منعوا من الاعادة؛ فإن الإعادة ظاهرة، فإذا لم يكن من الانهدام بد، فلا وجه إلا أن يبنوا جداراً داخل البيعة، ثم قد يفضي هذا إلى أن يبنوا جداراً ثالثاً إذا ارتج الثاني، وهكذا إلى أن تفنى ساحة البيعة، وهذا إفراط لا حاصل له، ولست أدري ما يقول هذا القائل إذا أمكن نقض الجدار وإعادته ليلاً، ولا تفريع على الضعيف.
فإن فرعنا على الصحيح وجوزنا العمارة إعلاناً، فلو انهدمت الكنيسة، فهل يجوز إعادتها كما كانت؟ فيه وجهان مشهوران: أحدهما - المنع؛ لأن هذا استحداث كنيسة. والثاني - الجواز؛ لأنها وإن انهدمت فالعرصة كنيسة، والتحويط عليها هو الرأي حتى يستتروا بكفرهم، فإن منعنا إعادة الكنيسة، فلا كلام، وإن جوزنا إعادتها، فهل لهم أن يزيدوا في خِطتها؟ فعلى وجهين: أصحهما - المنع؛ لأن الزائد كنيسة جديدة، [وإن كانت متصلة بالأولى والتفريع فيه إذا كان لا يجوز لهم استحداث كنيسة جديدة] (١).
وإن بقيناهم على كنيستهم، فالمذهب أنا نمنعهم من ضرب النواقيس، فإن هذا بمثابة إظهار الخمور والخنازير، وأبعد بعض الأصحاب فقال: يجوز تمكينهم من ضرب النواقيس؛ فإنها من أحكام الكنيسة، وهذا غلط لا يعتد به.
ولو وقع الشرط على أن تكون رقاب الأبنية في البلدة وعرصاتها لهم، فلا يمنعون من ضرب النواقيس، وإظهار الخمور والخنازير في مثل هذه البلدة؛ فإنها بحكمهم، ولو كان يخالطهم المسلمون، لم يكن لهم أن يعترضوا عليهم، والبلدة في الجملة والتفصيل بمثابة دار الذمي في بلاد الإسلام، ولا يخفى أنه لا يجب البحث -بل لا يجوز- عما يتعاطَوْن في دورهم، قال صاحب التقريب: لا يكلفون الغيار في البلدة التي وصفناها، والأمر على ما قال، وقد فُتحت قرى الشام صلحاً على أن تكون لأهلها، فكانوا يظهرون النواقيس في زمن معاوية وجرت له قصة مشهورة.
стр. 9417
فأما ناووس (١) المجوس فلست أرى أمراً يوجب المنع فإنها [حُوَطٌ] (٢) وبيوت يجمع المجوس فيها جيفهم، وليس كالكنائس والبيع التي تتعلق بشعار أديان الكفار. والله أعلم.
فصل
١١٤٧٦ - قال الأئمة: يمنع الذمي من مطاولة أبنية المسلمين ببنيانه، والتفصيل فيه أنه إن أراد أن يطوّل بنيانه المجاور لبنيان مسلمٍ، يمنع من ذلك، لما فيه من الاستكبار على المسلم بالازدياد عليه، وليس ذلك لإمكان اطلاعه، فإنه قد يقدر على الاطلاع وإن لم يطل. ثم ما ذهب إليه الأصحاب أن المنع من المطاولة في هذه الصورة حتمٌ، وليس من حق الجار المسلم حتى يقال: لو رضي به، لجاز له المطاولة، بل هذا من حق الدين.
وقال صاحب التقريب: من أصحابنا من رأى هذا أدباً، ولم يره حتماً؛ ذاهباً إلى أن دار الكفار ملكُهم، فمنعهم من التصرف في ملكهم لا ينقاس، وهذا بعيد غير معتد به.
ولو سوّى الكافر داره مع دار المسلمين ففي بعض التصانيف وجهان: أحدهما - أنه يمنع من المساواة، كما يمنع من المطاولة. والثاني - أنه لا يمنع من المساواة.
وكل ما ذكرناه فيه إذا أراد أن يستحدث بناء يطاول به، فلو اشترى داراً مطلة على
стр. 9418
الدور من جوانبها، وكانت لمسلم، فالذي رأيته متفقاً عليه للأصحاب أنه لا يمنع من سكون الدار التي اشتراها، ولا يكلف أن يحط من سمت أبنيتها، بل يتركها كما اشتراها، ويسكنها، والذي ذكرناه فيه إذا كانت دار الكافر بقرب دار أو دورٍ للمسلمين.
فأما إذا كان للذمي دار في طرف البلد لا تجاور أبنية المسلمين، فالذي قطع به الصيدلاني أنه لا يمنع الكافر من إطالة سَمْك (١) هذه الدار " فإن المطاولة هي المحرمة، وهذا المعنى إنما يتحقق في الدور المجاورة.
وقال أيضاً: لو كان للكفار حارة مخصوصة بهم لا يخالطهم فيها مسلم، فإذا أراد الكفار إطالة أبنيتهم في حارتهم، فلا يمنعون، وما ذكروه فيه إذا لم تكن (٢) الحارة مجاورة للحارات، بل منفردة لا تجاور سائر المحال.
وحاصل ما ذكره أن الممنوع معنى المطاولة، وهو من قولهم: طاولته، فطلته، وإنما يتحقق ذلك عند فرض تناسب، ومن ضرورته أن يكون بين بنائه وبناء المسلم تقارب، وأطلق بعض الأصحاب المنعَ عن تطويل البناء، وليس له وجه يرتضى، فلا يحمل إطلاق من أطلق إلا على الغفلة عن التفصيل الذي ذكره الصيدلاني.
فإن اعتقد معتقِد تعميمَ المنع، فالممكن في تقريبه وتوجيهه أن الكافر إذا أظهر في تطويله البناء ما يبين منه التميّزُ بالخيلاء والسرف في الزينة والمسكن، فيمنع كما يمنع من مساواة المسلمين في ركوب الخيل واتخاذ السُّرُج والمراكب النفيسة، وهذا أصلٌ لا بأس به، ولكن لا ينبغي أن يلتزم صاحبه تقصير شأنه عن أقصر بنيان في البلدة، ولكن الممكن فيه أن يُمنع من إظهار الزينة بالإطالة، ولا يخفى درك ذلك.
ويبقى مع هذا الفرق بين المجاورة والانفراد، فإذا جاور دار مسلم أُمر برعاية مناسبة تلك الدار والانحطاط عنها، والاكتفاءِ بمساواتها، لظهور المطاولة، عند المجاورة، وهذا لا يراعى مع الانفراد.
стр. 9419
ولو كان الذمي في جوار حجرة لضعفة المسلمين على نهاية القصر، فهل يكلف الحط عنها، أو مساواتها؟ ظاهر ما ذكره الأصحاب أنه يكلف ذلك، وفيه نظر للناظر، والله أعلم.
فصل
في الغيار
١١٤٧٧ - اتفق الأصحاب أنا نأمر الكفار بالتميز عن المسلمين بالغيار، وتفصيل ذلك إلى رأي الإمام، وقال الأصحاب يمنعون من ركوب الخيل، ويكلّفون ركوبَ الحمر، والبغالُ النفيسة التي يتزين بركوبها في معنى الخيل، وينبغي أن تتميز مراكبهم عن المراكب التي يتزين بها [الأماثل والأعيان] (١) من أهل الإيمان. وقيل: ينبغي أن تكون ركابهم الغَرْز وهو ركاب الخشب، ثم يضطرون إلى أضيق الطُرق، فلا يمكنون من ركوب سَرارة (٢) الجادّة (٣) إذا كان يطرقها المسلمون، وإن خلت عن زحمة الطارقين من المسلمين، فلا حرج.
ثم تكليفهم التميز بالغيار واجب؛ حتى لا يختلطوا في زيّهم وملابسهم بالمسلمين فيكرموا إكرامهم، ويفاتحوا بالسلام.
وما ذكرناه من تمييزهم في الدّواب والمراكب مختلف فيه: فقال قائل: تكليفهم التميّز بها حتم كما ذكرناه في الغيار، ومنهم من جعل ما عدا الغيار أدباً؛ ثم إذا رأى الإمام ومن إليه الأمرُ ذلك، فلا معترض لهم، وليس يسوغ إلا الاتباع.
وهل يجب على المرأة منهم أن تتميز بالغيار إذا برزت؟ فعلى وجهين: أحدهما - أن ذلك لا يجب، لأن بروز النساء محمول على النادر، وذلك لا يقتضي تميزاً في الغيار.
стр. 9420
وإذا دخل الكافر حمّاماً فيه مسلمون، وكان لا يتميز عمن فيه بغيار وعلامة، فالذي رأيته للأصحاب منعُ ذلك، وإيجاب التميز في هذا المقام أولى؛ لأن الكافر ربما يلوث الماء ويفسده على حكم دينه، بحيث لا يُشعَر به.
ودخول الكافرة الحمام الذي فيه المسلمات من غير غيار يُخرَّج على الخلاف الذي ذكرناه.
وكان شيخي يقول: لا يمنع أهل الذمة من ركوب خسيس الخيل، ولو ركبوا البراذين التي لا زينة فيها لخسّتها، والبغال على هذه الصفة، فلا منع، والحمار النفيس الذي يبلغ ثمنه مبلغاً إذا ركبه واحد منهم، لم أر للأصحاب فيه منعاً، ولعلهم نظروا إلى الجنس [ومن الكلام الشائع: ركوب الحمار ذُل وركوب الخيل عِزّ، والعلم عند الله تعالى] (١).
١١٤٧٨ - ثم ذكر الشافعي " أن الأمام أَوْ مَنْ إليه الأمر من جهة الإمام في الناحية يأمر حتى يُثبت أسامي أهل الذمّة في ديوان، ويكتب فيه حُلاهم ويعرِّف عليهم عرفاء " (٢)؛ حتى لو مات واحد منهم بان بموته نقصان ما كان يخصه، ولو بلغ واحد منهم أثبتت جزيته في الديوان، ولا يخفى مضمون هذا الفصل، ومقصوده، ووجوب رعايته لشدة الاحتياج إليه في مراعاة الضبط.
فصل
يجمع مسائل في عقد الذمة خلت عنها الفصول
وهي تخامر فكرَ الفطن إذا لم تكن مجموعةً عنده، وتجرّ إليه إشكالاً، فنقول:
١١٤٧٩ - على الإمام ألا يقبل الجزية ابتداءً مع ظهور توقع الشر ممن يَبْذلها، وهذا يظهر من وجوهٍ: منها أن جماعةً من أهل النجدة لو توسطوا الخِطّة، وطلبوا أن يُقَروا
стр. 9421
فيها بالجزية، ولا يؤمن أن يناكبوا (١) ويتضامّوا، ولو فعلوا ذلك، لم يؤمن استيلاؤهم على الناحية، فحقٌّ على الإمام أن يرعى هذا ومثلَه، والرأي إن أراد قبول الجزية أن يبدِّدهم في البلاد، ويأمر من يراعيهم، ولو غلب على ظنه أن الرجل الفرد الذي يبتغي الجزية طليعةٌ أو جاسوس، فلا يقبل منه الجزية.
والمعتبر في القاعدة أنه إذا غلب على رأي الإمام وظنِّه توقّع الشر، فليس له أن يعقد الذمة، وإذا لم يظهر له ضرر، عقدها، وأثبتت الجزية، وذكر الأصحاب أنهم لو كانوا يضيقون المساكن والمرابع ومرافق البلدة بكثرتهم، وكانوا لا يحاذرون من جهة نجدتهم، فهذا محتمل، والجزية مقبولة.
١١٤٧٩/م- ولو عقد الوالي الذمة، ولم يذكر مقدار الجزية، فالأصح فسادُ الذمة، وأبعد بعض الأصحاب، فصحّحها، ونزّلها على أقل الجزية، وهو دينار في السنة. وهذا غير سديد.
١١٤٨٠ - وذكر بعض الأئمة قولين في الذمة المؤقتة وأطلق بعضُهم وجهين فيها:
أحدهما - أنها فاسدة؛ فإن مبنى الذمة على التأبيد في وضعها، فلا يجوز تغيير وضع الشرع [ومخالفة العهود] (٢). والثاني - تصح الذمة. ولسنا نعني العهدَ؛ فإن العهد العريّ عن الجزية لا يجوز إلا مؤقتاً، على ما سيأتي التفصيل في المهادنة، إن شاء الله تعالى، وإنما المعنيُّ ذمةٌ مشتملة على ضرب الجزية فُرض تخصيصها بسنة أو سنتين، فالظاهر المشهور المنع، ومن صحح والتزم، لم يعدم القياس. ثم أثر التصحيح [الالتزامُ] (٣)، ووجوبُ الوفاء بموجب التأقيت.
ولو أفسدنا الذمة، قضينا بأنها غير لازمة، ولكنهم لا يُغتالون، ويُبْلغون المأمن، وإن طلبوا ذمة مؤبّدة أُسعفوا بها.
ولو أقت الوالي الذمةَ إلى وقت مجهول مثل أن يقول: أُقرّكم بالذمة ما شئت،
стр. 9422
فمن لم يمنع التأقيتَ، لم يمنع هذا، ومن منع التأقيتَ على صيغة إعلام الوقت اختلفوا في هذا، وسبب الاختلاف ما روي: " أن النبي ﷺ قال لأهل الكتاب في جزيرة العرب: أقركم ما أقرّكم الله " (١) والوجه منعُ هذا منا إذا منعنا التأقيت، وحملُ قول رسول الله ﷺ على توقع النسخ، وكانت جملة الأحكام القابلة للنسخ في زمنه على التردد من جهة إمكان النسخ، وهذا لا يتحقق من غيره.
ولو قال في عقد الذمة: أقركم ما شئتم، فهذا جائز لا منع فيه؛ فإنه مقتضى العقد؛ فلأهل الذمة المشيئة في نبذ العهد إلينا متى شاؤوا، فالتفويض إلى مشيئتهم تصريحٌ بموجب العقد.
١١٤٨١ - ولو عقد الإمام لهم الذمة، ثم رابه منهم أمر لو ظهر في الابتداء، لما عقد الذمةَ، ولكن لم يتحقق، فهل له أن ينبذ العهد إليهم والحالة هذه؟ ذكر المحققون وجهين: أحدهما - أنه يجوز بل يجب كما تجب رعاية ذلك في الابتداء.
والثاني - لا يجوز؛ فإن الذمة إذا لزمت، بَعُدَ [أن] (٢) نجوّز الهجوم على نقضها من غير ثبت.
وهذا عندي فيه إذا كان الأمر المحذور مما يمكن تداركه، فأما إذا كان يتوقع أمر يعظم أثره، ويخاف منه ما يبعد تداركه، فيجب القطع بنبذ العهد إليهم في الدوام، وهذا بيّن في حكم الإيالة.
١١٤٨٢ - ولو عقد الإمام ذمةً على الفساد وذكر الجزية، فمن مقتضى الفساد في الذمة ما قدمناه من أنه لا يلزمه الوفاء، قال الأئمة: إذا لم يصح عقد الذمة، فلا تثبت الذمة المسمّاة، وإنما الرجوع إلى دينار على كل حالم في السنة، حتى لو بقوا على
стр. 9423
[حكم] (١) الذمة عندنا سنة أو أكثر، فالكلام على ما ذكرناه من مقابلة كل سنة بدينار في حق كل رجل، فقد قدمنا أن عقد الذمة إلى صاحب الأمر، ولو تولاّه آحاد المسلمين، لم يلزم، ولم يثبت ولكن سبيله كسبيل الأمان، فلا اعتبار، ويُبلغ المؤمن المأمن، كما نفعله في الأمان.
١١٤٨٣ - ولو بقي الكافر سنة على حكم أمان الواحد من المسلمين، ففي وجوب الجزية عليه وجهان، ثم إن أوجبناها، فهي دينار في السنة.
ولو اندس واحد من الكفار فيما بيننا وبقي سنة أو سنتين، ثم شعرنا به وعثرنا عليه، فالذي رأيته للأصحاب أنا لا نأخذ منه شيئاً لما مضى، ولا نجعله بمثابة من سكن داراً سنة مغتصباً؛ فإن عماد ثبوت الجزية القبول، وهذا الداخل المتولّج فينا حَربي، لا أمان له، فلا يتحقق إلزامه من غير التزام، فإذا عثرنا [عليه] (٢) فإن لم يبذل الجزية ولم نبذل الذمة، قتلناه على مكانه، وغنمنا ما معه؛ فإنه حربي لا أمان له، ولو بذل الجزية، يعني التزمها، وطلبَ الذمةَ، فالذي ذهب إليه الأصحاب أنا نبذلها له، وذكر شيخي وغيره في مثل هذا المقام وجهاً أن الجزية لا تؤخذ؛ فإنه مأسور مقدور عليه واقع في القبضة محفوف بنجدة الإسلام، فكان بذل الذمة كبذل الأسير، وقد ذكرنا هذا في حكم الأسرى، وهذا وجهٌ حسن، لا ينبغي أن يغفل الفقيه عنه فيما يجريه من التفاصيل.
١١٤٨٤ - ولو دخل الحربي دارنا، وزعم أنه رسول، لم نكلفه إثبات الرسالة بحجة، ولا حجة (٣) إلا تصديقُه فيها، وليت شعري ما أقول ولا كتاب معه، وقد غلب على الظن كذبه؛ فإن مخايل الرسل لا تخفى، هذا فيه احتمال، والعلم عند الله تعالى.
ولو ذكر الكافر أنه دخل مستجيراً ليسمع الذكر، فهو مصدّق، ولا تعرض
стр. 9424
ولا اعتراض. ولو ذكر الحربي أن واحداً من المسلمين أمّنه، فهل يصدق في ذلك، أم يكلف إثباتَه بالحجة؟ فيه اختلاف ذكره العراقيون: من أصحابنا من قال: لا يصدق؛ فإن الغالب على من يعتمد أماناً أن يستوثق فيه ببينة؛ إذ ذاك ممكن.
١١٤٨٥ - ومما يدور في الخلَد أن الإمام لو أراد أن يبني الجزية على التبعيض في الأخذ في السنة، حتى يطالب في كل شهر بقسطه من الدينار، أو بما اتفق التزامه، فهذا فيه احتمال مأخوذ مما إذا مات الذمِّي في أثناء السنة، أو أسلم، فهل نقول: يستقر قسط من الجزية في مقابلة ما مضى من أيام السنة؟ فيه قولان ووجه البناء عليهما بيّنٌ.
فهذا ما حضرنا من المسائل التي شذت وانسلّت عن ضبط الأصول في أحكام الذمة.
فصل
قال: " وليس للإمام أن يصالح أحداً منهم على أن يسكن الحجاز ... إلى آخره " (١).
١١٤٨٦ - روي أن رسول الله ﷺ قال: " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب " (٢) وقال: " لو عشت إلى قابل، لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب " (٣) ثم لم يعش وانقلب إلى رضوان الله تعالى، ولم يتفرغ لذلك أبو بكر؛
стр. 9425
للأمور المهمة التي وقعت في زمانه، فلما استخلف عمر ومضى صدرٌ من خلافته أجلاهم، وضرب لمن يقدم منهم تاجراً مقام ثلاثة أيام، وقيل إنما رجع إجلاؤهم إلى ذِكْره (١) لأنه كان بعث ابنه عبد الله إلى خيبر فسحروه، فتكوّعت (٢) يده، وقيل: أخرج عمرُ من الجزيرة زهاء أربعين ألفاً من اليهود، فالتحقوا بأطراف الشام. هذا هو الأصل.
ثم مضمون الفصل فيه انتشار، فلا بد من [تفصيل] (٣) الغرض، وإيقاعه في فصول. ١١٤٨٧ - فليقع الكلام أولاً في ضبط الجزيرة وذكرها، فنقول: الطريقة المشهورة أن الجزيرة تعني مكة، والمدينة، واليمامة ومخاليفَها المنسوبة إليها، ثم قال الأئمة على هذه الطريقة: الطائف ووَجّ وما يعزى إليهما منسوبة إلى مكة معدودة من الجزيرة، وألفيتُ في التقريب التهامة (٤)، والغالب على الظن أنها تصحيف اليمامة؛
стр. 9426
فإني لم أر لليمامة ذكراً، وهي من الجزيرة باتفاق الأصحاب، ولا شك أن خيبر من الجزيرة، ومنها الإجلاء في زمن عمر وهي من مخاليف المدينة.
وأما أهل العراق فقد قالوا: الحجاز: مكة، والمدينة، واليمن. والحجاز من الجزيرة، وجزيرة البحر تمتد إلى أطراف العراق من جانب، وأطراف الشام من جانب، وسميت هذه الرقعة المتسعة جزيرة لإطافة البحر بمعظم جوانبها واتصالها بالأنهار العظيمة كدجلة والفرات من جانب العراق، فكأنها مكفوفة عن البقاع بالمياه، ثم قالوا: والحجاز من جملة الجزيرة، ومعناه ما ذكرناه.
وكان شيخي يقول: " الحجاز والجزيرة واحد، والذي نقل في الأخبار: " لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب " ولم يتعرض ﷺ في اللفظ للحجاز " (١).
وهذا تردد في اللفظ، والذي يدخل تحت الضبط ما نصفه (٢): فلا خلاف بين الأصحاب أن الموضع الذي يمنع الكفار من الإقامة فيه لا ينتهي إلى أطراف العراق والشام، سواء سمّي جزيرةً أو لم يسمّ، وإنما المواضع التي يُنهى الكفار عن المقام
стр. 9427
فيها على طريقة المراوزة: مكة والمدينة واليمامة، وعلى طريقة العراقيين: مكة، والمدينة، واليمن، والمخاليفُ حكمها حكم البلاد في جميع الطرق، وقد يتجه [عدّ] (١) اليمن من الحجاز؛ لأنه مجتمع العرب وفيها العرب العاربة. هذا منتهى القول في بيان الموضع الذي يمنع الكفار من الإقامة به (٢).
وأما الطرق المعترضة التي لا تنسلك في أوساط البلاد المعدودة من الحجاز، ولكنها بين بلدة منها وبلدة، فمن أصحابنا من ألحقها بالحجاز، ومنع الإقامة فيها، وهذا سديد على رأي من يعين البقاعَ وانتساب البعض منها إلى البعض، ويخرِّج عليه [المنع] (٣) من الإقامة بين مكة والمدينة، وإن لم يكن موضع الإقامة منسوباً إلى إحدى البلدتين، وكذلك القول في الطرق القاصدة إلى اليمامة.
стр. 9428
ومن أصحابنا من لم يلحق الطرق بالحجاز، وهذا قد يخرج على اعتياد مجتمع العرب؛ فإن الطرق ليست مجتمع العرب، وإنما هي جادّتهم، ومحل طروقهم، وقد انتجز الغرض في بيان الحجاز الذي يمنع الكفار من المقام فيه.
١١٤٨٨ - ثم نأخذ بعد هذا في فن آخر قائلين: الحجاز ينقسم إلى حرم مكة [وغيره] (١)، فأما حرم مكة، فيمنع الكفار من دخوله وتخطيه، وإن قصدوا التجاوز، والانتقال (٢)، حتى قال الأئمة: لو وفد رسولٌ، لم يجز أن يؤذن له في دخول الحرم، وإن كان يجوز أن يؤذن للكفار في دخول مساجد البلاد، بل يخرج الوالي إليه، أو يخرج إليه من يوثق به، وكذلك إن أتى مستجيرٌ يستمع الذكر، فسبيله كسبيل الرسول.
والمعتمد فيما ذكرناه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨]، والمراد إن خفتم انقطاع التجاير (٣) عنكم، وخفتم لأجل ذلك عَيْلة، فاطردوهم واعتصموا بفضل الله تعالى، ثم لا يختص المنع بخِطة مكة، بل يتعلق بالحرم وفاقاً، وحرم المدينة ليس في معنى حرم مكة، وإن كنا قد نلحقه بحرم مكة في الصيود والمنع من عضد الأشجار، فسبيل المدينة كسبيل اليمامة في المقصود الذي نحن فيه.
فأما ما عدا حرم مكة، فلا يمتنع فيه على الكفار طروقها على هيئة الانتقال، ويحرم عليهم الإقامة، ولا يمتنع أن يؤذن لهم في دخولها مجتازين، وإن مكثوا في قرية أو بلدة، فلا يزيدنّ مكثُهم على مكث المسافرين، وهو ثلاثة أيام، من غير احتساب يوم الدخول ويوم الخروج، ولو كانوا يتناقلون من بقعة إلى بقعة ولو قيست أيام تردُّدهم، لزادت على مقام المسافرين، فلا بأس؛ فإن خِطة الحجاز لا يمكن قطعها بثلاثة أيام، حتى قال الصيدلاني وغيره: لا نكلفهم أن يجروا في انتقالهم على
стр. 9429
المنازل المعهودة، فلو قطعوها فرسخاً فرسخاً، وكانوا يقيمون على منتهى كل فرسخ ثلاثة، فلا منع ولا حجر.
١١٤٨٩ - ويليق بذلك القول في المرض والموت، فمن مرض من الكفار في الحجاز وأراد الإقامة حتى يُفيق، ويستبلّ، نظر: فإن أمكنه أن ينتقل مع مرضه، كُلّف الانتقال، ولو كان يُخاف عليه الموت لو بَرِح، تُرك إلى أن يبرأ، ولو كان يناله مشقة عظيمة، وقد لا يغلب على الظن الموت، فوجهان: أصحهما - تكليف الانتقال.
ولو مات كافر في الحجاز، فإن كان في نقل جيفته مشقة عظيمة، واريناه مواراة الجيف، وإن كان على طرف الحجاز، نُقل، وإن كان دفنه أهلُه، ففي نبش قبره ولحده مع التمكن وجهين: أحدهما - أنه يترك لأنه كالمعدوم الممحَق وإلى البلى مصيره، وليس يبعد عندنا [ألا نمنع] (١) نبش قبره. ولو دخل كافر الحرم من غير إذن، ولكن كان معه تعلق بأمان، فمرض، أخرجناه من الحرم وإن أدى إلى هلاكه. ولو دفنه أهله على اختفاءٍ في الحرم، فكما (٢) شعرنا به ننقله، وإن تفتت، جمعناه ونقينا الحرم منه. وهذا نجاز القول في هذا الفن، ونأخذ بعده في غيره، فنقول:
١١٤٩٥ - ما أطلقناه من جواز الدخول مشروط بالأمان، ولا يخفى هذا على المحصِّل، ولكن لا يضر بيانه، فالحربي لو دخل الحجاز أو غيرَه من البلاد، نُظر: فإن كان مستجيراً، أو رسولاً، فحالتُه تؤمنه شرعاً، ولا حاجة إلى عقد الأمان، وإن لم تكن رسالة ولا استجارة، فدخل الحربي للتجارة، فالتجارة لا تؤمنه، فإن كان في أمان مسلم، لم نتعرض له اغتيالاً.
وإن أراد صاحب الأمر أن يؤمن التجار حتى يدخلوا بلاد الإسلام، فليفعل، فلا
стр. 9430
يتأتَّى الأمان العام إلا من جهة صاحب الأمر؛ فإن الواحد من المسلمين إذا قال: أمنت من يدخل دار الإسلام تاجراً، لم نصحّح ذلك منه؛ فإنا أوضحنا أن أمان الآحاد [للآحاد] (١)، والأمن العام إلى الإمام، ومن ينصبه الإمام. ولو زعم الكافر أنه ظن التجارة أماناً، لم نبال به واغتيل، وأُخذ مالُه، ولا معوَّلَ على ظنه، إذا لم يكن له مستند.
ولو كان الكفار سمعوا واحداً من المسلمين يقول: من دخل تاجراً، فهو في أمان، فاعتمدوه، فلا شك في فساد الأمان، ولكن هل يثبت لهم حكم الأمان إذا ظنوه صحيحاً؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يثبت؛ لأن الأمن العام لا يُحتمل من الآحاد، ولو أثبتنا عُلقة الأمان، فقد أثبتنا فائدة الأمان، وإنما يحتمل إثبات العُلقة في الأمان الفاسد إذا كان ثابتاً على الخصوص. والوجه الثاني - لا يخفى وجهه.
ولو عَقدَ واحدٌ من المسلمين ذمةً لكافر، فلا شك في فسادها، والوجه القطع بأن عُلقة الأمان [تثبت للكافر؛ فإن هذا عقدٌ خاص، وإن كان فاسداً. وقد انتجز التنبيه على التشراط الأمان] (٢).
والذمي لا حاجة له إلى الأمان في دخول الحجاز إذا كان ينتقل فيها ولا يقيم، والذمة في حقه كافية.
[فنٌّ آخر] (٣)
في تعشير أموال الكفار، وهذا غمرة الفصل.
١١٤٩١ - فنقول: لا يجوز توظيف مال على من دخل رسولاً أو مستجيراً، ولا فرق في ذلك بين الحجاز وغيره من البلاد، والسرّ فيه أن المال يثبت بالشرط، والرسول والمستجير لا يتوقف أمرهما على شرط، فلا ينتظم إلحاق مال بهما. فأما
стр. 9431
غير الرسول والمستمع للذكر، فلا يجوز للإمام أن يأذن للحربيين حتى يدخلوا بلاد الإسلام، ويترددوا فيها من غير غرض فيه صلاح للمسلمين (١)، والمستجير والرسول متعلّقان بغرض الإسلام؛ فإن الرسول لا بُد منه في الدول، والمستجير نأمل إيمانَه، فأما التردد لأغراض كافرٍ من غير حصول [مقصود] (٢)، فلا سبيل إليه، فيضرب الإمام على من يطرق منهم ضريبةً في تجايرهم، ونحن نذكر ما ذكره الأصحاب، ثم نحرص على الضبط.
قال الأئمة: المعاهد إذا دخل بلاد الإسلام تاجراً، أخذنا منه عُشر ماله، هذا ضربه (٣) عمر ﵁ (٤).
ولو دخل المعاهَد غيرََ الحجاز من غير تجارة، ولكن كان أمَّنه مسلمٌ، لم يطالَب بشيء، وإذا لم يكن بتجارة (٥) [فإن] (٦) دخل الحجاز على هذه الصورة، فهل يطالب؟ فيه وجهان، وسبب الاختلاف تعظيم الحجاز، وما ثبت له من الاختصاص، ثم إن أوجبنا شيئاً، فلا متعلّق غير الدينار، وهو أقل الجزية.
وهذا عندنا باطل، والوجه القطع بأنه لا يضرب على غير التاجر شيء، ولا أحد يصير إلى تعشير جميع ما معه من ثياب ومركوب.
هذا في المعاهد.
فأما الذمي فلا ضريبة عليه إذا اضطرب في غير الحجاز من بلاد المسلمين؛ فإن الجزية كافية في تثبيت الأمانِ والعصمةِ المؤبدة (٧) في النفس والمال.
стр. 9432
ولو دخل الذمي أرض الحجاز تاجراً، ضربنا عليه نصف العشر، وهذا منقول من نص قضاء عمر (١).
ومن أهم ما يتصل بهذا المنتهى أن نقول: لا يثبت العشر من غير شرط في أصل المذهب، لا خلاف في ذلك إنما التردد في المعاهد في غير الحجاز. (٢ وإن دخلوا الحجاز بأمان تجاراً ٢) ولم يتفق شرطُ ضريبة عليهم، فقد ذكر العراقيون وجهين: أصحهما - أنه لا شيء عليه، جرياً على ما ذكرناه من اشتراط الضرب والتصريح بإثبات الضريبة، والوجه الثاني - أن العشر مأخوذ منهم، ووجهه عندنا اتباع قضاء عمر، حتى كأنا نعتقد قضاءه ضرباً على من سيكون بعده في حكم القاعدة المثبتة.
١١٤٩٢ - ثم إذا وضح هذا، ألحقنا به فناً آخر، فنقول: صح أن عمر ﵁ ضرب عليهم في تجايرهم العشر -يعني المعاهدين- وضرب عليهم في الميرة نصف العشر، وأراد بذلك تكثير الميرة، فقال الأئمة: إذا رأى الإمام حطّاً من العشر في صنف تمَس إليه حاجةُ المسلمين، فلا بأس تأسياً بعُمَرَ في قضائه، ثم إن رأى رَفْعَ الضريبة [حتى] (٣) تتسعَ المكاسب، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - له ذلك جرياً على ما ذكرناه من المصلحة. والثاني - لا يجوز ذلك، ولا بُدَّ من أخذ شيء وإن قل، ولعل هذا هو الأصح.
ثم قال الأئمة: لا مزيد على العشر؛ فإن عمر قنع به، مع ظهور سطوة الإسلام، فدل على أنه رآه الأقصى. وفي بعض التصانيف أن الإمام لو أراد أن يزيد على العشر، جاز له أن يزيد، وانتظم مما ذكرناه أن الأسقاط على المصلحة فيه خلاف، والأصح المنع، والحط من العشر جائز وفاقاً على شرط المصلحة، وفي الزيادة على العشر خلاف.
стр. 9433
١١٤٩٣ - فن آخر: قال الأئمة: إذا أخذ الإمام من تاجر ما يراه، فلو أراد أن يكرر عليه الأخذ من ذلك المال في تلك السنة، لم يكن له ذلك، فلتكن الضريبة على المال بمثابة الجزية في السنة الواحدة، ولو جاؤونا بتجارة فعشّرناها، فجاؤونا بأموالٍ أُخر في كرّة أخرى، فلا شك أنا نعشرها، وإنما نمتنع عن التثنية في المال الواحد، ثم إذا أخذنا الضريبة في مال وأراد المعاهد التردد، أعطيناه جوازاً مُؤرَّخاً حتى لا يتعرض له العشارون في السنة.
وذكر العراقيون وجهين في ترديد مالٍ إلى الحجاز في سنة مرتين فصاعداً: أحدهما - أنا نثني العشر لتعظيم الحجاز. وهذا رديءٌ، ثم شَرْط [هذا] (١) الوجه أن يخرج من الحجاز ويعود، فأما إذا كان يتردّد فيه، فلا نثنّيه.
قلت: من لم يضبط المأخوذ بعشرٍ، فلا يبعد على أصله تكريره العشر في سنةٍ أخذاً من تكثير الضريبة، لا من تكريرها، وإذا جاز تكثيرها، فالضريبة التي رأى الإمام ضربها هو بالخيار فيها إن شاء استوفاها دفعة واحدة وإن شاء استوفاها بدفعات.
فرع:
١١٤٩٤ - المرأة المعصومة بذمة زوجها أو بذمة قريبها إذا كانت تتردد متّجرة، فحكمها في تعشير ما معها كحكم الذمي المعنيّ بالذمة، فلا يؤخذ من تجايرها شيء في غير الحجاز، وإن دخلت الحجاز، فهي بمثابة الرجل، كما قدمنا ذكره.
...
стр. 9434
باب نصارى العرب تضعّف عليهم الصدقة
١١٤٩٥ - روي " أن عمر ﵁ طلب من تنوخ وبهراء وتغلب، وهم نصارى العرب الجزية، فقالوا: نحن العرب، فلا نقبل الصغار، والجزيةُ صغار، فخذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض -يعنون الصدقة- فقال: إنها طهرة المسلمين، ولستم من أهلها، فقالوا خُذْ بذلك الاسم، وضعِّف ما شئت، فضعّف عليهم الصدقة " (١) هذا أصل الباب.
وأول ما يجب الإحاطة به أن المأخوذ منهم، وإن كان يسمى صدقة، فهو في الحقيقة جزية، ومصرفه مصرف الجزية، ولا يؤخذ من أموال النساء والصبيان، فإذا رأى الإمام أن يأخذ من قومٍ من الكفار عرباً كانوا أو عجماً، ضعفَ الصدقات، وغرضه من المأخوذ الجزيةُ، فليفعل ما بدا له، ولا ضبط، فلو أراد أن يأخذ ثلاثة أمثال الصدقة، ووقع التراضي بها، أو أخذ مثلها، أو مثل نصفها، فلا بأس، والمأخوذ منه يُقابَلُ بالجِزَى المفضوضة على الرؤوس: لكل رجل دينار، فإن وفَّى المأخوذ، فذاك، وإن زاد وقبلوا الزيادة، لزمهم الوفاء بها، كما تمهد، وإن نقص المأخوذ عن مقدار الجزية كلّفناهم بتكميل الجزية على حسب ما ذكرناه.
ولو أراد أن يأخذ منهم مقدار الصدقة، فإن كان أكثر من أقل الجزية، جاز وإن كان مثل الجزية، فالذي اقتضاه قول الأصحاب في الطرق أن ذلك جائز، إذا رآه الإمام؛ فإن الغرض استيفاء الجزية بأي حسابٍ فُرض، وعلى أي وجه قدر، ولا يبعد عندنا أن يقال: إذا لم يكن للإمام غرض ماليٌ فيما يأخذه، فتشبيهه أهل الذمة بالمسلمين في
стр. 9435
المأخوذ منهم ظاهراً حطٌّ للصغار المعتبر، والأمر في ذلك مفوّض إلى رأي الإمام.
ولو أراد أن يأخذ منهم نصفَ الصدقة، وألفاه زائداً على الجزية، فلا شك في جوازه، وإن كان قدرَ الجزية، فالذي ذكره الأصحاب الجواز، وما أشرنا إليه من ترديد الرأي في ملاحظة إبقاء الصغار عليهم جارٍ هاهنا.
والباب عريٌّ عن الفقه؛ فإن حاصله يؤول إلى أن المأخوذ جزية، فينبغي ألا ينقصَ عن الأقل المعتبر، وإن زاد، قبلنا الزيادة.
١١٤٩٦ - ثم إذا جرى للإمام تضعيفُ قدر الصدقة عليهم، فللأصحاب تصرف في معنى التضعيف راجعٌ إلى التنازع في فحوى الصيغة، وإذا لم يكن مطلوب الباب فقهاً، فلا مبالاة.
ونحن نذكر الآن ما ذكره الأصحاب في معنى التضعيف، فإذا قال الإمام: ضعّفت عليكم الصدقة، فمعناه: ضعَّفتُ عليكم قدرَ الصدقة، وكل ما يجب في مال المسلم يؤخذ ضعفه من مال الكافر، فنأخذ بدل البعير بعيرين وبدل الشاة شاتين، وعلى هذا القياس يجري معنى التضعيف، فنأخذ من خَمسٍ من الإبل شاتين، ومن عشر أربعَ شياه، ونأخذ من خمس وعشرين بنتي مخاض، ولا نقول نأخذ منها حِقة نظراً إلى نصاب الحِقة؛ فإن معنى التضعيف هذا الذي ذكرناه، وكذلك نأخذ من عشرين ثماني شياه، لا بنت لبون، ومن ستين من البقر أربعة أتبعة.
ْوالأصل أن معنى التضعيف يحمل على [ما يجب] (١)، ولا يحمل على الترقي بالسن؛ فإنا ذكرنا أن مطلوب هذا الباب يرجع إلى معنى اللفظ، فلو أخذنا من خمس وعشرين حقة، لم يسمّ هذا تضعيفاً للصدقة، وإنما هو [تضعيف لقدر المال] (٢) والأخذ بحسبه، ونأخذ من مائتي درهم عشرة دراهم، ومن عشرين ديناراً ديناراً، ومن الزرع المسقي بالسماء خمساً، ومن الزرع المسقي بالنضح عشراً، وإن ملك
стр. 9436
مائتين من الإبل، أخذنا منه عشرَ بنات لبون، أو ثماني حقاق.
قال الأئمة: لا نفرق، فنأخذ خمسَ بنات لبون، وأربع حقاق. كما لا نفرق الصدقة؛ فإن الغرض تقدير الصدقة وتضعيفها.
١١٤٩٧ - واختلف الأئمة في وقص أموالهم وأنه هل يؤخذ منه شيء، مع العلم بأن الوقص لا يجب بسببه زيادة، وحاصل ما ذكره الأئمة ثلاثة أوجه: أحدها - أنه لا يؤخذ منه شيء من الكافر؟ فإن الصدقة هي المضعّفة، فإن لم يكن فيها صدقة، فلا معنى للتضعيف. والثاني - أنا نأخذ من وقص أموالهم على حساب التضعيف، فإنا لا نرعى في حقهم من التخفيف ما نرعاه في حق المسلم. والثالث - أن الأخذ من الوقص إذا كان يؤدي إلى التشقيص مع التضعيف، فلا نوجب، وإن كان لا يؤدي إلى التشقيص، [أخذنا من] (١) الوقص؛ فإن الذي أوجب منع الأخذ من وقص مال المسلم أنا لو أخذنا منه، لأوجبنا شقصاً، واعتباره عسرٌ في الحيوان، فنصبر إلى أن يكمل الواجب الزائد.
فعلى هذا إذا ملك سبعاً ونصفاً من الإبل، فعليه ثلاثُ شياه؛ إذ لا تشقيص على حسب التضعيف، وإذا ملك من الإبل ثلاثين ونصفاً، فعليه بنت مخاض، وبنت لبون، وفي خمس وثلاثين من البقر تبيع ومُسنّة، هذا ما يقتضيه حساب التضعيف، مع الأخذ من الوقص، واجتناب التشقيص.
وبيان ذلك أنه إذا ملك ثلاثين ونصفاً من الإبل فنقدر تضعيف ما يزيد على الخمس والعشرين والزائد على الخمس والعشرين خمس ونصف، فإذا ضعّفنا هذا الزائد تقديراً، بلغ المال ستاً وثلاثين؛ وواجبها بنت لبون، فنوجب بنت مخاض في الخمس والعشرين، ونوجب بنت لبون بتقدير بلوغ المال ستاً وثلاثين، فيتضعف واجب الخمس والعشرين، فإنه يجتمع عليه بنت مخاض وأجزاء من بنت لبون، ويتضعّف الوقص حتى لا يؤدي إلى التشقيص، وهذا ذكره القفّال.
стр. 9437
١١٤٩٨ - والأصلُ ألا نوجب في الوقص شيئاً، فانا ذكرنا أن مضمون الباب مدارٌ على معنى اللفظ، واللفظ المذكور تضعيف الصدقة، وإنما يُضعَّفُ كائن، وإذا كانت الصدقة لا تجب في الوقص، فلا معنى لتقدير التضعيف، ولولا أن البويطي روى عن الشافعي أنه قال: " إذا ملك مائة درهم أخذ منه خمسة دراهم، وإذا ملك عشرين شاة فعليه شاة، وإذا ملك بعيرين ونصفاً فعليه شاة " وكل ذلك مما نص الشافعي عليه في رواية البويطي، فاعتضد بالنص الإيجابُ في الوقص، وبقي النظر في التشقيص، ولولا النص، لحسمنا الباب، ولما أوجبنا في الوقص شيئاً.
ثم من لم يبال بالتشقيص، يقول: من ملك ثلاثين ونصفاً من الإبل، فيجب في الخمس والعشرين بنتا مخاض، ويجب في الخمس والنصف ما يجب في الأحد عشر من أجزاء بنت لبون إذا أضيفت إلى ست وثلاثين.
ومن يجتنب التشقيص ويفرع على الإيجاب في الوقص، فلا يجد [طريقاً لا يتعطل] (١) فيه الوقص، ويجتنب التشقيص إلا ما ذكره القفّال، على ما قدمنا [تقريره] (٢) وتقديره.
وفيما ذكره أمر محذور، وهو تضعيف المال، ومساق (٣) ذلك يتضمن إيجاب حقة في خمس وعشرين مثلاً، وقد ذكرنا أنا لا نفعل ذلك، بل نوجب بنتي مخاض، ولكن هذه الصورة تتميز عن الخمس والعشرين بما ذكرناه من ضرورة التشقيص، مع أنا لا نريد تعطيل الوقص.
فهذا منتهى المذكور في ذلك.
ومن أوجب في الوقص بعد النصاب زيادةً، أوجب فيما لا يبلغ نصاباً بحساب التضعيف.
стр. 9438
فهذا بيان الأَوْجُه، مع العلم بعرُوّ جميع ذلك عن الفقه، ورجوع الأمر إلى التصرف في لفظٍ.
وكل ما لا يناقش فيه مخالفٌ -لو صرّح به في عقد الذمة- يثبت؛ فإن ما يثبت في هذا الباب جزية، وفقه الجزية ألا تنقص عن دينار، والزيادة ممكنة، في الكل والشقص على حسب التراضي، وإن أشكل لفظ رجع إلى معناه من طريق اللسان.
١١٤٩٩ - ولو ملك ستاً وثلاثين ولم يكن في إبله بنتُ مخاض، فالذي يقتضيه قياس التضعيف أنا نأخذ منه بنتي مخاض مع الجبران، وهل يضعّف الجبران؟ اشتهر الخلاف فيه، والصحيح أنا لا نضعفه؛ لأنا قد ضعفناه مرة؛ إذْ أوجبنا بنتي مخاض، وضممنا إلى كل واحدة شاتين أو عشرين درهماً، فلو ضعّفنا الجبران، لكان تضعيف التضعيف في مقدارٍ.
ومن أصحابنا من قال: يؤخذ مع كل بنت مخاض أربعُ شياه، أو أربعين درهماً، وهذا غلط لا نشك فيه، ولا ينبغي أن يعد هذا من المذهب، وإن اشتهر نقله، ولكنه نادرة من رجل مرموق ضَرِي الناقلون بنقلها.
ولو ملك ستاً وثلاثين وليس في ماله بنتُ لبون، وفي ماله حقاق، فنأخذ حِقّتين، ولا بد من ردّ الجبران، ولا خلاف هاهنا أنا لا نقابل كل حقّة بجبرانٍ واحد، فلا تضعيف فيما نردّه ونبذله وإنما التردد فيما نأخذه.
ثم الإمام إذا كان يردّ الجبران، فلا شك أنه يخرجه من الفيء لا من الصدقات؛ فإن المأخوذ من هذا مقصود الباب.
١١٥٠٠ - وقد قدمنا أن الوالي لو أراد أن يزيد على الضعف، أو ينقص، فلا معترض عليه، وذكرنا أن المذهب أنه لا مزيد على العُشر المأخوذ من تجاير المعاهدين اقتداء بعمر، وهاهنا قطعنا بجواز الزيادة على الضعف، والسبب فيه أن الضِّعف ربما لا يفي بأقل الجزية، ولا بد من اعتبار أقل الجزية، والعشر المأخوذ من المعاهَد ليس جزية، ولو قبل المعاهدون أكثر من العشر، أخذنا منهم، كما إذا قبل الذمي أكثر من الدينار، غير أن الذي أراه أن الزيادة تلزم الذمي، كما اتفق الأصحاب عليه، لأنها
стр. 9439
ذكرت في عقدٍ، والجزيةُ فيه بمثابة العوض، والضريبة الموظفة على المعاهد ليست في عقد، فإذا بذل لسانُه بمزيد، فيظهر ألا يلزمه الوفاء به، ويلزم العشر؟ اتباعاً للقضاء.
ويجوز أن يقال: يلزم الزائد على العشر بالالتزام؛ فإن الجاري مع المعاهد أمان، وإن لم يكن ذمةً مؤبدة، وكأنا لا نؤمنهم ليحصّلوا أغراضهم من تجاراتهم إلا بمال، كما لا يقر أهل الذمة في خِطة الإسلام إلا بالجزية. هذا قولنا في الزيادة على التضعيف.
١١٥٠١ - فإن قيل: إنما فعل عمر هذا مع العرب لما أنِفوا من التصريح بقبول الجزية، فهلا قلتم هذا يختص بالعرب حتى لا يجوز مثلُ ذلك مع العجم؟ قلنا: قد ذهب إلى هذا بعض أصحابنا اتباعاً لعمر، وهذا ليس من ثمرات الفقه المحض، وإنما هو أمر سياسي، والذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن ذلك يجوز في العجم، كما يجوز في العرب، وهذا التردد سببه انحطاط الصَّغار، وهو قريب مما قدمناه من تردد الأصحاب في أن التوكيل في أداء الجزية هل يجوز أم لا؟ ولا يبعد أن يتخصص العرب بمزية عن العجم، وهذا كما أن الرّق يجري على العجم قولاً واحداً، وفي جريانه على العرب قولان.
١١٥٠٢ - ثم أعاد الأصحاب في هذا الباب أصلاً قدمنا تمهيدَه، فقالوا: تُقابل الصدقات بالرؤوس، فإن كانوا أغنياء، اعتبرنا لكل رأس ديناراً، وإن كانوا منقسمين منهم الفقراء، فإن أخرجوا عن أنفسهم وعن الفقراء ديناراً ديناراً، وبلغت الصدقة هذا المبلغ أقررنا الفقراء، وإن بلغت الصدقة ما على رؤوس الأغنياء، ففي تقرير الفقراء الكلام المفصّل فيما مضى، ويتعلق بذلك أنهم أدَّوا عن الفقراء، فلا بد من تقدير الضرب على الفقراء وصدر الأداء عن إذنهم.
وما ذكره العراقيون أنهم قالوا: إذا قابلنا الصدقة بالرؤوس فوفت بالدنانير، أو زادت، فلا كلام، وإن كان يعسر علينا هذا التقدير في كل سنة، ولكن غلب على ظننا وفاء الصدقة بالدنانير، فهل نقنع بغالب الظن، أو نرد الأمر إلى التحقيق؟ ذكروا
стр. 9440
في ذلك وجهين ولست أرى لمثل هذا الكلام وجهاً مع العلم بأن أقل الجزية دينار، ولا بد من الخروج عنه على تحقيق، ولست أحمل ذلك إلا على نظر ناظر إلى إطلاق تضعيف الصدقة من عمر، فظن هؤلاء أنه كان لا يقيس ما نأخذ بجزية [الرؤوس] (١) في كل سنة، وهذا وَهمٌ وخطأٌ، ولا يليق بعمر ﵁ المجازفة في الأمور.
...
стр. 9441
باب المهادنة
١١٥٠٣ - إذا أراد الإمام أن يهادن جمعاً من الكفار، نُظر: فإن لم يكن بالمسلمين ضعف، فله أن يهادن الكفار أربعة أشهر، وهي مدّة التسييح، قال الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، والذي قطع به الأصحاب أنه لا يجوز تبليغ مدة المهادنة سنة؛ فإنها مدة الجزية، فلا يجوز الكف عن الكفار في مدة الجزية من غير جزية، وذكروا قولين في جواز المهادنة أكثرَ من أربعة أشهر وأقلَّ من سنة: أحدهما - أن المهادنة تصحّ لقصور مدتها عن أمد الجزية، فأشبهت المهادنة على أربعة أشهر.
والثاني - أنها لا تصحّ؛ فإن الأربعة الأشهر منصوص عليها في كتاب الله تعالى، فاتبعناها، ولم نزد عليها.
ومن أصحابنا من قال: المهادنة على ما دون السنة محمولة (١) على ما إذا مات الذمي في خلال السنة، وقد اختلف القول في أنا هل نُلزمه قسطَ ما مضى من الجزية؟ فإن قلنا: لا يجب فيما نقص من السنة [قسطٌ من الجزية] (٢)، فالمهادنة جائزة، وإن قلنا: يجب فيما نقص من السنة قسطٌ من الجزية، فلا تصح المهادنة.
ثم قال هؤلاء: لو مضى من سنة الجزية (٣) أربعةُ أشهر أو أقل، فمات الذمي، لا يجب في مقابلة الأربعة الأشهر شيء، فإنها مدة التسييح؛ وإن كان يجب ما يقابلها إذا زادت المدة.
وهذا تخليط لا أصل له، ولا فرق بين الأربعة الأشهر وبين الزائد عليها في الخروج على القولين إذا مات الذمي، أو أسلم في أثناء السنة، وينبغي أن يكون
стр. 9442
مأخذ القطع في الأربعة الأشهر في تجويز المهادنة، ومأخذ القولين في الزائد من نص القرآن وهو قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (١).
وفي بعض التصانيف ذكر قولين في جواز المهادنة على سنة. وهذا غلط، لم أره لأحد من الأصحاب، وإنما الموقفُ السنةُ (٢)، فإذا خرج قول في جواز المهادنة سنة - ولا ضعف- فيجب خروج هذا القول في سنتين، فصاعداً، وهذا خرمٌ لقاعدة المذهب (٣)، فلا اعتداد به، وهذا ملتحق بالهفوات.
١١٥٠٤ - هذا إذا لم يكن ضعفٌ، فأما إذا كان بالمسلمين ضعفٌ، فللإمام أن يهادن الكفارَ عشرَ سنين، والمتبع فيه سيرة رسول الله ﷺ ؛ إذ هادن أهلَ مكة عشرَ سنين على المكافّة، ثم إنهم نقضوا العهد، كما سنصف طرفاً من ذلك، إن شاء الله تعالى، فسار إليهم رسول الله ﷺ . ولا مزيد على العَشْر.
هذا ما ذهب إليه المحققون.
وحكى صاحب التقريب وجهاً ضعيفاً في جواز الزيادة، ودليل هذا القائل ما جرى لرسول الله ﷺ تنزيلاً للمهادنة على المصلحة اللائقة بالحال، فليتأمل كل ناظر ما يليق بالاستصواب والاستصلاح.
وهذا وجه مزيف لا تعويل عليه، ولا اعتداد به.
ولو عقد [الإمام] (٤) المهادنة وأطلقها، ولم يذكر وقتاً، فإن كان في قوة الإسلام والمسلمين، ففي بعض التصانيف قولان: أحدهما - أن الهدنة تنعقد على أربعة أشهر؛ تنزيلاً لها على أقل المدة اللائقة بالحال. والقول الثاني - أنها تنعقد على سنة، تنزيلاً لها على الأكثر.
стр. 9443
وهذا خطأ من وجهين: أحدهما - تقدير الهدنة على سنة في قوة المسلمين، وقد أوضحنا هذا. والثاني - أن الهدنة لا تختص بالأربعة الأشهر ولا بالسنة، وإن كانت السنة مدةً للهدنة؛ فإنها قد تُعقد على عشرة أشهر فلا معنى للتّحكم بتنزيلها على الأربعة أو على السنة، والوجه القطع بفساد الهدنة.
وقد ذكر صاحب التقريب فيه إذا كان بالمسلمين ضعف وقد أطلقت الهدنة، فالهدنة المطلقة تحمل على عشر سنين، وهذا يناظر ما ذكرناه من حمل الهدنة على سنة إذا كانت القوة للمسلمين.
وكل ذلك باطل، والوجه إفساد الهدنة المطلقة في القوة والضعف جميعاً، لما أشرنا إليه من أن المدة لا يخصصها في الإطلاق لفظ ولا عُرف، ولا أمرٌ شرعي، فالوجه إفسادها، ثم إذا فسدت المهادنة، فأثر فسادها أنها لا تلزم.
ولكن لا يجوز المسير إلى الكفار بغتة من غير إشعارهم بأن لا عهد بيننا وبينهم، وهم ما داموا على ظن العهد آمنون.
ولو زاد الإمام على عشر، والتفريع على أن الزيادة ممتنعة، فلا شك أن الزيادة مردودة، وهل [تفسد] (١) المهادنة على العشر أم تلزم، وتنحذف الزيادة على العشر؟ فعلى قولين: أحدهما - أن الزيادة منحذفة والهدنة لازمة على العشر. والثاني - أن الهدنة فاسدة، وقرّب الأصحاب القولين من قاعدة تفريق الصفقة، فإن العشر مدة الهدنة، فإذا ذكرت مع الزيادة عليها، كان ذلك جمعاً في عقدٍ بين ما يجوز وما لا يجوز. هذا مأخذ القولين.
ثم الأصح تصحيح المهادنة؛ فإنا حيث نُفسد الصفقة بالتفريق، فمعوّلنا ما يؤدي التصحيح إليه من جهالة العوض، وهذا المعنى لا يتحقق في المهادنة، وينضم إلى ذلك ابتناء المعاملة مع الكفار على ضرب من المساهلة لا يحتمل مثله في المعاملات الخاصة الجارية بين المسلمين.
١١٥٠٥ - وممّا يتعلق بقاعدة الهدنة أن الكفار لو طلبوا الهدنة وليست تبعد عن
стр. 9444
المصلحة والنظر للمسلمين، فهل يجب إجابة الكفار إلى ما يطلبون؟ المذهب أن ذلك لا يجب؛ فإنه ليس للمسلمين منفعة حاقة، بل ينظر الإمام ويقدم ما يراه الأصلح، وليس ما نعلّقه باجتهاد الإمام معدوداً من الواجبات، وإن كان يتعين على الإمام إذا رأى صلاحاً أن يبتدره، ولكن الاجتهاد لا ينضبط، والرأي لا تنحصر مسالكه.
وهذا بمثابة قولنا: لا يجب على الإمام أن يقتل الأسرى من الكفار والمراد به أن الإرقاق، والمن، والفداء ممكن على الجملة، ولا تعيين من جهة الشارع يقطع نظر الناظر واستصواب المجتهد، فالمهادنة مع الكفار كذلك، فإن رأى المصلحة فيها، وإن كانت القوة للمسلمين، فحق عليه أن يُمضي ما يراه، ووجه المصلحة أن يطمع في اختلاط المسلمين بهم، واختلاطهم بالمسلمين وانتشار الدعوة فيهم، وانتشار الدعاة، فلعلهم يرشدون أو بعضهم.
وفي بعض التصانيف أنهم إذا طلبوا الهدنة، وجبت إجابتهم إذا لم يكن منهم مضرّة، وهذا خطأ محض؛ فإن تعيين إيجاب الهدنة والانكفاف عن الجهاد من غير منفعة ناجزةٍ للمسلمين لا معنى له.
١١٥٠٦ - ولو طلب كافر أن يجار ويؤمن ليستمع الذكر، فالذي قطع به الأصحاب أنه تجب إجابته، وقد شهد النص بذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ الآية [التوبة: ٦]، وليس هذا من معنى الهدنة بسبيل؛ فإن الهدنة أمان عام لجيل (١) من الكفار، وما ذكرناه الآن استجارة من واحد أوآحاد ليسمعوا الذكر، ثم المستجير لما ذكرناه لو لم يشتغل باستماع الذكر، وبان إضرابه، نبذنا إليه الأمان، ولو استجار ليستمع حجة الإسلام، فهل نقول: إذا أخذ يتردد ويسأل ويجاب، فنمهله أربعة أشهر لهذا الغرض، أم نقول: إذا لم ينفصل الأمر بمجالس يُفرض في مثلها البيانُ التام، نبُذ إليه عهدُه، وقيل له: الحق بمأمنك، فلا فلاح فيك؟ فيه تردد، أخذته من فحوى كلام الأصحاب: منهم من قال: يمهل أربعة أشهر مدة التسييح. ومنهم من قال: لا يلزمنا إلا البيان له، ولعل هذا هو الظاهر، والعلم عند الله تعالى.
стр. 9445
وليس على المستجير بذلُ مال، كما قدمناه. ولو جاء كافر، وطلب أن نعقد له الذمة ونُلزمه الجزية، ففي بعض التصانيف أن الإمام يلزمه أن يجيبه، وفيه وجه آخر أنه لا يلزمه، ولكن ينظر إلى الأصلح، وهذا فيه إذا كان لا يظن ضرراً، وقد أجرى هذا المصنف طلب الذمة وطلب المهادنة، ثم قال: المذهب أن الإجابة إلى الهدنة لا تجب، وفيه وجه أنها تجب. وإذا طلب الكافر الذمة، فالمذهب أنه تجب إجابته، وفي المسألة وجه أنه لا تجب إجابته.
وما ذكره في الأمرين جميعاً ليس على وجهه، فالوجه القطع بوجوب الإجابة إلى الذمة، إلا أن يفرض [ضرر] (١) متحقق أو مظنون. وقد ذكرتُ هذا. ومن قال: لا تجب إجابة الكافر إلى عقد الذمة، فقد رد أصلاً عرفه فقهاؤنا متفقاً عليه، وذُكر وجه في إيجاب الإجابة إلى الهدنة، وهذا في الفساد كالوجه المحكي في أن الذمة لا تجب.
فإن قيل: ألستم ذكرتم في فصل تعشير أموال الكفار أنهم لا يمكنون من دخول دار الإسلام إلا بشيء يؤخذ منهم، ثم جوزتم الانكفاف عن الكفار من غير شيء؟ قلنا: ما نضربه على من يدخل منهم دارنا في مقابلة تخطّيهم خِطة الإسلام، واختلاطهم بالمسلمين، والمهادنة معناها تقرير الكفار في ديارهم، وكف القتال عنهم، فلا يبعد أن يطالَبوا بمالٍ على ترك مقاتلتهم مدة معلومة، قدمنا وصفها، ومقدارها.
فهذا الذي ذكرناه أصول (٢) في باب المهادنة.
١١٥٠٧ - ونحن بعدها نخوض في مسائل من الهدنة، هي مقصود الباب، ونقدم عليها طرفاً من المهادنة التي جرت لرسول الله ﷺ ، تمس الحاجة إليه في المسائل:
لما صُدَّ رسول الله ﷺ عام الحديبية، هادن رسول الله ﷺ سهيلَ بنَ عمرو، وكان رسولاً من أهل مكة، ثم أجرى رسول الله صلى الله
стр. 9446
عليه وسلم في الهدنة أن من جاء إلى الكفار منا، فسحقاً سحقاً، لا نسترده، ومن جاءنا من الكفار، رددناه، هكذا جرت المهادنة وهي قصة معروفة.
ثم رُوي أن المهادنة، لما انعقدت جاء أبو جندل بنُ سُهيل مسلماً، فرده رسول الله ﷺ على أبيه، فولّى معه باكياً، فقال النبي ﷺ : إن الله يجعل لك مخلصاً، قال عمرُ: فأخذ سهيلُ ابنَه أبا جندل، واستمسك بيساره، فأخذت بيمينه وأشرت إلى سيفي، حتى ضربت كفّه بقائمته، وقلت: لا تبال -تحريضًا على قتله- فإن دم الكافر عند الله كدم الكلب، قال: كنت أُعرّض له بقتل أبيه، فعرف مرادي، وتبسم في وجهي وضنّ بأبيه، ولم يقتله.
ثم ورد أبو بصير على رسول الله ﷺ بعد منصرفه إلى المدينة فجاء في طلبه رجلان، فردّه عليهما، فلما أدبرا به راجعين قال ﷺ : " مِسعرُ حربٍ لو وجد أعواناً " يُعرِّض له ألا يرجع إن أمكنه، فلما كان ببعض الطريق قتل أبو بصير صاحبيه، وانضم إليه ممّن كان يريد الالتحاق بالمسلمين جمعٌ، ثم دخل المدينة في جماعة شاكين في السلاح، ثم هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة، فنزل قوله سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فامتنع رسول الله ﷺ في ردّها. هذا ما جرى والقصة طويلة " (١)، ونحن نقلنا منها ما تمس الحاجة إلى نقله في مسائل الباب.
١١٥٠٨ - والآن إن اتفقت مهادنة، فيجوز شرط رد الرجال عليهم على الجملة، ولا يجوز شرط رد النساء عليهم إذا جئن مسلمات مهاجرات.
ومما يجب تقديمه على الخوض في المسائل أن أصحابنا اختلفوا في أن النسوة هل
стр. 9447
اندرجن تحت عقد المهادنة إذ أطلق رسول الله ﷺ ، وقال: من جاءنا، فهو مردود عليكم؟ فمن أصحابنا من قال: دخلن تحت العقد، واقتضى موجبُه ردَّ النساء، ثم نسخ ذلك بآية المهاجرات المؤمنات، ثم ذكر الفقهاء في هذا المقام طرفاً من نسخ الكتاب بالسنة، ونسخ السنة بالكتاب، واختبطوا فيه على غير بصيرة، ولسنا له؛ فإن مقدار غرضنا التردد في أنهن هل دخلن؟
وقال قائلون: ما دخلت النسوة في مطلق العقد في حكم الرّد، وكان قوله ﷺ : " من جاءنا " عامّاً، والمراد به الرجال، ثم تبين بنزول آية المهاجرات تخصيص ذلك اللفظ العام بالرجال، ثم من سلك هذا المسلك اختلفوا في أن رسول الله ﷺ هل علم أنهن مستثنيات حالة إطلاق اللفظ، أو لم يعلم ذلك ثم تبيّنه عند نزول الآية؟ فقال قائلون: كان عالماً بأنهن غيرُ داخلات، ولكن لم يتعرض لذكرهن، وذكر لفظاً عاماً، ورأى في ذلك استصلاحاً. وقال قائلون: ما علم رسول الله ﷺ أنهن غير داخلات حتى عرّفه الله تعالى.
وهذا كلام مضطرب؛ فإن صاحب اللفظ رسول الله ﷺ ، فكيف ينتظم أن يقال: لم يعرف معنى لفظ نفسه حتى نزلت آية المهاجرات؟ والممكن في ذلك أن يقال: لم يخطر له التخصيص وتحقيق التعميم، وهذا لا يشفي الغليل، فالوجه أن يقال: أُمر بأن يقول قولاً، ولم يعرف معناه؛ فما كان ﷺ مستقِلاً بإنشاء ذلك القول حتى يتّجه السؤال الذي ذكرناه، وهذه مقدمات اضطرب الأصحاب فيها، ونحن رأينا أن نذكر منها قدر الحاجة.
١١٥٠٩ - والآن قد حان أن نخوض في المسائل، فنقول: أُمر رسول الله ﷺ ألا يرد المسلمات، وأوجب عليه أن يغرم لأزواجهن ما أنفقوا، وأجمع العلماء على أن المراد بما أنفقوا ما ساقوا من مهور النساء. هذا حكم الله على رسول الله ﷺ ، فلو جرت منا مهادنة، ثم امتنعنا من ردّ النسوان تأسّياً برسول الله ﷺ ، فهل يجب علينا أن نغرم ما ساقه الأزواج من المهور، كما كان يجب على رسول الله ﷺ ؟ فعلى قولين: أحدهما -
стр. 9448
أنه يجب علينا، [كما كان] (١) يجب على رسول الله ﷺ . والثاني - لا يجب علينا غرامة المهور، واختص رسول الله ﷺ بالتزامها.
ثم، قال الأئمة: القولان فينا مبنيان على تردد العلماء في أن رسول الله ﷺ التزم المهور، وفيه قولان مأخوذان من معاني كلام الشافعي (٢): أحدهما - أنه التزم المهور لطريان النسخ، وقد كان ثبت اندراج النساء، ثم نسخ الحكم، فالتزم رسول الله ﷺ أبدال مهور النساء، لمّا تعذر عليه ردّهن بالنسخ.
والقول الثاني - أنه التزم مهورهن، لأنه ﷺ أوهم بلفظه العام التزام ردّ النسوان، ثم تبين الأمر على خلاف ما ظنوه، فغرم لهم الأعواض.
فقال الأصحاب: القولان في أنا هل نغرم ما غرم رسول الله ﷺ مبنيان على القولين في علة غرامة رسول الله ﷺ . فإن قلنا: إنه ﷺ غرم بسبب النسخ الذي جرى، فلا غرم علينا، إذ لا يتصور النسخ بعد انقلابه ﷺ إلى رضوان ربه . وإن قلنا: علة غرامة رسول الله ﷺ ما جرى من إبهام اللفظ، فهذا يتصور، كما يتصور منه ﷺ ، فنلتزم المهر، على تفاصيل سيأتي الشرح عليها الآن، إن شاء الله تعالى.
فإن قلنا: لا غرم، فلا كلام، وإن قلنا: يجب علينا أن نغرم المهر، فهو المعني بغرم ما ينفقون في نص الكتاب.
١١٥١٠ - ثم الكلام في تمهيد المقصود يتعلق بفصول توضح القواعد، ونحن نأتي بها مفضلة، ثم نذكر بعدها مسائل تحوي ما يشذ عن ضبط القواعد وتردها إلى القواعد.
فأول ما نذكره سببُ الغرم، فإذا جاءتنا مسلمة، وجاء الزوج طالباً لها، مطالباً بردها، فقد اختلف الأئمة في سبب الغرم: فمنهم من قال: سببه أنا شرطنا في
стр. 9449
المهادنة أن نردّ عليهم من يأتينا منهم مسلماً، فإذا لم نف بموجب اللفظ، كنا في مقام الغارّين، والغرورُ سببٌ في الضمان، ولا معاب في الإبهام إذا دعت الحاجة إليه، وكان يتطرق الاحتمال إلى اللفظ، وفي الحديث: " إن في المعاريض مندوحة عن الكذب " (١) وصح: " أن رسول الله ﷺ كلان إذا أراد سفراً ورّى بغيره " (٢)؛ فلنا أن نوهم ونُبهم، ولكن لا نصرّح، ونُبقي لإمكان الصدق وجهاً، ثم نلتزم الغرم على مقابلة ما نأتي به من الإبهام (٣)، وهؤلاء يقولون: لو صالحناهم ولم نتعرض لِرَدّ من يأتينا منهم، فإذا أتتنا نسوة مهاجرات، لم نغرم لأزواجهن شيئاً؛ فإن سبب الغرم على هذه الطريقة، التعرضُ لِردّ من يأتينا؛ فإذا لم يجر ذلك، فلا غرم.
وذهب صاحب التقريب وأئمة العراق، وكل من ينتسب إلى التحقيق أن ثبوت الغرم لا يتوقف على التعرض لردّ من يأتينا منهم، ولكن نفس المهادنة تقتضي الغرمَ إذا امتنعنا عن ردّ النسوة، ووجه هذا أن متضمّن المهادنة (٤) عقدُ الأمان، وإزالة التعرض عن الأهل والمال، فإذا جاءت امرأة مسلمة مهاجرة، فمنعناها، فقد حلنا بينها وبين الزوج، وكان ذلك مخالفة لما اقتضته المهادنة، وإن لم يجر لردّ من يأتينا ذكرٌ، وهذا حسن فقيه.
فينتظم من مجموع ما أشرنا إليه مراتب: إحداها - أنا لو هادنّاهم، وشرطنا ألا نرد من يأتينا مسلماً، فإذا أتانا رجال ونساء مسلمين، فلا نرد ولا نغرم شيئاً، وكذلك لو صرحنا بالامتناع عن ردّ النساء. ولو ذكر في المهادنة أنا نرد من يأتينا منهم، ولم
стр. 9450
[نفصّل]، (١) فلا نردّ النسوة المسلمات، ونغرم للأزواج ما سنفصله إن شاء الله تعالى. وإن عقدنا المهادنة، ولم نتعرض لمن يأتينا منهم مسلماً بالنفي والإثبات، فهذا موضع اختلاف الطرق: فمن أئمتنا من أوجب الغرم، وهم الجماهير؛ أخذاً من مخالفتنا موجب الأمان، ومنهم من قال: لا نغرم المهور؛ لأنا، لم نلتزم ردّ من يأتينا.
١١٥١١ - وهذا الفصل [يصفو عن الكدر بما نصفه] (٢)، فنقول: إذا شرطنا ردّ من يأتينا منهم مسلماً، فيجب الوفاء بذلك، فمن يأتينا من الرجال الأحرار أصحاب العشائر نردّه، كما سيأتي، إن شاء الله، وردّ رسول الله ﷺ أبا جندل على أبيه، وردّ أبا بصير على طالبيه؛ وفاءً بالشرط، هذا إذا شرطنا أن نرد من يأتينا منهم.
فإن لم نشترط ذلك، فالذي أراه أن من أتانا من رجالهم مسلماً لا نردهم بحكم المهادنة، فإنا شرطنا ألا نتعرض لهم في دمائهم وأموالهم، فمن أتانا منهم مسلماً، فقد صار منا، وانسلّ عن مقتضى المهادنة، ونحن أثبتنا المهادنة على الكفار، ويجيء (٣) على هذا ردّ رسول الله ﷺ من ردّ للوفاء بالشرط، لا لاقتضاء المهادنة ذلك، وإذا جاءتنا امرأة مسلمة، فلا شك أنا لا نردها، لما ذكرناه، ولمزيد أمرٍ فيها، وهي أنها محرمة على الكفار متحرمة بحرمة الإسلام، وفي ردّها السعي في إثبات الفواحش، وهي أيضاً لضعفها عرضة لأن تفتن عن دينها، وسبب الغرم فيها عند الأكثرين حق الزوج فيها، وليس كالرجل يسلم، ويتعلق بنا؛ فإنه لا حق لهم فيه، فلا نكون بمنعه [معتدين] (٤) على حقوقهم، بخلاف الزوج (٥).
ثم ثار الخلاف في هذا المنشأ، فاكتفى طائفة بالمهادنة في إثبات الغرم لحق الزوج
стр. 9451
في الزوجة، ولم يكتف آخرون؛ لأن حق الزوج ينقطع بإسلامها، فيجب أن يكون مستند الغرم الإبهام الذي يشعر به مطلق شرط الرد، فإن قيل: لم يجوز رد الرجل المسلم إلى الكفار؟ قلنا: الخبر فيه كافٍ، وسنذكر مأخذه من المعاني من بعدُ إن شاء الله.
وكل هذا تفريع على أنا نغرم المهور فإن قلنا: لا نغرم، فلا تفريع، وقد ذكرنا ذلك مرةً ونبهنا عليه ثانياً، ولا عود إلى ذلك. فليعلم الناظر أن تفريعاتنا واقعة على أحد القولين.
١١٥١٢ - ولو شرط الإمام في المهادنة أن نرد عليهم الرجال والنساء، فالشرط فاسد في النساء، ولا سبيل إلى ردّهن إذا جئن مسلمات، ولكن هل تفسد المهادنة بالشرط؟ فيه تردد بين الأصحاب ممثّلٌ بنظائر كالشرائط الفاسدة في الوقف؛ فإن في إفسادها الوقفَ تردداً، والأصل في ذلك أن عقود المعاوضة تفسد بالشرائط الفاسدة؛ لأنها تجرّ إلى عوض العقد جهالةً، فكأن البائع إذا شرط شرطاً فاسداً قد باع عبده بألف وتحكّم بأمرٍ لا يُستحق.
فأمّا ما مبناه (١) على اللزوم والنفوذ، ولا عوض فيه، فإذا جرى فيه شرط فاسد، فقد يتجه فيه خلاف: فمن أصحابنا من يفسد العقد بالشرط، ومنهم من يفسد الشرط ويصحح العقد دونه، وما نحن فيه من ذلك. ثم إذا أمسكنا المرأة وقد شرطنا أن نردها، فنغرم؛ فإنا إذا كنا نغرم بذكر لفظٍ مطلق، أو بمهادنة مطلقة، فلأن نغرم إذا صرّحنا أولى. وقد انتجز هذا الفن.
١١٥١٣ - نوع آخر في تفصيل القول في المرأة التي نغرم المهر بسببها، فنقول: إذا دخلت دارنا وهي مسلمة، وجاء الزوج مطالباً، فلا نردها، ونغرم، ولو جاءت إلينا كافرة؛ فإنا نردها؛ لأنها لم تتحرم بالإسلام، وليس في ردّها تسليط كافر على غشيان مسلمة.
ولو دخلت إلينا كافرة، ثم أسلمت بين أظهرنا، فلا نردها إذا طُلبت؟ وهل نغرم؟
стр. 9452
فيه اختلاف، والأوضح أنا نغرم؛ لأنا نمنعها بسبب الإسلام، فلا فرق أن يوجد المانع فينا، وبين أن تأتينا معه متصفةً به، فإن عماد الغرم المنع.
ولو جاءت وكانت أسلمت وارتدت والتحقت بنا مرتدة، فإذا جاء الزوج مطالباً، فهل نغرم له؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نغرم لمنعنا إياها، والتعويل عليه، لا على صورة الإسلام. والوجه الثاني - أنا لا نغرم، لأنها كافرة، وإنما يجب الغرم إذا منعناها بسبب الإسلام. ويمكن أن يقال: سبب منعنا إياها أن نقتلها إن أصرّت، وهذا وجه ضعيف. والصحيح وجوب الغرم.
ولو جاءتنا مجنونة، فإنا لا نردها؛ لجواز أن تكون مسلمة وكانت أسلمت، ثم جنّت، وإذا جاء الزوج مطالباً، فهل نغرم له شيئاً لجواز أن تكون كافرة؛ فيبنى أمرها في المنع والغرم على مقتضى الاستيقان، فما لم نعلم كفرها، فلا نردها تغليباً لحرمة الإسلام، والأصل براءة الذمة، فلا نغرم من غير ثبت.
ولو جاءتنا صبيّة تصف الإسلام، وكانت مميّزة، فإذا أظهرت الإسلام، انبنى هذا على الخلاف في صحة إسلام الطفل، فإن حكمنا بصحته، فهي كالبالغ؛ فنمنعها، ونغرم مهرها، قياساً على البالغة. وإن قلنا: لا يصح إسلامها، فلا نردها لحرمة الكلمة، وهل نغرم؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا نغرم كما لو كانت مجنونة.
والثاني - نغرم، لأن ظاهر حالها أن تستمرّ على الإسلام إذا أصدرت قولها عن تمييز.
هذا هو الترتيب.
وأبعد بعض أصحابنا وقال: إنها ترد؛ فإن ما جاءت به ليس بإسلام، وليست كالمجنونة البالغة التي نظن أنها أسلمت ثم جُنت، وهذا له اتجاه في القياس، ولكنه مطّرح غير معتدٍّ به، وقد أجمع أصحابُنا على أن الصبي إذا كان يصف الإسلام يحال بينه وبين أبويه الكافرين؛ فإنّ صَدَر (١) ذلك عن مميز يُغلّب على الظن تعلق قلبه بالهدى؛ وظنُّ توقّع الإيمان إذا غلب، لم يعطل.
١١٥١٤ - نوع آخر في بيان من نغرم له، فإذا جاءتنا امرأة وأسلمت، فجاء أبوها،
стр. 9453
وأقرباؤها يستردّونها، فلا نردها، ولا نغرم لهم شيئاً؟ فإنهم لا يستحقون منها أمراً، حتى نكون (١) منتسبين إلى منعهم من حقوقهم؛ فلا غرم إلاّ للزوج. نعم، لو جاءتنا أمةٌ مسلمة، فإنا نمنعها عن سيدها، ونغرم للسيد قيمتها؛ لإيقاع الحيلولة بينها وبين من كان مالكاً لها، فنقول: إنها تَعتِق بالمراغمة، والاتصال بدار الإسلام. فإن قيل: لم تغرمون قيمتها وقد عَتَقَت؟ قلنا: كما نغرم مهر المسلمة وقد بانت، والسبب فيهما أن الحكم بالعتق والبينونة من مقتضى الإسلام، ومن ظنّ من الفقهاء أن غرم المهر [يستدّ] (٢) على قواعد الأقيسة في المغارم، فليس على بصيرة، ومعتمد الغرم نصُّ القرآن، ثم استعملنا طرفاً من المعنى ليكون رابطة للمسائل، ولم نبُعد أن يكون هو المعنى الكلي في ذلك.
١١٥١٥ - نوع آخر فيما يتعلق به الغُرم: ذكرنا من نغرم لأجله، ومن نغرم له، ونحن الآن نذكر السبب الخاص الذي يتعلق الغرمُ به، فنقول: إذا أتتنا مسلمة ذاتُ زوج، ولم يأتنا زوجها، ولا أحد من جهته، فلا غرم، وإن أتانا، ولم يطلب ردّها، فلا غرم، وإن طلب ردها، فامتنعنا للإسلام، تعلق الغرم بذلك؛ حتى قال الأصحاب لو أتتنا مسلمة، وماتت، ثم لحقها الزوج بعد الموت، فلا نغرم له شيئاً، فإنا لم ننتسب إلى المنع بعد الطلب.
وقد وضح أن السبب الأخص في الغرم الطلبُ والمنعُ. ولو طلبها الزوج، فقتلها قاتلٌ من المسلمين، فقد قال الأصحاب على القاتل ما يتعلق بالقتل من القصاص والدّية، ولا حق للزوج في ذلك؛ فإنه لا يرث الكافرُ المسلمةَ، ويجب الغرم؛ فإن القتل جرى بعد الطلب، واستقرار الحق به. ثم قال الأصحاب: غرم المهر على القاتل؛ فإنه المانع بالقتل.
وهذا عندي مفصل، فأقول: إن طلبها، فقتلها المسلم على الاتصال، فغُرم المهر على القاتل، لما ذكره الأصحاب، وإن طلب الزوج، فمنعناها، فقد استقر
стр. 9454
الغرم علينا، فإذا وجد القتل بعد ذلك، لم يتعلق غرم المهر بالقاتل بعد استقراره بالطلب وظهور المنع، فالغرم لا يسقط بموتها، فكذلك لا يتحول الغرم إلى القاتل.
ولو جرحها مسلم قبل الطلب، فبلغت حركة المذبوحين، [وجاء الزوج طالباً، فهذا طلبٌ بعد الموت، فلا يتعلق به استحقاق الغرم، ولو جاء الزوج] (١) وبها حياة مستقرة وطلبها، استحق الغرم. واختلف أصحابنا فيمن عليه الغرم: فمنهم من قال: الغرم على الجارح؛ فإن فواتها مستند إلى الجرح. والثاني - أن الغرم على بيت المال؛ فإن الإمام منعها، وبها حياة مستقرة، وهذا هو الصحيح، ولا حاصل للوجه الأول.
١١٥١٦ - نوع آخر في بيان المغروم، فنقول: إذا جاءنا الزوج مطالباً، وما كان ساق إليها صداقها، فلا نغرم له شيئاً؛ فإن المعتمد في أصل الغرم وتفصيله نص القرآن، وقد قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]، معناه: اغرموا لهم ما بذلوا في مهور الزوجات، فالتعويل على ذلك، فلو أصدقها خمراً، وساقها، فلا نغرم شيئاً وفاقاً، ولو ساق بعض صداقها، فلا نغرم إلا المقدار الذي ساقه.
ولو كان ساق الصداق إليها، ثم إنها وهبت منه ما قبضته، ففي المسألة قولان كالقولين المذكورين فيه إذا وهبت المرأة ما قبضت من الصداق لزوجها وسلمته إليه، ثم طلقها قبل المسيس، ففي رجوعه إليها بنصف الصداق قولان، كذلك القول فيما نحن فيه.
فإن قيل هلاّ غرمتم للزوج مهر المثل كما تغرم المرضعة (٢) مهر المثل، وكذلك الشهود على الطلاق إذا رجعوا عن شهادتهم؟ قلنا: هذا الذي نحن فيه لا يلائم [تلك] (٣) الأصول؛ فإنها مجراة على إفساد النكاح، وتفويته على الزوج، أو على إيقاع الحيلولة بشهادة الزور، والنكاحُ يرتفع في الأصل الذي نحن فيه باختلاف
стр. 9455
الدين، فليس قطع النكاح مضافاً إلينا، ولكنا ضمنا للزوج بإطلاق المهادنة، أو شرط رَدّ من جاءنا إليهم، ثم لم ينتظم الوفاء على موجب الشرط (١)، فغرمنا للزوج ما بذله لها من المهر على مقابلة تعذّر الوفاء [لا] (٢) على مقابلة إفساد النكاح، وهذا واضح.
والأصل في ذلك أن مقتضى القياس ألا نغرم شيئاً، وحقُّ الفرق [أن] (٣) يُوضّح في النفي والإثبات، فرجع أصل الغرم إلى الكتاب ونص القرآن لا غير.
ولو جاءنا الزوج مطالباً والزوجة بعدُ في العدة، وكانت مدخولاً بها، فإنا نغرم للزوج المهر الذي ساقه، فلو وفّيناه المهر، فأسلم في العدة، واقتضى ذلك ردّ الزوجة إليه، فما غرمناه له مسترد منه، فإن الزوجة سَلِمتْ له، وإنما نغرم له ما نغرم إذا فاتت الزوجة.
ولو لم يسق الصداقَ إليها، وهي ممسوسة، وتخلف الزوج حتى انقضت العدة، أو أصر على كفره، ولكن التزم الذمةَ، أو أسلم بعد العدة، فهو مطالب بمهر النكاح، فلو كان طلب ردّ الزوجة عليه في زمان العدة، وهو كافر، فمنعناه إياها [لم نغرم] (٤) له شيئاً؛ لأنه لم يسُق الصداق، [فإذا غرم الصداق] (٥) لما أسلم أو التزم الذمة، فهذه الغرامة مستندة إلى التزام المهر بالنكاح. ولقد كان ملتزماً عند المطالبة، وهذا الغرم مستند إلى التزامه في تلك الحالة.
فيتجه أن نقول: نغرم له ما غرمه؛ نظراً إلى ما ذكرناه من الاستناد (٦) ومصيراً إلى أن هذا الغرم مقدم على حالة الطلب، ويجوز أن يقال: لا نغرم له شيئاً؛ لأنه لما طلب الطلب المعتبر، لم يستحق شيئاً ساعتئذٍ، والآن قد أسلم أو التزم الذمة، وخرج