ولا فرق في المغارم والعقوبات وقواعد التكليف بين الباب والباب، وكيف يستحسن الإنسانُ المصير إلى أن الصائرين إلى دار الحرب من دار الإسلام تنحلّ عنهم عُرى أحكام الإسلام، ولا يلتزمون منها ما يُلزِمُه أهلَ الحرب.
واختلف نص الشافعي في أن الإمام هل يقيم الحد على من استوجبه من المسلمين في دار الحرب، فاضطرب أئمتنا، فقال قائلون: في كراهة ذلك قولان، ولا أحد يصير إلى التحريم.
وقال قائلون: النصان منزلان على حالين، فإن كان لا يخاف افتناناً، أقام الحد، وإن خاف فتنة، فلا نؤثر إقامةَ الحد، وذلك بأن يتداخل المحدود مغيظةٌ، وقد تكون سبب انقلابه، وقد يكون شريفاً في قومه، فيحملهم ما يجرى على سيدهم على الانفلال (١)، فالنهي عن الإقامة محمول على مثل هذه الصورة. وإن ظهر وقوع ما أشرنا إليه، وغلب على الظنّ كونُه (٢)، فالظاهر عندي، أنه يجب اجتنابه، وحد الكراهية لا ينتهي إلى المباح الذي وصفناه، ولكن إن كان التوقع على ندور، أو لم يكن غالباً في الظن، فهذا مظنة الكراهية، وإن غلب وظهر، فالأوجه الاجتناب.
ثم ذكر الشافعي ﵀ كلاماً في الذين لم تبلغهم الدعوة إذا انتهينا إليهم (٣).
وهذا مما قدمته على أبلغ وجهٍ في البيان في كتاب الديات، عند ذكري أبدال نفوس أهل الملل وأقدار دياتهم.
...
стр. 9312
باب ما أحرزه المشركون من أموال المسلمين
١١٣٨٢ - صدّر الشافعي الباب بالمسألة المشهورة في الخلاف مع أبي حنيفة، وهي إذا استولى المشركون على أموال المسلمين، وأحرزوها بدار الحرب (١)، فمذهبنا أنها باقية على ملك مالكها من المسلمين، فلا يملكها المشركون بالاستيلاء عليها، ومهما (٢) وقع الظفر بها، فهي مردودة على ملاكها، ثم إن وقعت في أيدي الغانمين من المسلمين، فإن تبينا قبل القسمة، فالخطب يسير، فتردّ، وإن كان بعد القسمة، وسهل نقض القسمة، نقضناها، ورددنا الأعيان على أصحابها، وانتحينا القسمة بعد ردها.
وإن لم يكن نقضُ القسمة ممكناً، فالوجه استرداد تلك الأعيان من أيدي من وقعت في أيديهم، ثم يعوِّض الإمامُ من استُردّت العين منه من بيت المال، والخلاف في المحلّ الذي يخرج منه مثل ذلك، لا يجرى هاهنا حسب جريانه في الرضخ والمغارم التي تقع قبل القسمة، فالوجه أن يُغرم من المال العام، وهو مال المصالح. فأما الرجوع على الغانمين -وقد تبدّدوا- متعذّر (٣)، وجهات المصالح متسعة، والمسألة مشهورة مع أبي حنيفة (٤).
стр. 9313
فصل
قال: " وإذا دخل الحربي إلينا بأمان، فأودع وباع ... إلى آخره " (١).
١١٣٨٣ - إذا دخل الحربي دار الإسلام، وأودع عندنا ودائعَ، وبايع الناس، وثبت له قروضٌ وأثمان في الذمم، ثم إنه التحق بدار الحرب ناقضاً عهده، أو خرج إليه بإذن الإمام، أو لم ينقض عهده، ولكن خرج لشغلٍ ليقضيه، فإن خرج غيرَ ناقضٍ عهدَه، وترك أمواله، فلا شك أن تبقى الأموال في أمانه في زمان حياته، وإن مات، فسنذكر ذلك بعدُ في أثناء الفصل، إن شاء الله .
وإن خرج إلى دار الحرب ناقضاً عهده، فقد ذكر الصيدلاني وغيره من أئمة المذهب ثلاثةَ أوجه في الأموال التي خلفها: أحد الوجوه- أنه لا يُنقض الأمانُ في أمواله، ما دام حياً، وربما كان يقطع شيخي بهذا الوجه، ووجهه أنه يثبت لماله حكم الأمان، كما ثبت له، ثم انتقض الأمان في حقه بالالتحاق بدار الحرب على قصد نبذ العهد، فنحكم في الأموال الباقية عندنا بالبقاء على حكم الأمان.
والثاني - ينتقض العهد في الأموال التي خلفها؛ فإن المال اكتسب الأمان من جهة المالك، فإذا لم يبق للمالك عهد وأمان، لم يستقل المال بحكم الأمان.
والوجه الثالث - أنه ينظر، فإن لم يَعقِد للمال أماناً على حياله، وإنما عَقَد الأمان لنفسه، ثم تعدى حكمُ الأمان إلى ماله، فإذا انتقض العهد في نفسه، انتقض العهد في ماله؛ فإنه ثبت تابعاً، فزال بانقطاع المتبوع وإن ثبت الأمانُ للمال مقصوداً، كما أثبته لنفسه، فإذا انتقض العهد في نفسه لم ينتقض العهد في ماله، والأولان يعممان في النفي والإثبات، ولا يفصلان بين أن يجري الأمان للمال مقصوداً وبين أن يثبت تبعاً. وهذه الأوجه الثلاثة يفرع عليها الحياة، وحكم الممات.
١١٣٨٤ - ونبدأ بتفصيل الحكم في الحياة، فإن قلنا: الأمان باقٍ للمال، فلا
стр. 9314
نتعرض لماله، ولو دخل ديار الإسلام [واستردّ] (١) أمواله، كان له ذلك، ولم يجز التعرض له، وإن لم نجدد له عهداً، فماله هاهنا سببُ تَسلُّطِه على دخول دار الإسلام، وهو بمثابة ما لو دخل كافرٌ دارَ الإسلام ليسمع الذكر، ويبحثَ عن الدين، ويتقبَّله إن ظهر له، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ﴾ [التوبة: ٦]، فقال العلماء: ليس المراد أن يُعقَد له أمانٌ ثم يدخل، ولكن قصدُه هذا يؤمنه، وهو في أمان الله تعالى، ومقصود الآية إعلامُنا أنه مؤمّن. وكذلك لو دخل كافر ديار الإسلام رسولاً، فتصدّيه للرسالة يؤمِّنه، وإن لم يُعقد له أمانٌ، كذلك عود الحربي لأجل أمواله سائغ من غير تجديد أمان.
ثم قال الأئمة: ينبغي أن يعجل تحصيل أغراضه، ولا يعرّج على أمرٍ. وإن زاد على الحد الذي ذكرناه، تصدى للقتل والأسر.
وإن قلنا: لا أمان لماله، فهو مأخوذ فيئاً؛ فإنه مال كافرٍ مظفور به من غير إيجاف خيل وركاب، فالتحق بالفيء.
وهذا الطرف من الفصل فيه أدنى التباس. ونحن نفصله ونكشفه، فنقول: إذا أراد المستأمَن أن ينبذ إلينا العهد، فلا شك أنا نُبلغه المأمنَ، ولا نتعرض لأمواله التي يستصحبها؛ فإنه في علقة من الأمان بها استمساكه إلى أن ينتهي إلى مأمنه، فإذا استصحب أمواله، فحكمها حكم نفسه، وإذا التحق بدار الحرب، وخلّف عندنا أموالاً، ففيها الخلاف، ولو فارق الأموال المخلّفة، ولم يستصحبها ولم يلتحق بعدُ بالمأمن، فكيف سبيل أمواله المخلّفة؟ الوجه عندي أنها في أمان، فإن مالكها بعدُ في أمان، وإنما التردد إذا انقضت عُلقةُ الأمان في حقه بأن التحق بدار الحرب.
ويجوز أن يقال على بعدٍ: إذا فارق الدار، وانقطع عن الأموال، يجري الخلاف، بخلاف الأموال التي في صحبته؛ فإن من ينبذ إلينا العهد، وإن كنا نبلغه المأمن، فهو من وجهٍ خارج من الأمان؛ إذ لو أراد أن يرجع، ويتوطن من غير أمانٍ جديد، لم يكن له ذلك، فكأنّ ما يُطلَقُ من الأمان، يُبَذْرِقه (٢) إلى دار الحرب.
стр. 9315
ومما تجب الإحاطة به، فيما أَبهم الأصحابُ: إذا عاد بجميع ماله على الوجه الذي نقول فيه: يبقى الأمان في المال، فلا ينبغي أن يتخذ ذلك المالَ، أماناً له يرجع إليه، ويأخذ البعض، ويُبقي البعض، ويتردّد في ديار الإسلام من غير أمانٍ يتجدد، ولو فعل ذلك، امتدت أيدي المسلمين إليه. نعم، لو دخل ولم يستمكن من استرداد الأموال، وانقلب ثم عاد، فلا بأس عليه. والغرض أنه يقتصر على قدر الحاجة، في استرداد الأموال.
فكل ما ذكرناه تفريع الحكم في حالة الحياة.
١١٣٨٥ - فأما إذا خلّف عندنا أموالاً، ولحق بدار الحرب، ومات في دار الحرب، فإن لم ينقض العهد في خروجه وطروقه، وإنما خرج لبعض وطره في شغلٍ، ثم يعود، فلا شك أن ماله في أمان ما دام حياً، فهاذا مات، فهل يصرف إلى ورثته؟ ظاهرُ المذهب أنه مصروف إلى ورثته كما لو مات هاهنا في العهد على أمواله؛ فإن أمواله مردودة إلى ورثته، وإن كانوا حربيين لا عهد لهم، ولا أمان بيننا وبينهم.
هذا هو المذهب.
فأما إذا كان التحاقه بدار الحرب بعد نبذ العهد إلينا، فإن قلنا: أموالُه عندنا [فَيْء] (١) في حياته، فلا يخفى أنها تكون فيئاً بعد وفاته، وإذا كنا لا نصرفها إليه وهو حي، فلا [شك] (٢) أنا لا نصرفها إلى ورثته بعد موته.
وإن قلنا: إن أمواله مردودة عليه في حياته، فإذا مات، وقد كان نبذ العهد إلينا، ففي أمواله حيث انتهى التفريع إليه قولان في الأصل: أحدهما - أنها تصرف إلى ورثته كما كانت تصرف إليه في حياته.
والقول الثاني - أنها تصير بعد موته فيئاً؛ وذلك أنا كنا نعلّق أمان ماله بعُلقة أمانه على معنى أنه يعود، فيأخذها. فإذا مات وقد كان نبذ إلينا العهد في الحياة، وانضم
стр. 9316
إليه مماته وفواتُه؛ فيضعف أثر الأمان في حكم المال، وقد أطلقنا هذين القولين الآن، وسنذكر -إن شاء الله تعالى- في أثناء الفصل وجهَ مأْخذ القولين، وتصرّفَ الأصحاب.
وقال قائلون: إذا خرج المعاهد إلى دار الحرب، ولم ينبذ عهده، ولكن أراد قضاء وطرٍ وعودةٍ بعدُ، فإنه إذا مات في دار الحرب، ففي أمواله التي عندنا قولان، كالقولين فيه إذا نبذ العهد، والتحق، فانتظم قولان، في الذين نبذوا، وطريقان في الذي خرج لشغل، ثم اتفق موته في دار الحرب.
١١٣٨٦ - ومما يجب الاهتمام به في مسائلِ هذا الفصل أن الحربي إذا أمّناه، وأوح عندنا أموالاً -كما ذكرناه- ثم خلّف الأموال، ونبذ العهد، والتحق بدار الحرب، وسُبي، فضرب الرق عليه، وعاد إلى أيدي المسلمين رقيقاً، فكيف حكم الأموال التي كان أودعها عندنا قبل الالتحاق وقبل الاسترقاق؟ فنذكر في هذه الصورة حكمَ ماله في حياته، وهو في نفسه مسترق، ثم نذكر حكم ماله إذا مات رقيقاً.
فأما تفصيل القول في أمواله حالة حياته، فنقول: إن لم نر لأمواله أماناً إذا التحق بدار الحرب، فلا إشكال في أن أمواله المخلَّفة فينا فيءٌ. وإن فرّعنا على أنه يبقى لأمواله حكمُ الأمان إذا التحق بدار الحرب، ويبقى في قضية الأمان في حياة ذلك الملتحق النابذ للعهد، فهذا ما دام على نعت المالكين، فإذا وقع في الأسر، ورفَقْناه، فالذي يجب تحصيله ونقله -على قولنا: إن أمان المال يبقى لو لم نسترقّه- قولان: أحدهما - أنا نقف ماله، وننتظر عاقبةَ أمره، فإن مات رقيقاً، وقعت المسألة في القسم الذي التزمنا بيانه، وهو أن يموت رقيقاً، وإن عَتَق، رُدّ المال إليه، وجعلنا طريان الاسترقاق مع اتفاق العتاق بمثابة تماديه في نقض العهد، فإذا زال، عاد الأمر إلى ردّ المال إليه، فهذا قولٌ، وحاصله وقفٌ. وله عاقبتان بينا إحداهما، وأجلنا الأخرى.
والقول الثاني - أنه إذا استُرق، فالأموال التي خلّفها فيءٌ؛ فإنه انضم إلى نبذ العهد خروجُه عن كونه مالكاً، فوهى الأمان في المال وانبتَّ، وإن كان يبقى لو بقي مالكاً، وهو قولٌ متجه منقاس.
стр. 9317
فأما إذا استُرِق، ومات رقيقاً، فنقول: أولاً- لا مطمع لسيده في ملك الأموال، ولا تعلق له فيها، والمنصوص عليه في هذه الصورة أنها تصير فيئاً. هذا هو النص، وليس كما لو مات حراً بعد نبذ العهد؛ فإن الشافعي نص على قولين في أنا هل نصرف الأموال إلى الورثة، فأجرى قولين، ثم قطع هاهنا بأن تلك الأموال فيء، والفرق متضح؛ فإن التوريث ثَمَّ إن قلنا به، فهو توريث من حرّ، وهاهنا لو صرفنا المال إلى الورثة، لكنا صرفناه إليهم توريثاً عن رقيق، وهو غير جارٍ على القاعدة، فاتضح الفرق.
١١٣٨٧ - ولكنْ للشافعي نصٌّ في مسألة تساوي هذه، والنص على المخالفة، وتلك المسألة مقصودة في نفسها، وقد أجلناها من كتاب الجراح إلى هذا الفصل، وقلّما يوجد في المعضلات مثلُها؛ فإنه يشترك فيها -كما سنُفصّلها- أصول متعارضة.
فالرأي أن نأتي بها ونبالغ في كشفها، وتنزيل فروعها على أصولها، ثم إذا لاحت المسألةُ، انعطفنا بعدها على غرضنا من الأموال التي استُرق مالكها.
وصورة المسألة أن يجني مسلمٌ أو ذمي على ذمي، فيقطع يديه مثلاً، ثم يلتحق الذميّ المجني عليه بدار الحرب، ويصير حرباً لنا، ثم يقع في الأسر، ويرى صاحب الأمر أن يضرب عليه الرق؛ فإذا رَقَّ -وتعيّن مالكه ضرْباً للمثل- والجراحة القديمة به، وسرايتها دائمة، فما الذي يجب على الجاني؟ وما يصرف إلى السيد؟ وإن فرض فاضل، فإلى من يصرف؟
فالذي يقتضيه الترتيب أن نذكر أولاً ما يلتزمه الجاني، ثم نذكر من يصرف إليه، والقول فيما يلتزمه الجاني يستدعي تجديد العهد بتراجم الأصول؛ فإن المسألة تلتفت إليها.
منها أن من قطع يدي عبدٍ قيمته مائتان من الإبل، ثم عتق ومات، فلا خلاف أن الجاني لا يلتزم أكثر من الدية نظراً إلى المآل، وهذا من الأصول الممهَّدة، وهو النظر إلى المآل في المقدار.
هذا مذهب الشافعي وأصحابه.
стр. 9318
وقال المزني فيما نقله عنه الناقلون: يجب على الجاني أرش اليدين، مائتان من الإبل، وقد نبهنا على هذا في الجراح، وذكرنا غائلتَه، وغرضُنا الآن الاقتصارُ على تراجم.
ومن الأصول المقدمة أن من قطع يدي مسلم ورجليه، ثم ارتد المجني عليه، ومات مرتدّاً، فالمذهب أنه لا يجب على الجاني إلا ديةٌ واحدة.
وقال الإصطخري: يجب عليه أروش الأطراف، وهذا مما مضى مبيَّناً.
ومما يُحتاج إليه في المسألة التي انتهينا إليها أن من جرح مسلماً، فارتد المجروح، ثم عاد إلى الإسلام، ومات بتلك الجراحة مسلماً، ففي وجوب القصاص على الجاني تردّدٌ؛ فإن أوجبناه، فلا شك أن الدية تكمّل إذا آل الأمر إليها، وإن لم نوجب القصاص، فالمنصوص عليه أنه يجب تمام الدية، وخرّج ابن سريج قولاً أنه يجب ثلثا الدية، ويهدر ثلثها، فوزَّع الدية على حالتي الضمان، وحالة الإهدار، المتخللة، وذكر بعض الأصحاب قولاً آخر أنا نهدر نصفاً، ونوجب نصفاً.
١١٣٨٨ - فإذا تجدد العهد بما ذكرناه، عدنا إلى مسألتنا التي صورناها. وهي: إذا جرح مسلم ذمياً، فنقض المجني عليه العهدَ، والتحق بدار الحرب، والسرايةُ باقية، فاستُرِق، ومات في يد مالك رقّه بتلك السراية، فحاصل ما نقله الأصحاب فيما يجب على الجاني ثلاثةُ أقوال: الأولان منهما منتظمان: أحدهما - أن الجاني يلتزم أقلَّ الأمرين من أرش الجناية، أو قيمة الرقيق، ونقدر أرش الجراحة دية يهودي، والرجوع في القيمة إلى السوق، فيجب على هذا القولِ على الجاني الأقلُّ من الأرش أو القيمة. والقول الثاني - أنه يجب القيمة بالغةً ما بلغت، ولا نظر إلى الأرش.
وحكى القاضي، والإمام والدي قولاً ثالثاً، أن الجاني يلتزم أرش الجناية بالغاً ما بلغ، ولا نظر إلى مقدار القيمة. وهذا أضعف الأقوال توجيهاً.
[توجيه الأقوال] (١):
١١٣٨٩ - من قال: يجب أقلُّ الأمرين، احتج بأن قال: إن كانت القيمةُ أقلَّ،
стр. 9319
فالاقتصار عليها خارج على اعتبار المآل، وهو من أصول المذهب، وقد صارت الجراح نقصاً، وإن كان الأرشُ أقلَّ، فلا وجه لإيجاب زائدٍ؛ لأن المجني عليه بعد الجناية صار مباحاً، والرق نتيجة الإباحة، ومن استحق الرقَّ، فاستحقاقه طارئٌ على إباحةٍ قاطعةٍ للعهد السابق، فيبعد أن يضمن الجارح قبل الإباحة مزيداً بسبب رقٍّ ترتب على الإباحة، وحق من يملك مباحاً أن يكتفي بما يصادفه. هذا توجيه هذا القول.
ومن أوجب القيمة، استمسك باعتبار المآل، وقال للقائل الأول: إنك تنظر إلى القيمة إذا كانت أقلَّ. فإذا توجه النظرُ إليها، تعين اعتبارها، وكان الرق بعد الحرية في العاقبة كالعتق فيه إذا جنى على عبدٍ ثم عتق ومات.
وأما من قال: يجب أرش الجناية بالغاً ما بلغ، فليس لهذا اتجاه إلا على المذهب الذي حكيناه للإصطخري فيه إذا قطع رجلٌ يدي رجل ورجليه، ثم ارتد المجني عليه، ومات، فإنه يوجب أرش الجراحات، وإن زادت على الدية؛ مصيراً إلى أن الإباحة بعد الجناية، تمنع اعتبار المآل؛ من حيث لو اعتبر المآل، للزم الإهدار، فعلى هذا يتجه إيجاب أرش الجراحات بالغاً ما بلغ.
فإن قيل: كيف وجه التشبيه؟ والذي ارتد في مسألة الإصطخري مات مرتداً، والمجروح في مسألتنا مات رقيقاً مضموناً؛ قلنا: وإن كان كذلك، فالرق مرتب على الإباحة وهو نتيجة الإباحة.
١١٣٩٠ - وبقي وراء الأقوال مباحثة وإشكال [متلقى] (١) من أصلٍ من الأصول التي ذكرناها، وهو أن من جرح مسلماَّ، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، ومات في الجراحة، فإن قلنا: تجب الدية الكاملة، فلا إشكال في مسألتنا، وإن رأينا على التخريج أن نوجب بعض الدية، ونهدر بعضها، لمكان الإهدار الطارئ، فعلى هذا يجب إنعام النظر في مسألتنا، من جهة أن سراية الجراحة بقيت، وهو حر ثم استرق بعدها، فحقُّ تلك السراية ألا يُضمن موجبها، فنقول: يستعمل هذا الأصل على
стр. 9320
الأقوال، فإن قلنا: الاعتبار بالقيمة، فلا نظر إلى أرش الجناية، فعلى هذا يخرج أن نقول: يجب ثلثا القيمة، أو نصف القيمة، كما ذكرنا هذا في مسألة طريان الرّدة.
وإن قلنا: الواجب على الجاني أرش الجراحة بالغاً ما بلغ، فلا يعترض هذا الإشكال على هذا القول، ولا نظر إلى الإهدار بعد الجراحة، ولا نظر إلى المآل بحال.
وإن قلنا: على الجاني أقلُّ الأمرين من أرش الجراحة أو القيمة، فالوجه أن نقول: على الجاني أقلُّ الأمرين: من الأرش أو نصفُ القيمة في قولٍ، أو ثلثي القيمة في قول، فنعتبر المناسبة في استخراج الأقل على النسبة التي يقتضيها التخريج في القيمة إذا قلنا: الاعتبار بالقيمة.
هذا نجاز القول فيما يلتزمه الجاني.
١١٣٩١ - والكلام وراء هذا في أن ما يلتزمه الجاني إلى من يُصرف؟ نرسل في هذا ما ذكره المحققون، ثم نذكر مستدركا قريباً بيّناً: فإن قلنا: على الجاني أقلُّ الأمرين من الأرش أو القيمة، فهو مصروف إلى ورثة المسترَق، هكذا نصّ الشافعي؛ فإن الأرش إن كان أقل، فقد جرى في حالة الحرية قبل الإباحة، وتولّج بينها وبين الرق إباحة فاصلة، فالأرش مصروف إلى الورثة، وإن كانت القيمة أقل، فهذا سمّي قيمة، وهو في التحقيق بعضٌ من الأرش، وكأن الأرشَ نَقَصَ بنظرتنا إلى المآل، فإذا كنا نصرف الأرشَ إلى الورثة بالتقدير الأول، وهو مثل الجناية، فالناقص أولى بالصرف إليه.
ووراء هذا غائلة، ولكن بيان المسألة عند نجازها.
وإن قلنا: الواجب قيمة المسترق بالغة ما بلغت، فمقدار الأرش من القيمة يصرف إلى الورثة؛ فإن ذلك ثبت بسبب الجناية، في الحرية، وأما الفاضل من القيمة، فإنه مصروف إلى المولى، وإن كانت القيمة مثلَ الأرش أو أقلَّ منه، فهي بجملتها مصروفة إلى الورثة، وإن قلنا: يجب الأرش بالغاً ما بلغ، ولا نظر إلى القيمة، فالوجه القطع بأنه مصروف إلى الورثة، لا حظ للسيد فيه.
стр. 9321
وقال القاضي: يصرف مقدار القيمة من الأرش إلى السيد، ويصرف الفاضل إن فضل شيء إلى الورثة، وهذا غلطٌ صريح؛ فإنا إذا أوجبنا الأرش بالغاً ما بلغ، فلسنا نلتفت إلى القيمة، ولكن صاحب هذا القول يعتقد أن طريان نقض العهد يمنع اعتبار المآل؛ فإن الرق وإن أحدث ضماناً، فهو مترتب على الإباحة كما سبق تقديره، فإذا كان مقتضى هذا القول قطعَ النظر عما بعد الجناية، وحق مستحق الرق يتعلّق بالرق، فإنا إذا لم نعتبر القيمة، ولم نلتفت إليها، فيستحيل صرف شيء من الأرش إلى السيد، بل يتعين صرف الأرش بكماله إلى الورثة على موجب النص.
فالوجه أن نقول: إن حكمنا بإيجاب الأرش، فهو مصروف إلى الورثة على مقتضى النص، وإن قلنا: الواجب القيمة بالغة ما بلغت، فإن كانت قدرَ الأرش، أو أقلَّ منه، فهو مصروف إلى الورثة، وإن كانت أكثر من قدر الأرش، فمقدار الأرش مصروف إلى الورثة، والفاضل مصروف إلى السيد.
هذا هو التفريع القويم على الأقوال.
وعلينا بقايا في هذه المسألة.
١١٣٩٢ - ولكن حان أن نرجع من هذه المسألة إلى ما كنا فيه قبل الخوض في هذه من أحكام الأموال التي أودعها ثم استرِق: ظاهر النص أن تلك الأموال فَيْءٌ إذا مات المسترَق على رقه، وقبل أن يموت فيه قولان. هذا هو النص في الأموال.
ونصَّ في مسألة الجراحة أن الواجب على الجاني مصروفٌ إلى ورثة المسترَق أو بعض ما يجب، كما فصلنا في التفريع على الأقوال الثلاثة في مسألة الجناية، ولا فرق؛ فإن المجروح مات رقيقاً، والمسترَق الذي كانت له أموالاً مات رقيقاً، والتوارث من الرقيق بعيد، غير جارٍ على القولين في المواريث، وإن أسندنا الإرثَ إلى ما قبل جريان الرق، كان هذا توريثاً من حي، ويستوي فيما نبهنا عليه أرش الجراحة والمال.
فقال أصحابنا: في المسألتين قولان بالنقل والتخريج -إذا اتصل (١) -: أحد
стр. 9322
القولين- أن الأموال والأرش على ما تقدم التفصيل فيءٌ، فإنها أموالاً متلقاة من كافر من غير قتال، وقد عسر تقدير الميراث؛ من جهة أن التوريث من الرقيق غير ممكن، والتوريث في حالة الحياة، لا سبيل إليه، وهذا عندي أقيس القولين.
والقول الثاني - أن الأموال مصروفة إلى الورثة، وكذلك الأرش على ما فصلنا التفريع على الأقوال الثلاثة، ووجهه أن الأموال كانت مبقّاة فينا (١) على حكم أمانٍ ونقضُ مالكها العهد لم يُبطل الأمانَ في المال؛ فإن هذه التفريعات بجملتها مجراة على أن حكم الأمان يبقى في الأموال، ثم لو مات الحربي عليها، فقد ذكرنا قولين في أنه هل يورث، وصححنا التوريث منه، فالاسترقاق ينبغي ألا يحُلَّ (٢) أمانَ المال، كما لم يحُلّ نبذُ العهد أمانَ المال، وإذا لم يحُل أمان المال، وتعيّن ألا يُصرفَ إلى جهة الفيء، ثم لا مسلك أخص به من مسلك التوريث، فاقتضى مجموعُ ذلك الصرفَ إلى الورثة.
فأما امتناع التوريث من الرقيق، فذاك من تفاصيل شرعنا، والكفار لا يتعبدون بتفاصيل الشرع إيقاعاً وابتداءً، ومن زعم أنهم مخاطبون عَنَى بذلك ربطَ المأثم بهم في ردّهم الشرع المشتمل على تفاصيل الأحكام، ثم يتعرضون لاستيجاب العقاب على كلّ محرّمٍ في الشرع اقتحموه، وكل واجب تركوه، فأما ربط ما يتعلق بهم بقواعد الشرع وشرائطها، فلا سبيل إلى التزامها، فقد جرى القولان في الأموال، والأروش الذي كنا نصرفه في مسألة الجناية إلى الورثة.
стр. 9323
١١٣٩٣ - فإن قلنا: الأموال والأروش مصروفة إلى مصارف الفيء، فلا كلام.
وإن قلنا: هي مصروفة إلى الورثة، ففي طريق الصرف إلى الورثة تردد عندي، يجوز أن يقال: لا يصرف إليهم إرثاً، وإنما يصرف من حيث لا يؤخذ منهم، فالمال في أمانٍ غير منحلّ. وهذا يناظر ما إذا قلنا: من مات وبعضه حر وبعضه رقيق، فالأموال التي خلصت له بسبب الحرية مصروفة إلى مالك الرق في بعضه، وليس هذا توريثاً، وإنما هو صرف مال إلى أخص الجهات، حيث يعسر إجراء قوانين الميراث، ولذلك أقمنا السيد مقام العبد المقذوف بعد موته في طلب التعزير، وليس هذا من التوريث، ولكنه استمساك بأخص الطرق.
ولو استدّ نظر الناظر، استبان له أن التوريث بابٌ من التخصيص أيضاً؛ فإن الأموال إذا زال عنها مالكها المختص، ولا سبيل إلى تعطيلها، فالوجه إقامة من يختص بالميت مقامه في نسب أو بسبب كما تقتضيه قواعد الفرائض، هذا مسلكٌ.
ويجوز أن يقال: هذا توريث. وقد صرح بذلك النص، وأطلقه الأصحاب، ثم على هذا تردد سيأتي شرحنا عليه، إن شاء الله تعالى.
فإن قلنا: ليس ما ذكرناه توريثاً، فلا محاشاة من المصير إلى أن المال يصرف إلى الأخصِّين يوم الموت، وإن قلنا: هذا توريث، فينقدح فيه وجهان: أحدهما - أن نقول: نتبين استناد استحقاق الورثة إلى ما قبل جريان الرق، فإن قيل: هذا توريث من حيٍّ. قلنا: هو كذلك. والعبارة القريبة من النظم أن نقول: هذا توريث يناظر مسألةً ذكرناها في الجراح، وهي أن من قطع يد مسلم ثم ارتد المجني عليه ومات مرتدّاً، فقد قال الشافعي: لوليه المسلم القصاصُ في الطرف، فهذا في التحقيق خلافةٌ أثبتها بين المسلم وبين المجني عليه لمّا كان مسلماً، فإنه لو اعتبر حالة الممات، لكان مورِّثاً مسلماً من كافر، ولا يرث المسلم المرتد عندنا.
والذي يحقق ما ذكرناه أن من استُرق ومات، فقد زالت أملاكه بالرق، كما يزول ملك الحي بالموت، فكان الرق المتقدم على موته في معنى الموت، فأثبتنا الخلافة متصلة بمُزيل الملك، وإن لم تكن متصلة بالموت نفسه.
стр. 9324
١١٣٩٤ - وقد أجرينا في أصول هذه المسألة أموراً بديعة من أدناها: أنا قلنا: من جنى على عبدٍ ثم عَتَق، فالواجب الدية، ويصرف قسط منها، أو كلُّها إلى من كان مالكاً قبل الموت، وإن كان مستحق الرق [لا يستحق] (١) من بدل الحرية شيئاً، والدية بدل الحر.
ثم إنا خصصنا ما ذكرناه من الخلافة بحال الموت، لأن الرقيق، وإن لم يكن مالكاً، فالملك له متوقع، ولا إرث ما لم ينقطع التوقع.
هذا بيان هذه المسألة.
فإن قيل: أين يقع التوريث من الرقيق من صرف شيء من الدية إلى من كان مالكاً في مسألة طريان العتق؟
قلنا: شرط استحقاق الورثة حريةُ من يُتلقى الاستحقاق منه، كما أن شرط استحقاق المالك رقُّ المجني عليه، وقد تقدم الرقُّ في مسألة طريان العتق، ولم نجد سبيلاً إلى إبطال حقّ مُستحِق الرق، وإن زال الرق بالعتق؛ لأن العتق لا ينعطف على ما فات بالجناية. وفي مسألتنا ما فات في زمن الحرية أو مُلك في زمن الحرية، فالرق لا ينعطف عليه. والحكم السابق لا سبيل إلى إبطاله بما يَلْحق، على ما قررناه.
فالتقت المسألتان في التحقيق. وإن تقدّمت الحرية في أحدهما، وتأخرت في الأخرى، فالمسألتان مفترقتان من الصورة مجتمعتان في الحقيقة.
ومما كان يذكر شيخُنا متصلاً بهذا الفصل أنه لو أعتق الذمي عبداً، وثبت له الولاء عليه، ثم نقض العهدَ، والتحق بدار الحرب، فوقع في السبي، فأرققناه. فإن مات رقيقاً، فلا حظ للسيد في ولاء مواليه ومعتَقيه إذا كان ذمّياً، كما لاحظ له في المال، وهو لما رَقَّ خرج عن أن يكون مستحِقاً للولاء، فحكم ولاء المعتقين كحكم الأموال.
وقد ذكرنا مصارف أمواله.
وهذا الكلام مفهوم في نفسه. ولكن ليس على الحد الذي أُحبه، فإن غاية البيان لا يتأتى في الوَلاء إلا بعد الإحاطة بأصله، وقد تركت وخلَّفت فيما تقدّم غوامضَ من أحكام الوَلاء، وأنا أرجو من الله تعالى أن آتي بقواعد الوَلاء في بابٍ من كتاب العتق
стр. 9325
على وجهٍ لا يغادر مشكلة، إن شاء الله .
ثم قال: لو أعتق مالكُ المسترَق، فهل ينجرّ الولاء إليه؟ فعلى وجهين. وهذا يستدعي الإحاطة بجر الولاء وموضعه، وسيأتي ذلك كله في موضعه من باب الولاء إن شاء الله تعالى.
وإذا انتهينا إلى ذلك الباب أعدنا هذه المسائل في الولاء، وتداركنا ما فيها من إبهام، إن شاء الله .
فصل
قال: " ومن خرج إلينا منهم مسلماً ... إلى آخره " (١).
١١٣٩٥ - من خرج إلينا مسلماً من الكفار قبل الظفر به، عصم دمه وأحرز ماله ولا فرق بين العقار والمنقول، فلو كانت له أموال في دار الحرب لم نعرض لشيء منها، ولا فَصْل بين مالٍ ومال. فأما الأولاد، فإن كانوا صغاراً ثبت لهم حكم الإسلام تبعاً، وإن كانوا كباراً، فلا يلحقهم من عصمة إسلام أبيهم [شيء] (٢)؛ فإنهم مستقلون، فإن أرادوا العصمة، فليسلموا، والإسلام لا يجري مجرى العهود والمواثيق التي تعقد للواحد مرة والجمع أخرى، وإنما هو اتصافٌ بالدين، ثم مالُ المسلم معصوم كدمه، والمتعلقون به يُعصمون لإسلامهم لا لإسلام من ينتمون إليه.
وهذا على وضوحه يزداد بياناً بأن [نفرّق] (٣) بين الإسلام والذمة، فنقول: من عقدنا له الذمة تعدّت قضية الذمة إلى زوجاته وبناته الكفار، كما تتعدى إلى أمواله؛ فإنه بذمته يبتغي أن نُقرّه مع أهليه في دار الإسلام، والبنت الكبيرة لا تقبل الجزية بنفسها، فاندرجت تحت الذمة المعقودة للذمي.
ومن أسلم من الكفار، وله بنت كبيرة حربية، فعصمة إسلام الأب لا تلحقها؛ فإنها متمكنة من الإسلام انفراداً، فلْتُسلم، وهي من طريق التقريب والتشبيه في
стр. 9326
الإسلام تنزل منزلة الابن الكبير في الذمة، فإن الذمّي لا يستتبع بنيه في الذمة، بل إن أرادوا العصمة، فليقبلوا الجزية بأنفسهم. فلما تُصوّر استقلالهم لم يتبعوا في الجزية، والبنت في الاستقلال بالإسلام كالابن، وهذا وإن أطلناه، فهو بينٌ عند الفقيه، لكنا نرى ألاّ نُغفل في تمهيد الأصول جليَّاً ولا خفيّاً.
١١٣٩٦ - ولو بدت تباشير الفتح في القلعة التي حاصرناها، فمن أسلم قبل حقيقة الفتح، عصم نفسه وماله، وتعدّت العصمة إلى صغار أولاده، من حيث يلحقهم الإسلام على جهة التبعية. واحتج الشافعي في ذلك بقصة ابني سَعْية (١)، كانا من بني قريظة، فخرجا مسلمين لما حاصر رسول الله ﷺ ، فعصما بإسلامهما أموالهما وصغار أولادهما، وابنا سَعْية هما: ثعلبة وأُسيد، وسبب إسلامهما معروف (٢).
ولو كان الذي أسلم زوجَةً حربية، فقد قدمنا الخلاف في أن زوجة المسلم هل تُسبى؟ فذلك الخلاف يعود، ولو كان للذي أسلم ولدٌ مجتنّ في بطن حربية، فإن كانت زوجتَه، فقد مضى الكلام فيها، وإن لم يكن عليها زوجية، فهي مسبية مسترقة، والجنين الذي في بطنها، لا يرق، من جهة أن الإسلام لحقه، وهو موصوف بالإسلام، فلا يلحقه السبي والرق، كالمولود المنفصل.
وخالف أبو حنيفة (٣) في مسائل مما ذكرناه منها: أنه قال: من أسلم، فماله المنقول لا يغنم، وعقاره يغنم. وقال: لو اشترى مسلمٌ دخل دار الحرب عقاراً، فهو مغنوم، وإن كان مِلكَ المسلم. والجنينُ في بطن الأم يلحقه الرّق عنده إذا سبيت الأم.
стр. 9327
وحكمُ الذمي، وحكم أمواله الكائنة في دار الحرب سيأتي مستقصىً في كتاب الجزية، إن شاء الله تعالى، وسنذكر أحكام المعاهدَ والفرقَ بينه وبين الذمي في هذه القضايا التي أشرنا إليها.
والإسلام بعد الأسر، ممّا سبق القول فيه في كتاب القَسْم، وبينا نص الشافعي ﵁، حيث قال: " إذا أسلموا بعد الإسار رقّوا " وأوضحنا تأويل ذلك، وقد روي أن [عُقيلياً] (١) أُسر، فأسلم بعد الإسار، فقال ﷺ : " لو قيلت (٢) قبل هذا، لأفلحتَ كل الفلاح " (٣).
فصل
قال الشافعي: " قال الأوزاعي: فتح رسول الله ﷺ مكة عَنْوة ... إلى آخره " (٤).
١١٣٩٧ - حقيقة مذهبنا في ذلك أن رسول الله ﷺ دخل مكة مستعداً للقتال لو قوتل؛ ولكنه لم يقاتل، فأمّن أهلَ مكة على جملةٍ، ثم على تفاصيلَ، وأمر بقتل رجالٍ مخصوصين كان عزم على قتلهم، وأمر بقتل القَيْنتين؛ فهذا ما جرى، وقتل خالدُ بنُ الوليد بين الصفا والمروة طائفةً من بني نُفاثة (٥)،
стр. 9328
وقيل: كانوا بيتوا خزاعة المستجيرين برسول الله ﷺ ، فلم يقع ذلك من رسول الله ﷺ موقع الرضا، ولما رأى بريق السيوف على الميسرة، والمؤمرُ عليها خالد بنُ الوليد، قال: " اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد "، وفي الحديث " أنه ودى القتلى من عند آخرهم، حتى ميلغة الكلب " (١).
فمن قال: دخل مكة عَنوة على معنى أنه مُنع، فقاتل، فليس الأمر كذلك، ومن أراد بدخوله عَنْوة أنه دخلها بعُدّة على هيئة الاستمكان من القهر، فهذا حق لا ينكر، وما جرى من القتال فيه وصفناه. وليس في الخلاف في هذه المسألة كثير فائدة.
والذي جرى الرسم بذكره في أطراف هذه المسألة، القول في عقار مكة.
وعَقارُها وعِراصها المحياة كلها مملوكة، كالدور في سائر البلاد، يصح بيعها، وتنفذ جميع تصرفات الملاك فيها.
ومذهب أبي حنيفة (٢) أن بيع عقار مكة مردود، ولهم اضطراب، لا حاجة بنا إلى نقله.
...
стр. 9329
باب وقوع الرجل على الجارية قبل القسمة
قال الشافعي: "إن وقع على جارية من المغنم قبل القسيمة ... إلى آخره" (١).
١١٣٩٨ - مضمون هذا الباب يستدعي تقديمَ القول في أملاك الغانمين في المغنم قبل اقتسامه، ونحن نذكر في ذلك ترتيباً ضابطاً، ثم نفُضُّ عليه مسائلَ الباب. وقد استاق صاحبُ التقريب فصلاً جامعاً على أبلغ وجه في البيان، فقال: إذا غنم الغانمون النساء، ولم يقسموها، فهل يثبت الملك قبل القسمة للغانمين؟ فعلى ثلاثة أوجه: أحدها - أنه لا يثبت لهم الملكُ حقيقةً قبل القَسْم، وإنما يثبت له (٢) حق التملك.
والدليل عليه أن من أعرض منهم، سقط حقه، كما سنصف ذلك، إن شاء الله تعالى، في أثناء الفصل، ولو ملكوا بالاستيلاء، لاستقر ملكهم، كما يستقر ملك المصطاد، والمحتش، والسارق من مال الكفار من غير مطاردة، وقال: فإن الأملاك إنما تنضبط بالجواز في العقود التي تلحقها الخيارات.
والوجه الثاني - أنه يثبت لهم ملكٌ ضعيف، كما يثبت الملك للمشتري في المبيع في زمان الخيار على القول الصحيح؛ فإن سبب الملك الاستيلاء؛ فاستحال أن يثبت السبب، ولا يثبت الملك، وأيضاً، فإن ملك الكفار زال، والأموال المغنومة أملاك محققة، ويبعد على مذهب الشافعي ملك لا مالك له.
والوجه الثالث - أن ملكهم موقوف، فإن سلمت الغنيمة حتى قسمت، تبين لنا أنهم ملكوها لمّا غنموها، وإن لم تتفق القسمة حتى تلفت الغنيمة، أو أعرض من يريد الإعراض، فيتبين لنا أن الغنيمة لم تُملك إن تلفت، وتبين أنه لم يملكها من أعرض
стр. 9330
عنها. ووجه هذا: أن الاستيلاء على حكم تجريد القصد [للملك] (١) لا يتحقق في المغانم، لما أوضحناه من أن الغرض من قتال الكفار إعلاءُ دين الله تعالى، والذب عن الملّة، والمغانمُ في حكم التابع؛ فإذا فُرضت القسمة فيها، تبينا حقيقةَ الاستيلاء، وإن فرض تلفٌ أو إعراض، تبيّنا نقيضه. فهذا وجهُ الوقف.
ثم إذا فرعنا على قول الوقف، فقسمت الغنيمة، فالرأي الحق أنا لا نقول: نتبين أن حصة كل واحد من الغانمين كانت له على التعيين قبل القسمة، ولكن معنى التبيّن أنهم إذا اقتسموها، تبيّنا أنهم ملكوا المغنم لما استولَوْا عليها ملكاً شائعاً، وتمييز الحصص يحصل بالقسمة، كما يقسم الورثةُ التركة؛ فإن القسمة تُخَلِّص لكل واحد حصته بالقرعة.
وحكى صاحبُ التقريب وجهاً غريباً مفرعاً على قول الوقف؛ فقال: إذا اقتسم الغانمون، تبيّنا أن كل واحد منهم ملك الحصة التي أصابته عند الاستيلاء على المغنم، وهذا على نهاية البعد، ولكن نقله صاحب التقريب، وفرّع عليه، كما سنبين تفريعه، إن شاء الله تعالى.
ووجه هذا الوجه على بعده أن كل واحد منهم قبل القسمة كان على خِيَرةٍ من أمره، إن شاء أعرض، وإن شاء طلب حقَّه من المغنم، وليس كذلك الأملاك المشتركة بين الشركاء، فإذا حصل الاقتسام، فتمام الاستيلاء في حق كل واحد منهم يتحقق بالقسمة، فالغرض يتضمن الانعطافَ على أول السبب، وهذا وإن تكلفنا توجيهه ليس بشيء.
١١٣٩٩ - ومما نذكره في أصل الملك أن من أعرض من الغانمين عن حصته قبل القسمة، سقط حقه من المغنم. وهذا يدل على عدم ملكه. أو على ضعف ملكه، أو على تردد على مقتضى الوقف.
ثم قال الأئمة: لو أفرزنا الخمس، وأفرزنا من رأس المغنم السّلَب على تفاصيلَ تامة جرت في القَسْم، وبقيت حقوق الغانمين، فلو أعرض واحد منهم بعد إفراز
стр. 9331
الخُمس، وما يخرج من رأس المغنم، فهل يسقط حق المُعْرِض بالإعراض والحالة هذه؟ ذكر صاحب التقريب أن المذهب أنه يَسقط حق المُعْرِض، وقال: وذكر ابن سُرَيج قولاً مخرجاً أن الإعراضَ بعد ما وصفناه من الإفراز لا يتضمّن إسقاطَ حق المعرض.
وحقيقة القولين ترجع إلى أن الملك هل يستقر بما وصفناه، من الإفراز حتى يصير الغانمون في حقهم الخالص بمثابة المشتركين في مالٍ؟ أم لا يستقرّ ملكهم ما لم يقتسموا حصصَهم؟ فعلى قولين: أحدهما - وهو المنصوص عليه أنه لا يستقر ملكهم، والثاني -وهو المخرّج- أن ملكهم يستقر. والتوجيه بيّن. فمن مال إلى أن ملكهم لم يستقر احتج بأن إفراز الخمس لا يُثبت القسمة في حقوقهم. وهم فيما يُخصّ بهم (١) كما لو كانوا من قبل. وهذا يتأيد بالدلالة التي جعلناها عماد الباب، وهي أن الغنيمة في وضع الشرع ليست مقصودة، وإنما يتأكد القصد فيها بالقسمة، وإفراز الخمس يؤكد قصدَ الغانمين في حصتهم.
والذي أراه في تنزيل القول المخرّج أن الإمام لو استبدّ بإخراج الخمس، فحقوق الغانمين لا تحول عما كانت عليه؛ لأنهم لم يُحدثوا في المغنم أمراً يشعر بتجريدهم القصد إليه، وإن استقسموا الإمام، واستدعَوْا منه أن يميز الخمسَ، فأجابهم الإمام، فهذا يشعر باختيارهم تأكيدَ حقوق أنفسهم. وهذا التفصيل مني. والذي حكاه صاحب التقريب مطلق، لا تفصيل فيه.
١١٤٠٠ - وينبني على ما حكيناه من المنصوص والمخرج أمرٌ، لا بدّ من التنبيه له: وهو أن ظاهر كلام الأصحاب أن من أعرض عن حصته، أُخرج من البَيْن، ويقدّر كأنه لم يكن، ويخمّس المغنم، ويصرف أربعة أخماسه إلى الذين لم يُعرضوا.
ويظهر مما حكاه صاحب التقريب من تخريج ابن سُريج أن نصيب المعرض ينقلب إلى الخمس، ولهذا يسقط أثر الإعراض بإفراز الخمس، وهذا يتأكد بشيء، وهو أن الخمس لا يتصوّر إسقاطه، وهو متأكد، لا يتطرق إليه الخِيَرةُ وإمكان الإعراض، فلا
стр. 9332
يبعد أن يكون [أصلاً] (١) يرجع إليه [ما يسقطه] (٢) كل معرض، ويحسن [الاستئناس] (٣) بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، فالأصل أن تكون المغانم لله تعالى، ومن أعرض، رجعت حصته إلى أصلها.
وهذا استخراج وتكلّف، والمذهب الذي عليه التعويل ما قدّمناه من إخراج المُعرِض من البَيْن، والمصيرُ إلى أنه كالمعدوم، وتنزيلُ القسمة على الخُمس والأربعة الأخماس المصروفة إلى الذين لم يُعرضوا.
١١٤٠١ - ومما ظهر اختلاف أصحابنا فيه أن الغانمين بجملتهم لو أعرضوا، فهل يصح إعراضهم أم لا؟؟ فالذي ذهب إليه المحققون أنه تسقط حصصهم بإعراضهم، وينعكس الأربعة الأخماس على مصارف الخمس، وتتوزع عليها.
ومن أصحابنا من قال: إذا أعرضوا بجملتهم، لم يسقط بإعراضهم شيء من حقوقهم في المغنم؛ لأنه يبقى -لو قدّرنا الإسقاطَ- كالخمس ومصارفه، ولا وجه لصرف مال الغنيمة إلى هذه المصارف دون غيرها، فينبغي أن يكون المغنم مخموساً. قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وهذا التردد مترتب على ما هو المذهب من أن حصة المُعرض تفضّ على الخمس أو الأربعة الأخماس.
ومما يتعلّق بما نحن فيه أن الغانمين إذا أعرضوا، فالأقيس سقوط حقوقهم، كما قدّمنا، فلو قالوا: اخترنا القسمة، فهل تلزم أملاكهم بالاختيار، كما تسقط بالإعراض؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا حكم للاختيار، ولا تستقر الحصص إلا بالقَسْم والإفراز. والثاني - أن حقوقهم وأملاكَهم تستقر، حتى لو فرض إعراضٌ لم يؤثر.
وقال شيخنا: لو أعرض القاتل عن سَلَب القتيل: هل يسقط حقه من السلب
стр. 9333
بالإعراض؟ فعلى وجهين: أحدها - يسقط كحصة الغانم من المغنم، والثاني - لا يسقط؛ لأنه يتعين له، فصار كتعين الحصة بالقَسْم. وهذا يضاهي الخلافَ في إعراض جميع الغانمين، فإن جملة المغنم متعينة لهم، ثم في إعراضهم من الخلاف ما قدّمناه.
وأصحاب الرضخ إذا أعرضوا، وكانوا مالكين لأنفسهم، فهو كإعراض أصحاب السهام، وإن رأينا أخذَ الإرضاخ من رأس المغنم، فلا نظر في ذلك.
والعبيد يصرف ما يقابلهم من الإرضاخ إلى مواليهم، ولا حكم لإعراض العبيد؛ فإنه لا حق لهم، وإذا أعرض سادتهم، سقط ما يصرف إليهم، وإن لم يكونوا من الغانمين؛ فإن إعراض الغانم مع اختصاصه بالاغتنام إذا أسقط حقه، فإعراض من يملك بواسطةٍ أولى بأن يسقط حقه.
١١٤٠٢ - ولو أعرض ذوو القربى عن حصتهم من المغنم، فكيف حكمه؟ وإنما فرضنا الكلام فيهم، فإنهم يُستوعبون، بخلاف اليتامى على الرأي الظاهر، فليسوا في حكم الجهة المبنية على الصفة نحو (١) الفقراء في الصدقات، فإذا أعرضوا عن حقوقهم، فهل تسقط حقوقهم؟
الأظهر أنها لا تسقط؛ فإن هذا منحة أثبتها الله تعالى لهم من غير مقاتلة وشهود وقعة، فليسوا كالغانمين الذين يحمل شهودهم على إعلاء كلمة الله تعالى، ويمكن أن يقال: تسقط حقوقهم بالإعراض قبل القسمة كالغانمين، فإن ما يُصرف إليهم ملكٌ لا يرعى فيه الحاجة، فكانوا كالغانمين؛ وقد صح: " أن عمر التمس من عثمان وعلي والزبير، وجبير بنِ مطعم أن يتركوا حقوقهم من غنيمةٍ كانت وافت المدينةَ من الأهواز ". وهذا فيه سؤالان: أحدهما - أن يقال: لعله استقرض منهم. وفي بعض الروايات ما يدل على ذلك، ولكن قول الزبير لعثمان: " لا تطمعه في حقنا؛ فإنه إن أسقطه، لم يعد " (٢). يدل على أنه ما استقرض. هذا وجه.
стр. 9334
والوجه الثاني - أنه استوهبهم، فوهبوه. وهذا هو الظاهر. وانتجز به ما حَضَرنا من أحكام الإعراض عن المغنم. وقد انتهى به الكلام الكلي في أملاك الغانمين.
١١٤٠٣ - ونحن نخوض بعد ذلك في تخريج المسائل، فأول مسألة نُفَرِّعُها المسألةُ التي صدر الشافعي البابَ بها، وهي إذا كان في المغنم جاريةٌ، فوطئها أحدُ الغانمين، فلا يخلو: إما إن أحبلها، أو لم يحبلها. فإن لم يحبلها، فلا يخلو: إما إن وقعت تلك الجارية في قسمته، أو وقعت في قسمة غيره، لما قسمت الغنيمة، فإن وقعت تلك الجارية في حصة غيره، فلا يخلو: إما إن كان الغانمون محصورين، أو كان بحيث يتعذر ضبطهم لكثرتهم، فإن كانوا محصورين يتيسر ضبطهم، فحكم المهر يُخرَّج على الملك. فإن قلنا: لا يثبت لواحدٍ منهم ملك على الحقيقة قبل القسمة، فالواطىء يلتزم مهرها مكملاً، ويُردّ مهرُها على المغنم، ويقسم بين الغانمين كسائر الغنيمة.
وإن قلنا: يملك كلُّ غانم حصته، فالمذهب أن الواطىء يُغرَّم مهرَ الجارية إلا قدر حصته، فإنَّ وطأه صادف ملكه، وملكَ غيره، فسقط قدرُ حصته من الغنم.
ومن قال: إذا وقع شيء من المغنم في حصة واحد، تبيّنا أنه كان ملكاً له وقت الاغتنام، فعلى هذا إذا كانت الجارية واقعةً في حصة غير الواطىء، فتمام المهر يجب أن يصرف إليه.
هذا مقتضى هذا الوجه، والتفريع عليه أضعف منه.
стр. 9335
ولو وقعت تلك الجارية في حصة الواطىء، فالمذهب في المهر كالمذهب فيه إذا وقعت في حصة الغير، ومن أصحابنا من قال: لا شيء على الواطىء بناء على أنا نتبين أنها كانت في ملك من وقعت في حصته، وهذا ساقط، ولكن نقله صاحب التقريب، وصرح بهذا التفريع. ولا عود إلى هذا الوجه بعد ذلك. وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الجند محصورين.
فأما إذا عسر ضبطهم لكثرتهم، فقد قال الأصحاب: إذا رأينا تغريمه المهر، غرّمناه تمام المهر؛ فإن حصته من المهر ليس يتبين قدرها؛ فالوجه أن يُغرَّم تمامَ المهر ويردّ إلى المغنم، ثم إذا قسم ما غرمه مع المغانم يرجع إليه مِنْ عَينِه أو بدلِه ما يوجب سقوط الغرم في حصته.
هذا ما ذكره الأصحاب.
قلت: وهذا فيه إذا طابت نفس الواطىء بأن يغرم جميع المهر. فإن قال: لا تغرموني الجميع وأسقطوا مقدار حصتي، فلا بد أن يجاب؛ فإن الجند وإن كثروا، فلا بدّ من إمكان حصرهم، ولولا ذلك، لما تُصوّرت القسمة عليهم. ويستوي إذا كان المغنوم نزراً أو كثيراً، أو كان أقلّ من مهر الجارية في مسألتنا، ثم إذا تيسر الضبط، فنأخذ [المستيقن] (١)، وإن تفرقوا وعسر الأمر، فلا يخفى الحكم في مثل هذه القضية، والوجه أن نحط عنه المستيقنَ، ونتوقفَ في الباقي، كما نفعله في الحقوق المشكلة، وكل ما ذكرناه إذا وطىء الجارية ولم يحبلها.
١١٤٠٤ - فأما إذا وطىء جارية وأحبلها، فالذي ذكرناه قصداً ولم نفرّع عليه الكلامُ في الحدّ؛ فإن المذهب أنه لا يجب، ويخرَّجُ فيه القول القديم الذي ذكرناه في وطء أحد الشريكين الجارية المشتركة، وليس من الترتيب تطويل المسائل بالمكررات، وعلينا شغلٌ شاغل من الإطناب في البحث عن أعواص الفقه، فلو ضممنا إليه أدراج الوجوه البعيدة في التقاسيم، لطال الكلام، وتعدّى حدَّ الاعتدال. فنعرّج على أن الحدّ لا يجب، والقولُ في المهر كما قدّمناه إذا عري الوطء عن الإحبال، لا يختلف
стр. 9336
منه شيء بإفضاء الوطء إلى الاستيلاد، ولهذا قلنا: الأب إذا وطىء جارية الابن التزم مهرَها، سواء أحبلها أو لم يحبلها.
١١٤٠٥ - فأما حكم الاستيلاد والولد، فإنا نذكره، وهو المقصود، والكلام يقع في فصلين: أحدهما - في الموسر إذا أحبل جاريةً من المغنم. والثاني - في المعسر.
فأما الموسر، فقد قال الأصحاب: أما الولد، فإنه نسيب حرُّ، وقال أبو حنيفة (١): لا يثبت النسب، والولد رقيق، وفي حرّية الولد مباحثة سننعطف عليها بعد طرد ترتيب المذهب في الاستيلاد، فليثق الناظر بحرية الولد.
فأما ثبوت الاستيلاد، فلأصحابنا طريقان: قال صاحب التقريب: إن قلنا: الغانم لا يملك قبل القسمة، فلا يثبت الاستيلادُ في شيء من الجارية؛ فإن وطأه لم يصادف ملكه، ولكن لو وقعت الجارية في حصته، فهل تصير الآن مستولدة؟ فعلى قولين مشهورين، ذكرناهما في نظائر هذه المسألة. وإن قلنا: الغانم يملك ملكاً واهناً ضعيفاً، ففي ثبوت الاستيلاد وجهين في حصة الغانم؛ إذ الملك ضعيف، وهما كالوجهين في أن المشتري إذا استولد الجارية في زمن الخيار، وقلنا: الملك له، فهل ينفذ استيلاده؟ فيه اختلاف وتفصيل ذكرناه في موضعه. هذه طريقة.
ومن أصحابنا من قلب هذا الترتيب، وقال: إن قلنا: يُنسب الملك للغانم، فالاستيلاد يثبت، وإن قلنا: لا ملك له قبل القسمة، ففي ثبوت الاستيلاد قولان مرتبان على القولين في إحبال الأب جارية الابن، ولو رتب مرتب، وجعل الاستيلاد في جارية المغنم أولى بالنفوذ، لم يكن مُبعداً؛ فإن حق الغانم في المغنم لا ينكر، ولا حق للأب في جارية ابنه؛ إذ لو كان له فيها حق، [لحرمت] (٢) على الابن، كما تحرم جارية المغنم على الغانم.
وعندي أن أخذ هذه المسألة من استيلاد الأب جاريةَ ابنه ليس بسديد؛ فإن نفوذَ الاستيلاد في حق الأب ليس بقياس بدليل ما ذكرناه من خلوص الجارية ملكاً تاماً للابن.
стр. 9337
ثم إذا أطلقنا القولَ بالاستيلاد، فمن ضرورة هذا التسرية (١)، وبها يكمل الاستيلاد، وليقع التفريع على أن [الشريك] (٢) الموسر إذا أولد الجارية المشتركة، سرى استيلاده في الحال، غيرَ متوقف على أن يغرم لشريكه قيمةَ حصته.
ثم إن حكمنا بثبوت الاستيلاد، وهو المذهب الصحيح، فإن قيمة الولد تخرج على الترتيب الذي ذكرناه، فإن كان الجند محصورين، أسقطنا حصة المستولِد من المغنم، وغرمناه الباقي، [وخصصنا] (٣) به من عداه من الغانمين. وإن كانوا غير محصورين، فقد أوضحنا أن وجه الرأي أن يغرم كمال القيمة، ثم نُلقي القيمة في المغنم فإذا فُضت، رجع إلى الغانم بتعديل السهام حصتُه من هذه القيمة أو من بدلها.
١١٤٠٦ - ثم ذكر صاحب التقريب تفريعاً على هذا المنتهى، وقال: إذا قلنا لا يثبت الاستيلاد في حصته أيضاً، فقد قدمنا أن الولد حرٌّ على ما سنبحث عنه حق البحث، إن شاء الله تعالى. فالجارية في المغنم حبلى بولد حر من الواطىء، وأوضحنا في كتاب البيع أن الجارية الحبلى بالولد الحر لا يصح بيعها على ظاهر المذهب، ما دامت حبلى.
فعلى هذا يمتنع إدخالها في القسمة، ما دامت حاملاً. هكذا ذكر صاحب التقريب. ثم بنى عليه. وقال: يجوز أن يقال: تقوّم الجارية على الواطىء، فإن كانت قيمتها مقدارَ حصته أو أكثر، فتسلّم إليه الجارية من جملة المغنم، والغرض من ذلك أنها تتعين له من غير إقراع، وهذه المسألة فيها احتمال وتردد، فيجوز أن يقال: [توقف] الجارية إلى أن تلد، ثم تُلقَى في القسمة، ويجوز أن يقال: إنما تلقى في القسمة وإن كانت حاملاً، ونَفصل بين القسمة والبيع، ويَقْوى هذا إذا قلنا: القسمة إفراز حق وليست ببيع، وقد نُجيز القسمةَ حيث لا نُجيز البيع.
стр. 9338
قال صاحب التقريب: ويجوز أن يقال: يُغَّرمُ الواطىء قيمةَ الجارية، فتُلقى (١) في القسمة؛ لأنه أوقع بإيداع رحمها الولدَ الحرّ حيلولة بينها وبين الغانمين.
١١٤٠٧ - فأما القول في قيمة الولد -وقد أجرينا الحكم بحرية الولد- ففي لزوم قيمة الولد قولان معروفان إذا أثبتنا الاستيلاد، كالقولين فيه إذا وطىء أحد الشريكين الجارية المشتركة وأولدها، وقضينا بنفوذ الاستيلاد، وهذا يرجع إلى أن الملك متى ينتقل إلى المستولد؟ وفيه قولان: أحدهما - أنه ينتقل إليه قبل العلوق. والثاني - أنها تنتقل إليه مع العلوق أو بعده، وقد ذكرنا حقيقة هذين القولين في كتاب النكاح، عند ذكرنا استيلاد الأب جاريةَ ابنه، فإن لم نوجب القيمة، فلا كلام، وإن أوجبناها، فإنما تجب حصةُ من عدا الواطىء من الغانمين، ثم يعود التفصيل إلى كون الجند
محصورين، أو غير محصورين، وقد تمهد ذلك في المهر، وفي قيمة الأم (٢)، فلا حاجة إلى إعادته.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الواطىء موسراً.
١١٤٠٨ - فأما إذا كان الواطىء معسراً، وقلنا: لا يثبت الاستيلاد في حصة الموسر، فلا شك أنه لا يثبت في نصيب المعسر، وإن قلنا: يثبت الاستيلاد في حصة الموسر، فيثبت أيضاً في حصة المعسر، ولكن لا يسري، ثم إن كان الجند محصورين، يثبت الاستيلاد في حصة المعسر، والغرض يتبين بإيضاح حصته، فإن كانت الجارية جميعَ المغنم، فحصة المعسر بينة، وإن كانوا قد غنموا غيرها، فالمعسر غنيٌّ بما يزيد على حصته في هذه الجارية، فإن كانت حصته في سائر المغنم وافية بقيمة الجارية، أمكن أن يقال: يثبت الاستيلاد، تعويلاً على غناه بغير حصته من الجارية من سائر المغنم على [ترتيب] (٣) سنبينه، إن شاء الله تعالى.
وإن كان ما يخصه من غير الجارية لا يفي بقيمة الجارية، فيثبت السريان في
стр. 9339
الجارية بمقدار ملكه، كما سيأتي شرح ذلك في باب العتق، إن شاء الله.
ومنتهى البيان يقف على أمرٍ لا بدّ من التنبه له، وهو أن الأمر في الحكم بغناه بنصيبه من غير الجارية موقوف على ألاّ يُعرِض، ويستقرَّ ملكُه في غيرها، مما تفصل من قبل، فلو أعرض، تبينا أنه لم يكن غنياً، وأن [العتق] (١) يقتصر على حصته من الجارية، ولا نقول: حق سريان العتق يُلزمُه اختيارَ حصته؛ فإن الاختيار بمثابة ابتداء الاكتساب في الغرض الذي نطلبه، وينشأ من هذا أن الغانم إذا أفلس، وضرب القاضي عليه حجرَ الديون التي ركبته، فحقه من المغنم لا يلزم، بل هو على تردده في الإعراض، وطلب الحق.
ولو كان الغانم سفيهاً، فإعراضه هل يُسقط حقَّه من المغنم؟ هذا فيه ترددٌ، ولعل الأظهر أن حقه يلزم؛ فإنه حق ملك، والإعراض في حق المطلق (٢) يُسقطه، فيبعد أن يملك السفيه إسقاطَ حق الملك.
وإن قلنا: لا ملك للغانم، وهو أضعف الوجوه، فقد ينقدح عليه تردد بأن حقه من المغنم هل يسقط بالإعراض؟ ولو تبين رشده قبل اتفاق قسمة المغنم، فأعرض، سقط، ولا نقول: كونه سفيهاً حالة الاستيلاد يقرر ملكه على وجهٍ لا سبيل إلى دفعه.
١١٤٠٩ - ولو حضر المراهق، وثبت له الرضخ، باستيلاء جند الإسلام، وانفلال الكفار، فلم تتفق القسمة حتى بلغ الصبي رشيداً، فأعرض، سقط حقه، ولو ثبت حق الشفعة للطفل، فإن أخذ الولي الشقص المبيع بالشفعة على موجب الغبطة، ثم بلغ الصبيُّ، لم يملك الردَّ، ولو لم يتفق أخذ الشقص حتى بلغ الصبيّ رشيداً، فعفا عن الشفعة، سقطت الشفعة، وأَخْذُ الشقص بالشفعة من الولي يناظر ما لو قُسّم المغنم.
стр. 9340
و [لو] (١) أخذَ نصيبَ المراهق أو السفيه، ثم رشد السفيه، وبلغ المراهق، فلا أثر لإعراضهما بعد القسمة (٢).
ولو كان اشترى الرجل شيئاً على شرط الخيار، ثم ضرب القاضي عليه حجراً بالفَلَس، وقلنا: الملك في زمان الخيار للمشتري، فقد ذكرنا تردداً في [أصل] (٣) المذهب في أن الخيار هل يبقي للمفلس المحجور عليه، حتى يملك الفسخَ، والغبطةُ في الإجازة، فإن خرّج الفقيه إعراض السفيه عن المغنم على تصرفه في الخيار بعد الحجر عليه، لم يبعد، وهذا الكلام نشأ من قولنا: الاستيلاد لا يُلزم المستولد تقريرَ الملك في المغنم، حتى يصير غنيّاً به، وهذا لامراء فيه، ثم تشعب الكلام في أساليبه.
هذا قولنا في الاستيلاد.
١١٤١٠ - فأما الولد وقد تبعض الاستيلاد، ففيه وجهان: أحدهما - أنه مخلوقٌ حراً بجملته. والثاني - أن الحرية مقدارُ ما يثبتُ الاستيلادُ فيه من الأم، فتقع الخلقة على التبعيض في الرق والحرّية.
توجيه الوجهين: من قال: جميعُ الولد مخلوق حراً، استدل بأن الشبهة تعم الجارية، وحريةُ الولد تثبت بالاستيلاد، وإن كان الاستيلادُ لا يثبت بها. والدليل عليه أن من وطىء جارية الغير، وظنها جارية نفسه، أو ظنها زوجته الحرة، فالولد ينعقد حراً، وإن كان الوالد معسراً، والاستيلاد لا يثبت في الحال، ولو ملك الجارية يوماً؛ فإذ ذاك يخرج قولان مشهوران في صور الاستيلاد، فإذا عمت الشبهة جارية المغنم على معنى أنها قد تكون حصتَه، وقد يُعرِض أصحابه، فتخلُص له: ولا حاجة إلى ذلك؛ فإن الشبهة بالشركة عامة، ولهذا يَسقُط الحدّ عنه، ونشأ تفريع هذه المسألة على أن الحد لا يجب على أحد الشريكين بوطء الجارية المشتركة.
стр. 9341
ومن قال بالوجه الثاني احتج بتبعيض الاستيلاد، وانفصل عن وطء الجارية بالشبهة، وقال: لا معترض على الشرع في تنزيل الظن منزلة الحقيقة، ثم إذا تمهد هذا، فالظن متعلّق بجميع الجارية، والأمر متبعضٌ في مسألتنا، والشبهة من الملك تؤخذ عمن هو (١) متبعض، فإذا زال الظن، ووقع وطؤه في ملكه وملكِ غيره، وجب تبعّض الولد في الحرية والملك.
وقد ذكر أصحابنا وجهين في أن الإمام إذا أراد أن يُرِق النصفَ من الأسير، ويُبقي نصفَه على الحرية، فهل له ذلك؟ وجهان: أحدهما - له ذلك، وهو القياس، والثاني - ليس له ذلك؛ فإن الرأي في الإرقاق وغيرِه في الخلال لا يكاد يتبعّض، وليس هذا خِيَرةً من الإمام، فلا وجه إلا الإرقاق، أو التعلّق بجهةٍ أخرى من الجهات.
وسئل القاضي عن وطء امرأة نصفها حرٌّ، ونصفها رقيق في نكاح أو زنا، فالولد الذي تأتي به كيف حكمه في الحرية والرق؟ فقال: يمكن أن يخرج ذلك على الوجهين في ولد الجارية المشتركة من الشريك المعسر، ثم استقر جوابه بعد أيام على أن الولد بمثابة الأم، تعلّقاً بقول الشافعي: " ولد كل ذات رحمٍ بمثابتها ".
ومعنى هذا الكلام أن حكم الولد إذا كان يؤخذ من ذوات الرّحم، فولدها بمثابتها، وليس هذا كالجارية المشتركة؛ فإن [الشركة] (٢) قد تُظن شبهة عامة في الجارية، وهاهنا لا مجال لتقدير الشبهات، فإن الزوج إذا وطىء زوجته لم تأت حرية الولد إلا منها، فيجب القطع بما استقر عليه جوابه.
١١٤١١ - فإن قيل: هذا الذي ذكرتموه في الولد إذا ضُم إلى ما قدّمتموه فيه إذا كان المستولد موسراً، ينشأ منهما تناقض. وذلك أنكم قطعتم أن الولد حرٌّ بجملته، وذكرتم قولاً أن الاستيلاد لا ينفذ أصلاً إذا قلنا: لا ملك له. أو قلنا: يثبت الملك ولكنه ضعيف، بقي الاستيلاد لا أصل له، كما أن نَفْيَ الملك لا أصل له، فلا يؤاخذ بما لا حقيقة له.
стр. 9342
وإذا تقرر هذا، فالوجه إثبات الاستيلاد في حصته، فإن سرَّينا، نقضي بأن الولد حر كله، وإن لم نثبت الاستيلاد في جميع الجارية وقوعاً [فإن] (١) اليسار إذا كان يوجب تكميل الاستيلاد بطرق السريان، فاليسار أيضاً يوجب تكميل الحرية في الولد بطريق منع الرق؛ إذ لا أصل في استيلاد الولد، غير أن طريق التكميل فيه بتقرير وقوع الخلقة في الحرية، كولد المغرور، ثم الغرم يناط به إن لم ينقل الملك في المستولدة إلى ما قبل العلوق، وإذا كان الوالد معسراً؛ فلا يثبت الاستيلاد في الجميع بجهة السراية، وينقدح خلافٌ في الولد؛ من جهة أن حرية الولد سببها انتفاء الرّق، وكمَّلها قومٌ، لأن السراية فيها غير مرعية، فتخلُّف السراية في الأم لا يؤثر في جهة الولد، ونزّل منزلون حرية الولد في جهتها منزلة عدم نفوذ الاستيلاد.
فلو قال قائل، إذا حكمتم بأن الاستيلاد لا يثبت في حق الموسر في نصيبه لضعف ملكه، فما قولكم في الولد؟
قلنا: هذا وجه ضعيف لا ينبغي أن نلتزم الكلام عليه في الفرق والجمع، ثم ظاهر النقل عن الأصحاب أن الولد حر، وذلك أن الشبهة ملكاً ويساراً [عامة] (٢) في الجميع، فاقتضى ذلك تنزيل الولد في هذا المقام منزلته فيما إذا وطىء الرجل جارية الغير، وظنها جارية نفسه.
وكان شيخي أبو محمد يقول: إذا وطىء الرجل جاريةَ الغير، وظنها زوجته المملوكة، وهو موطنٌ نفسه على أن الولد -إن اتفق العلوق به- فهو رقيق، فإذا فرض ولدٌ في الشبهة التي وصفناها، فهو رقيق؛ اعتباراً بصفة ظنه، والدليل عليه أن حرية الولد ورقه [مداران] (٣) في نكاح المغرور [على الظن] (٤)، وإلا، فلا مقتضى للحرية سوى الظن.
ورأيت لغير شيخي ما يدلّ على أن من وطىء جارية الغير، وحسبها زوجته
стр. 9343
المملوكة؛ فالولد حرّ، كما لو وطىء المغرور زوجته [الحرة على ظن أنه زانٍ بجاريةٍ رقيقةٍ للغير، فالولد حر] (١)، وإن كان الواطىء غير بانٍ أمره على وطء حرّة.
وهو عندي غلط، والوجه ما ذكره شيخي، وذلك أن حرية الولد إذا كان تأتي من قبل الظن، وهو ما ظن ظنّاً لو تحقق، لاقتضى حرية الولد، فإذا كان الحكم يُتلقى من الظن، والظن كما وصفناه، فلا معنى للحكم بحرية الولد. وكون [الوطء] (٢) محترماً لا يوجب حرية الولد، فإن ولد الزوج من زوجته الرقيقة رقيق، وإن ترتب على وطءٍ مستحق. وأما مسألة المغرور، فالظن فيها باطل، والوطء صادف مغرور زوجته، فقدّرنا كأن الظن لم يكن، وقضينا بحرية الولد بحصول العلوق به في نكاح المغرور.
فهذا تمام ما أردنا ذكره في أحكام الولد.
١١٤١٢ - ولو وطىء أجنبي من المغنم جاريةً من المغنم، نُظر: فإن مُيّز الخمس ولا شبهة للواطىء، فهو زانٍ لا يخفى حكمه في الحال والمآل.
وإن كان للواطىء أبٌ في المغنم، فوطؤه زناً أيضاً، فإنّ وطء الابن جارية أبيه زنا. وإن كان له ابن في المغنم فوطؤه جارية المغنم كوطء [جارية] (٣) ابنه الغانم، فإن جارية الابن مستولدةُ الأب، كما تصير مستولدةً للابن. ثم تعود التفاصيل.
هذا إذا جرى الوطء بعد إفراز الخمس، ويتصل بهذا أنا نؤكد ملك الغانمين على
стр. 9344
أحد القولين إذا جرى إفراز الخمس، ولا يخفى التفريع بعد التنبيه.
وإن لم يفرز الخمس، فلبيت المال في الجارية حق. فإذا وطىء أجنبي جاريةً في المغنم، وفيها حق الخمس، وكان للأجنبي حقٌّ في بيت المال، فهذا يخرج على التردد الذي حكيناه في كتاب السرقة، فإنا نقول: السارق من بيت المال لا يقطع إذا كان له في بيت المال حق، على المذهب الظاهر، ولو وطىء مثلُ هذا الشخص جاريةً من بيت المال، ففي وجوب حدّ الزنا وجهان. وهما يعودان في جارية المغنم، إذا جرى الوطء فيها قبل إفراز الخمس، وجميع أطراف المسألة مجراة على أن الحدّ لا يجب بوطء الجارية المشتركة.
١١٤١٣ - ثم قال الشافعي: " وإن كان في السبي ابن أو أب ... إلى آخره " (١).
نص الشافعي على أنه إذا وقع في المغنم من يَعْتِق على بعض الغانمين إذا ملكه بحكم القرابة، فلا نحكم بعتقه عليه قبل القسمة.
وقد نص الشافعي على أن الغانم إذا وطىء جارية المغنم، ثبت الاستيلاد، فمن أصحابنا من نقل جواب مسألة العتق إلى الاستيلاد، ومسألة الاستيلاد إلى العتق، وخرّجهما على قولين، ويكون مأخذ القولين في التوجيه ضعيف المُدرك كما قدّمناه.
ومن أصحابنا من حاول الفرق بين الاستيلاد، ونفوذ العتق بحكم القرابة، وقال: ينفذ الاستيلاد كما قدّمنا، ولا يَعتِق القريب على الغانم؛ لأن الاستيلاد ينفذ في محل امتناع العتق؛ فإن الأب إذا استولد جارية الابن، ثبت الاستيلاد، ولو ملك الابن من يعتق على الأب، لم يَعتِق على [الابن] (٢) وذلك إذا ملك أخاه، وهو ابن أبيه، لم يعتق على الابن، وذلك لأن الاستيلاد في حكم الإتلاف بالفعل، والفعلُ لا مدفع له، وحصول العتق في القريب حكم محض.
واختيار المزني أن الجارية لا تصير أم ولد، واحتج بعدم عتق القريب أخذاً من
стр. 9345
النص، وهو لا يرى النقلَ والتخريجَ، ويستشهد بالنص على النص.
وذكر بعض أصحابنا في عتق القريب مسلكاً آخر، فقال: القريب لا يعتق على الغانم إن لم يختره؛ فإن اختاره عَتَق حينئذٍ، على تفصيل اليسار والإعسار، ونزل اختياره فيه منزلة الاستيلاد، وهذا هو الذي نبهنا عليه في قاعدة الملك، إذا (١) قلنا: الاختيار عند بعض الأصحاب يؤكد الملك ويلزمه. أما إذا جرى الاستيلاد، فلا أثر للاختيار معه؛ فإنه أبلغ من الاختيار.
١١٤١٤ - وكنا أخرنا إلى تفصيل ملك الغانمين القولَ في السرقة، وهذا مما أوضحنا أصوله في كتاب السرقة عند ذكرنا سرقة أحد الشركاء المالَ المشترك، وإنما أعدنا هذا الفصل لزيادةِ فائدةٍ، وذلك أنا ذكرنا أن من أصحابنا من قال: إذا سرق أحد الشريكين من المال المشترك ما يزيد على حصته بالجزئية مثل أن يسرق ديناراً وربعاً من دينارين، له نصفهما، فالمسروق زائد على مقدار حقه، والزيادة بالغةٌ نصاباً، فمن أصحابنا من قال: يجب القطع، وذكرنا ما عدا هذا من كلام الأصحاب.
فإذا فرعنا على الوجه الذي حكيناه الآن، وسرق الغانم من المغنم ما يزيد على مقدار حصته، والتفريع على أن القطع يتعلق بالزائد على المال المشترك، ففي المغنم وجهان على هذا الوجه: أحدهما - القطع في المال المشترك. والثاني - لا يجب، لأن حقَّ كلِّ غانم ثابتٌ في جميع المغنم. وكذلك القول، لو أعرض الكلُّ إلا واحداً، قلنا: كأنه الغانم بنفسه، وكأنا نجعل الغانمين كالمزحومين، بمثابة الشفعاء، وهذا يوجب الدرء في الحد، ولا يقع الاكتفاء في إثبات الاستيلاد؛ فإن إثبات الاستيلاد يقتضي ملكاً محققاً، ثم إن اقتضت الحال سرياناً، وقع الحكم به، والمقدار الذي يدرأ الحد، لا يُثبت حقوق الأملاك. فهذا ما أردنا أن ننبه عليه.
وقد قال القاضي: إذا قلنا: يجب الحد على أحد الشريكين إذا وطىء الجارية المشتركة، -وهذا قولٌ حكيناه- فإذا وطىء الغانم جارية المغنم، فهل يلزم الحد؟ فعلى وجهين منشؤهما ما ذكرناه من أن لكل غانم حظاً في جميع المغنم، كما نبهنا
стр. 9346
عليه، وهذا ضعيف؛ فإن [معتمده] (١) القول القديم. وهذا متحقق في جارية المغنم تحققه في الجارية المشتركة، والقول القديم في إيجاب الحد يجري على وطء الرجل أخته المملوكة من الرضاع.
وقد انتجز القول في أملاك الغانمين، وآثارها جملة وتفصيلاً.
فصل
قال: " ومن سُبي منهم من الحرائر ... إلى آخره " (٢).
١١٤١٥ - ذكر الشافعي سبي الزوجين، وسبي أحدهما، وترتب انفساخ النكاح على ذلك. وقد قدمنا ذكر هذا مستقصىً، وأجرى الأصحاب في أثناء الكلام أحكامَ الديون الثابتة للحربي، إذا استُرِق، وأحكام الديون الثابتة عليه، ونحن نأتي بما يتعلق بهذا على [أكمل] (٣) بيان. وهو مما لم يعتن الأصحاب بجمع كلامٍ فيه على التواصل.
فنقول: لو كان للمسلم دينٌ على حربيّ، فاستُرق مَنْ عليه الدين. قال الأئمة: لا يسقط الدّين عن المسترَق، ورأيتُ أقوال أصحابنا متفقةً على هذا. ومذهب أبي حنيفة (٤) أن الدّيْن يسقط عن المسترَق، وأورد الأصحاب هذا في مسألة سبي الزوجين، وشبب الخلافيون بموافقة أبي حنيفة في سقوط [الدين المحترم] (٥) من حيث إنه انقلب عما كان عليه، حتى كأنه عُدم. ثم وجد (٦)، وهذا لا يلحق بالمذهب، [والمقطوع] (٧) به أن الدين لا يسقط.
стр. 9347
ثم ننظر: فإن أُرق الحربي، ولم يغنم ماله، فحق المسلم في عين ماله، والرق بمثابة الحجر، أو بمثابة الموت في المسلم المديون عليه. حتى لو ظفر به المسلمون وأخذوه -يعني المال- بعد تعلق الدين به يُقضى الدين من ذلك المال.
ولو غُنم أولاً، ثم سبي، أو غنم المال معه، فحق المسلم الغريم في ذمته، يتبعه بعد العتق. ولا يُقضى من عين المال؛ فإن المال إن غُنم قبلُ، فلا شك أن الدَّيْن لا ينعكس عليه، وإن غُنم المال معه، فقد تعقق ملك الغانمين بعين ماله. وحق صاحب الدين إن كان في الذمة [فالحق] (١) المتعلّق بالعين مقدّم على المتعلّق بالذمة؛ ولذلك قلنا: إذا جنى العبد المرهون يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن؛ فإن موجب الجناية لا يتعلق بذمة المولى، فكان تعلقه بالعين أقوى من تعلّق الرهن به.
وعندنا إذا غُنم ماله، ورَق، فالملك في الغنيمة سابق على جريان الرق إن كان المأسور رجلاً، فإن الرق [يُضرب] (٢) بعد الأسر؛ فإن كان كذلك، فلا إشكال.
وإن فرض الكلام فيه إذا أسر أولاً، ثم غنم المال مع إرقاق الإمام، أو وقع الفرضُ في المرأة تسبى مع مالها، فيحصل الرق والاستيلاء على الغنيمة معاً، فليس يبعد على القياس تعلّق الدين المحترم بالمال في هذه الصورة، قياساً على ديون التركة، مع حقوق الورثة؛ فإن حق الورثة يتعلّق بعين التركة، والدين يتعلّق بالتركة في الوقت الذي يحصل الإرث فيه، ثم قُدِّم الدين، فلا يبعد أن يكون الأمر كذلك فيما نحن فيه.
وهذا متجه جداً. وما قدمناه من الاستشهاد بجناية العبد المرهون كلامٌ مُخيلٌ ظاهره؛ فإنا إنما قدّمنا حق المجني [عليه] (٣) كما نُقدّم حقَّ المجني عليه على حق مالك العبد، إن صدرت الجناية من غير إذن السيد، ولا يزيد حق المرتهن على حق
стр. 9348
المالك؛ فإذا كان يطرأ ملكٌ على المالك، فيطرأ على حق المرتهن، ولسنا نُلزَم الآن ذكرَ تعليل تعلق الأرش برقبة العبد، وقد أجريتُ -فيما أظن- في ذلك كلاماً كلياً في (الأساليب).
وما يتعلّق بهذا الفصل أنه إذا كان للمسلم عليه دين مؤجل، فاسترق، ففي حلول الأجل وجهان مرتبان على الوجهين فيه إذا حُجر على الرجل بالفَلَس، وعليه ديون مؤجلة، ففي حلول الديون عليه جوابان. والرق أولى بأن يقتضي الحلول؛ فإنه أشبه بالموت؛ من جهة أنه يقطع النكاح، ويزيل الملك، بخلاف الحجر.
هذا كله فيه إذا كان لمسلم على حربي دين، فاسترق الحربي.
١١٤١٦ - فلو كان الدين لذمي، فالجواب كما ذكرناه؛ [فإن دين الذمي] (١) محترم بمثابة أعيان ماله.
١١٤١٦/م- ولو كان لحربي عليه دين، فاستُرِق من عليه الدين، قال القاضي: يسقط الدين عن ذمته (٢). ولتكن هذه المسألة على الذكر حتى نعود إليها.
١١٤١٧ - ومما نذكره في ذلك أن المسلم لو استقرض من حربي شيئاً، أو اشترى منه شيئاً، والتزم الثمن، ثم استُرِق الحربيّ المستحِق الدين، فالدين لا يسقط عن ذمة المسلم. ثم سبيله كسبيل أموالاً الحربي المودعة عندنا على حكم الأمان. وقد ذكرنا مصارف أمواله، وهذا الدين من أمواله.
ومن أهم ما يجب الاعتناء به أن الحربي إذا استقرض شيئاً من الحربي، ودخل المستقرض إلينا بأمان أو ذمة أو أسلم، قال العراقيون: نص الشافعي على أنه يلزمه ردّ ما استقرضه من الحربي، وحكَوْا نصّاً آخر عن الشافعي على خلاف ذلك في مسألةٍ وهي أنه إذا نكح حربي حربية على مهرٍ، ودخل بها، وماتت الزوجة، وأسلم الزوج، وهاجر إلينا، فجاء ورثة الزوجة، وطلبوا مهرها، قالوا: قال الشافعي ليس لهم
стр. 9349
عليه طَلِبة. ثم تصرفوا في النصين، وقالوا: من أصحابنا من نقل وخرّج، وجعل المسألتين جميعاً على قولين: أحدهما - أنه لا طلبة على المستقرض، ولا طلبة على الزوج.
والقول الثاني - أنه تثبت الطلبة على من التحق بنا بأمان أو ذمة أو إسلامه.
وهذا الذي أطلقوه لا يصفو على ما أحب وأوثر إلا بمزيد شرحٍ وبيان. فنقول: إذا نكح حربي حربية على مهر يصح مثله في الإسلام، ثم أسلم، فلا خلاف أن الزوجة تطالب زوجها بمهرها المسمى، وإن التزم المهر حربي لا تجري عليه أحكامنا لحربية لا حرمة لها، لم يكن التزام الحربي كالتزام المسلم؛ فإن المسلم من أهل عقد الأمان للحربي، ويصح تخصيص الأمان بمال، وعلى هذا تخرّج المعاقدات التي تجري بين المسلم، وبين الحربي، وهذا متصور فيما يجري بين الحربيين، ولكن أجمع الأصحاب على أنهما إذا أسلما، فحكم العقد مستدام [فيهما] (١)، ومن استدامته
توجهت الطلبة بموجبه وعهدته. ومسائل نكاح المشركات خارجة على هذا القانون.
كذلك إذا بايع كافرٌ كافراً ثم أسلما، والثمن المذكور مما يصح طلبه، فلا شك أن الطلب يتوجه، وكذلك إذا أسلم المستحَق عليه ثم أسلم المستحِق، فالأمر على ما وصفناه، وإن ترتب الإسلام.
١١٤١٨ - فأما إذا التزم حربي لحربي، ثم أسلم الملتزم، فتصوير الطلب من الحربي فيه بُعْدٌ، وقولنا يجب على هذا الذي أسلم أن يبذل ما التزمه، مع أن الإسلام يجُبّ ما قبله، وقد جرى الالتزامُ والملتزمُ حربي، فيعسر توجيه الطلب، وهذا منشأ القولين.
ثم إن أوجبنا، فالتعبير عنه أن ينزل المسلم على دوام العقد منزلة المسلم حالة ابتداء العقد. فإن قيل: ذلك المسلم من أهل عقد الأمان. قلنا: نعم، ولكن لو أسلما، لا خلاف أن العهدة تبقى بينهما للأصل الذي مهدناه قبلُ من قضاء الشرع باستدامة العقد.
стр. 9350
ومن قال: لا طلبة على المسلم أو الذي عقدنا له الذمة، فلا يُسقط الدين؛ فإن المستحِقَّ لو أسلم طالب، وإنما هذا تَوقُّفٌ في الطلب، فليفهم الناظر ذلك.
ثم قال العراقيون: وقال ابن سريج في النص [الوارد] (١) في النكاح: ذاك فيه إذا أصدقها خمراً ثم ماتت، وقد أسلم الزوج، فلا طلبة للورثة؛ فإنها قبضت في الشرك تمام ما رضيت به.
فإن قيل: إذا ثبت دين لحربي على حربي، واستُرِقَّ من عليه الدين، فقد ذكرتم أن الدين يسقط، فهلاّ جعلتم الرق أماناً، ونقلتم الدين إلى ذمة الرقيق؟؟ قلنا: هذا لا ينكر توجه احتمال فيه، لما نبهنا عليه. والظاهر السقوط؛ فإن ملتزم الدين انتقل من كونه حربياً لا يجري عليه حكمٌ إلى كونه رقيقاً ليس له على نفسه حكم. والاحتمال مع هذا قائم، والله أعلم.
١١٤١٩ - ولو أتلف حربي على حربي شيئاً، ثم أسلم المتلف، لم يغرم شيئاً، وليس كما لو استقرض منه. ونزيد، فنقول: لو أسلم المتلف والمتلَف عليه، فلا طَلِبَةَ بينهما بخلاف الاستقراض، والمعاملات المقتضية إلزاماً؛ فإن الإتلاف ليس عقداً نقضي بدوامه، وإنما هو حالةٌ جرت حيث لا حكم، ثم جبّ الإسلام ما كان، وأيضاً؛ فإن الحربيَّ إذا قهر الحربيَّ على مَالِه، مَلَكَه، والهلاك باب من القهر. فهذا ما يجب القطع به.
وفي التعليق عن القاضي أن الحربي إذا جنى على مسلم، فاسترق، فأرش الجناية في ذمته، ولا تتحول إلى رقبته، ثم قال: وهذا بخلاف المكاتب إذا جنى، فالأرش في ذمته يؤدّيه من الكسب، فلو عجز وعاد قنّاً، [تحول] (٢) الأرش إلى الرقبة، وفرّق، وقال: الرق الذي هو متعلق الأرش كان موجوداً في حال الكتابة المانعة من البيع، فإذا عجز، ارتفع المانع، وتعلّق الأرش بالرقبة بخلاف الحربي، لأنه لم يكن رق عند الإتلاف، وإنما حدث الرق من بعدُ، وهذا الفرق لا باس به.