هذا مسلكٌ لبعض الأصحاب.
ومن أصحابنا من عكس ذلك، وقال: مأخوذ الكلب أولى بالحل؛ لأن تسديد النشابة على معيّن من سربٍ ممكن، وإغراء الكلب على ظبية من سربٍ غير ممكن إذا لم يختلف الصوب والجهة، والدليل على ذلك أن من رمى نشابة، فانقلبت وأصابت بعرضها الطائرَ وقتلته، فهو ميتة؛ لأن ذلك محمولٌ على خُرق الرامي، وإذا ماتت فريسة الكلب تحته ضغطاً، ففي المسألة قولان؛ من جهة أن الكلب لا يمكن أن يعلّم ترك الضغط، [ولا يمكن أن يعلّم الجرح] (١). وهذا لا بأس به على شرط التثبت في الفرق بين ما ذكرناه وبين أن يأخذ الكلب صوباً آخر بحيث يظهر اختياره، ويسقط انطياعه للإغراء.
فرع:
١١٥٤٩ - إذا أخذ الرامي في نزع الترس، فأفلت الوتر، وصدم الفُوقَ، فمرّت النشابة، وأصابت الصيد، ففي المسألة وجهان: أحدهما - يحلّ، نظراً إلى ابتداء الرمي، واستداده، على وفق القصد.
ومن أصحابنا من قال: لا تحل؛ فإن الرمي جرى، ولم يكن عن قصد، ومثل هذا السهم غير محسوب في أرشاق المناضلة كما سيأتي شرحه. إن شاء الله تعالى.
فرع:
١١٥٥٠ - ولو رمى سهماً، وكان السهم مقصراً، ويقع دون الصيد، فصرفته ريح عاصفة فلحق، ففي بعض التصانيف أن الصيد يحلّ، وهذا فيه نظر.
وفي هذا الكتاب على الاتصال: لو أصاب السهم حجراً، فارتد منه، فبلغ الصيدَ بقوة الصدمة، فهل يحل؟ فعلى الوجهين. والفرق أن السهم إذا وقع، فكأنه انتهى، فارتداده أمر مبتدأ، وإذا لم يقع السهم، فصدمته الريح، فهذا محمول على الرمي، والفرق ممكن، والاحتمال مع ذلك قائم في مسألة الريح.
стр. 9487
فصل
قال: " ولو خرج الكلب إلى الصيد من غير إرسال صاحبه ... إلى آخره " (٢).
١١٥٥١ - إذا استرسل الكلب بنفسه، فما يمسكه ويقتله حرام. وإن كان معلَّماً؛ فإنه إذا لم يصدر عن قصد صاحبه، لم يكن آلة له، وتجرّد اختياره، ولو استرسل كما وصفناه، وانطلق، فزجره صاحبه، فلم ينزجر، فأغراه فلم يَزْدَذ حَمْواً، ولم يتأثر، فما يمسكه ويقتله حرام.
فإن زجره فانزجر، ثم أغراه فانتهض وأمسك وقتل، فمأخوذه حلال؛ فإن استرساله انقطع بانزجاره. وانطلاقُه بعد هذا بإغراء صاحبه أمرٌ مبتدأ.
ولو زجره، فلم ينزجر، فأغراه فازداد عدواً، فأمسك وقتل، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه حرام نظراً إلى ابتداء [الاسترسال] (٣)، ثم لم ينقطع بالزجر، واشتداده في العدو ليس انطياعاً، وقد يصدر مثله مما ليس معلَّماً من الجوارح.
والثاني - أنه يحل؛ لأنه معلَّمٌ، وقد أثر فيه الإغراء، وهذا التردد له التفات على أن الانزجار بالزجر في أثناء العدو هل يُعتبر في أصل التعليم.
ولو لم يزجره، بل أغراه، فازداد عدواً وحَمْواً، ففي المسألة وجهان، وهذه الصورة أولى بالحِلّ؛ إذ لم يوجد فيها زجر واستعصاء مترتب عليه، ثم إغراءٌ بعده.
وإذا جمعنا إحدى الصورتين إلى الأخرى، انتظم منهما ثلاثة أوجه: أحدها - التحليل، والثاني - التحريم. والثالث - الفصل بين الصورتين، كما أشار إليه الترتيب.
стр. 9488
١١٥٥٢ - وإذا تبين هذا الذي ذكرناه في هذا الحكم، ترتمبا عليه أحكامٌ مماثلة له: منها- أنه إذا أرسل إنسان كلبه، فزجره غيره فانزجر، ثم أغراه، فانطلق، وأمسك، فالقول في أن الممسَك ملك مَنْ؟ ينبني أولاً على اختلافٍ للأصحاب نذكره في أن من غصب كلباً لغيره واصطاد به فالصيد لمن؟ من أصحابنا من قال: هو للغاصب، وهو الصحيح، فإن الاصطياد منسوب إليه، والكلب في حكم الآلة، وكان بمثابة ما لو غصب قوساً ونشاشيب، فاصطاد بها، أو غصب أُحبولة، فنصبها على مدارج الصيود فتعقّل بها الصيد.
ومن أصحابنا من قال: الصيد ملك صاحب الكلب؛ فإنه حيوان ذو اختيار، فكان إمساكه للصيد بمثابة اصطياد العبد، ومن غصب عبداً وأمره بالاصطياد، فاصطاد، فالصيد ملكٌ لمالك العبد.
فإذا تبين الوجهان، بنينا عليهما الترتيب الذي طردناه في الحكم المتقدم، فإذا أغرى الإنسان كلبه، فزجره الغير، فانزجر، فأغراه، فانطلق وأمسك: فإن قلنا: مأخوذ الكلب المغصوب ملك صاحبه، فلا أثر لما جرى من الانزجار والانطلاق، والصيدُ لصاحب الكلب، وإن قلنا: ما يصطاده الكلب المغصوب للغاصب الصائد به، وهو الصحيح، فالصيد في مسألة الانزجار والإغراء ملك الثاني، وليقع التفريع بعد هذا على هذا الوجه الصحيح. فإن زجره الثاني، فلم ينزجر، فأشلاه، فازداد عدواً، أو لم يزجره بل أغراه، فازداد عدواً، ففي الصورتين الأوجه الثلاثة، غير أنها في تعيين المالك (١)، والأوجه الثلاثة في الحكم الأول في الحل والحرمة.
فإن قيل هلا ذكرتم [وجهاً] (٢) أنهما يشتركان؟ قلنا: لا يمتنع في القياس خروج هذا الوجه في الملك، ولا ينتظم في الحل والحرمة إلا أحدهما، فإن فرض اجتماع سبب الحل والحرمة نوجب الحرمة، فيعود الكلام إلى التحليل والتحريم. وإذا كان
стр. 9489
الكلام في تعيين المالك، اتجه التشريك بإثبات الأثرين، والجمع بين المقتضيين.
وممَّا يتفرع على هذه القاعدة أن المسلم لو أرسل كلباً، فأغراهُ في أثناء العدو مجوسي بعد الزجر أو قبله، فتنتظم الأوجه، وكذلك لو أرسل المجوسي أولاً، ثم أغراه المسلم، فهذه المسائل تتناظر، ولا معنى للتطويل بإعادتها؛ فإن مأخذ جميعها واحد.
والذي يتعلق بفقه هذا الفصل أن الكلب لو استرسل بنفسه ثم أغراه صاحبه في أثناء العدو، فإن قلنا: الاعتبار باسترساله، فلا كلام. وإن قلنا: الاعتبار بازدياد العدو منه عند الإغراء في الأثناء، فلو أكل الكلب من الفريسة -والتفريع على أن الفريسة لا تحرُم بالأكل إذا لم يتكرر- فالاحتمال يظهر في هذه الصورة، فإنه تبين أنه لم يلتفت على صاحبه، ويضعف بهذا أثر إغرائه في الأثناء.
ولو استرسل الكلب بنفسه، وأثبت الصيدَ وأكل منه، لم يؤثر هذا في خروجه عن التعلم وإن تكرر؛ فإنه استرسل بنفسه، وإنما يُرعى انكفافه إذا كان استرساله بإرسال صاحبه على حكم الانطياع له، وهذا واضح لا شك فيه.
فصل
قال: " وإذا ضرب الصّيد، فقطعه قطعتين ... إلى آخره " (١).
١١٥٥٣ - مقصود هذا الفصل الكلام فيه إذا ضرب الصيدَ بسيف أو غيره، فأبان منه عضواً؛ فإن صار بالإبانة إلى حركة المذبوح، فنحكم بتحليل الصّيد، والعضوِ المبان منه، وتعليلُه بيّن؛ فإن الإبانة صارت [ذبحاً] (٢) مجهزاً.
ولو أبان عضواً، فبقي الصّيد حيّاً، وذُبح لَمَّا قُدر عليه، فالعضو المبان بالضربة الأولى محرم؛ فإنّه أبين من حيٍّ، وما أبين من الحيّ، فهو ميّت، وقد تبين أن الإبانة لم تكن ذبحاً، ويستحيل فرض جُرح لا يكون ذبحاً للأصل، ويكون ذبحاً للعضو.
стр. 9490
ولو حصلت الإبانة في العضو وفي الصيد حياة مستقرة، ثم مات الصيد قبل أن يُدرك من غير فرض تقصير في الطلب، أمَّا الصّيد دون العضو، فمباح، وفي العضو وجهان: أصحهما - التحريم؛ فإن الإبانة [لم تُفد حلّ] (١) العضو لما وجدت، وإن تمَّ التذفيف في العضو، فيستحيل أن ينعكس من موت الصيد عليها حكمٌ.
والوجه الثاني - أن العضو المبان حلال [فإنا تبّينا] (٢) أن الإبانة ذبحٌ للحيوان، فيجب أن يكون ذبحاً للعضو.
ولو أبان العضو في الصورة التي إليها الانتهاء، ثم رمى إلى الصيد بنشَّابة أخرى.
فإن كانت مذفِّفةَ، حلّ الصيد، إذا لم يَصر مُزمَناً بالإبانة الأولى، والعضو المبان محرّم؛ فإن الرمي ذبح إذا كان مجهزاً في نفسه، لو فرض وحده، وقد ذكرنا أن الصَّيد لو ذبح، فالعضو المبان أولاً حرام، ولو لم تكن الجراحة بالسَّهم مذفّفة، بل استعقبت الجراحة الواقعة به حياةً مستقرةً، ثم حصل الموت بالإبانة الأولى وبالإصابة الثانية، ولا إزمان بالجرح الأول، أما الصّيد فيحل، وفي العضو المبان وجهان مرتبان على الوجهين فيه إذا لم يُحدث بعد الإبانة جَرحاً، والصورة الثانية أولى بتحريم العضو؛ فإنّ الأبانة لم تتجرّد ذبحاً للصيد، بل انضمّ إليها جرح آخر، بخلاف ما إذا تجردت الإبانة، فإنها بانت ذبحاً في الصيد آخراً، فيجوز أن تكون مُحِلةً [للعضو] (٣).
وغائلة هذا الفصل أنا إن حكمنا بتحريم العضو، وهو القياس، فلا كلام، وإن حكمنا بإحلال العضو عند إفضاء الإبانة إلى موت الصيد، ففي ذلك وقفة: أنقول: يحل العضو عند موت الصيد وكان حراماً قبلُ، أم نقول: نتبين عند موت الصيد حِل العضو استناداً إلى حالة الإبانة؟ وهذا مشكل؛ [فإنا] (٤) لو لم نستند، وحكمنا بأن الحل يحصل عند موت الصيد، فموته لا يُغيّر صفة العضو، وإن حكمنا بالاستناد،
стр. 9491
بعُد جدّاً أن [يحل] (١) عضوٌ مبان من حيوان، وفي الحيوان بعدُ حياة مستقرة، وغموض هذا الإشكال في التفريع يُشعر بفساد الأصل.
ثم إذا حصل التنبيه للتردد الذي ذكرناه، فالوجه الحكم بتحليل العضو عند موت الصيد؛ فإن الذبح يحصل عند زهوق الروح، فإذ ذاك نُثبت للجزء حكمَ الجملة، هذا هو الذي يصح، والإشكال قائم، وهو داعٍ إلى فساد الأصل الذي عليه التفريع.
فصل
قال: " وأي أبويه كان مجوسياً ... إلى آخره " (٢).
١١٥٥٤ - هذا فصل قدمنا ذكره في النكاح في أحكام المناكحة، والقول في تحليل المناكحة يجاري القولَ في تحليل الذبيحة، فهما متواخيان لا يفترقان، إلا في الأَمَة الكتابية؛ فإن نكاحها حرام وذبيحتها حلال، والسبب فيه أن للرق أثراً في المنع من النكاح، فأثَّر انضمامُه إلى الكفر، ولا أثر للرق في الذبيحة أصلاً، فكانت الرقيقة في الذبيحة كالحرة.
ومقصود الفصل الآن تفصيل القول في المتولد بين كتابي ووثنية، أو من بين وثنيّ وكتابية، والتفصيل المُبِين فيه أن المتولد من بين وثني وكتابية لا تحل ذبيحته، ولا يحل نكاحه، وفي المتولد من بين كتابي ووثنية قولان. وإن أردنا العبارة عن القولين في الصورتين، قلنا: أحد القولين أن التوثن في أي طرف فُرض أو التمجس - على الرأي الظاهر- يثبت حرمة المناكحة والذبيحة. والقول الثاني- أن الاعتبار بالأب: فإن كان كتابياً، فحكم الولد حكمه في المناكحة والذبيحة، وإن كان وثنياً، فحكم الولد حكمه. وهذا ذكرناه في النكاح.
والذي نُريده أنا إذا ألحقنا الولد بالوثني قولاً واحداً، فقد بان حكمه في الحال، فلو بلغ ودَان بدين أهل الكتاب، واتبع أمه الكتابية، ففي المسألة وجهان: أحدهما -
стр. 9492
أنا نحكم الآن له بحكم أهل الكتاب. والثاني -وهو الأصح- أنا لا نحكم له بحكم أهل الكتاب؛ فإنّا قضينا له بالتوثن، فيدوم هذا الحكم له، فإذا دان بالكتاب بعد البلوغ، كان كوثنيّ يتهوَّد، أو يتنصّر، ولا شكّ أن التَّهَوُّدَ والتَّنَصُّرَ بعد مبعث المصطفى ﷺ لا يثبت حُرمة. والقائل الأول يقول: إن حكمنا له في حالة الصغر بالإلحاق بالأب فَلدِين الأم من الحرمة ما يثبت له حكمَ الاستمساك بالكتاب بعد البلوغ، ثم إذا وقع التفريع على هذا، فلا وجه إلا الاستناد، والقضاء بأن الأمر كان موقوفاً إلى أن نتبين ما يدين به بعد البلوغ. وهذا ضعيف غير متجه.
فصل
قال: " ولا يؤكل ما قتلته الأحبولة ... إلى آخره " (١).
١١٥٥٥ - إذا نُصب في الأحبولة مِنجَل، فقد يتعقل الصيد بالأحبولة، ثم يتعقر الصّيد بالمنجل، فإذا فرض ذلك، ثم أفضى العَقْر إلى هلاك الصّيد، فهو حرام، لم يختلف الأصحاب فيه، والسبب في ذلك أنه لم يتّصل بالعَقْر الحاصل فعلٌ يُنسب العقر إليه، وليس وضع المنجل عقراً به، بل الصيد هو الذي يتعقر بحركات نفسه، والمنجل ينحط ويرتفع. ومن أحاط بما ذكرناه من اشتراط الفعل، ثم اشتراط القصد بعده لم يخف عليه تعليل ذلك.
فعلى هذا قال الأئمة: إذا كان في يد الإنسان سكّين حادٌ، فانتحرت به بهيمة، ولم يحرّك صاحب السكّين يدَه، فالبهيمة تحرم وإن حصل القطع في حلقومها ومَريئها، ولو كان صاحب المُدْية يحركها، وكانت البهيمة تحك حلقَها، فحصل قطع الحلقوم والمرّيء بتحاملها، وتحريك صاحب السكين يده، فالوجه التحريم لاشتراك البهيمة والذابح.
وقد يرد على ما ذكرناه أن من أضجع شاةً ليذبحها، فإذا أمرّ السكين، فقد يضطرب المذبح تحت السكين اضطراباً يؤثر في القطع، ولو قيل قد لا تخلو شاة عما
стр. 9493
وصفناه، لم يكن بعيداً، ففتح هذا يوجب تحريماً في معظم الذبائح؟ قلنا: هذا في التصوير غير سديد؛ فإن الشاة إذا رُبطت فمسّها حدّ السكين، فإنها تَخنِس الحلقومَ بطباعها، ولعل من يغفل عن التحرّز إذا أصاب عضواً منه مؤلمٌ انزوى عنه، فإذا [كان] (١) الأمر كذلك فلا يمكن ادعاء عموم حركتها في استقبال المُدْية، وما يفرض من اضطراب فهو بعد فَرْي الحلقوم والمريء، فلا أثر له.
فإن صوّر مصور اضطراباً يُعين على القطع قبل تمام القطع، فهذا مما يجب التحرّز منه، فإن ظهر فعل الذابح [وقُدر أمر خفيٌّ] (٢) يجري مثله في الوساوس، فالتعويل على فعل الذابح، وإذا ذكرنا فصول الذبح، انكشف تمامُ الغرض.
١١٥٥٦ - والصبيّ الذي لا يميّز إذا أمرّ سكيناً على حلقوم طائر وقطع ما يجب قطعه، فهو ميتة، ولا حكم لفعله؛ إذ لا قصد له، والمجنون الذي لا قصد له بهذه المثابة، والصبي المراهق إذا ذبح، فالأصح تحليل ذبيحته، وفي بعض التصانيف ذكر خلاف فيه من حيث إن الشرع سلب حكمَ قصده، ويمكن تقريب هذا من اختلاف القول في أن الصبي هل له عمد في القتل، حتى يجب بسببه الديةُ في ماله، والقصاص على شريكه في القتل.
وأما المجنون، فلا قصد له، فلو انتظم منه الذبحُ على موجَب الشرع، فالوجه القطعُ بتحريم ذبيحته لسقوط قصده، كما ذكرناه في الصّبي الذي لا يميز، وفي بعض التصانيف أن المجنونَ إذا نظم الذبحَ على وجهه، كان ذبحه مبيحاً، وهذا لم أرَه إلا في هذا الكتاب، ووجهه على بعده أن ما يصدر منه لا ينقص عن قطع الإنسان شيئاً ليناً يحسبه حشيَّةً أو خشبة، ثم يتبين أنه حلقوم شاة، وقد ذكرنا أن هذا يُحل الذبيحة. ثم إن فرض مثلُ هذا عن الصبي الذي لا يميز، وقد ينتظم فعلاً كما صوّرناه من المجنون، فسبيله سبيل المجنون.
стр. 9494
فصل
قال: " والذكاة وجهان ... إلى آخره " (١)
١١٥٥٧ - قسَّم الشافعيُّ الذكاة إلى ما يقع في المقدور عليه، وإلى ما يفرض في الشوارد، وهذا الانقسام بيّن، فالذبح في المقدور عليه في الحلقوم والمريء، كما سنعقد في ذلك فصلاً، إن شاء الله.
فأمَّا الحيوان الذي لا يُقدر عليه، فإن كان صيداً، فالذكاة فيه بآلة وحيوان صَيُودٍ معلّم، كما تمهّد.
ولو شردت بهيمةٌ إنسيّة الجنس، فقاعدة المذهب أنها قد تلتحق إذا شردت بالصيد الأَبِد (٢)؛ حتى تكون إصابتها بالجرح في غير المذبح ذكاة كما في الصيد، وقال مالك (٣): الاعتبار بجنسها، ولا تحصل ذكاتها إلا في الحلقوم والمريء، وقد رد الشافعي عليه بأن قال: لو كان المعتبر الجنس، لوجب أن يقال: الظبية الآنسة تحل بالجرح من غير قطع الحلقوم، والمريء، وهذا لا قائل به، فليقع التعويل على صورة القدرة، والإفلات، فالحيوانات في الحكم الذي نطلبه مذبوحات، ونحن نتبع أحوالها في القدرة والشِّراد، ثم الغرض التعذر لتعذّر الوصول إلى مذبح الحيوان الآنس في جنسه.
ونحن نذكر في ذلك صورتين: إحداهما- أن البهيمة لو تنكست في بئر وعسر الوصول إلى مذبحها، وتعذر إخراجها، ولو تُركت، لهلكت، فيجوز الطعن في الأجزاء الظاهرة منها، ويكون ذلك ذبحاً فيها، والسبب فيه تحقّقُ التعذّر، ولهذا المعنى حلّت الصُّيود بهذه الجراح، ثم يعتمد المذهب بما هو الأصل في تمهيد غرض الفصل، وهو ما رُوي: " أن رجلاً يعرف بأبي العُشراء تردّى له بعير في بئر، وهلك،
стр. 9495
فرُفعت القصة إلى رسول الله ﷺ فقال لأبي العُشَرَاء (١): " وأبيك لو طعنت في خاصرتها، لحلّت لك " (٢) ثم ما ذهب إليه المحققون، وهو اختيار القفال أنه لا بد من جرح مُذفِّف، وينزل منزلة قطع الحلقوم والمريء في الحيوان المقدور عليه، وليس يخفى أن قطعهما لا يعقب حياة معتبرة، فليكن الجرح بمثابة قطعهما.
ومن أصحابنا من قال: يكفي الجرح المدمي الذي يجوز وقوع القتل به. وهذا القائل يستمسك بظاهر الحديث، قال النبي ﷺ : " وأبيك لو طعنت في فخذها، لأجزأتك " ولم يفصل بين طعن وطعن، والقائل الأول ينفصل عن هذا، ويقول ذِكْر رسول الله ﷺ الخاصرة (٣) يدل على اعتبار التذفيف؛ فإن الخاصرة مقتل.
стр. 9496
هذا كلامنا في هذه الصورة.
ويتصل بما ذكرناه أمرٌ في الصّيد، وهو أن من رمى صيداً ولم يذفف، فهل يلزمه أن يرمي وهكذا إلى أن ينتهي إلى التذفيف أو يعجز؟ هذا أولاً في تصويره عُسرٌ؛ لأن الطلب وقطع الحلقوم والمريء أيسر من إتباع الرّمي الرَّميَ، والصيدُ منطلق؛ فإن تصور امتناع الطلب في الحال وإمكان الرّمي، فهذا موضع الكلام، وفيه اختلاف: من أصحابنا مَن قال: لا يجب (١) إتباع الرّمي الرَّميَ، ومنهم من أوجبه للانتهاء والتذفيف، وهذا مرتَّب على البهيمة المتنكسة. والصورة الأخيرة أولى بألا يجب طلب التذفيف فيها؛ فإن التمكن لا يتم مع الصَّيد المنطلق، بخلاف الحيوان المتنكس.
فهذا بيان صورة مما وعدناه.
١١٥٥٨ - الصورة الأخرى وهي إذا نَدَّ بعيرٌ أو شردت شاةٌ، نُظر: فإن كان شرادها يُفضي بها إلى مهلكة أو مسبعة، فسبيل الشارد -والحالة هذه- كسبيل الصّيد، فيجوز أن يقصد بالآلات، ويجوز أن تُغرى به الجارحة المعلَّمة، ولو كان لا يُفضي شرادها إلى مهلكة، وربما كان تسكن، فتدرك، فالظاهر عندي أن الذبح لا يحصل بالجرح في غير المذبح؛ فإن هذا القدر إلى زوال، فلا حكم له. وفي كلام أصحابنا ما يدل على أنه إذا تحقق الشراد، فيجوز ذبحه بالجرح حيث يُصيبه؛ فإنه رُبَّما يبغي الذبح في الحال، فلا نكلّفه الصبر إلى أن يزول الشراد.
ومما يجب التنبه له أن ما ذكرناه من الشراد، لم نَعن به أدنى إفلاتٍ يتصوّر معه
стр. 9497
لُحوقُ المُفلِت بعدوٍ أو استعانة بمن يستقلّ على الاعتياد في مثله. وإذا قُلنا: مجرد الشراد لا يجعل الجَرْح في غير المذبح ذبحاً إذا كان لا يُفضي بالشارد إلى الهلاك، فلو كان يُفضي به إلى الوقوع بين ظهراني لصوص مترصدين أو غُصاب، فعلى هذا الوجه وجهان. وقد نجز الغرض في الصورتين وتمَّ ببيانهما مقصود الفصل.
فصل
قال: " ولو رمى صيداً فكسره ... إلى آخره " (١).
١١٥٥٩ - إذا رمى صيداً فكسره، وأَثبتَه، وأبطل امتناعه بشدة العدو، أو رمى طائراً، فكسر جناحه، فقد ملكه، ولا يتوقف ثبوت الملك فيه على الانتهاء إليه، وإثبات اليد عليه، وهذا متفق عليه بين الأصحاب.
ثم من حكمه وقد صار مُثْبَتاً أن يقال: إن انتهى إلى حركة المذبوح لمَّا أُثبت، فهو حلال، وإن كانت فيه حياة مستقرة، فينبغي أن يطلبها من أثبتها وملكها، على ما تفصّل ذلك فيما مضى، وإذا أدركه، ذَبَحه بقطع الحلقوم والمريء.
١١٥٦٠ - فإذا تمهّد ذلك، فلو أثبته وصار مذبوحاً، فرماهُ آخر فَرمْيُه صادف ذكياً، ويعود النظر إلى أثر هذا السّهم في جلده بالتمزيق أو ما شابه هذا، ولا معنى للتشاغل بمثل ذلك.
وإن كان في الصيد المثبَت حياةٌ مستقرة، فرمى الثاني، نُظر: فإن أصاب الحلقوم والمريء بالآلة التي رماها وقطعها (٢)، فهذا ذبح على التحقيق، ولكنه جناية على ملك غيره، فنقول: كم قيمة هذا الصَّيد مثبتاً فيه حياة؟ وكم قيمتها إذا ذبحت؟ فإن كان بين القيمتين تفاوت، ألزمنا الرامي الثاني ذلك التفاوت.
وعندي أن الحيوان إذا كان لما به من الجرح ولو لم يذبح، لهلك وفات، فالذبح
стр. 9498
لا ينقص منه شيئاً. نعم، يمكن فرض إثبات تُتَصور الحياةُ معه، فإذ ذاك يظهر (١) التفاوت. هذا إذا أصاب الحلقوم والمريء وقصده.
وقد ينشأ من هذا الكلام تردّد في شيء، وهو أن من رمى إلى شاته الربيطة آلة جارحة، فأصابت الحلقوم والمريء وفاقاً وقطعتهما، ففي حِل الشاة نظر، مع القدرة على إمرار السكّين على الحلقوم والمريء، ويجب أن يفرق بين أن يقصد المذبح بالآلة التي يرميها وبين أن يقصد الشاة فيُصيبَ المذبح، والاحتمال يتطرق إلى جميع ذلك، "فالصّيد المُثبَت إذا رماه إنسان، فقطع حلقومَه ومريئه، فهو يقع في التردّد الّذي نَبّهنا عليه.
ولو أثبت الأولُ الصّيد، كما صوّرناه، وفيه حياة مستقرة، فرماه الثاني، ولم يُصب المذبح، فهذا يفرض على صورتين: إحداهما- أن تكون الجراحة الثانية على غير المذبح منجزة مهلكة، والأخرى ألا تكون منجزة، فإن كانت منجزة، فيصير الصّيد ميتة، لأن هذا جرح في غير المذبح مع القدرة على المذبح.
ولو لم يكن الجرح منجزاً، واتفق تركه حتَّى مات بالجرحين، فهو ميتة أيضاً، ويترتب على ذلك أن الأول ملك الصّيد بالإثبات، والثاني أفسده بالجرح، وحكم الإفساد التزام الضمان.
١١٥٦١ - ولا مطلع على المقدار الذي يلتزمه إلا بعد تقديم أصل مقصود في نفسه، ونحن نذكر ما يتعلق به، ثم نعود إلى مسألة الصّيد من حيث قطعنا الكلام.
فأما ما نقدمه فنقول: إذا جنى رجل على بهيمة أو عبد والقيمة عشرة، وقد نقص بالجرح دينار، ورجعت القيمة إلى تسعة، ثم جاء جانٍ آخر، وجنى عليه جناية أرشها دينار، فسرت الجراحتان وأفضيتا إلى هلاك الصّيد، فما الّذي يجب على كل واحد منهما؟ اضطرب أصحابنا في هذه المسألة، وذكروا أوجُهاً مشهورة.
والرأي عندنا أن نذكر ما قيل نقلاً، ثم نبحث بعد النقل عن الحقائق: فأحد الوجوه -أن الأول يغرم أرش جراحته، وهو دينار، ويغرم الثاني أيضاً أرش جراحته، وهو
стр. 9499
دينار فيما قرّرناه، ثم ما يبقى من القيمة بعد حط الأرشين عنهما يقسم على الجارحَيْن نصفين، فيخرج منه أن الأول يلتزم ديناراً، وهو أرش جراحته، والثاني يلتزم ديناراً وهو أرش جراحته، والباقي وهو ثمانيةُ دنانير عليهما نصفان، فيغرم الأول إذاً خمسة دنانير عن حساب الأرش وما يصيبه من القيمة، وكذلك الثاني.
ووجه هذا الوجه أن جراحة كل واحد منهما أثرت في تنقيص [القيمة] (١) فاستبد كل واحد بأرش النقص المحال على جراحته، ثم القتل بعد هذا الاعتبار يقع بسراية الجراحتين على مقتضى الاشتراك، فيقتضي استواءَهما فيما يقابل الموت.
١١٥٦٢ - والوجه الثاني - أنه يجب على الأول خمسةُ دنانير، ويجب على الثاني أربعة دنانير ونصف، ووجهه أن اعتبار الأرش والجراحتان ساريتان أفضيتا في العاقبة إلى الهلاك باطل؛ فإن النظر إلى الأرش إنما يتجه عند فرض الاندمال وخروج الجراحات عن كونها قتلاً، وهذا أصل متمهد في الجنايات على الأحرار والعبيد والبهائم، فإذا بطل اعتبار الأروش، لم يبق إلا النظر إلى انتسابهما إلى القتل، وإذا كان كذلك، فالأول صدرت منه الجناية وقيمة العبد عشرة، فألزمناه نصف القيمة بحساب العشرة، والثاني جنى وقيمة العبد تسعة -وقد أبطلنا اعتبار الأرش- فنُلزمه نصف قيمة العبد يوم الجناية، وهي أربعة ونصف، وما ذكره هذا القائل من إسقاط الأرش وإبطال اعتباره فقيهٌ، ولكن أداء الوجه إلى إسقاط نصف دينار من قيمة العبد، وهما الجانيان، ولا سبب سوى جنايتهما محالٌ، على ما سيصرح البحث إن شاء الله.
١١٥٦٣ - والوجه الثالث -وهو منسوب إلى اختيار القفال- أنا نوجب على الأول خمسة دنانير ونصفاً، ونوجب على الثاني خمسة دنانير، وتعليل ذلك أن جناية الأول نقصت من القيمة ديناراً، وكذلك جناية الثاني، وانتسب كل واحد منهما إلى قتل نصف العبد، فقلنا: يسقط نصف الأرش في حق كل واحد باعتبار انتسابه إلى قتل النصف، والقاتل لا يغرم بحساب الأرش، ولا يندرج نصف الأرش في حق كل واحد
стр. 9500
منهما تحت ما يُنسب من القتل إلى صاحبه، والحساب على التنصيف بينهما، فاقتضى هذا تثبيت نصف الأرش على كل واحد منهما، ثم يضم إلى ذلك إيجاب نصف القيمة على الأول، نظراً إلى قيمة يوم الجناية، فيجتمع عليه خمسة دنانير ونصف، ونضمُّ إلى ما ألزمنا الثاني من الأرش نصف القيمة باعتبار يوم الجناية، فيجتمع عليه خمسة دنانير، ويتحصل من المجموع ما ذكرناه.
وهذا الوجه ضعيف أيضاً لما سنذكره في المباحثة إن شاء الله، وهو مؤدٍّ إلى غلط في الحساب؛ من جهة الزيادة؛ إذ قيمة العبد عشرة، وقد ألزمناهما عشرةَ دنانير ونصفاً، واعتذر القفال عن هذه الزيادة بأن قال: ترتيب الجنايات يجري مثل ذلك، فإن من قطع يديْ عبدٍ -والتفريع على أنه يلتزم تمام قيمته- فإنا نُلزمه القيمة التامة، ثم لو جاء جانٍ ثانٍ وقتله تجهيزاً، فنلزمه قيمته مقطوع اليدين، فيحصل للسيد من الجنايتين قيمة العبد وزيادة.
١١٥٦٤ - وحكى العراقيون وجهاً رابعاً ناشئاً من المباحثة التي رَمزنا إليها في استنكار وجوب الزيادة، ونسبوه إلى أبي الطيب بن سلمة، [قال أبو الطيب] (١) فيما حكوه:
نقدّر على الأول نصفَ القيمة يوم الجناية ونصف الأرش، وكذلك على الثاني، كما ذكرناه في الوجه الثالث، ثم نجمع ما عليهما تقديراً ونقسم قيمة العبد على ذلك المبلغ، بعد البسط الذي يقتضيه مسلك الحساب، ونوجب على كل واحد من العشرة بنسبة تلك القيمة، فيتفاوت ما عليهما، ولا مزيد على العشرة.
وبيان ذلك أن أرش جناية الأول إذا كان ديناراً، وكذلك أرش جناية الثاني، فالذي يخرجه حساب الوجه الثالث عليهما عشرة ونصف، على الأول خمسة ونصف وعلى الثاني خمسة، فنبسط المبلغ أنصافاً، فيصير أحداً وعشرين، فنقسم العشرة على أحدٍ وعشرين، ونقول على الأول أحد عشر جزءاً من أحد وعشرين جزءاً من عشرة وعلى الثاني عشرة أجزاء من أحد وعشرين جزءاً من العشرة.
وهذا الوجه فيه اعتبار لطيف في فنّه مُؤَدٍّ إلى ترك الزيادة على القيمة.
стр. 9501
ولا حجة فيما استشهد القفال به من قطع اليدين، والقتل بعده؛ فإن قاطع اليدين لا شركة له في القتل، [والقتلُ] (١) بعد قطعه مُلحِقٌ قطعه بالاندمال، فليست تلك الصُّورة نظيراً لمسألتنا.
١١٥٦٥ - وذكر صاحب التقريب وغيره من المحققين وجهاً خامساً لا يصح عندنا على السبر غيره -وفتواه- (٢) أنه يجب على الأول خمسة دنانير ونصف، ويجب على الثاني أربعة دنانير ونصف، ولا يتوجه هذا الوجه إلا بمسلك المباحثة وإنعام النظر في الوجوه المتقدمة.
وسبيل افتتاح الكلام أن نقول: إذا جرحا وسرت الجراحتان، فهما قاتلان، والجراحتان قتلٌ، ولا ينتظم على القواعد الالتفاتُ إلى الأرش مع كون الجارح قاتلاً.
ولو ذهبنا نبسط هذا، لكان تطويلاً، ولا ينتهي إلى هذا الموضع ناظر مدركٌ إلا وقد أحاط بهذا [الأصل] (٣) وإن خطر للفطن تفاوت الأرشين، من جهة أن أرش النقص الأول عُشرٌ بالإضافة إلى العشرة، وأرش الجرح الثاني تُسع بالإضافة إلى قيمة العبد بعد الجرح الأول، فلا حاصل لذلك؛ فإن هذا نظر في تفصيل الأرش، وأصلُه باطل مع انتسابهما إلى القتل.
والذي يكشف الغطاء في ذلك أنهما لو جرحا معاً، وكان جرح أحدهما بحيث لو انفرد، لنقص من القيمة عشرها، أو كان أرشها عشراً، وكان جرح الثاني أفظعَ وأفحشَ بحيث لو انفرد، لنقص من القيمة خَمْساً، فإذا أفضى الجرحان إلى الهلاك، فلا نظر إلى [الجرحين] (٤) وتفاوتهما في المقدار، ولكنا نجعلهما قاتلين، غير أن الجرحين وَقَعَا معاً، وصارا قتلاً، فالقيمة موزَّعة على الجارحين بالسّوية، فيجب إخراج اعتبار الأرش من البين، وكل وجه مبناه على اعتبار الأرش، فهو ساقط.
стр. 9502
ولكن إن وقع الجرحان معاً، جعلنا الجارحين كالقاتل الواحد، وقسطنا القيمة عليهما، وإن وقع الجرح الثاني مرتباً على الأول، فينشأ من هذا أنا نعتبر في حق كل واحد القيمةَ التي كان العبد عليها عند اتصال الجرح به مع إحباط النظر إلى الأرش.
ولكن يعترض مع هذا إشكال هو منشأ الاضطراب، وهو أنا لو وفينا هذا القياس حقَّه، لأوجبنا على الأول خمسة وعلى الثاني أربعة ونصفاً، وهذا يُفضي إلى إسقاط جزء من قيمة العبد، وهو محالٌ؛ فإنَّ فوات العبد محال على الجرحين، فالوجه أن نتأنق في طلب نصف دينار من غير أن نحوّم على الأرش، فنقول: الأول لو انفرد بالجرح، وصار جرحه قتلاً، لالتزم العشرة، فلما جرح الثاني، وقد ظهر نقصٌ في القيمة، استحال أن نلزمه أكثر من نصف القيمة التي كان العبد عليها يوم جنايته، هذا ما يقتضيه حكم القيمة، والعبد يختص عن الحر بارتفاع القيمة وانحطاطها؛ فإنَّ الشرع تولى تقديرَ بدل الحر، فلا يفرض انحطاطه.
فنقول: أوجب القياس ألا نوجب على الثاني إلا نصف القيمة [الناقصة، وكأن الأول منتسب إلى القتل والتفويتِ إلا في المقدار الذي يفرض لالتزامه الثاني] (١).
فذاك مقتطع عن الأول والثاني منسوب إليه، وليس ما التزمه من الزيادة أرشاً، وإنما هو يترتب على شيئين: أحدهما - زيادة القيمة يوم جنايته والثاني - نقصانها يوم جناية الثاني، وامتناع إضافة الزيادة إلى جناية الثاني؛ فإنه يشارك في قتل عبدٍ قيمته تسعة، فتحصّل من مجموع ذلك أن التفاوت بين النصفين على الأول وما اقتضاه الحساب من قسمةٍ، فهو في عهدة الأول، فعلى الثاني نصف قيمة العبد مجروحاً الجرح الأول، وعلى الأول ما تتم القيمة به.
١١٥٦٦ - ثم ينشأ من هذا التوجيه وجه النظر في الوجوه التي قدمناها: أمَّا من قال: على الأول دينار، وعلى الثاني دينار، والباقي بينهما، فهذا الوجه يتضمن إثبات الأرش مع حصول القتل بالجرحين، وهذا مصادمة أصل عظيم، لا سبيل إلى مخالفته، وهو أن الأروش يسقط اعتبارها مع إفضاء الجرح إلى زهوق الروح.
стр. 9503
والقول الوجيز في تحقيق ذلك أن الأرش معناه تمييز مقدارٍ واجبٍ بالجناية على الجملة، وهذا من ضرورته أن ينفصل الجرح عن الإزهاق، فإذا أدى إليه، كان الجرح مع السراية بمثابة حزّ الرقبة، فإن فرضت شركة، فالشركاء كالقاتل الواحد.
هذا وجهٌ بيّنٌ في ضعف هذا الوجه، ثم النظر في العاقبة يوضح فساد الأصل؛ فإنَّ الثاني التزم ما التزمه الأول مع أن الجناية الأولى صادفت كمالاً في القيمة، والجناية الثانية صادفت نقصاناً فيها، ولا سبيل إلى اعتقاد الصحة في هذا على الجملة إلى أن نسبر. فإن ظن ظانّ أن استواءهما من قبل أن أرش أحد الجرحين تُسعٌ، وأرش الجرح الثاني عُشر، فهذا التفاوت لا يُوجب الاستواء، مع أنا ذكرنا في توجيه الوجه المرتضى أنا لو فرضنا جرحين واقعين بالعبد معاً، وأحدهما أعظم من الثاني، فلا يتفاوت الأمر باختلاف الجرحين إذا وقعا معاً، كذلك إذا ترتبا، وإنما الأثر لنقصان القيمة بالجرح الأول، ومصادفة الجرح الثاني عبداً ناقص القيمة.
وأما من قال: يجب على الأول خمسة، وعلى الثاني أربعة ونصف، فهذا الوجه ليس فيه التعرض للأرش والالتفات إليه، ولكن فيه إسقاط شيء من القيمة وسببه أنه دقيق المُدرك مع إسقاط الأرش، ووجهه ما ذكرناه في توجيه الوجه المختار.
وأما من أوجب على الأول خمسة ونصفاً، وعلى الثاني خمسة، فقد بنى مذهبه على أن كل واحد منهما بانتسابه إلى القتل قاطع نصف سراية جرح صاحبه، وهذا يقتضي أن يثبت ذلك المقدار من الأرش، فإن من قطع يدي رجلٍ ورجليه، فلو سرت جراحته، لصارت الجراحة نفساً. ولو قتل الغيرُ ذلك المجني عليه، فتستقر الأروش على الجاني الأول؛ فإن القتل من الثاني قطع سراية الجارح الأول وهذا فيه تدقيق، ولكن لا حاصل له مع حصول القتل منهما، والقطع بنزول اشتراكهما في القتل منزلة انفراد الرجل بالقتل، ثم دلّ فساد التفريع على فساد الأصل إذا اقتضى الوجه أكثر من القيمة.
وما ذكره القفال من الاستشهاد بما إذا قطع رجل يدي عبدٍ ورجليه، ثم قتله آخر، فهو فقيه غائص؛ من جهة أن كل واحد من الشريكين في حكم المخرج لنصف جرح
стр. 9504
صاحبه عن كونه قتلاً، وإذا خرج جرحُ الجارح عن كونه قتلاً بقتلٍ يقع عن (١) غيره، فهذا يقتضي تثبيت الأرش للجرح الخارج عن القتل، وإذا كان كذلك، انتظم فيه تشطير الأرش، ولا [يُنكر] (٢) ما يتفق من زيادة في مساق الفقه كما استشهد به، ولكن فَصْلُ فعل أحدِ الشريكين عن الثاني يخالف بابَ الاشتراك ووضعَه، ولو قطع رجل يد عبدٍ وقطع معه رَجلٌ آخر يده الأخرى، فلا نتعرض لأرش جرحهما إذا وقعا معاً ولكن نجعلهما كرجل واحد قطع يدي عبدٍ، ثم أفضى قطعه إلى زهوق روح العبد.
هذا وجه البحث عن هذا الوجه.
وأمَّا ما حكاهُ العراقيون عن أبي الطيب بن سلمة من توزيع القيمة على المبلغ الذي أثبته القفال ومن انتحى نحوه، فهو حسن دقيق، ولكنه التفات إلى الأرش، ولو صح الالتفات إليه، لم يصح إلا مذهب القفال؛ فإن الزيادة لا مبالاة بها إذا صححها قياس، فإذا كُنّا نُبطل ذلك الوجه لتعلقه باعتبار الأرش، فإذا بطل تحقيقه، بطل تقديره. هذا هو الممكن في البحث عن هذه الوجوه.
١١٥٦٧ - ولسنا من الصّلف على حدٍّ ندعي انتهاء النظر نهايته في أمثال هذه المعاصات، غير أنا نستفرغ الوسع فيما ننتهي إليه وطريقُ الفقه (٣) مذلّل لكل ذي فطنة.
وقد نجز منتهى مرادنا في هذه المقدمة، فإذا أردنا تقريبها من مسألة الصّيد صوّرنا الجارح الأول مالك العبد، وصورنا الثاني أجنبياً، ثم الأوجه الخمسة تجري في وضع التقسيط، غير أن ما يقابل الأول وهو مالك العبد يُهدر، وما يقابل الثاني يثبت.
وصَوَّر المتكلفون [جناةً على العبد مترتبين] (٤)، ومن أحاط بما ذكرناه، لم يخفَ
стр. 9505
عليه ما يورد عليه من الصور، إن شاء الله تعالى.
١١٥٦٨ - وقد حان أن نعود إلى مسألة الصّيد فنقول: إذا رمى الأولُ وأزمن الصّيد وملكه، ثم رمى الثاني، ولم يُصب المذبح، فيصير الصّيد ميتة، فإن كانت الجراحة الثانية مذففة في غير المذبح، فالإماتة مضافة إليها بالكلية؛ فإنا تحققنا أن الموت حصل بها، وانقطع بها سريان الجرح الأول المزمن، فنقول: أفسد الثاني الصّيد المزمَن، فعليه قيمة الصّيد مزمَناً، ولا يجوز تقدير الخلاف في هذه الصورة.
فأما إذا لحق الجرح الثاني، ولم يكن مذففاً، وحصل الموت في ظاهر الظن بالجرحين، غير أن الأول ملك الصَّيد، فلا يُتصور في حقه غرم، والثاني جانٍ ملتزم للغرم.
وحاصل ما ذكره الأئمة بعد تحقيق التصوير أوجهٌ، نسردها، ثم نوجه البحث عليها: فمِن أصحابنا من قال: على الجارح الثاني في الصورة الأخيرة تمام قيمة الصَّيد مزمَناً مجروحاً الجرح الأول، وليس ذلك كما لو جنى السَّيد على عبد نفسه، ثم جنى أجنبي عليه من بعدُ؛ فإنا قسطنا القيمة في تلك المسألة، وذكرنا الأوجه الخمسة في كيفية التقسيط، والأصل متفق عليه، والفرق أن الجراحة الأولى وإن صدرت من المالك، فلا خير فيها ولا صلاح، وإنما هي جراحة من المالك يُتلف ملكَه، فساوت جراحةَ الأجنبي في الإفساد، وإن خالفته في أن المالك لا يضمن شيئاً، والجراحة الأولى في الصَّيد مملِّكة مفيدةٌ، ولو أفضت إلى الموت، لم يفت الصّيد بها على الجملة، وجرحُ الثاني هو المفسد على الحقيقة المفيت، والغرم يتبع الإفاتة والإفساد، وهو بجملته من الثاني. هذا وجهٌ.
ومن أصحابنا من قال: لا يغرم الرامي الثاني تمام القيمة، ولكن تُوزّع القيمة على الجرحين؛ فإن الموت حصل بهما، فيتنزل هنا منزلة جرح المالك للعبد مع جرح غيره له بعده، وهذا القائل مكتفٍ بظاهر التشبيه، والوجه الأول مستمسك بالفقه، وإن كان يحتاج إلى مزيد تفصيل.
ومن أصحابنا من قال: نفصل، وننظر: فإن رمى الثاني، ومات الصيد قبل أن يقدر الرامي الأول على ذبحه في المذبح مع جِدّه في الطلب، فعلى الرامي الثاني تمامُ
стр. 9506
قيمته مجروحاً الجرح الأوَّل؛ فإنّه المُفسد حَقّاً، ولولا جرحه، لكان الصَّيد حلالاً، وإن لم يدرك ولم يذبح.
وإن تمكن الأول من ذبحه، فقصد أو انتهى إليه، فلم يذبحه حتّى مات من الجرحين، فتفريطه يُلْحق جرحَه الأول بالمفسدات، فإنه لو تفرد بجرحه ثم قَصَّر في الذبح مع التمكن، فالصّيد ميتة، وهذا يُوجب الحكم باشتراكهما في إفساد الصَّيد.
١١٥٦٩ - هذا ما نقله المحققون في الصَّيد بعد تمهيد المقدمة في الجناية على العبد، وفيما نقلوه بحث: أما من أطلق التقسيط، ولم يتفطن لاختصاص الرامي الثاني بالإفساد في بعض الصور، فقد أصدر ما قاله عن غفلة. ومن أطلق نسبة الإفساد [إلى] (١) الثاني ولم [يفصِّل] (٢)، فقد غفل من وجه آخر، وإنما استتم النظر من فَصّل. والأصحاب ينقلون الأوجه مرسلة، ونحن نؤثر ألا يُعدّ أمثال هذا اختلافاً؛ [من جهة أن المسألة إذا كانت عائصةً ذاتَ أصول، ويشوبها رعاية نِسبٍ تقديرية، هي منشأ التقسيط،] (٣) فقد يبتدر بعض العلماء جواباً [مبنيّاً] (٤) على طرف صحيح، ولكنه يستدعي مزيد نظر، ثم كذلك قد يستدرك زائد على الأول في النظر عليه ما غفل عنه، وهو في نفسه تلحقه غفلة عن طرف آخر، حتى يستتم من يُنعم النظر والفكر في أطراف المسألة، ويستعين بالمذكور ويضمه إلى ما يستجده، فذاك هو الجواب.
ولو شهد أصحاب الوجوه وتنبّه [الأولون] (٥) وأنصفوا، لنزلوا على منتهى النظر، وإنما الخلاف الحقيقي أن تلوح وجوه الظنون وتتعارض الأقوال فيها، فالذي نحكم به على المذهب القطعُ بالتفصيل.
١١٥٧٠ - ونحن الآن نفرّع عليه، ونقول: إن لم يفرط الرامي الأول، فلا حظ لجرحه في الإفساد، وإنما الفساد كله يتعلق بجرح الثاني وهذا يقتضي أن نلزمه تمامَ
стр. 9507
قيمة الصّيد مزمَناً أو مجروحاً الجرحَ الأول، وهذا واضح.
ولكن استدرك صاحب التقريب دقيقةً لم يقصِّر في التنبه لها والتفريع على أن الفساد محال على الثاني، وذلك أنه قال بعد حكاية قول الأصحاب: الفسادُ وإن كان مضافاً إلى الثاني بموجب قول الأصحاب: إنَّ الصَّيد لو كان يساوي غير مزمَن عشرة، وكان يساوي مزمَناً تسعة، فالتسعة تجب على الرامي الثاني؛ فإنَّه المفسد.
وهذا فيه مستدرك؛ من جهة أنا وإن كنا لا نستعمل الجرح الأول في حساب الإفساد، فيجب أن نستعمله في تقدير الذبح؛ فإنا لا ننكر أثره في حصول الموت، والصيد المزمَن لَوْ لم يمت، كان يساوي تسعة، ولو مات بالجرح الأول ذكياً حلالاً، فربَّما كان يُساوي ثمانية، فيجب أن نقول: أما الثمانية، فعلى الثاني، وأما الدرهم الآخر، فبين الأول بتقدير الذبح وبين الثاني، فيجب أن يهدر نصف درهم لما يقتضيه الذبح من حط القيمة، فيجب على الثاني ثمانية ونصف.
وهذا حسن بالغ، ولكن للنظر فيه مجال؛ فإنَّ المفسد يقطع أثر الذبح، ويرفعه من كل حساب، والمسألة محتملة، والأوضح ما ذكره صاحب التقريب وإن أحلنا الفساد على الثاني. فهذا منتهى التفريع.
وإن وزّعنا -والرأي عندي أن نقطع بالتوزيع- عند تقصير الأول في الذبح، كما اقتضاه التفصيل. ثم إذا وزعنا، فالأول مالك مُفسد على نفسه، والثاني أجنبي متلف، فإذا قيل لنا: كيف التوزيع؟ قلنا: المسألة في هذا المنتهى تضاهي العبد يجرحه مالكُه، ثم يجرحه بعده أجنبي، ويموت العبد من الجرحين، وفي كيفية التوزيع خمسة أوجهٍ، قدمنا ذكرها.
هذا منتهى البيان في مسألة الكسر لم نغادر فيها ممكناً عندنا، وسنلحق بها مسائل مقصودة في أنفسها، وهي تهذب ما قدمنا ذكره في المسألة المتشعبة.
وقد رأيت للعراقيين في مسألة العبد التي ذكرناها في مقدمة كَسْر الصيد مسلكاً في رجوع الجاني الأول على الجاني الثاني بنصف الأرش بعد تقدير تمام الأرش عليه، لم أُحب ذكره، فإني لم أرَ له ضبطاً من جهة التعليل، وقد جرت مسألة الكسر بيضاءَ نقية، فالوجه الاكتفاء بما ذكرناه.
стр. 9508
فصل
يجمع صوراً في الاشتراك في الصّيد
قال الشافعي ﵁: " ولو رمياه معاً، فقتلاه، كان بينهما نصفين ... إلى آخره " (١).
١١٥٧١ - فنقول: لو رمى رجلان صيداً، نظر: فإن رمياه معاً، انقسم الأمر:
فإن كان جرح أحدهما مذففاً مجهزاً لو انفرد، وجرح الثاني كان لا يزمِن، ولا يذفّف، وتحققنا ذلك من صفة الجرحين، فالصيد لمن جُرحه مذفف؛ فإن الإثبات حصل بجرحه، ولا أثر لجرح الثاني.
وإذا وقع الجرحان معاً كما وصفناه، فالمذفِّف مملِّكٌ ذابح، ولا أثر للثاني في التحريم، وإنما يتعلق به أنه لو جرح (٢) إهاباً أو مزق لحماً، وكان ذلك يؤثر في التنقيص، فلا يجب على الجارح (٣) بذلك الجرح شيء، فإنَّ المسألة مفروضة فيه إذا وقع الجرحان معاً عن غير ترتيبٍ، فيصادف الجرح الذي لم يكن مذففاً [صيداً مباحاً، فاستحال إثبات الضمان عليه.
وإن كان كل واحد من الجرحين مذففاً] (٤) لو انفرد، فالصَّيد مباح، وهو بين الجارحَيْن نصفان، وكذلك لو كان كل جرح مزمناً لو انفرد، فالصيد بينهما، [فإن] (٥) لم يدركاه، فهو حلال بينهما، [وإن أدركاه وذبحاه، فكذلك.
وإن كان أحد الجرحين مزمناً مثل إن كان كاسراً للجناح والثاني كان مذففاً] (٦)، فالصَّيد حلال، وهو بينهما؛ فإن التذفيف إثباتٌ للصّيد مملك لو انفرد، والإزمان
стр. 9509
كذلك مملكٌ لو انفرد، فقد انتسب كل واحد منهما إلى ما يملك، والصَّيد حلال، ولا يتصوّر في [إصابة الجرحين معاً] (١) تحريم يأتي من جهة الجرح.
نعم، قد يفرض تقصير في ترك الذبح، فلا يخفى حكمه، ولا (٢) يختلف الحكم بأن يكون كل واحد من الجرحين مملكاً أو أحدهما مملك. ولو قيل: حصل الإثبات بهما جميعاً، فالصّيد بينهما؛ فإنّهما اشتركا حقّاً في الإثبات، فاتجه التشريك.
١١٥٧٢ - ولو أشكل الأمر؛ فجوزنا أن يكون الإثبات حاصلاً بهما، وجوزنا أن يكون حاصلاً بأحدهما، ثم لم نَدْرِ لو حصل بأحدهما فَبِمَن؟ فإذا التبس الأمر كذلك واعترفا بالالتباس، فالحل لا شك فيه على القواعد الممهدة، والصيد بينهما في ظاهر الحكم. وقد يطرأ في مثل ذلك أن يتحرج كل واحد منهما، ثم يجرّ ذلك وقفاً واصطلاحاً بعد ذلك واستحلالاً، ونظائر هذا كثيرة.
ولو كان أحد الجرحين مذففاً ولا ندري أن الثاني هل أثر في الإزمان والتذفيف؟ نقل (٣) أصحاب القفال عنه أن الصَّيد بينهما، فأُلزم على هذا ما لو تمالأَ رجلان على رجل وجرحه أحدهما جراحة تذفف لو انفردت، وجرحه الثاني جراحة لا يُدرَى هل تذفف لو قدر انفرادها، فهل يجب القصاص عليهما؟ فارتكب وقال: يجب القصاص عليهما، وهذا بعيد، وهو إيجاب القصاص مع الشك والتردّد في الموجِب، فالوجه تخصيص القصاص بمن صدر المذفف منه، وليس كما لو كان كل جرح مذففاً لو انفرد، وذلك بأن يشيرا بسيفيهما معاً، فيحُزّ أحدهما الرقبة، ويقده الثاني بنصفين، ويقع الأمران معاً، فليس أحدهما بالتزام القصاص أولى من الثاني.
ثم إذا ظهر عندنا نفي القصاص عمن شككنا في وجوبه عليه؛ من حيث وجدنا شيئاً نحيل عليه القصاص حقاً، فماذا نقول في مسألة الصيد وأحد الجرحين مذفف والثاني مشكوك فيه؟ هذا عندنا يَجُرُّ تردُّداً أيضاً، ولعلَّ الوجه أن يقال: نصف الصَّيد يسلم
стр. 9510
لمن جرحه مذفف، والثاني يوقف بينهما. وإن عجلنا ولم نقف خلصنا لصاحب الجرح المذفف نصفاً، وجعلنا النصف الثاني بينهما نصفين، فيخلص لأحدهما ثلاثة أرباع الصيد. والعلم عند الله. هذا كله إذا رميا وأصابا معاً.
١١٥٧٣ - فأما إذا ترتب الأمر -والاعتبار بوقوع الجرح في هذا الباب لا بوقت الرمي- فإن وقع جرح أحدهما، ثم وقع بعده جرح الثاني، نُظر: فإن أزمن الأولُ، ثم أصاب الثاني، فهذا جرح ورد على جلد ولحم.
فإن لم يكن الجرح الأول مذفّفاً ولا مُزمناً، وكان الجرح الثاني مذففاً، فالصَّيد للثاني، ولا أثر للجرح الأول في حكمٍ من الأحكام.
وكذلك إن كان الجرح الثاني مزمناً بنفسه، من غير أن نقدر الجرح الأول، فالصَّيد للثاني، وحقه أن يدرك ويذبح إن كانت فيه حياة مستقرة.
ولو جرى الجرحان وترتب الثاني على الأول، وأشكل الأمر، فلم ندر أن الأول أزمن، ثم لحق الثاني وهو غير مذفف، فأفسد الصَّيد، أوْ كان الأول غيرَ مزمن، وكان الثاني مُزمناً، ولو كان كذلك، لم يفسد الصَّيد، فإذا اعتاص الأمر وأشكل، وكان حكم الصَّيد أن يفسد في أحد الاحتمالين، ولا يفسد في الثاني، ففي المسألة طريقان: من أصحابنا من قال: في حِل الصَّيد قولان مبنيان على القولين في مسألة الإصماء والإنماء، ووجه التشبيه أن الصَّيد إذا غاب، فقد تعارض احتمالان في سبب موته: أحدهما - مصلح، والثاني - مفسد، كذلك في مسألتنا. هذه طريقة.
ومن أصحابنا مَن قطع بالتحريم فيما نحن فيه، وفرَّق بين هذه الصورة، وبين صورة الإنماء، وقال: قد وجد في صورة الإنماء جُرح يحال الموت عليه، وإحالة الموت على الجرح السابق أصل في الشريعة، ولم يُوجد في المسألة التي نحن فيها أصل في التحليل، والأصل استبقاء الحظر والتحريم. ثم قال الصَّيدلاني في نصرة طريقة القولين: إنما يأتي الفساد من كون الجرح الأول مُزمناً، والأصل أنه غير مزمن، فليقع البناء على هذا، ولا بأس بما ذكره، ولكن الفقه في الفرق بين المسألتين.
стр. 9511
١١٥٧٤ - ومما يتعلق بصور الفصل أن الجرحين لو وقعا على الترتيب، ولم يزمن الأول، ولم يكن الثاني بحيث لو انفرد لأزمن، فإذا استعقب الثاني الإزمان، فالذي أطلقه الأئمة في الطرق أن الصَّيد للثاني؛ فإنّ جرحه استعقب الإذعان، وذكر الصيدلاني قولاً مخرجاً أن الصَّيد مشترك بينهما، ومن تأمَّل ما قدمناهُ من الفصول وما مهدنا فيها من الأصول، لم يَخْفَ عليه اتجاهُ كون الصَّيد مشتركاً بين الجارحَيْن (١)، والوجه المشهور عن الأصحاب [أن الصَّيد للثاني،] (٢) إذ الجرح الأول أصابه والمصاب صيدٌ بعدُ، فطاح الجرح وسقط أثره، وصادف الجرح الثاني صيداً فأزمنه، فقيل هو للمزمن، والذي سبق وفاقٌ، " ورُبَّ ساع لقاعدٍ " (٣).
ثُمَّ فرَّعوا على ما رأوه المذهبَ، وقطعوا به، فقالوا: إذا جعلنا الصَّيد للثاني كما ذكرناهُ، فلو عاد الأول والمسألة بحالها ورمى الصَّيد مرة أخرى بعد الإزمان، فمات الصَّيد من الجراحات كلها، ولا إجهاز في شيء منها، فعلى الذي رمى أولاً وثالثاً الضمانُ، فإنه برمْيه الثاني -وهو الجرح الثالث - تسبب إلى إفساد الصَّيد، إذ الصَّيد صار مزمَناً بالجرح الثاني.
ثم الكلام في مقدار ما يجب من الضمان، وقد اختلف أصحابنا فيما يجب عليه، وأحسن ترتيب في تأدية الخلاف أن نقول: في وجهٍ يجب على المفسد قيمة الصيد مجروحاً جرحين: الجرح الأول؛ فإنه كان هدراً، والجرح الثاني، فإنه صدر من المثبت المالك.
وفي وجه نقول: يجب على هذا المفسد قسط، ولا يلزمه تمام القيمة. فإن أوجبنا القيمة، فذاك بيّن، وإن أوجبنا قسطاً، ففي التقسيط اختلاف الأصحاب،
стр. 9512
وهذه المسألة تناظر ما إذا جرح مسلم عبداً مرتداً، وأسلم، فجرحه مالكه، ثم عاد الأول وجرحه جراحة أخرى، فمات من الجراحات كلها، وقد ذكرنا طرق الأصحاب في ذلك في آخر الديات من فروع ابن الحداد، وحاصل القول على الإيجاز: أن من أصحابنا من يوزع على الجراحات، وهي ثلاثة، فعلى هذا نوزع في مسألة الصَّيد قيمةَ الصَّيد على الجراحات الثلاث، ونهدر ما يقابل الجرح الأولَ والثاني، ونوجب ما يقابل الجرحَ الثالث، وهو الثلث، فيجب على الذي جَرَحَ أولاً وثالثاً ثُلثَ القيمة.
والوجه الثاني -في مسألة العبد المرتد- أنا نُوزّع القيمة على الجارحَيْن، ولا نتعرض لأعداد الجراحات أولاً، فيقتضي ذلك التنصيفَ، ثم يسقط نصفُ القيمة، وهو ما يقابل الملك، والنصف الآخر موزع على الجرحين، إذ أحدهما في حالة الردّة، فيهدر نصف النصف، ويبقى نصف النصف، وهو الربع، فعلى هذا نقول في الصَّيد: نسقط نصف القيمة مقابلة جرح المالك المثبت للصيد، وننظر في النصف الثاني ونوزّعه على الجرح الأول والثالث، فنهدر ما يقابل الجرح الأول، فإنه أصاب صيداً مباحاً، لا حق لأحد فيه، ونوجب النصف، فيخرج منه إيجاب ربع القيمة.
ثم إذا أوجبنا قسطاً، وقلنا: إنه ثلث، أو ربع، فهل نضم إليه اعتبار الأرش؟ فيه التردد والاضطراب الذي مهدناه في مسألة كسر الصّيد.
١١٥٧٥ - ومما نلحقه بآخر هذا الفصل أمر لا خفاء به، وهو أنه لو رمى الصَّيد رجلان، ثم اختلفا، فقال أحدهما: أنا المزمن، والصَّيد مِلكي، وقال الثاني: بل أنا المزمن، وليقع الفرضُ فيه إذا أُدرك وذبح، فإذا استبهم الأمر، وكان صدق كل واحد منهما ممكناً، فظاهر الأمر أن الصَّيد في أيديهما، [وهما يتنازعان فيه، وهما بمثابة ما لو تنازعا في دار في أيديهما] (١).
стр. 9513
فصل
قال: " ولو رمى طائراً، فجرحه، ثم سقط على الأرض ... إلى آخره " (١).
١١٥٧٦ - إذا رمى طائراً فإن أصاب مذبحه أو جرحه جرحاً مذففاً، فلا تفصيل في سقوطه، فإنه يُذكى في الهواء، فليقع بعد هذا على الأرض، أو على الماء، وقد تمهد الحِلُّ.
فلو لم يذففه الجرح، فسقط ومات بأثر الجرح والصدمة، فقد قال الشافعي:
يَحِلّ؛ فإنَّها ضرورة الاصطياد، وإن ظهر عندنا موته بالجرح والصدمة، وهذا بمثابة ما لو جرح الرجل صيداً، وجَدَّ في طلبه، فلم يدركه إلا بعد الموت، فالصَّيد حلال، وإن أزمنه الجرح ووقع موته في مقدور عليه من غير ذبح، ولكن لما كان وقوع هذا غالباً في الصَّيد، احتُمل، ومبنى الصَّيد على احتمال مثل ذلك فيما يعم وجودُه.
فأما إذا وقع الطائر غيرَ مذفَّف في ماء، أو وقع على جبل، ثم تدهور منه، ولم يزل يتدهور من حجرٍ إلى حجر ويصادمها، فلا نقضي بحِله؛ فإن أمثال هذه الصورة ليس مما يحكم عليه بالغلبة في الوقوع، وإنما يحتمل الخروج عن القياس فيما يعم فيه الحاجة.
هذا ما ذكره الأئمة ﵃، ولو قال قائل: الصَّيد في الجبل ليس من النوادر، ثم وقوع الطير في الجبل على هيئة التدهور ليس نادراً، وكذلك إذا توسّط الرجل البحر، وكان يرمي طير الماء، فلا يبعد السقوط على الماء، فإذا كان كذلك، فيتطرق إلى الصورتين إمكان احتمال ما يجري، ولكن الأصحاب أطلقوا القول، ويمكن أن يظن أنهم قالوه في الأمر الأعم.
ومما ذكروه أنه لو رمى طيراً على رأس شجرة، فانحط منه، وكان يقع من غصن على غصن، فهو حرام، وهذا مما يمكن أن يحكم عليه بالغلبة؛ فإن إصابة الطيور
стр. 9514
على الأشجار أغلب من إصابتها في الهواء، فهذا توجيه الاحتمال، مع تسهيل طريق تأويل كلام الأصحاب، وذلك بعد الوفاء بالنقل على الصحة.
ولو رمى طائراً في الهواء، فلم يجرحه، ولكن كسر جناحه، فسقط ومات، فهو حرام؛ فإنه لم يصبه جرح يحال عليه تأثيرٌ في الموت، والجرح لا بد منه.
ولو أصاب الطائر جرحٌ ضعيف لا يؤثر مثله في الموت، ولكنه عطل جناحه، فإذا وقع على الأرض، فالذي أراه أنه حرام؛ فإن إحالة الموت على الوجبة (١) والصدمة، وذلك الجرح عديمُ الأثر في الموت، والله أعلم.
فرع:
١١٥٧٧ - إذا رمى صيداً بسهم أو غيره، فلم يجرحه، بل قتله بثقله، فهو حرام؛ إذ الجرح لا بد منه، وكذلك لو صار بالثقل إلى حركة المذبوح، فالأمر على ما ذكرناه؛ فإن القطع بعد المصير إلى حركة المذبوح بمثابة القطع بعد سقوط (٢) الحركات، ولو أصاب الصيد طرفٌ من النصل، وجرح، وثقل السهم عليه عرضاً في مرِّه، فحصل الموت بالجرح والثقل، فهو حرام، وهو بمثابة ما لو أصاب الطائر من رجلين [سهم] (٣) وبندقة، وحصل الموت بالثقل والقطع، فهو ميتة لاشتراك المحرِّم والمحلّل في القتل.
وإذا أشكل الأمر، فلم ندر كيف حصل القتل، فالتحريم هو المحكوم به، فإنا تردّدنا في الحِل، وقد جرى السببان، فليس أحدهما أولى بأن يُعتقَد من الثاني، والتحريم أغلب.
وإنما اختلف قول الشافعي في فريسة الكلب إذا ماتت تحته ضغطاً وغمّاً، كما تقدم ذكرها، ومذهب أبي حنيفة (٤) رحمة الله عليه، أنها تحرم، لأنها منخنقة، وقد حرّم الله المنخنقة، كما حرم الموقوذة. والله أعلم.
стр. 9515
فصل
قال: " ومن أحرز صيداً فأفلتَ منه ... إلى آخره " (١).
١١٥٧٨ - هذا الفصل مشتمل على ما يُملَك به الصَّيد، والأصل فيه أنه إذا امتنع [على الصَّيد] (٢) ما به امتناعه عن التطلق والإفلات بسببٍ يُقصد مثله عُرفاً، فيصير الصَّيد ملكاً للصائد، فلو نصب شبكة قصداً، فتعقَّل بها صيدٌ، ملكه، ولو رمى صيداً، فأزمنه، ملكه، ومبنى الملك في المباحات على صورة اليد، وكان قد يظن الظَّانّ أن الملك في الصّيد لا يستقر إلا بإثبات اليد عليه، ولكن إثبات الصَّيد إثباتٌ لليد عليه، والآلة -[إن] (٣) كانت- بمثابة اليد (٤).
هذا قولنا في الأسباب المقصودة.
ولو حاش الرجل صيداً، واضطره إلى مسلك، [فقبض] (٥) عليه مترصّد، فهو ملك القابض، إذا كان للصّيد مسلك ينطلق فيه، وليس كما لو لو أدخله بيتاً؛ فإنه يملكه؛ إذ هو بإدخاله إياه البيتَ سقط امتناعه.
ولو سقى الرجل أرضاً له، أو وقع الماء على أرضه من غير قصده، فتخطى فيها صيدٌ وتوحَّل، وصار مقدوراً عليه، فالذي رأيته للأصحاب أن صاحب الأرض لا يصير مالكاً بما جرى له؛ لأن مثل هذا ليس مما يقصد به الاصطياد، والقصودُ مرعيَّة في أمثال هذه التملّكات. وذكر الصَّيدلاني وجهين: أحدهما - ما ذكرناه وهو الذي اختاره وصحَّحه، والثاني - أن مالك الأرض يملك الصَّيد، كما لو نصب شبكة أو رمى صيداً، فأثبته.
وهذا الاختلاف فيه إذا لم يكن سقي الأرض مما يقصد به توحّل الصيود وتعقله،
стр. 9516
فإن كان ذلك مما يقصد به هذا، فهو بمثابة نصب الشبكة.
والأصل المرعي في ضبط محل الوفاق والخلاف ما قدمناه من كون الشيء مقصوداً في الاصطياد وخروجه عن كونه مقصوداً، فكلّ ما يقصد مثله، فإذا أثبت الصَّيد به ملكه المُثْبت، وما لا يقصد مثله، ولكن اتفق ثبوت الصَّيد به عن وفاق، ففي حصول الملك فيه الخلاف.
١١٥٧٩ - وهذا يتضح بصُور نأتي بها، فلو دخلت ظبيةٌ دار إنسان، ولم يشعر صاحب الدار بها، فاتفق منه إغلاق الباب من غير شعور بالظبية، فمن راعى القصد، حكم بأن الظبية ليست مملوكة لصاحب الدار، ومن لم يُراع القَصْدَ، قضى بأنها مملوكة له؛ إذ لا خلاف أنه لو شعر بالظبية وأغلق البابَ قصداً فيصير مالكا لها.
ولو عشش طائر في ملك إنسان، وباض، وفرخ، فالدُّور لا تُبْنى لذلك، فإذا اتفق ما ذكرناه، فالبيض في العش مقدور عليه من غير تسبب إليه، وكذلك الفرخ مقدور عليه إلى أن ينتهض ويملك جناحيه، فمن راعى القصد، لم يُثبت الملك على البيض [والفرخ، ومن لم يراع القصد، حكم بالملك، ثم بنى عليه أنه إذا طار، فهو ملك صاحب الملك] (١) وهو بمثابة طائر مملوك له يفلت وينحل رباطه، وبمثل هذه الصورة نتبيّن فساد قول من يثبت الملك من غير قصد، فإن الطيور تعشش وتفرخ على الأشجار التي تحويها الحدائق والبساتين، (٢ ثم تملك الفراخُ أجنحتها، وتطير، ولا يخطر لأحد أنها كانت مملوكة لأصحاب البساتين ٢).
ومما يجب الاعتناء بدركه أن من انسلت منه شبكة، وثبتت، ثم اتفق تعقل صيد بها، فهذا يخرج على الخلاف الذي ذكرناه، وهذا يناظر إغلاق الباب على الظبية إذا دخلت الدار؛ فإنّ هذا إن كان عن قصد، فيحصل ملك الظبية، وإن كان عن غير قصد، ففيه الخلاف.
ولا بد من الإحاطة بصورتين في إثبات الملك: إحداهما - أن يتفق ثبوت الصَّيد بما
стр. 9517
يقصد بمثله إثباته، ولكن يحصل ذلك السبب من غير قصد إليه، كما ذكرناه من إغلاق الباب من غير شعور بكون الصَّيد في الدار، ومن ذلك انسلال الشبكة من مالكها من حيث لا يشعر وثبوتُها في مَدْرجة الصيود، وقد ذكرنا أن الصيد لو ثبت بما لا يقصد بمثله إثباته، فهل يقضى بالملك فيه؟ فعلى الخلاف. والصورة التي جدّدناها الآن من إغلاق الباب وانسلال الشبكة من غير قصد، فالخلاف يجري فيها، ولكنا نرى أن نُرتّب هذه الصورة على ما إذا ثبت الصيد نادراً بما لا يقصد إثباته.
والصورة الثانية - أن السبب إذا كان لا يقصد بمثله إثبات الصيود، وسبب ذلك أنه يبعد ثبوت الصّيود به، فلو قصد به الإثبات، فثبت، فقد أجرى الأصحاب الخلاف في هذه الصورة أيضاً، وسبب جريان الخلاف أن القصد فيه لا يصح؛ فإذا ضعف القصد، جرى الخلاف، وحق هذه الصورة أن ترتب على ما إذا اتفق الثبوت على الندور من غير توجه قصد إليه، فهذا ما أردنا أن نوضّحه.
١١٥٨٥ - ثم تمام التفريع في ذلك أنا إن قلنا: لا يحصل الملك في الصّيد، فقد قال الأصحاب: صاحب الملك أولى به، وعَنَوْا به أنه ليس للغير تخطي ملكه والتوصّل إلى الصَّيد، فلو أخذه آخذٌ، فهل يملكه؟ فيه تردد مأخوذٌ من قول الأصحاب، وهو عندنا قريب المأخذ مما لو تحجّر الرجل مواتاً ليُحْييَه- فابتدر البقعة مبتدرٌ وأحياها، ففي تملكه وقد تم الإحياء خلافٌ قدمتُه في كتاب إحياء الموات، ووراء هذا نظر عندي؛ فإنَّ المتحجّر قصد بالتحجّر أن يتملك، فكان حقه آكد والذي حصل الصيد في ملكه لم يقصد تنجيز تملكه، ولا التسبب إليه؛ [فكان الحكم لآخذ الصّيد بالملك أقربَ هاهنا] (١) والله أعلم.
وسأذكر صورة تنطبق على التحجّر، فأقول: إذا دخلت سمكة في بركة إنسان، فإن كانت البركة ضيقة وقد سَدَّ صاحبها بعد الشعور بالسمكة مَثْعبيها (٢)، وصارت السمكة منحصرة في مضيق بحيث يسهل أخذها، فهي مملوكة لصاحب البركة؛ فإنه
стр. 9518
تسبب إلى ضبط السمكة بمسلك معتاد. ولو كانت البركة واسعة، وقد سد المنفذين، ولكن أخذ السمكة من البركة فيه عسرٌ لاتّساع البركة، فلا نحكم له بالملك في السمكة، إن لم يوجد فيها ما يضبطها. ولكن إذا استفتح التوصل إلى أخذها، وقد سدَّ المنافذ، فقد حصل فيها نوعٌ من الانحصار، فهذا الآن يُضاهي [صورة التحجّر، و] (١) فرْض الإحياء من غير التحجّر.
ومن دخل بستان إنسانٍ واصطاد فيه طائراً ممتنعاً، فلا خلاف أنه يملكه؛ لأن البُستان لم يَتَضمَّن ضبطاً للطائر، وليس اقتناؤه تسبّباً إلى الضبط، وما ذكرناه من التردد في صيد منضبط في ملك إنسان بجهةٍ لا يقصد بمثلها الضبط.
فرع:
١١٥٨١ - إذا أفلت من إنسان طائر مملوك له، لم يخرج عن ملكه بالإفلات، ولو حرّره قصداً، وحاول بذلك رفعَ اختصاصه به عنه، ورَدَّه إلى ما كان عليه من الإباحة قبل الاصطياد، فالذي ذهب إليه المحققون أن الملك لا يزول عنه، وذكر شيخي وغيره من الأئمة وجهاً آخر أن الملك يزول عنه، ويعود الصّيد كما كان؛ فإن سبب ملكه اليد، فإذا قطع اليدَ وأعرض عنها، أمكن أن يقال: عاد كما كان، وهذا ضعيف، وإن كان مشهوراً [في الحكاية] (٢).
ولو ألقى كِسرة خبز، وأعرض عنها، فأخذها عاثر عليها، فهل يملكها؟ ذكر الأصحاب في ذلك خلافاً، ورتّبوه على مسألة الصيد، وقالوا: [الأولى] (٣) في هذه الصورة ألا يحصل الملك للقابض؛ فإنه يخالف الصَّيد، من حيث إن سبب الملك في الصّيد اليدُ، وقد أزالها قصداً.
وتمام البيان في هذا أن ما فعله إباحةٌ للطاعم في ظاهر المذهب؛ فإن القرائن الظاهرة كافية في الإباحة، ولكن إن رام الآخذ تملكاً، ففي ثبوت الملك ما ذكرناه.
ولو ألقى الرجل إهاب ميتة غيرَ مدبوغ، وأعرض عنه، فأخذه آخذ ودبغه، ففي ثبوت الملك له وجهان مرتبان على الخلاف في كسرة الخبز، وهذه الصورة الأخيرة
стр. 9519
أولى بأن يحصل الملك فيها للآخذ، فإن الأعراض يقوى عما ليس بملك، وتملك الدابغ يقوى على حسب قوة إعراض المعرض.
فصل
قال: " ولو تحوّل من برجِ إلى بُرجِ ... إلى آخره " (١).
١١٥٨٢ - إذا تحوّلت حمام من بُرجٍ، وهي مملوكة له إلى بُرجِ آخرَ (٢) مملوكة (٣) للغير، واختلط الحمام بالحمام، فليس للمالكَيْن أن يتهجما على التصرف مع اختلاط الملكين، والمسألة في الاشتباه وعُسْر التمييز، فإن باع أحدهما حمامة من صاحبه، أو وهبها منه، فالبيع والهبة خارجان عن القياس المرعي في بابهما، ولكن إذا عسر التمييز، وامتنعت القسمة، وانحسم التصرف، فهل يصح التمليك بالبيع والهبة للضرورة الداعية؟ فعلى وجهين: أحدهما - يصح لأنا قد نرفع التعبدات بالإعلام عند تعذره، ولذلك صححنا الجعالة والقراض، ومعاملاتٍ سواهما مشتملة على ضروب من الجهالة.
ولو باعا الحمام المختلطة، وهما لا يدريان أعيان ما لكل واحد منهما من الحمام؛ فإن كانت متساويةَ القيمة، وكانت الأعداد معلومة لكل واحد منهما، مثل إن كان لهذا مائة، ولهذا مائتان، فإذا اتفقا على بيع الحمام وتوزيع الثمن على الأعداد، فقد أطبق الأئمة على تصحيح ذلك، ووجهه بيّن.
وإن كان يجهل كل واحد منهما الأعداد التي هو مالكها، فإذا باعا الحمام المختلطة، فالوجه عندي الحكم بفساد البيع؛ فإن الصّفقة تتعدّد بتعدد البائعَيْن، ولا يدري واحد منهما ما يستحقه من الثمن؛ وإزالة الجهالة متعذّرة، وقد ينشأ من ذلك وجه في جواز البيع، والعلم عند الله تعالى.
стр. 9520
ولكنّ السّبيل فيه أن يقول كل واحد منهما: بعتك الحمام التي (١) في هذا البرج بكذا، فيكون الثمن معلوماً، وعدد الحمام مجهولاً، فيُحْتَمل الجهل في المبيع للضرورة؛ إذ لا سبيل إلى دفعه. ولو قالا: بعنا منك الحمام بكذا، فهذا ما لا أرى تصحيحه؛ فإنَّ دفْع الجهل عن الثمن بالطريقة التي ذكرتُها ممكن، فلا معنى لاحتمال جهل لا تلجىء إليه الضرورة.
١١٥٨٣ - ثم قال الأئمة: إذا أفلتت حمامة أو حمامات معدودة، واختلطت بحمام [ناحية] (٢) وكانت مباحة للصائدين، فلا يحرم الاصطياد على أهل الناحية بسبب اختلاط حمامة أو حمامات معدودات؛ فإن حمام الناحية فيما نُصوّره ليست متناهية، ولا يتغير حكم ما لا يتناهى باختلاط ما يتناهى به، وهذا يناظر التباسَ أخت الإنسان من الرضاعة بنسوة لا يحصين؛ فإنه إذا اتفق ذلك، لم ينسدّ على الإنسان بابُ التزوج، مع ابتناء الأمر في الأبضاع على التغليظ.
والذي ذكرناه مفروض في اختلاط حمام محصورة بحمام غير محصورة.
ولو انتقلت حمامة أبراج مملوكة من بلدة إلى أخرى، فهذا في حكم اختلاط ما لا ينحصر بما لا ينحصر، والتصوير فيه إذا كان الحصر متعذراً، وإذا اختلطت المملوكات التي يتعذر حصرها بالمباحات التي يتعذر حصرها، ففي كلام الأئمة تردد في ذلك؛ فإن ما لا ينحصر بالإضافة إلى ما لا ينحصر كما ينحصر بالإضافة إلى ما ينحصر.
هذا وجهٌ.
ويجوز أن يقال: لا ينحسم باب الاصطياد في المباحات التي لا حصر لها استصحاباً لما كان، وهذا ما إليه صغو معظم الأصحاب، والأقيس الأول. [وقد نجز ما أردناه في ذلك] (٣).
стр. 9521
١١٥٨٤ - ثم ذكر الشافعي ﵁ فريسة السبع، إذا انتهينا إليها، وبنى الأمر على أنا إذا صادفناها واستلبناها من السبع، وهي في حركة المذبوح، فهي ميتة، وإن كانت فيها حياة مستقرة، فذبحناها، حلّت، وهذا مما تكرر مراراً في أحكامٍ، والمزني لما حكى ما ذكرناه، ظنّ أنّ الشافعي ﵁ أثبت الذبح وإن كانت الفريسة في حركة المذبوح، فأخذ يعترض، والأمر على خلاف ما ظن؛ فإنه إنما أثبت الذبح إذا كان في الفريسة حياة مستقرة.
فصل
في الحيوانات البحرية
١١٥٨٥ - وحق هذا الفصل أن يذكر في الأطعمة عند تفصيل ما يحل وما يحرم، ولكن جرى رسم الأئمة بذكره هاهنا، فنتأسى بهم، ونقول: أما السمك فميتته حلال بكل حالٍ، سواء مات طافياً أو راسباً، أو مات بسبب أو غير سبب، فلا نشترط في إماتة السمكة تسبباً، ولا نشترط في موته سبباً ظاهراً، خلافاً لأبي حنيفة (١) ﵁، والمعتمد عندنا ما روي عن النبي صلوات الله عليه أنه قال: " أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان السمك والجراد والدمان الطحال والكبد " (٢).
ولو اقتطع رجل فلذة من سمكةٍ حيةٍ، فلا شك أن ذلك غير سائغ؛ فإنه في معنى التعذيب، ثم لو جرى ذلك، فالمذهب تحليل تلك الفِلْذة؛ فإن الذي يُحرّم المقطوعَ من الحيوان أن ما أبين من الحي فهو ميتة، وميتة السمكة حلال.
стр. 9522
ولو بلع سمكة حية، فالمذهب أنها حلال. ومن أصحابنا من حرم ذلك، وجعل الموت في السمكة بمثابة الذكاة في الذكية من الحيوانات البرية، وإذا بان أنا لا نحرمها وهي حية، فإن مست حاجة إلى بلعها، فلا حرج، وإن لم تكن حاجة فبلعها حية، فهو من تعذيب الحيوان، فالأصح منع ذلك، ومن أصحابنا من أحلّه، ولم يجعل لحياة السمك حكماً، وكأنها ميتة في نفسها.
واختلف أئمتنا في نجاسة خُرئها ودمها، وسبب الاختلاف تمييز السمكة عن الحيوانات لحل ميتتها.
هذا قولنا في السمك.
١١٥٨٦ - فأما ما عدا السمك من حيوانات البحر، فللشافعي أولاً قول غريب: أن شيئاً منها لا يحل، إذا كان اسم السمك لا يتناولها، وهذا قول غريب ضعيف، في حكم المرجوع عنه، ولا نرجع إليه، والمذهب [أنها تحلّ] (١) على تفصيلٍ نذكره في حيوانات البحر سوى السمك.
ثم الترتيب المرتضى فيه أنها منقسمة إلى ماله نظير في البر، وإلى ما لا نظير له: فإن لم يكن له نظير في البر لا مما يحل ولا مما يحرم، فهوحلال في نفسه، ويشهد له أن طائفة من أصحاب رسول الله ﷺ قفلوا من بعض الغزوات، فأصابهم المجاعة، واشتد بهم الأمر، وكانوا يأكلون الخَبَط (٢)، حتى تقرّحت أشداقهم، وكانوا على سِيف البحر، فلفظ البحر حيواناً عظيماً يُسمى العنبر، فأكلوا منه زمناً، وتَزَوَّدُوا منه، ثم قدِموا على رسول الله ﷺ ، وأخبروه، فلم يُنكر عليهم، وقال: " هلا حملتم لي منه " (٣) هذا في الحيوان الذي لا نظير له.
стр. 9523
ثم إذا أحللناه، ففي اشتراط ذبحه قولان: أحدهما - أنا نشترط ذبحه قياساً على سائر الحيوانات البرية، وحلُّ ميتة السمك مستثنى عن القياس بحكم الخبر، فلا مزيد عليه.
والقول الثاني - أنا لا نشترط الذبح اعتباراً بالسمك؛ فإنه يساوي السمك في القرب من حالة الذبح (١) كما (٢) أُخرج من البحر، ولعل السبب المُحِل لميتة السمك أن الوصول إلى السمك وهو في الماء عسر، بخلاف الصُّيود البرية، فإذا هي اصطيدت وأخرجت من الماء، اضطربت اضطراب المذبوح، [وهذا المعنى] (٣) يتحقق فيما عدا السمك.
فأما الحيوانات التي لها نظير في البر، فهي منقسمة: فمنها ما نظيره حلال في البر، فهو حلال في البحر، والقولان جاريان في اشتراط ذبحه، وتحليل ميتته.
وإن كان نظيره في البر حراماً ككلب الماء، وخنزير الماء، ففي حل هذه الأجناس قولان: أحدهما - أنها محرمة ككلب البر وخنزير البر؛ فإنّ أقصى ما يُتَعلَّق به الاشتباهُ في هذا [المحل] (٤)، ثم أقرب مسالك الاشتباه الخِلقة، فإذا شابه ما ذكرناه الكلبَ أو الخنزير، وجب القضاء بتحريمه. والقول الثاني - أنه يحلّ؛ فإنه ليس كلباً ولا خنزيراً.
ثم إن قلنا: إنه يحلّ، فهل نشترط الذبح؟ فعلى القولين المقدمين. قال الأئمة: القولان في اشتراط الذبح مبنيان على أن جميع حيوانات البحر هل تدخل تحت اسم السمك أم لا؟ فإن قلنا: إنها سمك، وإن اختلفت صورها، حلت، ولم يشترط ذبحها، وإن قلنا: لا تدخل تحت اسم السمك، ففي حلها التفصيل المقدم.
ثم هل يشترط الذبح فيما يحلّ أم يحل ميتتها من غير ذبح؟ فعلى ما قدمنا.
وكل ذلك في الحيوانات المائية، وهي التي لا عيش لها في البر.
стр. 9524
١١٥٨٧ - فأما ما يعيش في البر والبحر كالضفدع والسرطان، فالمذهب التحريم؛ قال الشافعي: هما من مستخبثات العرب. وقيل: حضر الشافعي مجلساً، فذكر بعض الحاضرين من مذهب ابن أبي ليلى أنه أباح الضفدع والسرطان، فأخذ الشافعي ينصر مذهبه، وذكر صاحب التقريب أن من أصحابنا من عَدَّ هذا قولاً للشافعي ﵁ (١).
...
стр. 9525
كتاب الضحايا (١)
١١٥٨٨ - الأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢]، وقال ﷺ : " عظموا ضحاياكم، فإنها على الصراط مطاياكم " (٢). واتفق المسلمون على أن التضحية من الشعائر البيّنة، والقُربات الأكيدة، واختلف العلماء في وجوبها، فمذهبنا أنها سُنة مؤكدة، وليست واجبة إلاّ بنذر والتزام، على ما سيأتي تفصيل ذلك في أثناء الكتاب، إن شاء الله تعالى.
١١٥٨٩ - ثم إن الشافعي صدر الكتاب بما يستحبُّه للعازم على التضحية، فقال: " ينبغي لمن يريد التضحية ألا يأخذ من شعره وظفره شيئاً في عشر ذي الحجة " واختلف الأصحاب في تعليل ذلك، فقال قائلون: سبب هذا التشبُّهُ بالمحرمين؛ فإنهم الأصلُ، وهم أصحاب الهدايا والقرابين.
وهذا غيرُ سديد؛ فإنا لا نأمر العازم أن يجتنب الطيب ولبس المخيط، فتبيّن فسادُ هذا الاعتبار، ومن أصحابنا من قال: سبب ذلك أن التضحية في مشهور الأخبار سببٌ في استجلاب الغفران والعتق من النار، قال رسول الله ﷺ لمن