← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

عليه، وهذا ضعيف؛ فإن [معتمده] (١) القول القديم. وهذا متحقق في جارية المغنم تحققه في الجارية المشتركة، والقول القديم في إيجاب الحد يجري على وطء الرجل أخته المملوكة من الرضاع. وقد انتجز القول في أملاك الغانمين، وآثارها جملة وتفصيلاً. فصل قال: " ومن سُبي منهم من الحرائر ... إلى آخره " (٢). ١١٤١٥ - ذكر الشافعي سبي الزوجين، وسبي أحدهما، وترتب انفساخ النكاح على ذلك. وقد قدمنا ذكر هذا مستقصىً، وأجرى الأصحاب في أثناء الكلام أحكامَ الديون الثابتة للحربي، إذا استُرِق، وأحكام الديون الثابتة عليه، ونحن نأتي بما يتعلق بهذا على [أكمل] (٣) بيان. وهو مما لم يعتن الأصحاب بجمع كلامٍ فيه على التواصل. فنقول: لو كان للمسلم دينٌ على حربيّ، فاستُرق مَنْ عليه الدين. قال الأئمة: لا يسقط الدّين عن المسترَق، ورأيتُ أقوال أصحابنا متفقةً على هذا. ومذهب أبي حنيفة (٤) أن الدّيْن يسقط عن المسترَق، وأورد الأصحاب هذا في مسألة سبي الزوجين، وشبب الخلافيون بموافقة أبي حنيفة في سقوط [الدين المحترم] (٥) من حيث إنه انقلب عما كان عليه، حتى كأنه عُدم. ثم وجد (٦)، وهذا لا يلحق بالمذهب، [والمقطوع] (٧) به أن الدين لا يسقط.

стр. 9347

ثم ننظر: فإن أُرق الحربي، ولم يغنم ماله، فحق المسلم في عين ماله، والرق بمثابة الحجر، أو بمثابة الموت في المسلم المديون عليه. حتى لو ظفر به المسلمون وأخذوه -يعني المال- بعد تعلق الدين به يُقضى الدين من ذلك المال. ولو غُنم أولاً، ثم سبي، أو غنم المال معه، فحق المسلم الغريم في ذمته، يتبعه بعد العتق. ولا يُقضى من عين المال؛ فإن المال إن غُنم قبلُ، فلا شك أن الدَّيْن لا ينعكس عليه، وإن غُنم المال معه، فقد تعقق ملك الغانمين بعين ماله. وحق صاحب الدين إن كان في الذمة [فالحق] (١) المتعلّق بالعين مقدّم على المتعلّق بالذمة؛ ولذلك قلنا: إذا جنى العبد المرهون يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن؛ فإن موجب الجناية لا يتعلق بذمة المولى، فكان تعلقه بالعين أقوى من تعلّق الرهن به. وعندنا إذا غُنم ماله، ورَق، فالملك في الغنيمة سابق على جريان الرق إن كان المأسور رجلاً، فإن الرق [يُضرب] (٢) بعد الأسر؛ فإن كان كذلك، فلا إشكال. وإن فرض الكلام فيه إذا أسر أولاً، ثم غنم المال مع إرقاق الإمام، أو وقع الفرضُ في المرأة تسبى مع مالها، فيحصل الرق والاستيلاء على الغنيمة معاً، فليس يبعد على القياس تعلّق الدين المحترم بالمال في هذه الصورة، قياساً على ديون التركة، مع حقوق الورثة؛ فإن حق الورثة يتعلّق بعين التركة، والدين يتعلّق بالتركة في الوقت الذي يحصل الإرث فيه، ثم قُدِّم الدين، فلا يبعد أن يكون الأمر كذلك فيما نحن فيه. وهذا متجه جداً. وما قدمناه من الاستشهاد بجناية العبد المرهون كلامٌ مُخيلٌ ظاهره؛ فإنا إنما قدّمنا حق المجني [عليه] (٣) كما نُقدّم حقَّ المجني عليه على حق مالك العبد، إن صدرت الجناية من غير إذن السيد، ولا يزيد حق المرتهن على حق

стр. 9348

المالك؛ فإذا كان يطرأ ملكٌ على المالك، فيطرأ على حق المرتهن، ولسنا نُلزَم الآن ذكرَ تعليل تعلق الأرش برقبة العبد، وقد أجريتُ -فيما أظن- في ذلك كلاماً كلياً في (الأساليب). وما يتعلّق بهذا الفصل أنه إذا كان للمسلم عليه دين مؤجل، فاسترق، ففي حلول الأجل وجهان مرتبان على الوجهين فيه إذا حُجر على الرجل بالفَلَس، وعليه ديون مؤجلة، ففي حلول الديون عليه جوابان. والرق أولى بأن يقتضي الحلول؛ فإنه أشبه بالموت؛ من جهة أنه يقطع النكاح، ويزيل الملك، بخلاف الحجر. هذا كله فيه إذا كان لمسلم على حربي دين، فاسترق الحربي. ١١٤١٦ - فلو كان الدين لذمي، فالجواب كما ذكرناه؛ [فإن دين الذمي] (١) محترم بمثابة أعيان ماله. ١١٤١٦/م- ولو كان لحربي عليه دين، فاستُرِق من عليه الدين، قال القاضي: يسقط الدين عن ذمته (٢). ولتكن هذه المسألة على الذكر حتى نعود إليها. ١١٤١٧ - ومما نذكره في ذلك أن المسلم لو استقرض من حربي شيئاً، أو اشترى منه شيئاً، والتزم الثمن، ثم استُرِق الحربيّ المستحِق الدين، فالدين لا يسقط عن ذمة المسلم. ثم سبيله كسبيل أموالاً الحربي المودعة عندنا على حكم الأمان. وقد ذكرنا مصارف أمواله، وهذا الدين من أمواله. ومن أهم ما يجب الاعتناء به أن الحربي إذا استقرض شيئاً من الحربي، ودخل المستقرض إلينا بأمان أو ذمة أو أسلم، قال العراقيون: نص الشافعي على أنه يلزمه ردّ ما استقرضه من الحربي، وحكَوْا نصّاً آخر عن الشافعي على خلاف ذلك في مسألةٍ وهي أنه إذا نكح حربي حربية على مهرٍ، ودخل بها، وماتت الزوجة، وأسلم الزوج، وهاجر إلينا، فجاء ورثة الزوجة، وطلبوا مهرها، قالوا: قال الشافعي ليس لهم

стр. 9349

عليه طَلِبة. ثم تصرفوا في النصين، وقالوا: من أصحابنا من نقل وخرّج، وجعل المسألتين جميعاً على قولين: أحدهما - أنه لا طلبة على المستقرض، ولا طلبة على الزوج. والقول الثاني - أنه تثبت الطلبة على من التحق بنا بأمان أو ذمة أو إسلامه. وهذا الذي أطلقوه لا يصفو على ما أحب وأوثر إلا بمزيد شرحٍ وبيان. فنقول: إذا نكح حربي حربية على مهر يصح مثله في الإسلام، ثم أسلم، فلا خلاف أن الزوجة تطالب زوجها بمهرها المسمى، وإن التزم المهر حربي لا تجري عليه أحكامنا لحربية لا حرمة لها، لم يكن التزام الحربي كالتزام المسلم؛ فإن المسلم من أهل عقد الأمان للحربي، ويصح تخصيص الأمان بمال، وعلى هذا تخرّج المعاقدات التي تجري بين المسلم، وبين الحربي، وهذا متصور فيما يجري بين الحربيين، ولكن أجمع الأصحاب على أنهما إذا أسلما، فحكم العقد مستدام [فيهما] (١)، ومن استدامته توجهت الطلبة بموجبه وعهدته. ومسائل نكاح المشركات خارجة على هذا القانون. كذلك إذا بايع كافرٌ كافراً ثم أسلما، والثمن المذكور مما يصح طلبه، فلا شك أن الطلب يتوجه، وكذلك إذا أسلم المستحَق عليه ثم أسلم المستحِق، فالأمر على ما وصفناه، وإن ترتب الإسلام. ١١٤١٨ - فأما إذا التزم حربي لحربي، ثم أسلم الملتزم، فتصوير الطلب من الحربي فيه بُعْدٌ، وقولنا يجب على هذا الذي أسلم أن يبذل ما التزمه، مع أن الإسلام يجُبّ ما قبله، وقد جرى الالتزامُ والملتزمُ حربي، فيعسر توجيه الطلب، وهذا منشأ القولين. ثم إن أوجبنا، فالتعبير عنه أن ينزل المسلم على دوام العقد منزلة المسلم حالة ابتداء العقد. فإن قيل: ذلك المسلم من أهل عقد الأمان. قلنا: نعم، ولكن لو أسلما، لا خلاف أن العهدة تبقى بينهما للأصل الذي مهدناه قبلُ من قضاء الشرع باستدامة العقد.

стр. 9350

ومن قال: لا طلبة على المسلم أو الذي عقدنا له الذمة، فلا يُسقط الدين؛ فإن المستحِقَّ لو أسلم طالب، وإنما هذا تَوقُّفٌ في الطلب، فليفهم الناظر ذلك. ثم قال العراقيون: وقال ابن سريج في النص [الوارد] (١) في النكاح: ذاك فيه إذا أصدقها خمراً ثم ماتت، وقد أسلم الزوج، فلا طلبة للورثة؛ فإنها قبضت في الشرك تمام ما رضيت به. فإن قيل: إذا ثبت دين لحربي على حربي، واستُرِقَّ من عليه الدين، فقد ذكرتم أن الدين يسقط، فهلاّ جعلتم الرق أماناً، ونقلتم الدين إلى ذمة الرقيق؟؟ قلنا: هذا لا ينكر توجه احتمال فيه، لما نبهنا عليه. والظاهر السقوط؛ فإن ملتزم الدين انتقل من كونه حربياً لا يجري عليه حكمٌ إلى كونه رقيقاً ليس له على نفسه حكم. والاحتمال مع هذا قائم، والله أعلم. ١١٤١٩ - ولو أتلف حربي على حربي شيئاً، ثم أسلم المتلف، لم يغرم شيئاً، وليس كما لو استقرض منه. ونزيد، فنقول: لو أسلم المتلف والمتلَف عليه، فلا طَلِبَةَ بينهما بخلاف الاستقراض، والمعاملات المقتضية إلزاماً؛ فإن الإتلاف ليس عقداً نقضي بدوامه، وإنما هو حالةٌ جرت حيث لا حكم، ثم جبّ الإسلام ما كان، وأيضاً؛ فإن الحربيَّ إذا قهر الحربيَّ على مَالِه، مَلَكَه، والهلاك باب من القهر. فهذا ما يجب القطع به. وفي التعليق عن القاضي أن الحربي إذا جنى على مسلم، فاسترق، فأرش الجناية في ذمته، ولا تتحول إلى رقبته، ثم قال: وهذا بخلاف المكاتب إذا جنى، فالأرش في ذمته يؤدّيه من الكسب، فلو عجز وعاد قنّاً، [تحول] (٢) الأرش إلى الرقبة، وفرّق، وقال: الرق الذي هو متعلق الأرش كان موجوداً في حال الكتابة المانعة من البيع، فإذا عجز، ارتفع المانع، وتعلّق الأرش بالرقبة بخلاف الحربي، لأنه لم يكن رق عند الإتلاف، وإنما حدث الرق من بعدُ، وهذا الفرق لا باس به.

стр. 9351

ولكن المسألة في وضعها فاسدة؛ فإن الحربيَّ إذا جنى على مسلم، أو ماله، فلا ضمان، ولا تعلّق بموحَب الإتلاف بالذمة، فإنه فعل ما فعل، ولا حكم عليه، وليس عقداً يُستَدام، والرق وإن أدخله في حكمنا، فالذي مضى من الإتلاف لا يُعقب تبعةً يُتَّبع بها في أحكام الإسلام، ونحن وإن قلنا: لا يملك الحربي على المسلم بالاستيلاء، فإنا نقول: لو أتلف حربي على مسلم مالاً، لم يضمنه إذا أسلم، ولم يطالَب به، فهذا ما يجب القطع به. وحكى بعضُ الناس [عن القاضي] (١) أن الحربيّ إذا أتلف، ثم عقدنا له ذمة أو أماناً، فهو مطالب بضمان ما أتلفه، ولو أسلم لا يطالب، وهذا لا يحل إلحاقه بمذهب الشافعي. والقاضي أجل قدراً في المذهب من أن يفرع على [مذهبه] (٢) ذلك؛ فما أرى ما جرى إلا خللاً من ناقل، أو هفوة من ذلك الإمام في مسألة جريان الرق بعد الجناية. فصل " ولا يفرّق بينها وبين ولدها ... إلى آخره " (٣) ١١٤٢٠ - لا يجوز التفرقة بين الأم وولدها الطفل سواء كانا مسلمين أو كافرين، أو كان أحدهما مسلماً والآخرُ كافراً، على تفاصيلَ سيأتي الشرح عليها، إن شاء الله تعالى. قال رسول الله ﷺ : " لا تولّه والدة بولدها " (٤) وقال

стр. 9352

صلى الله عليه وسلم: " من فرّق بين والدة وولدها، فرّق الله تعالى بينه وبين أحبته يوم القيامة " (١). واتفق علماؤنا على أن التفريق محرّم، وليس النهي الذي أطلقناه نهيَ كراهية، فإن فرّق المالك بينهما في البيع، فباع الأم دون الولد، أو الولد دون الأم، ففي انعقاد البيع قولان: قال في القديم: ينعقد، وهو مذهب أبي حنيفة (٢)، وقال في الجديد: لا ينعقد؛ لأن النهي متعلق بالمنهي عنه قصداً، وهو محمول على الفساد، وقد روي: " أن جارية بيعت دون ولدها، فردّ رسول الله ﷺ البيع " (٣). ولو كان للولد أم وجدة، فبيع مع الأم كفى، ولو بيع مع الجدة دون الأم، فعلى قولين. ولو لم يكن له أم، وكانت له جدّة. قال الأصحاب: الجدة كالأم، وقطعوا بهذا، ولفظهم: الجدة كالأم عند عدم الأم، وأرادوا بذلك أن الأم إن كانت رقيقة فالاعتبار بها، ولا حكم للجدة معها. فأما التفرقة بين الوالد والولد، فهل تحرم؟ على قولين: أظهرهما - أنها لا تحرم؛ فإن الأخبار في الوالدة، وهي أيضاً تختص بنهاية التحنن والشفقة، وضعف

стр. 9353

المُنّة في التصبر. فإن قلنا: يجوز التفريق بين الولد والوالد، فلا كلام. وإن قلنا: لا يجوز، ففي غير الوالد من المحارم من القرابات قولان على هذا القول: أحدهما - لا يجوز التفريق بين كل شخصين بينهما قرابة ومحرمية. والقول الثاني - يجوز. ويختص ما قدّمناه بالأم، أو من هو على عمود النسب. فإن قلنا: يجوز التفريق، فيصح البيع لا محالة. وإن قلنا: لا يجوز التفريق، ففي صحة البيع على حكم التفريق قولان. ثم إذا كان للولد أبوان، فلا أثر للتفريق بين الولد والوالد، إذا كنا نرعى الجمع بين الولد والأم كما ذكرناه في الأم والجدة. ثم ما ذكرناه من المنع من التفريق إلى متى؟ المذهب أنه إلى استقلال الصبي ببلوغ سن التمييز، وهو السبع والثمان. وذكر أئمتنا قولاً آخر أن التحريم وحكمه يمتدّ إلى البلوغ. ١١٤٢١ - وكل ما ذكرناه فيه إذا لم يكن في التفريق ضرورة. فإن وقعت ضرورة، فالبيع جائز، وبيانه أن الأم إذا كانت حرة، فَبَيْعُ الولد جائز، فإن حسم البيع لا سبيل إليه، وكذلك لو كان الولد لزيدٍ والأم لعمرو، فيجوز لكل واحد منهما أن ينفرد ببيع ما يملك؛ فإن هذا التفريق واقع، ومن يبيع يُقيم غيره مقام نفسه، وليس بمحدث تفرقاً لم يكن. ولو رهن جارية، ولها ولدٌ دون ولدها، جاز؛ إذ كان الرهن لا يوجب تفرقة؛ إذ الملك بعدُ واقع ولا حيلولة. وإذا جاز (١) البيع، فقد قال الشافعي: تباع الجارية والولد، ويوزع الثمن عليهما. وقد ذكرنا هذا على الاستقصاء في كتاب الرهن، وما ذكرناه من [منع التفرقة في البيع يجري] (٢) في منع التفرقة في الوصية والهبة، وكل جهة مملِّكة. ومن باع جارية، فسلّمها قبل قبض الثمن، فولدت للمشتري ولداً رقيقاً، وفلس

стр. 9354

المشتري، وعجز عن توفية الثمن، فكيف يرجع البائع إلى عين الجارية، ولو رجع فيها، لكان ذلك تفريقاً بين الأم والولد؟ قال العراقيون: في ذلك وجهان: أحدهما - أنه يقال للبائع: خذ الجارية وولدها بثمن المثل، وإن أبيت أخذ الولد، فليس لك إلا مضاربة الغرماء بثمن الجارية، ولا شك أن هذا مفرع على منع صحة البيع على حكم التفريق. والوجه الثاني - أنه يرجع إلى عين الجارية، والضرورة تلجىء إلى ذلك، وقد قدّمنا أن التفرقة بسبب الضرورة جائزة. ١١٤٢٢ - ثم قالوا على الاتصال بهذا: من اشترى جارية، وقبضها، فولدت له ولداً رقيقاً، ثم وجد بها عيباً قديماً، فلا سبيل إلى ردّها إذا منعنا التفريق؛ إذ لا سبيل إلى إلزام البائع بملك الولد حتى ينتظم الرد عليه. ومن الممكن أن نقول: الراجع في عين ماله بعد الفلس يرجع في الجارية وحدها. هكذا ذكروه، وليس يبعد عندنا أن نسلّطه على ردّ الجارية وحدها لأجل الضرورة الداعية، وهذا إذا لم تعبها الولادة، ولا تُلحق بها نقصاً، فإن نقصت، وقعنا في تفصيل العيب الحادث مع الاطلاع على العيب القديم. ثم ذكر الشافعي مسائل في حصول الإسلام بالتبعية، وقد ذكرنا [وجوه] (١) التبعية في كتاب اللقيط على أبلغ وجه في البيان، فلا نعيد منها شيئاً. ...

стр. 9355

باب المبارزة ١١٤٢٣ - المبارزة في الجملة جائزة، وعن الحسن البصري (١) تحريم المبارزة. والأولى ألا يبرز الغازي دون إذن صاحب الراية، وإن أراد المبارزة دون إذنه، ففي جواز ذلك وجهان: أحدهما - يجوز، وقياسه ظاهر؛ فإنه فن من القتال، ولا سبيل إلى مراجعة صاحب الراية في تفاصيل القتال؛ فإن مراعاةَ هذا عسرٌ، سيّما إذا عظم الجند، واشتد القتال. والوجه الثاني - أنه لا يجوز؛ فإن له في تعيين المبارزين رأي واجتهاد فيهم. فلا بدّ من مراجعته. وبالجملة من لا يعلم في نفسه بلاءً وشجاعة، فلا يجوز له أن يبارز بطلاً من الكفار، لأنه ربما يصاب، فتنكسر قلوب المسلمين، وتتجرأ به الكفار. ثم يتعلق بالمبارزة فصول من الأمان، فإذا برز مسلم، وتنصَّل (٢) من الصف كافر، فلا أمان للكافر، ويجوز لجمع من المسلمين أن يغتالوه. وإن شرط أن ينفردا ولا يُعينَ المسلمون صاحبَهم، ولا الكفارُ صاحبَهم، فيجب الوفاء بموجب الأمان، ثم نَنظر إلى صيغته، فإن وقع العهد إلى أن يثخن أحد القِرنين صاحبَه، فإذا قتل الكافرُ المسلمَ، جاز قتلُ الكافر قبل الرجوع إلى الصف، وإن كان العهد ممدوداً إلى الرجوع إلى الصف، فلا نَتعرّض له. وإن أثخن المسلمَ، ولم يبق فيه قتال، فأراد التذفيفَ عليه، ابتدرناه، ومنعناه، وإن كان العهد ممدوداً إلى تمام القتال، فإن القتال قد انتجز [بالإثخان] (٣)، فإن كان العهد ممدوداً إلى القتل، فالعهد -على هذا الوجه- باطل؛ فإنا إن رأينا في

стр. 9356

المبارزة وجهاً من المقاتلة، فلا تتم المبارزةُ إلا بأن يأمن كلُّ قِرنٍ في وقت المحاربة أن يُغتال من غير جهة قِرنه، فلئن اتجه هذا، فلا معنى لتسليط كافر على مسلم لا قتال فيه. وإن كان العهد ممدوداًَ إلى القتال، فإذا ولى المسلم دُبره، فليس للكافر أن يتبعه، وقد ترك القتال، فإن تبعه، دفعناه وقتلناه، فإن ولّى الكافر دبره، فيجوز للمسلمين أن يقتلوه، لأن الأمان له ما داما يتقاتلان، وقد انتهى القتال بينهما. وإن شرط البارز منهم ألا يتعرض له حتى يرجع إلى الصف، وجب الوفاء بالأمان. ولو أعان الكافرَ جماعةٌ من المشركين، فإن كان باستنجاد من برز منهم، قتلناه، ومن يعينه، فإن أعانوه من غير استنجاده، دفعنا من يعينه، ولم نقتل المبارز، وتركناه إلى قِرنه. ولا فقه في هذه المسائل، والجامع لجميعها أن المرعي نصُّ الأمان وصيغتُه، فنفي به إذا وافق ما يجوز الأمان فيه. وحظّ الفقه من جميع ما ذكرناه شيئان: ذكرنا أحدهما - وهو أن الأمان المسلّط على القتل بعد الإثخان باطل. والثاني - أنا إذا جوّزنا للواحد من الصف أن يبرز دون [إذن] (١) صاحب الراية، فلو أمّن المسلمُ البارزُ الكافرَ الذي خرج إليه على ألا يُتعرض له حتى يرجع إلى الصف، فيجب الوفاء بهذا الأمان، وإن لم يجر الأمان إلا منه. وإذا قلنا: لا ينفرد بالبراز، فلسنا نعني به إذا كالح (٢) كافراً لا يجوز، وإنما نعني به أن أمانه لا ينفذ، فلا تنتظم المبارزة والحالة هذه؛ فإن المسلمين يقصدون ذلك الكافر، ويقتلونه. فهذا معنى تردد الأصحاب في الانفراد بالمبارزة دون الرجوع إلى صاحب الراية، فإن قيل: ألستم تنفذون أمان الواحد للواحد؟ قلنا: هذا إذا لم يكن المؤمَّن مقاتلاً، ووقوف الكافر في الصف قتال. ...

стр. 9357

باب فتح السواد قال الشافعي: " ولا أعرف ما أقول في فتح السواد إلا بظنٍّ مقرونٍ إلى علم ... إلى آخره " (١). ١١٤٢٤ - وإنما قال الشافعي ما قال لاختلاف الروايات، في السواد، وكان أعرفَ خلق الله بهذا القسم، ولكن تحرّج حتى لا يُنسب إليه غريبُ الروايات كلها، واختار من جملتها: أن سواد العراق فُتح عَنوةً، وقد روي أنه فتح صلحاً، وروي أن بعضها فتح صلحاً، والبعض عَنوة، والأصح أن أرض العراق فتحت عَنوة بجملتها، وأريق على جوانبها دمُ آخر الأكاسرة يزدجرد وأعوانه، ولم يثبت صلحٌ في قطر من أقطار العراق، ثم استقسم الغانمون الأراضي، فقسمها عمر ﵁ بينهم بعد أن قال: " أخشى أن يتعلقوا بأذناب البقر، ويتقاعدوا عن الجهاد " (٢) فخاف أن يتعطل أمر الجهاد، فاستطاب أنفسهم عنها، فمنهم من طاب نفساً بردّ نصيبه، ومنهم من أبى، فعوّضه، واستخلص الكلَّ للمسلمين. وفي رواية جرير بن عبد الله البجلي، وهي أصح الروايات في سواد العراق، قال: " كانت بَجِيلةُ (٣) رُبعَ الناس، فأصابهم ربعُ السواد فاستغلوه ثلاث سنين أو أربعَ سنين، فقال عمر: لولا أني قاسم مسؤول، لتركتكم وما قسم لكم ... الحديث " (٤). وروي أن أم كُرز قالت: " إن أبي شهد القادسية وثبت سهمه، وإني لا أرضى حتى يملأ كفي

стр. 9358

دنانيرَ وفمي لآلىء، ويُركبَني ناقة ذلولاً عليها قطيفةٌ حمراء، فأعطاها عمر ما سألت " (١)، فثبت أن الفتح كان عَنوة. ثم لما استخلص عمر أراضي العراق للمسلمين، ردّها على سكان العراق، ووقفها على المصالح، وضرب على الذين يستغلونها أموالاً رآها الشافعي أجرةَ الأراضي، والإجارةُ مؤبدة، وكانت [تتكرر] (٢) بتكرر السنين. ثم أسلموا عليها، فلم تسقط عنهم الأموال الموظفة عليهم، فإنهما كانت أجرة، ولم تكن جزية. والمأخوذ منهم يُسلك به مسلك مال المصالح؛ لأنه مستفادٌ من موقوفٍ على عامة المسلمين، ومثل هذه الجهالة محتملة لمسيس الحاجة في المعاملات العامة المتعلقة بالمصالح الكلية. قال الشافعي: من انتهت إليه قطعة من تلك الأراضي من آبائه وأجداد، فليس للغير أن يقول: أنا أستغلها، وأعطي الخراج؛ فإنهم استحقوا منافعها بإجارة لازمة، عقدها أمير المؤمنين، والأجارة لا تنفسخ بموت المستأجر، ولو أراد واحد منهم بيع رقبة الأرض، لم يصح؛ فإن رقاب تلك الأراضي محبسة، ولو أراد واحد منهم أن يكري تلك الأرض مدة معلومة بأجرة معلومة، صح. وإن أراد أن يكريها إكراء مؤبداً بمالٍ يَتفق عليه التراضي، ففي ذلك تردد من الأصحاب، والأصح المنع؛ فإنا حملنا تجويز التأبيد في إجارة عمر ﵁ على تعلق تلك المعاملة بالمصلحة العامة، وإذا أراد الواحد أن يكري، فتصرفه مردود إلى قياس التصرفات الجزئية. ومن يجوّز الإجارة المؤبدة، لا يجوّزها إلا في [تلك الأراضي] (٣)، ويحتج بأنهم استحقوا منافعها على جهةٍ، فلا يبعد أن يملكوا إخراج أنفسهم من البَيْن، وإحلال غيرهم محالّ أنفسهم، فيقع جواز هذا تبعاً لما أجراه [لهم] (٤) عمر. وقال ابن سريج: باع عمر بن الخطاب تلك الأراضي من سكان العراق، وجعل الثمن مؤجلاً عليهم. وهذا غير صحيح، وهو يخالف النص، فإن نص الشافعي

стр. 9359

موجود في كتاب الرهون، على أن رهن السواد مفسوخ. أراد بالمفسوخ الفاسد، ولو كانت رقاب الأراضي مبيعة، لجاز بيعها، ولو جاز بيعها، لجاز رهنها. ثم ما ذكره غير صحيح، وذلك أن الأجرة إذا كانت تتجدد بانقضاء السنين، فهذا محمول على مقابلة كل سنة بأجرتها، والمنافع متجددة، ومثل هذا لا يتصوّر في البيع، فإن الموظف على أهل العراق لو كان ثمناً، فالثمن لسنا نرى له ضبطاً، ولا غاية، ولا مقابلة بما يتجدّد حالاً على حال. وقال أبو حنيفة (١): السواد فتح صلحاً، وردّها عمر عليهم بخراجٍ يؤدونه كلَّ سنة، وزعم أن الخراج لا يسقط بإسلامهم. وهذا مطرد على مذهبه؛ فإنه يقول: إذا ضرب الإمام الخراج على أراضي الكفار، وكان يأخذه منهم جزيةً، فإذا أسلموا على أراضيهم، لم يسقط عنهم الخراج الموظف، وعندنا أن الخراج المضروب على الكفار سبيله سبيل الجزية، فإذا أسلموا على أراضيهم، سقط الخراج عنهم كما تسقط الجزى عن رؤوسهم. ومما يتصل بهذا الباب أنه لو وقع مثل هذه الواقعة، وعلم الإمام أنه لو ترك الأراضي في أيدي الغانمين، لتعطل الجهاد، ثم زاد (٢) أصحابُ الأراضي بسطتَهم، فأَبَوْا، وعلم أنه لا خلاص إلا باقتهارهم، وأَخْذِ الأراضي منهم قسراً، فليس للإمام أن يفعل هذا، بل يقتهرهم على الخروج إلى الجهاد على حسب دعاء الحاجة إليهم. وقد نقل المعتمدون: أن أمير المؤمنين استطاب قلوب المسلمين، وطلب المسلمون مرضاتَه، لما عرفوا نظره للدين وأهلِه، وروي: " أن بلالاً أبى عليه، فراجعه، فأغلظ بلال القولَ على عمر، فاحتمل عمر، ثم قال: اللهم خلصني من بلال وذويه، فما مرت سنة حتى لم يبق من آل بلال نافخ ضَرْمة (٣) " (٤). ...

стр. 9360

باب الأسير يؤخذ عليه العهد ألا يهرب أو على الفداء ١١٤٢٥ - مضمون الباب الكلام على أحوال الأسرى إذا أطلقهم الآسرون، وأثبتوا عليهم عهوداً، ونحن نفصل الغرض فيما يجوز، وما لا يجوز. فنقول: إذا خلَّوْا الأسير وشرطوا أن يتردّد فيما بينهم، ولا يخرج إلى دار الإسلام، فمهما (١) تمكن، فلا يسعه المقام، إذا كان يخاف أن يُفْتَنَ عن دينه، وإن كان لا يخاف ذلك، وكان متمكناً من إقامة شعائر الشريعة غيرَ مدفوع عنها، فالأصح أنه لا يحرم عليه المقام. ومن أصحابنا من حرم المقام؛ فإن المسلم بين أظهر الكفار مقتهَرٌ مهانٌ، فإن انكفوا عنه، فلا تعويل عليه؛ فإنهم قد يؤذونه، أو يقهرونه، أو يفتنونه عن دينه. وحق المسلم أن يكون مستظهراً بأهل دينه، قال علي ﵁: " أنا بريء من كل مسلم بين المشركين " (٢)، حتى قال الأصحاب، لو كانوا حلّفوه، فلا يسعه المُقام، فإن أكرهوه على اليمين، فلا حِنث عليه، وإن لم يتحقق الإكراه على اليمين، ولكنه

стр. 9361

يرى أن يحلف لتسكين قلوبهم، ولنفي التهم، فعليه الخروج، إذا تمكن، ثم يلزمه الكفارة. ولو حلف بالطلاق أو العتاق طائعاً -غير مكره- فلا شك أنه لو خرج، وقع الطلاق والعتاق، ولا ينتصب توقع وقوعهما عذراً في جواز الإقامة، بل يتعين الخروج على الرأي الظاهر الذي هو المذهب. ثم إن أمّنوه، فليس له إذا استمكن من الخروج أن يغتالَهم في دمائهم وأموالهم، وذراريهم، ونسائهم؛ فإن الأمان إذا ثبت على شرط، اقتضى الأمانَ من الجانبين، ولو أطلقوه، وخلَّوْا سبيله، ولم يتعرّضوا للأمان، فله أن يغتالهم، لأنه لم يجر أمان يتضمن الأمن، فإذا جرى أمان، منعناه من اغتيالهم، وأوجبنا عليه أن يهرب إذا استمكن، ولو هرب، فتبعه أقوام ليردوه، فله أن يقاتلَهم، ويغتالَهم، ولا يتعرّض لغير الذين اتبعوه. ولو خلَّوه على أن يخرج إلى دار الإسلام، ويزور أقاربه، ثم يرجع إليهم، فلا يحلّ له الرجوع إليهم، ولو همّ به، منعه الإمام. وقال الزهري والأوزاعي: يلزمه الوفاء بالعود إليهم حتى لا يصير امتناعه سبباً لامتناعهم عن إطلاق الأسرى. ١١٤٢٦ - ولو باعوا منه فرساً أو غيره من الأمتعة بأكثرَ من ثمن المثل أو بثمن المثل، فإن كان مكرهاً عليه، فالبيع باطل. غير أنه يلزمه أن يردّ إليهم ما أخذه بعد الخروج إلى دار الإسلام؛ لأن تلك العين حصلت في يده على حكم المعاوضة؛ فإذا لم يلزمه الثمن، ألزمناه ردَّ العين. وقال الشافعي في القديم: هو بالخيار بين أن يردّ عين مالهم، وبين أن يبعث إليهم بثمنها. وهذا شَرْعٌ (١) إلى [وقف] (٢) العقود. وقد قررناه في كتاب البيع، وإذا جوزنا وقف العقد، فالمكره على البيع يملك الإجازة لو أرادها.

стр. 9362

ولو جرى البيع على اختيار، واشترى ما اشترى طائعاً بثمن يصح مثله في الإسلام، فيلزمه الوفاء بالعهد، وبعث الثمن. وفي تعليقنا عن الأمام (١) أنهم إذا خلّوا الأسير على شرط أن يبعث إليهم مالاً، وفادَوْه به أنه لا يلزمه أن يفي بما وعد من المال، ولا يجوز أن يعود. قال: وحكى الشافعي عن بعض السلف: أنه يجب عليه أحد الأمرين: إما العود إلى الأسر، وإما بذلُ المال، وقيل هذا قول الشافعي في القديم. وهذا بعيد لا أصل له، ولم أره في غير تعليقنا، ولست أعدّه من المذهب. فرع: ١١٤٢٧ - قال العراقيون: لو كان في المغنم كلاب، فإن لم يكن منتفَعاً بها، خُلّيت، ويُقتل العقور منها فأما إذا كانت منتفعاً بها بحيث يجوز اقتناؤها للانتفاع بها. قالوا: لو أراد الإمام أن يسلّمها إلى واحدٍ من الغانمين لعلمه باحتياجه إليها، فعل ذلك، غيرَ محسوب عليه. وهذا فيه احتمال؛ فإن الكلاب في الجملة منتفع بها، فلا يبعد أن نقول: يثبت لجميعهم حق اليد فيها. ومن مات وخلف كلاباً على الصفة التي ذكرناها، فلا يستبدّ بها بعض الورثة، وليس للقاضي تخصيص بعضهم؛ فليكن الأمر كذلك في كلاب المغنم. فرع: ١١٤٢٨ - إذا أراد الغزاة حمل رؤوس الكفار إلى بلاد الإسلام، فالمسألة ليست منصوصة للشافعي، والذي يقتضيه قياسه كراهيةُ ذلك، فإنه لم يعهد في زمن أصحاب رسول الله ﷺ ، وليس فيها فائدة. وقد تعلق الأصحاب بما روي أن جماعة نقلوا رؤوس الكفار إلى المدينة في زمن أبي بكر، فقال: لا تنقلوا هذه الجيف إلى حرم رسول الله ﷺ (٢).

стр. 9363

قال شيخي: هذا يمكن أن يحمل على تنزيه الحرمين عن نقل جيف الكفار، حتى إذا كان نقل الرؤوس ناجعاً في الكفار، فهو ضربٌ من التنكيل، لو رآه الإمام، لم يكن في تجويزه مع نفي الكراهية بأسٌ. فرع: ١١٤٢٩ - إذا حاصر صاحب الراية قلعة، فرضُوا بأن ينزلهم على حكم رجل عيّنوه، فيجوز للإمام أن ينزلهم على حكمه إذا كان أميناً عدلاً. قال العراقيون: ينبغي أن يكون مجتهداً، وما أظنهم شرطوا أوصاف الاجتهاد المعتبرة في المفتي، فإن عَنَوْا بالاجتهاد التهدِّي إلى طلب الصلاح والنظر للمسملمين، فهذا لا بد منه، وإن أرادوا استجماع شرائط الفتوى، فهو غلط غير معتدٍّ به، والأصل في ذلك ما جرى لرسول الله ﷺ من تنزيل بني قريظة على حكم سعد بن معاذ في قصة مشهورة (١). ثم إذا حكم المحكّم بالقتل وسبي الذرّية، فللإمام أن يمن عليهم، ويفاديهم، ولا يتعين على الإمام قتلُهم، نعم لو حكم المحكَّم بالمن، فلا يقتلهم الإمام، وإذا حكم بالقتل، فله المن. وتعليل ذلك بيّن، ولو حكم عليهم بالجزية، فإن قبلوها، اتبعها الإمام، وفاء بالرضا بحكمه، ولو رأى أن يمن، فلا حرج عليه، وبالجملة: إن الإمام لا يزيد على حكم المحكَّم ومقتضاه، وإن أراد التجاوز والتساهل، ورأى ذلك وجه الصلاح، فلا يُعتَرضُ عليه. ولو حكم المحكّم بالجزية، فهل يلزمهم الرضا بحكمه، والتزام الجزية؟ ذكر ابن سريج وجهين فيما حكاه العراقيون: أحدهما - يلزمهم وفاءً بتحكيمه والنزول على رأيه. والثاني - لا يلزمهم. فإن ألزمناهم، فليس معناه أنا نوجب عليهم أن يلتزموا، ولكنا نقضي بأن الجزية

стр. 9364

تلزمهم، فإن أبَوْا، كانوا بمثابة أهل الذمّة إذا التزموا الجزية، ثم امتنعوا عن أدائها. وسيأتي حكم هؤلاء في كتاب الجزية، إن شاء الله تعالى. وإذا قلنا: لا تلزمهم الجزية، فلا يجوز التعرّض لهم، ولكنهم يُبَلَّغون المأمن، فإنهم نزلوا متمسكين بأمانٍ على الجملة، وهذا الوجه يفارق الوجه الآخر؛ من حيث أنا لا نغتالهم على الوجه الأخير وجهاً واحداً، وإذا ألزمناهم الجزية، وامتنعوا، فقد نغتالهم في وجه. ولو حكم المحكَّم بالقتل، فأراد الإمام أن يسترق، فقد اختلف أصحابنا، فمنهم من قال: له ذلك، لأن الاسترقاق دون القتل، والإمام لا يزيد على حكم المحكم، وله أن ينقص، والاسترقاق دون القتل. ومن أصحابنا من قال: ليس له أن يسبي، وهو اختيار الصيدلاني؛ فإن الاسترقاق نوع من العذاب، وقد يؤثر الإنسان الموت عليه، وليس كالمنّ، فإنه تركٌ للعقاب من غير بدل، فلو حكم بالقتل، ثم أسلم المحكوم عليه، امتنع القتل، فمن جوز للإمام أن يسترق في الكفر، جوّز ذلك بعد الإسلام، ومن لم يجوّز الاسترقاق، فلا يجوز هاهنا؛ فإن الاسترقاق زال بحكم القتل، ثم زال القتل بالإسلام. فرع: ١١٤٣٠ - ذكر الشيخ في أثناء كلامه في شرح التلخيص أن العبد المرتدّ مالٌ يُباع، ولو قتله مسلم، لم يلتزم بقتله ضماناً، ولو غصبه غاصب، فتلف في يده، لزمه الضمان؛ فإنه مالٌ تام قابل للتصرفات المتعلّقة بالملك التام، وما كان كذلك، فهو مضمون باليد العادية (١)، ولا يضمن بالقتل؛ لأن قتله حكمُ إقامة الحد، فمن ابتدر قتله من المسلمين كان مقيماً حدّ الله تعالى، وإن لم يكن له ذلك؛ فإنه مفوّض إلى نائب المسلمين. وهذا ممثل بعبدٍ مغصوب في يد الغاصب يقول مولاه: اقتله، فلو قتله، لم يضمنه، ولو تلف في يده، ضمنه، ولو قطع رجلٌ يدَ مرتدٍّ، واندمل، وأسلم المقطوع يدُه، فلا ضمان، وإن لم يكن قَطْعُ اليد قتلاً، ولم يكن واقعا حدّاً،

стр. 9365

ولا محمل لهذا إلا أنه لو قتله، لكان هدراً، والأطراف تهلك بالقتل، والذي يقرّب ذلك أن قطع الطرف لو أدى إلى التلف، لكان قتلاً، فإذا لم يُودَ، لم يخصص بالضمان، والوجه أن نقول: إذا قال مالك العبد لإنسان: اقتل هذا العبد، فلو قتله، لم يضمنه، ولو قطع يده، لم يضمن يده أيضاً، قياساً على قطع يد المرتد، والله أعلم. فرع: ١١٤٣١ - ذكر الشيخ في أثر كلام أجراه في أحكام الكفار، أن الكافر إذا حلف وحنث، انعقد يمينه، ولزمته الكفارة، بالحنث، وهذا مشهور من أصلنا. ثم قال: فلو أسلم الكافر، فهل تسقط عنه الكفارة؟ فعلى وجهين: أحدهما - تسقط، ولا يخاطب بها، والإسلام يجبها. الثاني - لا تسقط، كما لا تسقط عنه [القروض] (١) والديون التي التزمها في الشرك. وهذا الذي ذكره يجرّ إشكالاً عظيماً على المذهب؛ فإن الكفارة إذا كانت تسقط بالإسلام، والطَّلِبة بها لا تتوجه على الكافر، وليست من الأحكام المتعلّقة بالحكام، حتى يُفرض فيها [إلزامٌ] (٢) من الحاكم عند تقدير رضا الكافر بحكمه، سواء إذا كان الكافر في كفارة اليمين [أو غيرها] (٣)، فإذا لم يظهر طَلِبة، والإسلامُ المتضمن التزام الأحكام يُسقطها، فلا معنى للزومها. ولو كانت الكفارة مفروضة في الظهار، والظهار نافذ من الكافر؛ فإنه يقتضي تحريماً، وإن كان لا يقطع الملك (٤)، فيتجه أن يقال: لا يرتفع التحريم إلا بالتكفير، وبالجملة إذا أسقطنا بالإسلام كفارة اليمين، فلا معنى لوجوبها على الكافر، والمصير إلى أن كفارة الظهار تسقط بالإسلام لا أصل له. ويلزم على مساق هذا أن يقال: إذا آلى الكافر من زوجته، ثم أسلم، انقطع الإيلاء، لمصيره إلى حالة لو وطىء، لم يلتزم بالوطء أمراً، وقد ذكرنا أن من علّق

стр. 9366

عتق عبده بوطء زوجته، وحكمنا بأنه مُولٍ موقوف بعدّ الأربعة الأشهر، فلو باع ذلك العبد، والتفريع على امتناع عود الحنث، فينقطع الإيلاء. فإذاً يجب القطع ببطلان سقوط الكفارة بالإسلام؛ فإن في الذهاب إليه هدمُ القواعد. ووجوب كفارة اليمين على الكافر مشكل، وإن كان الفقيه يتكلف لإثبات الكفارة في الظهار تبعاً للظهار، وكذلك القول في الكفارة المتعلقة بالإيلاء. فهذا منتهى المراد في ذلك. ***

стр. 9367

باب إظهار دين الله تعالى ١١٤٣٢ - تكلم الشافعي في هذا الباب على آيةٍ وأخبارٍ ظاهرها التعرض لما سيكون، فأما الآية، فقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، وقد قيل: أراد إظهار دينه بالحجة، فعلى هذا انتجز الموعود، وظهرت الحجة، ووضحت المحجة. وقيل: أراد ظهورَ الملة في جزيرة العرب، وهذا متجه أيضاً. وقيل: أراد استيلاء ملوك الأمة على المشارق والمغارب. قال رسول الله ﷺ : " زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها " (٢). وقيل؛ ينتجز هذا الوعد عند نزول عيسى ﵇، وقصة نزوله مشهورة. وأما الأخبار التي جمعها الشافعي، فهي، ما روي أن النبي ﷺ قال: " إذا هلك كسرى، فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده، لتنفقَن كنوزهما في سبيل الله " (٣). وكتب رسول الله ﷺ إلى كسرى: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمدٍ رسول الله إلى كسرى عظيم فارس " فلما بلغه الكتاب قال: عبدي يقدم اسمه على اسمي، ومزق كتاب رسول الله صلى الله

стр. 9368

عليه وسلم، فقال رسول الله ﷺ : " يمزّق ملكُه " (١). وكتب إلى قيصر: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم: أما بعد، أسلم تسلم، الكتاب " وهو معروف. فلما أتاه كتاب رسول الله ﷺ أكرمه وطيبه وغلفه بالمسك والغوالي، وقبّله ووضعه على رأسه، وأمر حتى نثر عليه. فقال ﷺ ، لما بلغه الخبر: " ثبت الله ملكه " (٢). أما الأخبار في هلاك الأكاسرة، وتمزق ملكهم، فلا اختلاف فيه، وأما حديث قيصر، فقد روي أنه قال: " إذا مات قيصر، فلا قيصر بعده " معناه: لا قيصر بعده بالشام، وكانت القياصرة تسكن الشام، وهي دار ملكها. وأما قوله: ثبت الله ملكه أراد امتداد ملك القياصرة، وهذا حق معاين، وأما قوله ﷺ : " لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " أي كنوز قيصر الشام، وقد أنفقت، وقيل: أراد جملة القياصرة، وهذا سيكون في آخر الزمان. ...

стр. 9369

ولكن الفقيه إذا لم يكن وافر الحظ من الكليات وأحكام الإيالات إذا انتهى إلى مواقف تعارض النص، تخبط. الإمام في نهاية المطلب

стр. 9370

كتاب الجزية ١١٤٣٣ - أمر الله تعالى لما افترض الجهاد بقتل المشركين كافة، فقال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، وفي آية أحْرى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، فمن العلماء من قال: كان الأمر بالقتال عاماً في ابتداء افتراض الجهاد، ثم ثبتت الجزية، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وكانت آية الجزية ناسخة للأمر بقتلهم كافة. وقيل: آيات القتال عامة، وآية الجزية مخصصة لها، مبينة للمراد بها. فالأصل في الجزية الكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وسنذكر تفسير الصغار في أثناء الكتاب- إن شاء الله تعالى. وقال رسول الله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: " إنك سترد على قومٍ هم أهل كتاب، فاعرض عليهم الإسلام، فإن امتنعوا، فاعرض عليهم الجزية، وخذ من كل حالم ديناراً، فإن امتنعوا، فقاتلهم" (٢) والإجماع منعقد على أصل الجزية.

стр. 9371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9372

والجزية مأخوذة من الجزاء، وهي اسم للمال المأخوذ، من أهل الذمة، وهي على وزن الفعلة، كالقِعدة، والجِلسة وبابهما. ثم قال قائلون -من غير فكرٍ-: المأخوذ في مقابلة إسكاننا إياهم، وهذا غير سديد؛ لأن المرأة تقيم في دار الإسلام، ولا جزية عليها. ومنهم من قال: جزاء حقن الدم. وهذا ليس مرضيّاً أيضاً؛ فإنه يثبت مع الحقن عصمة الأموال، والذراري، ووجوب الذب، فليس الحقن كلَّ المقصود، بل هو من المقاصد. وقيل: الجِزَى (١) جزاءُ كفنا عن قتالهم في دار الإسلام سنةً، فصاعداً. والوجه أن تُجمعَ مقاصد الكفار، ويقال هي مقابلة بالجزية، وسيكون لنا عودٌ إلى أن الجزية هل تنزل منزلة أجرة الدار المكراة أم كيف السبيل فيها؟ ١١٤٣٤ - ثم إن الشافعي صدر الكتاب بمن تؤخذ الجزية منه من أصناف الكفار، ومن لا تؤخذ منه الجزية، ولا يقَرّر في دار الإسلام (٢). فنقول: الكفار على ثلاثة أقسام: قسم- ليس لهم كتاب، ولا شبهة كتاب، فهؤلاء لا تؤخذ منهم الجزية، ولا يقرون في دار الإسلام بالجزية أصلاً، وهم عبدة الأوثان والنيران، وما استحسنوه من الصور الحسان، فلا تعقد لهم الذمة، بل نقاتلهم

стр. 9373

حتى نستأصلَهم أو يسلموا، وحمل أصحابُ المعاني قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، على هؤلاء. وقسم لهم حقيقةُ الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وهؤلاء تحقن دماؤهم بالجزية، وتحل ذبائحهم، ومناكحتهم بنصوص القرآن، فأما الحقن، ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وحل الذبيحة في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. والمراد الذبائح، وحل المناكحة في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]. وقسمٌ ليس لهم كتاب، ولهم شبهة الكتاب، وهم المجوس، فتحقن دماؤهم بالجزية، ولا تحل ذبيحتهم، ولا مناكحتهم على ظاهر المذهب، فغلّبنا فيهم أمرين يقضي الشرع بتغليبهما: أحدهما - الحقن، وعليه أخذ الجزية. والثاني -[الحرمة] (١) في المناكحة والذبيحة، وقد روي " أن رسول الله ﷺ ، أخذ الجزية من مجوس هجر " (٢). وروجع عليٌّ فيهم، فقال: " أنا أعلم الناس بأمرهم. كان لهم كتاب يدرسونه، وعلم يتعلمونه، فواقع فيهم ملك ابنته، فاطلع عليه أهل مملكته، فهموا بقتله، فقال: هل تعلمون ديناً خيراً من دين أبيكم؟ (٣) كان يزوج بناته من بنيه، فلما أصبحوا كانوا قد أُسري على كتابهم ومُحي ما كان في حفظهم " (٤).

стр. 9374

وعن النبي ﷺ أنه قال: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (١). هذه قاعدة المذهب في الكفار، وتفصيل الحكم في أقسامهم. ثم لا أثر عندنا في قبول الجزية وردها للعرب والعجم، وإنما التعويل في قبول الجزية على من قَبِل الكتابين، التوراةَ والإنجيلَ، أو للتمسك بشبهة كتاب المجوس، ثم لا فرق بين أن يكون الكتابي أو المجوسي عربياً أو أعجمياً. فهذا تأسيس المذهب فيمن يكون من أهل الجزية، وفيمن لا يكون أهلاً لها. ١١٤٣٥ - ولو جاءنا قوم من الكفار، وزعموا أنهم متمسكون بالكتب المنزلة على الأنبياء، وتعلّقوا فيما زعموا بتلك الكتب كالزبور المنزل على داود، والصحف المنزلة على إبراهيم، فهل نأخذ منهم الجزية؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنا لا نأخذ الجزية إلا من الأصناف الثلاثة: اليهود والنصارى والمجوس؛ لأنا لا نثق بأقوال الآخرين، ولا ندري صدقَهم من كذبهم، ولم نر الأولين ينوطون أحكام أهل الكتاب إلا بأهل التوراة والإنجيل. هذا أحد الوجهين. والوجه الثاني- أن الجزية تؤخذ منهم؛ فإنهم بزعمهم أهل الكتاب وقد أُمرنا باعتماد أقوال الكفار إذا اعتَزَوْا إلى كتب الله تعالى. ولو انتهينا إلى بلدة، ورأينا فيها جمعاً من الكفار، وزعموا أنهم يهود والتزموا الجزية، لزمنا قبولَها منهم، ولا نطالبهم بإقامة البينة على دينهم، فإنا لو كلفناهم ذلك وشهادتهم مردودة، والعلم بما ذكروه لا يأتي إلا من جهتهم، لجرّ ذلك عسراً في قبول الجزية، وإن كان هذا متفقاً عليه في الذين ينتحلون التهوّد والتنصر، [فكذلك] (٢) إذا انتمى قومٌ إلى كتاب منزل على بعض الأنبياء، وجب إلحاقهم بأهل الكتاب في قبول الجزية منهم؛ تعويلاً على قولهم.

стр. 9375

والذي يوضح ذلك أن الجزية مقبولة من المجوس، وإن تحققنا أنه ليس بين أظهرهم كتاب، وإنما تعلقهم بشبهة الكتاب، كما قدمنا ذكره، ثم الجزية مقبولة منهم. فليكن الأمر كذلك فيما ذهبنا إليه. ثم إذا ألحقناهم بأهل الكتاب، في أخذ الجزية منهم، فلا يحل مناكحتهم وذبائحهم؛ من جهة التردد الظاهر في تكذيبهم، ولو كان بقي من ينتمي إلى كتاب سوى التوراة والإنجيل، لرئي منهم حزب يعتزون إلى ملة، ويشتهرون بها، فمن هذا الوجه لا نبُيح المناكحة والذبيحة، ومن حيث إنه لا ينقطع الاحتمال يُحقن الدم بالجزية. وهذا يناظر ما قدمنا ذكره في كتاب النكاح، حيث قلنا: المتهوّد الذي ينتهي جده العالي إلى التهوّد قبل المبعث، فالجزية مأخوذة منه، ومن ينتهي جده العالي إلى اليهود بعد مبعث المصطفى ﷺ لا تؤخذ الجزيةُ منه، وقد انتوت (١) قبائل من العرب، فتهوّدت، وتنصّرت، وأشكل الأمر على نقلة التواريخ، فلم يحققوا أنهم تهوّدوا، أو تنصروا قبل المبعث أو بعده. وقد قال الشافعي نصاً: " الجزية مأخوذة منهم " (٢)، ولا تحل المناكحة والذبيحة. ١١٤٣٦ - ومما يتعلق بهذه القاعدة أنا ذكرنا تردّداً في النصوص، واختلافَ أقوالٍ في أن من لا يكون من بني إسرائيل، ففي مناكحته كلام، فأما الجزية، فإنها مأخوذة. وإن كان [تمسكه] (٣) بالدين بعد التغيير إذا كان الانتهاء إلى الدين قبل المبعث، فالجزية مأخوذة قولاً واحداً؛ تغليباً للحقن.

стр. 9376

وفي بعض التصانيف أن من تهوّد أو تنصّر بعد تبديل الدينين وتغيّر الكتابين، وقبل مبعث رسولنا ﷺ ، نظر: فإن تمسك بدين غير مبدّل، وحدث التبديلُ منه، ثم أدركه الإسلام، فلا تقبل الجزية منه، وإن كان ذلك قبل المبعث، وهل تقبل من أولاده؟ فعلى وجهين مبنيين على أن الجزية هل تؤخذ من أولاد المرتدّين؟ وهذا كلام مختلط لا تعويل على مثله، والمذهب القطع بأخذ الجزية ممن تمسك بالدين المبدّل قبل المبعث إذا أدركه الإسلام؛ نظراً إلى تغليب الحقن، فإذا تعلق بالكتاب، فليس كله مبدّلاً، وغير المبدّل منه ينتصب شبهةً في جواز حقن دمه بالجزية؛ إذ ذلك لا ينحط عن الشبهة التي يتمسك بها المجوس؛ فلا ينبغي أن يعتد بهذا، بل الوجه القطع بقبول الجزية، كما قدّمنا ذكره. ١١٤٣٧ - ومما يجب صرفُ الاعتناء إليه السامرة والصابئون، وقد اختلفت النصوص فيهم، فقال في موضع: تؤخذ منهم الجزية، وقال في موضع: لا تؤخذ، فاختلف طرق الأئمة، فذهب ذاهبون إلى أن النصين محمولان على تقديرين، فحيث ألحقهم باليهود والنصارى في قبول الجزية منهم أراد إذا كانوا لا يخالفونهم في أصول الدين الذي يجرى فيه التكفير بينهم، وإنما يخالفونهم في الفروع، أو ما يقع بمثله التضليل، وحيث قال: لا تؤخذ منهم الجزية، حُمل الأمر على أنهم يخالفونهم في أصل الدين، وسبب تردد النصين تردد الشافعي في عقدهم. وقد ذكرنا في كتاب النكاح هذا التردد في المناكحة، واستحلال الذبيحة، والوجه أن نقول: إن جوزنا مناكحتهم، فلا شك أن ذلك محمول على ظاهر تعلقهم بالتهوّد والتنصّر، ورجوع مخالفتهم إلى ما لا يخرجهم من أصل الملّتين. ثم على هذا لا شك أن الجزية مأخوذة منهم، والتردد في أخذ الجزية يجري على ترتيبٍ سأصفه في آخر هذا الفصل، إن شاء الله. والذي يعرض في الفكر من أمرهم، أنهم وإن خالفوا في الأصول، فلا يخرج السامرة والصابئون من التمسك بالتوراة والإنجيل، ثم لا ينحط تمسكهم بها عن تمسك المجوس بشبهة كتاب قدِّر لهم.

стр. 9377

والطريقة المرضية في ذلك، الناصّة على المقصود، ما ذكره صاحب التقريب. قال: حكي عنهم القول بأن مدبر العالم الأنجمُ السبعة، ومدبّرها الفلك الأعلى، وهو الحيّ الناطق. وقال بعضهم: بِقِدَم النور والظلمة. ومن ينتحل هذا المذهب، فلا معنى [ولا صورة] (١) للكتب عنده، ولا أمل لتمسكهم بالكتاب، وإذا كان التردد في معتقدهم على هذا النحو، فهم بين أن يكونوا متمسكين بالكتابين، وبين ألا يكونوا متمسكين بهما، فيقع التنزيل على هذا الترتيب، لا على النظر في مخالفة الأصول والفروع. ثم صاحب التقريب لم يذكر خلافاً، وإنما ترك النصين على الجهة التي ذكرها. وهذا حسنٌ بالغ، وبه يزول الإشكال ويحصل التصريح بالغرض المطلوب في الفصل. وأما العراقيون، فقد حكوا اختلافاً، فذكروا عن أبي إسحاق، وعامة الأصحاب أن ما سبق من الشافعي ترددٌ في اعتقادهم، ثم تبين له أنهم متمسكون بالكتاب، فقطع بأخذ الجزية منهم آخراً. وحكَوْا عن أيي سعيد الإصطخري أنه كان يفتي بأنه لا تؤخذ منهم الجزية، ولا تمسك لهم بالكتاب، وهم معطلة قائلون بانحصار تدبير العالم على الأنجم. فهذا وجوه كلام الأصحاب. وتمام البيان في ذلك أنا إن وقفنا على تعطيلهم، فلا شك أنا لا نأخذ الجزية منهم، وإن بقي الأمر مشكلاً فيهم، فالمناكحة محرّمة، وفي أخذ الجزية منهم احتمال؛ من جهة أن أصحاب المقالات نقلوا عنهم ما أوجب تعطيل التمسك بالكتاب. والمجوس على حالٍ متمسكة بنبوة نبي يسمّونه [زرادشت] (٢)، ويزعمون أنه إبراهيم ﷺ ، ويجوز أن يقال: تؤخذ الجزية مع التردد في السامرة

стр. 9378

والصابئين لأنهم على الجملة يدّعون التمسك بالكتاب، وينتمون إلى الملّتين، وإن كان الأمر على التردد، فلا مناكحة تغليباً للحظر. هذا منتهى القول في السامرة والصابئين. ١١٤٣٨ - ومما نذكره متصلاً بما نجزناه: أنه إذا تهوّد وثني قبل المبعث، وله ابن صغير، ثم بعث محمد صلى الله عليه وصلم، فقد ذكرنا حكم من تهوّد قبل المبعث، وتمسك بالتهوّد، فيقرّ بالجزية؛ فإنه ثبت له حكم التهوّد في ابنه قبل المبعث، وعلى هذا الوجه ينتسب الأولاد إلى الأجداد، حتى ينتهوا إلى الجد الذي تهوّد قبل المبعث. ولو توثن نصراني في زماننا، وله أولاد صغار، نظر: فإن كانت أمهم نصرانية، فقد قال العراقيون: الأولاد الصغار يعدّون في دار الإسلام، تبعاً لأمهم، وإن كانت هي وثنية، ففي الأولاد الصغار قولان ذكرهما العراقيون: أحدهما - يُقَرّون؛ فإنهم لم يغيّروا، والدينُ الطارئ لا يستتبع الأولاد بعد ما ثبت لهم من قبلُ حكمُ التنصر، وإن أدنى الدينين لا يزيل عن الأولاد الصغار حكمَ أشرف الدينين، وإنما ينقل الأعلى من الأدنى. والقول الثانى- أنهم يتبعون الوالد، فيضمون إليه، وحقيقة ما ذكروه راجع إلى أن الأب إذا توثن عنْ تهوّدٍ أو تنصّر، فهل يستتبع أولاده؟ ولو كان الأولاد من وثني ووثنية، فتهوّد الأب، فلا تثبت له حرمة التهود؛ فإن هذا التهوّد بعد المبعث، وإذا لم نثبت له حرمة أهل الكتاب، فلا شك أنا لا نثبتها لأولاده الصغار، وما ذكرناه في توثن اليهودي، وهو نقضٌ للحرمة، ويتصوّر من اليهودي نقض حرمته، وفي استتباع أولاده التردد الذي حكاه العراقيون. والأَوْجَهُ الجاري على قياس المراوزة أن حرمة الأولاد في الانتماء إلى الكتاب لا تتبعض، وتوثن الأب لا يتضمن الاستتباع، وما ذكره العراقيون من الفرق بين أن تكون الأم كتابية أو وثنية سديد؛ فإن الأم إذا كانت يهودية يبقى انتماء الأولاد إليها، والتبعية في الدين أن يثبت، فلا اختصاص لها بالولد.

стр. 9379

هذا تمام الغرض. ١١٤٣٩ - ثم قال العراقيون: من توثن من اليهود لا نغتاله، ونُلحقه بدار الحرب. وهذا فيه نظر؛ فإنه بتوثنه قطع الأصل الذي هو معتمد الأمان والذمة، وقد ذكر المراوزة في اغتياله خلافاً، وهو الظاهر عندنا، لأنه لا يغتال كما ذكره العراقيون. فأما أولاده الذين كانوا في زمن التهوّد، فالظاهر أن حرمة الكتاب تستدام لهم وإن حكمنا بانتقاضها، فالوجه القطع [بأنهم لا يغتالون] (١) في [صغرهم] (٢) وتمام الشرح في هذا موقوف على ذكرنا موت الأبوين الكتابيين وتخليفهم فينا صغار أولادٍ، فكيف الحكم فيهم؟ وكيف نُبقِّيهم، وقد زالت التبعية، وليسوا من أهل التزام الجزية، وسيأتي هذا مستقصى في أثناء الكتاب، إن شاء الله. وقد تمهدت القواعد فيمن تؤخذ الجزية منه من أهل الأديان، وفيمن لا تؤخذ، وإثبات التعرض للأديان، وما يمنع أخذ الجزية منها وما لا يمنع. فأما القول في النساء والصبيان وأنهم لا يفردون، فذلك يأتي في الباب الثاني، إن شاء الله . فرع: ١١٤٤٥ - إذا أخذ الجزية من قومٍ زعموا أنهم يهود أو نصارى، ثم أسلم منهم اثنان، وظهرت عدالتهما في الدين، وشهدا عندنا بأن قومهما ليسوا يهوداً، ولا نصارى، وإنما هم عبدة الأوثان؛ فإنا نتبين أن الذمة غيرُ منعقدة، ونعاملهم معاملة عبدة الأوثان، ثم إذا أثبتنا أن لا ذمة لهم، فهل نغتالهم بسبب تلبيسهم علينا أو نلحقهم بدار الحرب؟ هذا فيه تردد. والظاهر أنا نغتالهم؛ لأن الأمان الفاسد إنما يثبت عُلقة الأمان إذا كان المؤمِّن على جهل لا [يقدّر] (٣) أن يتمهد لأجله عُذره، فإذا كان الظن منا والكافر يدلّس علينا، فلا يتجه إلا الاغتيال.

стр. 9380

١١٤٤١ - ومما نلحقه بالكتاب الكلام في أولاد المرتدّين. فإن حكمنا لهم بالردّة، فلا تقبل الجزيةُ منهم، وإن حكمنا لهم بالإسلام، طالبناهم به؛ فإن أبَوْا، فهم مرتدون. وإن حكمنا بأنهم كفار أصليون، وآباؤهم المرتدّون متهوّدون ومتنصّرون، فالمذهب أنا لا نأخذ الجزية منهم؛ فإنه لم يثبت لهم جَدٌّ دان بالدين قبل المبعث، ومن أصحابنا من قال: إذا أثبتنا لهم حكم الكفر الأصلي، فنأخذ الجزية منهم، ونجعلهم كالمنتمين إلى جدٍّ دان بدين اليهود قبل المبعث. وهذا لا أصل له، فإن لم نأخذ الجزية منهم، فلا كلام، وإن أخذناها، ففي استحلال المناكحة، وحِل الذبيحة ترددٌ، والوجه القطع بالتحريم، وأفتى بعضُ الأصحاب بإحلال وطء سبايا [غَوْر] (١) [تهامة] (٢)، وقد ثبت منهم (٣) أنهم ارتدّوا بعد قبول الإسلام، وهذا قولٌ صدر عن عَماية، وقلة دراية، وفيه خرم أصلٍ عظيمٍ اتفق الأصحاب عليه وهو أن الذين تهودوا بعد المبعث لا يُناكَحُ أولادهم. وأولاد المرتدّين شرٌّ منهم، ولم نذكر هذا لتخيل التحاقه بالمذهب، وإنما ذكرته للتنبيه على الغلط فيه، وظهور مناقضة الأصل المتفق عليه، فيجب القطع بالتحريم، بل يجب القطع بأن الجزية لا تؤخذ منهم؛ إذ ليس لهم جدٌّ قد دان بالدين قبل المبعث. ولو كان لهم جدٌّ دان بالدين قبل المبعث، ثم أسلموا وارتدّوا من بعد وحدث لهم أولاد، فالإسلام قطع الاعتصام بالجد العالي. وإنما يؤثر ذلك الجد، لو تواصل التهود، فإذا بطل أخذ الجزية من أولاد المرتدّين قطعاً، فما الظن بالمناكحة والذبيحة؟ ويبقى التردد في أن أولاد المرتدّين هل يسترقون؟ وهذا يجوز خروجه على أنهم كفار أصليون؛ فإن عبدة الأوثان لا يمتنع إرقاقهم على ظاهر المذهب. ومن أصحابنا من منع إرقاق عبدة الأوثان؛ فإن هذا يتضمن أماناً مؤبداً على التوثن.

стр. 9381

١١٤٤٢ - فرع: المتولد من بين وثني وكتابية، وكتابي ووثنية في مناكحته واستحلال ذبيحته قولان مشهوران: أحدهما - تغليب التحريم. والثاني - النظر إلى الأب، فعلى هذا المتولّد بين وثني وكتابية لا تحل ذبيحته قولاً واحداً. وإنما القولان فيه إذا كان الأب كتابياً والأم وثنية، فأما أخذ الجزية، فقد قال صاحب التقريب، والعراقيون طريقة مقتضاها أن التفصيل في قبول الجزية منه كالتفصيل في المناكحة وحل الذبيحة. وهذا غير سديد عندنا. والوجه القطع بقبول الجزية منه؛ لأن شبهة الكتاب تَلحقه، وقد ذكرنا أنا نكتفي بشبهة الكتاب في قبول الجزية، وعليه أثبتنا قبول الجزية من المجوسي. ***

стр. 9382

باب الجزية على أهل الكتاب ١١٤٤٣ - الأصل في الباب قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. والمراد بالإعطاء الالتزام لا صورةُ البذل يقال لمن أذعن لقبول الجزية: قد أعطى الجزية، أي استسلم لها. واختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: قال الشافعي: الصغار جريان أحكام الإسلام عليهم على خلاف عقيدتهم. وقيل: المراد بالصغار الأخذ باللحى والضرب في اللهازم، فيكلف الذمي أن يوفي الجزية بنفسه، ويطأطىء رأسه، ويصب ما معه في الكِفة، ويأخذ المستوفي بلحيته، ويضرب في لهزمته. واختلف أصحابنا في أنه هل يجوز للمسلم بأن يوكَّل عن الذمي في إيفاء الجزية، فمنهم من لم يجوّز ذلك وسببه أن إجراء الصغار عليه في وقت تأدية الجزية من المقاصد، وكيف لا ونص الشافعي دالٌّ عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ولو جوزنا استنابة المسلم، فيكون المسلم في صورة المستخدَم، والكافر يتودَّع في رحله، وهذا نقيض ما أمر الله تعالى، ومن أجاز التوكُّل، نظر نظراً كلياً في استيفاء الحقوق وإيفائها، وينشأ من هذا التردّد الإحاطة بأن إجراء الصغار على الذمي حالة التأدية حتم أم لا؟ فإن منعنا توكل المسلم، فهو قضاء منا بإيجاب إقامةِ الصغار. وذكر الأئمة تردّداً في أن المسلم لو ضمن الجزية، فهل يصح ذلك؟ فإن أوجبنا الصغار، لم يصح الضمان، وإن لم نوجبه، صححناه. والأوضح عندي تصحيح الضمان؛ فان ذلك لا يقطع إمكان توجيه الطلب على المضمون عنه، ونفي الضمان حتى لا يقال: إنه يُلزم الضامن شيئاً بعيدٌ. ولو وكل ذمي ذمياً، فيتجه عندنا إجراء الخلاف؛ فإن كلَّ ملتزم بالذّمة معنيٌ بالصغار في نفسه.

стр. 9383

ولو وكل كافر مسلماً في عقد الجزية له، فهذا جائز؛ إذ ليس في نفس العقد صغار، وإنما الصغار في التأدية. ١١٤٤٤ - ثم مقصود الفصل: الكلامُ في أقل الجزية، وفي التزام الكافر مزيداً على الدينار، فأما الأول، فدينار في السنة، أو اثنا عشر درهماً مسكوكة من النقرة الخالصة. ويقابَل الدينار بعشرة في القواعد إلا في الجزية، فإنه باثني عشر درهماً، ورأيت في كلام الأصحاب ما يدلّ على أن الأصل في الجزية الدينار، ولا يقبل الدرهم إلا بالسعر والقيمة، كما أنا نجعل نصاب السرقة ربع دينار، ولا اعتبار بالدراهم، وهي بمثابة السلع تقوم بالذهب وهذا متجه، ولولا قضاء عمر في الترديد بين الدينار والاثني عشر درهماً، لما كان لاعتبار الدراهم وجه. والأخبار كلها مشتملة على ذكر الدنانير. قال رسول الله ﷺ لمعاذ: " خذ من كل حالم ديناراً أو عِدْله معافر " وهي ضرب من الثياب، " وضرب رسول الله ﷺ على أهل أيلةَ ثلثمائة دينار، وهم ثلثمائة نفر " (١). فأقل الجزية دينار ويستوي الغني والمتوسط والفقير المعتملُ الكسوب، والأولى للإمام أن يماكس من يضرب الجزية عليه حتى يزيد على الدينار، ولكن هذا إنما ينفع إذا لم يكن باذل الجزية عالماً بأن أخذ الجزية واجبٌ إذا بذلوها، مع العلم بأن الدينار لو اقتصروا عليه، لزم قبوله، فإذا علم الكافر ذلك، فلا معنى للمماكسة معه؛ فإنه استماحةٌ، ولو بذل الكافر أكثر من دينار، والتزم في السنة دينارين فصاعداً، لزمه الوفاء بما التزمه، وهذا يشبهه الأئمة بشراء الرجل المطلَق (٢) المتاع بأكثر من ثمن المثل، وإذا جرى ذلك، لزم الثمن بكماله. ثم قال الأئمة: من آثار المماكسة في الابتداء أن يلتزم الجزية إذا لم يكن عالماً بحكم الإسلام في أقل الجزية، وليس على الذي يعاقده أن يبين له ذلك، وإن جاء

стр. 9384

المسلم بأكثرَ مما يُستحق عليه في الزكاة، فحق على القابض منه أن يُعلمه أن الذي أتى به أكثرُ مما عليه، وإذا التزم أكثرَ من الدينار في السنة، وقضينا بأن الوفاء بالملتزَم واجب، فلو نقض العهد، فقد ذكرنا أنّا لا نغتاله، فلو أنه بعد نبذ العهد طلب منا تجديد العقد بدينارٍ، لزم إسعافه، فعلى هذا يَضْعُفُ أثر الالتزام أيضاً، ولكن إن لم يكن الكافر عالماً بما ذكرناه حتى تمر السنة، فلو نبذ العهد، طالبناه بالخروج عما التزمه في السنة الماضية، وإن مضى بعض السنة، فهذا يخرج على موته في أثناء السنة. فإن قلنا: إذا مات الذمي في أثناء السنة يجب قسط من الجزية، على ما سيأتي مشروحاً، إن شاء الله تعالى. فإذا التزم أكثرَ من الدينار، ومضت أيام، ثم نقض وعاد، فيلزمه لما مضى قسط من الجزية التامة التي التزمها. وأوجب أبو حنيفة (١) على الفقير المعتمل ديناراً، وعلى الغني أربعة دنانير، وعلى المتوسط دينارين. ١١٤٤٥ - فإن قيل: إذا كنتم لا تفرقون بين الغني والفقير والمتوسط فيما يقع الاكتفاء به من الجزية، فما قولكم في الكافر الفقير إذا كان لا يستمكن من أداء دينار؟ قلنا: الفقير الكسوب المعتمل القادر على أداء دينار، يُقرّ ويطالب بالدينار في السنة. فأما إذا كان لا يستمكن من تحصيل الدينار، فقد نقل الأصحاب قولين في أنه هل يخرج من دار الإسلام؟ أحدهما - أنه يخرج، فإنه لا سبيل إلى شغل عرصات دار الإسلام بالكفار من غير جزية يبذلونها. والقول الثاني - أنه يقر. ثم على هذين القولين قولان: أحدهما - أنه يترك في الدار من غير جزية، حتى لو انقضت سنون، وهو لم يملك فيها ما يؤديه، ثم ملك، فالمؤاخذة تقع من وقت الملك، ولا مطالبة عليه في مقابلة ما مضى. والقول الثاني - أنه يقرّ في دار الإسلام بجزية يلتزمها، وتستقر في ذمته، فإذا ملك يوماً طولب بما استقر في ذمته من السنين

стр. 9385

الماضية. وهذا القول أمثلُ؛ فإن تقرير الفقير سنين كثيرة بلا جزية يخالف وضع الشرع. والأصح أن الفقير الذي ليس معتملاً لا يتمكن من دخول دار الإسلام، والمقام فيها سنة. والفقير المعتمل إذا تراخى ولم يكتسب مع القدرة على الكسب، فلا يُقَر في دار الإسلام إجماعاً، وإذا فرعنا على القول الضعيف، وهو أن الفقير يُقرّ ولا يؤاخذ بجزية الأيام الماضية في الفقر، فلو ملك في أثناء سنةٍ شيئاً؛ تطرق إلى هذه الصورة احتمال، فيجوز أن يقال: تبدأ سنة الجزية من وقت ملكه، حتى إذا مضت سنة أدى ديناراً، ويجوز أن يقال: نضبط التواريخ، ونعطل منها سني الفقر، فإذا مضت من السنة الآخرة أشهر، فملك فيها واستغنى، فإذا انقضت هذه السنة، يطالب، ثم يتجه على المطالبة أن يطالب في آخر هذه السنة التي انقسمت إلى الغنى والفقر بالدينار الكامل. فصل (١) قال: " فإن صولحوا على ضيافة ... إلى آخره " (٢). ١١٤٤٦ - إذا قبل الكفار ضيافةً سوى الدينار الملتزم، ضربها الإمام عليهم، وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب: " أنه ضرب الضيافة على بني تغلب، وبَهْراء وتَنوخ، ثم ألزمهم أن يضيفوا من يطرقهم من أبناء السبيل " (٣). وأول ما نصدّر الفصلَ به صفةُ الضيافة، ثم نتكلم في فقه الفصل، فالمعتمد في ضرب الضيافة قضاء عمر، ثم فيها مصلحة بيّنة، لا حاجة إلى تقريرها، فينبغي أن يبين لكل واحد عدداً معلوماً من الضيفان في كل شهر أو شهرين، أو في السنة، ويبين الطعام والأُدم، جنساً، وقدراً، ويوضح علف الدواب، ويذكر منازل الضيفان، ويفرق بين الفقراء من الكفار والأغنياء، وينبغي أن يقع التفاوت في عدد الضيفان،
следующие страницы →