درب (١)، والسكة ملك لملاك الدور، فما قولكم فيه إذا دخل سارق وأخرج شيئاً من دار إلى السكة الموثقة بالدرب إيثاق عرصة الخان ببابه؟ قلنا: ما رأيناه للأصحاب أن هذا سرقة ثابتة، وليس هذا خالياً عن احتمال؛ فإن السكة المملوكة لملاك الدور كعرصة الخان لملاك البيوت أو لسكانها.
وقد انتهى الكلام في هذا الفن، ونجز مقصود الفصل.
فصل
مشتمل على بقايا من أحكام الإخراج من الحرز
١١١٠٨ - وقد تقدم القول في مقدار النصاب في صدر الكتاب، ومقصود هذا الفصل شيئان: أحدهما - إخراج نصاب واحد من الحرز بدفعات. والآخر - اشتراك جمع في إخراج نصاب، أو نُصب.
فأما الفصل الأول: إذا نقب السارق الحرز وأخرج نصف نصاب واكتفى، واطلع صاحب الحرز على انتهاكه، فإذا عاد واستتم النصاب، لم يستوجب القطع، ووجهه بيّن.
وإن عاد الشخص وقد سُدَّ الحرز وأوثق، فنقب مرة أخرى، واستكمل النصاب بالدفعتين، فلا قطع؛ فإنه أخرج نصاباً واحداَّ بَسرقتين كل واحدة متميزة عن الأخرى، والفاصل بينهما عَوْد الحرز إلى ما كان عليه أولاً.
وإن لم يُسَدّ الحرز، ولم يشعر به، فعاد وأخرج ما كمل النصاب به، فحاصل ما ذكره الأصحاب أوجه: أحدها - أنه لا قطع لتعدد الفعل والإخراج، وقصور المخرَج في كل كرّة عن مقدار النصاب. والثاني - أنه يجب القطع؛ فإن الحرز لم يُسدّ، ولم يشعر به فيفرض الانتساب إلى التقصير (٢)، فالفعلان في حكم الفعل
стр. 9067
الواحد. والثالث - وهو أعدل الوجوه أن الفعلين إذا تواصلا -من غير تخلل فصلٍ - يجب القطع، وإن انفصل أحدهما عن الثاني بزمان طويل، فلا قطع؛ وكان شيخنا يقول: لو أخرج مقداراً، وانطلق به وعاد، فهذا فصل بين الفعلين، وإن قرب الزمانُ وأسرع الكرّة، وهذا حسنٌ في إيضاح معنى الفصل بين الفعلين في هذا الوجه الثالث.
ومما يتصل بهذا المقصود ذاته أنه لو فتح كُندوجاً، فانثال الحب منه حتى بلغ نصاباً، فلا شك أنه يخرج شيئاً شيئاً، والحبات متقطعة لا تواصل فيها، وإذا قلنا: لو أخرج نصاباً بفعلين متواصلين من غير فاصل لا يجب القطع، فإذا كمل النصاب بالانثيال في فتح أسفل الكندوج، ففي المسألتين وجهان: أصحهما - وجوب القطع؛ فإن ذلك يعد خروجاً بدفعة، ولا يُعَد مقطعاً، والفعل في نفسه غير متعدد، وقد أوردنا مسألة الكُندوج فيما تقدم في غرضٍ آخر؛ إذ حكينا أن من الأصحاب من يقول: الإخراج فيما ينثال لا يتحقق، وذلك مزيف، وقد أوردنا المسألة الآن في غرض
التواصل والتقطع، والأصح التواصل أيضاً، ووجوب القطع.
ولو تعلق بطرف منديل وأخذ يجذبه شيئاً شيئاً، يجب القطع وفاقاً، إذا كان المنديل نصاباً، فليس خروجه شيئاً شيئاً من التقطع في الإخراج وجهاً واحداً. وقد أوردنا هذا في غرض آخر، وهو يعضد ما ذكرناه الآن؛ فإنا قلنا فيما سبق: إذا أخرج من المنديل ما لو فصله، لكان نصاباً، فلا قطع، لأن الذي أبرزه ليس له حكم المخرج من الحرز، ويتضح بهذا أن إخراجه في حكم فعلٍ واحد؛ إذ البعض من غير فصلٍ لا حكم له.
هذا أحد مقصودي الفصل.
١١١٠٩ - والثاني في اشتراك اثنين فصاعداً في الإخراج، فنقول: إذا دخل رجلان الحرز، وحملا معاً ما قيمته نصاب، فلا قطع على واحدٍ منهما، وإن تحقق اشتراكهما في الإخراج على أقصى الإمكان في التصوير، بخلاف ما لو اشتركا في قطع يدٍ، فإنا نقطع أيديهما، كما نقتلهما لو اشتركا في القتل.
стр. 9068
وقال مالك (١) يجب القطع على المشتركَيْن في إخراج النصاب، والفرق المعتمد يرجع عندنا إلى انفصال قاعدة عن قاعدة، فالطرف مصون بالقصاص، والمال مصون بالقطع، ولكن لم يشرع الشارع القطع في أقل من نصاب، لأن النفوس لا تتشوف إلى مصادمة الأخطار لأخذ المقدار النزر، وهذا المعنى يتحقق في الشريكين في سرقة نصابٍ؛ إذ لا يخص واحد منهما نصاب. وهذا المسلك لا يتحقق في الطرف وقطعه، ولو أخرجا ثلث دينار، فلا قطع على واحدٍ منهما، وإن أخرجا نصف دينار، لزمهما القطع؛ إذ يخص كل واحد منهما نصابٌ.
ولو دخلا، فأخرج أحدهما ربعاً والآخر سدساً، فعلى الذي أخرج ربعاً القطع، ولا قطع على مخرج السدس.
وإن اشتركا في الإخراج على الحقيقة، فلا قطع عليهما، والمرتجى في حقيقة الاشتراك التحقيق المعتبر في قطع اليد، وليس هذا كالنقب؛ فإن النقب ليس بسرقة، وإنما هو توصل إليها، والسرقة الحقيقية الإخراج.
فصل
قال: " وإن سرق سارق ثوباً، فشقه ... إلى آخره " ثم قال: " ولو كانت قيمة ما سرق ربع دينار فنقصت القيمة ... إلى آخره " (٢).
١١١١٠ - أما الفصل الأول، فمن فصول الغصب، فمن دخل الحرز، وأخذ ثوباً وشقه في الحرز طولاً أو عرضاً، فلا أثر لما فعل في تثبيت حق الملك له، وإذا أخرجه، وكانت قيمته معتبرة عند الإخراج نصاباً، فيجب القطع. والاعتبارُ في القيمة بحالة الإخراج، وأبو حنيفة (٣) قد يجعل الشق طولاً مثبتاً حق الملك للشاق، ويرتب
стр. 9069
عليه سقوط القطع، فإنه ملك الثوب في الحرز، وأخرج ملكه.
وكذلك لو ذبح شاة، فأخرج لحمها، أو تعاطى لحماً، فشواه وأخرجه مشوياً، فإن كانت قيمة المخرَج نصاباً وقت الإخراج، وجب القطع، ولا أثر لهذه التغايير عندنا [كثيرة أو قليلة] (١) مع العلم بأن الاعتبار في القيمة بحالة الإخراج وإنما اختبط أبو حنيفة فيها، فجعل بعضها مملِّكاً.
١١١١١ - وأما الفصل الثاني [فمعموده] (٢) ومقصوده أن السرقة إذا تمت موجِبةٌ للقطع، فلو فرض طريان تغير بعد تمام السرقة، فلا أثر له، ولا يسقط القطع بما يطرأ بعد الوجوب، فلو تلف المسروق، أو نقصت قيمته: إما بالسوق، أو بطريان آفة، فلا يسقط القطع بشيء من ذلك.
ولو وهب المالك المسروقَ من السارق بعد تمام السرقة، فلا أثر لشيء من هذا، خلافاً لأبي حنيفة (٣) في مسائل أُخَر بيّنَّاها في الخلاف.
ومهما (٤) وجب حد، فلا أثر لما يطرأ بعد وجوبه في إسقاط الحد، وقد ذكرنا في كتاب اللعان أن من قذف شخصاً، فلم يحد حتى زنى المقذوف، فالنص أن القاذف لا يحد، بخلاف ما لو ارتد المقذوف، وقد قدمنا تفصيل المذهب في ذلك ثَمَّ، فلا حاجة إلى إعادته هاهنا.
إذا أقر المالك بأن المسروق كان للسارق، وهو في الحرز، فلا شك أن القطع يسقط، والمعنيّ بسقوطه [تبيُّنُ] (٥) عدمِ ثبوته في الأصل في ظاهر الحكم.
فأما إذا ادعى السارق أن المسروق كان لي، ولم يكن معه بيّنة، فظاهر كلام
стр. 9070
الشافعي أنه يسقط عنه الحد، ونفسُ دعواه تنتصب شبهة في إسقاط الحد عنه. ومن أصحابنا من خرج قولاً أن الحد لا يسقط.
ووجه النص أن الدعوى مسموعة، فإذا لم تكن بينة، فالقول قول المالك مع يمينه، فإن نكل عن اليمين ردت اليمين على السارق، فإن حلف قُضي له بالملك، ولا خلاف في انتفاء القطع، إذا أفضت الخصومة إلى ما ذكرناه. وإن حلف المدعى عليه، فلو أوجبنا القطع، لكان وجوبه متعلقاً بيمين، ويستحيل إيجاب قطع السرقة باليمين.
وعبر الأصحاب عن هذا المعنى، فقالوا: السارق يصير خصماً في المسروق، ويستحيل أن يقطع في الشيء من هو خصم فيه.
ووجه القول الآخر - أن الدعوى العريّة لا أثر لها، ولا وقع لها، ولو فتحنا هذا الباب، لاتخذ السراق دعوى الملك ذريعة إلى إسقاط حق الله تعالى، واللائق بقاعدة الشافعي [إسقاط] (١) الذرائع الهادمة للقواعد إذا كان الوصول إليها متيسراً لا عسر فيه.
ثم ذكر الشيخ في شرح التلخيص صوراً في استكمال هذه الأصول، ونحن نأتي عليها، فلو ادعى السارق أن الدار التي سرقتُ منها ملكي، غصبها المسروق منه، فدعواه الملك في الحرز -على الوجه الذي ذكرناه- كدعواه الملك في المسروق.
وكذلك لو قال: هذا الذي سرقتُ منه مملوكي، فهذا يخرج أيضاً على الخلاف المقدم.
والجملة في ذلك أنه إذا ادعى الملك في شيء لو تحقق ما قاله، لسقط عنه الحد، فمجرد الدعوى فيه تُسقِط القطعَ على النص، وفيه القول المخرّج.
١١١١٢ - ومما يليق بذلك أنه لو اشترك اثنان في سرقة نصابين، ثم ادعى أحدهما أن المال بمجموعه ملكي، فيسقط القطع عنه تفريعاً على النص، أما شريكه، فإن
стр. 9071
صدقه فيما ادعاه، فيسقط القطع عنه أيضاً، وإن كذبه، وقال: كذب في دعواه، وقد سرقنا هذا المتاع من ملك المدعى عليه، فالمذهب أنه يجب القطع على الشريك المكذب، ووجهه ظاهر؛ فإنه لم يدع شبهة، ودعوى غيره لا تنتصب شبهة في حقه.
وذكر القفال وجهاً آخر أنه لا يجب القطع عليه؛ تفريعاً على النص؛ فإنه قد صدر في الملك دعوى لو صدقها، لسقط عنه القطع، فكذلك إذا كذب، كما لو قال المسروق منه: هذا ملك السارق، فكذبه السارق، وقال: إنما أنا سارق، فالقطع يسقط مع تكذيب المسروق منه، وبمثله لو سرقا كما ذكرنا، فقال أحدهما: هذا المال لشريكي وكذبه صاحبه، فالقطع يسقط عن المدعي على النص، وهل يسقط عن المكذب الذي أنكر الملك؟ فعلى وجهين كما ذكرناه، ولا فرق بين المسألتين.
وكل ذلك تفريع على النص.
ولو سرق العبد شيئاً من حرز مثله، ثم ادعى العبد أن الذي سرقته كان لسيدي، فإن صدقه السيد، اندفع الحد على النص، وإن كذبه السيد، فهل يندفع عنه الحد؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يندفع؛ فإنه ليس يدّعي الملك لنفسه، وإنما يدعيه لسيده، وقد كذبه سيده، فخرجت المسألة على وجهين. هذا بيان هذه المسائل.
فصل
" وإن أعار رجلاً بيتاً ... إلى آخره " (١).
١١١١٣ - من أكرى داراً من إنسان، فأحرز المستأجر بها ملكه، فلو سرق ملكه الآجر، وجب القطع عليه، وثبوت الملك في رقبة الدار لا يكون شبهة في درء الحد عن المكري؛ لأن المستأجر ملك منفعتَها بعقد الإجارة وإنما الإحراز بمنفعة الدار، وحق سكونها والإيواء إليها.
ولو استعار رجل حرزاً وأحرز به ماله، فسرق المعير مال المستعير، ففي المسألة
стр. 9072
أوجه: أحدها - يلزمه القطع، كالمكري مع المكتري، والثاني - لا يلزمه القطع؛ فإن المستأجر مَلكَ منفعة الدار، والمستعير لم يملكها، بل استباحها، وللمعير حق الرجوع في العارية متى شاء. والوجه الثالث - أنه إن قصد به الرجوع في العارية، فدخل الدار على هذا القصد، ثم أخرج ما وجد، لم يُقطع، وإن لم يقصد بدخول الدار الرجوعَ في العارية، قُطع، واستشهد القفال في اعتبار القصد وعدمه، بأن قال: لو دخل مسلمٌ دار الحرب فوطىء حربية، فإن قصد به قهرها وتملكَها عند إمكان ذلك، لم يكن ما صدر منه زنا، ولو علقت منه، صارت أم ولد بعد جريان الملك على رقبتها، وثبت النسب. وإن لم يقصد تملكها وقَهْرَها، كان الصادر منه زناً، ولو تعلقها لم تصر أم ولد.
ومال أئمة المذهب إلى الوجه الأول؛ فإن المعير وإن كان يملك الرجوع في العارية فإذا أراد ذلك، تعين عليه إمهال المستعير ريثما ينقل امتعته، فيظهر هاهنا أن العارية تُثبت تأكد الحق للمستعير، فلا يهجم على نقضه.
١١١١٤ - ومما يتصل بذلك أن من غصب حرزاً، وأحرز به ماله، فلا شك أن المغصوب منه لو دخله، وأخرج منه شيئاً، فلا قطع عليه، لأنه يستحق دخول الحرز عاجلاً، غيرَ آجل.
ولو دخل الحرز المغصوبَ غيرُ المغصوب منه، وسرق منه، فقد قال القفال: لا قطع على السارق، لأن ملك الغير لا يصير حرزاً له، وهو جانٍ متعد. وهذا قاله تخريجاً.
وفي كلام الأصحاب ما يدل على خلاف ذلك، ففي المسألة وجهان: أحدهما - ما ذكرناه، والثاني - أن القطع يجب. ويمكن أن يقرّب هذا من التردد في أن الواحد من المسلمين إذا رأى عيناً مغصوبة في يد غاصب، فهل له إزالة يده عنها حسبةً؟ وفيه خلاف تقدم.
ونظير ما نحن فيه أن من غصب من إنسان مالاً وأحرزه بحرزه المملوك، فدخل المغصوبُ منه الحرزَ، وأخذ المال المغصوبَ منه، وأخذ من مال الغاصب ما بلغ نصاباً، وأخرجه من الحرز، ففي وجوب القطع عليه وجهان: أحدهما - لا يجب؛ لأنه أبيح له التهجم عليه والدخول في حرزه لانتزاع المغصوب من يده؛ فلا حُرمةَ
стр. 9073
لحرزه في حقه. والثاني - يلزمه الحد لإخراجه مالَ الغاصب من حرزه، فلا شبهة له في المخرَج.
ولو غصب رجل مالاً، ودخل غيرُ المغصوب منه، وأخذ ذلك المال المغصوبَ، ففي وجوب القطع على هذا الآخذ خلاف يلتفت على ما ذكرناه من أن من رأى عيناً مغصوبة في يد إنسان، فهل له أن يأخذها منه قهراً ليردها على المغصوب منه؟ فعلى خلافٍ مشهور.
ولو دخل ربُّ الوديعة دارَ المودَع، وأخذ وديعته وأخذ معها مال المودَع، فيجب القطع؛ فإنه ليس له الهجوم على حرز المودَع، بل يسترد منه الوديعة بطريق استردادها. وما ذكرناه من الخلاف فيه إذا [أدخل] (١) المغصوب منه متاعاً دار الغاصب، وأخذ متاع نفسه ومتاعاً للغاصب معه، لا يختص بما إذا أخذ متاع نفسه، ولكن لو أخذ متاع المغصوب منه، وترك متاع نفسه، فالوجهان جاريان، والخلاف مستمر، كما تقدم.
ولو استعار الرجل عبداً ليرعى له غنماً، ثم إن سيد العبد تغفَّل العبد وسرق من الغنم ما يبلغ نصاباً، ففي ذلك طريقان: أحدهما - ينزل ذلك منزلة ما لو دخل الدار المستعارة، وأخذ مال المستعير؛ فإن الدار المستعارة حرز مال المستعير، ومراقبة العبد المستعار حرز مال المستعير، فلا فرق.
ومن أئمتنا من قطع بوجوب الحد على السيد؛ فإن التعويل في إحراز الغنم على لحظ الراعي، وهذا لا يضاف الملك إليه (٢)، ومعتمد الحرز في الدار [الدارُ] (٣).
وللمالك حق طروقها، فبان الفرق. ويجوز لصاحب الطريقة الأولى أن يقول: العبد لا يُحرز عن مولاه بصدق اللحاظ ما يحرزه عن الأجانب.
стр. 9074
فصل
قال: " وإذا سرق عبداً صغيراً لا عقل له ... إلن آخره " (١).
١١١١٥ - تصوير سرقة العبد الصغير بأن يُلقى نائماً في الحرز، فيحمل أو يخرج أو يلقى مسقطاً، فيربط ويحمل، والمجنون والأعمى الذي لا يعقل بهذه المثابة، فلو دعا هذا الذي لا يعقل، ولا يميز فاتبعه، وخرج من الحرز، فهو كبهيمة يدعوها فتتبع الدعاء، وتخرج، وقد ذكرنا في هذا تردداً للأصحاب.
ولو كان العبد يعقل عقل مثله، فتصوّر سرقته بأن يحمل مضبوطاً (٢)، فأما إذا خدعه، فخرج مختاراً مخدوعاً، فهذا ليس بسرقة بلا خلاف، وإنما هو خيانة.
ولو حمل العبدَ المميِّز بالسيف على أن يخرج من الحرز، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن هذا سرقة، كما لو استاق دابةً، فامتنعت عليه فضربها. والثاني - أنه لا يكون سارقاً لمكان اختيار المكرَه المميز، والدابة وإن كانت مختارة، فيسقط أثر اختيارها بالكلية إذا سيقت بالسوط والعصا.
ثم العبد الصغير حرزه دار المولى، أو حريم داره، إذا كان مطروقاً (٣) بحيث يعد العبد مصوناً، وإن فارق الدار والحريم، فهو ضائع.
ولو أخرج من الحرز صبياً حراً نائماً أو [مضبوطاً] (٤) مكرهاً، فالكلام في الثياب التي عليه، وللأصحاب فيها وجهان: أحدهما - أنها مسروقة يتعلق بسرقتها القطع.
والثاني - أنها ليست مسروقة، وهي في يد الحر وإن كان صغيراً ضعيفاً، فهذان
стр. 9075
الوجهان يجريان في أن ثيابه في غير صورة السرقة هل تدخل تحت يد غاصب الحر وحامله؟
١١١١٦ - ولو كان المخرَج مستقلاً بنفسه، وعليه ثيابه، فهذا يستدعي تقديم
مسألة هي مقصودة في نفسها، ويتعلق بيان هذا الفصل بها، وهي أن من كان راقداً على بعير وتحته أمتعته، والبعير مملوك له، فإذا أخذ سارق زمام البعير، ونحاه عن سَنَن الطريق، حتى أفضى به إلى الموضع الذي يريده، فهل نجعله سارقاً للمتاع والبعير؟
حاصل ما ذكره الأصحاب أربعة أوجه: أحدها - أنه سارق، لأنه احتوى على البعير وما عليه. والثاني - أنه لا يكون سارقاً؛ فإن يد مالك البعير والمتاع قائمة عليه، وإنما تتحقق السرقة عند إزالة يد المالك عن ملكه. وعبر بعض الأصحاب عن هذا، فقالوا: " السرقة إخراج المال من الحرز " والحرزُ مصون في هذه المسألة بالمحرِز، فلا تفريق، ولا إخراج.
ومن (١) أصحابنا من فصل بين أن يكون الراكب ضعيفاً والآخذ أقوى منه، وبين أن يكون الراكب قوياً، فإذا تيقظ لم يقاومه من قاد بعيره، فقال: إن كان ضعيفاً، فالقائد سارق، وإن كان قوياً، فليس بسارق؛ فإن التعويل في الإحراز حيث يكون المتاع ملحوظاً بالمنعة من اللاحظ، فإن من يكون في يده متاع في الصحراء، ولا مستغاث بالقرب منه، فالمتاع -وإن كان ملحوظاً بلحظٍ- ضائعٌ غيرُ محرز.
ومن (٢) أصحابنا من قال: إن كان الراكب عبداً، فالبعير والعبد جميعاً مسروقان.
هذا ما رأيناه للأصحاب، فنقلناه على وجهه، ودون المنقول بحثٌ عن أمورٍ: منها - أن ما ذكرناه من التردد في تحقيق السرقة يجب أن يكون مترتباً على التردد في أن يد القائد هل تثبت على البعير وما عليه؟ ويجب إجراء الخلاف في هذا على نسق واحد.
стр. 9076
١١١١٧ - [و] (١) لا يتم الغرض إلا بمسائل نُطلقها: منها - أن من احتمل عبداً قوياً وأخرجه من الحرز في حالة نومهِ، وكان لا يقاوم العبد إذا تيقظ، فهل نقضي بثبوت اليد على العبد أوّلاً، حتى إن فرض تلفٌ قبل التيقظ يجب الضمان؟ الوجه عندنا القطع بثبوت اليد، وإن كانت عرضةً للزوال، والقول الجامع فيه أن المنقول لا يتوقف ثبوت اليد عليه على الاستيلاء والاستمكان من قدرة المقاومة عند طلب الاسترداد، وما ليس منقولاً، فلا معنى لليد فيه إلا الاستيلاء. هذا قولنا في اليد.
وأما تحقق السرقة، ففيه نظرٌ، لأن مثل هذا العبد محرز بيد نفسه، [ومع احتمال ضعفه] (٢)، فليس منتهياً من صون إلى ضياع، وينشأ من هذا كلام تمس الحاجة إلى مثله في القواعد، وهو أن من جلس نبَذةً حيث لا مُستغاث يجاب إليه، ومتاعه ملحوظ [فتغفله] (٣) ضعيفٌ وأخذه منزلاً، ولو شعر به صاحب المتاع، لطرده، فهل نقول: هذا من حيث عُدّ ضائعاً في حق قويٍّ، فلا قطع على آخذه وإن كان ضعيفاً، لأنه يعدُّ المال في مضيعةٍ، أم القول في ذلك ينقسم ويختلف على حسب اختلاف الآخذين؟
الرأي الظاهر عندي أن المال مصون عن الضياع في حق الضعفة، معرض للضياع في حق الأقوياء، [ولا] (٤) يمتنع انقسام الأمر في بابه، فإنا وضعنا أصل الحرز على الانقسام بالإضافة إلى صنوف الأموال، فلا يبعد أن يكون منقسماً بالإضافة إلى الآخذين وهذا محتمل جداً.
стр. 9077
١١١١٨ - ومما يجب التنبه له أن ثياب الحر الذي هو لابسها تحت يده، فلو حمل حراً، [وحبسه] (١)، فتلفت عليه ثيابه، فلا ضمان، وأبعد نقلة المذهب، فحكَوْا وجهاً أن يد الغاصب تثبت على الثياب، وهذا بعيد في الحر المستقل.
وقد صرح أصحاب المذهب بنقل الوجهين في الثياب التي على الحر الصغير.
وشببوا بإلحاق الحر الضعيف البالغ بالحر الصغير، فانتظم في الحر الصغير وجهان؛ من حيث إنه لا يستحفظ ولا تصلح يده للحفظ، فلما كان كذلك تثبت يد آخذه عليه على وجهٍ. ومن أشار إلى أن اليد لا تثبت على ثياب الحر الصغير، نظر إلى الجنس، واستدل بثبوت [يد اللقيط] (٢) على ملكه؛ فإن كون الثياب على الصغير يدل على ملكه فيها على ما تقرر ذلك في مسائل اللقيط وما عليه من شعار أو دثار، والحر الضعيف المستقل ممن يجوز أن يؤتمن ويستحفظ، فكان أولى بألا نثبت يد آخذه على ثيابه، والحرّ المستقل القوي بعيد كل البعد ثيابُه عن يد آخذه.
ويترتب على هذا المجموع أنا [إن] (٣) لم نُثبت اليدَ في صورة، لم نثبت السرقة، وإن أثبتنا اليدَ ومن عليه الثياب قويٌ مستقل بالمقاومة، ففي ثبوت السرقة وجهان، والثياب التي على الإنسان أبعد عن يد آخذه من الحمل الذي تحته والبعير؛ فإن ثياب الإنسان في حكم [جِرمه] (٤)، فهذا حكم ما أردناه في ذلك.
١١١١٩ - وإذا كان راكب البعير المقود عبداً، فهذا يلتفت على ما مهدناه من أن العبد القوي إذا أخرج، فهل تثبت اليدُ عليه، وإن ثبتت، فهل تتحقق السرقة فيه؟
стр. 9078
وليس يخفى بعد هذا التمهيدِ والتنبيهِ تفريغ، ولسنا نكثِّر بعد الوضوح.
ثم قال الشافعي: " ويقطع العبد آبقاً وغيرَ آبق ... إلى آخره " (١).
١١١٢٠ - إذا سرق العبد في إباقه، وجب القطع بالسرقة، خلافاً لمالك (٢) وإياه قصد الشافعي بالرد، ومسلك المعنى واضح، وقد روي " أن ابن عمر أبق له عبد، فسرق، فرفعه إلى [سعيد بن العاص] (٣) أمير المدينة، فقال: إنه آبق، ولا قطع على آبق، فقال: " في أي كتاب الله وجدتَ، وفطع يده " (٤).
فصل
قال: " ويقطع النبّاش إذا أخرج الكفن ... إلى آخره " (٥).
١١١٢١ - إذا نَبَش قبراً في بيت وثيق يعدّ حرزاً، وأخرج الكفن من القبر، ثم من البيت، وجب القطع عليه؛ إذا بلغ المأخوذ نصاباً. وإن نبش قبراً في مقبرة محفوفة بالعمارة يخلُف الطارقين عنها في زمان يتأتّى في مثلهِ النبش، أو كان عليها حراس مرتبون، فهي بمثابة البيت.
وإن كانت المقبرة على طرف العمارة، فإن كان لها حارس، فهي محرزة، وإلا فوجهان: أحدهما - أنها ليست محرزة. والثاني - أنها محرزة لأن الطروق ليس نادراً
стр. 9079
فيها، ومن يتعاطى النبش ظاهرٌ غير مستتر، وينضم إلى ذلك مهابة المدافن في النفوس.
وإن كان القبر منبوذاً في مضيعة، فالذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن الكفن ضائع غيرُ محرز، وسمعت شيخي يحكي وجهاً أنه محرز، وكنت أستبعده حتى رأيته مختاراً للقاضي، واستمسك فيه بما لا يليق بقدره، فإنه قال: لا يعد الكفن مُضَيَّعاً، وهذا الذي ذكره ليس لصون الكفن، وإنما هو لضرورة الحال، وأشار إلى استشعار المهابة من القبور ولا ثبات لمثل هذا.
فهذا منتهى الكلام فيما يحرز من القبور، وفيما لا يعد محرزاً.
١١١٢٢ - فإن قيل: لو وضع في القبر شيء من جنس الكفن، فهل يكون محرزاً؟ قلنا: إن كان في بيت فبلى (١)، وإن كان معرضاً للبلى.
وإن كان في مقبرة صونُها باللحظ والطروق، فالمذهب أنه ليس محرزاً؛ رجوعاً إلى العادة؛ فإن الأكفان اجتمع فيها ضرورة الدفن، ومسيسُ الحاجة، والصونُ بالطارقين، فلا يمتنع في حكمة الشرع التغليظ على النباش تحقيقاً للصون، وهذا لا يتحقق حيث لا ضرورة.
وحكم بعض الأصحاب بكون المدفون في القبر محرزاً إذا كان من جنس الكفن، وهو بعيد لا تعويل عليه.
وإن فرض إسرافٌ في الكفن، نظر: فإن كان من جهة الزيادة على الأعداد المرعيّة في الرياط (٢)، فالزائد ليس محرزاً على الرأي الظاهر، والاحتساب في الأعداد المرعية بما يلي الميت إلى الانتهاء إلى الحد المعتبر في الكمال.
وإن كان الإسراف من حيث القيمة، ونفاسة الثوب، فقد قال الأصحاب: يجب
стр. 9080
القطع بأنه كفن، وكان شيخي إذا روجع في ذلك تردد؛ إذ لا حاجة إلى تعريض الديباج ودِقّ (١) مصر للبلى، وقد ذكرنا أن الحاجة مرعيةٌ في الباب، والأصح غير هذا.
ثم إنما يجب القطع على النباش إذا فصل الكفن عن [القبر] (٢) بالكلية، فإنه بجملته حرز، ولا يقع الاكتفاء بالفصل عن اللحد.
١١١٢٣ - [وتكلم] (٣) الأصحاب في مالك الكفن، وحاصل المنقول عنهم أوجه: أصحها- أن الكفن ملك الورثة غيرَ أن الميت أحق به لكونه متعرّضاً لحاجته، ولا يملك الوارث النزعَ والإبدال بعد المواراة؛ لما فيه من الهتك، وغض الحرمة، ودليل هذا أن الميت لو افترسه السبع فالكفن المطروح للورثة.
ومن أصحابنا من قال: الكفن ملك الميت؛ لأنه مستغرَق بحاجته وإبقاء الملك له كما في إبقاء الدين عليه، مع وقوع اليأس من طلبته. وهذا القائل يعتذر من افتراس السبع، ويقول: إذا انقطعت حاجة الميت، فلا مصرف أقرب من الورثة، ويَرِدُ عليه أن الميراث مستند إلى حالة [الموت] (٤)، وتعتبر تلك الحالة في [الوراثة] (٥)، ولا يعتبر ما بعدها، وقد يعترض على ذلك التعلق بأسباب العدوان كاحتفار البئر في الحياة، وفَرْضِ التردّي فيها بعد الموت، ولا يخفى هذا المحالّ.
ومن أصحابنا من قال: الكفن ملكٌ لا مالك له.
ثم قَطْع السرقة واجب على النباش على الوجوه الثلاثة.
١١١٢٤ - فإن قلنا: الملك للوارث، فحق المخاصمة له، وإن قلنا: الملك
стр. 9081
فيه لله تعالى، فقد قال القاضي: المخاصمة للإمام، ومن يقيمه الإمام. وإذا قلنا: الملك للميت، ففي من يخاصم وجهان: أحدهما - أن الوارث يخاصم. والثاني - أن الإمام يخاصم، والمخاصَمة التي أطلقناها سيأتي شرحها في باب جحد السرقة، فإنا لا نقيم القطع ما لم يُخاصِم مخاصم عن المسروق، وإذا قلنا: يخاصم الوارث والملك له، فهذا قياسٌ بيّن، وإن قلنا: يخاصم الإمام، ففيه إشكال؛ فإنا إنما نتردد في محل ملك الكفن وهو مدرج فيه، وأما إذا أخذه النباش، فيجب أن يقال: للوارث أن يبدله بمثله أو [بخيرٍ منه] (١) كما لو فرض الافتراس، فإن ذهب من يصير إلى أن الملك للميت، أو لله إلى أن تلك الأكفان يجب ردها بأعيانها، فهذا كلام عري عن التحصيل وإن صح هذا، فالتفريع في تعيين المخاصم صحيح، والوجه عندي أن للوارث أن [يبدله] (٢)، فعلى هذا يجب القطع بأنه المخاصم لا غير (٣).
هذا إذا كُفِّن من ماله الذي خلفه.
١١١٢٥ - فإن كفن من مال بيت المال، فعلى النباش القطع إذا أخذ ذلك الكفن بخلاف ما لو سرق من مال بيت المال؛ فإن فيه تفصيلاً يأتي، إن شاء الله تعالى، والفرق أن المال في بيت المال عرضة للحقوق كافّة، وإذا صرف شيء منه إلى كفن ميت، فقد انقطع عن ذلك المقدار الحقوقُ العامة، وهذا كما لو صرف إلى فقير ثوب ليستتر به فإذا اختص به وملكه، قطع سارقه، وإن كان لا يقطع لو أخذه من بيت المال.
стр. 9082
ثم الخصومة إلى الإمام.
ولو افترسه سبع، عاد ملكاً لبيت المال، وهذا فيه توقيف؛ من جهة أنا ذكرنا أن الأصح أن الكفن المأخوذ من التركة مبقَّى على ملك الوارث، فيلزم من هذا القياس أن نقول: الكفن مبقى على [ملك] (١) بيت المال، وإنما للميت فيه حق الاختصاص، فيتجه أن نقول: لا قطع على سارقه إذا كان بحيث لو سرق من بيت المال [لم يقطع] (٢)، وإذا فرعنا على أن الكفن المأخوذ من التركة ملك الوارث، فلو نبش الوارث وأخذ، لا قطع عليه، ولو أخذه ابنه، فكذلك.
١١١٢٦ - ولو كفن الميتَ رجل محتسب، فإذا سرق سارق ذلك الكفن، استوجب القطعَ، والخصومةُ إلى ذلك المحتسب، هكذا ذكره المحققون. وفيه بحث يُطلع على سر الفصل، وذلك أن الكفن إذا كان مأخوذاً من التركة، انتظم الوجوه الثلاثة فيها، ومن جملتها أن الملك للميت، وهذا منزل على أن ذلك القدر مستبقىً على ملكه لحاجته.
وإذا جرى التكفين من بيت المال أو كفّنه محتسب، فتقدير استدامة ملكٍ كان في الحياة غير ممكن هاهنا إذا (٣) لم يكن الكفن ملكَه في حياته، وابتداء تمليك الميت عسر على غير مذهب الاستدامة، فينقدح في الملك وجهان إذا كان المكفِّن محتسباً: أحدهما - أن الملك باقٍ للمحتسب، والثاني - أنه زائل عنه، وليس مضافاً إلى الميت، بل هو ملكٌ لا مالك له، فعلى هذا يعود ما يتفرع على هذين الوجهين، وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه لا يخرج زوال الملك حتى يكون الكفن ملكاً لا مالك له، فإن ابتداء إزالة الملك على هذا الوجه عسر، فعلى هذا لا يبقى إلا الحكم ببقاء ملك المحتسب، وهذا الوجه وهو مصير الكفن ملكاً لا مالك، فقد يظهر خروجه إذا كان التكفين من بيت المال، فإنه معتدٌّ لهذه الجهات، وليست هي مضافة إلى مالك متحقق.
стр. 9083
فانتظم من ذلك طرق: إحداها - أن الأوجه الثلاثة تجري في المحتسب المكفِّن، وفي بيت المال، كما ذكرناه في كفن التركة. والطريقة الثانية - أنه يتخلف من الوجوه تمليك الميت. والأخرى - أنه يتخلف القول بأنه ملكٌ لا مالك له أيضاً، ولا يبقى إلا مسلكٌ واحد، وهو تبقية الملك على ما كان عليه قبل التكفين، والطريقة الأخرى - الفرق بين بيت المال وبين المحتسب، كما تقدمت الإشارة إليه.
فرع:
١١١٢٧ - من جمع من البذور المبثوثة في الأرض ما يبلغ نصاباً، والمكان مصون صَوْنَ مثله، ففي وجوب القطع وجهان: أصحهما - الوجوب، ووجهه بيّن.
والثاني - لا قطع؛ لأن مقرّ كل حبةٍ في حكم الحرز لها، فمن جمع من الحبات ما يبلغ نصاباً بمثابة من يسرق مالاً من أحرازٍ ولا يسرق من حرزٍ نصاباً كاملاً.
***
стр. 9084
باب قطع اليد والرجل في السرقة
قال الشافعي: " أخبرنا بعض أصحابنا ... إلى آخره " (١).
١١١٢٨ - مذهب الشافعي أن اليدين والرجلين مستوفاة في كَرَّات السرقة على ما سنذكر تفصيلَ استيفائها. والأصل في ذلك ما رواه الشافعي بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " من سرق فاقطعوا يدَه، ثم إن سرق، فاقطعوا رجله، ثم إن سرق، فاقطعوا يده، ثم إن سرق، فاقطعوا رجله "، فالأطراف الأربعة مستوفاة، وفي بعض الروايات أنه ﷺ قال في الكرّة الخامسة: " فإن سرق، فاقتلوه " (٢). وقيل: للشافعي قول قديم أنه يقتل في المرة الخامسة؛ تعويلاً على هذه الرواية، فإن معتمد الباب الخبر، ولكن هذا القول في حكم المرجوع عنه، فلا اعتداد به، وتلك الزيادة شاذة، لم يتعرض لها الشافعي.
فإذا سرق أربع مرات، واستوفينا أطرافه وعاد وسرق، بالغنا في تعزيره. وإن رأى الإمام أن يحبسه، فعلى ما سنصف الحبسَ الواقعَ تعزيراً في كتاب الأشربة، إن شاء الله.
стр. 9085
فإذا تمهد أصل المذهب، فمن سرق وأطرافه الأربعة سليمة، قطعنا يده اليمنى، في الكرة الأولى، فإن اعتماد التناول عليها؛ فلما كانت هي الآخذة، كانت هي المأخوذة في الحد.
فإذا سرق مرة أخرى، فاليد اليسرى أقرب إلى التناول والأخذ، ولكن لو أخذناها، واستوعبنا جنس اليد، لعظُم الضرار، ولكان هذا في حكم ضم عقوبةٍ إلى عقوبةٍ، يعني الاستيعاب بالقطع، فَمِلْنا إلى الرجل؛ فإن غَناءها في السرقة بيّن، وأثرها يلي أثر اليد، فَنَقطع في المرة الثانية رجلَه اليسرى، لأصلين: أحدهما - أنا وجدنا أثر قطع اليد والرجل دفعةً واحدة في الحرابة على هذا الوجه والأخذة الواحدة مجاهرةً معدَّلةٌ بسرقتين. والثاني - أن الأخذ إذا وقع على خلافٍ أمكن أخذُ خشبة باليد الأخرى والاتكاء عليها في المشي، وإذا وقع القطع عن وفاق، لم ينتظم هذا الغرض.
فإذا عاد فسرق مرة ثالثة، لم نجد بُدّاً من استيعاب جنس [اليد] (١)، فعدنا إلى اليد، كما بدأنا به أول مرة، فنقطع اليد اليسرى، ثم نقطع في الرابعة الرجل اليمنى، هذا هو الترتيب المستحق في قطع الأطراف.
١١١٢٩ - ثم إذا سرق في المرة الأولى ويمناه سليمة، قطعناها ولو كان عليها إصبع واحدة، اكتفينا وقطعنا اليدَ من المعصم.
ولو كان يمناه كفّاً، بلا أصابع، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا نكتفي بقطعها، كما لو كان عليها إصبع، ويحصل بهذا القطع الإيلام التام، والتنكيل.
والثاني - لا نقطعها؛ فإنها كالعديمة؛ إذ لا مقدّر فيها (٢)، وننتقل إلى الرجل، كما نفعل ذلك في الكَرّة الثانية، ولا خفاء أنا نقطع الرجلَ اليسرى.
ولو كان على اليمين إصبعٌ زائدة، قطعنا اليد، ولم نبال بتلك الزيادة، وهذا يعادل اكتفاءنا بكف عليها إصبع، واستحقاقُ اليد في السرقة لا يشبه استحقاقها في القصاص؛ فإنا نَرْعَى في القصاص التساوي في الخلقة والسلامة، فلو قطعنا يداً عليها زيادة خلقية بيد معتدلة، لقابلنا يداً وزيادة بيد.
стр. 9086
ولو كانت اليد اليمنى شلاء، فإن كنا نخاف نزف الدم لو قطعناها، لم نقطعها، وقدّرنا كأنه سرق ولا يمنى له، وإن لم نخف نزفَ الدم، فالذي ذكره الأصحاب أنا نكتفي باليمين الشلاء إذا كانت ذات أصابع، وفي هذا احتمال؛ من جهة أنه لا تَقَدُّرَ فيها، وليست عاملة، فإذا سقط العمل، [وتَقُدُّرُ] (١) الأرش أمكن أن يقال: لا اكتفاء بها.
والأظهر الاكتفاء؛ فإن من قطعت يده السليمة، وكانت يد القاطع شلاء، فاكتفى بها مستحق القصاص، وقعت موقع الإجزاء، فإذا لم يبعد اكتفاء مستحق القصاص بالشلاء، لم يبعد اكتفاء الشرع بقطع الشلاء في السرقة، والعلم عند الله تعالى.
ولو كان على الساعد اليمنى كفّان، فقد قال الأصحاب: نقطعهما. ونعلم أن الأصلية إحداهما، ولا مبالاة بالأخرى إن قطعناها؛ لما ذكرناه من أن اليمين لو كانت عليها إصبع زائدة، لقطعناها، ولم نحتفل بتعطيل الإصبع الزائدة.
وهذا فيه تفصيل عندنا: فإن كانت اليد الأصلية بيّنة، فأمكن قطعها، فلا سبيل إلى قطع الأخرى، وإن كان لا يتأتى قطع الأصلية إلا بقطع الزائدة [فهل نقطعهما حينئذٍ] (٢) إن كان قد أشكل الأصلي منهما؟ فالذي رأيته للأصحاب أنا نقطعهما ليتحقق قطع اليد المستحقة، ولا مبالاة بإبانة الزائدة. وهذا ظاهر التوجيه، فليتأمله الناظر.
١١١٣٠ - ثم مذهب العلماء أن قطع اليد من مفصل الكوع، وقطع الرجل من الكعبين، وذهب بعض أصحاب الظاهر إلى أن اليد تقطع من المنكب (٣)، وهذا
стр. 9087
ْمذهب متروك، وقد ذكرنا في مواضع من الأصول والفروع، أن أصحاب الظواهر ليسوا من علماء الشريعة، وإنما هم [نقلة] (١) إن ظهرت الثقة بهم.
ثم ينبغي أن نمد اليد والرجل حتى تنخلع، ثم تربط الجارحة على خشبة حتى لا تضطرب، أو على ما تيسّر.
١١١٣١ - ثم الحسم لابد منه؛ إذ ينقطع بفصل اليد شرايين لا يَرْقَأُ دمُها إلا بالحَسْم، والحَسْمُ أن يغلى الزيت بالنار، ويغمس موضع القطع فيه، فتنسد أفواه العروق، واختلف الأصحاب في أن الحسم حق لله تعالى أو من حق المقطوع: فمنهم من قال: هو تتمة حق الله تعالى، وفيه مزيد إيلام مع رعاية مصلحة، وهذا القائل يستشهد بأن السلاطين ما زالوا يفعلون هذا في المقطوعِ أطرافُهم لا [يتركونه، فتُحسم] (٢) أيديهم على الكُرْه منهم، ولم يتعرضوا لهذا في قطع الأيدي قصاصاً.
ومن أصحابنا من قال: هذا حقٌّ للمقطوع، وهو الظاهر؛ لأن الحد إنما هو القطع، ولا يخفى على المنصف أن الحسم استصلاحٌ ومعالجة. فإن قيل: إذا عرّض الإنسان نفسه للهلاك، فللسطان أن يمنعه عنه قهراً، وترك الحسم تعرّضٌ للهلاك؟ قلنا: ليس الأمر على هذا الإطلاق، فإن الضعيف قد يهلكه ألم الحسم، والسعيُ في قطع الدم ممكن بوجه [آخر] (٣)، والمالك لأمر نفسه لا يتعرض السلطان لتخير معالجته.
التفريع: إن حكمنا بأن الحسم حقُّ المقطوع، فالأمر إليه فيه: إن أراده، فالمؤنة عليه.
وإن قلنا: الحسم من حق الله تعالى، فالمؤنة فيه بمثابة مؤونة الجلاد، وقد سبق الخلاف في أن مؤونة الجلاد على من؟
ثم إذا قطعت يد السارق، ففي بعض الآثار أن يده المقطوعة تعلّق في رقبته؛
стр. 9088
تنكيلاً به (١)، وقد اختلف أئمتنا في هذا: فمنهم من لم يصحح الخبر، ولم ير هذا، ومنهم من رآه، ولا ينتهي الأمر إلى الإيجاب في ذلك، ولكنه إلى رأي الإمام. ثم أشار هؤلاء إلى أنه تبقى في عنقه ثلاثة أيام.
١١١٣٢ - ومما يتعلق بذلك أن السارق إذا استحق قطع يمينه، فلو لم يتفق قطعُ يمناه حتى سقطت بآفة سماوية، فالذي اتفقت عليه الطرق أن الحد سقط في هذه الكرّة؛ فإن اليمين كانت مستحَقَّة، وقد سقطت، فسقط الحد عقوبة بسقوط محله.
ونص الأصحاب على أن من استحقت يده قصاصاً، واستحقت يده حداً؛ فإذا قطعت يده قصاصاً، سقط الحد بفوات المحل في القصاص. وفي بعض التصانيف أن اليمين إذا سقطت بعد الاستحقاق، فإنا [نَعْدل] (٢) إلى الرجل اليسرى، فنقطعها، ونجعل كأنه سرق ولا يمين له، ولو كان كذلك، لتعلق الوجوب بالرجل اليسرى.
وهذا غلطٌ لا مراء فيه، والمذهب الذي عليه التعويل ما ذكره الأصحاب.
ومما نذكره متصلاً بذلك أن من سرق أول مرة، فقال له الجلاد: أخرج يمينك فأخرج يساره، فقطعها الجلاد، نص في الأم على سقوط قطع السرقة وحكى الحارث بن سريج النقال، وقيل البقال (٣): إن الجلاد إن تعمد ذلك فعليه القصاص
стр. 9089
في اليسرى، وقطع السرقة باقٍ في اليمين، وإن قال: دهشت فحسبت أن الذي قطعته اليمين، وجبت الدية بسبب قطع اليسرى، وقطع السرقة باقٍ في اليمين: فحصل قولان: أحدهما - أن قطع السرقة لا يسقط، كما لا يسقط القصاص لو وجب في اليمين بالعدول في اليسرى. والثاني - يسقط الحد، وهو ظاهر النص في الأم.
وقد استقصيت مسألة الدهشة في القصاص [والحد] (١) في كتاب الجراح، وأتينا بها على الاستقصاء، وأوضحنا أن اختلاف القول فيه إذا جرى القطع على الدهشة، ثم فصّلنا الدهشة.
فأما إذا جرى قطع اليسار عمداً على علم، فالحد باقٍ، والقصاص واجب.
وحكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أنه قال مفرِّعاً على أن القطع لو صادف اليسرى غلطاً، لسقط الحد: لو سقطت اليسرى قبل اليمين بأَكِلَةٍ (٢)، لم يمتنع أن يكون سقوطها بالآفة بمثابة غلط الجلاد إليها بالقطع، وهذا سخيف لا اعتداد به، وقد زيفه العراقيون فيما نقلوه.
فصل
قال: " ولا يقطع الحربي إذا دخل إلينا بأمان ... إلى آخره " (٣).
١١١٣٣ - العقوبات ضربان: حق الله تعالى، وحق الآدمي، كحد القذف،
стр. 9090
والقصاص، فإذا صار سببهما من الذمي والمعاهد، وجبا عليهما وفاقاً.
فأما العقوبات التي هي حدود الله تعالى، فهي أقسام: منها حد الشرب، وقد قال المحققون: لا يجب على الذمي حد الشرب، لأنه يعتقد حِل الخمر، وقد ذكرنا خلافاً بعيداً في ذلك.
وقد ذكرنا نصَّ الشافعي على أن الحنفي إذا شرب النبيذ حُدّ، وذكرنا تخريجاً في هذا، والذي نزيده أن من أصحابنا من قال: إنما أحد الحنفيّ إذا شرب وسكر؛ فإن ما يُعقب السكرَ حرام وفاقاً، فيعود الخلاف إلى نفي الحد ووجوبه، والخلاف في الحد لا يمنع الإمام من الجريان على موجَب عقده في استيفاء الحد، وهذا فيه تأمّل؛ فإنا إن لم نجر على نص الشافعي أن الحنفي يحد إذا شرب وإن لم يُسكر، فالحكم بتحريم المقدار المسكر على رأي أبي حنيفة عسر، وللاحتمال على الجملة مجال، والمعتمد النص. هذا قولنا في حد الشرب.
١١١٣٤ - فأما قطع السرقة، فإنه يجب على الذمي، فإن سرق من مال المسلم، قطعه الإمام، ولا يتوقف الأمر على رضاه بحكمنا؛ فإن الذمي مزجور عن التعرض لمال المسلم بالحد، فلو توقف الحد على رضاه، لبطل هذا المعنى، وإذا سرق الذمي من الذمي، فذاك مما يتوقف إقامة الحد فيه على ترافعهما، ثم يجري القولان في أنا هل نحكم على الممتنع إذا ارتفع إلينا الخصم المطالِب في المال؟ (١).
وكذلك لو زنى الذمي بمسلمة، فالوجه عندنا القطعُ بإقامة الحد عليه؛ لما حققناه في السرقة، فأما إذا زنى بكافرة، فيقع ذلك في تفصيل حكمنا عليهم قهراً واختياراً.
ثم كما يجب على الذمي القطع بسرقة مال المسلم يجب على المسلم القطع بسرقة
стр. 9091
مال الذمي، فالعصمة [لماله] (١) والحد لله تعالى، وليس مبنياً على معنى المكافأة بخلاف القصاص.
وفي كلام أصحابنا ما يدل على أنا لا نفصل بين زنا الذمي بمسلمة أو ذمية في رد الأمر إلى القولين في قهرهم إلى أحكامنا، ويؤول الكلام إلى أن عهده هل ينتقض؟ وهذا غلط لا يعتقده خبير بسر المذهب؛ فإنا إذا لم نر إقامة الحد قهراً -وليس في حق الله تعالى خصمٌ مطالِب إلا الإمام- لجرّ ذلك فضيحةً عظيمة، والحكم بانتقاض عهده لا نراه شيئاً مع أنه يطلب الذمة فنجددها له، ولا وجه إلا ما قدمناه.
وهذا كلام في الذمي المؤبد العهد.
١١١٣٥ - فأما المعاهَد إذا سرق، فقد تعارضت النصوص فيه، والحاصل مما ذكره الأصحاب ثلاثة أقوال: أحدها - أن الحد لا يجب عليه؛ فإنه بالعهد المؤقت لم يلتزم الاستسلام لأحكام الإسلام، وحدود الله تعالى، وإنما تقام (٢) على ملتزم. والقول الثاني - أنه يقطع كالذمي؛ فإنه حال السرقة في عهد، وموجَب العهد العصمة، ومن الوفاء بها التزامُ الزواجر عند ركوب موجِباتها. وذكر أصحابنا قولاً ثالثاً - أنه إن شرط عليه القطع لو سرق، لزمه، وإن لم يشرط عليه القطع لو سرق، لم يلزمه.
ولو سرق المسلم مال المعاهد، فالتفصيل فيه كالتفصيل في المعاهد إذا سرق مال المسلم؛ إذ يبعد أن يُقطع المسلم في مال المعاهد، ولا يقطع المعاهد في مال المسلم.
ولو زنى المعاهد بمسلمة، فلأصحابنا طريقان: منهم من أجراه مجرى السرقة، ومنهم من رأى القطعَ بأن حدّ الزنى لا يتوجه عليه؛ لأنه محض حق الله تعالى، ولا يتعلق بطلب الآدمي وخصومته.
ولا خلاف أن ما أخذه المعاهد أو أتلفه من المال، فهو مطالب بالأحكام المالية، وإنما التردد الذي ذكرناه في العقوبة التي تجب لله تعالى.
стр. 9092
فصل
١١١٣٦ - العين الواحدة إذا تكررت السرقة فيها، فيتكرر القطع عندنا سواء سرقها من مالكين أو مالك واحد، وخلاف أبي حنيفة (١) مشهور في ذلك، وكل سرقة عندنا جريمة على حيالها، ثم لا يشك الفقيه أن ما ذكرناه في تخلل الحدّ بين السرقتين؛ فإنه لو سرق مراراً، ولم يتفق استيفاء الحد منه، فإنا لا نقيم عليه إلا حداً واحداً، فنقطع يمناه، وتكرر السرقات من غير تخلل قطع بمثابة سرقة نُصب بدفعة.
...
стр. 9093
باب (١) الإقرار بالسرقة والشهادة عليها
قال الشافعي ﵀: "لا يثبت على سارق حد إلا بأن يثبت على إقراره ... إلى آخره" (٢).
١١١٣٧ - لا شك أن وجوب القطع واستيفاءه يترتب على ثبوت السرقة الموجبة له، والسرقة تثبت بالإقرار، أو البيّنة، ثم الإقرار ينقسم قسمين: إقرارٌ قبل الدعوى، وإقرار بعدها، وكذلك البيّنة تنقسم على هذا الوجه، وسنستوفي الأقسام، ونأتي في كل قسم بما يليق به.
ونقول أولاً: إذا ادعى مالك مالٍ السرقةَ على إنسان، فلا يخلو، إما أن يكون له بينه أو لا يكون له بيّنة؛ فإن لم يكن له بينة، فلا يخلو إما أن ينكر المدعَى عليه أو يقر، فإن أنكر، فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف، فذاك، وإن نكل، حلف المدعي، واستحق دعواه، وغرّمه المال؛ لأن النكول مع ردّ اليمين كالبيّنة، أو كالإقرار، ولا شك في ثبوت الدعوى بهما جميعاً، ثم كما يثبت المال، يثبت القطع حقاً لله تعالى، هكذا ذكره الأصحاب؛ فإن يمين الرد إن جعلناها كالإقرار، فالقطع يثبت به، وإن جعلناها كالبينة، فهي كبينة كاملة، والدليل عليه أن القصاص يثبت بها، والقصاص لا يثبت إلا ببينة.
وقد يخطر للناظر في هذا أدنى إشكال؛ من حيث إن الدعوى لا تتعلق إلا بالمال، والقطع لله تعالى، [وإجراء حدود الله تعالى] (٣) بالأيمان فيه إشكال.
ولو قال رجل: استكره فلانٌ جاريتي وزنى بها، فأنكر المدعى عليه، وأفضت
стр. 9094
الخصومة إلى يمين الرد، فالمهر يثبت بها، ويبعد أن يثبت حد الزنا.
فإذاً يجب ترديد الرأي في ثبوت حد السرقة؛ لما أشرنا إليه، ويجب القطع [بأن] (١) حد الزنا لا يجب (٢)؛ من جهة أنه يثبت حقاً لله تعالى، وسنذكر بعد هذا مسائلَ تشير إلى التسوية بين حد السرقة والزنا، حتى صار كثير من الأصحاب إلى إجراء الخلاف فيهما بطريق النقل من أحدهما إلى الثاني. هذا فيه إذا أنكر.
١١١٣٨ - وإن أقرّ، ثبت الغرمُ والقطعُ بإقراره، وإن أصر على الإقرار؛ فلا كلام، وإن رجع عن الإقرار، فللأصحاب طريقان: قال قائلون: إذا رجع، لم نقبل رجوعَه في المال، والغرم قائم عليه، وفي قبول رجوعه في القطع قولان: أحدهما - يقبل، وهو قياس العقوبات حقوقِ الله تعالى، ولا خلاف أن حد الزنا (٣ إذا ثبت بالإقرار، سقط بالرجوع، والقول الثاني - أن القطع لا يسقط، لأنه قرين الغرم، فإذا لم يؤثِّر رجوعه ٣) في المال، وجب ألا يؤثِّر في القطع.
وهذا قد يشير إلى فقهٍ لائق بالباب، وهو أن قطع السرقة يرتبط بحق الآدمي من وجهٍ؛ لأنه أثبت عصمةً لماله، ولهذا يتعلق بمخاصمة المالك في المال، وللغلوّ في هذا المعنى صار أبو حنيفة إلى أنه لا يجمع بين القطع، وتغريم السارق. هذا مسلك لبعض الأصحاب سديد، وهو طريقة القاضي.
وذهب طوائف من الأئمة إلى عكس هذا، وقالوا: إذا أقر بالسرقة الموجبة للقطع، ثم رجع عن إقراره، فرجوعه عن الإقرار مقبولٌ في القطع ساقطٌ قولاً واحداً، وهل يسقط الإقرار بالمال؟ فعلى قولين، فهؤلاء قطعوا بسقوط القطع، ورددوا القول في إتباع المال القطعَ وشبهوا ذلك بإقرار العبد بالسرقة، فإن إقراره في وجوب القطع مقبول، وفي المال قولان.
والطريقة الأولى أفقه؛ فإن قبول الرجوع عن الإقرار بالمال بعيد عن القولين،
стр. 9095
والذي يوضح ذلك أن ضمان السارق المالَ يسبق استيجابه القطعَ؛ فإنه إذا أثبت يده على مال الغير، ضمنه بالعدوان، ثم يستوجب القطع بالإخراج من الحرز.
والطريقة المُثلى المصير إلى أن القطع يسقط، والغرم يبقى، وقد ذهب إلى القطع بسقوط القطع وبقاء الغرم طوائف من المحققين، منهم الصيدلاني وغيره، وليس هذا كإقرار العبد؛ فإن سبب قبول إقراره انتفاء التهمة، ولولا ذلك، لما قبلنا إقراره في القطع، وفيه إتلاف طرف مملوك للسيد، ولو أقر الرجل بأنه استكره جارية على الزنا، وثبت عليه الحد والمهر بإقراره، فلو رجع عن الإقرار، لم يسقط المهر، وفي سقوط حد الزنا جوابان للقاضي. قال: يحتمل أن يكون كحد السرقة، ويحتمل أن يقال: يسقط الحد قولاً واحداً؛ لأن وجوب الحد ينفك عن المهر، ووجوب القطع لا ينفك عن مطالبةٍ بردّ عينٍ أو غرم، فارتباط القطع بالمال أشد من ارتباط الحد بالمهر.
ومن سلك الطريقة الثانية في حد السرقة وقال: إذا رجع عن الإقرار، سقط الحد، وفي الغرم خلاف قد يلتزم مثل هذا فيه إذا أقر بالاستكراه على الزنا ثم رجع عن الإقرار، فيقول: الحد يسقط، وفي سقوط المهر تردد.
وكل ذلك خبط، والوجه القطع ببقاء المال، وسقوط الحد.
١١١٣٩ - ثم قال الأصحاب: إذا رأينا سقوط القطع بالرجوع عن الإقرار، فقطع الجلاد بعض اليد، فرجع، فعلى الجلاد أن يكف، فلو قال الراجع: اقطع البقية وأرحني، فإن كان الباقي على حياة، فلا يحل قطعه، وإن بقيت جلدة نعلم أنها لا تستقل، وستسقط، فيجوز قطعها.
وليس هذا من أحكام الحد، بل كل من قطع يده ظلماً أو حداً، أو انقطع بعض يده لمصادمة آلةٍ، فإن كان في الباقي حياة، فلا سبيل إلى قطعه، وإن كان كالجلدة التي وصفناها، فالخِيرةُ إلى صاحب اليد: فإن أراد قطعها، [فلمن يأمره بقطعها أن يقطعها] (١)، وإن أراد تركها، تركها، وقد استقصيت حكم ذلك في الجراح، [في
стр. 9096
الطهارة] (١) والنجاسة، وأحكام الصلاة، ووجوبُ القصاص على من ينهي القطع من يد المجني عليه إلى هذه الغاية، فلا معنى للإعادة.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت (٢) الخصومة على إنكار المدعى عليه، أو إقراره.
وقد انتجز الكلام في إقراره مترتباً على دعوى المدعي.
١١١٤٠ - فلو أقر بالسرقة قَبْل بدعوى المسروق منه، فإقراره ثابت، ولكن هل نقطع يده في غيبة المسروق منه، أو نصبر إلى أن يحضر؟ في المسألة وجهان: أحدهما - أنا نقطع يده، ولا نبالي، كما لو أقر أنه زنى بفلانة، أو زنى بجارية فلان، فحد الزنا يقام عليه بحكم إقراره في غيبة هؤلاء، وكذلك حد السرقة.
والوجه الثاني - أنه لا يقطع في غيبة المسروق منه، [والفرق] (٣) أن المقَرَّ له بالسرقة من ماله لو حضر وقال: ما سرقه ملكُه، وليس ملكي، أو قال: كنت أبحتُ له أخْذ ما أخذه، فالقطع يسقط، وإن أنكر السارق ذلك. فإذا كنا نتوقع هذا، فلا معنى لابتدار القطع قبل حضور مالك المال، وليس كالزنا؛ فإن مالك الجارية لو قال: كنت أبحت الجارية للواطىء، فلا حكم لذلك، فلا معنى لانتظاره.
وقد نُنشىء من هذا المنتهى أن مالك الجارية لو قال: كنت بعته الجارية أو وهبته إياها، وقبضها، فيجب أن يقال: لا يسقط حد الزنا بذلك، مع إصراره على الإقرار بالزنا، وتكذيبِ مالك الجارية. وأبو حنيفة (٤) يسقط الحد بمثل هذا.
ولو قال الرجل: زنيت بفلانة وذكر حرّة فقالت: كنت منكوحته، لم يسقط الحد بقولها مع تكذيبه إياها، وإصرارِه على الإقرار بالزنا. وفي هذا المقام يظهر انفصال حد الزنا عن حد السرقة.
١١١٤١ - فإن قلنا: لا يقطع السارق في غيبة المسروق منه، فهل يحبس السارق
стр. 9097
المقر؟ نُظر: فإن كانت الغيبة قريبة، حُبس، وإن كانت بعيدة، فقد قال الأصحاب: إن كانت العين التي أقر بسرقتها تالفة، حبس، وإن كانت قائمة فوجهان: أحدهما - يحبس، كما لو كانت تالفة. والثاني - لا يحبس، بل ينتزع الحاكم العينَ من يده، ويحفظها للمقَر له.
ومن تمام البيان في هذا أن العين لو كانت تالفة، فقال المقِر بالسرقة: أنا أبذل قيمتها، فخذها وخلِّ سبيلي، فهذا يخرج على الخلاف المذكور في بقاء العين.
ووراء ما ذكرناه سر، وهو أن من أقر لرجل بمال في غيبته، فالسلطان لا يحبسه؛ فإن الحبس موقوف على استدعاء مستحِق الحق، فهذا الحبس يستحيل أن يكون لأجل المال، فيجب رد النظر إلى القطع. فإن قلنا: القطع يسقط بالرجوع عن الإقرار؛ فلا معنى للحبس. وإن قلنا: لا يسقط القطع بالرجوع، فيجوز أن يقال: يحبس؛ فإنه لو خُلّي، لأوشك أن يفلت ويفوت الحق، فليكن الخلاف مأخوذاً من هذا المأخذ. ثم لا يختلف الأمر في هذا الترتيب بين أن يكون المقَرُّ به عيناً، أو ديناً.
وقد نجز مقدار غرضنا في الإقرار بالسرقة.
١١١٤٢ - فأما إذا كان على السرقة بيّنة أقامها مدعي السرقة، فلا يخلو: إما أن تكون كاملة أو تكون ناقصة، فإن كانت كاملة، وذلك بأن يشهد رجلان عدلان، فالقطع يثبت، والغرم يثبت. ولو قال المدعى عليه: كان المسروق ملكي غصبنيه، فهل يسقط الحد عن السارق؟ هذا فيه اختلاف قدمته، ونص الشافعي ﵁ على سقوط القطع بمجرد الدعوى.
وفي هذا فضل نظر؛ فإن ما ذكرناه من سقوط القطع على النص بالدعوى فيه إذا لم تكن بيّنة، فإذا قامت بينة كاملة يثبت بمثلها العقوبات، فيبعد المصير إلى إسقاط القطع إذا كانت الحالة هكذا.
[والذي] (١) تحصل لنا من قول الأصحاب تفصيلٌ نطرده على وجهه، فنقول: إن
стр. 9098
ثبتت السرقة من حرز هو بما فيه تحت يد إنسان، فحكم الظاهر أن المسروق مردود على صاحب اليد، فلو فرض من السارق دعوى الملك، فهذا موضع النص، وسقوط القطع متضح فيه؛ فإنه لم يثبت إلا صورة السرقة والأخذ عن يد المسروق منه، ويجري في هذه الصورة القول المُخَرَّج.
ْوجه جريان النص: سقوطُ القطع، ثم يبقى الخصام في الملك، فإن ادعى المسروق منه أنه ملكه، ففو مردود في يده أولاً، والقول قوله مع يمينه، فإن حلف، ثبت له الملك، وانتفى القطع، وإن نكل، لم يخف جريان الخصومة على قياسها.
ووجه جريان التخريج: أنا نقول: القول قول المسروق منه مع يمينه، فإن حلف ثبت الملك، وثبت القطع، فيرجع الخلاف إلى أن القطع هل يثبت بيمين المدعى عليه ثبوته بالبينة القائمة على الملك، وسر المذهب في هذه الصورة أنا على التخريج لا نحكم بثبوت القطع ما لم نفرض يمين المدعى عليه ودعواه الملك، وعلى النص نفس الدعوى في الصورة التي ذكرناها يتضمن انتفاءَ القطع. هذا بيان ذلك.
١١١٤٣ - صورة أخرى: إذا ادعى رجل على رجل سرقةَ متاعٍ من ملكه وحرزه، ووصف ما تفتقر السرقة إليه في اقتضاء القطع، وأقام شاهدين عدلين على أنه سرق من ملكه هذا المتاع، فلو قال السارق: كان أباح لي أخذه، فنُجري في هذه الصورة النصَّ والتخريجَ لانتظام الدعوى، ولا مضادة بينها وبين قضية البينة، فيجري في ذلك النصُّ في سقوط القطع، والتخريجُ في بقائه إذا حلف المدعى عليه، كما سنصف ذلك، إن شاء الله تعالى.
ولو قال المدعي: كنت اشتريته منه، فمنعنيه، فسرقته، فنُجري في هذه الصورة النصَّ والتخريج؛ فإن البينة لو تعرضت لنفي الشراء، لكانت شاهدة على النفي، ولو فرض دعوى على غير هذا الوجه في غير صورة السرقة- لسمعت على معارضة البينة المطلقة على الملك، ولقيل للمدعى عليه: احلف، فإذا جرى الدعوى وأمكن تقديرها مع البينة جرى النص والتخريج.
ولو قال السارق: لم يزل هذا المسروق ملكي، وإنما غصبنيه المسروق منه، فهذا إنكار منه لأصل الملك، والبينة قائمة على إثبات الملك، فتناقض الدعوى
стр. 9099
يقتضي البينة، وفيه سر، وهو أن دعوى الملك لا تستند إلى يقين، كما أن البينة لا تستند إليه، وهذا فيه احتمال ظاهر، وفي كلام الأصحاب ما يدل على التردد فيه، فإن جرينا على التخريج، فلا خفاء، وإن جرينا على النص، فيجوز أن يقال: لا يسقط القطع في هذه الصورة؛ لأن الدعوى تبطل بالبينة في وضع الخصومات، وليست البينة كاليمين يفرض من المسروق منه.
ويجوز أن يقال: يسقط القطع، لإمكان الصدق وانتصاب السارق خصماً، وإن كان مقضياً عليه، فلا فرق بين أن يقضى عليه بالبيّنة وبين أن يقضى عليه باليمين. وإذا قضينا بسقوط القطع والملك مقضي به، فهل يحلف مقيم البينة؟ فيه كلام سيأتي الشرح عليه في أدب القضاء، إن شاء الله تعالى. وليس من غرض هذا الفصل، لأن القطع ساقط كيف فرض الأمر، وهذا مقصود الباب.
١١١٤٤ - ولو قال السارق كان أباح لي أخذ ما أخذته، والتفريع على النص، فلا يحلف المغصوب منه بلا خلاف؛ لأنه [لا] (١) غرض له في نفي الإباحة باليمين؛ إذ لا يرتبط بها غرض مالي والقطع ساقط كيف فرض.
وذلك الذي أبهمنا الكلام فيه لا بد من رمز إليه الآن تفصيلاً، ثم يأتي شرحه في موضعه إيضاحاً وتقريراً: فإذا ادعى رجل على رجل عين مالٍ وأقام على ملكه وتحقيق دعواه بينة، فقال المدعى عليه: أسند الشهود شهاداتهم بظاهر (٢) الحال، ولهم ذلك، ولكن المدعي يعلم سراً أنه كاذب، فحلِّفوه، ففي التحليف على هذا الترتيب خلاف سيأتي مشروحاًْ، إن شاء الله تعالى.
وقد نجز الغرض، وكل ما ذكرناه إذا قامت البينة مترتبة على الدعوى، بأن يدعي على رجل وفي يده ثوب أنه سرقه بعينه من ملكه، وقد تفصّل المذهب في هذا الطرف.
١١١٤٥ - فأما إذا قامت بينة على أن فلاناً سرق هذا المتاع من ملك فلان،
стр. 9100
والمشهود له غائب، فقد نص الشافعي على أنه لا يقطع في الحال، ونص على أنه لو شهد شاهدان على واحد بأنه زنى بجارية فلان (١ أنه يجب الحد ١)، فاختلف أصحابنا في المسألتين: فمنهم من نقل وخرّج، وأجرى قولين في المسألتين؛ من حيث إن السبب ارتبط فيهما بملك لم يدّعه من نسبت البينةُ الملكَ (٢) إليه، ويجوز فرض الجارية ملكاً للواطىء، كما يجوز فرض المسروق ملكاً للسارق.
ومن أصحابنا من أجرى المسألتين على ظاهرهما، وفرق بأن المسروق منه [ربما يقول لو حضر: كُنت أبحت له ذلك] (٣) (٤ ولو قرر هذا، لسقط الحد ٤)، ولو قرر مثل ذلك في الجارية، ووطْئها، لم يسقط الحدُّ، فانتظار حضور الغائب في السرقة لتوقع شبهة دارئة لا يتأتى مثلها في الجارية ووطئها.
ومما ينتظم وراء ما ذكرناه أن من وطىء جارية، ثم زعم أنها ملكُه، أو وطىء حرة، ثم زعم أنها زوجته، فقد ذكرنا أن مضمون النص في ذلك سقوط القطع في السرقة، وهذا في حد الزنا متردد: ظاهر المذهب والنص أن الدعوى العرية لا تُسقط حد الزنا بخلاف السرقة، فإن القطع في السرقة يكاد يتبع حقَّ الآدمي، فترتبط الدعوى به، بخلاف حد الزنا، ولذلك لا يسقط حد الزنا بالإباحة، وينشأ هذا الاختلاف من تردد الأصحاب في النصين المذكورين في البيّنة المقامة وصاحب الملك غائب.
ثم إذا جرينا على النص، وقلنا: لا يقطع السارق ما لم يحضر المسروق منه، فقد قال الأصحاب: يحبس السارق إلى أن يحضر المسروق منه، وهذا مشكل؛ فإن البينة قامت على مالٍ قَبْل دعواه، وحق البينة إذا قامت قبل الدعوى أن ترد في حقوق الآدميين، وهذا الآن يوضحه ترتيب فنقول: ما تمحض حقاً لله تعالى، فشهادة الحسبة فيه مقبولة، وما تمحض حقاً للآدمي، فالمذهب أن شهادة الحسبة فيه مردودة، وفيه قول حكيناه وأجريناه في باب الشهادة على الجناية، ووعدنا استقصاءه
стр. 9101
في البينات، [والقطعُ] (١) المتعلق بالسرقة متردِّدٌ؛ من جهة أنه يتعلق بحق الله تعالى، ويتعلق بحق الآدمي، والقطع مشروع [لصون] (٢) حق الآدمي، وقد ظهر لنا تردد الأصحاب في هذا، فقال قائلون: البينة مردودة، فلا يحبس السارق إذاً. وقال آخرون: البينة مسموعة لارتباطها بحق الله تعالى وإحياء حده.
التفريع:
١١١٤٦ - إن قلنا: ترد، فمعنى ردّها أنا لا نُصغي إليها، ولا يترتب عليها حبس. وإن قلنا: هي مسموعة، فالمشهود عليه محبوس؛ لمكان الحد، وسبب الامتناع عن الإقامة توقعُ شبهةٍ تدفع [الحدَّ] (٣).
فإذا جاء المسروق منه، فادعى، فهل نشترط إعادة البيّنة في المال وثبوته؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا بد من إعادتها، والتفريع على أن شهادة الحسبة لا تثبت في الأموال. وهذا وجهُ هذا الوجه.
والوجه الثاني - لا حاجة إلى إعادة البينة لتعلقها بحق الله تعالى، وكأن (٤) حق الله تعالى أغنى ثبوتَ المال عن دعوى، وقد مهدنا [للإتباع] (٥) أمثالاً: منها - أنه لو أقر بالسرقة، ثم رجع، ففي قبول رجوعه في المال تبعاً للقطع، أو في القطع تبعاً للمال خلاف قدمنا ذكره.
وتمام البيان في هذا عندنا أنا إن قلنا: البينة لا تعاد، فيكفي أن يحضر ويدعي، وتقطع يده، وإن قلنا: تعاد البينة لإثبات الملك، فظاهر كلام المشايخ أن القطع لا يتوقف على عَوْد البينة، وهذا فيه احتمال بيّن: يجوز أن يقال: نتوقف في القطع إلى إعادة البينة.
стр. 9102
وكل هذا والسارق لا يدّعي الملك لنفسه، فإن ادعى الملك لنفسه، انعكس التفصيل إلى ما تقدم.
١١١٤٧ - ووراء ذلك كلام هو الختام، وهو أنا إن لم نُسقط القطعَ بدعوى السارق، لم نسائله، وإن كنا نسُقط القطعَ بدعواه، فلو قال: لا ملك لي فيما سرقت، قطعناه، وإن ادعى الملك، فقد بيناه، وإن سكت، فهل يستفصله القاضي تذرعاً إلى السقوط، أم كيف السبيل؟ هذا فيه تردد ظاهر مأخوذ من مسألة: وهو أن من أقر بموجب حدٍّ، فهل يشبب القاضي بالرجوع عن الإقرار؟ فيه تردد، فما ذهب إليه الجمهور أنه لا يفعل ذلك.
ومن أصحابنا من قال: للقاضي أن يتعرض لهذا. ومنهم من قال: إن كان المقر ممن يعلم أن الرجوع عن الإقرار يُسقط الحد، لم يشبب، وإن كان ممن يجهل ذلك، فلا بأس، ثم حيث يشبب لا يحثه على الرجوع، بل يُجري مسألة الرجوع والحكمَ فيها، وإن صح أن النبي ﷺ قال للمرفوع بتهمة السرقة إليه: " ما إخالك سرقت، أسرقت؟ قل: لا " فقوله له: " قُل: لا " يشهد للتشبيب بالرجوع؛ إذ لا فرق بين الحث على ترك الإقرار، وبين إجراء ذكر الرجوع.
وسمعت بعض أئمة الحديث لا يصحح هذا اللفظ، وهو " قل لا " فيبقى اللفظ المتفق على صحته، وهو قوله: " ما إخالك سرقت " (١) فهذا تعريض بالانكفاف عن
стр. 9103
الإقرار، وقول رسول الله ﷺ : " من أتى من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله تعالى " (١) (٢ حديث متفق على صحته ولا بد من الكلام على مضمون هذه الأحاديث وإجراء المذهبين بحبسهما، فأما قوله فليستتر ٢) فهذا دليل على أنه لا يجب على من قارف موجب حدٍّ، أن يظهره للإمام، وقد يستدل بذلك من يرى التوبة مسقطة للحد، وكان شيخي يقطع بأنه لا يجب إظهار موجب الحد للإمام.
وهذا فيه احتمال عندنا [إذا] (٣) قلنا: الحد لا يسقط بالتوبة، (٤ ولكن ما ذكره مستند إلى الحديث الصحيح، إذ قال ﷺ : " فليستتر " ثم يقتضي طريقه أن التوبة ٤) تُسقط تبعةَ الآخرة من العبد وبين الله ، فإن الحد لله تعالى، والتوبة تحط العقوبة الفستحقة بالذنب، فإذا ظهر استحقاق الحق عند الإمام، فردُّ التوبة على القول الأصح يرجع إلى عدم الثقة بها، أو إلى منع اتخاذ الفَجَرة إظهارَ التوبة ذريعةً تدرأ الفاحشة. هذا في قوله: " فليستتر بستر الله تعالى " وذلك قبل الارتفاع إلى مجلسه.
فأما إذا فرض الارتفاع إلى مجلس الإمام، فقد ظهر خلاف لأصحابنا في جواز التشبيب بالمنع عن الإقرار، ولعل الأصح الجواز لقوله ﷺ : " ما إخالك سرقت " وإذا فرض الإقرار، ففي التشبيب بالرجوع ما ذكرناه من التردد.
стр. 9104
وكل ما ذكرناه في البينة الكاملة وهي إذا شهد عدلان، ثم انشعب الكلام.
١١١٤٨ - وأما البينة الناقصة وهي إن شهد رجل وامرأتان على السرقة، ومِلْكِ المسروق، فالقطع لا يثبت وفاقاً، والأصح ثبوت المال، وأبعد بعض أصحابنا، فلم يُثبته إذا تضمنت الدعوى سرقةً، فلو ثبت، لأوجبت القطع، والشاهد واليمين كالشاهد والمرأتين.
ثم قال الأئمة: الشهادة على السرقة التي تقتضي القطعَ لا بد وأن تكون مفصّلة ناصّة على كل ما يُرعى في ثبوت القطع، والسبب فيه أن السرقة منقسمة: فمنها ما يوجب القطع، ومنها ما لا يوجبه، فإذا كانت السرقة مع تحققها، [منقسمة] (١) فلا بدّ من التفصيل، وليس كذلك الشهادة على البيع، فإنا في المسلك الأصح لا نشترط ذكر أسباب الصحة، كما سيأتي في الشهادات، إن شاء الله تعالى؛ فإن الذي لا يصحُّ ليس [بيعاً شرعاً] (٢) والذي لا يوجب القطع سرقة، ولو أقر السارق بالسرقة، لم يثبت القطع بإقراره المطلق، وسنذكر أن شهادة الزنا لا بد فيها من التفصيل، كما لا بد في تحملها من الاطلاع على الحقيقة.
واختلف الأصحاب في أن الإقرار بالزنا هل يشترط فيه التفصيل، ولا خلاف أن النسبة إلى الزنا المطلق قذفٌ صريح، [وأما شرط] (٣) التفصيل في البينة، فلغرض الشرع في ستر الزنا، وأما الإقرار بالزنا، فسبب التردد فيه أنه لا يطلق اللفظَ الصريحَ من يقرّ على نفسه إلا (٤) بثَبَت، والإقرار بالسرقة المطلقة لا خلاف في أنه لا يوجب القطع، فإن من (٥) السرقة ما لا يقطع فيها.
стр. 9105
فصل
قال: " وفي إقرار العبد بالسرقة شيئان ... إلى آخره " (١).
١١١٤٩ - أقارير العبيد بديون المعاملات سبقت مستقصاة في أواخر البيع، فأما إذا أقر بإتلاف مالٍ أو أرش جناية مُتعَلَّقه (٢) الرقبة، ولا يجب بسببها عقوبة، فإن صدقه السيد، تعلق برقبته، وإن كذبه، لم يتعلق برقبته، والأصح أنه يتعلق بذمته يتبع به إذا عَتَق.
وإن أقر بسرقة عينٍ موجبة للقطع، ثم زعم أنه أتلف ما سرق، أو أشار إلى عينٍ وذكر أنها مسروقة، فإذا كذبه السيد، لم يصدّق، وما في يده بمثابة ما في يد السيد.
وإن أقر بسرقة موجبة للقطع، فإقراره مقبول عند الشافعي في القطع، وقال المزني: لا يقبل إقراره في القطع، وهو مذهب أبي يوسف وزفر (٣)، ومعتمد المذهب انتفاء التهم عن الإقرار، والذي يعضد ذلك ردُّ إقرار السيد بما يوجب القطع (٤)، وإن تناول محل ملكه، فإذا لم نبعد الرد بالتهمة، لم نبعد قبول إقرار العبد. وكنت أود لو كان مذهب المزني قولاً مخرجاً، ولكن لم يشر إليه أحد من الأصحاب.
١١١٥٠ - ثم إذا قبلنا إقراره وأوجبنا القطع، فهل نقبل إقراره في المال؟ فيه قولان: أحدهما - يقبل؛ لأن الإقرار في وضعه لا تهمة فيه. والثاني - لا يقبل، كما سنوضح الغرض في التفريع إن شاء الله تعالى ويظهر ما كنت أودّه من تردد القولين في قبول الإقرار في المال؛ فإن السرقة لا تستقل بنفسها، دون فرض مسروق، وانقطاع القطع عن المسروق بعيد، وما ذكرناه إبداء وجوه الإشكال، والمذهب ما ننقله.