← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.

стр. 9451

في الزوجة، ولم يكتف آخرون؛ لأن حق الزوج ينقطع بإسلامها، فيجب أن يكون مستند الغرم الإبهام الذي يشعر به مطلق شرط الرد، فإن قيل: لم يجوز رد الرجل المسلم إلى الكفار؟ قلنا: الخبر فيه كافٍ، وسنذكر مأخذه من المعاني من بعدُ إن شاء الله. وكل هذا تفريع على أنا نغرم المهور فإن قلنا: لا نغرم، فلا تفريع، وقد ذكرنا ذلك مرةً ونبهنا عليه ثانياً، ولا عود إلى ذلك. فليعلم الناظر أن تفريعاتنا واقعة على أحد القولين. ١١٥١٢ - ولو شرط الإمام في المهادنة أن نرد عليهم الرجال والنساء، فالشرط فاسد في النساء، ولا سبيل إلى ردّهن إذا جئن مسلمات، ولكن هل تفسد المهادنة بالشرط؟ فيه تردد بين الأصحاب ممثّلٌ بنظائر كالشرائط الفاسدة في الوقف؛ فإن في إفسادها الوقفَ تردداً، والأصل في ذلك أن عقود المعاوضة تفسد بالشرائط الفاسدة؛ لأنها تجرّ إلى عوض العقد جهالةً، فكأن البائع إذا شرط شرطاً فاسداً قد باع عبده بألف وتحكّم بأمرٍ لا يُستحق. فأمّا ما مبناه (١) على اللزوم والنفوذ، ولا عوض فيه، فإذا جرى فيه شرط فاسد، فقد يتجه فيه خلاف: فمن أصحابنا من يفسد العقد بالشرط، ومنهم من يفسد الشرط ويصحح العقد دونه، وما نحن فيه من ذلك. ثم إذا أمسكنا المرأة وقد شرطنا أن نردها، فنغرم؛ فإنا إذا كنا نغرم بذكر لفظٍ مطلق، أو بمهادنة مطلقة، فلأن نغرم إذا صرّحنا أولى. وقد انتجز هذا الفن. ١١٥١٣ - نوع آخر في تفصيل القول في المرأة التي نغرم المهر بسببها، فنقول: إذا دخلت دارنا وهي مسلمة، وجاء الزوج مطالباً، فلا نردها، ونغرم، ولو جاءت إلينا كافرة؛ فإنا نردها؛ لأنها لم تتحرم بالإسلام، وليس في ردّها تسليط كافر على غشيان مسلمة. ولو دخلت إلينا كافرة، ثم أسلمت بين أظهرنا، فلا نردها إذا طُلبت؟ وهل نغرم؟

стр. 9452

فيه اختلاف، والأوضح أنا نغرم؛ لأنا نمنعها بسبب الإسلام، فلا فرق أن يوجد المانع فينا، وبين أن تأتينا معه متصفةً به، فإن عماد الغرم المنع. ولو جاءت وكانت أسلمت وارتدت والتحقت بنا مرتدة، فإذا جاء الزوج مطالباً، فهل نغرم له؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نغرم لمنعنا إياها، والتعويل عليه، لا على صورة الإسلام. والوجه الثاني - أنا لا نغرم، لأنها كافرة، وإنما يجب الغرم إذا منعناها بسبب الإسلام. ويمكن أن يقال: سبب منعنا إياها أن نقتلها إن أصرّت، وهذا وجه ضعيف. والصحيح وجوب الغرم. ولو جاءتنا مجنونة، فإنا لا نردها؛ لجواز أن تكون مسلمة وكانت أسلمت، ثم جنّت، وإذا جاء الزوج مطالباً، فهل نغرم له شيئاً لجواز أن تكون كافرة؛ فيبنى أمرها في المنع والغرم على مقتضى الاستيقان، فما لم نعلم كفرها، فلا نردها تغليباً لحرمة الإسلام، والأصل براءة الذمة، فلا نغرم من غير ثبت. ولو جاءتنا صبيّة تصف الإسلام، وكانت مميّزة، فإذا أظهرت الإسلام، انبنى هذا على الخلاف في صحة إسلام الطفل، فإن حكمنا بصحته، فهي كالبالغ؛ فنمنعها، ونغرم مهرها، قياساً على البالغة. وإن قلنا: لا يصح إسلامها، فلا نردها لحرمة الكلمة، وهل نغرم؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا نغرم كما لو كانت مجنونة. والثاني - نغرم، لأن ظاهر حالها أن تستمرّ على الإسلام إذا أصدرت قولها عن تمييز. هذا هو الترتيب. وأبعد بعض أصحابنا وقال: إنها ترد؛ فإن ما جاءت به ليس بإسلام، وليست كالمجنونة البالغة التي نظن أنها أسلمت ثم جُنت، وهذا له اتجاه في القياس، ولكنه مطّرح غير معتدٍّ به، وقد أجمع أصحابُنا على أن الصبي إذا كان يصف الإسلام يحال بينه وبين أبويه الكافرين؛ فإنّ صَدَر (١) ذلك عن مميز يُغلّب على الظن تعلق قلبه بالهدى؛ وظنُّ توقّع الإيمان إذا غلب، لم يعطل. ١١٥١٤ - نوع آخر في بيان من نغرم له، فإذا جاءتنا امرأة وأسلمت، فجاء أبوها،

стр. 9453

وأقرباؤها يستردّونها، فلا نردها، ولا نغرم لهم شيئاً؟ فإنهم لا يستحقون منها أمراً، حتى نكون (١) منتسبين إلى منعهم من حقوقهم؛ فلا غرم إلاّ للزوج. نعم، لو جاءتنا أمةٌ مسلمة، فإنا نمنعها عن سيدها، ونغرم للسيد قيمتها؛ لإيقاع الحيلولة بينها وبين من كان مالكاً لها، فنقول: إنها تَعتِق بالمراغمة، والاتصال بدار الإسلام. فإن قيل: لم تغرمون قيمتها وقد عَتَقَت؟ قلنا: كما نغرم مهر المسلمة وقد بانت، والسبب فيهما أن الحكم بالعتق والبينونة من مقتضى الإسلام، ومن ظنّ من الفقهاء أن غرم المهر [يستدّ] (٢) على قواعد الأقيسة في المغارم، فليس على بصيرة، ومعتمد الغرم نصُّ القرآن، ثم استعملنا طرفاً من المعنى ليكون رابطة للمسائل، ولم نبُعد أن يكون هو المعنى الكلي في ذلك. ١١٥١٥ - نوع آخر فيما يتعلق به الغُرم: ذكرنا من نغرم لأجله، ومن نغرم له، ونحن الآن نذكر السبب الخاص الذي يتعلق الغرمُ به، فنقول: إذا أتتنا مسلمة ذاتُ زوج، ولم يأتنا زوجها، ولا أحد من جهته، فلا غرم، وإن أتانا، ولم يطلب ردّها، فلا غرم، وإن طلب ردها، فامتنعنا للإسلام، تعلق الغرم بذلك؛ حتى قال الأصحاب لو أتتنا مسلمة، وماتت، ثم لحقها الزوج بعد الموت، فلا نغرم له شيئاً، فإنا لم ننتسب إلى المنع بعد الطلب. وقد وضح أن السبب الأخص في الغرم الطلبُ والمنعُ. ولو طلبها الزوج، فقتلها قاتلٌ من المسلمين، فقد قال الأصحاب على القاتل ما يتعلق بالقتل من القصاص والدّية، ولا حق للزوج في ذلك؛ فإنه لا يرث الكافرُ المسلمةَ، ويجب الغرم؛ فإن القتل جرى بعد الطلب، واستقرار الحق به. ثم قال الأصحاب: غرم المهر على القاتل؛ فإنه المانع بالقتل. وهذا عندي مفصل، فأقول: إن طلبها، فقتلها المسلم على الاتصال، فغُرم المهر على القاتل، لما ذكره الأصحاب، وإن طلب الزوج، فمنعناها، فقد استقر

стр. 9454

الغرم علينا، فإذا وجد القتل بعد ذلك، لم يتعلق غرم المهر بالقاتل بعد استقراره بالطلب وظهور المنع، فالغرم لا يسقط بموتها، فكذلك لا يتحول الغرم إلى القاتل. ولو جرحها مسلم قبل الطلب، فبلغت حركة المذبوحين، [وجاء الزوج طالباً، فهذا طلبٌ بعد الموت، فلا يتعلق به استحقاق الغرم، ولو جاء الزوج] (١) وبها حياة مستقرة وطلبها، استحق الغرم. واختلف أصحابنا فيمن عليه الغرم: فمنهم من قال: الغرم على الجارح؛ فإن فواتها مستند إلى الجرح. والثاني - أن الغرم على بيت المال؛ فإن الإمام منعها، وبها حياة مستقرة، وهذا هو الصحيح، ولا حاصل للوجه الأول. ١١٥١٦ - نوع آخر في بيان المغروم، فنقول: إذا جاءنا الزوج مطالباً، وما كان ساق إليها صداقها، فلا نغرم له شيئاً؛ فإن المعتمد في أصل الغرم وتفصيله نص القرآن، وقد قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]، معناه: اغرموا لهم ما بذلوا في مهور الزوجات، فالتعويل على ذلك، فلو أصدقها خمراً، وساقها، فلا نغرم شيئاً وفاقاً، ولو ساق بعض صداقها، فلا نغرم إلا المقدار الذي ساقه. ولو كان ساق الصداق إليها، ثم إنها وهبت منه ما قبضته، ففي المسألة قولان كالقولين المذكورين فيه إذا وهبت المرأة ما قبضت من الصداق لزوجها وسلمته إليه، ثم طلقها قبل المسيس، ففي رجوعه إليها بنصف الصداق قولان، كذلك القول فيما نحن فيه. فإن قيل هلاّ غرمتم للزوج مهر المثل كما تغرم المرضعة (٢) مهر المثل، وكذلك الشهود على الطلاق إذا رجعوا عن شهادتهم؟ قلنا: هذا الذي نحن فيه لا يلائم [تلك] (٣) الأصول؛ فإنها مجراة على إفساد النكاح، وتفويته على الزوج، أو على إيقاع الحيلولة بشهادة الزور، والنكاحُ يرتفع في الأصل الذي نحن فيه باختلاف

стр. 9455

الدين، فليس قطع النكاح مضافاً إلينا، ولكنا ضمنا للزوج بإطلاق المهادنة، أو شرط رَدّ من جاءنا إليهم، ثم لم ينتظم الوفاء على موجب الشرط (١)، فغرمنا للزوج ما بذله لها من المهر على مقابلة تعذّر الوفاء [لا] (٢) على مقابلة إفساد النكاح، وهذا واضح. والأصل في ذلك أن مقتضى القياس ألا نغرم شيئاً، وحقُّ الفرق [أن] (٣) يُوضّح في النفي والإثبات، فرجع أصل الغرم إلى الكتاب ونص القرآن لا غير. ولو جاءنا الزوج مطالباً والزوجة بعدُ في العدة، وكانت مدخولاً بها، فإنا نغرم للزوج المهر الذي ساقه، فلو وفّيناه المهر، فأسلم في العدة، واقتضى ذلك ردّ الزوجة إليه، فما غرمناه له مسترد منه، فإن الزوجة سَلِمتْ له، وإنما نغرم له ما نغرم إذا فاتت الزوجة. ولو لم يسق الصداقَ إليها، وهي ممسوسة، وتخلف الزوج حتى انقضت العدة، أو أصر على كفره، ولكن التزم الذمةَ، أو أسلم بعد العدة، فهو مطالب بمهر النكاح، فلو كان طلب ردّ الزوجة عليه في زمان العدة، وهو كافر، فمنعناه إياها [لم نغرم] (٤) له شيئاً؛ لأنه لم يسُق الصداق، [فإذا غرم الصداق] (٥) لما أسلم أو التزم الذمة، فهذه الغرامة مستندة إلى التزام المهر بالنكاح. ولقد كان ملتزماً عند المطالبة، وهذا الغرم مستند إلى التزامه في تلك الحالة. فيتجه أن نقول: نغرم له ما غرمه؛ نظراً إلى ما ذكرناه من الاستناد (٦) ومصيراً إلى أن هذا الغرم مقدم على حالة الطلب، ويجوز أن يقال: لا نغرم له شيئاً؛ لأنه لما طلب الطلب المعتبر، لم يستحق شيئاً ساعتئذٍ، والآن قد أسلم أو التزم الذمة، وخرج

стр. 9456

عن المهادنة التي كان الغرم من حكمها، وهذا يقوَى بضعف طريق القياس في هذا الغرم، ونص الكتاب ليس متناولاً لهذه الصورة. هذا قولنا في المغروم. ١١٥١٧ - نوع آخر: إذا قال الزوج قد سقتُ مهرها، وذكر قدر ما ساق، فلا نغرم له بمجرد قوله شيئاً؛ فإن المسلم العدلَ الرضا إذا ادّعى، لم يثبت له بمجرد الدعوى ما ادعاه، وإن شهد للكافر عدلان مسلمان على أنه ساق ما ادعاه إليها، غرمنا له، وإن أقرت المرأة المهاجرة فقد قال العراقيون: إقرارها بمثابة البينة واعتلّوا بأنا لو طالبناه بالبينة، والذي جرى من السَّوق بزعمه كان بين أظهر الكفار، ويعسر تقدير تحمل مسلمَيْن الشهادة على ذلك، فيُفضي ردُّ إقرار المرأة ومطالبة الزوج بالبينة إلى التعطيل. وهذا الذي ذكروه في الإقرار لست أراه كذلك؛ فإن قولها ليس حجةً علينا، وليس من الأقارير التي تُقبل لانتفاء التهمة عنها كإقرار العبد بالسرقة ونحوها مما يوجب عليه عقوبة، وإذا كان كذلك، فلا وجه لقبول قولها. والعلم عند الله تعالى. هذا نجاز الأصول التي تجب رعايتها في هذا الفصل، ونحن نلحق بما ذكرناه فروعاً تأتي على الأطراف التي شذت في ضبط الأصول، ثم نستفتح أصلاً آخر متصلاً بهذه القاعدة. فرع: ١١٥١٨ - إذا جاءتنا مسلمة وكان طلقها زوجها طلاقاً رجعياً، فجاءت إلينا في عدة الرجعة، وتبعها الزوج، فقد نقل الرواة عن الشافعي أنه قال: " إذا جاء الزوج مطالباً، فلا نغرم له شيئاً ما لم يراجعها، وإذا راجع، لم نغرم له بمجرد الرجعة [ما لم يطلبها] (١)، ولا بُد من اجتماع الأمرين الرجعة والطلب، وخرّج المحققون قولاً آخر، ورأوه القياس، فقالوا: يستحق المهرَ بمجرد الطلب من غير رجعة؛ لأن رجعة الكافر للمسلمة فاسد، كما أن نكاح الكافر للمسلمة فاسد، فلا معنى لاشتراط فاسد. وعندي لا يتوجه النص إلا بأن نقول: لا يتحقق من الزوج توجيه الطلب، ما لم يراجعها؛ فإنه إذا طلب وتركها، فهو في حكم المعرض عنها، فإنها إلى البينونة

стр. 9457

مصيرها، وإذا راجع، فقد حقق الطلب، وهذا تكلّف، ووجه القياس ما ذكرناه، فإن الرجعية زوجة. ولو جاءتنا مسلمة قبل المسيس، فهي بائنة، ونحن نغرم للزوج، فلا تعويل على ما وجهنا النص به. فرع: ١١٥١٩ - [إذا جاءتنا أمة مسلمة] (١)، فقد ذكرنا أنا نغرم لسيدها قيمتها إذا جاء مطالباً، ولا نعتبر ما وزنه (٢) السيد في ثمنها، وإنما نعتبر القيمة لا غير، والفرق قد يعسر؛ فإن الأمة عتقت [بالمراغمة] (٣)، كما بانت المرأة بالإسلام، ولا وجه إلا إجراء قيمة الجارية على القياس، وربط غرم المهر بنص القرآن، فلينتبه الناظر لما يُنبّه له. ولو جاءتنا أمةٌ مسلمة مزوّجة، فقد قال الأصحاب: نغرم قيمتَها لمولاها ومهرَها لزوجها، لو جاءا، وطلبا معاً. ولو جاء أحدهما مطالباً، فحاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه: أحدها - أنا نغرم لكل من أتانا منهما حقه، ولا نقف إلى أن يأتي الثاني؛ لأنه لا تعلق لأحدهما بالثاني، وحق كل واحد منهما متميز عن حق الثاني. والوجه الثاني - أنا لا نغرم لأحدهما ما يطلب حتى يحصل طلبهما؛ فإن الحق مشترك بينهما، يعني حق الرد بحكم الشرط، أو بحكم المهادنة، والأقيس الوجه الأول. ومن (٤) أصحابنا من قال: نغرم للسيد القيمة إذا انفرد بالطلب، ولا نغرم للزوج إذا انفرد. والفرق أن حق اليد للسيد ولهذا يسافر سيد الأمة بها وإن كانت مزوجة، فيتأكد من هذا الوجه حقه، والزوج إذا انفرد بالطلب؛ فإنما يبغي رد الزوجة عليه، وليس لزوج الأمة حق الانفراد

стр. 9458

باليد على الزوجة المملوكة، وهذا الوجه اختاره صاحب التقريب، وفيه على كل حال فقه (١). فرع: ١١٥٢٠ - إذا جاءنا عبد مسلم هل نرده عليهم؟ هذا مما يجب الاهتمام به، فمن جاءنا منهم وكان حراً مسلماً، فكيف يتجه رده، وهو يقول: أنا رجل مسلم لا أحب مخامرة الكفار قلنا: جوابه إنك أسلمت، والتزمت حكم الإسلام، وحكمُ الإسلام أن تُرد؛ فإن هذا الملتزمَ مما يجب الوفاء به، وإن زاد في مرادَّته، أحلْناه على رَدّ رسول الله ﷺ أبا جندل وأبا بصير. ثم قال الأئمة: إنما يردّ إذا كان له عشيرة يضنّون به، ولا يهينونه، وإن كانوا يؤذونه بالتقييد وغيره، فلا تعويل عليه، ولا يختلف الحكم به، فإن أبا جندل ردّه رسول الله ﷺ وهو يجر سلاسله ويرسف في قيده، ثم إن كان المطالب به مستقلاً برده، فلا كلام، وإن لم يكن، فلا نلتزم أن نرده بأنفسنا. وقصة أبي بصير شاهدة في ذلك؛ فإنه لما ردّه على رجلين جاءا في طلبه، قال كالمعرّض: " مِسْعرُ حرب لو وجد أعواناً "، فلما كان ببعض الطريق واستأنسا به، تحدّثوا في سيوفهم، فقال أحد الرجلين: إني جربت سيفي فوجدته ماضياً، فقال أبو بصير: أرنيه أنظر إليه، فلما سلّه من يده، فعل هكذا فرمى برأسه ناحيةً، فإذا هو كالأمس الذاهب، وهرب الآخر راجعاً إلى المدينة، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلاً، قال: أما هذا فقد جاء به أمر، فلما دنا أََخْبر بالحادثة، فلم يُحر رسول الله ﷺ جواباً، وامتنع أبو بصير فيما بين مكة والمدينة، وانضمّ إليه جماعة من المسلمين من مكةَ وغيرِها، فجعل يقطع الطريق على أهل مكة، حتى بعثوا إلى رسول الله ﷺ وسألوه أن يضمه معه إلى نفسه، فاستُدْعي فأتاه في سبعين شاكين في السلاح (٢).

стр. 9459

وهذه القصة مما يجب [التشبّث بها] (١)؛ فإن الرد لو كان واجباً ديناً، لما جاز لأبي بصير أن يمتنع، ولأمره رسول الله ﷺ بالرجوع إلى مكة حرسها الله تعالى من غير تعرّض لهم، وقد تبيّن أنه لم يُوبخ أبا بصير، بل سرّه ما فعل، وعرّض في أول الأمر؛ إذ قال: مِسْعَر حرب لو وجد أعواناً. ويخرج من هذا أن الرجوع ليس حتماً ديناً، وكيف يتحتم هذا في وضع الشرع، ولا حق للكفار على هذا الذي أسلم، وإنما يجب الردّ للوفاء بما قلنا؛ حتى تقع الثقة بما يجري العهد عليه؛ والمردود في نفسه ليس معاهداً، فعلينا الوفاء، وذلك المسلم المردود يفعل ما بدا له. ١١٥٢١ - والذي يتم البيان به أنه لو وضع الشرط على أن نرد عليهم من جاءنا، فليس في موجب هذا الشرط التوقف في الرد إلى أن يطلبوه، وليس هذا مقام غُرم حتى يُرعَى فيه طلبٌ ومنعٌ، فكيف الوجه؟ أيجب رده من غير أن يطلبوه؟ قلنا: الذي يقتضيه الرأي أنه لا يُرد من غير طلب؛ فإن الغرم إذا وقف على طلب الزوج، فنفس

стр. 9460

الرد يقف على الطلب، كما أن غرم المهر يقف على الطلب، هذا هو الظاهر المفهوم من القصة التي جرت في المهادنة. ولو صرح مهادن بأن يردَّ من جاء إلى بلاد الكفر بأعوانه، فلا يمتنع لزوم الوفاء بهذا، وإنما حَمَلْنا ما جرى لرسول الله ﷺ على الطلب؛ لأن من جاء فهو مردود عليكم معناه: إذا جئتم، فهو ردٌّ عليكم، ولا تعويل عليه، فالمتبع قصة المهادنة. ١١٥٢٢ - عاد بنا الكلام إلى العبد وفي ردّه وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا يرد؛ لأنه مسلم، والظاهر أنه يُستذلّ ويُهان، ويسترقّ بعد ما عَتَقَ بالمراغمة، فصار ردّه كردّ المرأة. ومن أصحابنا من قال: هو مردود، بخلاف المرأة، فإن المحذور منها فاحشة الزنا، وإتيان كافر مسلمة، وهذا معدوم في العبد. ولو جاءنا حُرّ لا عشيرة له، وغلب على الظن أنه يهان لو رُدَّ، فلأصحابنا طريقان في ردّه: منهم من ألحقه بالعبد، ومنهم من قطع بأنه يرد؛ نظراً إلى جنس الأحرار، وليس يبعد عندي أن يقال: على الإمام أن يشترط عليهم ألا يهينوا المسلم المردود عليهم، حتى إن أهانوه، كان ذلك نقضاً للعهد، وهذا متجهٌ؛ فإن الردّ إن كان ملتزَماً بالعهد، فيجب استفراغ الوسع في نفي الإهانة عن المسلم. ١١٥٢٣ - ومما نذكره متصلاً بهذا أن عمر عَرَّض لأبي جندل بقتل أبيه تعريضاً يقرب من التصريح، فلا بد من التصرف في هذا؛ فإن دماء من هادناهم مصونةٌ محقونة، وفي هذا تردُّدٌ لا بُد من إنعام النظر فيه، والمقصود منه يبين بما نصفه، فنقول: إذا هادن الإمام جماعة، ووادعهم، وذكر أنهم في أمنٍ من المسلمين، فلو أسلم من المعاهدين أقوامٌ وثاروا من بين أظهرهم، فهل لهم أن يقتلوهم؟ هذا عندنا فيه احتمال ظاهر؟ يجوز أن يقال: لهم أن يقتلوهم ويغتالوهم؛ فإن الإمام لم يلتزم إلا أن ينكف ويكف جنود الإسلام والمسلمين عنهم، فأما الذين يُسلمون من بعدُ [وينبِّتون] (١)

стр. 9461

منهم، فلا يبعد ألا يكونوا ملتزمين للعهد وبموجبه، ويشهد لذلك ما كان يفعله أبو بصير من قَطْع الطريق على أهل مكة، ولو نهاه رسول الله ﷺ لانتهى، ويشهد لذلك تعريض عمر. ويجوز أن يقال: من أسلم منهم لم يكن له أن يتعرض لمن عصم الإمام دمَه ومالَه. ومن جاءنا منهم، ولم يُطلب، ولم نردّه، فلا خلاف أنا نُلزمه من الحكم ما يلزمنا؟ فإنه صار من جملتنا. وأما تعريض عمرَ، فلا يبعد أن يحمل على حِدّته وتصلّبه في الدين، وقد جرى له من هذا الجنس عام الحديبية أمور مشهورة، لا حاجة بنا إلى ذكرها. وقد نجز المراد تصريحاً، وتنبيهاً. فرع: ١١٥٢٤ - إذا قال الإمام: من جاءنا فهو ردّ عليكم، ثم اتصلت امرأة بطرف من أطراف بلاد الإسلام، فهل للإمام أن يغرم للزوج؟ أم كيف السبيل؟ قال العلماء: إن قال: من جاءنا وأراد من جاء (١) المسلمين، فيلزمه أن يغرم؛ فإن المرأة قد جاءت المسلمين. وإن قال: من جاءني، فإذا تعلقت بطرفٍ من أطراف بلاد الإسلام، فهل يغرم الإمام؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يغرم؛ فإنها ما جاءته. ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يغرم؛ فإن من جاء المسلمين، فقد جاءه؛ فإنهم رعيّته، وتحت حكمه. ولو تعلّقت بديار البغاة حيث لا ينفذ أمر الإمام، وقد كان قال: من جاءني، فلا يغرم للزوج المطالِب شيئاً؛ فإن الفئة الباغية ليسوا تحت حكم الإمام، ولو قال: من جاءنا، ثم جاءت إلى البغاة، لم يضمن الإمام أيضاً، فإنه غير متمكِّن من ردها، والغرم يتبع طلباً مع إمكان الردّ صورةً. وقد انتجز ما أردنا تمهيداً وتفريعاً. ١١٥٢٥ - ونحن نعقد فصلاً متصلاً بهذا. فنقول: من جاء الكفارَ منا مُرتداً عن

стр. 9462

دينه وصفةُ المهادنة ما قدمناه، فسُحْقاً سُحْقاً، وإذا التحقت بهم مرتدة، فعليهم أن يردوها، وإن قلنا: من جاءكم، فلا تردوه؛ فإن النسوة مستثنيات من هذه الإطلاقات، وكما لا ترد المسلمة المهاجرة- وإن قلنا: من جاءنا، فهو ردٌّ - فكذلك نسترد المرتدة وإن قلنا: من جاءكم، فلا تردوه. ثم لو جاءتنا مهاجرة مسلمة، وجاءتهم مرتدة، فالإمام يغرم لزوج المرتدة ما ساقه من صداقها، والأصل فيه قوله تعالى في آية المهاجرات: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] والسبب فيه أن المهادنة هي التي جرّت هذا الأمر، وهذا مشكل مع ما ذكرناه من أن المرتدة مستردة منهم، ويلزمهم ردّها، فمصيرها إليهم كمصيرها إلى أهل الحرب، ولكن أهل الإسلام منحجزون منه بسبب المهادنة على الجملة إلى أن يتفق نبذها، وما ذكرناه تكلّفٌ مع نص القرآن. " وليس وراء الله [للمرء] (١) مذهب ". ثم أجمع أصحابنا على أنها إذا جاءتنا مسلمة، وجاء الزوج مطالباً، وجاءتهم مرتدة، فالذي كنا نغرمه لزوج المسلمة نسلمه إلى زوج المرتدة إن تساوى المهران في المقدار، وإن كان مهر المسلمة أقل، صرفناه إلى زوج المرتدة، وأكملنا له ما كان ساق إلى زوجته. وإن كان مهر المسلمة أكثر، صرفنا مقدار مهر المرتدة إلى زوجها، وصرفنا الفاضل إلى زوج المسلمة، [ولا يتهدّى المعنى إلى هذا] (٢)؛ فإن زوج المسلمة يقول: لا ذنب لي في التحاق تلك المرتدة بدار المهادنين، فلم منعتموني حقي، والممكن أن يقال: ليس لك حق متأكد على قياس أعواض المتلفات، وإنما نغرم [لك] (٣) بحكم المهادنة، وأهلُ المهادنة في موجب المهادنة كالشخص الواحد، وقد انتهى الغرض.

стр. 9463

فصل ١١٥٢٦ - لا ينبغي للإمام أن يبذل للكفار مالاً، فإن ذلك ذلٌّ، لا سبيل إلى التزامه، والأصل في ذلك ما روي: " أن رسول الله ﷺ لما بلغه خبر تألّب العرب، واجتماع الأحزاب، جمع السعودَ: سعدَ بنَ عبادة، وسعدَ بن معاذ، وأسعد بن زرارة، وقال لهم: إن العرب قد كالبتكم ورمتكم عن قوس واحدة، فهل ترون أن ندفع إليهم شيئاً من ثمار المدينة؟ وروي هل ترون أن ندفع شيئاً من ثمار المدينة إلى غطفان. فقالوا: إن قلت عن وحي، فسمعاً وطاعة، وإن قلت عن رأي، فرأيك متبع، وإن كان مكيدة من مكائد الحرب، فحتى ننظر، فقال ﷺ : بل مكيدة، فقالوا: كنا لا ندفع إليهم ثمرة إلا شراءً أو قِرِّى ونحن كفار، وقد أعزنا الله تعالى بالأسلام؛ فلا نقبل الدنيّة، فَسُرّ رسول الله ﷺ بقولهم " (١) وهذا إذا لم يَخَفْ الإمامُ اصطلاماً، واستئصالاً؛ فإن خاف ذلك، فلا خلاف أن البذل سائغ، ذكره الصيدلاني وغيره، وهو مقطوع به.

стр. 9464

ثم ذكر الأئمة مسائلَ في أثناء الكلام لو اطلعنا عليها لذكرناها في مواضعها فنثبتها الآن. فرع: ١١٥٢٧ - قال صاحب التقريب إذا أسلم عبد في يد كافر، فنكلفه بيعَه، فإن أبى ودبّره، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا نبيعه عليه، فإن بيع المدبّر جائز. والثاني - أنا لا نبيعه، ونحول بينه وبين مولاه، كما نفعله في المستولدة؛ فإن عقد التدبير عقد عتاقة؛ فلا ينبغي أن نهجم على نقضه؛ فإن نَقَض التدبيرَ مِنْ دُبر، فلا معترض عليه. ولو علّق الكافر عتقَ ذلك العبد بصفةٍ، فللأصحاب طريقان: منهم من قال: يباع وجهاً واحداً، ومنهم من جعله كالتدبير، وما ذكرناه في هذا من كلام صاحب التقريب. وما ذكره الأصحاب متصلاً بهذا أنا إذا منعنا بيع المصحف من الكافر، فنطرد هذا في كتب الأحاديث، قال العراقيون: وكذلك القول في حكايات الصالحين، وطردوا في صحة البيع قولين في الجميع، ولست أرى لردّ البيع في حكايات الصالحين وجهاً. فرع: ١١٥٢٨ - إذا قارض المسلم ذمياً واشترط عليه ألا يشتري محرماً، فلو اشتراه بمال القراض، وأدّى الثمن، ضمن الثمن الذي بذله، لأنه خالف الشرطَ. ولو قارض المسلم ذمياً مطلقاً، ولم يتعرض لنهيه عن شراء المحرمات، فلو اشترى خمراً وما في معناها بمال القراض وأدى الثمن، فهل يضمن الثمن للمقارِض المسلم؟ ذكر العراقيون وجهين: أصحهما - أنه يضمن الثمن الذي بذله. والثاني - لا يضمن؛ فإن المسلم قَصَّر لما لم يشترط عليه الانكفافَ وأطلق القراض مع علمه بأن الذمي يتموّل الخمرَ، ويبيعُها ويشتريها. ثم عقد الشافعي باباً في تبديل أهل الذمة دينهم وقد مضى هذا مستقصىً في النكاح. ثم عقد باباً في الحكم بين المعاهدين إذا رضوا بأحكامنا، وقد مضى ذلك في مواضع، وبيّنا ما قيل في وجوب الحكم من الخلاف؛ فلست أرى لإعادة ذلك وجهاً.

стр. 9465

فصل (١) ١١٥٢٨/م- إذا هادن الإمام على الترتيب الذي ذكرناه على مدةٍ لضعفٍ بالمسلمين، فيجب الوفاء وإن تقوّى المسلمون. فإن خانوا، وأتَوْا بما يخالف العهد، وعلموا ذلك (٢)، فقد انقضت المهادنة، فنسير إليهم، ولا نُعلمهم. وإن فعلوا ما تُنتقض المهادنة به، ولم يعلموا أن العهد ينتقض به، فلا حاجة إلى علمهم، ولكن هل يجوز المسير إليهم من غير إعلامٍ؟ فعلى وجهين. ولو استشعر الإمام منهم تهمة الخيانة، ولم يتحقَّقها، فله أن ينبذ إليهم عهدَهم، بخلاف ما إذا بدت تهمة من أهل الذمة؛ فإن الأصح أنه لا يجوز نبذُ العهد إليهم. ولو بدت خيانة من بعضهم، وسكت آخرون، ولم ينكروا، فللإمام أن ينبذ إليهم العهد؛ هكذا كانت قصة أهل مكة، فإن رسول الله ﷺ هادنهم، وكان بنو خزاعة مستجيرين برسول الله ﷺ ، فتوثبت عليهم طائفة من أهل مكة وقتلوهم، والباقون سكوت، فسار النبي ﷺ إليهم ... (القصة). وسكوت الساكتين مع التمكن من الرد على الخائنين ينزل منزلة التهمة، أو هو أظهر منها. وفي هذا الآن مزيد نظر؛ فإن رسول الله ﷺ سار إليهم، ولم يُعلمهم ودعا الله أن يطمس أخباره عليهم، فانحسمت الأخبار عنهم وصارت مكة على أهلها كالوطيس (٣) حتى نزل رسول الله ﷺ بمرّ ظهرانَ، وظاهر هذه الحالة أنه أراد أن يتغفلهم، ثم جرت قصة لأبي سفيان وحكيمِ بنِ حزام، فظاهِرُ سير الرسول ﷺ دالٌّ على أنه أراد أن يفاجئهم، وهذا فيه إشكال من جهة

стр. 9466

أنه لم يوجد من أهل مكة إلا السكوت عن وقوع بني نُفاثة ببني خزاعة. وإذا ألحقنا السكوت بالتهمة، وذكرنا أن أصحاب التهمة لا يُبدؤون بالقتال من غير نبذ العهد إليهم، ففي هذا تردد. ويجوز أن يقال: كان رسول الله ﷺ على أن يقدم النذير من المنزل الأخير، ويجوز أن يقال: اطلع رسول الله ﷺ على تحريشهم على قتل بني خزاعة، فلم يكن ذلك تهمة في حقه، والعلم عند الله تعالى. ومما تجب الإحاطة به أن المَضَرّات في حق أهل الذمة يختلف المذهب فيها، في أنها هل تكون نقضاً للعهد، ولا خلاف أنها من أهل الهدنة ناقضةٌ للعهد؛ فإن الهدنة ضعيفة ليست متأكدة ببذل الجزية. فرع: ١١٥٢٩ - إذا أظهر أهلُ الذمة خمورهم، أرقناها عليهم، وإن لم يظهروها، فأرقناها لهم، لم نضمنها لهم، ولكن لا يجوز ذلك. ولو غصب غاصب خمراً لهم من بيوتهم، فقد كان شيخي يقطع بأنه يجب ردّها، ويجب التزامُ مؤنة الرّد، وقال غيره من المحققين: لا يجب ذلك، ولكن لا يراق، ولا يحال بينها وبين الذمي إذا أراد استردادها. ولو غصب مسلم خمراً محترمة لمسلم، فالوجه عندنا وجوب ردّها عليه، وفيها احتمال على حال. ولو باع ذمي خمراً من مسلم، فسلمها إليه، فالخمر مراقة؛ لأن الذمي تعدّى بإظهارها، ولا شيء له في مقابلة إراقتها. ***

стр. 9467

كتاب الصيد والذبائح (١) ١١٥٣٥ - الأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، والجوارح جمع الجارحة، وهو الحيوان الصَّيُود، وقيل: اشتقاقها من الجرح، وقيل اشتقاقها من قولهم: جرح واجترح أي اكتسب، وقال رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم: " إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت عليه اسم الله، فكل ممّا أمسكه عليك، وإن أكل فلا تأكل " (٢) وقال لأبي ثعلبة الخُشني: " إذا أرسلت كلبك المعلّم، وذكرت عليه اسم الله، فكل ممّا أمسكه عليك وإن أكل " (٣). والإجماع منعقد على أصل الاصطياد. والشافعي صدر الكتاب بتفصيل القول في الكلب المعلم وتحليل ما يصطاده، فلتقع البداية بمعنى التعلم، وبيان الكلب المعلم، فنقول أولاً: إذا لم يكن الكلب معلَّماً، فما اصطاده وقتله، فهو ميتة بلا خلاف، وإن أدركنا ما أخذه، وصادفناه على حياة مستقرة، وقطعنا حلقومه ومريئه، فلا خلاف في التحليل، وهذا يطرد في فريسة السباع كلها، إذا صادفناها على حياة مستقرة، وتمكنا من ذبحها في المذبح، وهذا

стр. 9468

[الكتاب] (١) تنتظم مسائله لبيان [تحليل] (٢) ما يموت بجرح الجارحة، أو يقرب من حركة المذبوح. ١١٥٣١ - فإذا تمهّد هذا، فالمعلَّم فيما ذكره الأصحاب هو الذي يجيب إذا دُعي، والمراد بذلك أن ينطاع للدّاعي، ويسترسل إذا أرسل على الصيد. وذكر الأصحاب أن ينزجر إذا زجر، وينكف عن الأكل مما أخذه. هذه هي الصفات المرعيّة في تعلّم الكلب، والفهد، وما في معناهما مما يقبل التعليم. وهذا يستدعي مزيد كشف: فأما الإجابة، فمعناها عندي أن يسترسل نحو الصيد إذا أُرسل، هذا هو الإجابة، ولا يجوز أن يكون في ذلك خلاف، والمعنى: أنه إذا أُغري بالصيد، هاج، وإذا [آسده (٣)] (٤) صاحبه اتّبع صوبَ الصيد، وهذا لا بدّ منه. والانكفاف عن الأكل مرعيٌّ أيضاً. وأما الانزجار عند الزجر، فهذا فيه نظر: فإن أُريد به أن ينزجر بعد الإطلاق، وهو في حِمِرَّة (٥) العَدْو فاشتراط هذا صعب، وفي كلام أصحابنا ما يُشعر به، بل ما يصرح به، وقد تحصّل لنا وجهان في اشتراط ذلك بعد العدو، فأما في ابتداء الأمر، فالذي يجب القطع به أن ينزجر إذا زجره صاحبه، ولا ينطلق إلا بإطلاقه، ولا يتبع الصيد إلا بإشارته، فإن كان ينطلق بانفراده، فليس معلَّماً. وهذا فيه نظر؛ فإن الكلب وإن كان معلّماً، فإذا رأى صيداً على القرب، وهو على كَلَب الجوع، فيبعد تصوير انكفافه، ولكن ظاهر المذهب هذا. فأما شرط ترك الأكل، فقد شرطه الكافة في الكلب، وما يتعلم من الفهد وغيره.

стр. 9469

فإذا ثبتت هذه الشرائط، فقد أجمع العلماء على أنا نشترط تكررها من الكلب، ثم لا ضبط للأعداد، والمتبع أن يحكم أهلُ الدراية بأنه صار معلَّماً متدرباً في هذه المعاني المطلوبة منه، ولا سبيل إلى التعبير عن هذا بضبطٍ؛ فإنه إنما يدرك بأحوال تُحس منه، والكرّاتُ قد تحمل على اتفاقات، فالرجوع إذاً إلى أهل المعرفة بهذا الشأن. وكل ما ذكرناه في غير الطيور. ١١٥٣٢ - فأما جوارح الطيور كالبزاة والصقور وغيرها، فيشترط فيها أن تسترسل إذا أرسلت في جهة الصيد، كما ذكرناه في الكلب، أما انزجارها بعد الطيران، فلا مطمع فيه، ويبعد أيضاً أن يشترط انكفافها في أول الأمر وقد لمح لها الصيد، وهي جائعة، والله أعلم. واختلف قول الشافعي في أنا هل نشترط انكفاف جوارح الطيور عن أكل ما أمسكته؟ فأحد القولين أنا نشترط ذلك قياساَّ عَلى جوارح السباع، والقول الثاني - أنا لا نشترط ذلك؛ فإن الكلب إنما ينكف عن الأكل عن فريسته بالضرب، والدق العنيف، وجوارح الطيور لا تحتمل هذا، ولا سبيل إلى زجرها من غير ضرب، بل قيل: سبيل تعليمها بالإطماع في الإطعام. هذا منتهى ما ذكره الأصحاب [في ذلك] (١). والإشكالُ عندي [بجُمامه (٢)، وأنا وراء استفراغ الوسع] (٣) في الكشف والبيان، فنقول: الذي ظهر لنا من قول الأصحاب أنهم اعتقدوا أن الكلب المعلّم يمسك ما يأخذه لصاحبه، وعلى صاحبه، وفي بعض الأخبار ما يشير إلى هذا، أما الخبر، فمتلقىً بالقبول، ولكنه معرض للتأويل وقوله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وإن لم يصرح تصريحَ الخبر، فهو مُشعر بذلك أيضاً.

стр. 9470

والذي يعترض في النفس بعد هذا التنبيه أن الجارحة التي تصيد لو كانت على شِبع، لم تبرح في صَوْب الصيد قِيد فِتْر، وإن أشلاها صاحبها، وإنما تنتهض على الجوع، فلا يخفى أيضاً أنها إذاً تتشوّف إلى ما تطعم، والطبيعة تحركها لذلك، [وإذا هي] (١) أمسكت الصيد، فالداعية التي تحملها على الإمساك ما قدّمناه من تشوفها إلى مَطْعم تسدّ به الكَلَب وسوْرةَ الجوع، غير أنها إذا ضُربت على الأكل، تذكرت عند إمساك الصيد الضربَ، فانكفت من خيفة الضرب، لا لتسلّم الفريسة إلى صاحبها. والكلْبُ أيسر الجوارح وأفطنها وأحراها بأن يتذكر ما سبق من ضربه، وقيل: إن الكلب الحارس يُجدع أنفه ليلاً، فلا يجنّ الليل إلا ويتذكر ما جرى عليه، فيدأب طول الليل حارساً، مستشعراً كلما سمع حساً تذكّر ما ألمّ به من ألم الجدْع. هذا هو التحقيق، فليقطع المرء بأن الكلب [لا يمحِّض] (٢) قصده في الصيد لصاحبه، بل لو قيل: لا ينطوي على ذلك إلا فكرُ عاقلٍ، لكان سديداً؛ إذ ليس في البهائم وإن كانت على حظٌّ من التمييز إلا ما يحركه من الطباع، ثم إنها تتعلق بطرف ضعيف من المَيْز، ثم (٣) تَصوّرَ الآدميُّ فيما تطلبه الجارحة وتحاذره إمساكَ الصيد والانكفاف. فيجب -على القطع- تأويلُ السنة والكتاب وتنزيلهما على ما ينزل عليه معظم الظواهر المتعلقة بأغراض الخلق، فالرحمة في [حق الإله] (٤) ليست [رقةً] (٥) ولا ميلاً، والغضب ليس التهاباً وتلظِّياً، ولكن من يرحم منا ينعم، ومن يغضب

стр. 9471

يعاقب (١)، فجرت مخاطبة المكلفين على أقدار حظوظهم وأغراضهم، كذلك (٢) الجارحة وإن كانت لا تنطوي على قصد الإمساك على الصاحب، فإذا حضل بتأديبها من فعلها ما يحصّله ذو العقل القاصد إلى تحصيل مراد الآمر، سُمّي ذلك إمساكاً عليه. ١١٥٣٣ - ثم يتنشأ من هذا مأخذٌ في الفقه واقعٌ، وهو أن الذبح مبناه على قصد الذابح -كما سنعقد في ذلك فصلاً- إن شاء الله تعالى- والصُّيود الأيّدة لا تنالها آلات الذابحين على اختيار، فمهد الشرع آلاتٍ تنالها على شِرادها، كالنشاشيب وغيرها، وكأن السرَّ فيه أن ارتياد (٣) المذبح محمول على سفك الدم بأسهل الطرق، وأَوْحاها (٤) وأنجزها؛ رفقاً بالذبيحة، فإن شردت، لم يعارض فواتُها طلبَ الرفق بذبحها، وكان إدامةُ [الانتفاع] (٥) بها أليقَ بمحاسن الشريعة من المصير إلى فواتها إلى أن يُقْدر عليها. ثم الرمي يتخصص به من يحسنه، وذلك في أفراد من الناس، فأثبت الله تعالى في

стр. 9472

محكم كتابه الاصطياد بالجوارح المعلّمة، وإن كانت ذواتَ اختيار، فإذا [اتبعت] (١) صاحبَها، في الانتهاض نحو الصيد، وتَرْك الأكل منه، نزلت منزلة الآلة يستعملها الذابح. ويفهم الفطن مما ذكرناه ثلاثَ مراتب: إحداها - في الحيوان المقدور عليه، وعنده يحسن تعبّد الشرع بارتياد المذبح، واختيار أوحى الطرق. والمرتبة الثانية - في الشوارد مع فرض الرمي وما في معناه، فيسقط في هذه المرتبة طلبُ المذبح، ويمكن صَدَرُ الآلة من الاختيار، بَيْد أنها تخطىء وتصيب. والمرتبة الثالثة - في إقامة الكلب مقام السهم، وإن كان مختاراً إذا تشوف، ثم روعي تقريبها من الآلة الصادرة عن الاختيار بتجميع صفات الانطياع فيها، ثم لما كانت البهيمة غيرَ عاقلة، فسقط اعتبار اختيارها، ولذلك لا يصح أن يكون المجوسي آلة المسلم في الذبيحة؛ فإنه ذو اختيار صحيح، فهذا تمهيد الأصل في الكتاب. ١١٥٣٤ - ثم ننعطف بعد ذلك على تفاصيلِ الصفات: فمما لا يُشكّ في اعتباره الذهابُ نحو الصيد عند الإيساد (٢) والإغراء، والانكفاف عن الأكل. فهذان وصفان لا بد منهما في غير الطيور. وذكر أئمتنا الانزجار عند الزجر، وزعموا أن الانطياع به يتحقق، وقد صادفتُ خلافاً في الانزجار بعد الأخذ في العدو الشديد؛ فإن هذا قد لا (٣) يتأتى، ووجدت الطرق متفقة على أن المعلَّم هو الذي يعنّ له الصيد ورباطه محلول [، فيزجره صاحبه، فيقف، ولم يشترط أحد من الأصحاب ألا ينطلق إذا رأى الصيد ورباطه محلول] (٤) منتظراً إغراء وإيساداً، فقد وضح اشتراط الانطلاق بالإغراء، واشتراط [الانزجار] (٥) عند الزجر في الابتداء، واشتراط الإمساك عن الأكل في الانتهاء،

стр. 9473

وفي الانزجار بعد الأخذ في العدو تردد قدمنا ذكره. وذكر كثير من أصحابنا الإجابة عند الدعوة، ولم يتعرض لهذا ذوو التحقيق وأصحاب المعاني، وأنا أقول: إن أريد بالإجابة عند الدعوة أن يجيب إلى الانطلاق عند الإغراء، فهو ما ذكرناه، وإن أريد بها أن يجيب في غير وقت الحاجة إلى الصيد، فلمست أرى لهذا وقعاً. نعم، الكلب المعلّم لا بد وأن يجيب إذا دعي، إذا ألف صاحبه، وتمرن على الصفات التي ذكرناها، ولكن إذا لم يكن هذا مختصاً بالصيد، فذكره بمثابة قول القائل: لا يهِرّ (١) في وجه صاحبه، ولا يعقِره، إلى غير هذا مما يحصل بأوائل الإلف قبل التعليم. ١١٥٣٥ - ومما يتعين الاهتمام به شيئان: أحداهما - في الفهد والثاني - في جوارح الطيور: أما الفهد، فلا يتم فيه الانطياع أصلاً، ولا ينبغي أن يُظَن أنه ينزجر إذا زجر، ولا يتوقف استسلاؤه على الإيساد، ولا يمتنع من الأكل. [نعم، ربما لا يبتدر] (٢) الأكلَ حتى يستوثق من فريسته، ويحط حركاته، ثم يأخذ في الأكل، ولا يتأتى منه الكف عن الأكل بالضرب؛ فإنه لو ضرب؛ عاد إلى استيحاشه، فإن تُصوّر [فهدٌ] (٣) ينطاع انطياع الكلب، فحكمه حكم الكلب المعلم، وإن لم يتصور -ولا يتصوّر- فمطلوب صاحب الفهد أن يزول نِفاره ويألف، ثم يخادَع، ويخاتَل، فيذبح الفريسة [تحت ضبطه] (٤) ولا يترك الفهد يعدو ويتمطى إلى الصيد وحده، بل يتبعه فارس أو فارسان (٥)، وبناء الأمر على إدراك الفريسة وفيها حياة مستقرة، وأما إدراكها وقد ماتت، [فمما] (٦) يندر في المتصيد. فحق الفقيه ألا يغفل عن هذه الدقيقة؛ فإن في الجوارح ما ليس معلماً، ولكنه

стр. 9474

أَلِفٌ أنيس ثم يدرك فريسته قبل الموت، وهذا الكتاب مبني على الفريسة التي تموت تحت الجارحة. ١١٥٣٦ - وأما الكلام في جوارح الطيور، فليس من الممكن تعليم البازي الانكفافَ عن الأكل، وليس من الممكن أن ينزجر إذا تشوف إلى الصيد على جوع، فانتهاضُه بطباعه لا بالإغراء، والانزجارُ غير ممكن، ولكنها تألف ولا تنفر من صاحبها، فيأخذها أو يدعوها فتجيب، فالبزاة والعقبان والصقور والفهود إنما يحصل منها الإلف والعَوْد، ثم أصحابها يتمكنون مما أخذت وفيها حياة، فهذا ما عليه مبنى الصيد. فإن صور متكلف جارحةً من الطير منطاعة، أو صور فهداً كذلك، فما تصطاده هذه الأشياء ويموت، ولم يُدرك، فهو حلال. فإذا لم يوجد الإلف، فما يموت من صيدها، فهو حرامٌ. وقد نجز ما أردنا تمهيده في المعلَّم وغير المعلم. ١١٥٣٧ - ثم إذا استجمع الكلب شرائط التعليم، ولا تكاد تجتمع صفات التعليم إلا فيه؛ فإنه على كيسٍ لا يقاس به كيس بهيمة، وهو أَلِفٌ بطبعه يتشوف إلى التعليم، فإذا ضبط الكلب صيداً، وجرحه، ولم يأكل منه -وذلك بعد ثبوت كونه معلماً- فإذا مات ذلك الصيد، فهو حلال. واختلف قول الشافعي في موضع عض الكلب، فنص على قولين، كما حكاه الصيدلاني: أحدهما - أنه يُعفى عن النجاسة في موضع عضه لمسيس الحاجة. والثاني - أنه لا يُعفى. فإن قلنا: إنه يُعفَى، فلا غسل في الموضع ولا تعفير. وإن قلنا: لا يعفى، فعلى هذا القول وجهان: أحدهما - أنه يكفي الغسل في الموضع وتعفيره. والثاني - لا بد من قطع جِلْفة (١) من موضع عضه، فإن ذلك الموضع قد يغوص فيه لعاب الكلب بعضَ الغوص، فيستتر به ولا تتأتى التنحية والإزالة إلا بالقطع. وهذا القائل يطرد هذا في كل لحم أو ما في معناه يَعضّ عليه الكلب.

стр. 9475

وإذا نال لعابه موضعاً من غير عض، فالغسل يكفي بلا خلاف مع التعفير. وحكى بعض أصحاب القفال أن ناب الكلب إذا أصاب عرقاً نضاخاً بالدم، فيسري حكم النجاسة في جميع الصيد ولا يحل أكله. وهذا عندي غلط غيرُ معتد به؛ فإن النجاسة إن فرض اتصالها بالدم، فالعرق كالوعاء للدم وهو حاجز بين اللحم والدم، ثم الدم إذا كان يفور امتنع غوصُ النجاسة؛ فإذا كان الماء يتصعد من [عينٍ] (١) فوارة، فوقعت على أعلى الماء نجاسة، لم ينجس ما تحته، كما إذا لاقى الماء المنحدر من الإبريق نجاسة، فلا ينجس ماء الإبريق، فهذا إذاً غلط من الحاكي، وأنا لا أورد مثله إلا لبيان وجه الغلط فيه. ١١٥٣٨ - ولو ضبط الكلبُ الصيدَ، ولم يجرحه، فمات تحته ضغطاً، فهل يحل والكلب معلم؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه لا يحل؛ إذ لا بد من سفح الدم، ولا خلاف أنه لو أصاب صيداً بعُرض السهم أو بمثقّل وقتله، فهو حرام إذا لم يوجد جرح. والقول الثاني -وهو الأصح- أن الصيد حلال؛ فإن الكلب لا يمكن أن يُعلَّمَ الجرحَ، والغرض أن يكون متمرناً على الطاعة، وانكفافه عن العض نهاية الانطياع. وأما السفح، فلسنا ننكر أنه من مقاصد الشريعة؛ فإن الميتة إنما تحرم بسبب احتقان الدم فيها؛ فإن الدم إذا احتقن، وفارقت الروح خَبُث اللحم باحتقان الدماء المحتقنة، وقد تبين لنا أن الخبائث محرمة، وإذا حصل نزف الدم بالذبح -وسائرُ الفضلات منحصرة في المصارين- يطيب اللحم. هذا لا ننكره. وإن حصل السفح في المقدور عليه لا بالجهة الشرعية، فيستحق مخالفُ الشرع أن يحرم عليه ما خالف الأمر فيه، وعليه أن يقصد الجَرْحَ بالآلات الجارحة في الصيود، وُيؤْثر ما يجرح على المثقلات، وهذا ممكن. ثم اعتراض النشّابة (٢) نادر، وليس مما يعم. أما تعليم الكلب الجرحَ، فبعيد ولكنه يَعَض بطباعه، ولا يتأتى تعليمُه تركَ العض، فإذا لم

стр. 9476

يَعض في بعض الصور تردّد هذا بين ندور الأمر وبين استحالة تعليم العض؛ فثار القولان كما وصفناه. والذبح بالعظم في المقدور عليه محرم كما سنصف الآن، إن شاء الله تعالى الذبح، والكلب لايَعضّ إلا بأسنانه، فيتبين من هذا بناء الأمر على مراتب الحاجات. فصل ١١٥٣٩ - إذا أكل الكلب المعلم من فريسته مرّة وماتت تحته، ففي حلّ تلك الفريسة قولان مشهوران: أحدهما - أنها محرمة لما روي أن رسول الله ﷺ قال لعدي بن حاتم: " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت عليه اسم الله، فكل، وإن أكل، فلا تأكل " ووجه هذا القول من جهة المعنى أنه إذا أكل، تبين أنه لم يمسكه على صاحبه، هكذا ذكره الأصحاب. والأولى أن نقول: الكلب المعلم إذا استرسل بنفسه، فما يأخذه في هذا الاسترسال محرم؛ لأنه أخذ ما أخذ على خلاف شرائط التعليم، وكذلك الانكفاف عن الأكل شرط التعلّم، فإذا فرض اصطيادٌ على خلاف ذلك، وجب أن يحرم، والفقه فيه أنا إذا رأينا الانكفاف عن الأكل شرطَ الانطياع، فإذا تخلف الشرط، بان أن أخذ الصيد على هذا الوجه، لم يكن على حكم الانطياع. ومن نصر القول الثاني، احتج بما روي أن رسول الله ﷺ قال لأبي ثعلبة الخُشني: " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله، فكل وإن أكل " وهذا القائل يقدر أخذه الصيدَ على حكم الطاعة، ويحمل ما اتفق من الأكل على فرط الجوع وسَوْرة نهمه، والأكل يقع بعد الأخذ. ثم إن أبا حنيفة (١) قال: الفريسة تحرم إذا أكل الكلب منها، ونتبين أن جميع

стр. 9477

ما ماتت من الصيود ولم تدرك بالذبح، فهي محرمة [فيما] (١) تقدم. ونحن إذا حرمنا الفريسة التي اتفق الأكل منها، لم نعطف التحريم على ما تقدم، لم يختلف أصحابنا فيه، فإذا لم تحرم الفريسة الأولى التي أكل منها على القول الثاني، فلو أكل من الثانية أيضاً، ثم من الثالثة، واعتاد الأكل، خرج عن كونه معلماً، ثم تحرم الفريسة التي وقع القضاء عند الأكل منها بالخروج عن التعلم، وهل نعطِف التحريم إلى أول فريسة أكل منها إلى الأخيرة؟ اختلف أصحابنا في المسألة وهذا اختلاف فقيه حسن محتمل، والتوجيه فيه بين. وإذا انكف الكلب عن الأكل أول مرة، فلا يقع القضاء بكونه معلماً، وقد لا يقع بالمرتين والثلاث، والرجوع إلى أهل البصيرة، كما قدمنا ذكر ذلك. فإذا تكرر الانكفاف وتبين التعليم، فلا نعطف الحل إلى أول فريسة حصل الانكفاف من أكلها بلا خلاف، والفرق بين هذا وبين ما ذكرناه من تكرر الأكل تغليب التحريم، وهذا فرق في الصورة وجمعٌ في الحقيقة. ولو لعق الكلب الدمَ، ولم يأكل من اللحم، فالأصح أن لعق الدم لا يضر بخلاف أكل اللحم، وكنت أود لو فصل فاصل بين أن ينكف الكلب زماناً ثم يأكل، وبين أن يأكل كما (٢) أخذ، فإن الزمان إذا تمادى، فيندر أن ينكف الكلب عن الأكل، ولكن لم يتعرض لهذا أحد من الأصحاب. فصل قال: " وإذا أرسل كلبه أحببتُ أن يسمي الله تعالى ... إلى آخره " (٣). ١١٥٤٠ - التسمية عند الذبح سنة مؤكدة ويلتحق تركها عندنا بما يكره، وقال أبو حنيفة (٤): التسمية مشروطة وتركها قصداً يحرّم الذبيحة. والمسألة مشهورة في

стр. 9478

الخلاف، فإذا أرسل الصائد كلبه أو سهمه، فينبغي أن يسميَ الله تعالى عند الإرسال؛ فإن هذا هو الذي يتعلق بالاختيار، والإصابة قد تغيب عن الصائد، وكان شيخي يتردد في أنه لو سمي عند الإصابة -وهذا ممكن في الكلب؛ فإن إدراكه محسوس- فهل تسقط التسمية المشروعة بذلك؟ وهذا موضع التردد. فصل قال: " ولو أرسل مسلم ومجوسي كلبين ... إلى آخره " (١). ١١٥٤١ - إذا اشترك مسلم ومجوسي في ذبح حيوان مقدور على ذبحه، فإن تحاملا على حد السكين أو على الطعن في منحر البعير، فلا خلاف في التحريم، فإنه مغلَّب، وهذا أصل متفقٌ عليه. فلو أرسل مسلم كلباً، وأرسل مجوسي كلباً، أو أرسلا سهمين، نُظر: فإن سبق كلبُ المسلم أو سهمُه، وحصل قتل الصيد أو تصييره إلى حركة المذبوح، ثم أدرك كلبُ المجوسي، فالصيد حلال، ولا حكم لما جرى من كلب المجوسي، ولو كان الأمر على العكس، فلا شك في التحريم؛ فإن القتل حصل بالكلب الذي أغراه المجوسي. فلو أخذ الكلبان الصيد معاً، أو على الترتيب، ولم يحصل التذفيف بواحد منهما، وإنما حصل الموت بهما، فلا شك في التحريم؛ لأن هذا بمثابة اشتراك المسلم والمجوسي في الذبح. ولو حاش (٢) كلب المجوسي الصيدَ، وردّه على كلب المسلم، ولم ينله، ثم أخذه كلب المسلم، فالصيد يحل؛ فإن الصيد حصل بكلب المسلم، وكلبُ المجوسي في حكم المعين، وحكم الملك لو فرض إرسال

стр. 9479

الكلبين من مسلمين لا يتلقى مما ذكرناه فحسب، بل يستعمل فيه هذا الأصل ويستعمل فيه أصول سوى ذلك، وسنستقصي الجهات كلها -إن شاء الله تعالى- في مقدمة المسألة المترجمة بمسألة الكسر. أما في مسألة المجوسي والمسلم، فلا إشكال في الملك؛ حيث يحل الصيد؛ فإنا إنما نحلله إذا اختص الكلب الذي أرسله المسلم بالأخذ، فلو شاركه كلب المجوسي في الأخذ، فهو محرم. ولو أرسله كلب المسلم، ثم أدركه كلب المجوسي، وبه حياة مستقرة، فعقره، فمات من الجرحين، فالمجوسي يفسد على المسلم ملكه، فهو بمثابة ما لو ذبح شاة مسلم، ولو فعل ذلك، فالشاة ميتة، وعليه الضمان، وإذا انتهى التفريع إلى الملك والضمان، فلا وجه إلا الإحالة على مسألة الكسر، وهي بين أيدينا، ولا شك أن الاعتبار في الكلب بالمرسِل. فصل قال: " وإذا رمى أو أرسل كلبه على الصيد فوجده قتيلاً ... إلى آخره " (١). ١١٥٤٢ - إذا رمى إلى صيدٍ، ولم يدر أأصابه السهم أو لم يصبه، فاتبعه وأدركه ميتاً، فلا يحل الصيد؛ فإنا لم نتبين جرحاً يستند الموت إليه. ولو جرح صيداً، فولى هارباً، ثم اتبعه الرامي، فوجده ميتاً، نُظر: فإن كان بمرأى من الرامي، ولم يطرأ ما يحال الموت عليه، فلا خلاف في حِل الصيد، وإحالة موته على الرمي، وإن غاب عن الناظر، فاتُّبع وأُدرك ميتاً، نُظر: فإن كان به أثر خدش ظاهر يحال على عثرةٍ، أو وثبة سبع، فالصيد حرام، فإن الموت يحال على الجرحين والسببين، والجرح حصل من غير قصد صائد، ولو فرض مثله مجرداً، لحرم الصيد، فإذا وجد مع الجرح الاختياري الجرح الثاني، فقد تقابل الجرحان، وكأن لا جرح؛ ولو لم يحصل جرح من الصائد، أو شككنا فيه، فلا خلاف في التحريم.

стр. 9480

وإن لم يوجد سبب آخر، ولكن غاب عن البصر ثم أُدرك ميتاً ولم يُلفَ عليه جرح وتكسر، يحال على عثرةٍ أو سقطةٍ، فهذا محل القولين: قال الشافعي في أحد القولين: إنه محرم، والدليل عليه ما روى ابنُ عباس ﵁ عن النبي ﷺ ، وروي موقوفاً عليه، أنه قال: " كل ما أصميت، ودعْ ما أنميت " (١) والتفسير: كل ما يموت بجرحك وأنت تراه، وما أنميت ما غاب عنك مقتله، والقياس تغليب التحريم للتردد الظاهر. والقول الثاني - أنه يحل؛ لأنه لم يتحقق سببٌ سوى الجرح الذي ناله من الصّائد، فالوجه إضافة الموت إليه، وحملُه عليه، ونحن قد نثبت القصاص إذا تقدم جرح عمد، ودام أثره إلى اتفاق الموت وكذلك تُشغل الذمة، والأصل براءتها، وأقرب ما يشهد لهذا القول تحليل الجنين، فإنا نحيل موته على انقطاع [رَوْح] (٢) الروح عنه بذبح الأم، وإن أمكن تقدير موته بسبب آخر. فصل قال: " وإذا أدرك الصيدَ لم يبلغه سلاحه ... إلى آخره " (٣). ١١٥٤٣ - إذا أرسل كلبه أو سلاحه، فإن أصاب مذبحَ الصيد ما أجهزه وأنجزه، فلا كلام، فهو حلال. وإذا أدركه، وهو في حركة المذبوح، فلا نتعرض له ونتركه يهدأ. وكذلك لو أصاب موضعاً آخرَ منه صار به إلى حركة المذبوح، فالأمر على ما ذكرناه، وإن لم يصر إلى حركة المذبوح، حتى أدركه الصائد، فينبغي أن يقطع حلقومَه، ومريئه، ولو تركه مع علمه بما به، ولكن كانت فيه حياةٌ مستقرة، فلو مات، فهو حرام؛ فإنه تمكن منه وفيه حياةٌ مستقرّة، فإذا لم يذبحه الذبحَ المتعبد به في المقدور عليه، لم نحكم بحِلّه. ولو كان الجرح كما ذكرناه غيرَ منجز، واستعقب حياةً مستقرّة، ولكن مات الصيد

стр. 9481

قبل أن يدركه الصائد، فإن لم يقصِّر على ما سنصفُ -إن شاء الله تعالى- فالصيد حلال. وإن قصّر، فالصيد حرام، واختلف أئمتنا في أنا هل نكلفه -إن رام الحِلّ- أن يعدوَ، أم يكفيه أن يمشي؟ ومنشأ هذا الخلاف من قاعدة قد يتردد النظر فيها: وهو أنا نكلفه (١) الطلب المعتاد، والتردُّدُ في وجه الاعتياد من جانبه، فمن كلفه العَدْوَ، فقد تخيل اعتيادَه في هذا المقام، ومن لم يكلفه العدوَ اعتبر ذلك بالمشي إلى الجماعة يوم الجمعة، مع ظهور أمارات التحرّم بالصلاة. ثم على الوجهين تصرفٌ فمن كلف العَدْوَ، لم يكلف الإيغال فيه حتى [يبتهر] (٢) أو ينالَه ضرر ظاهر، ومن اكتفى بالمشي، وهو الذي ذكره الصيدلاني، فالوجه عندي أن يتشوف إلى الإسراع في المشي قليلاً؛ فإن الماشي في هَيْنة خارجٌ عن عادة الطلب تحقيقاً، وظاهر ما ذكره الصيدلاني أنه يلزم عادته القديمة، ولفظه: " فلا نُلزمه أن يعدوَ، وأن يَحْمِل على نفسه ليدركه، بل على عادة مشيه ". وهذا بعيدٌ إلا أن يُحمل على عادة المشي في المتصيّد. وهذا التأويل بعيد عن لفظه. ثم إذا أدرك الصيد وبه حياة معتبرة، فلم يكن معه مدية، فمات الصيد، حرم. وحق من يعاني هذا الشأن أن يكون مُعِدّاً، ولو كان معه السكين، فنشب في الغمد، ففات الصيدُ بالموت، فهو حرام، فإنه مقصر في تهيئة مدية تنطاع إذا ابتدرها. وكذلك لو كانت بحالة لا تَفْرِي، فسبق موت الصيد، فهو حرام، وإن دهِش، فأعمل ظهر السكين، فمات الصيد، حرم. ولو كان معه سكين متغلغل في الغمد، فانسلّ، فأدرك الصيد كذلك ومات، فقد فات الحل؛ فإن جميع ما وصفناه ينتهي إلى التقصير، وتركِ الاستعداد. ولو كان يتبع الصيدَ، فاعترض له إنسان، وسلّ السكين من حيث لا يشعر، فأفضى إلى إدراك الصيد حياً ثم مات، فهو ميتة، لانتسابه إلى عدم التحفظ.

стр. 9482

ولو اعترض له أيّد وهو في الطلب، فغصبه السكينَ، فقد ذكر الأصحاب وجهين من حيث لم ينسب إلى التقصير، والوجه عندي القطع بالتحريم؛ فإنه وقف على حيوانٍ فيه حياة، ولم يذبحه. وقد يمكن فرض صورة الخلاف في الحيوانات الأهلية، إذا أوفت على الفوات، ويبعد كل البعد أن يفرض فيها خلاف. وإن فرق فارق بأن ما نال الصيد ذبحٌ بدليل أنه لو هلك قبل الإدراك، لحل الصيد، ولو ابتدر الصيدَ بالسكين، فقطع بعض الحلقوم، فمات الصيد، فهو حلال قطعاً، فإنه [لو لم] (١) يقصر، فاتفق سبق الموت، لحل؛ إحالةً على الجرح السابق، فكذلك إذا حصل القطع في البعض. هذا إذا هدأ. فإن كان الصائد متردداً في حاله، فليستمر الذبح. وإن علم أنه انتهى إلى حركة المذبوح، فهذا فيه فضل نظر. وسنذكره في الذبائح عند ذكرنا اشتراط قطع الحلقوم والمريء مع فرض الانتهاء إلى حركة مذبوح قبل تمام القطع. وسنعيد هذا الطرف ثمَّ، إن شاء الله تعالى. ولو كان الصيد منكساً، فاحتاج إلى قلبه، فلم يصل إلى مذبحه حتى مات، فهو حلال، كما ذكرناه في نظائر ذلك، فإنه لم ينتسب إلى التفريط. فصل قال: " لو أرسل كلبه أو سهمه، وسمى الله تعالى، وهو يرى صيداً ... إلى آخره" (٢). ١١٥٤٤ - مقصود هذا الفصل: القول في بيان القصد الذي نشترطه من الصائد ليحلّ الصيد. والقصد على الجملة معتبرٌ. ويتعلق طرف صالح من الكلام فيه بالقصد في الذبح، وعنده نذكر ذبح الصبي والمجنون، وهذا مؤخر.

стр. 9483

والذي ننجزه الآن التفصيل في القصد المرعي في الصيد، فنقول أولاً: إذا كان بيد الإنسان سيف، فانسلّ منه من غير فعل يُؤْثره، ووقع على صيد في شِعْبٍ أو مغارة، وهلك الصيد، فهو حرام؛ لأنه لم يوجد من صاحب السيف فعل، فضلاً عن أن يفرض منه قصدٌ إليه. ولو رمى سهماً في الهواء، أو كان يبغي الرمي غَلْوةً، ولم يخطر له الصيد، فاتفق أنه أصاب صيداً، وقتله، فهو محرم، وكذلك لو كان يجيل سيفه، فأصاب غِرارُ سيفه حلقوم شاة، ومَرِيَّها، فقطعهما من حيث لم يشعر المدير، فالشاة ميتة. ١١٥٤٥ - ولو رمى صيداً، وخطر له أنه قد يصيب، وذلك يفرض في جنح الليل، والمسألة فيه إذا لم يتخيل صيداً، ولكنه رمى على تردد متسع، فحاصل ما ذكره الأئمة ثلاثة أوجه- إذا اتفقت إصابة الصيد: أحدها - أن الصيد ميتة؛ فإن هذا القصد غير صحيح وصاحبه يعدّ عابثاً هازئاً. والثاني - يحل، لأنه بنى رميه على قصد الصيد، واتفقت الإصابة، والوجه الثالث - أنه ينظر: فإن رمى في موضع يغلب على ظنه الصيد فيه، وإن لم يعنّ له في الحال، فاتفقت الإصابة، حلّ الصيد. وإن كان لا يغلب على الظن الصيد فيه، فالقصد لا أصل له، وحكمه حكم الهازىء. ١١٥٤٦ - ولو اطلع على سرب (١) من الظباء، فأرسل سهمه فيها، ولم يسدّد النشابة على واحدة بعينها، فأصاب السهم ظبية، وماتت به، فهي حلال، ولو سدّد النشَّابة على ظبية عيّنها من السرب، فمالت إلى ظبية أخرى من السرب، ففي المسألة أوجه ثلاثة: أحدها - وهو الأصح، وقد قطع به طوائف من الأئمة أن الظبية حلال، وذكروا في هذه الصورة خلافَ مالك (٢)، فإنه قال: لا تحل تلك الظبية، لأنه لم يقصدها. وهذا هو الوجه الثاني. ذكره بعض الأصحاب، وتوجيهه ما أشرنا إليه.

стр. 9484

والوجه الثالث - أن الظبية المصادة إن كان رآها لما رمى، وكانت في السرب، فهي حلال. وإن لم يرها أو ثارت بعد مروق السهم، فأصابها السهم، لم تحل. ١١٥٤٧ - ولو لاح له [شيء] (١) شاخص، فرماه، وهو يحسبه حجراً أو جرثومة، فتبين أنه كان صيداً، فقد قطع الأئمة بحلّه، لأنه قصد وأصاب، ولم يعتقد في مقصوده ما يناقض الحل. وقد قال الشافعي: إذا اشتملت يد الإنسان في ظلمةٍ على شيء ليّن، فحسبه حشية لينة -وقرأ بعض الأئمة خشبة لينة- فقصدها وقطعها، ثم استبان أنه قطع حلقوماً ومريّاً على الشرط الذي ورد التعبد به، فالشاة ذكية مستباحة. كذلك إذا لاح له شاخص، فقصده، فإذا هو صيد، فلو حسب الشخصُ الشاخصَ حيواناً محرّم اللحم، فلما أصابه السهم، فإذا هو ظبية، فالأصح أنه حلال لتوجه القصد، ووقوع الإصابة على نحو القصد، فإن كان من خطأٍ هاجسٍ في النفس، فهو خطأ في جنس المرمي، فيجب ألا يكون له أثر، ومن أصحابنا من قال: لا يحلّ، لأنه لم يقصد صيداً حلالاً، وفي بعض مجاري كلام شيخي وجه ثالث، وهو أن الحيوان الذي حسبه إن كان جنساً يحلّ أن يقصد بالرمي، فإذا تبيّن صيداً، حلّ، وإن حسبه آدمياً مثلاً محقون الدم، فتبين أنه صيدٌ مستحلّ الجنس لم يحل، لأنه قصد محرماً، والقصد في نفسه محرّم. ولو ذبح حيواناً في ظلمة حسبه خنزيراً أو حيواناً آخر محرماً، فتبين أنه ذبح شاةً، فالوجه عندي القطع هاهنا بالحل، لقوّة الفعل، فإنه في حكم التعاطي والرمي لا يحكم عليه بالإصابة. والعلم عند الله تعالى. والناظر يتنبه لمواضع التنبيه. ولو رمى إلى شاخص، ولم يغلب ظنه في المرمي، ولكن استوت عنده [الجائزات] (٢)، فإذا تبين كونَه صيداً، فقد أشار شيخي إلى وجهين، ورتبهما على ما إذا ظنّه خنزيراً، ولست أرى للخلاف في هذه الصورة وجهاً، بل الوجه القطع

стр. 9485

بالحل، كما لو حسبه حجراً شاخصاً. هذا إذا قصد شاخصاً، فأصابه، والمسائل منوعة في ظنه. فأمّا إذا قصد شخصاً، فأصاب ظبية، ففي حلّها خلاف مرتب على ما لو قصد ظبية، فأصاب ظبية أخرى، والتحريم هاهنا أغلب؛ من جهة أنه لم يسدّد قصده على صيد، وهذا فيه إذا قصد حجراً، فمال السهم عنه. ولو قصد شيئاً ظنه حجراً، وكان صيداً، فمال السهم عنه إلى صيدٍ آخر، فوجهان، وهذه الصورة أولى بالحلّ من التي قبلها، ولو قصد خنزيراً، وكان خنزيراً، فمال عنه إلى ظبيةٍ، فعلى الخلاف. وهذه الصورة أولى بالتحريم، مما إذا كان المقصود حجراً، ولو ظن المقصود خنزيراً، ولم يكن خنزيراً، ومال السهم، فالخلاف جارٍ، وتفاوت الترتيب في بُدوّ جنس المقصود، ولا معنى للتطويل، وقد لاح منشأ الخلاف في إصابة المقصود في المسائل، وإذا مال السهم، فهذا في أصله مختلفٌ فيه، والمقصود صيد، ثم تختلف صور المقصود، ويقوى ويضعف القصد بحسبها، وينضم إلى ذلك ميل السهم، فترتب المسائل على حسب ضعف القصد وقوته. ١١٥٤٨ - ثم ما ذكرناه في الرمي، فلو أرسل كلباً أو أغراه بصيدٍ، فمال عنه إلى آخر، نُظر: فإن أخذ صوباً آخر نابياً عن مقصود المغري، وتبيّن أن الكلب انتحاه بطبعه، ولم يكن استرساله في صوبه بسبب الإغراء، فهو حرام، لا شك فيه، ويظهر الذي أردناه فيه إذا اشتد في الصوب الذي أراده المغري، ثم ثار صيدٌ آخر، فاستدبر الكلبُ الأولَ، وأعرض عنه، وتمطى في صوب صيدٍ آخر بدا له، فأما إذا أغراه على صيدٍ، وكان على السنن صيود، فقد ذكرنا التردّد في ميل السهم المسدّد على صيدٍ منه إلى غيره، وإذا فرض مثل هذا في الكلب، فالخلاف جارٍ، واختلف أصحابنا في الترتيب، فرتب الأكثرون الكلب على السهم، وجعلوا مأخوذ الكلب أولى بالتحريم، فإنه على الجملة حيوان ذو اختيار، وقَصْدُ المغري فيه ضعيف، ما لم يظهر انطياعه، فإذا فرضت مخالفة، ظهر بناء الأمر على اختيار الكلب، بخلاف السهم؛ فإنه لا اختيار له.

стр. 9486

هذا مسلكٌ لبعض الأصحاب. ومن أصحابنا من عكس ذلك، وقال: مأخوذ الكلب أولى بالحل؛ لأن تسديد النشابة على معيّن من سربٍ ممكن، وإغراء الكلب على ظبية من سربٍ غير ممكن إذا لم يختلف الصوب والجهة، والدليل على ذلك أن من رمى نشابة، فانقلبت وأصابت بعرضها الطائرَ وقتلته، فهو ميتة؛ لأن ذلك محمولٌ على خُرق الرامي، وإذا ماتت فريسة الكلب تحته ضغطاً، ففي المسألة قولان؛ من جهة أن الكلب لا يمكن أن يعلّم ترك الضغط، [ولا يمكن أن يعلّم الجرح] (١). وهذا لا بأس به على شرط التثبت في الفرق بين ما ذكرناه وبين أن يأخذ الكلب صوباً آخر بحيث يظهر اختياره، ويسقط انطياعه للإغراء. فرع: ١١٥٤٩ - إذا أخذ الرامي في نزع الترس، فأفلت الوتر، وصدم الفُوقَ، فمرّت النشابة، وأصابت الصيد، ففي المسألة وجهان: أحدهما - يحلّ، نظراً إلى ابتداء الرمي، واستداده، على وفق القصد. ومن أصحابنا من قال: لا تحل؛ فإن الرمي جرى، ولم يكن عن قصد، ومثل هذا السهم غير محسوب في أرشاق المناضلة كما سيأتي شرحه. إن شاء الله تعالى. فرع: ١١٥٥٠ - ولو رمى سهماً، وكان السهم مقصراً، ويقع دون الصيد، فصرفته ريح عاصفة فلحق، ففي بعض التصانيف أن الصيد يحلّ، وهذا فيه نظر. وفي هذا الكتاب على الاتصال: لو أصاب السهم حجراً، فارتد منه، فبلغ الصيدَ بقوة الصدمة، فهل يحل؟ فعلى الوجهين. والفرق أن السهم إذا وقع، فكأنه انتهى، فارتداده أمر مبتدأ، وإذا لم يقع السهم، فصدمته الريح، فهذا محمول على الرمي، والفرق ممكن، والاحتمال مع ذلك قائم في مسألة الريح.

стр. 9487

فصل قال: " ولو خرج الكلب إلى الصيد من غير إرسال صاحبه ... إلى آخره " (٢). ١١٥٥١ - إذا استرسل الكلب بنفسه، فما يمسكه ويقتله حرام. وإن كان معلَّماً؛ فإنه إذا لم يصدر عن قصد صاحبه، لم يكن آلة له، وتجرّد اختياره، ولو استرسل كما وصفناه، وانطلق، فزجره صاحبه، فلم ينزجر، فأغراه فلم يَزْدَذ حَمْواً، ولم يتأثر، فما يمسكه ويقتله حرام. فإن زجره فانزجر، ثم أغراه فانتهض وأمسك وقتل، فمأخوذه حلال؛ فإن استرساله انقطع بانزجاره. وانطلاقُه بعد هذا بإغراء صاحبه أمرٌ مبتدأ. ولو زجره، فلم ينزجر، فأغراه فازداد عدواً، فأمسك وقتل، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه حرام نظراً إلى ابتداء [الاسترسال] (٣)، ثم لم ينقطع بالزجر، واشتداده في العدو ليس انطياعاً، وقد يصدر مثله مما ليس معلَّماً من الجوارح. والثاني - أنه يحل؛ لأنه معلَّمٌ، وقد أثر فيه الإغراء، وهذا التردد له التفات على أن الانزجار بالزجر في أثناء العدو هل يُعتبر في أصل التعليم. ولو لم يزجره، بل أغراه، فازداد عدواً وحَمْواً، ففي المسألة وجهان، وهذه الصورة أولى بالحِلّ؛ إذ لم يوجد فيها زجر واستعصاء مترتب عليه، ثم إغراءٌ بعده. وإذا جمعنا إحدى الصورتين إلى الأخرى، انتظم منهما ثلاثة أوجه: أحدها - التحليل، والثاني - التحريم. والثالث - الفصل بين الصورتين، كما أشار إليه الترتيب.

стр. 9488

١١٥٥٢ - وإذا تبين هذا الذي ذكرناه في هذا الحكم، ترتمبا عليه أحكامٌ مماثلة له: منها- أنه إذا أرسل إنسان كلبه، فزجره غيره فانزجر، ثم أغراه، فانطلق، وأمسك، فالقول في أن الممسَك ملك مَنْ؟ ينبني أولاً على اختلافٍ للأصحاب نذكره في أن من غصب كلباً لغيره واصطاد به فالصيد لمن؟ من أصحابنا من قال: هو للغاصب، وهو الصحيح، فإن الاصطياد منسوب إليه، والكلب في حكم الآلة، وكان بمثابة ما لو غصب قوساً ونشاشيب، فاصطاد بها، أو غصب أُحبولة، فنصبها على مدارج الصيود فتعقّل بها الصيد. ومن أصحابنا من قال: الصيد ملك صاحب الكلب؛ فإنه حيوان ذو اختيار، فكان إمساكه للصيد بمثابة اصطياد العبد، ومن غصب عبداً وأمره بالاصطياد، فاصطاد، فالصيد ملكٌ لمالك العبد. فإذا تبين الوجهان، بنينا عليهما الترتيب الذي طردناه في الحكم المتقدم، فإذا أغرى الإنسان كلبه، فزجره الغير، فانزجر، فأغراه، فانطلق وأمسك: فإن قلنا: مأخوذ الكلب المغصوب ملك صاحبه، فلا أثر لما جرى من الانزجار والانطلاق، والصيدُ لصاحب الكلب، وإن قلنا: ما يصطاده الكلب المغصوب للغاصب الصائد به، وهو الصحيح، فالصيد في مسألة الانزجار والإغراء ملك الثاني، وليقع التفريع بعد هذا على هذا الوجه الصحيح. فإن زجره الثاني، فلم ينزجر، فأشلاه، فازداد عدواً، أو لم يزجره بل أغراه، فازداد عدواً، ففي الصورتين الأوجه الثلاثة، غير أنها في تعيين المالك (١)، والأوجه الثلاثة في الحكم الأول في الحل والحرمة. فإن قيل هلا ذكرتم [وجهاً] (٢) أنهما يشتركان؟ قلنا: لا يمتنع في القياس خروج هذا الوجه في الملك، ولا ينتظم في الحل والحرمة إلا أحدهما، فإن فرض اجتماع سبب الحل والحرمة نوجب الحرمة، فيعود الكلام إلى التحليل والتحريم. وإذا كان

стр. 9489

الكلام في تعيين المالك، اتجه التشريك بإثبات الأثرين، والجمع بين المقتضيين. وممَّا يتفرع على هذه القاعدة أن المسلم لو أرسل كلباً، فأغراهُ في أثناء العدو مجوسي بعد الزجر أو قبله، فتنتظم الأوجه، وكذلك لو أرسل المجوسي أولاً، ثم أغراه المسلم، فهذه المسائل تتناظر، ولا معنى للتطويل بإعادتها؛ فإن مأخذ جميعها واحد. والذي يتعلق بفقه هذا الفصل أن الكلب لو استرسل بنفسه ثم أغراه صاحبه في أثناء العدو، فإن قلنا: الاعتبار باسترساله، فلا كلام. وإن قلنا: الاعتبار بازدياد العدو منه عند الإغراء في الأثناء، فلو أكل الكلب من الفريسة -والتفريع على أن الفريسة لا تحرُم بالأكل إذا لم يتكرر- فالاحتمال يظهر في هذه الصورة، فإنه تبين أنه لم يلتفت على صاحبه، ويضعف بهذا أثر إغرائه في الأثناء. ولو استرسل الكلب بنفسه، وأثبت الصيدَ وأكل منه، لم يؤثر هذا في خروجه عن التعلم وإن تكرر؛ فإنه استرسل بنفسه، وإنما يُرعى انكفافه إذا كان استرساله بإرسال صاحبه على حكم الانطياع له، وهذا واضح لا شك فيه. فصل قال: " وإذا ضرب الصّيد، فقطعه قطعتين ... إلى آخره " (١). ١١٥٥٣ - مقصود هذا الفصل الكلام فيه إذا ضرب الصيدَ بسيف أو غيره، فأبان منه عضواً؛ فإن صار بالإبانة إلى حركة المذبوح، فنحكم بتحليل الصّيد، والعضوِ المبان منه، وتعليلُه بيّن؛ فإن الإبانة صارت [ذبحاً] (٢) مجهزاً. ولو أبان عضواً، فبقي الصّيد حيّاً، وذُبح لَمَّا قُدر عليه، فالعضو المبان بالضربة الأولى محرم؛ فإنّه أبين من حيٍّ، وما أبين من الحيّ، فهو ميّت، وقد تبين أن الإبانة لم تكن ذبحاً، ويستحيل فرض جُرح لا يكون ذبحاً للأصل، ويكون ذبحاً للعضو.

стр. 9490

ولو حصلت الإبانة في العضو وفي الصيد حياة مستقرة، ثم مات الصيد قبل أن يُدرك من غير فرض تقصير في الطلب، أمَّا الصّيد دون العضو، فمباح، وفي العضو وجهان: أصحهما - التحريم؛ فإن الإبانة [لم تُفد حلّ] (١) العضو لما وجدت، وإن تمَّ التذفيف في العضو، فيستحيل أن ينعكس من موت الصيد عليها حكمٌ. والوجه الثاني - أن العضو المبان حلال [فإنا تبّينا] (٢) أن الإبانة ذبحٌ للحيوان، فيجب أن يكون ذبحاً للعضو. ولو أبان العضو في الصورة التي إليها الانتهاء، ثم رمى إلى الصيد بنشَّابة أخرى. فإن كانت مذفِّفةَ، حلّ الصيد، إذا لم يَصر مُزمَناً بالإبانة الأولى، والعضو المبان محرّم؛ فإن الرمي ذبح إذا كان مجهزاً في نفسه، لو فرض وحده، وقد ذكرنا أن الصَّيد لو ذبح، فالعضو المبان أولاً حرام، ولو لم تكن الجراحة بالسَّهم مذفّفة، بل استعقبت الجراحة الواقعة به حياةً مستقرةً، ثم حصل الموت بالإبانة الأولى وبالإصابة الثانية، ولا إزمان بالجرح الأول، أما الصّيد فيحل، وفي العضو المبان وجهان مرتبان على الوجهين فيه إذا لم يُحدث بعد الإبانة جَرحاً، والصورة الثانية أولى بتحريم العضو؛ فإنّ الأبانة لم تتجرّد ذبحاً للصيد، بل انضمّ إليها جرح آخر، بخلاف ما إذا تجردت الإبانة، فإنها بانت ذبحاً في الصيد آخراً، فيجوز أن تكون مُحِلةً [للعضو] (٣). وغائلة هذا الفصل أنا إن حكمنا بتحريم العضو، وهو القياس، فلا كلام، وإن حكمنا بإحلال العضو عند إفضاء الإبانة إلى موت الصيد، ففي ذلك وقفة: أنقول: يحل العضو عند موت الصيد وكان حراماً قبلُ، أم نقول: نتبين عند موت الصيد حِل العضو استناداً إلى حالة الإبانة؟ وهذا مشكل؛ [فإنا] (٤) لو لم نستند، وحكمنا بأن الحل يحصل عند موت الصيد، فموته لا يُغيّر صفة العضو، وإن حكمنا بالاستناد،
следующие страницы →