمون ضمان قرار على صاحب البئر، فهو في [حركته] (٥) غير منتسب إلى تردية بوجه، وقد ضمن له تردّيه فكيف يصير ترديه مضمّنه؟ ولكن رأيت للأصحاب تردداً في هذا، فأتيتُ بالممكن فيه، وإلا فلا استرابة بأنه [لا تعلق] (٦) بالمتردِّي، لا طلباً، ولا قراراً. ثم لو قدرنا الطلب على عاقلته ولا عهد لنا بتغريم العاقلة، ثم إثبات الرجوع لهم، فإنهم لا يغرمون قط إلا غرم قرار. فرع: ١٠٨٣٦ - لو أن رجلين كانا يتخاصمان، فانتهى الأمر إلى أن شهرا سيفيهما، وتقاتلا، وماتا مقتولين، ثم ادّعى [ورثة] (٧) كل واحد من القتيلين أن

стр. 8776

صاحبه كان دافعاً، والآخر كان قاصداً [فمآل الأمر] (١) يتحالفان، ولا يستفيدان إذا [حلفا] (٢) شيئاًً بتحالفهما، وإنما يفرض اليمين لتقدير نكول أحدهما، وحلف الثاني. ولو سئلنا عن حكم وقوع هذه المسألة التي سنصفها وقيل لنا: إذا التقى رجلان بسيفيهما، وظن كل واحد منهما أن صاحبه قاصدُه، فقصَدَ كل واحد منهما الدفعَ، وانتهت الحال إلى منتهىً يغلب على الظن [أنه الهلاك] (٣) [إن لم يبادر دفع] (٤) سيف صاحبه- ومعلوم أن ما نطلقه من العلم نتجوّز به، فإذا قلنا: إذا علم المقصودُ أن سيف القاصد لا يندفع عنه إلا بالسيف، لم نعن بهذا حقيقة العلم، وإنما أردنا ظنّاً غالباًً- فإذا تبين أن الظن الغالب يكتفى به، وعليه يخرج تصوير الإكراه على القتل أيضاًً، وإن كنا لا نقطع بأن المتوعد بالقتل كان يقتل لا محالة، ولكن إذا غلب الظن، كان ذلك إكراهاً، والغرض مما ذكرناه أن كل واحد منهما يظن ظناً غالباًً أن صاحبه سيبادره، ولم يكن البيان ممكناً. فأول ما نذكر في ذلك أنه: هل يجوز لكل واحد منهما أن [يدفع] (٥) سيفَ صاحبه عنه كما صورناه والحالة هذه، والذي نراه أن لكل واحد منهما أن يبذل جهده في دفْع سيف صاحبه عن نفسه؛ فإن الاستسلام لا يجب أصلاً، ويجوز دفع السيف إن لم يجب، وليس الغرض من تجويز دفع السيف منعَ الظالم عن ظلمه، وإنما الغرض أن يصون روحَ نفسه عن السيف الواقع به، والسيف كما صورنا يقع به عن قصد، [إما] (٦) على طريق الابتداء أو عن إرادة دفع. والذي يحقق هذا أن مجنوناً لو قصد إنساناً بسيفه، دَفَعه المقصودُ وإن كان المجنون لا يوصف بكونه ظالماً، فيخرج منه أن للإنسان أن يدفع السيفَ عن نفسه، ثم يترتب عليه أنه إذا كان لا يتأتى دفعٌ إلا بوضع السيف، فيجوز وضعه، ثم يخرج من

стр. 8777

ذلك أنه لا ضمان أصلاً، ويصير كل واحد منهما-[وقد الْتبس] (١) الأمر- في حق صاحبه كبهيمة [صائلة] (٢). ثم إذا قلنا: لكل واحد منهما أن يبتدر [صاحبه] (٣) [فدية] (٤) كل واحد منهما هدر. هذا ما نراه في ذلك، وغالب ظني أني وجدت لبعض الأصحاب نصّاً في هذه المسألة، وسأحرص على طلبه، وإلحاقه. على أن الكلام [استقرّ] (٥) في هذا على حدٍّ لا يجوز تقدير الخلاف فيه، ولو فرض شيء على خلاف ذلك، فهو هفوة من قائله. [باب دية الجنين] (٦) قال الشافعي ﵁: "وفي الجنين المسلم بابويه أو بأحدهما غرّة ... إلى آخره" (٧). ١٠٨٣٧ - من جنى على حامل بجنين حرٍّ محكومٍ بإسلامه تبعاً، فأجهضت بسبب الجناية الجنينَ، فأصل الباب أنا نوجب عليه غرّةً عبداً أو أمةً، والأصل في ذلك ما روي: "أن النبي ﷺ قضى في الجنين بغرةٍ عبدٍ أو أمة" (٨) وعن

стр. 8778

حَمَل بن مالك بن النابغة أنه قال: " [كنت] (١) بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، وفي روايةٍ بمِسْطح، فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ في المقتولة [بالدية] (٢) وفي الجنين بغرةٍ عبدٍ أو أمةٍ، فقالوا: كيف ندي من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهلّ، ومثل ذلك يُطلّ؟ فقال رسول الله ﷺ : أسجعاً كسجع الجاهلية، وروي أسجعاً كسجع الكهان، وقضى بالدية والغرة على العاقلة " (٣) وأصل الغرة متفق عليه. وذكر من يحرص على ذكر معاني القواعد أن المعنى في إيجاب الغرة أن الجنين شخصٌ كان يرجى له كمال الحال بالحياة، فإذا فوته الجاني، لم نوجب كمال الدية [لأنه] (٤) لم تتحقق الحياة للجنين؛ فنوجب على مقابلة هذا التفويت حيواناً (٥) كامل العمل يثبت عوضاً عما فوت. فهذا هو الأصل في إثبات قاعدة الباب، ولا حاجة عندنا إلى المعنى الذي ذكره [المتكلّفون] (٦) في إيجاب الغرة، والإجماعُ والنص الوارد كافيان. فصل قال: "وأقل ما يكون جنيناً أن يفارق المضغة ... إلى آخره" (٧). ١٠٨٣٨ - قال الأئمة: الأحكام المتعلقة بالأجنة خمسة: الغرة، والكفارة، [وأمية] (٨) الولد، وانقضاء العدة، والإرث منه.

стр. 8779

أما الجنين إذا انفصل ميتاً، فلا يرث في نفسه، فإنه إنما يرث من ثبتت [له] (١) الحياة يقيناً، وإذا أسقطت المرأة جنيناً بدا فيه التخليق والتخطيط، فيثبت به وجوب الغرة، والكفارة، وأمية الولد، وانقضاء العدّة، ثم الغرة تكون مضروبة على الورثة على فرائض الله، ولا يشترط أن يبدو جميع التخليق أو معظمه، ولكن إن بدا منه شيء في طرف من أطراف الجنين، كفى ذلك، ومن جملته الظفر والشعر، والتخليق بُدُوُّ صور الأعضاء، ولو كان لا يتبين تميّز الأعضاء، ولكن بدت مراسمها بخطوط، فذلك كافٍ. ولو قال [القوابل] (٢): التخطيط بادٍ، وقع الحكم به، إذ هو [يعدّ من العلامات التي مهرن] (٣) في معرفتها، وهي [كافية] (٤). ولو أسقطت المرأة لحماً، ليس عليه تخطيط، وقالت القوابل: إنه ليس لحم ولد، فلا حكم له، وإن قال [القوابل] (٥): إنه لحم ولد، فهذا فيه اختلاف النصوص، وقد ذكرتها في كتاب [العدّة] (٦)، وذكرت اختلاف طرق الأصحاب فيها، فلا أُعيد ما قدمته. والذي نزيده مسألتان: إحداهما- أنها لو ألقت عَلقة أو مُضغة، لم تنتظم انتظام اللحم، فلا حكم لما ألقته، ولا يتعلق به أمية الولد، ولا وجوب الغُرة عند فرض الجناية، ولا وجوب الكفارة، وإن قالت القوابل: ما ألقته أصل الولد. ولكن إن قطعن بذلك ولم نُثبت شيئاًً من الأحكام التي ذكرناها، فهل يعلّق بقطعهن

стр. 8780

انقضاء العدة فحسب؟ فعلى وجهين نقلهما بعض من [يوثق] (١) به عن القاضي، وهذا بعيد؛ فإن ما ألقته أصلُ الولد [وأصلُ الولد] (٢) لا يسمّى حملاً. هذا إذا [ألقت] (٣) علقة أو مضغة. فأما إذا ألقت لحماً وقلنا: الرجوع إلى قول القوابل، [فلو] (٤) قلن: ليس لحم [ولد] (٥)، لا يتعلق به حكم، [ولو] (٦) قلن: لا ندري، [فلا] (٧) تعلَّق به أمية الولد، ولا وجوب الغرة، ولا الكفارة، وهل يتعلق به انقضاء العدة؟ [قيل: لا] (٨)، وهو الأصح؛ لأنا نفرع على اتباع قول القوابل، ولو قلن: إنه ليس لحم ولد [فلا] (٩) يتعلق به انقضاء العدة، فإذا قلن: لا ندري، فالأصل بقاء العدة. فخرج مما ذكرناه في هذا الفصل أن القوابل لو قلن في العلقة: إنها أصل ولد، ففي انقضاء العدة بوضعها خلاف، ولو شككن في اللحم، ففي تعلق انقضاء العدة به وجهان للعراقيين، والخلاف في المسألتين جميعاً بعيد، والوجه أنه لا يتعلق به انقضاء العدة. فصل قال: "وكذلك إن ألقته من الضرب بعد موتها ... إلى آخره" (١٠). ١٠٨٣٩ - إذا جنى على حامل، فألقت جنينها ميتاً وهي [حيّة] (١١)، فلا شك في

стр. 8781

وجوب الضمان، ولو ماتت الأم بالجناية أولاً، ثم ألقت جنينها بعد الموت من أثر الجناية، [فالضمان] (١) واجب، خلافاً لأبي حنيفة (٢) ﵀، فإنه قال: إذا ألقت بعد موتها كان كما لو لم تُلْق أصلاً، ولو لم تلق الجنين وماتت والحمل بها في ظاهر الظن، فلا يجب على مقابلة الجنين شيء اتفاقاً، والمسألة مشهورة في الخلاف. فصل قال: "ولا شيء لها في الألم ... إلى آخره" (٣). ١٠٨٤٠ - إذا جنى على حامل، فألقت جنينها، فالجنين مضمون إذا كان إلقاؤه بسبب الجناية، وينظر إلى الأم التي بقيت، فإن كان قد جرحها الجاني، [فعليه أن يقدم] (٤) لها حكومة الشين، كما مضى استقصاء ذلك في الحكومات والديات، وإن جرى جرح بها، ثم اندمل، ولم يبق شينٌ، فهذا ما مضى في كتاب الديات، ولا اختصاص له بالجناية على حاملٍ؛ فلا معنى لإعادته وذكْرِه. وإن ضربها ولم يجرحها، ولم يوجد إلا إيلامٌ [مجرّد] (٥)، ثم زال، فالظاهر أنه لا يجب بسبب ما جرى عليها شيء. ومن أصحابنا من أجرى الإيلام بلطمة أو غيرِه إذا زال [أثره] (٦) بمثابة الجرح يندمل ويزول أثره، وهذا بعيد لا أصل له، ولا معوّل عليه. ولست أقصد [إلى] (٧) الإعادة، وإن رمزت إلى معاد، فللجريان على (السواد) أو لمزيد تبيين.

стр. 8782

فصل قال: "ولمن وجبت له الغرة ألا يقبلها دون سبع أو ثمان ... إلى آخره" (١). ١٠٨٤١ - هذا الفصل يشتمل على تحقيق القول في الغرة، ومعناها، وصفتها، وبدلها عند تقدير عدمها، ونحن نأتي في مضمون الفصل بما نراه أقربَ إلى البيان، وإن قدمنا فصلاً في (السواد) أو أخرناه، فلا بأس به: أولاً - ذكر رسول الله ﷺ : "غرةٌ عبدٌ أو أمة"، فاتفق الأصحاب على أن [الاختيار] (٢) في تعيين عبد أو أمة إلى الجاني، ولا [اختيار] (٣) في الذكورة والأنوثة لمستحق الغرة. ثم أول ما يجب ذكره بعد هذا ترددٌ عظيمُ الوقع في قيمة الغرة، مع أن الغرة هي المؤداة -[ولسنا نريد بدلَها عند عدمها] (٤) - فالذي دل عليه كلام معظم نقلة المذهب أنا لا ننظر إلى قيمة الغرة، [ولا] (٥) نشترط فيها شيئاً مخصوصاً [سوى] (٦) البراءةِ من العيوب على ما سنصفها، ولا يبعد بعد ذلك أن تكون عبداً قيمتُه خمسة دنانير، [ولا نخصص جنساً عن جنس] (٧)، ولا نعتبر ما يغلب في البلد أو يُعدّ [وسطاً] (٨)، وهؤلاء يتمسكون بإيجاب رسول الله ﷺ غرة عبد أو أمة. ومن تتبع كلام الأئمة، لم يخْفَ [عليه] (٩) ذلك من نصوصهم الصريحة.

стр. 8783

وقال القاضي: الرقيق المخرَج غرةً يجب أن يكون على مقدار خمسٍ من الإبل، أو على مقدار خمسين ديناراً، واحتج على ذلك أولاً بما روي من لفظ الغرة، والغرة من كل شيء خياره، وغرة مال الإنسان خير ما فيه، ولم يقل رسول الله ﷺ في الجنين عبد أوْ أمة، ولكنه قال: "غرة عبد أو أمة" [ثم] (١) قال: مبلغ الشيء يعرف ببدله عند فقده، وإذا كنا نرجع إلى خمسٍ من الإبل، كما [سنصف] (٢)، فيستحيل ألا يكون العبد على مقدارٍ من الإبل، حتى يقال: الأصلُ الغرة، ونجوِّز أن تكون قيمتُه ديناراً، فإذا عُدِم، فلا بد من خمس من الإبل، ولهذا الأصل عَضَدُ تأييدٍ لا يمكن ذكره الآن، وسيبين في أثناء هذا الفصل، وإذا انتهينا إليه، نبهنا عليه على ما يجب -إن شاء الله وهذا [معرفته] (٣) من المقاصد الجلية، ولم يهتم به أصحاب المذهب على ما ينبغي. ١٠٨٤٢ - فإن أخذنا بقول الأصحاب، [واشترطنا] (٤) أن يكون الرقيق المخرج سليماً عن العيوب على سَنَنٍ مخصوص، وإن شرطنا ما ذكره القاضي في التقريب لا ينفع [ما] (٥) ذكر، بل الوجه أن نبوح بأن الغرة ينبغي أن تكون بحيث يؤخذ بها خمس من الإبل المجزية في الدية، فإنّ الكلام في الأعواض لا ينتجز بالتقريبات إذا لم ينزل على أقل اقتضاء الأسماء المطلقة. هذا لا بد منه. ١٠٨٤٣ - ثم إنا نخوض بعد هذا في تفاصيل معنية في ذواتها، وهو ينبني على ما مهدناه، فنقول: الجنين الحر المحكوم له بالإسلام، هو أكمل [الأجنة] (٦)، والغرة ثابتة فيه، فلو كان الجنين محكوماً له بالكفر والحرية، كجنين نصرانية من نصراني، فإذا فرضت الجناية المفضية إلى [القتل] (٧)، فقد اضطرب الأصحاب في

стр. 8784

طرقهم في أن الغرة هل تجب فيه؟ فالذي قطع به شيخي والصيدلاني وصاحب التقريب وبعض المصنفين (١) أن الغرة لا تجب فيه أصلاً، ويختص وجوب الغرة بالجنين الحر المسلم، فإن لم يكن، فلا غرة، وإنما الواجب فيه عُشر دية الأم على ما سنفصله في التفريع. ونقل من يوثق به عن القاضي أن الغرة هي الواجبة في الجنين الحر المسلم، فإن فرض الجنين حراً كافراً، فيجب فيه جزء من الغرة، نسبته من الغرة كنسبة دية [أصل] (٢) الجنين من الدية الكاملة، فإن كان الجنين الكافر نصرانياً فدية النصراني ثلث ديهَ المسلم، ففي الجنين النصراني ثلث الغرة، وإن كان الجنين مجوسياً، فدية المجوسي خُمس دية النصراني، وقد ذكرنا أن الواجب في الجنين النصراني ثلث الغرة، فالواجب في الجنين المجوسي [خُمس] (٣) ثلث الغرة؛ فإن الديات هكذا تجري نِسبُها. وهذه الطريقة منقاسة؛ فإن الغرة من الجنين بمثابة الدية من الشخص التام، وإذا تناسبت الديات على نحوٍ، لم يبعد تناسُب الغرة على ذلك النحو. ولكن لم أر هذا لأحد من الأصحاب، ووجه الخلل فيه أنه هجوم على القياس في [أمور الدّية] (٤) من غير ثَبَتٍ من طريق [التعبد] (٥)، والأصل في الديات التعبّد. وذكر العراقيون مسلكاً ثالثاً، وقالوا: يجب في الجنين النصراني عبد كامل قيمته من دية النصراني كنسبة خمسة من الإبل إلى مائة من الإبل. فقد حصل مما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه: أحدها - أن الغرة لا مدخل لها في بدل الجنين الكافر أصلاً، فلا يجب فيه عبد ولا جزء من عبد، وهذه الطريقة هي التي

стр. 8785

يعرفها المراوزة. والوجه الثاني - إيجاب جزء من الغرة، حكيناه عن القاضي، والوجه الثالث - أنه يجب في الجنين الكافر عبدٌ ناقص القيمة، نسبته إلى دية الكافر كنسبة خمس من الإبل إلى دية المسلم الكامل. وما ذكره العراقيون من إيجاب عبد في الجنين الكافر منسوبٍ إلى دية الكافر تصريحٌ منهم بأن العبد الذي [يجب في] (١) الجنين المسلم، يجب أن يكون منسوباً إلى الدية الكاملة؛ إذ لو لم يكن ذلك كذلك، لكان الواجب في الجنين المسلم مثلَ الواجب في الجنين الكافر، ويمكن أن يقال: لو لم ترع النسبة، فقد يُخرِج الجاني على الجنين المسلم عبداً خسيس الجنس، قليلَ القيمة، يقل قدره عن عُشر دية النصرانية، وهذا لا سبيل إلى اعتقاده. فصار ما ذكره العراقيون عضداً وتاييداً لما حكيناه في وجوب المناسبة بين الغرة الواجبة في الجنين [المسلم] (٢)، ولا نُلْزَمُ التفريعَ المستتبع الذي ذكرناه في التسوية بين الجنين المسلم والكافر، لأجل هذا لم نجعل لوجوب الغرة مدخلاً في الجنين [الكافر] (٣). ١٠٨٤٤ - وقد يرد سؤال يعسر دفعه، وهو أن عشر دية النصرانية قد يكون أكثر من [عبد] (٤) عند من يفرض إجزاءه (٥) في بدل الجنين المسلم، فيجب من هذا التسوية أو تفضيل الجنين الكافر. وهذا سؤال واقع، والممكن [في] (٦) دفعه أن الغرة للجنين بمثابة الدية، وإيجاب جزء من دية الأم بنسبة الغرة [التفاتٌ] (٧) إلى الغرة، وإخراج له عن أن يكون معتبراً في

стр. 8786

نفسه. وهذا يوجب انحطاطاً عن اعتبار الشيء في نفسه. ولا نظر إلى التفاوت في المالية، وهذا بمثابة إيجاب دياتٍ قيمةَ مملوك، ولكنه غير مقدر، بل هو مقوّم معتبر بغيره، والحر معتبر في نفسه، وهذا [واضح] (١)، فإن الغرة إذا [عدمت] (٢)، فقد نرجع في بدل الجنين المسلم الحر إلى خمس من الإبل، وهو عبد (٣)، وجزء من دية الأم. وإذا نظر الناظر فيما نقلناه، ثم فرعناه، لاح له أن الغرة التامة في الجنين الكامل بالإسلام والحرية يجب أن تكون منسوبة إلى الدية (٤)، ولا يجوز الاكتفاء بأي عبد كان، وإن كان بريئاً عن العيوب في جنسه. فهذا من أركان الفصل، وقد نجز. ١٠٨٤٥ - ومما نتكلم فيه القولُ في سن العبد، وفي سلامته من العيوب، وليقع التزامه باشتراط السلامة من العيوب، فنقول: اتفق الأصحاب على أنّ العبد المعيب غير مجزىء [إلا] (٥) أن يرضى المغروم له، ثم المرعي في [العيب] (٦) الذي يُثبت حق الرد كالمرعي فيما يثبت الردّ بالعيب في البيع، وهذا على هذا الوجه متفق عليه في الطرق. فإن قيل: إذا كنتم تنسبون الغرة إلى الدية، فاحكموا بإجزاء معيب قيمته واقعة من الدية على النسبة المطلوبة. قلنا: لا حاصل لهذا السؤال، فإن الرد بالعيب وإن كان مبنياً على اعتبار الأغراض المالية، فلا يقع الاكتفاء باعتبار القيمة المجردة، فإن من اشترى عبداً واطلع منه على عيب، وكانت قيمته مع العيب الذي به زائدة على [الثمن] (٧) بأضعاف، فللمشتري الرد واستردادُ الثمن، وإن كان ذلك العبد المعيب

стр. 8787

[مطلوباً منه] (١) بأضعاف الثمن. وهذا أصل متفق عليه، نعم، قد تتمحض المالية في بعض المواضع، وذلك إذا اشترى قيّم الطفل له عَرْضاً، ثم اطلع على عيب قديم به، وكان مع ما به من العيب مطلوباً بأكثر من الثمن، فليس له الرد، بل يجب رعاية الغبطة للطفل. وإذا لم تكن المسألة مصورة كذلك، فالرد لا يتوقف ثبوته على القيمة، فإن الإنسان استحق سلامة المشترى [مغبوناً] (٢) كان أو مغبوطاً، فإذا لم يحصل له المستحَق، فله حق الرد، كذلك الغرة تثبت عوضاً فلا يُلزَم مستحِقُّها الرضا بمعيب، وإن كان حق المالية حاصلاً، والدليل عليه أنه لو بذل [بدلَ] (٣) الغرة، مع القدرة على تحصيل الغرة، لم يقبل منه. ١٠٨٤٦ - فإن قيل: إن كان ما ذكرتموه دفعاً للسؤال على اعتبار نسبة الغرة إلى الدية الكاملة، فماذا تقولون على قولكم يُجزىء أي عبد فرض من غير أن تنسب قيمته إلى الدية، ولو اطلع مستحق الغرة على عيب فرده، فالمردود عليه يشتري عبداً لا عيب به، وهو [أخس] (٤) من المسترد، وأقل قيمة منه؟ قلنا: هذا غير متجه، لما قدمنا ذكره من [أن] (٥) الأغراض المالية لا يتمحض اعتبارها في العيوب، وتصوُّر كون البدل أقلَّ من المعيب المردود بمثابة كون الثمن المسترد أقلَّ من العبد المعيب، وقد ينطبق على هذا في التمسك أن من استحق شيئاً [موصوفاً في ذمة] (٦) إنسان، فجاء به معيباً، فللآخر رده، وإن كان المردود شريف الجنس، وكانت قيمته مع ما به أكثرَ من قيمة ما سيأتي به سليماً من العيب. فإذا ثبت الفرض على [المسلكين] (٧)، فالمشكل في ذلك أن اسم العبد ينطلق على

стр. 8788

المعيب انطلاقه على السليم، فإذا لم يكن العبد على قدر من المال معتبر، فاستنباط اشتراط السلامة عسر. وقد قيل: أوجب رسول الله ﷺ العبد باسم الغرة، والغرة اسمٌ [للبريء] (١) السليم، وهذا يعارضه أن الغرة اسم للخيار في الجنس والنوع، لا أنه اسم للبريء، ثم القواعد متفاوتة في [النقائص] (٢) المانعة من الإجزاء، [فالمرعيّ] (٣) في النقص المانع من الإجزاء في الكفارة ما يؤثر في العمل تأثيراً ظاهراً، فإن لم يكن مؤثراً، لم يمنع الإجزاء وعليه خرج في النقائص المانعة من الإجزاء في الضحايا ما يؤثر في اللحم، أو [فقد] (٤) العين والأذن، كما سيأتي في الضحايا، والمعتبر هاهنا ما يؤثر في إثبات حق الرد في [المعاوضات] (٥)، وقد أوضحنا ذلك في كتاب البيع. وقد نجز القول في العيب. ١٠٨٤٧ - فأما الكلام في السن، فإنه يقع في [الطرفين] (٦). ونحن نوضح القول في العبد الصغير، ثم نبين المذهب في العبد الكبير: فأما الصغير الذي لم يظهر تمييزه، ولم يبلغ سبعاً أو ثمانياً؛ فإنه لا يجزىء، وذلك أنه مأخوذ عوضاً، وأخذه يُلزم صاحبه التزام مؤنة خاصته، وهو مشقة بيّنة، فنزل [الصغر] (٧) منزلة العيوب. ومما يجريه الأئمة في الكلام أن آخذ الغرة ينبغي أن يكون متمكناً من الانتفاع باستخدامه، فإذا لم يحصل له هذا الغرض، كان الماخوذ كلَاّ ووبالاً عليه، والعبد في الكفارة يخالف في أصله وضعَ الغرة، فإن من أعتق عبداً رضيعاً ليس به عيب

стр. 8789

يمنعه من العمل إذا استقلّ، فإعتاقه مجزىء؛ فإن الغر تخليصه من الرق حتى يستقل، ولا يكون كلاًّ على غيره. وأما الغرة، فإنها [عوض تُبتغى] (١) المالية منه، فالصغر المُحوِج إلى المؤنة في حكم العيب، وقد ذكرنا تفصيل القول في العيب. فهذا كلام في هذا الطرف. ١٠٨٤٨ - فأما العبد الكبير، فقد قال بعض الأئمة: لا تجزىء جارية في الغرة استكملت عشرين، ولا يجزىء غلام استكمل خمسة عشر، فإن الجارية يظهر تغيّرها بسبب أثر السن إذا أبرّت (٢) على العشرين، والغلام يظهر تغيره باستكمال الخمسة عشر، فهذا ما ذكره العراقيون. وقال قائلون: نعتبر العشرين في [الجنسين] (٣)، فإن النمو والازدياد إلى هذا الحد، وبعده التراجع والانحطاط. وقال الشيخ أبو حامد: [الكبر] (٤) المانع هو الهرم المؤثر في حل القوى، وتضعيف المُنّة، وتابعه جماهير الأصحاب. ومن أراد الغاية، لم يخف عليه أن الكلام في هذا الطرف من السن مضطرب؛ فإن الهرَمَ إن كان يؤثر في العمل، فليس العمل معتبراً في هذا الباب، وإنما نعتبر العمل [ووفورَه وسقوطَه في عبد] (٥) الكفارة، وليس ذلك معتبراً في الغرة، والدليل عليه أن العيب المانع من الإجزاء في الغرة [ما لا يكون] (٦) مؤثراً في العمل بشين في الوجه [والطرف] (٧) وما أشبهها. فالذي يجب اعتباره في السن على الطريقة المرعية اتخاذ العيبِ والسلامةِ منه حَكماً في الباب.

стр. 8790

ونحن نطرد غرضنا في ذلك على ما لاح [وظهر] (١) من وجوب كون الغرة مناسبةً للدية بالجزئية التي قدمناها، فكل سن كان عيباً، فليس كذلك، فإن اطراد [الإنسان من نشوئه] (٢) إلى انقضائه بمثابة أنواع الآدميين. ثم لا يتعين في الغرة نوع، فالملتحي نوعٌ وقد لا يصلح لما يصلح له الأمرد، ويصلح [الأمرد لما لا يصلح له الملتحي] (٣) وهذا يتحقق في أنواع العبيد. ثم تقاعُدُ نوعٍ غير مقصودٍ عن النوع الآخر لا يُلحقه بالمعيب، فاقتضى ذلك ألا نعتبر ما اعتبره بعض الأصحاب من استكمال العشرين والخمسة عشر، وكذلك الكهل الذي وخَطه الشيب، يصلح لما لا يصلح له مَنْ دونه من الأمور الخطيرة التي تنافي [نَزَقَ] (٤) الشباب. والهَرَمُ لا يمنع إجزاءه ما لم ينته الهرم إلى العيب، ولا ضبط لما ينتهي إلى العيب إلا ما يُظهر الضعفَ وسقوطَ المُنة؛ فإن هذا نقصٌ وراء التنويع والتجنيس، ولا يتصور أن يكون مقصوداً (٥)، والصغر دون سن التمييز يلتحق بالعيب؛ من حيث إنه يُلزم مؤنةً. فلينظر الناظر إلى ذلك يَرشُد. وليعلم أن العبد إذا كانت قيمته منسوبة إلى الدية، فلا ضرار من جهة المالية، ولا عيب في الصنف (٦)، وإن فرض انعدامٌ [في غرضٍ خِلقةً ووجودُ غرضٍ، فالأطوار
следующие страницы →