١١٠٧٣ - فأمّا الطريقُ والجهةُ؛ فالقاعدة المعتمدة في المذهب أن كل جهةٍ صار إلى تصحيحها والحكم بإفضائها إلى الإباحة صائر من أئمة الشريعة، فإذا حصل الوطء بها، فالمذهب انتفاء الحد، وإن كان المُقدِم عليها لا يرى [استحلالَ] (١) الوطء بتلك الجهة. وعلى هذا قال الأئمة: إذا نكح الرجل نكاح متعة، وأصاب، فلا حد، لمذهب ابن عباس في إباحة نكاح المتعة، وكذلك إذا نكح بغير وليٍّ، أو نكح بغير شهود، مكتفياً بالإعلام.
وحكى الأئمة قولاً عن الشافعي أن الوطء في نكاح المتعة ممن لا يستحله موجبٌّ للحد، وهذا قريب من القول القديم في الأملاك [المقترنة] (٢) بالأسباب المحرمة.
والترتيب عندنا أن كل عقد ليس فساده من المظنونات، وإن عُزي إلى بعض الأئمة، فنُجري هذا القول فيه، ونكاح المتعة منه، فإن الذي استقر عليه مذاهب العلماء أن نكاح المتعة أبيح ثم نسخ، وقد قيل: رجع ابن عباس عما ينسب إليه من إباحته.
وكل عقد لا يمكن القطع بفساده ويلحق الكلام فيه (٣) بالمظنونات، فهو شبهة في درء الحد، كمذهب أبي حنيفة في انعقاد النكاح بغير ولي، وكمذهب مالك في انعقاده بغير شهود، ولا يجري القول الذي ذكرناه في هذا الصنف.
وذهب الصيرفي من أصحابنا إلى إيجاب الحد على من وطىء في النكاح بغير ولي، ثم زعم أن الحد يجب على الحنفي فضلاً عن الشافعي، وانتحى في هذا مذهب الشافعي، حيث قال: لو شرب الحنفي النبيذ حددته، وقبلت شهادته. وسنعود إلى هذا الطرف في باب الأشربة، إن شاء الله .
فهذه معاقد مذهبنا في الشبهات وتقاسيمها، وبيان محل الوفاق والخلاف فيها.
стр. 9032
١١٠٧٤ - وأما أبو حنيفة (١)، فقد أتى بمناقضات بادية، وزعم أن كل ما يؤتى (٢) به على صيغة العقد دارىءٌ للحد، وإن أجمع المسلمون على بطلانه، فقال: نكاح الأم يدرأ الحدَّ عن الابن الذي يأتيها، وإن كان هذا على رتبة العقود الباطلة.
ولو اشترى [حرّة، ووطئها،] (٣) حُد.
ولو استأجر امرأة على الزنا، أو أباحت نفسها، أو جاريتها حُد، وأبو حنيفة (٤) قال: لا يحد، وأقام الاستئجار على الزنا دافعاً للحد، ثم اكتفى بالمعاطاة، وقال: لا حد على المرأة إذا مكنت مجنوناً (٥)، وعلى العاقل الحد إذا زنى بمجنونة، ولا حد عليه بخرساء في أمور لا يحويها ضبط، وليست من غرضنا. ثم أوجب الحد على من يأتي امرأة يحسبها زوجته (٦)، وإن كان لا يأثم، فهذا شخص غير آثم، وهو مرجوم! وقال في مسألة شهود الزّوايا (٧): يجب على المشهود [عليه] (٨) الحد، وإن اختلفت الشهادات، فليس يستقر له مذهب في الدرء، ولا في الإيجاب.
ومن الفروع اللطيفة التي انتظمت له أنه قال: إذا شهد أربعة من العدول على زنا
стр. 9033
شخص؛ فإن كذّبهم، أقيم الحد عليه، وإن صدقهم، فلا حد عليه؛ لأن التصديق إقرار، والشهادة مع الإقرار مردودة، ثم الزنا لا يثبت بإقرارٍ واحدٍ.
فصل
قال: " ويحدُ الرجل أَمَتَهُ ... إلى آخره " (١)
١١٠٧٥ - السيد عندنا يقيم الحد على مملوكه في الجملة، خلافاً لأبي حنيفة (٢)، ثم كثر اختلاف أصحابنا في جوانب المسألة وأطرافها، والذي يكاد يجمع معظم صور الخلاف أن من أئمتنا من قال: السيد يقيم الحد على مملوكه (٣) بطريق الولاية؛ فإن الملك أثبت له سلطانَ تزويج الأمة، والتزويجَ من العبد مع اختلاف الدين على الرأي الظاهر. ومن أصحابنا من قال: إقامة السيد الحدَّ على مملوكه مأخوذة من جهة استصلاح الملك، وتأديب المملوك.
وينشأ من هذا الأصل مسائل: منها اختلاف الأصحاب في أن المكاتَب هل يقيم الحد على مملوكه الذي تحت يده، فإن جعلنا ذلك ولاية، فالمكاتَب رقيق ليس من أهل الولاية، وإن جعلناه استصلاحاً، فهو من أهله، وكذلك الخلاف في المرأة إذا أرادت إقامة الحد على مملوكها، أو أمتها، فإن اعتبرنا الولاية، فليست هي من أهل الولاية، وإن اعتبرنا الاستصلاح، فهي من أهله، وهذا الاختلاف يجري في المالك الفاسق على نحو ما ذكرناه.
ثم السيد يقيم الحد إذا أقر المملوك، أو أقرت الأمة، وهل يُصغي إلى شهادة الشهود، حتى يُثبتوا الحدّ عنده؟ هذا يخرج على ما مهدناه: فإن جعلنا إقامة الحد استصلاحاً، فليس السيد من أهل سماع البينة، وإنما يقيم الحد إذا عاين الزنا أو أقر المملوك به. وإن قلنا: سبيله سبيل الولاية، فهل يسمع السيد البينة؟ فعلى وجهين:
стр. 9034
أحدهما - أنه يسمعها ويقيم الحدَّ بها. والثاني - لا يسمعها؛ فإنه لا يستقل بالنظر في أحوال الشهود، وإنما يتهيأ ذلك للقاضي؛ لمكان استمكانه لمراجعة المزكين، قال العراقيون: إذا قلنا: لا يسمع الشهادة، فلو سمعها القاضي، وقضى به، فالسيد يستوفي الحدّ حينئذ، والأمرُ على ما ذكروه، وهذا قياس طريق المراوزة أيضاً.
ثم قال الأئمة: لا يشترط أن يكون السيد مجتهداً، قال الصيدلاني: إذا قلنا: إنه يسمع الشهادة، فلا بد أن يكون عالماً، وهذا الذي قاله فيه نظر: فإن عَنَى بالعالم المتهدِّي إلى ما يختص بهذا الباب، فنعم، وإن أراد أن يكون مجتهداً، فلست أرى لذلك وجهاً.
وزاد العراقيون شيئاً متصلاً بهذا المنتهى، فقالوا: إذا قلنا: المرأة لا تقيم الحد على مملوكها في أحد الوجهين، فمن يقيمه؛ ذكروا وجهين: أحدهما - أنه يقيمه الإمام، وهو الذي قطع به المراوزة، والثاني - أنه يقيم الحد على مملوكها من يتولى تزويجها، وهذا بعيد لا أصل له.
١١٠٧٦ - ومما يتصل بتمام الفصل أن السيد هل يقطع مملوكه إذا سرق، أو قطع الطريق؟ فيه اختلاف بين الأصحاب، وهو خارج على الأصل الذي مهدناه: فإن جعلنا إقامة الحد ولاية، فلا يمتنع أن يقيمها المالك. وإن قلنا: إنها استصلاحُ ملْكٍ، فكأنا (١) ألحقناه بالتأديب، والقطعُ ليس من قبيل التأديب.
وذكر بعض الأصحاب في هذا ترتيباً حسناً، فقالوا: في القتل والقطع ثلاثة أوجه: أحدها - أن السيد لا يملكهما، والثاني - أنه يملكهما. والثالث - أنه يقطع ولا يقتل؛ لأن القطع على حالٍ فيه إبقاء مملوك، وقد ينتفع به بعدُ، والقتل بخلافه، [وابتناء] (٢) ذلك على الأصل الذي ذكرناه.
والسيد لا يحد مكاتَبه؛ لأنه ليس تحت تصرفه، ويحد مدبَّره، وأمَّ ولده، فإن رقه قائم فيهما، وسلطانه مستمر عليهما، ولا تعويل على امتناع البيع في المستولدة.
стр. 9035
ومن نصفه حر ونصفه مملوك، لا يقيم مالك الرق منه الحدَّ عليه أصلاً؛ فإنه يقع بجملته وبعضها حرٌّ، ورأيت في نسخة من [نسخ] (١) الصيدلاني إلحاقَه بالمدبر، وأمِّ الولد، وهذا خطأ صريح، وأحسبه من خلل النسخة، وسأراجع نسخة أخرى، إن شاء الله تعالى.
وذكر العراقيون: أن العبد إذا قلنا: إنه يغرّب، هل يتولى السيد تغريبَه؟ فعلى وجهين: أحدهما - ليس له ذلك؛ فإن المعوّل في إقامة الحد على المماليك الخبرُ، وإنما صح في الحديث تفويض الجلد إلى السادة؛ فإنه ﷺ قال: " إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحد " (٢) [وهذا وجه ضعيف إن صح] (٣) أنه ﷺ قال: " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " (٤).
١١٠٧٧ - ومما يجب الإحاطة به أن السلطان من أهل إقامة الحد على المملوكين، والسادة من أهل إقامة الحد عليهم، فلو جعلنا السيد من أهل الإقامة، فليس عليه مراجعة السلطان فيما فوّضه الشرع إليه، وإذا لم يُقم السيد في بعض الصور، أقام السلطان، (٥ وإن ثبت الحدّ، فابتدر ٥) السلطان وأقامه، وقع الموقع.
وإن فُرض اجتماع السلطان والسيد، وكل واحد يبغي أن يكون هو المقيم، فهذا
стр. 9036
موضع النظر: يجوز أن يقال: السلطان أولى لمكان الولاية العامة، وإقامة الحدود هي أخص آثار الولايات، وقد قال الشافعي: " إذا اجتمع في دار رجلٍ مالكُ الدار والسلطانُ، وقامت الصلاة، فالسلطان أولى بالإمامة من مالك الدار " لأن أصل الجماعات مما جرى الرسم بكلام الولاة فيها، وإن كان لا يتوقف تصحيحها على رأيهم، فإذا كان كذلك، فالحدود بما ذكرناه أولى.
ويجوز أن يقال: المالك أولى بإقامة الحدود؛ لأنها تتعلق باستصلاح ملكه، فكان أولى منه، ولا يمتنع أن يقال: المالك أولى بالجلد والسلطان بالقتلِ، والقطعِ؛ فإن إعمال الأسلحة وسفك الدماء حقه ارتباطه بمن إليه الأمر، فإن أقام الشرعَ السيدُ به، فهو في حكم النائب للإمام، والتبعِ له. فإذا فرض النزاع، فالوالي أولى بما يليق بمنصبه.
١١٠٧٨ - ثم عقد الشافعي باباً في حدّ الذميين (١)، ومضمونه أنهم إذا ترافعوا إلينا، ورضوا بحكمنا، فيجوز القضاء عليهم، وفي الوجوب قولان تقدَّم ذكرهما في أبواب النكاح، وسيعود تفريعهما في أدب القضاء، إن شاء الله تعالى. وقصة اليهوديين، إذ رضيا بحكم رسول الله ﷺ في حد الزنى مشهورة (٢).
وإذا ارتفع إلى مجلس الحاكم من الذميين من كان شرب الخمر ورضي بحكم الإسلام، فظاهر المذهب أنه لا يقام عليه الحد؛ لأن المقصود من الحد الزجر، والمرتفع إلينا مستبيحٌ للخمر، غيرُ مغيِّرٍ لعقده، فلا معنى لزجره، على أنا منهيون عن تتبعهم، مأمورون بمتاركتهم (٣)، والإعراضِ عن البحث عن أحوالهم.
فإن قيل: أليس نص الشافعي على أن الحنفي يحد إذا شرب النبيذ، وإن كان مستبيحَه؟ قلنا: إنما قال ذلك، لقطعه بأن في شرب النبيذ من المحذور ما في شرب
стр. 9037
الخمر النيّئة (١)، وهذا ليس يفرض فيه اختلاف؛ فإنه آيل إلى درك [قضايا] (٢) [الجبلاّت] (٣) وموجب العادات، ولا يستريب ذو نظر أن حد الشرب شرع زجراً، والحنفي في قبضة الإمام، وعليه تتبّع أحوال الرعايا من غير متاركة (٤) وإعراضٍ عما فيه استصلاح الخلق، والذمي مستبيحٌ أُمرنا بمتاركته (٥) والإعراضِ عن أحواله، وليس ملتزماً لأحكام الإسلام، ولما يعود إلى مصالح أهله.
وقد خرج في الذمي قول أنه يُحد إذا رضي بحكمنا، وهذا بعيد غير معتد به، وخرج أيضاً في الحنفي قول أنه لا يحد من نص الشافعي؛ على أنه إذا نكح الشافعي بغير ولي، لم يلزمه الحد، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في النكاح.
...
стр. 9038
باب حد القذف
١١٠٧٩ - الكلام فيما يكون قذفاً، وفي إحصان المقذوف، وما يُرعى فيه قد [مضى] (١) مستقصىً في كتاب اللعان. والذي نذكره الآن -وإن ذكرنا (٢) معظمه- الكلامُ في أن حدّ القذف [حق] (٣) للآدمي، ثم النظر فيمن يرثه، وبعد ذلك لو (٤) قذف جماعةً بكلمة أو قُذف شخص بكلمات.
فنقول: حد القذف حق للآدمي، ومن قال: فيه [شَوْبُ] (٥) حق الله تعالى وحق الآدمي، فغُلّب [حق الآدمي] (٦)، فليس على بصيرة؛ فإنا إذا قلنا: يتعلّق الحد بطلب المقذوف، ويسقط بعفوه، لم نغادر من تمحيض حق الآدمي شيئاً. نعم، يجوز أن يقال: حد القذف يشابه حدود الله تعالى من وجوه، والقصاص فيه مَشَابه من حدود الله تعالى؛ إذ الغرض الأظهر منه الزجر، وهذا يتعلّق بالمطلوب الأخص من حدود الله تعالى.
ثم اتفق أئمتنا على سقوط الحد بعفو المستحِق، ولو ورث الحدَّ جماعة -كما سنصف إن شاء الله تعالى، وجهَ التوريث فيه- فعفا بعضهم، فحاصل ما ذكره الأئمة أوجه: أحدها - أن الحد يسقط بعفو البعض، كما يسقط القصاص بعفو بعض الأولياء، والوجه الثاني - أنه لا يسقط منه شيء، ويستقل من لم يعف بطلب تمام الحد واستيفائه. والوجه الثالث - أنه يسقط بعفو العافي مقدارُ حقه، ويبقى مقدار حصص
стр. 9039
الذين لم يعفوا، وإن اقتضت القسمة تكسيراً، أكملنا الكسر في حكم الإسقاط تغليباً لموجب العفو.
ولو أراد مستحق الحدّ أن يعاوض (١) عن الحد، ففي جواز الاعتياض وجهان مشهوران: أحدهما - الجواز، كمفاداة المرأة في حِبالة النكاح، وإن كان المفتدي لا يستحق شيئاً منها.
١١٠٨٠ - ولم أسمع خلافاً في أن مستحق الحدّ لا يقيمه، بل يرفعه إلى مجلس القضاء، والسبب فيه إعظام (٢) الاجتهاد في الحمل على الاقتصاد، وقد قيل: من يضرب مائةَ سوط على إبلاغٍ في الإيلام الناجع يستمكن من القتل بعشرين سوطاً، فلا وجه إلا الرفع إلى من إليه الأمر، وقد نيطت به الأمانات والولايات، وهو مبرّأ عن الذحول (٣) والأحقاد. هذا متفق عليه.
وقد اتفق الأئمة على أن من استحق القصاص في اليد، لم يكن له أن يستبد باستيفاء القصاص دون الإمام، أو من استنابه، وكذلك القول في القتل، والأمر في القتل من وجهٍ في حكم الاستبداد أهون؛ فإن النهاية المحذورةَ المَثُلَةُ، والقطعُ إذا فرض الإسراف فيه [خيف] (٤) إفضاؤه إلى الهلاك، ولكن لو قَتَل مستحقُّ القصاص، وقع الاعتداد به قصاصاً، وكذلك لو قطع.
ومن قتل من آحاد المسلمين زانياً محصناً، وقع قتله حداً، ولو أقام جلداً على زانٍ بكرٍ، لم يعتدّ بجلده، وعُدّ عدواناً، والحدّ قائم كما كان، ولو استوفى المقذوف الحدَّ بنفسه، فليس يبعد عن القياس المصيرُ إلى وقوعه موقع الاعتداد كالقطع، سيّما إذا صدر عن [إسلامٍ] (٥) من المحدود وإقدامٍ من المقذوف صادرٍ عن رضاه، ولكن
стр. 9040
الذي سمعته من الأئمة، ودلّ عليه فحوى كلامهم في مجموعاتهم أنه لا يقع الاعتداد بالحد.
١١٠٨١ - ومما يذكر في ذلك أن جماهير الأصحاب أجمعوا على أن المحصن لو قال لإنسان: اقذفني، فقذفه بإذنه، فالحد يجب عليه، بخلاف ما لو قال: اقطع يدي، فقطع، فالقصاص لا يجب وفاقاً، ورأيت للقاضي أبي الطيب الطبري في كتابه المترجم بالمنهاج أن الحد لا يجب على القاذف إذا أباح المقذوف له عرضه، لم يقله من تلقاء نفسه، وحكاه عن شيخه أبي حامد، وقال: كان يرى ذلك، وزيف غيرَه، والفرق على الجملة عسر.
١١٠٨٢ - والذي [لم] (١) يظهر فيه خلاف من [أحد] (٢) تنزيل حد القذف منزلة حدود الله في الفرق بين الحر والعبد، فعلى الرقيق إذا قذف أربعون جلدة نصف ما على الحر، وكان يليق بقياس حقوق الآدميين ألا يفرق في العقوبات بين الحر وبين العبد.
١١٠٨٣ - [ثم] (٣) من آثار أصل المذهب في أن حد القذف حق الآدمي أنه إذا مات المقذوف، ولم يعفُ، ولم يُسقط حقَّه، فلا خلاف بين أصحابنا أن حد القذف موروث، وإنما اختلافهم فيمن يرثه، فقال قائلون: يرثه كل من يرث القصاصَ، والمالَ؛ فلا فرق بين أصحاب الفرائض والعصبات والمتعلقين بالأنساب والأسباب.
ومنهم من قال: يختص باستحقاقه إرثاً أهل القرابة، ثم لا فرق بين العصبات منهم وذوي الفروض.
ومنهم من قال: يختص استحقاقه بالعصبات؛ فإنه ذبٌّ عن النسب، [فكان] (٤) مأخذه قريباً من مأخذ الولايات في [التزويج] (٥)، ثم على هذا الوجه يرث الابن بلا
стр. 9041
خلاف، ولو كان لا يزوِّج، واختلف أصحابنا في أن المولى المعتِق هل يرث الحد؛ تفريعاً على هذا الوجه، كما تنتهي إليه ولاية التزويج؟ فمنهم من قال: هو من الورثة، ومنهم من قال: يختص إرث الحد بعصبات النسب.
هذا وجه في التوريث مفروض فيه إذا استقر استحقاق الحد، ثم مات المستحق.
ولو قذف قاذف ميتاً كان محصناً في حياته، استوجب الحدّ، وورثته يطلبون الحد على الترتيب الذي ذكرناه، والعجب أن أبا حنيفة (١) أثبت لهم الطلب في هذه الصورة، وقال: لو وجب الحد، ثم مات المقذوف، لم يكن لورثته الطلب.
ومن غريب ما حكاه الشيخ في شرح التلخيص أن من أصحابنا من أجرى القصاص مجرى حد القذف، حتى يخرّج فيه الوجوه التي ذكرناها فيمن يرثه ويرث طلبه، وهذا غريب جداً.
ثم إذا قُذف الإنسانُ بعد موته، وقلنا: حد القذف لو ثبت في الحياة، لم يختص بإرثه أهلُ القرابة، بل يثبت للزوج والزوجة، فإذا كان القذف بعد الموت، فهل يستحق الطلب للزوج والزوجة؟ فعلى هذا الوجه وجهان: أحدهما - يثبت لهما، كما لو استقر الحد في الحياة، ثم مات المقذوف. والثاني - أنه لا يثبت؛ لأن القذف أنشىء والزوجية منتهية، وهذا لا فقه له؛ فإن الزوجية لا (٢) تنتهي بموت المورث، فلو صح هذا الاعتبار، لوجب القطع بأن الزوج لا يرث أصلاً شيئاً.
ومما يتعلق بذلك أنه إذا قُذفت أمتُه وأثبتنا (٣) لها حق طلب التعزير، فلو ماتت، فهل للسيد طلبه بعد موتها، كما للوارث ذلك في حق موروثه؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يثبت ذلك؛ إذ لا وراثة بين السيد والعبد، وسلطانه إلى بقاء ملكه، والموت يخرج العبد عن كونه مالاً. والوجه الثاني - أنه يقوم مقامَه في الطلب، لما
стр. 9042
بينهما من الاختصاص؛ فإنه يلتزم تجهيزهَ وتعيينَ مدْفنه (١)، ويخلفه فيما يتصور الخلافة فيه عن رقيق. وهذا نجاز هذا الفصل.
١١٠٨٤ - فأما القول في تعدد القذف والمقذوف فنقول: إذا قذف شخصاً مرتين بزنيتين، فإن لم يتخلل استيفاء حدٍّ، لم يلتزم إلا حداً واحداً؛ فإن حُد للقذف الأول، فنسبَ المقذوفَ إلى زَنْيةٍ أخرى، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه لا يلتزم حداً آخر؛ فإنه قد كذب في حقه بحدٍّ، فكفى ذلك، ولا أثر لتعديد الزنيات في الذِّكر، ولكن يستوجب بتجديد الأذى تعزيراً.
والقول الثاني - وهو الأصح أنه يحد مرة أخرى لتجدد الخبر والمخبَر عنه، وإظهار كذبه في (٢) القذف الأول لا يتضمن تكذيبَه في الثاني. نعم، لو أعاد ذلك القذف الذي حُد فيه، لم يستوجب إلا تعزيراً، ولو لم يتعرض لإعادة عين القذف الأول ولا للتصريح بتجديد قذفٍ آخر، ولكن [قال: زنيتَ] (٣)، أو عين زنا، فحُدّ، فأطلق النسبة إلى الزنا، فهذا لا يوجب حداً جديداً وفاقاً، لإمكان حمله على إعادة الأول، فلا سبيل إلى إيجاب الحد مع التردد والشبهة.
وما ذكرناه من القذفين المختلفين فيه إذا كان لا يختلف الموجَبَان، فأما إذا تعدد القذف، واختلف الموجَب: مثل أن يقذف أجنبية بزنية، ثم ينكحها، ويقذفها بزنية أخرى على فراشه، ففي المسألة طريقان: من أصحابنا من قطع بتعدد الحد، ثم يلتعن لاختلاف أثر القذفين، ومنهم من أجرى القولين في تعدد الحد، كما قدمناه، وهذا يظهر أثره إذا لم يلتعن، فإن الْتعن، زال أثر القذف في الفراش، وبقيت الطَّلِبةُ بالحد اللازم بالقذف المتقدم على النكاح، وقد أوضحنا هذا في كتاب اللعان. هذا في تعدد القذف واتحاد المقذوف.
١١٠٨٥ - فأما إذا قذف شخصين فأكثر، نظر: فإن أفرد كل واحد منهما بلفظة،
стр. 9043
استوجب حدين بلا خلاف، وإن أَحَّدَ الكلمةَ ونسبهما إلى الزنا بها، ففي المسألة قولان، مثل: أن قال: زنيتما؛ أو أنتما زانيان، والقولان جاريان مع العلم بأن اللفظ الواحد يشتمل على نسبتهما [إلى] (١) الزنيتين، ولهذا كان الأصح تعدد الحد؛ فإن المعنى هو المعتبر، وقد تعدد معنى القذف، وليس للقائل الثاني إلا التمسك باتحاد اللفظ، ولا خير في هذا، مع ما أشرنا إليه، ولكنه قول مشهور.
ولو قال لأجنبية وامرأته (٢): زنيتما، ففي المسألة طريقان؛ لاختلاف [وقع] (٣) القذف فيهما: منهم من قطع بالتعدد لما ذكرناه من الاختلاف، ومنهم من أجرى القولين، وأثر هذا يظهر إذا لم يلاعن عن زوجته، وآل الأمر إلى الحد وطلبه، فإن لاعن عن زوجته، فلا خلاف أن الحد [للأجنبية] (٤) واجبٌ؛ فإن اللعان لا يدرؤه.
وكل هذا [مما] (٥) قدمنا أصوله وفروعه في كتاب اللعان.
...
стр. 9044
كتاب السرقة
١١٠٨٦ - الأصل في أحكام السراق قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] واشتمالها على ذكر أصل الجريمة والحد. وتفصيلُ مكان السرقة، والمقدارُ، وصفةُ السارق والمسروق منه تُتلَقَّى من السنن [وغيرِها] (١) من مدارك الشرع، وقال رسول الله ﷺ : " والله لو سرقت فاطمة، لقطعتها " (٢)، وقال: " لعن الله السارق يسرق البيضة، فتقطع يده، ويسرق الحبل، فتقطع يده " (٣) وحمل بعض المتكلفين البيضة على المغفر، والوجه حملها على جنس [البيض] (٤) ومثل ذلك [منساغ] (٥) في قصد التعليل.
والسرقة في اللسان: الأخذ في استزلالٍ ومخادعة، والمصدر السَرق والسرقة، والعلماء مجمعون على قواعد الكتاب، والمطلوب منه يتعلق بالمقدار الذي يسمى نصاب السرقة، وجنس المسروق.
والكلام في الحرز.
ومعنى السرقة، وذلك يتعلق بكيفية الإخراج.
стр. 9045
والقول في الشبهات الدارئة.
ثم الاختتام بما يثبت السرقةَ من بينةٍ وإقرار.
ووراء ذلك بيان القطع والمقطوع في السرقة.
هذا مجامع الكتاب.
ونحن نذكر [التقويم من] أجناسِ الأموال (١)، ثم ضوابطَ القول في الحرز، ثم معنى السرقة والإخراج، ونحرص أن نتبع ترتيب السواد.
١١٠٨٧ - قال الشافعي: " القطع في ربع دينار ... إلى آخره " (٢).
ذهب داود إلى أن القطع يتعلق بالقليل والكثير، وذهب علماء الشريعة إلى أن القطع يتعلق بنصابٍ، ثم اختلفوا: فذهب أبو حنيفة (٣) إلى أن النصاب دينار، أو عشرةُ دراهم، ثم التقويم عنده بالدراهم، والذهب في نفسه لا يقوّم بالدراهم، ولا يقوّم به شيء.
وقال مالك (٤): النصاب ثلاثة (٥) دراهم، أو ربعُ دينار، والتقويم بالدراهم، كما حكيناه عن أبي حنيفة.
وقال النَّخَعي (٦)، وأبو ثور (٧)، ..............................
стр. 9046
وابن شُبْرمة (١): النصاب خمسة دراهم، وقيل: هذا مذهب علي.
ومذهب الشافعي أن النصاب ربعُ دينار، ولم يعيّن الدراهمَ، ومعتمد المذهب حديثُ (٢) عائشة، وهو مذكور في الخلاف، ولو سرق من الذهب الخالص ربعَ مثقال، ولكن كان لا يسوى (٣) ربعَ دينار مضروب، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن القطع لا يجب، وهو الأظهر؛ فإن الوارد في الحديث ربعُ دينار، والدينار اسم للمضروب [وبه] (٤) الاعتبار.
ومن أصحابنا من قال: إذا سرق ربعَ مثقال من الذهب الخالص، فلا سبيل إلى تقويمه؛ فإنه ليس جنسَ (٥) الدينار، والأصح الأول، وينبني على هذا التردد أن من سرق خاتماً وزنه سدس مثقال، وقيمته ربع دينار، فكيف حكمه؟ إن رددنا الاعتبار إلى الدينار، فنوجب القطعَ، ونعتقد الخاتم سلعة، وإن لم نر تقويم الذهب بالدينار، لم نوجب القطع لنقصان وزن المسروق عن الربع.
ولو سرق ثوباً وما في معناه، فلا خلاف أن التقويم بربع دينار.
وقد يخطر للفطن أنا إذا أوجبنا القطع بربع مثقال من الذهب الإبريز، وإن كانت
стр. 9047
قيمته دون المضروب، فنتخذ ذلك مرجعاً في اعتبار المالية، وهذا خبطٌ؛ فإن التقويم لا يقع إلا بالمضروب والسبيكة لا ضبط لقيمتها، وهي متقوّمة، وما يتقوم لا يقوّم به، ولست أنكر أن التقويم بربع دينار يوهن ذلك، فليكن كذلك، فإن الضعيف يضعف بالتفريع.
ولو كان المسروق عَرْضاً تبلغ قيمته بالاجتهاد ربعَ دينار، فقد يوجب الأصحاب الحدّ، والذي أرى القطع به أنه لا يجب ما لم يقطعوا بأن القيمة لا تنقص عن هذا.
والذي ذكره الأصحاب من اعتبار التقويم محمول عندي على الرجوع إلى المقومين، ثم لهم اجتهادٌ وقطعٌ، ولو قطع بذلك أقوام لا يُزكَّون (١)، فلا إشكال، ولو قطع بذلك [جماعة] (٢) معدودون لا يبعد الزلل عليهم، فهذا فيه احتمال؛ من جهة أن الشهادة على السرقة معرضة لهذا، وهي مقبولة، والفرق إن أردناه أن شهود السرقة يُسندون شهادتهم إلى العِيان، بخلاف أقوال المقوّمين، فانتظم من هذا [أنهم] (٣) إذا ترددوا -وإن أجرَوْا عن غلبة الظنون- فلا قطع، وإن قطعوا وكانوا عدداً لا يزكَّوْن، وجب القطع. وإن قطع عدلان منهم، ففيه التردد.
وقد نجز القول في نصاب السرقة.
١١٠٨٨ - فأما الكلام في المسروق، قال (٤) الشافعي: " إن عثمان ﵀ قطع في أُترجَّة قيمتها ثلاثةُ دراهم من صرف اثني عشر درهماً بدينار ... إلى آخره " (٥).
القطع يتعلق بكل مملوك تام الملك، ولا نظر إلى تعرضه للفساد، ولا إلى أصله، فيتعلق القطع بالفواكه الرطبة، خلافاً لأبي حنيفة ويتعلق بالمملوكات التي أصلها الإباحة كالصيود والخشب والحشائش، وما في معانيها، خلافاً لأبي
стр. 9048
حنيفة (١) في خبط ومناقضات، وتعويلُ المذهب على تحقيق الملك في الحال، ولسنا نلتزم الكلام في الأشياء الموقوفة، وما يَضعُف الملك فيه، وما يتطرّق إليه الشبهات، كأموال بعض الناس في حقوق البعض، وكأموال بيت المال، وإنما غرضنا الكلام على الأجناس، وتلك الفصول ستأتي في مواضعها، إن شاء الله .
١١٠٨٩ - فأما الكلام في الحرز، قال الشافعي: " وجملة الحرز أن ينظر إلى المسروق ... إلى آخره " (٢).
هذا الفصل مما يجب الاهتمام بضبطه؛ فإنه القطب الأعظم في الكتاب، وليس فيه ضبطٌ توقيفي، ولا معنىً يدركه قياسٌ جلي. فنقول: السرقة إخراج مالٍ مصون بحرز مثله عن حرزه، ووضع الشرع على أن يستفرغ المالك الوُسعَ في صون ماله، ثم إذا كان كذلك، والسراق لا يرجعون إلى شوكة وعُدة، وإنما مبنى أمرهم على الاختزال فيبعد أن يُؤْثروا التهجم على الحرز، والتعرض للخطر لمقدارٍ نزر تافه، وإذا عظم قدرُ المال، فقد ينتهض ذوو العرامة للتعلق بأسباب الاحتيال ومصادمة الأغرار، فرَدَعَهم الشرع بشَرعْ القطع، ثم الحرز لا يتصور ضبطه بتوقيفٍ، فورد مطلقاً محمولاً على ما يعد حرزاً، ويعد صاحبه غير مضيع، ثم النهايات ليست مرعية.
فانتظم من ذلك أن ما يعدّه الناس حرزاً، فهو حرز في الشرع، وما لا فلا، ويترتب على هذا اختلاف الاحتراز باختلاف أجناس (٣) الأموال؛ فإن أعيان الدراهم والدنانير تعدّ ضائعة في عرصات الدور، بخلاف المفارش والأواني، وذلك في التحقيق يخرّج على القاعدة؛ فإن الدراهم إذا لم تكن في المخازن تشوّفَ إليها طالبوها، بخلاف ما يثقل محمله، أو تقل قيمته، ولذلك اطردت العادة بالإحراز بالمخازن.
والاصطبل حرز الدواب على نفاستها، وقد لا نراه حرز الثوب؛ من جهة أن
стр. 9049
إخراج الدواب [منها] (١) يظهر، ويبعد الاستجراء عليه، وما يخف محمله بخلافه؛ فانبنت الأمور على الرجوع إلى العادة، وما يعد فيها صوناً، وما لا يعد صوناً، وبان أنا لا نشترط أقصى الإمكان، ولا نكتفي بما يكون حرزاً للمال على الجملة.
١١٠٩٠ - ثم جماع القول في الحرز -إذا رمنا التفصيل- لا يخرج عن سببين: أحدهما - التعويل على اللَّحْظ والمراقبة، وقد يداخله مراعاة المعنى الآخر. والثاني - التعويل على الحصانة والوثاقة، ولا بد أن يداخله اعتبار الملاحظة، فأما ما يعتمد النظر والمراقبة، فله شرطان: أحدهما - ألا يكون اللاحظ المراقب مستضعفاً، والآخر - أن يكون الملحوظ بحيث لايطرقه جمعٌ يعسر المراقبة معهم بسبب مزدحمهم، وبيان ذلك أن من كان في الصحراء لا يعد ضائعاً فيها لقرب الغوث منه إن (٢) قُصد، فإذا كان يلحظ متاعاً، فهو محرز باللحظ، وهو على التحقيق مصون بالمنعة والقوة وإمكانِ الاستنجاد، ولكن من ضرورة ذلك اللحظ.
فأما إذا وضع متاعه في مسجد يكثر فيه المختلفون، أو في شارع يكثر فيه الطارقون، فهذا مختلف، فإن انفرد بالملاحظة، ثم فرضت السرقة، ففي المسألة وجهان: أصحهما - أن المال ضائع، والثاني - أنه محفوظ؛ لأنه ملحوظ، ولكن لا ينكر مسيس حاجة اللاحظ إلى مزيد إدامة في اللحظ، وليس هذا الخلاف من كون المحل مشتركاً؛ فإن عماد هذا النوع من الحرز اللحظُ، لا المكان، فلا أثر لكون المكان (٣) مشتركاً، فإنما ينشأ الخلاف من قصور اللحظ في الضبط مع ازدحام الطارقين.
ولو فرض وضع المتاع في شارع، ولم يختص باللحظ صاحب المتاع، ولكن كان المتاع ملحوظاً (٤) بلحظ جمع من اللاحظين، يتعاونون على صيانة الأمتعة، فإذا كان كذلك، صار عدد اللاحظين في معارضة الطارقين، كلاحظٍ في الصحراء في
стр. 9050
معارضة طارق، ولهذا قال الأصحاب: الأمتعة ليلاً يبعد صونها باللحظ إلا في المواسم التي يتعاون فيها ملاك الأمتعة على التلاحظ.
ومما يتعلق بهذا أن المتاع الملحوظ في الصحراء لو نام صاحبه، فهو ضائع؛ فإن عماد صونه اللحظ، وقد انقطع بالنوم، ولو استدبره أو ذهل ذهولا ظاهراً يقطع مثلُه اللحظ، فكذلك. ولكن لا يتصور أن يُسرقَ المتاعُ إلا بموافقة رعاية السارق للفرص وتطبيقِه رعايتَه على فترات (١) لطيفة للاّحظ، [فإذا] (٢) جرت السرقة، أوجبت الحدّ؛ فإن هجوم الآخذ على ما يتخيله من [فترة] (٣) كهجومه على الحرز، فيما (٤) يقرّبه [من الغرور] (٥) وقد يزلّ [في تخيله الفترة] (٦) وقد يعود اللّحظ في [الأثناء] (٧)، وهو غالب، والقدر الذي ذكرناه كافٍ في تأصيل هذا الطرف.
١١٠٩١ - فأما الحرز الذي عماده حصانة البقعة، وعُسْرُ الوصول منها إلى المال المصون بها، فالرجوع فيه إلى العادة، والدور الموثقة بالأغلاق والأبواب أحراز، وكذلك الحوانيت التي تعد حصينة، ثم لا تستقل الأبنية بالأحراز ما لم تكن على حظوظٍ من المراقبة، على موجب العادة.
وبيان ذلك أن الدار وإن كانت حصينة لو فرضت في قريةٍ، وفرض انجلاء أهلها، فالدار بما فيها ضائعة، وذلك أن التسبب إلى التسلق بالسلالم والاستمكان من [النقْب] (٨) حيث لا مراقب مبطلٌ معنى الحرز، حتى لا يفرض حرز مستقل بنفسه، إلا إذا تكلفنا تصوير قلعة متعلّقة بقُلّة جبل لا طريق إليها، ولا طروق عليها، وهذا يعسر، فإن صاحبها لا بد أن يقدر على الوصول إليها، فإذا لم تكن مرقوبةً، يتيسر
стр. 9051
إعداد مثل العُدد التي للمالك في التوصل إليها.
وقال الأئمة: الدار الخالية في طرف البلد ضائعة، فإنها لا تكون منوطة بمراقب، وإذا كانت محفوفة بدورٍ يقطنها سكان، فهي حرز مصون، والدكاكين البادية في الأسواق ضائعة إذا لم تكن ملحوظة من الحراس أو الملاك.
ثم قال الأئمة: إذا كان صاحب الدار في الدار والأغلاق وثيقةٌ، فما في الدار مُحْرَز، وإن نام المالك؛ فإن الغالب أنه يتنبه بالأسباب التي يقدمها السارق للوصول إلى داخل الحرز.
وإن لم يكن الباب مغلقاً ونام، نُظر: فإن كان ليلاً، فالدار ضائعة إذا لم تكن محروسة بالحراس، ومن في معانيهم، وإذا كان كذلك، فيرجع الحرزُ إلى اللَّحْظ، وإن فرض ذلك نهاراً، فالغالب أن الشارع يطرقه الطارقون، فإذا نام صاحب الدار نهاراً، والباب مفتوح، ذكر الأصحاب وجهين في ذلك، وذكر الشيخ أبو علي نسقاً آخر، فقال: إذا كان باب الدار مفتوحاً، وصاحب الدار فيها يَلْحظ متاعَه، فتغفّله سارقٌ فدخل وسرق، ففي وجوب القطع وجهان، وذكر في ذلك جوابين للقفال في درسين، وعلينا أن ننبه على بيان كل مسلك.
فأما من ذكر وجهين في النائم فيهما فيه إذا كان باب الدار لافظاً في شارع مطروق، فقد يتخيل الاكتفاء في الصون بالطارقين، وتوسط الدور، والأحراز مهيبةٌ في حق السراق، فإن لم يكن باب الدار مطروقاً، وقد نام صاحب المتاع، والباب مفتوح، فلا خلاف أنه ضائع، وما قطعنا به من نوم صاحب المتاع في الصحراء وجهه يبين به، وسبيل الفرق واضح.
وأما ما ذكره الشيخ أبو علي من الوجهين في يقظة صاحب الدار، فطريقه أن من يكون متيقظاً في دار نفسه فمعظم اعتماده على الدار، لا على اللحظ، وعماد الكائن في الصحراء اللحظُ، فإذا فرض تغفل في الدار، فسبب التردد [فيه] (١) ظهور الفتور في اللَّحظ، حتى لو فرض في الدار من اللحظ ما لو فرض في الصحراء، لكان حرزاً، فلا
стр. 9052
شك أن المال مُحْرزٌ، فإن اللحظ كاللحظ، والدار إن لم تزد حرزاً لا تنقص عن الصحراء. نعم، إن قال السارق: كان صاحب المتاع [لَا يحُدّ] (١) في اللحظ حدَّ صاحب الصحراء، فقد يضطرب الرأي في المصدَّق.
ولعلنا نذكر طرفاً من هذا في الفروع، فإذاً ما حكيناه من النوم والخلاف فيه محمله التعويل على طروق الطارقين، وما ذكرناه من التردد في يقظة صاحب الدار محمول على اعتبار ترك الحدّ في اللحظ.
ولو فتح الفاتحُ البابَ للدار، وأذن للناس في الدخول لتجارة، أو غيرها من الأغراض، حتى صارت الدار محلاً لازدحام الداخلين، فاللحظ في مثل هذه الحالة بمثابة اللحظ في الشوارع والمساجد، وقد مضى تقسيمها وتفصيلها، ولا نظر إلى كون [الدار مملوكة لصاحب المتاع، ولا إلى كون] (٢) المسجد والشارعِ مشتركين، وما ذكرناه ليس متلقى من إذنه، إذ لو دخل داره جمعٌ بغير إذنه، فالكلام في حفظ المتاع على ما ذكرناه.
هذا منتهى تأصيل الأحراز وتمهيدها، وفي هذا القدر مَقْنع، ولكنا نذكر مسائلَ (السواد) (٣) ونُخرِّجها على ما مهدناه ونرسُم الفصولَ على المعتاد في أمثالها.
فصل
قال: " وإن كان يقود قطار إبل ... إلى آخره " (٤).
١١٠٩٢ - من كان يقود قطاراً من الإبل -وقيل أكثرها [سبعة] (٥) - قال الأئمة القطار
стр. 9053
محرز بالقائد، إذا كان الإبل تمشي على استدادٍ (١)، ولو كان يدور في منحرف الطريق، فالذي يغيب عن عين القائد لو التفت ليس محرزاً. وقال أبو حنيفة (٢): إن قادها، فالمُحْرز هو البعير الأول، وإن ساقها، فالجميع محرز به. وإن ركب واحداً، فمركوبه وما أمامه وواحد من ورائه محرزٌ به، وهذا المذهب منتظم.
والذي أطلق أصحابنا فيه إشكال، وأنا أعلم قطعاً أنه مُنزَّل على ما سأذكره، فإن [كان] (٣) القائد لا يلتفت إلى القطار، [وكان يُمشي] (٤) الإبلَ في مكانٍ خالٍ، فلا يتحقق الصَّوْنُ إلا في البعير المقود، وإنما قال أصحابنا ما قالوه فيه إذا كان يقود القطارَ في سوق آهلٍ، فالإبل مصونة بأعين اللاحظين، ولو فرض ازورار في السوق نفسه، فالإبل مصونة باللحظ أيضاً. وإن فرض استتار بعض القطار بسكةٍ لا لاحِظَ فيها، فذاك ضائع حينئذ، ولا يجوز أن يعتقد الأمر إلا كذلك، وليس ما جئنا به مخالفاً لما ذكره الأصحاب، ولكنه بيان له، وبالجملة الإبل مصونة باللحظ، وقد مهدنا فيه ما فيه مَقْنع.
...
[ثم قال] (٥): " إن أناخها حيث ينظر إليها ... إلى آخره " (٦).
١١٠٩٣ - ذكرنا النظر في الصحراء، ولا معنى لتكثير الصور.
والأغنام الملحوظة من الراعي إذا كان نظره متصلاً مصونةٌ، وإن انسرح طرفه، ثم أعرض في زمن لا يتصور أن يلحق مثله لاحق، فالأغنام مصونة باللحظ الأول.
стр. 9054
ثم قال: " ولو ضرب فسطاطاً ... إلى آخره " (١).
١١٠٩٤ - الأخبيةُ والخيام ليست أحرازاً في نفسها، والتعويل فيها وفيما تحويه على اللحظ والمراقبة، وقد سبق التحقيق فيما عماده اللحظ، وقد يطرأ في ذلك تنضيد الأمتعة والاستيثاق فيها بضوابط الحبال، وليس ذلك لاعتقاد كون الربط حرزاً، ولكن قد يؤثر الربط في ترك نهاية الحدّ (٢) في اللحظ، وما عندي أن من أحاط بما ذكرناه يخفى عليه خافية في الأحراز، والخيمةُ في نفسها لو سُرقت، فهو متاع ملحوظ، وقد تقدم التفصيل فيه.
وإذا كانت الإبل والبهائم مصونة باللحظ، فأحمالها مصونة باللحظ، وقد انتجز القول في الأحراز تأصيلاً وتفصيلاً.
...
١١٠٩٥ - ونحن نفتتح الآن القولَ في معنى السرقة وكيفيةِ الإخراج من الحرز، [ويتصل به] (٣) هتكُ الأحراز، انفراداً واشتراكاً، فنحن نذكر هتكَ الحرز، وما يتصل به، ثم نذكر الإخراج من الحرز، فنقول:
من انفرد بنقب الحرز، ثم دخل وأخرج نصاباً، فهو سارق مستوجبٌ للحد، وفي ذلك ما يجب التنبه له، فإنه لما نقب، وقد خرج الموضع عن كونه حرزاً، والكلام فيما عماده التحصين، فجرى إخراجه عما ليس حرزاً، وكان لا يمتنع من طريق المعنى ألا يستوجبَ القطعَ؛ لأنه أبطل الحرز، ثم أخذ مالاً ضائعاً، ولكن أجمع العلماء على وجوب الحدّ إذا اتصل الإخراج بالنَّقب؛ فإن أفعاله المتواصلة في حكم الفعل الواحد، وأثبتنا هذه المسائل على العادة، ومن وصفناه يعدّ سارقاً من حرزٍ، ولا ينسب صاحب الحرز والمتاع إلى تضييعٍ.
ولو نقب الحرزَ ومرّ، وعاد بعد ليلة أو ليالٍ، ودخل من فتح النقب وأخرج،
стр. 9055
فإخراجه الآن منقطع عن هتكه الحرز، فإن شعر صاحب الحرز بالنقب، فقد ضيع الدار وما فيها (١)، ولو لم يشعر، أو نقب السارق، ورد لَبِنَه (٢) بحيث لا يظهر النقب، وعزم على أن يعود في الليلة القابلة، ويدخل من النقبَ الذي يُعده ولا شعور [ولا تقصير] (٣)، فهذا محتمل جداً، فإن نظرنا إلى تواصل الأفعال، فقد انفصل الدخول والإخراج عن الهتك، وإن نظرنا إلى حكم الاعتياد، فالأمر الكلي لا يوضّح فصلاً بين أن يتصل الإخراج بالنقب، وبين أن ينفصل [على] (٤) الحد الذي صورناه.
١١٠٩٦ - ولو حضر الحرز رجلان، فنقب أحدهما، وانفرد بالنقب، وأخرج الثاني المتاعَ، أما الناقب، فلا قطع عليه عندنا؛ لأنه ليس سارقاً، وأبو حنيفة (٥) يوجب القطع عليه بعلة كونه رِدْءاً وعوناً للسارق، وأما من أخرج المتاع، فالذي قطع به المراوزة أنه لا قطع عليه، فإنه أخرج المتاع من حرز مهتوك.
وذكر العراقيون وجهين في وجوب الحد عليه: أحدهما - ما ذكرناه، والثاني - أن الحد يلزمه، كما لو نقب بنفسه، وأخرج، وهذا يتأكد بالقاعدة الكلية؛ فإن الحدَّ شُرع زاجراً، ولو كان النقب من واحدٍ، والإخراجُ من آخرَ غيرَ موجب للقطع، لصار هذا ذريعةً هيّنة ليست في حكم النوادر، ولا في حكم الأمور العسرة، والشافعي لا يحتمل أمثالَ هذه الذرائع إذا كانت تصادم القواعد الكلية.
ولو اشترك رجلان على النقب ودخلا الحرزَ، واشتركا في الإخراج، فقد قطع الأصحاب بوجوب القطع عليهما، إذا كان المخرج نصابين، كما سنصف هذا الفنَّ من بعدُ، إن شاء الله، واشتراكهما في الإخراج بمثابة انفراد الرجل الواحد بالنقب والإخراج.
стр. 9056
ولو اشتركا في النقب، ثم انفرد أحدهما بالدخول والإخراج، فالقطع يجب على هذا المنفرد بالإخراج وجهاً واحداً لمشاركته بالنقب، فصار كأنه انفرد بالنقب والإخراج.
ورأيت في بعض التعاليق عن شيخي وجهين في أنهما إذا اشتركا في النقب وانفرد أحدهما بالدخول والإخراج هل يجب القطع عليه (١)؟
ولا شك أنه لا قطع على الذي لم يشارك في الإخراج، وإنما شارك في النقب، والوجهُ القطع بإيجاب الحد على من أخرج منهما، فإن النقب إذا وقع بهما كان كل واحد منهما كالمنفرد بجميع النقب؛ بدليل أنهما لو اشتركا في النقب والإخراج قُطِع (٢)، فلا تعويل على ما حكيته عن بعض التعاليق.
١١٠٩٧ - وتمام البيان في هذا الفن أنا إذا ذكرنا الاشتراك في قطع اليد في باب القصاص تناهينا في التصوير، وصورنا تحاملاً منهما على حديدةٍ واحدةٍ، حتى لو قطع أحدهما من جانب وقطع الآخر من الجانب الآخر والتقت الحديدتان، فليس ذلك اشتراكاً في القطع، ولكن انفرد كل واحدٍ منهما بقطع بعض اليد.
وإنما جدَّدنا (٣) ذكر هذا لنفْصله عن الاشتراك في النقب، فلا يشترط في تصوير الاشتراك في النقب أن يأخذَا آلةً واحدة، ولكن لو كان أحدهما يخرج لبنة والآخر أخرى، حتى استتما التنفيذ، فهما مشتركان، فإنا لا ننكر أن المرعي في هذا الباب التعاون على النقب، ولا تشتدّ عناية الفقيه هاهنا بتصوير (٤) الاشتراك؛ فإن النقب
стр. 9057
ذريعةٌ إلى المقصود، وليس عينَ السرقة، والفقيه من يطبق صور الأصول على أقدار الأغراض فيها.
ومن اعتبار التعاون صار أبو حنيفة إلى إيجاب القطع على الردء، وفي بعض التصانيف أنا نشترط في النقب حقيقةَ الاشتراك على النسق الذي ذكرناه في الاشتراك في قطع اليد، وهذا ضعيف، ثم مقتضاه أنهما إذا تعاونا وكان هذا يخرج لبنة وذاك أخرى، فلا قطع على واحدٍ منهما، وكأنهما صادفا الحرز منقوباً.
١١٠٩٨ - ولو اشترك الرجلان في النقب كما ذكرناه، ثم دخل أحدهما الحرز ووضع المتاع في وسط النقب، وأخذه الآخر من حيث وضعه الداخل، ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما - أنه لا قطع على واحدٍ منهما؛ فإن الداخل لم يتمم الإخراج، والخارج الآخذ لم يأخذ من حرز تام. والقول الثاني - أنه يجب القطع عليهما؛ لاشتراكهما في الإخراج. وقطع الصيدلاني بنفي القطع عنهما، وزعم أن كل واحدٍ منهما يسمى السارقَ اللطيف.
وإن كانت المسألة بحالها، وأخرج الداخل يده [بالمتاع] (١) في النقب إلى خارج، فأخذه الخارج الواقف، وجب على الداخل دون الخارج.
ولو قرّب الداخل المتاع من النقب، وهو في حدّ الدار أو البيت، لم يُخرج يده من النقب، فأدخل الخارج يده وأخرج المتاع، فالقطع على الخارج؛ فإنه تناول المسروق وهو في حد الحرز، فأخرجه منه.
هذا تفصيل القول في هتك الحرز على الانفراد والاشتراك، مع صدور الشركة من الناقب أو من غيره.
١١٠٩٩ - ونحن الآن نذكر التفصيل في السرقة، ومعنى إخراج الشيء من الحرز:
فإذا دخل السارق الحرز وأخرج المسروق. فهذه سرقة، وإن لم يدخل الحرز، وألقى في الدار محجناً فتعلق به إناء أو ثوب، فأخرجه من الحرز، وجب القطع؛ فإن الإخراج من الحرز قد تحقق، فلا أثر لدخول السارق وخروجه، ولو دخل الحرز،
стр. 9058
ورمى المتاع إلى خارج الحرز؛ فإن خرج وأخذه، فالذي صدر منه سرقة على التحقيق، وإن رمى المتاع إلى خارج، ولم يأخذه وتركه حتى ضاع، أو أخذه آخذ آخر، أو اطلع عليه صاحبه، فأخذه، فالمذهب وجوب القطع على هذا؛ فإنه بإلقائه قد أخرج المتاع من الحرز.
وقال أبو حنيفة (١): لا يجب القطع على الملقي إذا لم يأخذ ما ألقاه، أو لم يأخذه مُعينه وردؤه، وفي بعض التصانيف وجهٌ أنه لا قطع على الملقي إذا لم يأخذه، وهذا بعيد، لا أعتد به، ولو فرعنا عليه، فألقاه إلى خارج الحرز، فأخذه صاحبه ومُعينه، فالوجه أنه لا يجب القطع على الملقي إذا كنا نعتبر أخذَه، ويجوز أن يقال: إذا أخذه الواقف خارج الحرز بإذنه، فهذا كافٍ في إتمام مقصوده على هذا الوجه الضعيف الذي نفرع عليه، ولا أصل لهذا الوجه.
ولو وقف خارجَ الحرز وأرسل محجنه، فعلق بطرف منديلٍ، فأخرج ذلك الطرف، ثم تركه ولم يفصله، ولم يخرج كله؛ إذ شُعر به مثلاً، فالذي وجدته للأصحاب أن هذا ليس بإخراج، وإن كان القدر البارز لو فصل، لكان نصاباً؛ فإن هذا لا يسمى إخراجاً من الحرز. والعلم عند الله.
ولو فتح أسفل كُندوج (٢)، فاندفع ما فيه، فالمذهب الأصح أن الخارج إذا بلغ نصاباً، وجب القطع على فاتح الكندوج، وذهب بعض أصحابنا إلى أن ما انفصل وخرج لا يضاف إلى إخراج الفاتح؛ فإن هذا تسبّبٌ وليس إخراجاً حقيقةً، وهذا ضعيف، لا أصل له، والوجه القطع بوجوب الحد؛ لأنه المخرِج في الإطلاق، ولولاه، لما خرج من الكندوج شيء.
١١١٠٠ - ولو كان في الحرز بهيمة فوضع عليها المتاع، نظر: فإن استاقها بسَوْقه إياها، فهذا إخراج من الحرز يتعلق القطع به، ولا نظر والحالة هذه إلى أن يتصل
стр. 9059
خروج الدابة أو ينفصل، فإذا افتتح سَوْقَها وأخرجها، فهو مخرِج للدابة وما عليها، وإن وضع الحمل على الدابة، ولم يسُقها، فسارت الدابة بنفسها، وخرجت من الحرز بما عليها، فللأصحاب طرق: منهم من قطع بأن واضع الحمل عليها ليس سارقاً؛ من جهة أن البهيمة ذات اختيار، وقد انفصلت بنفسها.
وقال العراقيون: إن تراخى مسيرُها عن وضع الحمل عليها، ثم افتتحت المسير، فلا حدّ، والإخراج غير مضافٍ إلى السارق، وإن خرجت الدابة على الاتصال بوضع الحمل عليها، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الإخراج مضاف إلى الرجل، كما لو ساقها، والثاني - أنه ليس مضافاً إليه، بل هو مضاف إلى اختيار البهيمة.
وذكر بعض الأصحاب مسلكاً آخر، فقال: إذا اتصل مسيرُها بوضع الحمل عليها، فالرجل منتسب إلى الإخراج، وإن [تراخت] (١) البهيمة، ثم سارت، فوجهان.
وحقيقة هذا يُحْوِج إلى تجديد العهد بمسألة فتح القفص عن الطائر مع تصوير الطيران، وحاصل ما ذُكر ثَمَّ في إيجاب الضمان ثلاثة أقوال: أحدها - أنه لا يجب الضمان أصلاً، اتصل الطيران أو انفضل، والثاني - يجب الضمان اتصل أو انفصل، والقول الثالث - أنه إن اتصل الطيران وجب الضمان، وإن تراخى، لم يجب.
فالآن نقول: في مسألة الحمل على الدابة ومسيرها، وتحقيق السرقة من الرجل طريقان للأصحاب: منهم من نزل هذا الحكمَ المطلوبَ منزلة الضمان في مسألة الطيران حتى يخرج الأقوال الثلاثة، وتقريب القول فيه أن فتح القفص يُهيج الطائر والحمل على البهيمة والأرباط يَهِيجُها للسير، فقد تساوى المأخذان.
ومن أصحابنا من قطع فيما نحن فيه بنفي السرقة، وإن تردد القول في مسألة الطائر في الضمان، والسبب فيه أن التسبب مضمِّنٌ في الغصوب والإتلافات، والسرقة تعاطي الإخراج بالنفس، وهذا المعنى لا يتحقق مع اختيار البهيمة. ولو فصل فاصل بين بهيمة مطمئنة لا نِفارَ بها، وبين بهيمة ذاتِ نِفار، لكان هذا وجهاً في الاحتمال،
стр. 9060
وهذا الفرق يمكن إجراؤه في فتح القفص وحل الرباط عن طائر أليفة أنيسة (١)، فإنها إذا كانت مطمئنّة، فاختيارها الغالب، وإذا كانت نفورة، فقد يتجه الحمل على التنفير بفتح باب القفص، وحل الرباط.
١١١٠١ - ولو دخل السارق الحرز وفيه ماءٌ جارٍ، فوضع المتاع عليه حتى خرج به من الحرز، فالذي أطلقه الأصحاب أن هذا إخراج من الحرز؛ إذ الماء لا اختيار له في جريانه والملقَى عليه يخرج معه لا محالة.
فإن قيل: إذا شرطتم تولِّي الإخراج وأنكرتم حصول السرقة بالسبب، فلم تجعلوه سارقاً، وهو متسبب، قلنا: السبب الظاهر يُلْحق بالمباشرة فيما يبنى على المباشرة، ولذلك يجب القصاص على المكرِه، كما يجب على المباشر، فإذا لم يكن للماء اختيارٌ، فالتسبب والمباشرة لفظان يؤديان إلى التعلق بما يحصّل الخروج لا محالة من غير أن يعزى إلى اختيار غير السارق.
وقد يرد على هذا أنا إذا قلنا: من فتح كندوجاً أو دِنّاً، فانثال وسال منهما ما يبلغ نصاباً، فلا قطع من جهة التسبب، [فيتجه] (٢) لا محالة أن نقول على هذا القياس: لا قطع على السارق إذا وضع المتاع في الماء، فإن صح ذلك الوجه في الكندوج، تعيّن مثله في الماء.
والوجه القطع بما قطع الأصحاب به في الماء، والاستدلالُ به في تضعيف الوجه المحكي في الكندوج.
١١١٠٢ - ولو دخل السارق الحرز وأكل من الطعام ما بلغ نصاباً، وخرج، فلا قطع؛ فإنه أتلف في الحرز ما أكله، ولم يخرجه.
ولو تعاطى دُرّة، فبلعها، وخرج فحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه: أحدها - أنه مخرج للدّرّة سارق لها، وهذا هو الصحيح، بخلاف الطعام، فإنه يفسد كما (٣)
стр. 9061
غاب عن الفم، والدرّة لا تفسد. والوجه الثاني - أنه لا يكون سارقاً؛ فإن ما بلعه الإنسان لا يدري إلى ما يؤول إليه، فقد أتلف الدرّة إذاً. والوجه الثالث - أنه إن خرج وخرجت الدّرةُ منه، فهو مخرجِ لها سارق، وإن لم تخرج، فلا نجعله سارقاً، فإنما نتبين أنها فسدت وانمحقت.
١١١٠٣ - ومما يتعلق بما نحن فيه أنه لو دخل الحرزَ وفيها شياه، فأخذ شاةً لا تبلغ نصاباً فتبعها شاة، وهي بمجموعها تبلغ نصاباً ويزيد، فقد قال الشيخ أبو علي: إن كانت الشاة بحيث تتبع هذه الشاة إما لكونها أماً لها وهي سِخال، أو لكونها هادياً في القطيع، فيجب القطع. وإن لم يكن الأمر كذلك، ولكن اتفق خروجها مع تيك الشاة، فلا قطع.
وهذا الذي ذكره كلام مبهم والرأي عندنا تخريجها على مسألة الحمل على الدابة ومسيرها؛ فإن هذه الحيوانات مختارة على الجملة، ثم يقع في التفاصيل الغلبةُ على الظن في مسيرها ونقيض ذلك، والاتصال والانفصال، فلْيخزج هذا على ما تقدم، فلا فرق.
هذا كلام بالغٌ في الإخراج من الحرز ومعناه، ويتصل به فصل هو منه، وله تعلق بتفاصيلَ في الأحراز، ونحن نأتي بها في فصل مفرد، إن شاء الله تعالى.
فصل
قال: " وإن أخرجه من البيت والحجرة إلى الدار ... إلى آخره " (١).
١١١٠٤ - مقصود الفصل يتم بالكلام في دارٍ وبيوتها، وفي خانٍ وبيوتها وحُجرها.
فأما القول في الدار يدخلها السارق، فإذا أخرج المتاع من بيت إلى العَرْصَة، ولم [يخرجه] (٢) من الدار، نظر: فإن كان البيت مفتوحاً، أو كان غلقه ضعيفاً، وكان باب الدار مفتوحاً، فالمتاع ضائع غيرُ محرز؛ ذلك أن عماد الحفظ الحصانةُ،
стр. 9062
لا اللّحظُ، فإن كان باب البيت مفتوحاً، وبابُ الدار مغلقٌ موثقٌ فإذا أخرج المتاع من البيت إلى الصحن، نظر: فإن كان ذلك المتاع لا يحرز بالعرصات، فهو ضائع، إذا لم يكن في مخزن يليق به، وإن كان المتاع بحيث يحرز بالعرصات والأبنية الظاهرة والبيت المفتوح، فإذا أخرج المتاع إلى العرصة، لم يكن سارقاً؛ لأنه لم يخرجه من حرز، وهو بمثابة ما لو نقل المتاع من جانب العرصة إلى جانب.
وإن كان البيت مغلقاً، فالبيت حرز في نفسه، والمتاع مما يُحرز بالعَرْصَة، فإن أُغلق عليه بيتٌ، فهو زيادة إيثاق، فإذا فرض الإخراج من البيت إلى العرصة، نظر: فإن كان باب الدار مفتوحاً، فالإخراج من البيت إلى العرصة سرقة موجبةٌ للقطع؛ فإن العرصة ضائعة بسبب فتح الباب، والبيت حرزٌ للمتاع المخرَج منه، فقد أخرج متاعاً من حرزه إلى موضع ليس بحرز، وهذا معنى السرقة.
فإن كان باب الدار مغلقاً، وكان باب البيت مغلقاً أيضاً، وكل واحدٍ من البيت والدار حرزٌ تام في المتاع المخرج، فإذا فرض الإخراج من البيت المغلق إلى العرصة التي كان بابها مغلقاً، ففي وجوب القطع وجهان: أحدهما - أنه يجب نظراً إلى الإخراج، والثاني - لا يجب؛ لأن الموضع الذي نَقَل المتاع إليه لم يكن مضيعة، [فهذا] (١) نقل من حرز إلى حرز، والسرقة الموجبة للحد هي الإخراج من حرز إلى مضيعة، وما ذكرناه فيه إذا كان المتاع بحيث يحرَز بعرصة الدار.
فأما إذا كان المتاع بحيث لا يحرز بالعرصة، وكان في المخزن المستقل بكونه حرزاً؛ فأخرجه إلى عرصة الدار، فإن كان باب الدار مفتوحاً، فالذي جرى سرقةٌ موجبة للحد.
وإن كان باب الدار مغلقاً، فأخرج المتاع من البيت إلى العرصة، ففي المسألة وجهان مرتبان على الوجهين اللذين ذكرناهما في المتاع الذي يحرز بالبيت والعرصة في مثل هذه الصورة: فإن قلنا ثَمّ: يجب القطع بالإخراج من العرصة، فلأن يجب في هذه الصورة أولى، وإن قلنا: لا يجب القطع بتلك الصورة، ففي هذه الصورة
стр. 9063
وجهان. والفرق أن الدار مضيعة بالإضافة إلى الدراهم والدنانير، فالإخراج من المخزن إلى العرصة إخراج من حرزٍ إلى مضيعة، وليس كذلك الصورة الأولى؛ فإن المتاع فيها أُخرج من حرزٍ إلى حرز.
فإن قيل: هذا الفرق ظاهر، فما وجه الخلاف؟ قلنا: باب الدار وإن كان مغلقاً على العرصة، فهو مزيد إيثاق للمال الموضوع في المخزن، فهي [تتمة] (١) الحرز، فإذا فرض إخراج من البيت إلى العرصة، فالعرصة، وإن لم تكن حرزاً بنفسها، فهي مزيد استيثاق للحرز إذا كان الباب مغلقاً عليها.
ومن الأصحاب من يقول: لا تتم السرقة إلا بالإخراج من تمام الحرز.
وإذا جمعنا بين هذه المسألة، وهي إخراج الدراهم من المخزن إلى العرصة المُغلقة بابها، وبين إخراج ثوب من الفرش من بيت مغلق إلى العرصة، انتظم في المسألتين ثلاثة أوجه: أحدها - وجوب القطع فيهما، والثاني - انتفاء القطع فيهما.
والثالث - الفرق بين أن يكون المخرج إلى العرصة مما يحرز بالعرصة، وبين أن يكون مما لا يحرز بالعرصة.
١١١٠٥ - ووراء ذلك بحث به تمام البيان وهو أن السارق لو تسلق الجدار وتدلّى إلى العرصة، وأخرج المتاع من البيت إلى العرصة، فالأمر على [ما] (٢) ذكرناه، وإن فتح الباب، وكان مغلقاً، ثم أخرج المتاع والدراهم من البيت إلى العرصة بعد فتح بابها، فكيف السبيل؟ هذا فيه نظر من جهة أن الحرز الذي يهتكه السارق في حكم الحرز الدائم، ولولا ذلك، لما أوجبنا القطع على من نقب الحرز، ثم دخل فأخرج؛ فإنه بنقبه أخرج الحرز عن كونه حرزاً، هذا وجهه.
ولكن لو قدرنا بقاء العرصة على الحرز، فقد يجرّ هذا تخفيفاً عن السارق، إذا قيل: أَخرجَ من حرز إلى حرز. وإن حكمنا بانتهاك حكم الحرز في العرصة، فإذا أخرج من البيت إليها، استوجب القطع، ونحن جعلنا الحرز في حق الناقب السارق
стр. 9064
حرز التعلق تغليظاً عليه، فقياس هذا الفقه أن نجعل العرصة مضيعة ليلتزم الداخل بالإخراج من البيت إليها القطعَ.
والمسألة محتملة؛ من جهة أن ما أقمناه للتغليظ أو لغيره لا يمتنع أن ينفع السارقَ من وجهٍ، إذ ليس مبنى الباب على التغليظ، وإنما جعلنا الناقب إذا سرق سارقاً؛ لأن صورة السرقة في الغالب كذلك تكون، والذي يتسلق بمرقاةٍ أو حبل وعُقَدٍ ومحجن يُخرج الحرزَ مع تلك الآلة عن كونه حرزاً، فكان ذلك أيضاً تقديم هتك الحرز على الإخراج، فجرى ذلك على حكم الضرورة في تصوير السرقة، فلا نلتزم هذا الأصلَ في كل صورة.
وقد انتهى الكلام في الدور وبيوتها.
١١١٠٦ - ونحن نبتدىء الآن القولَ في الخانات ذوات الحجر والبيوت، فنقول: إذا أُخرج شيء من عرصة خانٍ، وكان بحيث يُحرَز بالعرصة والباب مغلق، نظر: فإن أخرجه بعضُ سكان الخان، فلا قطع؛ فإن العرصة ليست ممنوعة عن سكان الخان، وهذا متضح إذا كان فتح الباب هيناً على الخارج، بأن يكون الإيثاق بالسلاسل والمرازب (١).
فأما إذا كان الباب موثقاً عن السكان، وعليه حارس بيده مقاليد الأغلاق، فإذا كان المخرج للمتاع يحتاج أن يعاني من الكلفة ما يعانيه من يحاول دخول الخان من خارج، فهذا فيه تردد: يجوز أن يقال: يجب القطعُ للإخراج من حرزٍ لا سبيل إلى الخروج منه من غير تسبب إلى هتك الحرز، وحقيقة السرقة التسبب إلى الإخراج من الحرز، ولهذا قلنا: من أرسل محجناً له وأخرج متاعاً من كُوّة، كان سارقاً، وإن لم يدخل الحرز.
ويجوز أن يقال: لا قطع؛ لأن يد ساكن الخان تتوصّل إلى المتاع. وصورة الحرز ما يمنع الآخذ من الأخذ، ويكون متضمناً حيلولة بين من يبغي الأخذ وبين المتاع، والمتاعُ الموضوع في العرصة ليس مصوناً عمن يسكن الخان، والدليل عليه أن من
стр. 9065
استحفظ إنساناً في متاعٍ، ونهاه عن النقل عن موضعه -وكانت المسألة مفروضة في الخان- ولو نقله المستحفَظ، لكان متعدياً ضامناً. فلو فرض من المودَع التعدي (١ بنقل الوديعة والاختيار بهتك الحرز والإخراج منه ١)، فيبعد أن يجب القطع عليه؛ لأن المتاع في يده (٢). كذلك المتاع الملقى في العرصة، وإن لم يجر فيها استحفاظ فتمكُّن ساكن الخان من الوصول إليه في حكم السرقة يُلحقه بالمودَع، وإن لم يكن مودَعاً. هذا كلامنا في الساكن يسرق من العرصة ويخرج.
١١١٠٧ - فأما إذا احتال سارق ودخل الخان، وأخرج المتاع، وهو محرز، فلا شك في وجوب القطع عليه.
فأما إذا سرق بعضُ السكان من بعض، وكان كل واحد في بيت محرز عن أصحابه، فإذا أخرج بعضُ السكان شيئاً من بيتِ ساكنٍ، فهو سارق، وصحن الخان في حق السكان كالسكة بالإضافة إلى الدور التي أبوابها لافظة إلى السكة.
ولو دخل سارق من خارج وأخرج شيئاً من بيتٍ إلى الصحن، فقد قال الأصحاب: تفصيل القول في هذا الفصل كالقول في إخراج متاع من بيتٍ في الدار إلى عرصة الدار، وقد مضى ذلك مفصلاً؛ فإن الخان بالإضافة إلى الخارج منه كدارٍ ذات بيوت وحُجر، فإن قيل: إذا كانت الدار لافظة الباب في سكة منسدّة، وعلى رأس السكة
стр. 9066
درب (١)، والسكة ملك لملاك الدور، فما قولكم فيه إذا دخل سارق وأخرج شيئاً من دار إلى السكة الموثقة بالدرب إيثاق عرصة الخان ببابه؟ قلنا: ما رأيناه للأصحاب أن هذا سرقة ثابتة، وليس هذا خالياً عن احتمال؛ فإن السكة المملوكة لملاك الدور كعرصة الخان لملاك البيوت أو لسكانها.
وقد انتهى الكلام في هذا الفن، ونجز مقصود الفصل.
فصل
مشتمل على بقايا من أحكام الإخراج من الحرز
١١١٠٨ - وقد تقدم القول في مقدار النصاب في صدر الكتاب، ومقصود هذا الفصل شيئان: أحدهما - إخراج نصاب واحد من الحرز بدفعات. والآخر - اشتراك جمع في إخراج نصاب، أو نُصب.
فأما الفصل الأول: إذا نقب السارق الحرز وأخرج نصف نصاب واكتفى، واطلع صاحب الحرز على انتهاكه، فإذا عاد واستتم النصاب، لم يستوجب القطع، ووجهه بيّن.
وإن عاد الشخص وقد سُدَّ الحرز وأوثق، فنقب مرة أخرى، واستكمل النصاب بالدفعتين، فلا قطع؛ فإنه أخرج نصاباً واحداَّ بَسرقتين كل واحدة متميزة عن الأخرى، والفاصل بينهما عَوْد الحرز إلى ما كان عليه أولاً.
وإن لم يُسَدّ الحرز، ولم يشعر به، فعاد وأخرج ما كمل النصاب به، فحاصل ما ذكره الأصحاب أوجه: أحدها - أنه لا قطع لتعدد الفعل والإخراج، وقصور المخرَج في كل كرّة عن مقدار النصاب. والثاني - أنه يجب القطع؛ فإن الحرز لم يُسدّ، ولم يشعر به فيفرض الانتساب إلى التقصير (٢)، فالفعلان في حكم الفعل
стр. 9067
الواحد. والثالث - وهو أعدل الوجوه أن الفعلين إذا تواصلا -من غير تخلل فصلٍ - يجب القطع، وإن انفصل أحدهما عن الثاني بزمان طويل، فلا قطع؛ وكان شيخنا يقول: لو أخرج مقداراً، وانطلق به وعاد، فهذا فصل بين الفعلين، وإن قرب الزمانُ وأسرع الكرّة، وهذا حسنٌ في إيضاح معنى الفصل بين الفعلين في هذا الوجه الثالث.
ومما يتصل بهذا المقصود ذاته أنه لو فتح كُندوجاً، فانثال الحب منه حتى بلغ نصاباً، فلا شك أنه يخرج شيئاً شيئاً، والحبات متقطعة لا تواصل فيها، وإذا قلنا: لو أخرج نصاباً بفعلين متواصلين من غير فاصل لا يجب القطع، فإذا كمل النصاب بالانثيال في فتح أسفل الكندوج، ففي المسألتين وجهان: أصحهما - وجوب القطع؛ فإن ذلك يعد خروجاً بدفعة، ولا يُعَد مقطعاً، والفعل في نفسه غير متعدد، وقد أوردنا مسألة الكُندوج فيما تقدم في غرضٍ آخر؛ إذ حكينا أن من الأصحاب من يقول: الإخراج فيما ينثال لا يتحقق، وذلك مزيف، وقد أوردنا المسألة الآن في غرض
التواصل والتقطع، والأصح التواصل أيضاً، ووجوب القطع.
ولو تعلق بطرف منديل وأخذ يجذبه شيئاً شيئاً، يجب القطع وفاقاً، إذا كان المنديل نصاباً، فليس خروجه شيئاً شيئاً من التقطع في الإخراج وجهاً واحداً. وقد أوردنا هذا في غرض آخر، وهو يعضد ما ذكرناه الآن؛ فإنا قلنا فيما سبق: إذا أخرج من المنديل ما لو فصله، لكان نصاباً، فلا قطع، لأن الذي أبرزه ليس له حكم المخرج من الحرز، ويتضح بهذا أن إخراجه في حكم فعلٍ واحد؛ إذ البعض من غير فصلٍ لا حكم له.
هذا أحد مقصودي الفصل.
١١١٠٩ - والثاني في اشتراك اثنين فصاعداً في الإخراج، فنقول: إذا دخل رجلان الحرز، وحملا معاً ما قيمته نصاب، فلا قطع على واحدٍ منهما، وإن تحقق اشتراكهما في الإخراج على أقصى الإمكان في التصوير، بخلاف ما لو اشتركا في قطع يدٍ، فإنا نقطع أيديهما، كما نقتلهما لو اشتركا في القتل.
стр. 9068
وقال مالك (١) يجب القطع على المشتركَيْن في إخراج النصاب، والفرق المعتمد يرجع عندنا إلى انفصال قاعدة عن قاعدة، فالطرف مصون بالقصاص، والمال مصون بالقطع، ولكن لم يشرع الشارع القطع في أقل من نصاب، لأن النفوس لا تتشوف إلى مصادمة الأخطار لأخذ المقدار النزر، وهذا المعنى يتحقق في الشريكين في سرقة نصابٍ؛ إذ لا يخص واحد منهما نصاب. وهذا المسلك لا يتحقق في الطرف وقطعه، ولو أخرجا ثلث دينار، فلا قطع على واحدٍ منهما، وإن أخرجا نصف دينار، لزمهما القطع؛ إذ يخص كل واحد منهما نصابٌ.
ولو دخلا، فأخرج أحدهما ربعاً والآخر سدساً، فعلى الذي أخرج ربعاً القطع، ولا قطع على مخرج السدس.
وإن اشتركا في الإخراج على الحقيقة، فلا قطع عليهما، والمرتجى في حقيقة الاشتراك التحقيق المعتبر في قطع اليد، وليس هذا كالنقب؛ فإن النقب ليس بسرقة، وإنما هو توصل إليها، والسرقة الحقيقية الإخراج.
فصل
قال: " وإن سرق سارق ثوباً، فشقه ... إلى آخره " ثم قال: " ولو كانت قيمة ما سرق ربع دينار فنقصت القيمة ... إلى آخره " (٢).
١١١١٠ - أما الفصل الأول، فمن فصول الغصب، فمن دخل الحرز، وأخذ ثوباً وشقه في الحرز طولاً أو عرضاً، فلا أثر لما فعل في تثبيت حق الملك له، وإذا أخرجه، وكانت قيمته معتبرة عند الإخراج نصاباً، فيجب القطع. والاعتبارُ في القيمة بحالة الإخراج، وأبو حنيفة (٣) قد يجعل الشق طولاً مثبتاً حق الملك للشاق، ويرتب
стр. 9069
عليه سقوط القطع، فإنه ملك الثوب في الحرز، وأخرج ملكه.
وكذلك لو ذبح شاة، فأخرج لحمها، أو تعاطى لحماً، فشواه وأخرجه مشوياً، فإن كانت قيمة المخرَج نصاباً وقت الإخراج، وجب القطع، ولا أثر لهذه التغايير عندنا [كثيرة أو قليلة] (١) مع العلم بأن الاعتبار في القيمة بحالة الإخراج وإنما اختبط أبو حنيفة فيها، فجعل بعضها مملِّكاً.
١١١١١ - وأما الفصل الثاني [فمعموده] (٢) ومقصوده أن السرقة إذا تمت موجِبةٌ للقطع، فلو فرض طريان تغير بعد تمام السرقة، فلا أثر له، ولا يسقط القطع بما يطرأ بعد الوجوب، فلو تلف المسروق، أو نقصت قيمته: إما بالسوق، أو بطريان آفة، فلا يسقط القطع بشيء من ذلك.
ولو وهب المالك المسروقَ من السارق بعد تمام السرقة، فلا أثر لشيء من هذا، خلافاً لأبي حنيفة (٣) في مسائل أُخَر بيّنَّاها في الخلاف.
ومهما (٤) وجب حد، فلا أثر لما يطرأ بعد وجوبه في إسقاط الحد، وقد ذكرنا في كتاب اللعان أن من قذف شخصاً، فلم يحد حتى زنى المقذوف، فالنص أن القاذف لا يحد، بخلاف ما لو ارتد المقذوف، وقد قدمنا تفصيل المذهب في ذلك ثَمَّ، فلا حاجة إلى إعادته هاهنا.
إذا أقر المالك بأن المسروق كان للسارق، وهو في الحرز، فلا شك أن القطع يسقط، والمعنيّ بسقوطه [تبيُّنُ] (٥) عدمِ ثبوته في الأصل في ظاهر الحكم.
فأما إذا ادعى السارق أن المسروق كان لي، ولم يكن معه بيّنة، فظاهر كلام
стр. 9070
الشافعي أنه يسقط عنه الحد، ونفسُ دعواه تنتصب شبهة في إسقاط الحد عنه. ومن أصحابنا من خرج قولاً أن الحد لا يسقط.
ووجه النص أن الدعوى مسموعة، فإذا لم تكن بينة، فالقول قول المالك مع يمينه، فإن نكل عن اليمين ردت اليمين على السارق، فإن حلف قُضي له بالملك، ولا خلاف في انتفاء القطع، إذا أفضت الخصومة إلى ما ذكرناه. وإن حلف المدعى عليه، فلو أوجبنا القطع، لكان وجوبه متعلقاً بيمين، ويستحيل إيجاب قطع السرقة باليمين.
وعبر الأصحاب عن هذا المعنى، فقالوا: السارق يصير خصماً في المسروق، ويستحيل أن يقطع في الشيء من هو خصم فيه.
ووجه القول الآخر - أن الدعوى العريّة لا أثر لها، ولا وقع لها، ولو فتحنا هذا الباب، لاتخذ السراق دعوى الملك ذريعة إلى إسقاط حق الله تعالى، واللائق بقاعدة الشافعي [إسقاط] (١) الذرائع الهادمة للقواعد إذا كان الوصول إليها متيسراً لا عسر فيه.
ثم ذكر الشيخ في شرح التلخيص صوراً في استكمال هذه الأصول، ونحن نأتي عليها، فلو ادعى السارق أن الدار التي سرقتُ منها ملكي، غصبها المسروق منه، فدعواه الملك في الحرز -على الوجه الذي ذكرناه- كدعواه الملك في المسروق.
وكذلك لو قال: هذا الذي سرقتُ منه مملوكي، فهذا يخرج أيضاً على الخلاف المقدم.
والجملة في ذلك أنه إذا ادعى الملك في شيء لو تحقق ما قاله، لسقط عنه الحد، فمجرد الدعوى فيه تُسقِط القطعَ على النص، وفيه القول المخرّج.
١١١١٢ - ومما يليق بذلك أنه لو اشترك اثنان في سرقة نصابين، ثم ادعى أحدهما أن المال بمجموعه ملكي، فيسقط القطع عنه تفريعاً على النص، أما شريكه، فإن