← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9856

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز

الفيروزآبادي

Полный текст (2 804 стр.). Показаны 2766–2804 · переход к 2771.

стр. 2766

فى الرِسّالة: لم يكن الخَضِر نبيّاً وإِنَّما كان وَلِيّاً. وقال قاضى القضاة الماوَرْدِىّ فى تفسيره: "قيل: هو وَلِىٌّ، وقيل: نَبىٌّ، وقيل: من الملائكة، وهذا الثالث غريبٌ ضعيف أَو باطلٌ. وفى صحيح مسلم فى حديث الدَّجَّال أَنَّه يَقتل رَجُلاً ثمّ يُحْييه، قال إِبراهيم بن سُفْيان صاحب مُسْلِم: يقال إِنَّ ذلك الرّجلَ هو الخَضِر. وكذا قال مَعْمَرٌ: إِنَّه يقال إِنَّه الخَضِر. وقال الثَّعْلَبِىّ: اختلفوا فى أَنّ الخضر كان فى زَمَن إِبراهيم الخليل أَو بعده بقليل أَو بكثير، ثم قال: والخضر على جميع الأَقوال نبىٌّ مُعَمَّرٌ محجوبٌ عن الأَبصار. قال: وقيل إِنَّه لا يمُوتُ إِلاَّ فى آخر الزمان حِينَ يُرْفع القرآن. وقيل: إِنّ الخضرَ على طبع الناس / إِنسىٌّ مَلَكىٌّ، أَرْضِىٌّ سماوىّ، موكَّل على البحارِ لِغْوث الغريق، مستغن عن الطعام والشَّراب، وفى الشريعة والعِبادة موافق لأُمّة النبىّ ﷺ ، ويعتكف فى شَهر رمضان هو وإِلياس فى الجامع الأَقصى من بيت المقْدِس، ويحضرانِ عرفةَ مع الحاجّ، ويجتمعان فى السّنة مرتين: مرة فى الحج، ومرّة فى أَيّام الاعتكاف. ولمّا قال لموسى ﴿هاذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ واضطر موسى إِلى المفارقة قال له: يا نبىَّ الله أَوْصِنى. فقال: كن بشَّاشاً ولا تكن غَضّاباً، وكن نافِعاً ولا تكن ضاراً، وانْزِعْ عن اللَّجاجة، ولا تَمْشِ فى غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تُعيِّر الخَطَّائِين بخَطاياهُم، وابْكِ على خطيئتك يا بْن عِمْران. قال بعضهم: تَعاوَنْ فى التُّقَى والبِّر (م) فى أَوْقات إِمْكان صدِيقُ الخَيْرِ والصِدِيق عِند الله سِيّان قَرينُ الشَرِّ بالإِجْماع مِنْ أَقْران هامانِ [وصديق] الصِّدْق مَقْرُنٌ ... كخِضْر وابن عِمْران

стр. 2767

بصيرة فى ذكر الياس ﵇ وإِلياس اسم أَعجمىّ كسائر أَشكاله، لا مجال للعربية فيه، وإِلْياسِين المذكور فى التَّنزيل إِشارة إِلى إِلْياس وأَتباعه، والَّذى يقرأُ آل ياسين المُراد إِلْياس وأَتْباعه أَيضاً لأَن نسبه: إِلْياس بن ياسِين بن فِنْحاص بن عيْزار بن هارُون بن عِمْران، وقيل: آل ياسِين المراد به آلُ المصطفى ﷺ ، ولكن فيه ضعف من حيث المعنى، فإِنَّه لا مناسبة بينه وبين ما قبله. وكان إِلْياسُ من أَنبياء بنى إِسرائيل، أرسل إِلى قوم كانوا ببعْلَبَكَّ، وكانوا يعبدون صنماً سمَّوْه بَعْلاً. وبلغ قومُه فى إِيذائه وجفائه الغايةَ، وعاقبهم الله تعالى أَنواعاً من العقوبة، وكانوا يلْجؤون إِلى إِلْياس، فكان يسأَلُ الله لهم العفْو فيأتيهم الفَرجُ بدُعائه إِلى أَن ملّ إِلياسُ من أَذاهُمْ ونَقْضِ عهْدِهم، فتضرّع إِلى الله تعالى وسأَله الخلاص من مُقاساتهِم فأَذِنَ له فى مفارقَتِهم، وسلبه شهوةَ الطَّعام والشراب حتى يطَّبع كطَبْع المَلَك، فصار إِنسيّاً مَلَكِيّاً أَرْضِيّاً سماوِيّاً، شرقيّاً غَرْبِيّاً، برِّيّاً، مثل أَخيه الخَضِر. وقد دعاه الله تعالى فى القرآن بخمسة أَسماءٍ: مُؤْمِنٌ ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين﴾ ، مُحْسِنٌ ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ ، إِلْياسِين ﴿سَلاَمٌ على إِلْ يَاسِينَ﴾ ، إِلْياسٌ ومُرْسَلٌ، ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المرسلين﴾ . قال: يا منْ تنزّه عن صِفاتِ النَّاسِ ... يا منْ بلذَّةِ ذِكْرِه اسْتِئْناسِى ما كُنْتُ للذِّكرَى زماناً ناسِى ... فى ذِكْرِكم قد مِلْتُ نحو الْياسِ

стр. 2768

بصيرة فى ذكر اليسع ﵇ وهو اسمٌ أَعجمىٌّ ممنوعٌ من الصّرف، وقيل عربىّ وزنه لفع وكان فى الأَصل يسْعى، وقيل: وزنه يَعَلُ وكان فى الأَصل يوْسع، وقيل: وزنه فَعَل والياء من أَصل الكلمة. وقيل له يَسَعُ لِسَعَةِ عِلمه، أَو لسعْيه فى طلب الحقّ وطاعته. ويَسَعُ كان خليفة إِلْياس. ولمّا خرج إِلْياس من بين الناس وركب المركب الَّذى بعثه الله تعالى له كان يَسَعُ معه، فلمّا رأَى المركب ارتفع فى الهواء علم أَنَّه آخر عهده به، فقال: يا إِلْياس بِمَ تأَمرنى؟ وكان معه كساء فطرحه إِليه، فعلم أَنَّه جعله ولىَّ عهده، فاشتغل بدعوة قوم / إِلْياس. وقام بشرائط شرعه. وذكر الله تعالى الْيسَعَ فى التنزيل مع جملة الأَنْبِياء: ﴿واليسع وَذَا الكفل وَكُلٌّ مِّنَ الأخيار﴾ .

стр. 2769

بصيرة فى ذكر ذى الكفل اختُلِفَ فيه، كان نَبيّاً أو وَليّاً، فقيل: كان عبداً صالحاً يَكْفل بَعَملِ عبد صالحٍ، وقيل كان نائبَ نَبىٍّ، ولمّا خرج ذلك النبىّ من بين قَوْمه أَوْصَى إِليه، ووصّاه بقيام اللَّيل وصيام النَّهار، والعدل فى الحكم بالحق بين الأمّة. وقيل: بل كان نبيّاً ونائب نبىّ بأَن يَدْعُوَ الخَلْق إِلى الحقّ ويُعينَهم على الحق، فلما قام بذلك حَقَّ القيام وصَبَر على مُعاناة الخَلْقِ ومُقاساتهم، ذَكره الله تعالى فى جُمْلة المُرْسَلين، وعَدَّه من الأَنبياء الصّابرِين، فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل كُلٌّ مِّنَ الصابرين﴾ ، ثمّ ذكره مع الكُمَّل الخيِّرين فقال: ﴿وَذَا الكفل وَكُلٌّ مِّنَ الأخيار﴾ .

стр. 2770

بصيرة فى ذكر عزير ﵇ وعُزَيْرٌ اسمٌ عبْرانىّ على زِنَة فُعَيْل وليس بتَصْغير شَئْ، بل هكذا موضوعٌ، وفى لغتهم لهذا الاسم اشتقاقات كثيرةٌ نحو: عازَر، وَعَيْزَر، وعَيْزار، وعُزَيْر. وعازُوراء. وكان عُزَيْرٌ من أَنبياء بنى إِسرائيل، وكان فى زمن بُخْتَنصّر فهرَب منه وساح، فمرّ على بيت المقدس وكان بختنصّر قد خرّبه، فتعجّب من خَرابه، وجرى على لسانه أَنّى يُحْيِى هذه الله بَعْدَ مَوْتها، فقبض الله تعالى رُوحَه على سبيل التأدِيب والتَّهْذِيب، وأَحياه بعد مائةِ سنة على ما هو مذكور فى القرآن والقَصَص، ثمّ صارت حياته بعد موته سبباً لضلال قَوْمٍ جُهّالٍ حتى سَمَّوْه ابنَ اللهِ، كما قال تعالى ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله﴾ وفى الأَثر: "أَوحى الله تعالى إِلى عُزَيْرٍ إِذا عَصانى مَنْ عَرَفَنِى سَلَّطْت عليه من لا يَعْرِفُنى". قال: تَأَهَّبْ لِلمَنِيّة وانْوِ خَيْرا ... فلَيْس اللهُ يَأْخُذُ فيكَ غَيْرا فإِنّ الله يُحْيى كُلَّ شَخْصٍ ... كما أَحْيَا بقُدْرَته عُزَيْرا

стр. 2771

بصيرة فى ذكر طالوت وهو اسمٌ أَعجمىّ لُقِّب به، وكان اسمه فى الأَصل سارا وقيل ساوا، فقيل له: طالُوت لطول قامَته. ومعنى طالوت فى اللُّغة العِبْرِية طَوِيلٌ. وكان مَلِكَ بنى إِسرائيل، وكان صفَّى أَشمويل وخاصَّته، وخصّه الله تعالى بزيادة بَسْطة فى العِلْم والجِسْم. وبسببه انتقل تابوت آدمَ الَّذى كان مِيراثَ إِسرائيل وإِسماعيل من العَمالِقة إِلى بَنِى إِسرائيل. وأَجرى الله تعالَى نهر الأُرْدُنِّ بسبب تجربة قومه وابتلائهم، وأَهلك الله جالوتَ الجبّارَ وثلثمائة وثلاثة عشر نفراً من أَصحابه، وأَعْدَمَهُمْ بالقتل والقهر على يَدَىْ داوُد نُصْرةً لطالوت. وذكره الله تعالى فى موضعين من كتابه العزيز: قال تعالى ﴿إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾ ، ثم قال لإِظهار كرامته: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود﴾ ، ثم قال بيانا لخاتمة أَمره وأَمرِ المؤمنين ونَصْرهم، وخاتمة أَمرِ أَعدائه من الكافرين وهزيمتهم وقهرهم: ﴿وانصرنا عَلَى القوم الكافرين * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله﴾ .

стр. 2772

بصيرة فى ذكر داود ﵇ ودَاوُدُ اسمٌ أَعجمىٌّ ممنوع من الصّرف، وقيل: داوُدُ معناه قصير العمر، وكان داود أَقصر الأَنبياء عُمْراً، وقيل: معناه داوى جُرحَه بوْدّ. وقيل: إِنّما سُمّىَ داود لأَنَّه داوَى الذُّنوب بوُدّه الودود، وقيل داوَى ذَنْبَه ووَدَّ رَبَّه. وهو أَبو سُلَيْمان / داوُد ابن إِيْشا بهمزة مكسورة ومثنَّاة تحتيّة ساكنة بعدها شين معجمة وأَلف. وقد تظاهرت الآيات والأَحاديث الصّحيحة على عِظَم فضل الله تعالى عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المؤمنين﴾ وقال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث﴾ الآيات، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ والطير وَأَلَنَّا لَهُ الحديد﴾ . وقال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ * ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ الآيات، وقال تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ الله الملك والحكمة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ﴾ وقال تعالى: ﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيد إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق * والطير مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ وقال تعالى: ﴿اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ ، ﴿كُلاًّ هَدَيْنَا﴾ إِلى قوله ﴿دَاوُودَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ ، ﴿إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ﴾ ، ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ . وفى الأثر "إِنّ داودَ كان يقول فى مُناجاته: إِلهى أَتَيْت أَطباء عبادِك لِيُداوُونى

стр. 2773

وكلُّهم عَلَيْك دَلَّونى". وفى الصّحيحين: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ الصّيام إِلى الله صِيامُ داوُدَ، كان يصوم يوما ويُفْطِرُ يوما، وأَحبُّ الصّلاة إِلى الله صَلاةُ داوُدَ، كان يَنام نصفَ اللَّيْل ويَقُوم ثُلُثَه، وَينام سُدُسَه"، وقال ﷺ لأَبى مُوسَى الأَشعرىّ: "لو رَأَيْتَنِى وأَنا أَسْتَمِع قِراءتَك البارِحَة لَقَدْ أُوتيتَ مِزْماراً من مَزامِير آل داوُدَ". وعند البخارىّ قال ﷺ : "خُفَّف على داوُدَ القرآن فكان يأْمُرُ بدوَابِّهِ أَن تُسْرَج فَيقْرَأَه قبل أَن تُسْرَج دَوَابُّهُ، وكان لا يأْكل إِلاَّ من عَمَل يَدَيْه"، المُراد بالقرآن الزَّبور. وعن أَبى الَّدرْداء يرفعه: "كان من دُعاءِ داودَ الَّلهم إِنىّ أَسأَلُكَ حُبَّكَ وحُبَّ مَنْ يُحبّك، والعَمْلَ الَّذى يُبَلِّغنى حُبَّك، الَّلهُمّ اجعل حُبَّكَ أَحَبَّ إِلىّ من نَفْسى وأَهْلِى ومن الماء البارِد". وكان رسول الله ﷺ إِذا ذَكَر داودَ قال: "كان أَعْبَدَ البَشَر" حسّنه الترمذىّ. وعن الفُضَيْلِ بن عِياض قال: قال داود: إِلهى كنْ لابْنِى سُلَيْمان كما كُنتَ لى، يكن لك كما كنت لك. قال العلماء: لمّا استُشْهِد طالوتُ أَعطت بنو إِسرائيل داودَ خزائنَ طالوت ومَلَّكوه على أنفسهم، وذلك بعد قتل جالوتَ بسبع سِنين، ولم يجتمِع بنو إِسرائيل [بعد يوشعَ ابن نون] على ملِك إِلاَّ داوُدَ. قال كعبُ بنُ مُنَبّه. كان داودُ أَحْمَرَ الوَجْه سَبْطَ الرَأْسِ، أَبيضَ الجِسْم، طويل اللِّحية، فيها جعودة، حَسَنَ الصَوت والخَلْق، طاهر القلب. وقال: وممّا أُعْطِىَ من الفضائل والخصائص الزَّبُورُ وحُسْنُ الصّوت، فلم يُعْطَ أَحدٌ مثل صَوْته. وحكى من آثارِ صوتِه أَشياء عجيبة حتَّى إِنّ وحوش الصّحراءِ وطُيُور الهواء وسُكّان الأَرض والسّماء كانوا يَطْرَبُون لسماع صَوْتِه / ويَتَلَذَّذُون بِحُسْنِ أَلْحانِهِ؛ ومنها تَسْخِير الجِبال والطَّير للتَّسبيح

стр. 2774

معه، ومنها الحِكْمَةُ وفَصْلُ الخطاب، قيل: معرفة الأَحكام وإِيقانُها وتسهيلها، وقيل: بيانُ الكلام، وقيل: قوله أمّا بعد، وقيل: الشُّهودُ والأَيمْان؛ ومنها السّلسلة المشهورة؛ ومنها القُوَّة فى العِبادة والمُجاهَدَة؛ ومنها قوّةُ المُلْكِ وتمكينه؛ ومنها قُوّة بَدَنِه وشجاعةُ قلبه؛ ومنها إِلانَةُ الحديد، ومنها صَنْعَةُ الَّلبُوس الباقى إِلى يوم القيامة تُجاهِدُون بهِ الغُزاة فى سبيل الله. قال أَهل التاريخ: كان عُمْرُ داودَ مائةَ سنة، مُدّة ملكه منها أَربعون سنة. صلوات الله على نبيِّنا وعليه. قال بعضهم: الله رازقُنا بالفَضْلِ والجُودِ ... فاسْتَغْنِ فى جُودِهِ عن كلّ مَوْجُودِ نحن العبيد سِراعٌ فى عِبادَتِه ... بلا اعْتِراض على تقْدِير مَعْبُودِ فاطلب مَبَرَّتَه وامْدُدْ مَوَدَّتَه ... وانْظُر إِلى عَبْده ذِى الأَيْدِ دَاوُد

стр. 2775

بصيرة فى ذكر سليمان ﵇ وسليمانُ اسمٌ أَعجمىّ غير منصرف، وقيل مشتقٌّ من السَّلامة، سمّى به لاستسلام أَعدائه له، ولسلامته من غوائلهم. وفى بعض الأَخبار أَنَّ النمل قال: أَتدرى لمَ سُمِّيت سليمان؟ قال: لا. قال: معناه يا سُلَيْم آنَ لَكَ أَنْ تَتُوبَ. وكان فى الأَصل يا سليم فَخُفِّفَ. ودعاه الله فى التنزيل بأَحدَ عَشَر اسماً تصريحاً وتعريضاً: مُفَضَّلٌ ﴿الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا﴾ ، مُعَلّم ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير﴾ ، ضاحِكٌ ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً﴾ ، شاكِرٌ ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ ، صالح ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين﴾ ، ناظِر ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ، مَلِك ﴿إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً﴾ ، مُتَفَقِّد ﴿وَتَفَقَّدَ الطير﴾ ، حاكِمٌ ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ ، فَهِيمٌ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ، عَبْدٌ وأَوّابٌ ﴿نِعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ، مُنِيبٌ ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ ، مَوْهوبٌ وسُلَيْمان ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ . وذكره الله تعالى فى التَّنْزيل فى خمسةَ عَشَر موضعا باسمه، غير المكرّر: ﴿كُلاًّ هَدَيْنَا﴾ إِلى قوله: ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ ، ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث﴾ ، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً﴾ ، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ ، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً﴾ ، ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ ، ﴿وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ

стр. 2776

جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس﴾ ، ﴿لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ ، ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمان الرحيم﴾ ، ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ﴾ ، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ ، ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ ، ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ ، ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ . قال الثَّعْلبىّ وورث سليمانُ داودَ أَى نُبُوَّتَه وعِلْمَه وحكمته دون سائر أَولاد داود. قال: وكان لداود اثنَا عشرَ ابنا. وكان سليمان ملك الشام إِلى اصْطَخْر، وقيل: ملك الأَرض. وقد رُوِى عن ابن عبّاس رضى الله عنهما قال: مَلَكَ الأَرضَ مُؤْمنان سليمانُ وذو القَرْنَيْن، وكافران نُمْروذ وبُخْتَنَصَّر. وقال كعبٌ وابن منبّه: كان سليكان أَبيضَ جسيما وسيما وَضَّاءً جميلا خاشعاً متواضعاً، يلبس الثبابَ البيض، ويُجالِس المساكينَ ويقول: مِسْكِينٌ جالسَ مِسْكِيناً، وكان أَبوه يشاورُه فى كثير من أُموره مع صِغَرِ سِنَّهِ لوفور عَقْلِه وعلمه. ولمّا ملك سليمان / كان كثير الغَزْو والجِهاد لا يكاد يتركه، فتَحْمِلُه الريحُ هو وعسكره ودوابّهم حيث أَراد، وتَمُرّ به وبعسكره الريح على المزرعة فلا يتحرَّكُ الزرعُ. قال محمّد بن كعب القرظىّ: بلغنا أَنّ معسكر سليمان كان مائة فرسخ، خمسة وعشرون للإِنس، ومثلها للجنّ، ومثلها للطَّير، ومثلها للوحش. قال: وقال أَهل التاريخ وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة؛ وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وابتدأَ بناء بيت المقدس بعد ابتداء ملكه بأَربع سنين.

стр. 2777

قال بعضهم: أعْطَى سُلَيْمَانَ فى دُنْياه مَمْلَكَةً ... لَمْ يُعْطِ قَطُّ كما أَعْطاه إِنْسانا طَيْرٌ بأَجنحةٍ ظلَّت مِظَلَّته ... رِيحٌ رُخاءٌ أَتَتْه حَيْثُ ما كانَا آتاه من كلّ شئ ما يُلائمه ... حَتَّى لِمَنْطِق طيرٍ زادَ تِبيانا فصار يَنْصُره يوماً ويَذْكُره ... لَيْلاً ويَشْكُره قَلْباً وقُرْبانا أَفْدِيه من مَلِك أَقوالُه حِكَمٌ ... والله قال: "فَفَهَّمْنا سُليْمانا"

стр. 2778

بصيرة فى ذكر ذى القرنين وذو القَرْنَيْن كُنْيَته وإِنَّما اسمه اسكندر بن فِيلَفُوس، وقيل له ذو القرنين لأَنه ملَكَ قرنين، وقيل لأَنَّه وصل طَرَفَى العالَم، وقيل لأَنَّه كان على جانبَىْ جَنينه طمس وقيل لأَنَّه كان فى رأْسه ذؤابتان من الشعر، وقيل لأَنه جمع بين مُلْكَيْن: ملك الدُّنيا ومُلْكَ الآخرة، وقيل لفضله مع الأَولياء، وعدله مع الأَعداء، وقيل لأَنه ضربوا رأْسه حين دَعا إِلى الله. وكان مَلِكاً فى صورة إِنسان وسِيرَة مَلَك، وكان عالِماً عامِلاً عادلاً حكيماً عاقلاً مؤيّداً مُلْهَماً من الحقّ، صائبَ الرأْى واقفاً على أَسرار الطِّلِّسْمات، مشرفاً على دقائِق الأُمور، والنُّور والظُّلْمة تحت طاعته، ناصِحاً للرّعيّة، فاضحاً للفَجَرة وأَهل المعصية. وذهب بعض النَّاس إِلى أَنَّه كان مَلِكاً وكان نبيّاً، سار من الشرق إِلى الغرب، ومن الجنوب إِلى الشمال وبَنَى السدَّ فى وجوه يأْجُوج ومأْجوج لمصلحةٍ كلِّيَّة، ونفعها باق إِلى آخر الزمان. وقد دعاه الله تعالى فى التنزيل بثلاثة أَسماء: مُمَكَّنٌ ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ ، مُعانٌ ﴿فَأَعِينُونِي﴾ ، بالِغٌ ﴿بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس﴾ وذكره فى ثلاثة مواضع بكُنيته فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ ، ﴿قُلْنَا ياذا القرنين﴾ ، ﴿قَالُواْ ياذا القرنين﴾ آتاه الله المُلْكَ والمَلَكيّة فقال ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ قال بعضهم: يا ذاهِلَ الذِهْنِ كَلِيلَ العَيْنِ ... بادرْ فَدَنْياك مدارَ البَيْن انْظُر بعَيْنَيْك إِلى هذَيْن ... فى المُلْكِ سُليمانَ وذى القَرْنَيْن

стр. 2779

بصيرة فى ذكر لقمان ﵇ اتفقوا على أَنه اسمٌ أَعجمىّ ممنوع من الصّرف، قيل عِبْرانىّ، وقيل سُرْيانىّ. قيل هو عادٌ من قوم هُودٍ الذى سأَلَ اللهَ تعالى طولَ العُمْر فاستجاب دُعاءه وعُمِّر ثلاثة آلاف وخمسمائة نسة إِلى أَن أَدْرَك سُلَيْمانَ، وكان له من الحِكَمِ والتجارب ما لم يكن لأَحد. قال وَهْبُ بن منبّه: خُيِّر لُقمانُ بَيْنَ الحِكمة والنبوّة فاختار الحِكْمَة على النبوّة، كأَنه استعظم احتمال أَعباء النبوّة. وقيل لم يكن هذا لقمان عاد، بل كان عبداً أَسْوَدَ أَطاع الله تعالى وأَطاع مالِكَه فارتضاه الله تعالى ورَزقه الحِكْمَة. ومن الدّليل على علوّ قدْره ورِفْعة شأْنه أَنّ الله تعالى ذكر مواعِظه فى أَشرف الكُتب السماويّة الذى هو القرآن، ونقلها / على لسان أَشرف الرّسل إِلى أَشرف الأُمم، وذكر اسمه فى موضعَيْن من التنزيل قال، تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة﴾ ، الثانى عند ذكر مَواعِظه ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يابني لاَ تُشْرِكْ بالله﴾ ، ﴿يابني أَقِمِ الصلاة وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر﴾ ، ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً﴾ ، ﴿واقصد فِي مَشْيِكَ﴾ . قال الثعلبىّ: كان لقمان مَمْلُوكاً، وكان أَهْوَنَ ممولكِى سَيّدِهِ عليه، وأَوّل ما ظهر من حِكْمته أَنَّه كان مع مولاه فدخل مولاه الخَلاء فأَطالَ الجُلوسَ فناداه لُقْمان: إِنَّ طُولَ الجلوس على الخَلاءِ يَضُرّ بالكَبِد ويُورِث الباسور، ويصَعِّد الحرارة إِلى الرأْس، فاجلس هُوَيْنا وقم، فخرج مولاه وكتب حكمته على باب الخَلاء. ورُوِىَ أَنَّه حبشيّاً نجَّاراً. وقال أَبو هريرة: مرّ رجل بلُقْمان والنَّاس مجتمعون عليه فقال: أَلَسْتَ العَبْدَ الأَسْود الذى كنتَ ترعَى بموضع كذا؟ قال: بلى. قال: فما بَلَغ بك ما أَرَى؟ قال: صِدْقُ الحديث، وأَداءُ الأَمانة، وتَرْكُ ما لا يَعْنِينى.

стр. 2780

ويُرْوَى عن لقمانَ أَنَّه قال: ضَرْبُ الوالِدِ [وَلَدَهُ] كالسّماد للزَّرع. وقال لابنه: من يُقارِنْ قَرِينَ السّوء لا يَسْلَمْ، ومن لا يَمْلِكْ لِسانَه يَنْدَم. يا بنىّ كُنْ عبداً للأَخيار [ولا تكن خَليلاً للأَشْرار] . با بنىّ كن أَمينا تكن غنيّاً، جالِس العُلَماء وزاحِمْهم برُكْبَتَيْك، خُذْ مِنْهم والْطُفْ بهم فى السُّؤال ولا تُضْجِرْهم. إِنْ تأَدَّبْتَ صغيراً انْتَفَعْت به كبيراً، كن لأَصْحابِك مُوافقاً فى غير مُعْصِيَة، ولا تَحْقِرَنّ من الأُمور صِغارَه، فإِنّ الصّغار غداً تصير كِباراً. إِيّاك وسوء الخُلق والضَّجَرَ وقِلَّة الصّبر. إِنْ أَردت غِنَى الدُّنيا فاقطع طَمَعَك ممّا فى أَيْدِى النَّاس. قال بعضهم: لقمان أُلْقِمَ حِكمةً مَحْكِيَّةً ... عَنْهُ إِلى يومِ القيامة فى الأُمَمْ اللهُ فى القرآن عَظَّمَ شَأْنَه ... ويَقُول [قد] آتيْتُ لُقْمانَ الحِكَمْ

стр. 2781

بصيرة فى ذكر زكريا ﵇ وزَكَرِيّا اسمٌ أَعجمىٌّ يُقْصَر ويُمدّ وقرئَ بهما فى السَّبْع. ويقال زَكَرِيا بتخفيف الياء وتشديدها، وزَكَرٌ كَقَلمٍ، خمس لغات. أَرسله الله تعالى إِلى بنى إِسرائيل، وكان عالماً بالتوراة والإِنجيل، وكان إِمامَ علماء بيت المقدس ومُقدّمهم، وكان فى تلاميذه أَربعة آلاف عالم قارئ التوراة، وقد استجاب الله دعاءه فى حصول ولده يحيى بعد أَن كان زكريا عقيماً وزوجته آيساً عاقراً. ودعاه الله فى التَّنزيل بأحَدَ عَشَر اسْماً: كَفِيلٌ ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ ، داعٍ ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ ، منادِى ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ ، مُنادَى ﴿فَنَادَتْهُ الملائكة﴾ ، قائم ومُصَلِّى ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي﴾ ، مُبَشَّر ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بيحيى﴾ ، مُسْتجابُ الدّعوة ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ ، مُسارِعٌ فى الخَيْر ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾ ، راغبٌ وراهبٌ ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ ، خاشِعٌ ﴿وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ﴾ ، ذاكِرٌ ﴿واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً﴾ ، مُسَبّح ﴿وَسَبِّحْ بالعشي والإبكار﴾ ، عَبْدٌ وزكريّا ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ .

стр. 2782

وذكره باسمه فقال: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ ، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا﴾ ، ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا﴾ ، ﴿وَزَكَرِيَّا ويحيى﴾ إِلى قوله: ﴿مِّنَ الصالحين﴾ ، ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ ، ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ ، ﴿يازكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ . وثبت فى صحيح مسلم أَنّ النبىّ ﷺ قال: "كان زكريّا نَجّاراً" وهذه من الفضائل لقوله ﷺ : "أَفْضَلُ ما أَكَلَ الرَّجلُ مِنْ عَمَلِ يَدِه". /وذكر المؤرخون أَنّ زكريّا كان من ذرّيّة سلمان بن داود ﵈، وقُتِلَ زكريّا، بعد قتل ابنه يحْيى صلواتُ الله وسلامه عليهما. قال [بعضهم] : قال النبىُّ المُسْتجاب دُعاؤه ... ما كُنْتُ رَبّى بالدُّعاء شَقِيَّا هب لِى بفَضْلك وارِثاً متَعبِّداً ... واجْعَلْه يا ربَّ العِباد رَضِيّا فأَجاب دَعْوَتَه وأَنْجَزَ وَعْدَه ... بفَتاهُ أَعْنِى عَبْدَهُ زَكريّا

стр. 2783

بصيرة فى ذكر يحيى ﵇ ويَحْيىَ اسمٌ على زنة يَفْعل مشتق من الحَياة، وأُطلق عليه هذا الاسم لأَنه [جاء] فى حال شيخوخة الوالدين، وغالبا لا يطول عمر من كان كذلك، فوهبه الله هذا الاسم اطمئناناً لقلبهما وشرحاً لصدرهما أَنَّه يَحْيَا كبيراً، وأَنَّه وُلِدَ حَىَّ القلب بالمَحَبَّة، حىَّ الجسم بالطاعة، حَىَّ اللِّسان بالذِّكْر، حىّ السِرِّ بالمعرفة، معصوماً من الزَّلَّة. وقد دعاه الله تعالى بخمسة عشر اسْماً فى التنزيل، طيّب: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ ، مُصَدِّقٌ ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله﴾ ، وسيّد وحَصورٌ ونَبِىٌّ وصالِحٌ قال، ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصالحين﴾ هِبَةُ الله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى﴾ ، وَلىٌّ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ ، وارثٌ ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ، رَضِىٌّ ﴿واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾ غُلام ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ﴾ ، زَكِىٌّ ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً﴾ ، تَقِىٌّ ﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ قوىٌّ ﴿يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾ ، حَكَمٌ صَبىٌّ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً﴾ ، بارٌّ ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾ . وذكره باسمه يَحْيَى فى مواضع منها: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بيحيى﴾ ، ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسمه يحيى﴾ ، ﴿وَزَكَرِيَّا ويحيى﴾ ، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى﴾ ، ﴿يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾ . قال المفسّرون أَوّل من آمَن بعيسى يَحْيَى. وقُتِل يَحْيَى قبل أَبيه زكريّا، وثبت فى

стр. 2784

الصّحيحين أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "ثم عُرِجَ بى إِلى السَّماءِ الثانية فاستَفْتَح جبريلُ ففُتح لنا، وإِذا أَنا بابْنَى الخالَة عِيسَى بن مَرْيَم ويَحْيَى بن زكريّا، فرحَّبا ودَعَوا لى بخير". وفى مسند أَبى يَعْلَى الموصلىّ بسند عن ابن عبّاس أَنّ رسول الله ﷺ قال: "ما أَحدٌ من وَلَدِ آدَمَ إِلاَّ قد أَخطأَ أَوْ هَمَّ بخطيئة، ليس يَحْيَى بن زكريا" فى سنده علىّ بن زيد بن جُدْعان وهو ضعيف، ويوسف بن مهران وهو مُخْتَلَفٌ فيه. قال الثعلبىّ كان مولد يحيى قبل مولد عيسى بستَّة أَشهر. وقال الكلبىّ: كان زكرّيا يوم بُشِّرَ بالوَلَد ابن ثنتين وتسعين سنة، وقيل تسع وتسعين سنة، وعن ابن عبّاس: كان ابن عشرين ومائة، وكانت امرأَته بنتَ ثمانٍ وتسعين سنة. قال كعب الأَحْبار: وكان يحيى حَسَنَ الصورة والوَجْه، ليِّن الجَناحِ، قليل الشَّعَر، قصير الأَصابع، طويلَ الأَنف، مقرون الحاجبين، رقيق الصّوت، كثير العبادة، قويّاً فى طاعة الله تعالى، وساد النَّاس فى عبادة الله تعالى وطاعته. وقالوا فى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً﴾ قيل إِنَّ يحيى قال له أَتْرَابُهُ من الصبيان اذهب بنا نلعب، فقال: مَا لِلَّعِبِ خُلِقْتُ. وقيل إِنَّه نُبِّئَ صغيراً، وكان يعظ الناسَ ويقف لهم فى أَعْيادهم ومجامعهم ويدعوهم إِلى الله تعالى، ثمّ ساح يدعو الناسَ. واتفقوا على أَنَّه / قُتِل ظُلْما شهيداً. وغضب الله على قاتليه وسَلَّط عليهم بختنصر وجيوشَه، وكان وعد الله مَفْعولاً. قال بعضهم: أَلاّ طَهِّرْ فؤادكَ واقضِ سَعياً ... وعارضْ بالنُّهَى أَمراً ونَهْياً طَوَى كَشْحاً عن الكَوْنَينِ طُرّاً ... نَبِىُّ الله فى مَوْتٍ ومَحْيَا حياةٌ كله حَيّاً ومَيْتاً ... لِذاكَ اللهُ سَمّاهُ بيَحْيَى

стр. 2785

بصيرة فى ذكر هود ﵇ وهو هُودُ بن عابَر بن شالَخ بن فالغ بن ارْفَخْشَذْ بن سام بن نُوح. قيل اسمٌ أَعجمىٌّ كنوح ولُوط ممنوع من الصّرف، وأَكثرون على أَنَّه عربىّ من هَادَ إِذا رَجَع، فهو هائدٌ والجمع هُودٌ. وهود أَيضا اسم جِنْسٍ لليَهُود. وأُضيفت سورة هود إِليه لاشتمالها على خطاب الله تعالى إِيّاه بقوله: ﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ . وقد دعاه الله تعالى فى نصّ التنزيل باثنى عَشر اسْماً منها: مُرْسَلٌ ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين﴾ ، رَسُولٌ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ، ناصِحٌ وأَمِينٌ ﴿وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ ، مُبَلِّغ ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي﴾ ، رَجُلٌ ﴿جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنكُمْ﴾ ، مُنْذِرٌ ﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾ ، أَخٌ ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ﴾ ، واعِظُ ﴿أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الواعظين﴾ ، نَاجِى ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً﴾ ، مُتَوكّل ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ ، بَرِئٌ ﴿أَنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ . وذكره تعالى باسمه هود فى مواضع من القرآن أَيضاً فقال: ﴿وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ ، وأَكَّدَ أُخوَّته بقوله: ﴿واذكر أَخَا عَادٍ﴾ ، ﴿ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ ﴿نَجَّيْنَا هُوداً﴾ ، ﴿أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ ، ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ ، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ﴾

стр. 2786

وكان ﵇ من أَشْبَه الناس بآدَمَ بعد نبيّنا ﷺ . وأَهلك اللهُ بدعائه قومَه بالرِّيح، ووسم سُورَةً من القرآن باسمه. قال بعضهم: أَهُزْءاً بالمواعِظِ والوَصايا ... أَرَدّاً للشَّواهِدِ والشُّهود إِلى كَم ذا المُرُون على المُرودِ ... وكَمْ مِنْكَ الخيانة فى العُهُودِ قديماً قِيل فى مَثَلٍ أَجيدُوا ... بَضَرْبِ الكلب تأْديبَ اليَهُود فما أَجْداك قَوْلُ الله رَدْعاً ... "أَلاّ بُعْداً لِعاد قَوْم هُودِ"

стр. 2787

بصيرة فى ذكر عاد وهو اسمٌ عربىٌّ لأَن العادِين كانوا يتكلَّمون بلغة العرب، مشتقٌّ من العُدوان والاعتداء. وأَصله عادِى مثل قاضى. وعادٌ كان أَبا هذا القَوْم، وكان من أَحفاد نُوح ﵇، وهو عادُ بن عَوْص بن إِرَم بنِ سامِ بن نُوحٍ، وسَمَّوْه عادِيا وقومَه عادين؛ لاعتدائهم وتجاوزهم مُدَّة الحياة، الثانى فى زيادة القهر والقوة؛ الثالث فى زِيادة المال والنِّعمة؛ الرابع فى زيادة المُلْكِ والمَكِنَةِ، الخامس فى زِيادَة القَدِّ والقامَة، السّادس فى زيادة الفَساد والمَعْصِيَة. قال ابن عبّاس كان طول أَطولهم مائة ذِراعٍ، وطول أَقصرهم متّين ذراعاً. وقد ذكرهم الله تعالى فى القرآن فى مواضع: قال تعالى ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين﴾ وقال تعالى ﴿وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ إِلى قوله ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ ، ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ ﴿ألا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ ، ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ ، ﴿فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ ، ﴿واذكر أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف﴾ ، ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ﴾ ، ﴿وَأَنَّهُ / أَهْلَكَ عَاداً الأولى﴾ ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ . قال بعض المحدثين: دَعا لَوْمِى فَلَوْمُكما مُعادُ ... ومَوْتُ العاشِقِين له مَعادُ فلو قَتَلَ الهَوَى أَهلَ التَّصابىِ ... لمَا ماتُوا ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا فَمَوْلانا أَرانَا فى عِداه ... نَكالاً حِين سِيمَ الخَسْفَ عاد

стр. 2788

بصيرة فى ذكر صالح ﵇ وصالح اسم علَم عربىّ. وهو أَوّل من سُمِّىَ بهذا الاسم. قال الثعلبى: هو صالح بن عبيد ابن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود بن عَوْص بن إِرَم بن سام بن نُوح. قال أَبو عمرو بن العلاء: سُمِّيت ثَمُود لقلة مائها. والثَّمَدُ: الماءُ القليل. وكانت مساكن ثَمُود الحِجْر بين الحِجاز والشام، وكانوا عَرَباً، وكان صالحٌ ﵇ من أَفضلهم نَسَباً، فبعثه الله إِليهم رسولاً وهو شابّ، فدعاهم إِلى أَنْ شَمِطَ ولم يتَّبعه منهم إِلاَّ قليل مستضعَفون. ولمّا طال دعاؤه إِيّاهم اقترحوا أَن تَخْرُجَ له النَّاقةُ من الحَجَرِ آية، وكان من أَمرها وأَمرهم ما ذكره الله فى كتابه، وكان عَقْر النَّاقة يَوْم الأَربعاء. وانتقل صالحٌ بعد هلاك قومه إِلى الشام بمن أَسْلَم معه، فنزلوا رَمْلَة فِلَسْطِين، ثم انتقل إِلى مَكَّة، فتوفِّىَ صالحٌ بها، وهو ابن ثمانٍ وخمسين سنة، وكان أَقام فى [قومه] عشرين سنة وقيل صار بقيّة المؤمنين من قوم صالح بمدينة جَابَلْص من ناحية المشرق، وبقية المؤمنين من قوم هود بمدينة جَابَلْق من ناحية المغرب. والعامة تلحن وتقول: جابَلْقا وجابَلْصا. وعُرِضَ القَوْمان على النبىّ ﷺ ليلة المعراج، فدعاهم إِلى دِينه وشَريعته فآمنوا به وصاروا من أُمّته، وسيدخلون يوم القيامة فى شفاعته. ودَعا الله تعالى صالحاً فى القرآن بعشرة أَسماء: مُرْسَلٌ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين﴾ رَسولٌ وأَمِينٌ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ، أَخٌ ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ﴾ ، مُبَلِّغ ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ ، صادِقٌ ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾

стр. 2789

ناجِى ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً﴾ ، بَشَرٌ وواحد ﴿فقالوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ﴾ ناصِح ﴿وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين﴾ ، صالِحٌ ﴿ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً﴾ ، وقال تعالى ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ﴾ ، ﴿يَاصَالِحُ ائتنا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ ، ﴿نَجَّيْنَا صَالِحاً﴾ ﴿لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقي﴾ إِلى قوله: ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ . قال [بعضهم] : يَعِيبُك قَومٌ حين لُقِّيْتَ صالِحا ... ولاَمك قَوْمٌ حين سُمِّيت طالِحَا لَقِيتَ البَلايا إِنْ عُدِدْتَ محارِباً ... وجُرْتَ العَطايا إِن أَتَيْت مُصالحا أَلَمْ يُنْجِيَنَّ الله بيت نبيّه ... وأَرْدَى ثَمُوداً حين كَذَّبَ صالِحا

стр. 2790

بصيرة فى ذكر ثمود وهم قومُ صالح، وقد قدّمنا أَنَّهم سُمُّوا بهذا الاسم لقلَّة مائهم. والثَّمَدُ: الماء القليلُ، وكانوا سَبْعَمائة قبيلة، كُلّ قبيلة لها عددٌ لا يحصيه إِلاَّ الله تعالى، وكان لهم بئرٌ واحدة بوادِى القُرَى من ديار الحِجْر، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحجر المرسلين﴾ ، وقال تعالى ﴿جَابُواْ الصخر بالواد﴾ . وكانوا من القوّة والمَهارة والحَذاقة بحدٍّ يَبْنُون من الصَّخْر الأَصمّ والجَبل الراسى بَيْتاً عظيماً مَنْحُوتاً. وهم كانوا أَيضاً شَعْباً من عاد قوم هُود، وهم الَّذين قيل لهم عادٌ / الأُولَى. وقيل لثَمُودَ عادٌ الأخْرَى. ولمّا دعاهم صالح إِلى الله طلبوا منه المعجزة، فقالوا عَيِّنُوا لى ما شئتم. فقالوا: على سبيل الاستهزاء أَخْرِج لنا ناقةً من هذا الحجر. فأَوحى الله إِليه إِنَّا قد خلقنا ناقةً فى قلب هذه الصَّخْرة منذ أَربعة آلافِ سنةٍ، وقد ضاق صَدْرها وضاق مكانُها، فادع الله بخلاصها من هذا المَضيق، فدَعاه تعالى فانشقت الصّخرةُ من ساعته، وخرجت ناقةٌ ونُتِجَت فى الحال. ولم يترك القوم تَمَرُّدَهم وتكذيبهم فأَشْرَكها الله معهم فى الماء، وظنُّوا أَنَّها تضيّق عليهم فقصدوها وعقروها، وكان سببَ دَمارهم وخرابَ ديارهم. فذكرهم الله فى مواضع من القرآن. وقال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ ، وقال: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً﴾ ، وقال: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ ، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعبدوا الله فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ *

стр. 2791

وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ ، وقال: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حتى حِينٍ﴾ وقال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾ ، وقال: ﴿وَثَمُودَ فَمَآ أبقى﴾ . قال بعضهم: أَإِخْوانِى إِلى الرّحمان عُودُوا ... يَنَلْكُم من كَرامَتِه السُّعودُ ومَنْ يَعْصى الإِله به اغْتِراراً ... لَهُ فى القَبْرِ من نارٍ مُهُودُ يُقالُ له عَدا من كُلّ خَيْر ... أَلاّ بُعْداً كما بَعدَتْ ثَمُودُ

стр. 2792

بصيرة فى ذكر ابليس وهو اسمٌ أَعجمىّ ممنوعٌ من الصّرف. وقيل عربىّ واشتِقاقُهُ من الإِبْلاس؛ لأَنَّ الله تعالى أَبْلَسَه من رَحْمته، وآيسه من مغفرته. قال ابن الأَنبارىّ: لا يجوز أَن يكون مُشْتَقّاً من أَبْلَس لأَنه لو كان مشتقاً لصُرِف، قال أبو إِسحاق: فلمّا لم يُصرَف دلّ على أَنَّه أَعْجَمِىٌّ. قال: ابن جَرير: لم يُصْرَف وإِن كان عربيّاً لقلَّة نظيره فى كلامهم فشبّهوه بالأَعجمىّ. وقال الواحدىّ: الاختيار أَنه ليس بمشتق لاجتماع النحويين على أَنَّه يُمْنع من الصرف للعُجْمَة والعَلَمِيّة. واختلفوا هل هو من الملائكة أَم لا، فرُوِىَ عن طاوُس ومُجاهد عن ابن عبّاس أَنَّه من الملائكة. وكان اسمه عزازيل فلمّا عَصَى اللهَ تعالَى لَعَنَه وجعله شَيطاناً مريداً، وسَمّاه إِبْليسَ وبهذا قال ابنُ مسعودٍ وسعيدُ بن المُسَيِّب وقتادةُ، وابن جُرَيْج وابنُ جَرِير، واختاره ابن الأَنبارىّ والزّجّاج، قال: وهو مستثنىً من جنس المشتثنَى منه، قالوا: وقولُ الله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ أَى طائفة من الملائكة يقال لهم الجنّ. وقال الحسنُ وعبد الرحمن ابن زيد ومسهر، وابن حَوْشَب: ما كان من الملائكة قط، والاستثناء منقطع، والمعنى عندهم أَنَّ الملائكةَ وإِبليسَ أُمِرُوا بالسُّجود فأطاعت الملائكةُ وعصى إِبْليس. والصَّحيح أَنَّه كان من الملائكة لأَنَّه لم يُنْقَل أَنَّ غيرَ الملائكة أُمِرَ بالسُّجود، والأَصل فى المستثنى أَن يكون من جنس المستثنى منه. وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما أَنَّ الله تعالى أَمَرَ إِبْليس أَن يأَتِىَ محمّداً ﷺ فى صُورَة إِنسان ويجيبه عن كلّ ما سأَل. قال: فجاء اللَّعين

стр. 2793

إِلى باب المسجد وعليه لباسٌ من صُوف وبيده عكَّازه مثل شيخ كبير، / فنظره النَّبى ﷺ فأَنْكَرَه إِذ لم يسلِّم عليه، فقال ﵇ ما أَنت يا شيخ؟ فقال: أَنا إِبْليس أَمرنى الله تعالَى أَنْ أُجيبَك عن كلّ ما تسأَل، فسَلْ ما تريد. فقال ﷺ : كَمْ أَعداؤكَ من أُمَّتِى؟ قال: خمسة عشر، وأَنت رأْسهم وأَوّلهم، والإِمام العادل، والغنىُّ المتواضعُ، والتَّاجر الصَّدُوق، والعالم المتخشع، والمؤمن النَّاصح، والمؤمن الرّحيمُ القلب، والمتورّع عن الحرام، والمُدِيمُ على الطَّهارة، والَّذى يؤدّى حَقَّ مالِه، والمؤمن السّخىّ، والمؤمن الكثير الصّدقة، وحامل القرآن، والقائم بالليل، والقائم على التَّوبة! قال: فكم رُفَقاؤك من أُمّتى؟ قال: عشرة: السّلطان الجائر، والغَنِىُّ المتكبّر، والتاجر الخائن، وشارب الخمر، وصاحب الزِّنَى، وصاحب الرِّبا، والقَتَّال، وآكلُ أَموال اليتامى، ومانعُ الزكاة، والطويل الأَمَل، هؤلاء خواصِّى. قال: كيف موضع صلاة أُمّتى منك؟ قال: تأْخذنى الحُمَّى! قال فموضع خَوْضِهم فى العلم؟ قال: أَذُوب كما يذوب الرّصاص! قال: فالصوم؟ قال: أَصير أَعْمَى. قال: فقراءة القرآن؟ قال: أَصير أَصَمّ! قال: الحج؟ قال: إِذاً قَيَّدُونى. قال: الجهاد؟ قال: يجمع يداى إِلى عُنُقى بالغُلّ. قال: الصَّدقة؟ قال: مِنْشارٌ يُوضَع على رأْسى فأُقطع نصفين نصف إِلى المشرق ونصف إِلى المغرب. قال: فَلِم ذاك يالعين؟ قال لأَنَّ لهم فى الصّدقة ثَلاثَ خِصال. يكون الله غريماً لهم، وأَن يكونوا من وَرَثة أَهلِ الجَنَّة. وعُصِمُوا منى أَربعين يوماً، وأَىّ مصيبة أَعظم من ذلك! فقال ﷺ : "مَنْ أَبْغَضُ الخلقِ إِليك؟ فقال: العالِمُ النَّاصح لنفسه ولأَئمة المسلمين. فقال: مَنْ أَحَبُّهم إِليك؟ فقال: العالِم البخيل بعِلْمه، الشحيحُ بِدرْهَمِه. فقال: كم لك من الأَعوان؟ فقال: أَكثر من قَطْر المَطَر ووَرَق الأَشجار، ورَمْل القِفار. فقال ﷺ : اللهم اعْصِمْ أُمَّتِى. قال: فولَّى اللَّعينُ هارباً. وقد دعاه الله تعالى فى القرآن العظيم بسبعين اسماً قَبِيحاً. الأَوّل: الشَّيطان ﴿كَمَثَلِ الشيطان﴾ ، وَوَسْواس وخَنَّاس ﴿مِن شَرِّ الوسواس الخناس﴾

стр. 2794

مُوَسْوِسٌ ﴿الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ ، رَجِيمٌ ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ، عَدُوٌّ ﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً﴾ ، ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور﴾ ، فاتِنٌ ﴿لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان﴾ ، مُضِلٌّ ﴿وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ﴾ ، مُزَيِّنٌ ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان﴾ ، كَيّاد ﴿إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً﴾ ، خادِعٌ ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ، كاذِبٌ كَفَّار ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ، خَتَّارٌ وكَفُورٌ ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ ، هامِزٌ ﴿أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ حاضِرٌ ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ ، مُغْو ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ، غَاوِى ﴿لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ، جِنٌّ ﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ ، آبى ومُسْتَكْبر ﴿أبى واستكبر﴾ ، مُزلٌّ ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان﴾ ، لَعِينٌ ﴿عَلَيْكَ اللعنة﴾ ، مُنْظَرٌ ﴿إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ﴾ ، مُمَنِّى ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ ، آمِرٌ ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ﴾ ، وَلِىّ الكَفَرَة ﴿والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت﴾ ، واعِدٌ بالفَقْر ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ / الفقر﴾ ، مَرِيدٌ ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ ، مارِدٌ ﴿مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ ، مَقْذُوفٌ مَدْحُورٌ ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً﴾ ، خاطِفٌ: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة﴾ ، مَرْجُومٌ ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾

стр. 2795

، دَاعِى ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ﴾ ، باطِلٌ، ﴿والذين آمَنُواْ بالباطل﴾ ، نازِعٌ ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ ، نازِغٌ ﴿وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ﴾ ، ماسٌّ وطائف ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾ ، مُتَخَبِّطٌ ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس﴾ ، مُخْلِفٌ ﴿وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ ، مُتَفَحِّشٌ ﴿وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء﴾ ؛ كافِرٌ ﴿وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾ ، مَذْءُومٌ ﴿قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُوماً﴾ ، خَذُولٌ ﴿وَكَانَ الشيطان لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ ، مَلُومٌ ﴿فَلاَ تَلُومُونِي﴾ ، سَفِيهٌ ﴿يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً﴾ ، أَسْفَل ﴿لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين﴾ ، بئس القرين ﴿فَبِئْسَ القرين﴾ ، بَدَلٌ للظَّالمين ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ ، بَرِئٌ ﴿إِنِّي برياء مِّنكَ﴾ ، رَائى ﴿إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ ، رجْزٌ ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان﴾ ، خالِدٌ فى النار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ، عفْرِيتٌ ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن﴾ ، فاسِقٌ ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ، مُسْتَحْوذٌ ﴿استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان﴾ ، مُسْتَرِقٌ ﴿إِلاَّ مَنِ استرق السمع﴾ . مُنْسِى ﴿فَأَنْسَاهُ الشيطان﴾ ، ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان﴾ ، مُسَوِّلٌ ومُمْلِى ﴿سَوَّلَ لَهُمْ وأملى لَهُمْ﴾ ، مُدَلِىّ ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ ، مُقْسِمٌ ﴿وَقَاسَمَهُمَآ﴾ ، مُلْقِى ﴿أَلْقَى الشيطان

стр. 2796

في أُمْنِيَّتِهِ﴾ ، مُبْدِى ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا﴾ ، مُبِينٌ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ، مُحْتَنكٌ ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ ، مُشارِكٌ ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال والأولاد﴾ ، مُسْتَفْزِرٌ ﴿واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ ، جالِبُ الشَرّ ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ﴾ ، نارِىٌّ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ ، خارجٌ ﴿فاخرج مِنْهَا﴾ ، مُخْرِجٌ ﴿أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾ ، خَبِيثٌ ﴿والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً﴾ . قيل: البلد الطَّيِّبُ آدم، والَّذِى خَبُثَ إِبْليس. قال: عَجِبْت مِنْ إِبْلِيسَ فى خُبْثِه ... وقُبْح ما أَظْهَر من طِيَّتِه تاهَ على آدَمَ فى سَجْدَةٍ ... وصار قَوّاداً لِذُرِّيَّتِهِ وذكره الله باسمه المخبر عن إِبلاسه، المنبى عن حرمانه ويأْسه فى مواضع من كتابه العزيز. قال ﴿فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى واستكبر﴾ ، وقال تعالى على طريق إِلزام الحجّة وقَهرٍ ممزوج بلطيفة اللُّطْف ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ، ثم جعله مُقَدَّم أَهل الفساد والمعصية، قال ﴿اذهب فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ ، الآية. فقام المتمرّد فى معرض المناظَرة مع ربّ الأَرباب، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ، فقال الربُّ مراغماً لعدُوّه ومحابياً لأَوليائه ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ، ثم جعله مخْدُوعَ المهْلَة بقوله ﴿إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ﴾ ، ونبَّه آدم وأَولاده بشدّة عداوته لهم فقال ﴿إِنَّ هاذا عَدُوٌّ لَّكَ

стр. 2797

وَلِزَوْجِكَ﴾ ، وقال ﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً﴾ ، ثم وسمه بوسْم اللَّعْنَة الأَبديّة فقال ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ ، وبشَّره بخُلود النَّار ومنْ تبعه من سائر الشياطين فقال ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . قال بعض المحدثين: وجاوَرَنا عدُوٌّ ليس ينْسَى ... لَعِينٌ ما يمُوت فَنَسْتَريحُ فيالَهَفِى على قَلبِى وخَضْمِى ... لَئِيمٌ يسْتَعِدُّ ويسْتَبيحُ

стр. 2798

بصيرة فى ذكر مريم ﵍ ومرْيمُ اسمٌ أَعجمىٌّ غير منصرف للعجمة والعلمية والتأْنيث. وقيل: معناه بالعِبْرانىّ خادمةُ الله، وقيل /: أَمةٌ الله. وقيل: معناه المُحرَّرة. وشَذَّ بعضُهم فقال: عربىٌ معناه مَرَتْ ورامتْ، أَى حلَبتْ وطَلَبت، أَى استخرجت طاعة الله وطلبت مرضاة الله. وقيل: إِشارة إِلى أَنَّها مرّت على يمِّ الطَّاعة مرور السّفينة والحوت باليمّ. ومن فضائلها: إِتيانُ الملَكِ بفاكهة الجنَّة لأَجْلها، ونَيْلُها فى الشتاء فاكهة الصّيف؛ وتكليمُ الملائكة لها، وإِتيانُ جبريل إِليها، ووِلادتُها لِعيسى رُوحِ الله وكَلِمته من غير مَسِّ الّرجال؛ وبيان براءتها على لسان الطِّفل الرَّيع، وتساقط الرُّطَب الجنِىِّ عليها من النَّخل اليابس، وإِجراء النَّهر السَّرِىّ من تحت قدمها، وتفضيلها على نساء العالَمين، وتطهيرُها من الحيْض والعيْب والعصيان، وتَكْفيلُها لزكريا شيخ الأَنبياء، وقبول الحقّ تعالى إِيّاها بالإنعام والإحسان، وتربيتها بفُنون الإكرام والامْتنان، وتكرار ذكرها بالمدح فى نصّ القرآن. ودعاها الله باثنى عشر اسماً منبئةً بفضلها أَتمّ البيان، دعاها بالمُحرَّر ﴿مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ ، ومُصْطَفاة ﴿إِنَّ الله اصطفاك﴾ ، ومُطَهَّرَة ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ ، وقانتَة ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ ، وساجدة وراكعة ﴿واسجدي واركعي﴾ ، ومُحصَنَة ﴿التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ ، وآية ﴿وَجَعَلْنَاهَا وابنهآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ، وأُمُّ وصدّيقة ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ، ووالدَةٌ ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ ، ومَرْيَمُ وبِنْت عِمْران ﴿وَمَرْيَمَ ابنت عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ﴾

стр. 2799

وذكرها باسمها فى مواضع من القرآن ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ ، ﴿يامريم أنى لَكِ هاذا﴾ ، ﴿يامريم إِنَّ الله اصطفاك وَطَهَّرَكِ﴾ ، ﴿يامريم اقنتي لِرَبِّكِ﴾ ، ﴿يامريم إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ﴾ ، ﴿إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ﴾ ، ﴿ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ ، ﴿واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ﴾ ، ﴿يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ ، ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ . أُنشدنا لبعضهم: تَوَكَّلْ على الرَّحْمان فى كُلّ حالَة ... ولا تَتْرُكِ الخَلاَّقَ فى كَثْرة الطَّلَبْ أَلَمْ تَر أَنَّ الله قال لِمَريَمٍ ... وهُزّى إِليكِ الجِذْعَ تَسَّاقَطِ الرُّطَبْ ولو شاء أَنْ تَجْنِيه مِن غَير هَزّها ... جَنتْهُ ولكن كُلُّ أَمْرٍ له سَبَبْ

стр. 2800

بصيرة فى ذكر عيسى ﵇ وعيسى اسمٌ أعجمىٌّ غير منصرف للعجمة والعلميّة. وقيل: اشتقاقه من العَيَس وهو البَياضُ، والأَعْيَسُ: الجَمَلُ الأَبيض، وجمعه عِيسٌ. قيل له عِيسَى لِبَياضِ لَونه، وقيل من العَوْس وهو السّياسة، وأَصله عِوْساً قلبت الواو ياءً لكسرة ما قبلها، وقالوا عِيسا لأَنَّه ساسَ نفسه بالطَّاعة، وقَلْبَه بالمحبّة، وأُمَّته بالدّعوة إِلى ربّ العزَّة. وقد دعاه الله تعالى فى القرآن بخمسة وعشرين اسماً دالاًّ على مَدْحه وفضله، منها: مُؤَيَّدٌ ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ ، مَسِيحٌ ﴿اسمه المسيح﴾ ، رُوحُ الله ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ ، كَلِمَة ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله﴾ ، وَجِيهٌ ﴿وَجِيهاً فِي الدنيا والآخرة وَمِنَ المقربين﴾ ، صالِحٌ ﴿وَمِنَ الصالحين﴾ ، وَلَدٌ ﴿أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ ؛ غُلامٌ وزَكِىٌّ ﴿لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً﴾ ، مُعَلَّم ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكتاب﴾ ، رَسُول ﴿وَرَسُولاً﴾ ، مُبَشِّرٌ ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي﴾ ، مُنَبِّئ ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ﴾ ، مُصَدِّقٌ ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ ، آيَةٌ ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ ، مُحَلِّلٌ ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم﴾ ، مَرْفوعٌ ﴿بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ﴾ ، مُطَهّر ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ ، سَرِىٌّ ﴿تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ ،

стр. 2801

قُرَّة عَيْن ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ ، صَبِىٌّ / ﴿مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً﴾ ، عَبْدٌ ﴿عَبْدُ الله﴾ ، نَبِىٌّ ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ ، مُبارَكٌ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ ، وصِىٌّ ﴿وَأَوْصَانِي بالصلاة﴾ ، بارٌّ ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ ، عِلْمٌ ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ ، بفتح العَينْ وكَسْرها، وقرئ بالوجهين. وذكره تعالى باسمه فى مواضع منها قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدنيا والآخرة وَمِنَ المقربين * وَيُكَلِّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً وَمِنَ الصالحين﴾ ، وقال تعالى ﴿إِذْ قَالَ الله ياعيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ﴾ ، وقال الله تعالى ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الحق مِن رَّبِّكَ﴾ ، وقال تعالى ﴿ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ إِلى قوله ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ﴾ ، وقال تعالى ﴿إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس﴾ ، وقال تعالى ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ﴾ وقوله ﴿وَمَا أُوتِيَ موسى وعيسى﴾ ، ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر﴾ ، ﴿وَلَمَّا جَآءَ عيسى بالبينات﴾ ، ﴿ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلاهين﴾ ، ﴿قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللهم رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً﴾ ، وثبت فى الصّحيحين عن أَبى هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "ما مِنْ

стр. 2802

بنى آدَمَ من مولود لا يَمَسُّه الشيطانُ حين وُلِدَ فَيَسْتَهِلُّ صِارخاً من مَسّه إِيّاه إِلاَّ مَرْيَم وابْنَها"، وروياه من طرق بأَلفاظ متقاربة، ثم يقول أَبو هريرة: اقرءُوا إِن شئتم ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾ ، وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَنا أَوْلَى الناسِ بابْنِ مَرْيَمَ فى الدّنيا والآخرة، ليس بينى وبينه نبىّ، الأَنْبِياءُ إِخْوَة، أَبْناءُ عَلاَّت أُمَّهاتهم شَتَّى ودِينُهم واحد" رواه الشيخان فى الصّحيحين. وَرَوَيا أَيضا فى حديث الإِسراء عن أَنس أَن رسول الله ﷺ رأَى فى السّماء الثَّانية ابْنَىِ الخالَة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريّا" وفى الصّحيحين عن أَبى هريرة أَنَّ النبىّ ﷺ حِينَ أُسْرِىَ به قال "لَقِيتُ عيسى فإِذا ربْعة أَحْمر كأَنَّما خرج من ديماس" يعنى حمَّاماً. وفى الصحيحين عنه عن النبىّ ﷺ قال: "رأَى عيسى بن مريم رجُلاً يسرق فقال له: أَسرقْت؟ قال كّلا والَّذى لا إِله إِلاَّ هو. فقال عيسى: آمنت بالله وكَذَّبْت عينى" وفى الصّحيحين عنه عن النبىّ ﷺ قال "ليُوشِكَنَّ أَنْ ينْزِل فيكم ابن مرْيم حَكَما عدْلاً فيكسر الصّلِيب ويقْتل الخنْزِير، ويضَع الجِزْية، ويفيض المال حتى لا يقبله أَحدٌ حتَّى تكون السَّجْدة الواحدة خيراً من الدُّنيا وما فيها" ثم يقول أَبو هريرة: واقْرءُوا إِن شئتم ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ وفى الصّحيحين عن عبادة بن الصّامت عن النبىّ ﷺ قال "من شهد أَن لا إِله إِلاَّ الله وحْده لا شريك له، وأَنّ محمّداً عبدُه ورسوله، وأَن عيسى عبدُ الله ورسُوله وكَلمته أَلقاها إِلى مرْيم ورُوحٌ منه، والجنَّة حقٌّ والنار حقٌّ أَدخله الله الجنَّة على ما كان من العمل"، / وفي صحيح مسلم أَنّ رسول الله صلَّى الله عليه

стр. 2803

وسلَّم قال: "ينزل عيسى من مرْيم على المنارة البيْضاء شَرْقىَّ دمشْق". وقال إِسحاق الثعلبى: اختلف العلماء فى مدّة حمل مريم بعيسى بن مريم، فقيل: سبعة أَشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: ستَّة، وقيل: ساعة، وقيل: ثلاث ساعات، ووضعته عند الزوال وهى بنت عشر سنين، وكانت حاضت قبله حيضتين، وقيل: بل كانت بنت خمس عشرة سنة، وقيل ثلاث عشرة، وأَنَّه كلَّم الناس وهو ابن أَربعين يوماً، ولم يتكلَّم بعدها حتى بلغ زمن كلام الصبيان. وكان ﷺ زاهداً لم يتَّخذ بيتاً ولا متاعاً، وكان قوته يوماً بيوم، وكان سيّاحا فى الأَرض، وكان يمشى على الماء ويُبْرِئُ الأَكْمه والأَبرص ويُحْيِ الموتَى بإِذن الله، ويُخْبرهم بما يأْكلون ويدَّخرون فى بيوتهم، وكان له الحواريّون الذين ذكرهم الله تعالى فى كتابه، وكانوا أَثْنَىْ عشر رجلاً، وكانوا أَصفياءه وأَنصاره ووزراءه، قيل كانوا أَوّلاً صيّادين، وقيل قصّارين، وقيل ملاَّحين. وممّا أَكرمه الله به تأْييده بُروح القُدُس، قال الله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ قيل: هو الرّوح الذى نفخ فيه، وقيل جِبْرِيل كان يأْتيه ويسير معه، وقيل: هو اسم الله الأَعظم، وبه كان يُحْيِى الموْتى ويُرِى النَّاس العجائب، ومنها علَّمهُ التوراةَ والإِنْجِيل وكان يقْرؤهما حفظا. ومنها أَنَّه يخْلق من الطِّين كهيْئة الطَّيْر فَيْنفخ فيه فيكون طيراً بإِذن الله. قال الثعلبى: قالوا إِنَّما يخلق الخفَّاش خاصَّة لأَنه أَكمل الطَيْر خلْقَةً، له ثَدْىٌ وأَسنان ويَلدُ ويَحيض ويَطير. قال: وقال وهب بن مُنَبّه: كان يطيرُ حتى يغيب عن النَّاس ثم يقع ميّتا ليتميّز خَلْقُ الله من فعْل غيره. ومنها إِبْراؤه الأَكْمه والأَبرص - والأَكمه: الذى وُلد أَعمى - وإِنَّما خصّ هذين لأَنَّه لا يُرْجَى زوالهما، ولا حيلة للمخلوقين فيها، وكان زمنَ الأَطبّاء وظهرت بهما معجزته. ومنها إِحياؤه الموتىَ، قالوا فأَحْيا جماعةً منهم

стр. 2804

العازر أَحياه بعد موته ودفنه بثلاثة أَيّام، فقام وعاش مدّة ووُلد له ولد. ومنهم بنْت العاشر، أَحياها وولَدتْ بعد ذلك؛ ومنهم سامُ بن نوح وعُزَيْر وقِصصُهم مشهورة، ومنها إِخباره بالمغيِّبات، قال الله إِخباراً عنه ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ومنها مشيُه على الماء، ومنها نزول المائدة عليه من السّماء، ومنها رفْعُه إِلى السّماء. وقد ثبت فى الصّحيحين أَنّ رسول الله ﷺ قال: "ينْزِل عيسى بن مريم من السَّماء ويقْتل الدَّجَّال بباب لُدّ"، وأَحاديثه فى قصّة الدجّال مشهورة فى الصّحيح. وينزل عيسى حَكَماً عدْلاً رسُولاً، وإِنَّما يُصلِّى وراء الإِمام منَّا تَكْرِمة الله لهذه الأُمة. وجاء أَنه يتزوّج بعد نزوله ويُولَد له، ويُدْفن عند النبىّ ﷺ . قال بعضهم: هذا ابْن مرْيم فى مجال الجاه ... فى عِزِّه مُتكاملٌ مُتناهى فى مهْده للأُمّ أَوْحى شاهداً ... مُتَكَلِّماً بأَوامرٍ ونَواهى فالطِّين فى يده كهيْئة طائرٍ ... يرْمى بها طَيْراً يطير كما هى والأَكْمهُ المكْفوف عند دُعائه ... عيْناه تُبْصرُ والبصيرَ يُضاهى /أبْرى من ابْرصَ ما يشين جمالَه ... لَيْس الطبيب بما يليه يُباهى كم ميّت متفتِّت فى قبره ... أَحْيا بإِذن الله رُوحُ الله ولنجعل هذا آخر ما تيسّر من الكلام على لطائف التنزيل العزيز. وإِيراد المعانى الجّمة فى اللَّفظ الوجِيز. وقد وفق الله تعالى لإِكماله وإِتمامه، بمنَّة وجُوده وأَفضاله وإِنعامه فى أَسرع زمان، وأَقرب مدّة الإِمكان. والحمد لله ربّ العالمين على فضله الموفور. وقبوله منَّا عفو خاطرنا المبرور، وصلاته وسلامه على سيّد المرسلين. وخاتم النبيّين، وحبيب ربّ العالمين. وعلى آله وعترته الطاهرين الطيِّبين. وأَصحابه السّادة الغرّ المحجَّلين. وعلى من تعلَّق بحبّهم وتبعهم بإِحسان إِلى يوم الدّين. وحسبنا الله ونعم الوكيل.