وإِذا لم نحكم ببطلان الأذان، فالمؤذن يبني على بقية أذانهِ، ويأتي بها، وهل يبنى غيرهُ عليه؟ فعلى هذا القول قولان، فإِنَّ صدور الأذان من رجلين غاية في جرّ اللبس ومدافعةِ مقصود الأذَان.
٦٩١ - ولو أذن مؤذن وأَقام غيره، فالذي قطع به الأئمة أن ذلك جائز، وذَكر بعض المصنفين (١) فيه خلافاً، وزعم أنه مبني على أنه لو خَطب رجل يوم الجمعة، وصلى غيره، فهل يجوز ذلك أم لا؟ وهذا بعيد، وتلقِّي الأذان من الخطبتين غير سديد.
٦٩٢ - ومن تمام القول في ذلك أنه لو تكلم المؤذن ولم يُطوّل ورفع صوته بحيث أسمع من أسمعه الأذانَ، فالذي يقتضيه كلام الأئمة أنه غير ضارٍّ، ولا ينقطع الأذان به، وكان شيخي يتردد في هذا، من جهة أن الكلام يُلبِّسُ على السامعين أمرَ الأذَانِ، كما يتخبط عليهم الأذان بالسكوت الطويل.
٦٩٣ - ولو ارتدَّ المؤذن، ففيه اختلاف نصوص، وتصرف الأصحاب بالنقل والتخريج. وحاصل القول فيه. أنه إِذا أتى ببقية الأذان مع الردةِ، لم يعتد به، كما سيأتي بعد ذلك القولُ في أذان الكافر. وإِن عاد إِلى الإِسلام على قرب من الزمان من غير أن ينقطع الولاء، ففي المسألة قولان: أحدهما -وهو الأصح- أن الأذان معتدّ به؛ لأن الأذان ليس مفتقراً إِلى نيّة هي رابطته، حتى يُقضى بانقطاعها بطريان الردة.
ومن أبطل الأذان ومنع البناءَ عليه، استدل بأن الردة من المحبِطات، فالأذان لو صدر من المرتد، لم يعتد به، وإِن كانت النية غير مرعية فيه، فينبغي أن يحبِط ما مضى بطريانها.
ولو طال الزمان، ثم عاد إِلى الإِسلام، ولم يأتِ في زمان الردة بشيء من كَلِم
стр. 912
الأذان. فالقول الآن يتركب من تأثير الرّدة في الإِحباط، ومن تخلل ما يقطع وِلاءَ الأذان، والخلاف فيه يترتب على أحد الأصلين المتجردين: إما تجرد (١) انقطاع الوِلاء بسكوت، أو طروء الردة، وقربِ الزمان.
فهذا منتهى البيان فيما يتعلق بوِلاء الأذان.
فصل
قال: "وما فات وقته أقام ولم يؤذن (٢) ... إلى آخره".
٦٩٤ - إذا أرادَ قضاء فائتة واحدة، فالمنصوص عليه في الجديد أنه يقيم لها،
ولا يؤذن. ونص في القديم على أنه يؤذن، ويقيم. ونص في "الأمالي" أنه إن رجا
جماعةً أذَّن، وإن لم يرجها، اقتصر على الإقامة. فكأنه في "الجديد" اعتبر حرمة
الوقت، واعتبر في "القديم" حرمة الصلاة، واعتبر في "الأمالي" الجماعة.
ولو أراد أن يقضي فوائت وِلاء، ففي الأذان للأُولى منها الأقوال الثلاثة، ويقيم
لها، ولكل فائتة بعدها إقامة، ولا يؤذن لغير الأولى، قولاً واحداً.
وقال أبو حنيفة (٣): يؤذن لكل فائتة ويقيم، ولو كان يقضي فائتة في وقت أداء
فريضة، وكان يؤدي بعدها فرضَ الوقت، فإن أدى فرضَ الوقت أوَّلاً، أذَّنَ وأقام،
ويقيم للفائِتة ولا يؤذن.
ولو أراد تقديم الفائِتة، ففي الأذان لها الأقوال الثلاثة، ثم إن رأى أن يؤذن لها، فلا ينبغي أن يؤذن للأداء بعدها؛ فإِنَّ أذانين لا يتواليان، وإن لم يؤذِّن للفائتة -في قول- بل اقتصر على الإقامة، فيؤذن للصلاة المؤدّاة في وقتها، ويقيم ويؤدي.
стр. 913
٦٩٥ - ومما يتعلق بهذا تفصيل القول في الجمع بين الصّلاتين، فإن قدم العصر إلى وقت الظهر، فلا شك أنه يقدم الظهر، فيؤذن ويقيم، ثم يقتصر على الإقامة لصلاة العصر، ولا يسوغ غير هذا؛ فإنه لو أذن لصلاةِ العصر لانقطع وِلاء الجمع، ولا خلاف أن الموالاة مرعية في جمع التقديم.
على أنا ذكرنا أن توالي الأذانين لا سبيل إليه إلا في صورة واحدة على قولٍ، وهي إذا قضى فائتة قبيل الزَّوَال وأذن لها على قولٍ، ثم لمّا فرغ من الفائِتة زالتِ الشمس، فأرَادَ إقامة الظهر في وقته، فإنه يؤذن لا محالة؛ فإن الأذان الواقع قبل الزوال لم يكن معتداً به عن أداء صلاة الظهر، ولم يكن دعاءً إلى صلاة الظهر.
ولو أخر الظهر إلى وقت العصر، فسيأتي في كتاب الجمع الخلاف في أنه هل يجب رعاية الترتيب والموالاة في هذا الجمع؟ فإن قلنا: يجب، فيبدأ بالظهر، ثم يأتي بالعصر، قال الأئمة: هل يؤذن لصلاة الظهر أم لا؟ فعلى الأقوال في قضاء الفائتة؛ فإن هذه الصلاة في حكم الفائتة؛ من حيث أخرجت عن وقتها المعتاد، والأذانُ المتفق عليه إنما يجري دُعاءً إلى الوقت المعتاد للصلوات. فإن قلنا: لا يؤذن لصلاة الظهر، فلا يؤذن أيضاً للعصر؛ فإنه على إيجاب رعاية الموالاة يفرعّ، والأذانُ لو تخللَ، لقطعَ الموالاة.
وهذا فيه نظر عندي. ويظهر أن نقول: يؤذن قبل صلاة الظهر، ثم ينقدح في تعليل ذلك وجهان: أحدهما - أن الصلاة مؤداة، وهذا وقت أدائها في السّفر إذا أُخِّرت. والآخر - أنه يبعد أن يدخل وقت العصر ولا يؤذن له، ثم لا يمتنع أن يقال: يقع الأذان لصلاة العصر، ويقدّم عليها صلاةُ الظهر، والإنسان يؤذن لصلاة، ثم يأتي بعد الأذان بنوافل وتطوعات إلى أن تتفق الإقامة.
فالوجه عندي: القطع بأنه يؤذن قبل صلاة الظهر ويقيم، ثم يقيم بعد الفراغ من صلاة الظهر، ويفتتح صلاة العصر.
فهذا كله إذا قلنا: يجب رعاية الترتيب والموالاة.
стр. 914
٦٩٦ - فأما إذا قلنا: لا يجب رعاية الموالاة والترتيب، فصلاة الظهر على هذا (١) مقضِيَّة، فإن قدّمها، ففي الأذان لها الأقوال المقدمة، ثم إن أذن لصلاة الظهر على قول، فلا يؤذن مرة أخرى لصلاة العصر، وإن قلنا: لا يؤذن لصلاة الظهر، فيقيم لها ثم يؤذن لصلاة العصر؛ فإن الموالاة ليست مشروطة، فلا بد من الأذان، فإن صلى العصر أولاً، فيؤذن لها ويقيم، ثم يقيم لصلاة الظهر، ولا يؤذن، كالذي يقيم فريضة مؤداة، ويُعقبها بفائتة يقضيها، فإنه يؤذن ويقيم للصلاة المؤداة، ويقيم للصلاة المقضية.
٦٩٧ - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أنا إذا قلنا: يجب رعاية الترتيب، فعليه أن يقدم صلاة الظهر، فلو قدم صلاة العصر، فقد أساء فيما فعل؛ فإنه حرَّم على نفسه رخصة الجمع، وصلاةُ العصر المقدّمة صحيحة، ولكن تعتبر صلاة الظهر في حكم صلاة أخرجت عن وقتها من غير عذر.
فإذا وضح هذا، فإذا قدم العصر، فقد قال بعض المصنفين (٢): صلاة العصر في هذه الصورة في حكم صلاة مقضية؛ فإنها أخرجت عن وقتها المؤقت لها شرعاً في ترتيب الجمع المثبت رخصة. وهذا خطأ صريح لا وجه له؛ فإن صلاة العصر مؤداة في وقتها قطعاً، وما جرى من إخلالٍ بالترتيب آيلٌ إلى صلاة الظهر؛ فإنها خرجت عن حكم الرخصة إلى تفريط التفويت. فهذا منتهى القول في ذلك.
стр. 915
فصل
قال: "إذا سمع المؤذن أحببتُ أن يقول مثل ما يقول ... إلى آخره" (١).
٦٩٨ - إجابة المؤذن مستحبة إذا سمع السامعُ الأذانَ، ولم يكن في الصلاة، والأكمل أن يقول مِثلَ ما يقول حرفاً حرفاً، إلا إذا قال: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، فإن المجيب يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنّ معنى الكلمتين الدعاء، ولا يليق بالمدعوّ أن يعيد كلمة الدعاء، ولكن ينبغي أن يقول إذا سمع الدعاء: لا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هذا نَقْلُ الأثبات عن السلف، وفيه التبرّي من الحول والقوة، مع الاعتصام بالله تعالى. ثم إذا قال: "الله أكبر" قال مثل ذلك وإذا قال: "لا إله إلا الله" قال مثل قوله.
وتستحب إجابة المقيم كما تستحب إجابة المؤذن.
وإذا قال المؤذن في صلاة الصبح: "الصلاة خير من النوم" فجوابه به "صدقت وبررتَ" وإذا قال: "قد قامت الصلاة"، فجوابه "اللهم أقِمها وأدِمها، واجعلني من صالحي أهلها".
وقد روي أن النبي ﷺ قال: "من سمع المؤذن يؤذن، فليقل مثل ما يقول المؤذن" (٢). وقد روي أنه ﷺ قال: "من قال بعد فراغ المؤذن: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، حلت له الشفاعة" (٣).
стр. 916
ثم اختلف نص الشافعي في أن الرّجل لوْ كان في الصّلاة، فسمع الأذان، هل يُجيب أمْ لا؟، فذكر الأئمة قولين، وكان شيخي يذكرهما في الاستحباب، ويقول: لا تستحب الإجابة فيِ الصلاة في قولٍ؛ فإن الصلاة مشحونة بوظائف القراءة والأذكار، فينبغي ألا يُغيَّرَ ترتيبُها ولا يَثبُت فيها حُكمٌ من أمرٍ خارج منها، وفي قولٍ: يستحب؛ فإنها أذكار، ولو أُخِّرت، فقد يطرأ عائق في تداركها، وأيضاً فإنا أمرنا بالإجابة، والإجابة متصلة بالمسمُوع، فإذا أخرت، لم تكن إجابةً، ثم كان يقول: إن قلنا: لا تجب في الصلاة، فإذا تحلَّل، أعاد تلك الكلمات.
وذَكر آخرون: أن القولين فى إثبات الكراهية ونفيها، فأمَّا الاستحباب، فلا، قولاً واحداً، وكأنّا نكره في قولٍ، ولا نكره في آخر.
وذكر الشيخ أبو علي (١) أن المسألة ليست على قولين، بل نقطع بنفي الاستحباب.
ولا يكره ولا يستحب، قولاً واحداً، بل هو مباح. وهذه الطريقة هي المرضية.
ثم من يرى الإجابة، فلا شك أنه ينهى عنها في أثناء قراءة الفاتحة؛ فإن القراءة يُقطعُ وِلاؤها بكلِّ ذكر.
وقد رأيت في كلام صاحب التقريب رمزاً إلى أن إجابة الإقامة -وهي على إدرَاج (٢) - لا نراها، وإنما تجاب كلمة الإقامة، وهي قول المقيم "قد قامت الصلاة". وهذا فيه احتمال، ولكن الظاهر ما قدّمناه من قول الأصحاب (٣).
стр. 917
ثم إذا لم يُجب في الصلاة، فينبغي أن يأتي بالأذكار، كما (١) يتحلل، ولو طال الفصل. وهذه تشبه ما لو ترك التالي سجدة التلاوة، ففي أمره بالتدارك تفصيل، سيأتي إن شاء الله تعالى.
فصل
يجمع أحكاماً سهلة المأخذ في الأذان، فنسردها، ونصدِّر كلَّ حكم بقول الشافعي فيه في المختصر.
قال: "وترك الأذان في السفر أخف منه في الحضر" (٢).
٦٩٩ - والسَّبب فيه أن المسافر حريّ بالتخفيف عنه، ورخص السفر شاهدة في ذلك أيضاً؛ فإن المسافرين مجتمعون إذا نزلوا، فلا حاجة إلى أذان يجمع المتفرقين، بل يكفي إقامة تنبه على قيام الصَّلاة.
قال: "والإقامة فرادى" (٣).
٧٠٠ - مذهب أهل الحديث (٤) إفراد الإقامة. ثم مذهب الشافعي المشهور في إفراد الإقامة ما نرى على أبواب مساجد أصحابه، وكأنه ﵁ فهم من الإفراد ردَّ التكبيرات الأربع في صدر الأذان إلى شطرها، وذلك يقتضي التكبير مرتين، وردَّ الشهادة إلى مرة، لما ذكرنا من التنصيف.
وأما كلمة الإقامة، فإنها على التثنية مستحقة (٥) في الإقامة فتُثنَّى، ولم يجر لها ذكر في غيرها؛ حتى ترد إلى الشطر فيها. ثم يقول المقيم بعد كلمة الإقامة: الله
стр. 918
أكبر، الله أكبر، كما يقوله في الأذان في هذا الوضع، ويقول: لا إله إلا الله.
وذهب مالك (١) إلى حقيقة الإفراد في جميع الكلم، فيقول: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، ويقول: قد قامت الصلاة مرةً، الله أكبر مرةً.
وقال الشافعي: "إن كنت تتحقق الإفراد، فاقتصر على التكبيرة الوَاحدة، ولا تَعُد إليها بعد كلمة الإقامة"، وللشافعي قول في القديم مثل قول مالك، وحَكى بعض الأصحاب قولاً ثالثاً: أنه وافق مالكاً في جميع مذهبه، إلا أنه كان يرى الله أكبر مرتين في صدر الإقامة [ويقول "الله أكبر" مرة واحدة بعد كلمة الإقامة؛ ليكون قد ردّ الإقامة إلى شطر الأذان] (٢)، وهو في هذا القول يوحد كلمة الإقامة، كما قال مالك.
فهذا بيان المذاهب.
والذي استقر عليه مذهبه في الجديد ما ذكرناه. والألفاظ الوَاردة في إفراد الإقامة كثيرة، معظمها في الصحاح، وكل ما روي في التثنية، فمعلول أو مرسل، والاحتجاج على القائلين بالتثنية سهل.
٧٠١ - وبالجملة المذاهب ثلاثة: أحدها - التثنية، والثاني - مذهب مالك [وقول] (٣) قديم في الإفراد، كما تقدمت الحكاية. والوسطُ مذهب الشافعي في الجديد. ومعتمد هذا المذهب ما رواه ابن عمر قال: "كان الأذان مرتين مرتين والإقامة مرة واحدة (٤) إلا قوله قد قامت الصلاة، فإن المؤذن كان يقولها مرتين" (٥).
стр. 919
ورواه غيره بألفاظ تداني هذا اللفظ، والتعرض لتثنية كلمة الإقامة مرتين نَص في الرد على مالك (١)، وهو يبطل أيضاً مذهب أبي حنيفة (٢) في حمل الإفراد في الإقامة على إفراد الصوت في كل صنف؛ فإن استثناء قد قامت الصلاة مبطل لهذا المسلك في التأويل.
٧٠٢ - ومما يوضح الغرض أنه وقع التعبير في بعض الألفاظ عن الأذان بالتثنية، مع العلم بأن التكبير فيه مُرَبع، فالإِفراد المذكور في الإِقامة على مقابلة تثنية الأذان يقتضي التشطير لا محالة، ولَمَّا تقرر في عرف الشرع ذلك، كان التكبير مرتين بعد الحيعلتين في الأذان، وبعد كلمة الإِقامة في الإِقامة في حكم المفرد. وهذا إِذا تأمله المُنصِف ألفاه أسدَّ المذاهب وأقواها إِن شاء الله تعالى.
٧٠٣ - قال: "ويزيد في أذان الصبح التثويب" (٣).
وهو أن يقول المؤذن بعد الحيعلتين: "الصّلاة خير من النوم" مرتين، والذي نص عليه الشافعي في القديم، أن ذلك مستحب مشروع وقد صح أن بلالاً كان يثوِّب كذلك، وقال في "الجديد" (٤): أكره التثويب (٥)؛ لأن أبا محذورة لم ينقله.
والطريق المشهورة نقل القولين.
وقد قال الأئمة: كل قولين أحدهما جديد، فهو أصح من القديم، إِلا في ثلاث مسائل، منها مسألة: التثويب. وسنذكر مسألتين أخريين عند الانتهاء إِليهما.
وقد ذكرَ الصيدلاني طريقةً حسنةً، وهي أنه قال: ذهب أصحابنا المحققون إِلى قطع القول باستحباب التثويب، وقد اعتمد الشافعي في الجديد حديث أبي محذورة، وقد صح عنده بطرق أنه كان لا يثوب. وكل حكم اعتمد الشافعي فيه الخبر -وقد بلغه الحديث لا على وجهه أو لم يبلغه التمام- فنحن نعلم قطعاً أنه لو بلغه الحديث على
стр. 920
خلاف ما اعتقده وصح على شرطه، لكان يرجع إِلى موافقة الحديث. فكأنه في (الجديد) قال: مذهبي في التثويب ما صح من قصّة أبي محذورة.
٧٠٤ - قال: "وأحب ألا يُجعَل مؤذن الجماعة إِلا عدلاً ثقة؛ لإِشرافه على الناس" (١).
قوله: "لإِشرافه على الناس" يحتمل وجهين: أحدهما - لإِشرافه في الغالب على المساكن والبيوت، لصعود منارة أو نَشَز (٢)، وقد يقع بصره على العورات. والثاني - لإِشرافه على الناس في مواقيت أشرف العبادات.
قال: "وأحبّ إليَّ أن يكون صيِّتاً حسن الصوت ليكون أرقَّ لسامعه" (٣).
لأن الدعاء من العادات إِلى العبادات جذبٌ إِلى خلاف ما يقتضيه استرسال الطبائع، فينبغي أن يكون الداعي حلو المقال؛ لترق القلوب، وتميل إِلى الاستجابة.
قال: "وأحب أن يكون الأذان على ترسلٍ، من غير بَغْي وتمطيط يزيل نظم حروف الكلم، وتكون الإِقامة على إدراجٍ، مع الوفاء بالبيان" (٤).
وبالجملة الأذان افتتاح الدعاء ليتأهب المتأهبون، فيليق به الترسل لغرض الإِبلاغ، والإِقامة للانتهاض للصلاة وتنبيه الحاضرين، فيليق به الإِدراج، ثم المرعي الوسط في الأمرين جميعاً.
стр. 921
٧٠٥ - قال: "وأحب أن يكون المصلي بهم صالحاً فاضلاً ... إلى آخره" (١).
الكلام في صفة الأئمة يأتي بعد ذلك في باب، والغرض الآن ذكر كلام الأصحاب في أن القيام بالتأذين أفضل، أو القيام بالإِمامة؟ وقد اشتهر فيه خلاف، قال الصيدلاني: من أئمتنا من قال: التأذين أفضل؛ فإِن النبي ﷺ قال: "الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء" (٢)، ومنصب الأمين أفضل وأعلى من مرتبة الضامن. وقال ﵇: "المؤذنون أطول أعناقاً يوم القيامة" (٣)، (٤).
وقد اختلف في تفسيره، فقيل: أكثر الناس أتباعاً من الذين شُفعوا فيهم، والعُنق الجمع من الناس. وقيل: معناه أحراهم بالأمن؛ فإن الآمن في المجامع [يتشرف] (٥)، والخائف يتطامن ويستخفي. وقيل: أصدقهم رجاء، ومن رجا شيئاً امتدّ عُنقه نحو ما يرجوه. وقيل: معناه لا يلجمهم العرق.
وكان شيخي يؤثر تفضيل الإمامة، وسمعتُه في نوب يقطع بذلك وزَيفَ ما عدَاهُ،
стр. 922
ووجهه لائح؛ فإنَّ أظهر الأغراض من الأذان الاستحثاث على الجماعات، والإمامة عين القيام بعقد الجماعة، والقيام بالشيء أولى من الدعاء إليه. وما روي عن النبي ﵇ أنه قال: "الأئمة ضمناء" تنبيه على عظم خطر الإمامة، وذلك يشعر بعلو قدرها، مع الحث على التوقي من الغرر.
فإن قيل: لم كان لا يؤذن ﵇؟ - قيل: تردد فيه الأئمة، فقيل: كان لا يتفرغ إلى رعاية ذلك، ولم يكن من إقامة الصّلاة بُدٌّ على حال، فآثر الإمامة عليها.
وقيل: لو أذّن، لقال: أشهد أن محمداً رسول الله، وهو محمد، فكان خارجاً عن جزل الكلام، ولو قال: أشهد أني رسول الله، لكان تغييراً لنظم الأذان المعروف، ولو قال: حيَّ على الصلاة، لكان معناه: هلموا، وذلك أمر ودعاء، فكان يتحتم حضور الجماعات، فأشفق على أمته، ولم يؤثر أن يُلزمهم ما قد لا يفونَ به.
قال: "وأحب أن يكون المؤذن اثنين" (١).
٧٠٦ - إذا كان المسجد كبيرا أو مطروقاً، فينبغي أن يُرتَّبَ فيه مؤذنان، اقتداء بما كان في مسجد رسول الله ﷺ ، فإنه كان فيه بلال وابن أم مكتوم، ومن أظهر الفوائد فيه أن يؤذن أحدهما للصبح قبل طلوع الفجر، ويؤذن الثاني بعد طلوعه، قال ﵇: "إن بلالاً يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابنُ أم مكتوم" (٢).
وإذا كثر المؤذنون، فلا يستحب أن يتراسلوا بالأذان، بل إن وسع الوقت ترتبوا، وإن ضاق تبدَّدُوا في أطراف المسجد وأذَّنوا، فيكون كل واحد منفرداً بأذانه، ويظهر أثر ذلك في الإسماع والإبلاغ.
ثم لا يقيم في المسجد إلا واحد. وإن كثر المؤذنون، فولاية الإقامة لمن أذن أولاً، والأصل فيه أن بلالاً غاب عن معسكر رسول الله ﷺ في حاجة له؛ فأذَّنَ رجل من بني صُداء، فلما رجع بلال، همَّ بأن يقيم في وقت الإقامة، فقال ﵇: "إن أخا صُداء قد أذن؛ وإن من أذن فليقم" (٣).
стр. 923
فإن أذن المؤذنون معاً في مواضع متفرقة، وتشاحُّوا في الإقامة، أُقرع بينهم. ولو سبق إلى الإقامة سابق، وقد أذن مؤذن قبله، ففي الاعتداد بالإقامة كلام، وقد ذكرته قبلُ عند ذكر بناء مؤذن في بعض الأذان على من صدر منه صَدْرُ الأذان (١).
٧٠٧ - وممَّا يتعلق بما نحن فيه أن وقت الأذان مفوّض إلى نظر المؤذن العالم العدل، ووقت الإقامة مفوّض إلى إمام المسجد؛ فإنَّ إقامة الصَّلاة إليه، فليراجَع في الإقامة، فإن سَبق إلى الإقامة من يقيم وتعدّى هذا الأدب، كان مُسيئاً، وفي الاعتداد بما جاء به تردّد للأصحاب، ولم يصرِّحوا به، ولكنه بيّن في كلامهم.
وإذا كان في المسجد مؤذن راتب، فتقدم عليه متقدم، وأذن، ثم أذن المؤذن الراتب فيه، ففي ولاية الإقامة ومن يكون أولى بها تردد ظاهر، وهو لعمري محتمل، فيجوز أن ينظر إلى تقدم الأذان؛ من جهة أنه يعتد به ويجوز الاكتفاء به، ويجوز أن يقال: إذا لم يقصِّر المؤذن الراتب، فمن سبقه في حكم المسيء، فلا يستحق بإساءته الإقامةَ، والقصة التي ذكرناها لبلال والصُّدائي كانت في غيبة بلال، وكان الصُّدائي أذَّن بإذْنِ رسول الله.
قال: "ولا يرزقُ الإمام مؤذناً وهو يجد متطوعاً (٢) ... إلى آخره".
٧٠٨ - الإستئجار على الأذان وتفصيل القول فيما يجوز الاستئجار عليه من هذه الأصناف نذكره في أول كتاب الصّداق، إن شاء الله تعالى، والقدر الكافي هاهنا أن الإمام وكُلَّ من يلي بإذن الإمام هذا الأمر يستأجر على الأذان، وهل لآحاد الناس أن يستأجروا مؤذناً؟ فيه خلاف، والمذهب الصّحيح أنه يجوز. ثم الإمام لا يبذل مالَ بيت المال هزلاً، فإن كان يجد من يتطوع بالأذان، لم يستأجر من مال المسلمين، فإن لم يجد متطوعاً، فيستأجر حينئذ. ثم ظاهر النص أنه لا يستأجر أكثر من مؤذن
стр. 924
واحد، والمراد به أنه لا يستأجر في مسجد واحد أكثر من مؤذن، ولو كان صوت مؤذن واحد لا يُسمع أهل البلدة، فلا بد من استئجار من يبلُغ صوتهم أهلَ البلدة، وإن بلغوا عدداً. وقد رُوي أن عثمان في خلافته كان يرزق أربعة من المؤذنين، وهو محمول على مَا ذَكرناه من تحصيل الغرض من إسماع أهل البلدة.
وحكى بعض المصنفين عن ابن سُرَيج (١) أنه كان يجوِّز للإمام أن يستأجر أكثر من واحد.
والقول الكافي في ذلك: أن الإبلاغ مما لا شك في جواز الاستئجار بسببه، سواء حصل بواحد، أو جَمْع، فأمّا ما يزيد على هذا من إقامة [مؤذنين] (٢) في مسجد كبير، فهو في حُكم رعاية الأحرى والكمال، وظاهر النص المنعُ من بذل المال فيه.
والوجه عندي فيه أنه إن كان يحتاج إلى المال لأمور واجبةٍ، أو مهمة بالغةٍ في مرتبتها مبلغ أصلِ التبليغ في الأذَان، ولَو صُرِف المال إلى الأولى والكمال، لتعطلت الأصول المرعيّة، فلا نشك أن الصرف إلى التكملة مع تعطيل الأصل غيرُ جائز، فأما إذا وسِعَ المال الأصول، وفَضَلَ، وتصدى للإمام أمران: أحدهما - الاستظهار بالادِّخار واعتماد ذخيرة في بيت المال، والآخر الصرف إلى تكميلات الأمور، فهذا محل النظر، ونصُّ (٣) الشافعي عندي محمول على هذه الصورة، فلعله يرى الادخارَ، وفيه احتمال ظاهر، والقول في مصارف أموال بيت المال الكبير في هذه الفنون، يتعلق بالإيالة (٤) الكبيرة، ومن أرادها على كمالها، فعليه بالكتاب "الغياثي" (٥) من مصنفاتنا.
стр. 925
ولو بلغ اتساعُ المال مبلغاً لا ينقُصه مثل هذا. فالظاهر عندي القطع بصرف المال إلى التكملات.
ولو وجدَ الإمام متطوعاً بالأذان حسن الصوت، ووجد آخر بالأجر حسن الصوت، رقيقه، فقد كان شيخي لا يرى بذل المال في تحصيل حُسن الصوت ورقته، وهذا خارج عندي على قياس القول في المؤذن الثاني في المسجد الكبير.
٧٠٩ - وقد نجزت مسائل الأذان، ونحن نختمها بذكر من هو من أهل الأذان ومن ليس أهلاً له، فنقول:
من ليس له قصدٌ صحيحٌ، لو اتفق منه نظم كلمة (١) الأذان، فلا يعتد بأذانه، كالمجنون، وهو كالهاذي. والسكران، أمره خارج على الخلاف في تصرفاته، فإن جعلناه من أهلها، فقصده كقصد الصَّاحي، فلو نظم الأذان اعتدّ به.
والصبي المميز من أهل الأذان، فإنَّ قصده صحيح في العبادات، وكيف لا يصح أذانه، وإمامته في الصلوات المفروضة صحيحة؟.
المرأة إذا أذّنت للرجل أذانَ الإبلاغ، لم يعتدّ بأذانها، كما لا تصح إمامتها، فأمّا إذا كانت تؤذن في نفسها، ففيه الخلاف المقدّمُ في صدر الباب.
وأمّا الكافر، إذا أذّن -ويمكن فرض كافر مستمر على كفره مع فرض الأذان- فإن العيسوية (٢) يقولون: محمد رسول الله إلى العرب. فلا ينافي مُطلقُ الأذان مذهبَهم.
ومن أذَّن منهم للمسلمين، لم يعتد بأذانه؛ فإن الأذان دعاء إلى الصلاة، والكافر ليس من أهل الصلاة؛ فكيف يكون من أهل الدعاء إليها، والمرأة لم تكن من أهل إمامة
стр. 926
الرجل، لما فيها من الشهرة، فلم تكن من أهل الأذان، فكيف يغمُض أن الكافر ليس من أهل الأذان، ثم الكافر ممنوع من سَرْد الأذان، وإظهار الشعار، وهو محمُولٌ منه -مع الإصرار- على الاستهزاءِ، كما تُمنع المرأة من أذان الإبلاغ.
فهذا تفصيل القول فيما أردناه، فإن قيل: فلم صححتم أذان الجنب، وليس هو من أهل الصلاة؟ قلنا: هو من أهلها ومن أهل التوصل إليها على قرب.
فصل
قال: "وأحب تعجيل الصلاة لأول وقتها ... إلى آخره" (١).
٧١٠ - إقامة الصلاة في أوائل الأوقات من أحسن شعائر أصحابنا. والأصل فيه ما روى أبو بكر الصِّديق ﵁ عن النبي الصَّادق المصدوق، أنه قال: "أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله" (٢). قال أبو بكر: يا رسول الله، رضوان الله أحب إلينا من عفوه. [قال الشافعي ﵁: ورضوان الله لا يكون إلا للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين] (٣).
وهذا جارٍ في الصلوات المفروضات، خلا صلاة العشاء، ففيها قولان: أحدهما - أن التعجيل أفضل فيها أيضاً، تعلّقاً بعموم الحديث الذي رويناه، والثاني - التأخير أفضل، لما روي عن النبي ﵇، أنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت العشاء إلى نصف الليل" (٤).
стр. 927
وقد يلوح في هذه الصورة معنى، وهو أن من أقامها فقد يبتدره النوم، ومن أخرها فقد يوفَّق لصلاةٍ أو غيرها من الخيرات قبل المنام.
ومما يستثنى من القاعدة، الإبراد بصلاة الظهر، والأصل فيه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "اشتكت النار إلى ربها، فقالت: قد أكل بعضي بعضاً، فأَذِن لها في نَفَسَينِ، نَفسٍ في الشتاء ونَفَسٍ في الصيف، فأشد ما تجدون من الحرّ من حرها، وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها، فإذا اشتد الحر، فأبردوا بالصلاة، فإن شدّة الحر من فَيْحِ جهنم" (١).
فالذي صار إليه معظم الأئمة أن الإبراد بصلاة الظهر في الحرّ سنة.
وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: أن من أئمتنا من عدَّ الإبرادَ رخصة، ولم يره سنة، والحديث الذي رويناه يدل ظاهره على أن الإبراد محثوث عليه، مأمور به.
ثم ذكر الشيخ أبو علي أن الإبراد -رخصةً كان أو استحباباً- مخصوص بالبلاد الحارة. وكان شيخي يُجريه في بلادنا المعتدلة في شدة الحر، فإن الحر في هذه البلاد ينتهي إلى مبلغ يتأذى المشاة فيه بالمشي في إشراق الشمس، فالمرعي رفعُ الأذى.
وقد ذُكر أن النهيَ عن استعمال الماء المشمس يختص بما شُمِّسَ في البلاد الحارة، والسببُ فيه، أن المحذور منه أثر طبِّي، وهو يختص بحِلابة تتحلّب من النُّحاس وغيره فتلقَى البشرةَ، وهذا لا يتوقع في البلاد المعتدلة، والتأذي بحرِّ الشمس جار في البلاد المعتدلة والحارة جميعاً.
ثم الغرض من الإبراد تأخير الصلاة في الظهر إلى أن يظهر فيء الأشخاص (٢)، فيمشي الماشون في الفيء إلى الجماعات، وليس المعني بالإبراد الانتهاء إلى برد العَشيِّ؛ فإن ذلك قد لا يحصل في البلاد الحارة، وإن دخل وقتُ العصر. ثم ذكر
стр. 928
الشيخ: أن التأخير بسبب الإبراد لا يُخرج الصلاة عن النصف الأوَّل من المثل (١) الأول. والأمر على ما ذكره.
وإذا وضح أن المقصود من الإبْراد سهولة المشي إلى الجماعات، فلو كان الرجل يصلي في منزله، فلا إبراد في حقه، فليبادر الصّلاة في أول وقتها، وكذلك إن كان ممشى الناس من موضعهم إلى المسجد في كِن، فلا إبراد.
وكان شيخي يحكي وجهاً أن من الأئمة من يعمم الإبراد في حق الناس كافة، ولا يعدِم هذا الإنسان (٢) نظائر ذلك، وفيه معنى: وهو أن الناس يقيِّلون في وقت الاستواء، ويقتضي ذلك تأخيرَ وقت صلاة الظهر قليلاً، وهذا لا أعُدُّه من المذهب، والوجه القطع بالمسلك المتقدم.
وذكر بعض المصنفين وجهين في الإبراد بالجمعة: أحدهما - أنه مستحب في أوانه، اعتباراً بصلاة الظهر في كل يوم.
والثاني - أنه لا يستحب؛ فإنه لو تأخر خروج الإمام ثم قدّم الخطبتين، فيوشك أن تتأخر الجمعة عن وقت الإبراد في صلاة الظهر، والجماعة فيها [محتومة] (٣)، وقد يؤدي علم الناس بالتأخير، إلى التكاسل، [ثم تفوت الجماعة] (٤) إذا تخاذل كثير من الناس.
وذكر أيضاً وجهين في الإبراد في المسجد الكبير المطروق، والوجه في منع الإبراد -إن صح الخلاف- أن المسجد الكبير يشهده أصناف، ولا يتأتى التّواجد منهم على حد الإبراد، فقد يسبق أقوامٌ، فيحتاجون إلى الانتظار في المسجد، فأما المسجد الصغير في محلة لا يطرقه إلا مخصوصون في الغالب، فيتأتى منهم التواطؤ على الإبراد، والتنصيص على انتظار وقته، فإن فرض سبق سابق غريب إلى مثل هذا المسجد، فهو في حكم النادر الذي لا يُخرم به الأصل.
стр. 929
ومما يتعلق بهذا الفصل، القول في بيان فضيلة الأولية، ومحاولة الضبط فيها بتحديد أو تقريب، وقد ذَكرناهُ في باب المواقيت في الفصل المشتمل على بَيانِ وقت المغرب (١).
...
стр. 930
باب استقبال القبلة، وأن لا فرض إلا الخَمس (١)
٧١١ - الأصل في الباب أن رسول الله ﷺ كان يستقبل الصَّخرة من بيت المقدس مدّة مقامه بمكة، وهي قبلة الأنبياء، وإياها كانت اليهود تستقبل، وكان ﵇ لا يؤْثر أن يستدبر الكعبة، وكان يقف بين الركنين اليمانيين، ويستقبل صَوْب الصخرة، فلمّا هاجر إلى المدينة، لم يمكنه استقبالُ الصخرة إلا باستدبار الكعبة؛ فشقّ ذلك عليه، وعيّرته اليهود، وقالوا: إنّه على ديننا، ويصلي إلى قبلتنا، فمكث كذلك ستة عشر شهراً. ثم قال يوماً لجبريل ﵉: "أنى يُكتب أن يُوجّهني رَبي إلى الكعبة" (٢)؟ فقال: سله؛ فإنّك من الله بمكان، فدعا رسولُ الله ﷺ ، وصعد جبريل ﵇، فلمّا كان وقتُ العصر، وأذّن بلال، خرج النبي ﵇ ينظر في أطباق السماء، يتوقّع نزولَ جبريل ﵇. فنزل ﵇ بقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]
ثمّ ذكر الشافعي أن استقبال القبلة شرطُ صحة الصلاة. واستثنى الصلاةَ في شدّة الخوف، والتحام الفريقين، ومطاردةِ العدوّ، والنوافلَ على الرواحل (٣).
أمّا صلاة شدة الخوف وما يشبهها. فستأتي (٤) في باب مفرد. وفيها نذكر صلاة الغرقى، والمربوطين على الخشب.
стр. 931
٧١٢ - وأما النوافل على الرواحل، فنستقصي القول فيها هاهنا، وحاصل القول فيها تحويه فصولٌ: أحدها - في طويل السفر وقصيره. والنافلة تقام على الراحلة، وماشياً في السفر الطويل.
والأصل فيه (١) ما رواه ابنُ عمرَ أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته أين توجهت به. وروي (٢) أنه ﵇ كان يوتر على البعير. وروي (٣) أن عليّاً ﵁ كان يوتر على الراحلة.
ثم ترك الشافعي مقصودَ الباب، وأخذ يردُّ على من يوجب الوتر (٤). ولا يكاد يخفى أنه لا واجب إلاّ الصلوات الخمس.
ولعل المعنى في تصحيح النوافل على الرواحل أن الناس لا بدّ لهم من الأسفار، والموفَّق ضنين بأوقاته لا يُزجيها هزلاً. ولولا تجويز النافلة على الراحلة، لانقطع الناس عن معاشهم إذا تركوا السفر (٥)، أو انقطعوا من النوافل إذا آثروا السفر.
قال الشيخ القفال: كان الشيخ أبو زيد كثيرَ الصلاة، يستوعب الأوقات بوظائف العبادات، وكانَ يَبين ذلك في كلامه؛ فكان يقول: "لولا إقامة النوافل على ظهور الدواب، لانقطع اَلناس عن السفر"، وكان غيره يقول: "لولاه (٦)، لانقطع الناس عن النوافل" فكان يميل كلام الشيخ أبي زيد إلى أن النوافل لابدّ منها. وكان يقدّر أنّ الناس يتركون الأسفار لأجلها.
стр. 932
٧١٣ - فإذاً هذه الرخصة ثابتة في السفر الطويل، وهل تثبت في السفر القصير؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يختص بالسفر الطويل؛ فإنه تغيير ظاهر في الصلاة، وترك شرط استقبال القبلة، فهو حَريّ بأن يُشبَّه بالقصر وغيره من خصائص السفر الطويل.
والقول الثاني أنه يجري في السفر القصير والطويل؛ فإن الأخبار والآثار مطلقة فيه، لا اختصاص لها بالطويل. والمعنى الذي أشرنا إليه يعمّ السفرين أيضاً؛ فإن احتياجَ الناس إلى الأسفار القصيرة يكثر كثرةَ الاحتياج إلى الأسفار الطويلة.
فإن قلنا: إنها تجري فَي الأسفار القصيرة، [فهل] (١) يجوز لمن يتقلَّب في البلدة -وهو مقيم- أن يتنفَّل راكباً وماشياً؟ ما ذهب إليه الأئمة -وهو النص (٢) الباتّ للشافعي- منعُ المقيم من ذلك؛ فإنّ تَرْكَ الاستقبال، وإكثارَ الأفعال في الصلاة من التغييرات الظاهرة، وهي بعيد عن حال المقيم.
وذهب أبو سعيد الإصطخري إلى تجويز ذلك، وكان يتنفّل على دابّته، ويتردد في حارات بغداد.
وحكى شيخي عن القفّال أنه كان يقول: "إن كان المتنفّل في الإقامة مستقبلَ القبلة في جميع صلاته، جاز، وإن استدبر في بعض صلاته، لم يجز".
٧١٤ - ولا يَبين الغرض في ذلك إلاّ بأمرٍ سنذكره، فنقول: المتنفل لو صلّى قاعداً -مع القدرة على القيام- جاز مقيما؛ فتركُ القيام ممّا يسُوغ؛ مع الإتيان ببقية الأركان.
ولو تنفّل الرجل مضطجعاً -مع القدرة- وكان يومىء بالركوع والسجود، فظاهر المذهب المنع؛ فإنّ جواز ترك القيام في حكم الرخصة التي لا يُقاس عليها.
стр. 933
ومن أصحابنا من صحّح النفل من المضطجع، ويرى ترك الركوع والسجود، والاقتصارَ على الإيماء فيهما، بمثابة ترك القيام، وهذا ضعيف. وما رآه الإصطخري من النافلة على الراحلة تصريح بجواز الاقتصار على الإيماء بالركوع والسجود.
فإن قيل: لعلّه يُخصص ذلك بالمتقلّب؛ فإنه مضطر، أو محتاج إلى تقلّبه في البلد؟ قلنا: لا وجه لذلك؛ فإن المقيم جُوِّز له أن يمسح على خفّيه يوما وليلة، وقد يتخيَّل ذلك لأجل ما يليق بتقلّب المقيم. ولكن اللابث في مكانٍ واحد يمسح مسح المتردد.
فإذن حاصلُ القول: أن ترك القيام جائز في النفل، ثمّ ظنّ قوم أن ترك الركوع والسجود في معناه؛ إجزاءً لهيئات البدن مجرىً واحداً.
وذكر الصيدلاني أن المقيم لو كان على دابة واقفة، فاستمكن من إتمام الركوع والسجود، وكان مستقبلاً في صلاة النافلة، صحّت نافلتُه؛ وإن كانت الفريضة لا تصحّ منه -كما تقدّم ذكره- فالخلاف المقدّم فيمن لا يتمّ الركوع والسجود، أو يستدبر القبلة، أو كان يُرْخي (١) دابته؛ فإنّ حركتها مضافة إليها.
وأما القراءة، وما يجب عقده في النية، أو التلفظ به في التحريم، فالنفل في أصله كالفرض. وصار الأكثرون إلى تخصيص الرخصة بالقيام.
٧١٥ - فهذا قولنا في النافلة تقام مع الإيماء، وفي تنفّل المقيم راكباً وماشياً.
ولكن مع أمرين آخرين: أحدهما - كثرة الأفعال التي ليست من الصلاة: كالمشي، وحركةُ الدابّة بالمصلي في معنى مشي المصلي.
والثاني - تركُ استقبال القبلة. والأصل أن النوافل كالفرائض، فيما يتعلق بالشرائط، فإذا بَعُدَ تجويز التنفل مُومياً -مع الاستقبال، والسكون عن الأفعال التي ليست من الصلاة- كان التنفل على الدابة، وماشياً مع الاستقبال، أبعدَ عن الجواز؛ لمكان الأفعال الكثيرة؛ وكان التنفّل راكباً -مع ترك الاستقبال- على نهاية البُعد؛ لمكان الاستقبال.
стр. 934
ولو رتب مرتِّبٌ هذه المسائل بعضَها على بعض، لأشعر الترتيب بتفاوت المراتب وأقدارها في قضايا الفقه.
فهذا ترتيب القول في الحال الذي يجوز فيه إقامة النافلة على الراحلة.
الفصل الثاني
في بيان الفرائض وما في معانيها في ذلك
٧١٦ - فالفرائض لا تقام على الرواحل وإن كانت واقفةً، والمصلي مستقبل قادر على إقامة الأركان كلِّها.
ولو كان على ظهر بعير معقول، فلا تصحّ الفريضة أيضاً؛ فإن المفترض مأمور بالتمكن في صلاته على الأرض، أو ما في معناها.
ويصلي على السفينة وإن كانت تتحرّك به، كما تتحرّك البهائم بأصحابها؛ فالماء على الأرض كالأرض، والسفينة صفائحُ مبطوحة على الأرض، والحيوان -وإن كان معقولاً- غيرُ معدودٍ من أجزاء الأرض.
وإقامة الصلاة في السفينة وهي تسير يؤخذ مأخذ الرخص؛ فإن هذه الحركات في حكم الأفعال الكثيرة؛ ولكن لما جاز ركوب البحر، فلا معدل -لمن ركبه- عنه في أوقات الصلوات. والغالب أن السفينة تجري، ولا اختيار في ربطها، فلم يُبال الشرع بتلك الحركات.
والمسافر على البرّ يتصوّر منه أن يسكن ويصلي، وإن كانت الضرورة تحمله على ترك النزول في أوقات الصلاة، فرخصةُ الجمع تأخيراً أو تقديماً في معارضة هذه الضرورة كافية.
وممّا يتعلق بهذا أن المتردّد على الزواريق (١)، [وهو مقيم في بغداد أو غيره، إذا كان يتمّم الأركان، ويستديم الاستقبال، فهل يُصلي الفرضَ، والأفعالُ تكثر بجريان
стр. 935
الزواريق]؟ (١) فيه تردد ظاهر، واحتمال؛ فإنه قادر على دخول الشط، وإقامة الصلاة. فليتدبَّر الناظرُ ذلك.
ولم يمتنع الأئمة من إقامة الفريضة في زورق مشدودٍ، مع الوفاء بإتمام الشرائط والأركان. وتَحرك الزورق تصعُّداً وتسفّلاً -إذا كان لا يُكثر- كتحرك السرير وغيره تحت المصلي.
والصلاة على أرجوحة مشدودة بالحبال ما أراها صحيحة؛ فإن المصلّي مأمور بالتمكن في مكان صلاته، وليست الأرجوحة مكانَ التمكن في العُرف، وليست مبنيةً كالغرفة المعلَّقة، والمتّبع في مثل ذلك العرف. وهذا بمثابة اشتراط الشرع، في صحّة الجمعة، دارَ الإقامة.
ثم قالوا: لو أقام قوم في بادية، واكتفَوْا بالخيام، فلا يُجمعُون؛ فإنهم ليسوا في بنيان يُعد بناءً عرفاً. والخيام [للقُلْعة والنُّقْلة] (٢)، لا للإقامة، فهذا ما أراه في الأرجوحة، وإن كانت لا تتحرك.
ولا يخلو ما ذكرته عن احتمال.
فإن قيل: أليس قال الشافعي في مسألة الزحام: إذا زُحم الرجل عن السجود، فتمكن من السجود على ظهر [إنسان، ففعل، صحّ؟ فما الفرق بين ما جَوَّزهُ في ذلك، وبين ما منعتموه من الصلاة على ظهر] (٣) بعيرٍ معقول؟ قلنا: مسألة المزحوم مفروضة فيه، إذا كانت قدماه قارَّتين، فألقى رأسه على ظهر إنسان. ومسألة البعير فيه إذا كانت قدماه على ظهر البعير.
٧١٧ - والمعتبر الكلي فيه أن الحيوان ذو اختيارٍ، فاتخاذه مَقرّاً في صلاة يجب القرار فيها ممتنع. وبالجملة، ليس يخلو القلب من احتمالٍ في البعير المعقول،
стр. 936
ولكن التعويل في قواعد المذهب على النقل.
ولو حمل رجال سريراً وعليه إنسان، لم يصلِّ عليه الفرضَ؛ فإنه محمول الناس، فكان كمحمول البهائم، فهذا في الفرائض.
٧١٨ - وأما الصلاة المنذورة، ففي جواز إقامتها على الراحلة -كالنوافل- قولان مشهوران، سيأتي أصلهما في كتاب النذور إن شاء الله .
وأما صلاة الجنازة، ففي إجازتها على الراحلة كلام، والأصح منعها [لا] (١) لأنها فرض كفاية، ولكن [لأن] (٢) الركن الأظهر منها القيام، وتركُ القيام فيها -وإن قدّرت على مناصب النوافل- كترك الركوع والسجود، والاقتصار على الإيماء في النوافل. ولو أقام صلاة الجنازة على الراحلة قائماً -حيث تجوز إقامة النوافل على الرواحل- فالظاهر عندي جواز ذلك.
الفصل الثالث
في بيان كيفية إقامة النافلة على الدّابة وفي حق الماشي
٧١٩ - وغرض هذين الفصلين يتعلّق بأمرين: أحدهما - في استقبال القبلة في الطريق وما يتعلق بذلك.
والثاني - كيفية الصلاة.
وما نريده في الأمرين نذكره في الراكب، ثم نذكره في الماشي.
أمّا الراكب، فنبدأ بذكر الاستقبال في حقه، وقد اضطربت النصوص، واضطرب لأجلها طرق الأصحاب، والذي يتحصّل ما أنقله، ثم أذكر مبنى المذاهب ومنشأها من طريق التعليل.
فمن أصحابنا من قال: يجب استقبال القبلة عند التحريم بالصلاة، وإن تعذَّر ذلك، لم تصح الصلاة أصلاً.
стр. 937
ومن أصحابنا من قال: إن كان الزمام أو العِنان بيد [الراكب] (١)، فتوجيه الدابّة قِبَل القبلة سهل؛ فلا بد منه، وإن كانت الدابّة مقطّرة (٢)، وكان في توجيه القبلة عسر، فلا يُشترط استقبال القبلة عند التحرّم أيضاً.
وذكر الشيخ أبو بكر وجهاً ثالثاً، فقال: إن كان وجْهُ الدابة إلى القبلة عند الهم بالتحريم، فيتعيّن ذلك، وإن كان وجْهها إلى صوب الطريق، فلا يجب صرفها إلى القبلة، بل يتحرك كما تُصادَفُ الدابة.
وإن كان وجه الدابة منحرفاً عن القبلة والطريق جميعاًً، فلا يتحرّم. والدابة منحرفة عن الجهتين قطعاً، فإذا أراد صرفَ وجه الدابة ليتحرم، تعين صرفه إلى جهة القبلة، ليتحرم، ثم يستدّ في صوب طريقه.
وذكر بعض المصنفين، وشيخي وجهاً آخر: أنه لا تجب رعايةُ استقبال القبلة قط، كيف فرض الأمر.
فمجموع ما ذكرناه أربعة أوجه نشير إلى توجيهها، ثم نذكر المعتبر السديد منها
٧٢٠ - أما من لم يشترط الاستقبال قط، فنقول: إذا كنّا لا نشترط دوامَ ذلك، والتحريمُ عندنا ركن كسائر الأركان، فلا معنى لتخصيصه باشتراط الاستقبال عنده.
ومن اشترط قال: ينبغي أن يكون العقد على استجماع الشرائط، ثم استمرار الرخصة في الصلاة على حكم التخفيف، وهذا كاشتراط اقتران النيّة بأول التكبير، ثم لا يضرّ بعد ذلك عزوبُها؛ وإن كانت الأركان بعد التحريم عبادات، والعبادات تفتقر إلى النية.
ومن فصل بين أن يكون الزمام بيده، وبين أن يكون مقطَّراً، راعى العسر واليسر في التجويز والمنع.
ومن فصل بين أن يكون وجه الدابّة إلى الطريق أو منحرفاَّ [قال: "إن كان الطريق
стр. 938
تجاهه، استمر على قصده، وإن كان منحرفاً] (١)، فلا بد من التصريف. والصرف (٢) إلى القبلة أولى، ثم منها إلى الطريق.
٧٢١ - والذي نذكر في ذلك يستدعي تقديم مسألةٍ مقصودة: وهي أن الرجل إذا كان في مَرقدٍ (٣)، وكان يمكنه أن يستقبل القبلة، من أوّل الصلاة إلى آخرها، فيتعيّن ذلك عليه.
وهذا يوضح أن الاستقبال [إن حُطّ فسببه تعذُّرُه، وآيةُ ذلك أنه حيث لا يتعذّر، يتعين اعتباره في جميع الصَّلاة. فإن تعذّر الاستقبال] (٤) في حالة التحرّم، فسَدُّ [باب] (٥) النفل خروجٌ عن حقيقة المطلب في إجازة النافلة على الراحلة، فإن سبب جوازها ألا ينحسم مع استمرار المسافر في مرّه وذهابه، وإن لم يتعذّر الاستقبال عند العقد، فهذا محل الاحتمال. والظاهر أنه لا بدّ منه، فإن صرفَ الدابة مع اليسر (٦) في أوّل العقد لا عسرَ فيه، وليس في حكم اللُّبث والنزول لأجل النافلة، والإنسان كثيراً ما يردّد الدابةَ يمنة ويسرة، ثم يعد مارّاً.
ثم افتتاح الصلاة أولى الحالات باعتبار ذلك؛ فإنّه أول الأمر، ثم رعاية دوام ذلك اشتراط لُبثٍ في خلاف صوب السفر، وهذا مبطلٌ لغرض الرخصة، واعتبار ذلك بعد العقد لا وجه له؛ إذ لا ركن أولى من ركن، وليس يحسن التمسك بالنية؛ فإنها مبنيةٌ على قضيةٍ أخرى، وهي أنها قصد أو عزم، واستدامتها عسير، ولا سبيل إلى انعطافها، فقُرنت بأول الفعل، ثم عفا الشرع عن استدامتها.
ويحتمل ألا يشترط الاستقبال أصلاً، بل يستمر المسافر كيف فرض الأمر على
стр. 939
صوب قصده. ثم من راعى الاستقبالَ في التحريم، ذكر خلافاً في تعيّنه عند التحلّل، وزعم أن هذا الخلاف خارج على أن نيّة الخروج هل تشرط عند السلام؟ وهذا ركيك، صادرٌ عن غير فكر؛ فإن نيّة التحلل إن شرطت، فليس مأخذ اشتراطها ما ظنّه هذا القائل، من أنه أحد طرفي الصلاة؛ وإنّما سبب اشتراطها أنه خطابٌ للآدمي، مخالف لموضوع الصلاة، [فلا بد عنده] (١) من نيّةٍ تصرفه إلى مقصود الصلاة، ولا تعلّق لهذا الفنّ بما نحن فيه من أمر الاستقبال.
٧٢٢ - ومما نذكره في ذلك: أن المسافر إذا مضى في صلاته، فينبغي أن يتخذ طريقَه قبلتَه في دوام الصلاة، فلو انحرف عنها إلى غير القبلة قصداً، بطلت صلاته، ثم الطريق قد تستدُّ، وربّما تدور، فيتبعها كيف فُرضت، ولسنا نعني الطريق المعتدة بالإطراق، ولكنّا نريد صوبَها، فلو تعلّى (٢) المسافر عن الطريق، ولم ينحرف عن صوبها، وكان يبغي التوقي من زحمةٍ، أو غبار، فلا بأس، ولو كان المسافر راكباً تعاسيف (٣)، فقد كان شيخي يقول: إن لم يكن له صوب ومقصد، وكان يستدبر تارةً ويستقبل أخرى -فِعْلَ الهائم- فلا يتنفل أصلاً، إذا لم يكن مستقبلاً في جميع صلاته.
[وإن لم يكن على طريق، بل كان ينتحي صوباً معلوماً، فهل يتنفل مستقبلاً صوبه]؟ (٤) فعلى قولين، وتوجيههما أنّا في قولٍ نقول: له مقصد معلوم، وفي قول نقول: ليس ينتحي طريقاً مضبوطاً، والصوبُ متاهة غير منضبطة.
ويخرج عن مجموع ما ذكرناه: أن الصلاة في حال الاختيار كلّها، لا بد وأن تكون منوطة بلزوم جهةٍ، وإنما الكلام في تعيّنها.
стр. 940
وقد انتهى الكلام إلى فروع نرسمها، ونحلّ بتوفيق الله مُعْوِصَها، ونوضِّح مسلكها - إن شاء الله تعالى.
٧٢٣ - فنقول: من صرف بدنه عن قُبالة القبلة قصداً في غير ما نتكلم فيه، بطلت صلاته، [ولو أماله إنسانٌ قهراً عن القبلة، وأبقاه مائلاً مدةً، بطلت صلاته] (١).
ولو نسي الرجل أنه في الصلاة، فاستدبر القبلة، ثم تذكر، بنى على صلاته، والشاهد فيه حديث ذي اليدين، كما نرويه في باب سجود السهو: "أن النبي ﷺ استدبر القبلة، وأقبل على الناس بوجهه" (٢).
ولو أماله إنسان عن القبلة لحظة، ثمّ تركه حتى استدّ، ففيه خلاف سأذكره في موضعه من صفة الصلاة.
ولو استدبر، وطال الزمانُ مع النسيان، ففيه خلاف، وهو كما لو نسي وأكثر الكلام ناسياً.
والجامع أن القليل مع العَمْد والاختيار مبطلٌ، والقليل مع النسيان لا يبطل، والكثير مع النسيان مختلفٌ فيه، وهو مأخوذ من الكلام الكثير الصادر من الناسي، والقليل الصادر من قاهرٍ مع ذكر المصلِّي مختلف فيه، والكثير على هذه الصورة مبطل.
وليس هذا موضع ضبط هذه القواعد، وإنما نكتفي منها بتراجم، لنذكر غرضَنا في هذا الفصل بناء عليها. وموضِعُ تعليل هذه الأصول الفصلُ [الذي نذكر فيه كلامَ الناسي، وفصلُ سبق الحدث في الصلاة] (٣).
٧٢٤ - فنعود ونقول: إذا نسي المصلي على الدابة الصلاةَ، وصرف الدابّة عن الطريق، فإنْ تذكَّر على القرب، وردّها إلى سمت الطريق، سجد للسهو، وإن طال
стр. 941
الزمان، ففي بطلان الصلاة خلافٌ ذكرناه، فإن بطلت، فلا كلام، وإن قلنا: لا تبطل، فيردَّها ويسجد للسهو.
وإن جمحت الدابّة، وتعدّت بنفسها، والمصلّي ذاكر، فإن طال الزمان، بطلت الصلاة، وإن تمكن من ردّها على القرب، فقد ذكرنا في مثل هذه الصورة خلافاً فيمن يُصرف عن القبلة، والظاهر هاهنا أن الصلاة لا تبطل، فإنّ نفرةَ الدابّة وجماحَها -مع ردّها على قربٍ- ممّا يعم وقوعه، وتظهر البلوى به، ولو قضينا ببطلان الصلاة بقليل ذلك؛ لأثر ذلك في قاعدة الرخصة، مع العلم بأن هذه الرخصة مبنية على نهاية السعة، وغاية التخفيف.
فأمّا صرف الرجلِ الرجلَ عن القبلة، فأمرٌ لا يعهد وقوعه إلا في غاية الندور، فلهذا قطع الأئمة بأن جماح الدابة في زمان قريب لا يبطل الصلاة، ولم أر ما يخالف هذا للأصحاب، ثم إذا سددها، فقد قطع الصيدلاني بأنه لا يسجد؛ فإن سجود السهو لا يثبت إلاّ عند سهو المصلّي بترك شيء، أو فعلِ شيء، ولم يُوجد من المصلي شيء. ولا يجوز غير هذا الذي ذكر.
ولو خرجت الدابة من غير جماح عن السمت، والمصلي غافل عنها، ذاكر لصلاته، فإنْ قَصُر الزمان، لم تبطل الصلاة، وإن طال الزمان، ففيه الكلام المقدم.
فإن لم تبطل، فقد قطع شيخي بسجود السهو في هذه الصورة. وقياس ما ذكره الصيدلاني أنه لا يسجد؛ لأنه لم يصرف الدابة بنفسه ناسياً، فينسب الخروج عن السمت إليه. ويحتمل على طريقةٍ أن يسجد من حيث إنه غفل عن مستن (١) الدابة ومجراها، ولو كان متذاكراً حاضر الذهن، لَمَنَعها من الخروج، فالخلاف في هذه الصورة ظاهر.
فإذاً إن نسي، وأخرج الدابة، فالسجود عليه، حيث لا تبطل صلاته. وإن جمحت الدابة، وقهرت راكبها، فلا يسجد، حيث لا تبطل الصلاة قطعاً. وإن كان خروج الدابة عن السمت، لغفلة الراكب، ففي سجود السهو خلاف ظاهر، فهذا بيان حكم الاستقبال في حق الراكب.
стр. 942
٧٢٥ - فأمّا كيفية الصلاة: فإن كان الراكب في مَرْقد، وتمكّن من إتمام الركوع والسجود، فليتمهما، ولو اقتصر على الإيماء، فالتفصيل فيه كالتفصيل في القاعد المتمكن، يومىء بالركوع والسجود، من غير عجز.
وإن كان لا يتمكن من إتمام الركوع والسجود لكونه على رحل أو سرج، فيأتي بما يقدر عليه، وينبغي أن يزيد انحناؤه للسجود على انحنائه للركوع؛ ليفصل بينهما.
وأنا أرى الفصل بينهَما -عند التمكن- محتوماً متعَيّناً.
وهل يجب أن يبلغ غاية وُسعه في الانحناء؟ هذا فيه تردّد وتصرّف عندي؛ والوجه أنّا نكلّفه أن ينحني بحيث يزيد على انحناء الراكع على الأرض. فأما الانتهاء إلى حد انحناء الساجد على الأرض مع التمكن، فهل يُشترط؟ فيه احتمالٌ. والظاهر عندي ألا يتعين، ويكفي انحناءٌ يظهر (١) مع مراعاة التمييز بين الركوع والسجود؛ فإن الدواب لها نزقات يخشى منها مصادمات محذورة.
فلو قيل: ينحني انحناء لا ينتهي إلى حدّ يتوقع ذلك في أحوال الغفلات، ويكتفى بهذا، لم يبعد والغالب على الظن أن السلف كانوا يقتصرون على هذا المقدار، والعلم عند الله .
فهذا تفصيل القول في تنفل الراكب.
٧٢٦ - فأما الماشي، فإنه يتنفل عندنا، وهو يمشي كالراكب، ومنع أبو حنيفة (٢) تنفل الماشي. ومعتمد المذهب اعتبار الماشي بالراكب، وكل واحد في تخفيفات السفر ورُخَصه كالثاني، والغرض من تجويز النوافل في السفر ألا تتعطل النوافل، وهذا المعنى يعمّ الراكبَ والماشي.
ثم نذكر في الماشي كيفية الصلاة أولاً، ونذكر بعده حكمَ الاستقبال.
стр. 943
٧٢٧ - فأمّا الكيفية، فقد نقل الأصحاب عن الشافعي، أن الماشي يركع، ويسجد، ويقعد، ويستقر لابثاً في هذه الأركان، ولا يمشي إلاّ إذا انتهى إلى حدّ القيام، فيمشي قارئاً.
وخرّج ابن سريج قولاً: إنه لا يلبث، ولا يضع جبهته على الأرض، بل يومىء راكعاً وساجداً.
وكان الشافعي لا يرى تغيير شيء من هيئات الصلاة في حق الماشي، والمشيُ في القيام لا يُسقط القيام.
ومن يرى الاقتصار على الإيماء، يحتج بأن سبب تنفل المتنفل ألا ينقطع في حركته في صوب سفره عن الصلاة، وإذا كثرت الصلاة، كثر سبب اللبث، وينتهض ذلك سبباً في الانقطاع عن الرفقة.
فهذه كيفية صلاة الماشي.
[وظاهر ما نقله الصيدلاني أن الماشي] (١) المتنفل يركع ويسجد على الأرض، ويمشي قائماً. وكذلك إذا انتهى إلى القعود، يمشي ولا يقعد.
وهذا متَّجِهٌ؛ فإنّ إقامة القيام لهذه الرخصة مقام القعود، بمثابة إقامة القعود -مطلقاً- مقام القيام في التنفل.
وقد يتوجّه على هذا سؤال: وهو أن المقيم المطمئن، لو قام بدل القعود في التشهد، فالظاهر أن ذلك لا يجزئه. والسبب فيه أن المتنفل جُوّز له القعود، حتى يكون أسهل عليه، والمشيُ قائماً بدلاً عن القعود أليق بتنفل المسافر الماشي، فليتبع الناظر المعنى في ذلك.
٧٢٨ - فأما القول في استقباله، فإن أوجبنا الإتيان بالركوع والسجود على اللُّبث، فيجب الاستقبال فيهما، فإنه في هذه الأركان على هذا المذهب الذي نفرع عليه مطمئنٌ، وأثر السفر فيهما عنه منقطع، واستقبال القبلة ممكن، وهذا واضح.
стр. 944
فأمّا الاستقبال عند التحرّم، فالذي قطع الأصحاب به وجوبُه؛ فإنا إذا أوجبناه عند الركوع والسجود، فنوجبه في العقد، وكذلك يستقبل في قعوده متشهداً؛ لمكان لبثه، ثم يكون مستقبلاً حتى يتحلل عن صلاته، ولا وجه إلاّ هذا.
فأمّا إذا فرعنا على تخريج ابن سريج ولم نوجب اللبث في الركوع والسجود والقعود، فلا نوجب استقبال القبلة عند إقامة هذه الأركان؛ فإنه يأتي بها مارّاً، فليستقبل صوبَ سفره، كما يفعل ذلك في حالة القيام.
ثم إذا انتهى إلى القعود، فلا يومىء إليه إيماء، ولكن يومىء بالسجود، ثم يعتدل قائماً، ويأتي بالتشهد، فيقع القيامُ بدلاً عن القعود فى حق الماشي، كما يقع القعودُ بدلاً عن القيام في حق العاجز المفترض.
ثم هذا الفصل سيأتي مشروحاً في أن من عجز عن الحركات في صلاته المفروضة، فهل عليه أن يمثل الأركان في قلبه على صورها؟ وسنذكر ذلك -إن شاء الله- في موضعه.
وإذا كان كذلك، فهل يستقبل عند التحريم؟ التفصيل فيه كالتفصيل في الراكب الذي بيده زمام راحلته، وقد مضى ذلك. ثم إن أوجبنا الاستقبال عند التحرم، فهل نوجبه عند التحلل؟ فيه وجهان ذكرتهما في مالك الزمام.
فهذا تمام الغرض في تنفّل الراكب والماشي.
٧٢٩ - ومما يجري في فكر الناظر، أن الراكب لو أوطأ فرسَه نجاسةً، فلا بأس عليه، فليس المتنفل مؤاخذاً بطهارة الدابة، فكيف يؤاخذ بطهارة موطئها؟ نعم! ينبغي أن يكون ما يلاقي الراكبَ وثوبَهُ طاهراً من السرج وغيره.
فأما الماشي إذا مشى في نجاسة قصداً، وكان له مندوحة عنه، فالذي أراه: الحكمُ ببطلان الصلاة.
ولست أرى عليه أن يتحفّظ، ويتصوّن من ذلك ويرعاه؛ فإن كل رخصة متعلقة بما يليق بها من الحاجة، والطريق تغلب فيها النجاسة، والتصوّنُ منها عسر، ورعاية هذا الأمر يُلهي المسافر عن جميع أغراضه في السفر ليلاً ونهاراً.
стр. 945
وإذا انتهى في ممرّه إلى نجاسة ولا يجد عنها معدلاً، فهذا فيه احتمال، ولا شك أنها إذا كانت رطبة، فالمشي فيها يبطل الصلاة، وإن كان من غير قصدٍ؛ فإن المصلي يصير بالمشي فيها حاملاً للنجاسة.
فهذا نجاز ما أردناه في ذلك.
فصل
قال الشافعي: "إذا كان يصلي على راحلته في سفره فدخل بلدة ... إلى آخره" (١).
٧٣٠ - المتنفل إذا انتهى إلى بلدة أو قرية وهو في أثناء صلاة النافلة على دابته، فإنْ لم يُرد الإقامة بها، وقصد أن ينزل بها ليلةً، أو مدّة لا تزيد على مدّة المسافرين، فله أن يستكمل النافلة على دابته، وإن كان يتردّد لحاجته في النزول (٢)، فتردّده لذلك بمثابة [استداده] (٣) في صوب سفره في كيفية الصلاة وترْك الاستقبال.
وإن كان وقف دابته في انتهائه إلى منزله، ولو نزل وتمم الصلاة، لم ينقطع عن شيءْ من مآربه، فلو بقي على الدابة، فما ذكره الصيدلاني أنه يصلي كما يصلي، مستداً في صوب قصده.
وكذلك إذا ابتدر الركوبَ قبل أن ترحل الرفقة، وكان يصلي راكباً واقفاً، منتظراً انتهاض الرفقة، فيصلي مومياً بالركوع والسجود؛ فإن هذه الرخصة لا تراعى فيها الضرورة الحاقّة، وإنما المرعيُّ مشقةُ السفر على الجملة؛ فإنه مظنّة الحاجة، وعن هذا بُني الرخص في السفر على كونه مظنة للمشاقّ، وإنْ كان قد يفْرض مسافر غيرُ مشقوق عليه.
стр. 946
وهذا الذي ذكره في الاقتصار على الإيماء في الركوع والسجود منقدح، فأما استقبال القبلة، فالوجه اشتراطها في ظاهر المذهب في حق الواقف، فإنّا ذكرنا أنه إن كان زمام ناقته بيده، تعيّن عليه استقبال القبلة عند التحرم، وفيه من الخلاف ما قدمناه.
وقد ذكرنا أن من كان في مرقد وتمكّن من الركوع والسجود، لم يقتصر على الإيماء، وتعيّن عليه الاستقبال في جميع الصلاة؛ فإنّه ليس ملابساً حالةً يعتبر (١) فيها الإيماء، وإذا ركب (٢)، فهذه الحالة يتعذر فيها الإتمام، ولا ننظر إلى أنه لا ضرورة في الركوب؛ فإن هذا يجرّ إسقاطَ الرخصة في السفر في حق من سفرُهُ مباح، ولا ضرورة عليه في ابتداء السفر، ولا حاجة أيضاً؛ فإن القواعد إذا أسست للحاجة، لم يراع في تفاصيلها الحاجة.
فهذا إذا لم يقصد الإقامة.
٧٣١ - فأمّا إذا انتهى إلى بلدته، أو إلى موضع آخر، ونوى الإقامة بها، وهو في أثناء الصلاة النافلة، فلا يتمم الصلاة راكباً -إذا فرّعنا على الأصح في أن المقيم لا يتنفل راكباً- ولكنه ينزل ويبني على صلاته مستقبلاً، ويتمم الأركان في بقية الصلاة، وهذه الحركات (٣) تفرض خفيفةً، بحيث لا تبلغ مبلغ الفعل الكثير المبطل للصلاة.
وسنذكر تفصيل ذلك في الصلاة المفروضة في حق الخائف إذا كان يقيمها في حالة الخوف راكباً، ثم أمن في أئناء الصلاة، فنزل فبنى. وظاهر نصّ الشافعي في حق الخائف أنه لو افتتح الصلاة آمناً، ثم طرأ الخوف، فركب، لم يصح، وفيه تفصيل طويل.
والظاهر عندي أن المتنفل لو أراد الركوب في أثناء الصلاة، فإنه يبني على صلاته،
стр. 947
وفي المسألة احتمال، وسبب ظهور ما اخترته أن النفل لا يلزم بالشروع، وافتتاح الركوب في أثنائه كافتتاح الصلاة النافلة راكباً. والعلم عند الله.
فصل
قال: "ولا يصلّي في غير هاتين الحالتين إلا إلى القبلة ... إلى آخره" (١).
٧٣٢ - حاصل القول في بقية الباب أمران: أحدهما - تفصيل القول في استقبال عين الكعبة، أْو في استقبال جهتها، عند إمكان اليقين.
والثاني - طلب القبلة بالاجتهاد عند تعذّر اليقين.
فنبدأ بالصور التي يمكن درك اليقين فيها، ونقول:
٧٣٣ - من كان بمكة في المسجد الحرام، فليعاين الكعبة، وليستقبلها، ثم إن اقترب منها استقبلها استقبالاً [محسوساً] (٢) مقطوعاً به، ولو وقف على حرف ركن من أركان البيت، وكان يحاذي ببعض بدنه الركن، وبعضه خارج عن مسامتة الكعبة، ففي صحة الصلاة وجهان، ذكرهما بعض المصنفين وغيره.
أحدهما - أنه لا تصح الصلاة، وهو الذي قطع به الصيدلاني، فإنه لا يسمى مستقبلاً؛ بل يقال: استقبل بعض الكعبة، والأمر بالاستقبال مضافٌ إلى جميع بدن المصلي.
والثاني - يجزئه وتصحّ صلاته؛ فإنه يسمَّى مستقبلاً. وعلى هذا النحو اختلف أئمتنا في أن الطائف -في تردده وتطوافه- لو خرج عن محاذاة الكعبة في الجهة المرعية في محاذاة الطائف ببعض بدنه، وكان محاذياً بالبعض (٣)، فهل يصحّ طوافه أم لا؟ على ما سيأتي شرح ذلك.
ولو اقترب صف من البيت واصطفوا، فقد لا يحاذي الكعبةَ منهم من في جهة
стр. 948
الاستقبال إلا عشرون أو نيف وعشرون، ويخرج طرف الصف إن زادوا، وكانوا على استطالة واستداد (١) عن المُحاذاة، فلا تصح صلاة الخارجين عن المحاذاة في القرب؛ لخروجهم عن الاستقبال، وهذا بيّنٌ.
ولو بعدوا ووقفوا في أخريات المسجد، فقد يبلغ الصف ألفاً، وهم معاينون للكعبة، وصلاتهم صحيحة. ونحن -على قطعٍ- نعلم أن حقيقة المحاذاة -نفياً وإثباتاً- لا تختلف بالقرب والبعد، ولكن المتبع في ذلك وفي نظائره حكم الإطلاق والتسمية، لا حقيقة المسامتة، وإذا قرب الصف، واستطال، وخرج طرفُه عن المحاذاة، لم يُسمّ الخارجون مستقبلين. وإذا استأخر الصف وبعُد سمّوا مستقبلين.
٧٣٤ - وهذه الأحكام مأخوذة في [وضع] (٢) الشرع من التسميات والإطلاقات.
وعلى ذلك بنى الشافعي تفصيلَ القول في الصلاة على ظهر الكعبة، فقال: إن لم يكن على طرف السطح شيء شاخص من بناء الكعبة، فلا تصح صلاة الواقف على الظَّهر؛ فإن من علا شيئاً لم يسمَّ مستقبلاً، ولو وقف خارجاً من الكعبة -على أبي قبيس مثلاً- فالكعبة مستقبلة عن موقفه، وصلاته صحيحة؛ فإنه يسمى مستقبلاً، ولا يختلف ما يطلق من ذلك بعلوّ الواقف وتسفّله.
ولو وقف على السطح، وكان على طرف السطح شيء شاخص من البناء بقدر مؤخرة [الرَّحْل] (٣) وهو واقف في محاذاته، فصلاته صحيحة؛ فإنه يسمى مستقبلاً لذلك الجزء. ولو وضع شيئاً بين يديه ودفعه ونضَّده بالقدر الذي ذكرناه، واستقبله،
стр. 949
لم تصحّ؛ فإن ذلك الشيء لم يعدَّ من الكعبة.
ولو غرز خشبة واستقبلها، فقد اشتهر في استقباله خلافُ الأصحاب، فمنهم من منع صحة الصلاة؛ فإنَّ ذلك المغروز لا يعدّ بناءً، ومنهم من صحح، فإن من يبني بناءً، فقد يغرز خشبات عند منتهى البناء، ويعدّ ذلك من جملته، و [الأصحّ] (١) الأول.
ثم لو فرض شخوص خشبة من البناء، فمعلوم أنها في حجمها قد لا تكون على قدر بدن الواقف، وقد ذكرنا خلافاً فيمن وقف على طرف ركن من أركان الكعبة، وخرج بعض بدنه عن المسامتة، وهذه الخشبة الشاخصة، وإن اتصلت اتصال البناء فبدن الواقف خارج عن محاذاتها في الطرفين، فهذا فيه تردّد ظاهر عندي، كما ذكرته.
ومما يجب التنبيه له أن الأئمة اكتفَوْا بأن يكون ذلك الشاخص بقدر مؤخرة [الرحْل] (٢)، ولعلهم راعَوْا فيه أنه في سجوده يسامت بمعظم بدنه ذلك الشاخص بهذا القدر، وهذا فيه شيء -من جهة أنه في حال قيامه خارج بمعظم بدنه عن مسامتة ذلك ْالشيء- وقد ذكرنا تردد الأصحاب في الخروج ببعض البدن عن المحاذاة، ولكن الأئمة نزلوا هذا منزلة ما لو استعلى الواقف، والكعبةُ أسفلَ منه، وهذا فيه نظر من طريق المعنى، فإن جميع الكعبة إذا تسفّل، فهو القبلة بلا مزيد، فُنزل عليه اسمُ الاستقبال، وهذا الشاخص -في حق الواقف على ظهر الكعبة- جزء من القبلة، وفيه من تبعّض الأمر في المحاذاة ما ذكرته.
وقد حكى العراقيون وجهاً: أن البناء الشاخص ينبغي أن يكون على قدر قامة المصلي؛ تخريجاً على ما ذكرته من الاحتمال، وهذا الذي ذكروه في الطول يجري في العرض قطعاً، ويخرج منه منع الصلاة إلى العتبة والباب مفتوح.
وهذا الذي ذكروه منقاس حسن.
стр. 950
وممّا حكوه عن ابن سُريج أنه جوّز الوقوف في عرصة الكعبة إذا انهدمت، وإن لم يكن بين يدي الواقف شيء شاخص، وهذا تخريج غريب. ولا شك أنه يجري هذا في ظهر الكعبة أيضاً، وهو مذهب أبي حنيفة (١).
والاحتمال ما قدمته.
٧٣٥ - ولو وقف المصلي في جوف الكعبة واستقبل جداراً، صحت صلاته وفاقاً؛ وإن كان لا يقال: استقبل الكعبة، بل يقال: استقبل جزءاً منها.
وإن استقبل الباب وهو مردود، فهو كما لو استقبل جداراً.
ولو كان مفتوحاً، والعتبة لاطئة (٢) وارتفاعها أقل من مؤخرة [الرَّحْل] (٣) -وهي تداني ثلثي ذراع (٤) - فلا تصح الصلاة، ولو بلغ ارتفاعها هذا القدر، فالصلاة صحيحة، كما ذكرنا.
٧٣٦ - ولو انهدمت الكعبة، ووقف الواقف خارجاً من عرصتها، واستقبل العرصة، صحّت الصلاة، ولا يشترط شخوص شيء من الكعبة.
فإن وقف في العرصة نفسها فهو كما لو وقف على السطح في كل تفصيل ذكرناه، من اشتراط شاخص بين يديه [كما مضى.
ولو احتفر في العرصة حفرة بالقدر المقدم، فما بين يديه] (٥) من ارتفاع طرف البئر عن موقفه، بمثابة ارتفاع شيء من البناء شاخص، كما تفصّل قبلُ.
ولو فُرض غرز خشبةٍ في العرصة، فقد ذكر فيه الخلاف المقدم، ولو نبتت حشيشة، فعَلَتْ، فلا حكم لها في الاستقبال قطعاً، ولو نبتت شجرة من العرصة، فهي كبَنِيَّةٍ من جدار الكعبة، أو كسارية من سواريها؛ إذا استقبلها من دخل الكعبة.
فهذا ما أردناه في الاستقبال حالة المعاينة.