Полный текст (2 804 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
بصيرة فى ذكر اسحاق ﵇
هو اسمٌ أَعجمىٌّ غير منصرف للعُجْمَة والعَلَميَّة، وهى سُرْيانيَّة، وقيل: مشتقٌّ من السَّحْقِ. والإِسْحاقُ: الإِبْعاد، والسَّحْقُ: البُعْد ومَكانٌ سَحيقٌ: بَعيدٌ. والسَّحْقُ بالفتح: السَّهْل، أَو هو الدَقُّ، ومسْكٌ سَحيقٌ: مَسْحوقٌ.
وقد ذكره الله تعالى فى مواضعَ من التَّنْزِيل فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ ، وقال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إِسْحَاقَ﴾ ، ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ ، ﴿عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ ، ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ﴾ ، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا﴾ ، ﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ ، وعلى قول من قال هو الذَّبِيح، يكون مُبَشّرٌ، وغُلامٌ، وعَلِيمٌ، وحَليمٌ، وصابِرٌ، وآمِرٌ، ومُسْلَمٌ، من أَسمائه ﵇.
عاش مائة وثمانين سنة، وقبرُه عند قبر أَبِيه، ووُلد قبل إِسْماعيل بأَربَعةَ عَشَر سنةً. قال:
اللهُ [ربى] كافل الأَرزاقِ ... وهو الحَسيبُ لقِسْمة الأَخْلاقِ
قَسَمَ السّوائل والمآكل بَيْنَنَا ... فأَتى الخَلائقَ كُلَّهم بخَلاقِ
فالخَلْقُ من حَسَناته والرِّزْقُ منْ ... بَرَكاته والكُلأُّ باسْتحْقاقِ
عَجّل وقسّم إِنْ تَشَأ تصديقَها ... فاقْرأَ: وبارَكْنَا عَلَى إِسْحاقِ
стр. 2732
بصيرة فى ذكر يعقوب ﵇
وكان اسمه إِسرائيل، وكلاَ الاسمين أَعْجَمىٌّ غير مُنْصَرِف للعُجْمة والعلمية، هذا هو الَّذى عليه الأَكثرون. وتكلَّف بعضُهم فى القول باشتقاقهما، فقال فى إِسْرائيل إِسْر بالسّريانية: الصَّفىّ والخاصَّة، وإِيل بلغتهم: اللهُ، فمعناه صَفىُّ الله وخاصَّتُه. وقيل: أَسْرا مَعناه: الأُسْرَة، وإِيل بمعنى الآل، أَى هو نَبِىٌّ وآلُهُ وأَقارِبُه أَنْبِياءُ. وقيل: أَسْر من الأَسْر، وإِيل اسم شَيْطانٍ. وسُمِّىَ به لأَنَّه ﵇ كان خادماً للمَسْجد الأَقْصَى والمَسْجد الحرام على اختلافِ القولَيْن، وكان يُوقِدُ فيه السُّرُجَ للعابدين والمُصَلِّين، وكان الشيطان المسمّى إِيل مُسَلَّطاً عليها يأتيها ويُطْفئُها، فلمّا اطَّلع على ذلك يعقوبُ تَرَصَّد له وأَسَره ورَبَطه إِلى سارِيَةٍ حتى رآه الناسُ عَياناً، فقالوا أَسَرَ إِيل أَى أَسَرَ الشيطان، فخفَّفوه وقالوا أَسْر إِيل. وأَمّا يعقوبُ فإِنَّه سُمِّىَ به لأَنه كان يعقب أَوامَر الله تعالى ونَواهيَه من كتابه فيَعْمَل بها. وقيل: سُمِّىَ يعقوبَ لأَنَّه عاقَبَ شَيْطانَه المتقدّم ذكْرُه. وقيل: لأَنَّه يَعْقُبُه / ذُرِّيَّتُهُ. وقيل: لأَنَّه خرجَ من بَطْنِ أُمِّه متعلِّقا بعَقب أَخيه عيصو، وسُمِّىَ أَخوه عيصُو لأَنَّه عَصَى بالتَّقَدُّم عَلَيْه. وفى بعض الآثار القُدْسيّة أَنَّ الله تعالَى قال: لَوْ عَلمْتُ شيئاً أَبْلَغَ فى عُلُوِّ دَرَجَةٍ من الهَمِّ والحُزْنِ لابْتَلَيْتُه. وأَوْحَى الله إِليه لمّا أَكْثَر من البُكاءِ على فراقِ يوسف، يا يَعْقُوبُ هذا بُكاؤك على فِراقِ الوَلَدِ، فكيف بكاؤك على فِراقِ الوَاحِدِ الأَحَد! وقِيلَ لمَّا قَدِمَ البشيرُ على يَعْقُوبَ يُبَشِّرُه ببَقاءِ يُوسُفَ ولِقائه قال يَعْقُوب: على أَىِّ دِين تَرَكْتَه؟ قال عَلَى الإِسْلام. فقال: الآن تَمَّتِ النِّعْمة.
وكان يَعْقوبُ حَفِيدَ الخَلِيل، ووَلَدَ الذَّبِيحِ، ووالِد الصدِّيق، ومُقْدَّمَ الأَسْباط وشَيْخَهم، وجَدَّ أَنْبِياءِ بنى إِسْرائِيلَ، وابن أَخى إِسماعيل، ووارِثَ جَمالِه. واعتكف فى بيت الأَحْزان أَرْبَعِينَ سَنَةً، وقيل: سَبْعِين سنةً. واسْتَنْشَقَ ريحَ ثَوْب يوسفَ من مسافةِ ثمانين فَرْسَخاً.
стр. 2733
وقد ذكره الله تعالَى فى مواضِعَ من القرآن المجيد: الأَوّل فى وَصِيَّةِ الذرِّيَّة بمُحافَظَتِهم على المِلَّة ﴿ووصى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ .
الثَّانى: فى الخَبَرِ من الحال وَقْت الترحال: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت﴾ .
الثالث: فى موافقة الدَّعْوةِ مع أَبْناءِ النُّبُوَّة: ﴿وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ .
الرّابع: نسبة الأَسباطِ إِليه للشَّرَف والمَنْزلة ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ إِلى قوله ﴿وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ﴾ .
الخامس: البِشَارة بوجُودِه قَبْلَ مَوْلودِه: ﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
السّادِسُ: المِنَّة على إِبراهيمَ به وبكَوْنه نافِلَةً ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ .
السّابع: إِخْلاصُه فى طَريق الدِّيانَة. ﴿واذكر عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ .
الثامِنُ: فى وَعْدِ يُوسُفَ بتَمام النِّعْمة عليه ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعلى آلِ يَعْقُوبَ﴾
التَّاسع: فى حُصُول المَقْصُود وقَضاءِ الحِاجَة: ﴿إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ .
قيل ثمانِيَةُ أَنْفُس ابْتُلُوا بِفراق ثمانِيَةٍ فوقعُوا بإِثْرها فى مِنْحَة أَو مِحْنَة: ابْتُلِىَ آدمُ بِفراق الجَنَّة فوقع على إِثْرها فى مِحَنِ الدُّنْيا ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾ . وابْتُلِىَ نوحٌ بفراق كَنْعان فوقَع فى أَثره فى المَلامَة بسَبب شَفاعَته فيه: ﴿إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ . وابْتُلِىَ يُونُس بِفراقِ القَوْمِ فَوقَع فى أَثَرِه فى ظُلْمَة البَحْرِ وظُلْمَة بَطْن الحُوت ﴿فنادى فِي الظلمات أَن لاَّ إلاه إِلاَّ أَنتَ﴾ . وابْتُلِىَ سُلَيْمان بفِراق المُلْكِ فَوقَع على أَثَرِه
стр. 2734
فى الابْتلاءِ والمَلاَمة، لقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ . وابْتُلِىَ مُوسَى بِفراقِ أُمِّه فوقع على أَثَره فى قَبْض فِرْعَوْنَ لقوله تعالى: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ﴾ . وابْتُلىَ ﷺ بفراقِ مكَّة فصار على أَثَره فى دار الهِجْرة والمُهاجَرَة: ﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ . وابْتُلِىَ يُوسُفُ بِفراقِ أَبِيه فوقع على أَثَرِه فى بِئْر الوَحْشَة وحَبْس البَليَّة: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب﴾ . وابْتُلى يَعْقوب بِفراق يُوسُفَ فوقَع فى بَيْت الأَحْزانِ وزَاوِيَة الهُموم وتوظَّفَتْه الآلام والغُموم: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ ، ثم انتقل من زاويَة المحْنة إِلى بَسْط المِنْحَة وعالَم البُشْرَى والمَسَرَّة. قال:
وَرَدَ البَشِيرُ مُبَشِّراً بقُدُومهِ ... فمُلِئْتُ من قَوْل البَشِير سُرُورا
/واللهِ لَوْ قَنع البَشِيرُ بمُهْجَتِى ... أَعْطَيْتُه ورَأَيْتُ ذاك يَسِيرا
لَوْ قالَ هَبْ لىِ ناظِرَيْكَ لَقُلْتُهَا ... خُذْ ناظِرَىَّ فما سَأَلْتَ كَثِيرَا
وكَأَنَّنِى يَعْقُوبُ مِن فَرَحِى بِهِ ... إِذْ عادَ من شَمِّ القَمِيصِ بَصِيرا
стр. 2735
بصيرة فى ذكر يوسف ﵇
ويُثَلَّثُ سِينُه، وهو اسمٌ أَعْجَمِىٌّ غَيْر مُنْصَرِفٍ للعِلَّتَيْن. وقيل: مُشْتَقّ من الأَسَف، فيُوسف بكسر السِّين يُفْعِل من آسَفَ يُوسفُ إِذا أَحْزَنَ وأَهَمَّ وأَغْضَبَ، لأَنَّه آسَفَ أَباهُ بفِراقه. ويُوسَف بفتح السّين لأَن إِخْوته حَزَّنوه بفراق أَبِيه. وقيل: أَصله يَأسَفُ بفتح الياء والسّين، يَفْعَل من الأَسَف، لأَنه أَسِفَ فى الغُرْبة والمِلْكة. وفى بعض الآثار: لمّا أَخْرَج الله الذُرِّيَّة من ظَهْرِ آدَمَ وعَرَض عليه أَمْثال الذر، أَراه فى الطبقة السّادسة شخصاً مَهيباً من الرِّجال، على وَجْهِه بَهْجَةُ الجمال، قد تُوِّج بتاج الوَقار، وهو مُرْتَدٍ برداءِ الكَرامَة، مُتَّزِزٌ بإِزار الشَرَف، عليه قميصُ البَهاءِ، وفى يَدِه قضيبُ المُلْكِ، وعلى يَمِينه سبعون أَلْفَ مَلك، وعلى يساره هكذا، وخَلْفَه أُممٌ الأَنْبِياءِ، لهم زَجَلٌ بالتسبيح، وبين يَدَيْه شَجَر السَّعادة يَدُور معه حَيْثما دارَ. فقال آدمُ يا ربّ مَنْ هذا الَّذى أَبَحْت له بحبوحَةَ الكَرامة، وأَنْزَلْته هذه الدّرجةَ العالية؟ قال الله تعالى: هذا ابْنك المَحْسُود من إِخْوَته؛ يا آدَمُ انْحَلْهُ وسَمِّه، فنَحَلَه ثُلُثَىْ جَمالِ أَوْلاده، وضَمَّه إِلى صَدْره، وقَبَّل ما بَيْن عَيْنَيْه وقال: يا بنىّ لا تَأسَف [فأَنت يوسف] ، فأَوّل من سَمّاه بهذا الاسْم آدَمُ. وقيل إِنَّ يُوسُفَ ورث الجَمالَ من إِسحاقَ، وإِسحاقَ وَرِثَهُ من أُمِّه سَارة، وسارة وَرِثَتْ من أُمِّها حَوّاء.
стр. 2736
وقال كَعْبٌ. قُسّم الجمالُ عَشَرَة أَجْزاء، تسعةٌ منها ليُوسُف وواحدٌ لجميع أَولاد آدم. وقال النبىّ ﷺ : "رَأَيْت يُوسف لَيْلَة أسْرىَ بى فى السَّماءِ الرّابعَة، فقيل: كيف رَأَيْتَه يا رسولَ الله؟ فقال: كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْر"، وقال: أُعْطِىَ يُوسُف وأُمُّهُ شَطْرَ الحُسْنِ. وقال: جاءنى جِبْريلُ وقال: "يا مُحَمّد إِنَّ الله تعالَى أَلْبَس يُوسُفَ الجَمالَ من نورِ الكرْسىِّ وأَلْبَسَكَ جَمالَك من نور الْعَرْش" ولَمَّا قرأَ ﷺ قوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبّ إِلَىَّ ممّا يَدْعُونَنى إِلَيْه﴾ قال: "رَحم الله أَخى يُوسُفَ هَلاّ سَأَل الله العَفْوَ والعافيَة" ولمّا قرأَ قوله ﴿فَاسْأَلْهُ ما بالُ النِّسْوَة اللاّتى﴾ قال: "رحم الله يُوسُفَ لَوْ كنْتُ أَنَا لبادَرْت البابَ" قال:
إِذا ما أَتاكَ الدَّهْرُ يَوْماً بنَكْبَةٍ ... وأَصْبَحْتَ منها فى حُزون من الحُزْنِ
فلا تَيْأَسَنْ فالله مَلَّك يُوسُفاً ... خَزائنَه بعد الخَلالص من السِّجْن
فرّقت قصص الأَنبياء فى القرآن، وجَمَعَ الله قصّتَه جميعها فى سورة واحدة، وسمّاه فى هذه السّورة بثلاثةٍ وثلاثين اسْماً: المُجْتَبَى: ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ ، والمُعَلَّم: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث﴾ ، غلامٌ: ﴿يابشرى هاذا غُلاَمٌ﴾ ، مُكرَمٌ: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ ، نافعٌ: ﴿عسى أَن يَنفَعَنَآ﴾ ، وَلَد: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ ، مُخْلَصٌ: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين﴾ ، مُحْسِنٌ: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾ ، راءٍ: ﴿لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ، فَتًى: ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ ، أَحَبّ: ﴿وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا﴾ ، مَلَكٌ كَرِيمٌ: ﴿إِنْ هاذآ / إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ،
стр. 2737
مُسْتَعْصِمٌ: ﴿فاستعصم﴾ ، صِدِّيقٌ: ﴿أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا﴾ ، مُسْتَخْلَص ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ ، حَفيظٌ وعَليمٌ: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ، أَمينٌ ومَكِينٌ: ﴿لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ﴾ ، مُمَكَّنٌ: ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض﴾ ، مُرْسَلٌ: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً﴾ ، رَسُولٌ: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ﴾ ، إِلى قوله: ﴿رَسُولاً﴾ ، أَخٌ: ﴿إني أَنَاْ أَخُوكَ﴾ ، زَعِيمٌ: ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ ، عَلِيمٌ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ، رَفِيعٌ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ ، رافِعٌ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش﴾ ، عَزِيزٌ: ﴿ياأيها العزيز﴾ ، مُتَصَدِّقٌ: ﴿إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ ، تَقِىٌّ وصابِرٌ: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ﴾ ، صالِحٌ ومُسْلِمٌ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين﴾ .
وذكره تعالى باسْمِه فى خمسةٍ وعشرين موضعاً من التَّنْزِيل:
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾ ، ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ﴾ ، ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا﴾ ، ﴿اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه﴾ ، ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ﴾ ، ﴿مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ﴾ ، ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا﴾ ، ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات﴾ ، ﴿كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً﴾ ، إِلى قوله: ﴿وَيُوسُفَ﴾ ، ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هاذا﴾ ، ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا﴾ ، ﴿إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ ، ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض﴾ ،
стр. 2738
﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ ، ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ﴾ ، ﴿كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ ، ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ ، ﴿وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ ، ﴿ياأسفى عَلَى يُوسُفَ﴾ ، ﴿تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ ، ﴿فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ﴾ ، ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ ، ﴿قالوا أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ﴾ ، ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ .
مَحَنَهُ الله تعالى بعَشْرِ مِحَنٍ، وكافأَه بعَشْرِ مِنَحٍ: الأَوَّل بِفراقِ أَبِيهِ، وختم بمَسَّرةِ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش﴾ ، وابْتُلِىَ بجَفاءٍ الإِخْوة وخَتم بمَسَرَّةِ: ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾ ، وابْتُلِىَ بوَحْشَةِ الجُبِّ، وجُوزِىَ بفَرْحَة: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هاذا﴾ ، وابْتُلِىَ بمَلكَة عَزِيزِ مِصْرَ وكُوفئ بمَلِكَة أَهْلِ مِصْرَ قاطِبَة: ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض﴾ ، وابتُلِىَ بقَصْدِ زليخا، ونجا بشهادة طِفْلٍ لم يَنْطق بعدُ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ ، وابْتُلِىَ بِحيلَة نِساءِ مِصْرَ، وخُتِمَ ببراءتِه وقَوْلهنّ: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سواء﴾ ، وابْتُلِىَ بدَعْوة الشَّيْطان، وصِينَ بِعصْمَة الرّحْمان: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السواء والفحشآء﴾ ، وابْتُلِىَ بالسّجن والحَبْسِ، وكُوفئ بالمُلْكِ والسَّلْطَنَة: ﴿ياأيها العزيز﴾ ، وابْتُلِىَ بالزُّورِ والبُهْتان وصار ذلك أَظْهَر من كلّ عَيانٍ: ﴿الآن حَصْحَصَ الحق﴾ ، وابْتُلِىَ بالمالِ والمُلْكِ واتِّساع الدّنيا، وأُبْعِد عنه ضَرُّها بولاية المَوْلَى فى الآخِرَة والأُولَى: ﴿أَنتَ وَلِيِّي فِي الدنيا والآخرة﴾ .
стр. 2739
قال:
كَمْ نِعْمَةٍ مَسْتُورَة فى الظَّلام ... كَمْ نِعْمَةٍ مغمورَة فى الكَلامْ
آدَمُ فى الجَنَّة نالَ النَّوَى ... ونالَ فى الطُّوفان نُوحٌ سَلامْ
يَعْقُوبُ قد عُوقِبَ فى هَجْره ... بَيْتَ أَحزان رَهِين اغْتمام
ثم ابنه قد صُرّ من بئره ... فقيل يا بُشْرَى هذا غلام
стр. 2740
بصيرة فى ذكر ادريس ﵇
واسمه بالسّريانية خنوخ ويُقال أَخْنوخ، ومعناه كثير العِبادة - وأَمّا إِدريس فاسمٌ أَعجمىٌّ غير مُنْصَرِف. وقيل: مشتق من الدّرْس والدّراسة بمعنى القِراءة، سمّى به لكثرة ما دَرَس من كُتب الله ، فإِنَّه كان يحفظ صُحُفَ آدم وصُحُفَ شِيثٍ / على ظَهْرِ قَلْبه، وكانت صحفُ آدَمَ واحداً وخمسين صحيفةً، وصحفُ شيثٍ عِشْرِينَ، وصحفهُ خاصّة ثلاثين، وكان يفحظ الجميع ويُدَرِّسه.
قال النَّبِىُّ ﷺ : "ما اجْتَمَع قَوْمٌ فى مَسْجِدٍ من مَساجِدِ اللهِ يَتْلُون كتابَ اللهِ ويَتدارَسُونَه إِلاَّ نَزَلَتْ عليهم السَّكِينَة وغَشِيَتْهُم الرَّحْمَة، وذَكَرَهُم الله فِيمَن عِنْدَه".
قال:
العِلْمُ أَنْفَسُ عِلْقٍ أَنْتَ ذاخِرُهُ ... مَنْ يَدْرُس العِلْم لم تَدْرُس مَفاخِرُهُ
فاجْهَدْ لِتَعْلَمَ ما أَصْبَحْتَ تَجْهَلُه ... فأَوَّلُ العِلْمِ إِقْبالٌ وآخِرُهُ
وكان إِدْرِيسُ أَوَّلَ من خَطَّ، وأَوّلَ من خاطَ، وأَوّلَ من أَخَبْرَ عن عِلْم الهَيْئَة والحِساب وأَحْكام النُّجُوم وتأْثِير الكواكب بالتَّأْييد السَّماوىّ والمدد الرّبّانىّ، رفع الله عنه بدُعائه إِحساسَ حَرارَة الشمْسِ، وعَبَدَ الله حتَّى تمنَّت الملائكةُ المقَرَّبون صُحْبته.
ودعاه الله فى التَّنْزيل باثْنَىْ عَشَر اسْما: السَّاجِدُ، والباكِى ﴿خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ مُجْتَبًى ومَهْدِىٌّ ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجتبينآ﴾ ، رفَيعُ الشَّأْن عَلِىُّ المَكان ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ . صالحُ ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ ، صابِرٌ ﴿كُلٌّ مِّنَ الصابرين﴾ ، صِدِّيقٌ ونَبىٌّ
стр. 2741
﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾ ، مَذْكُور وإِدْرِيسُ ﴿واذكر فِي الكتاب إِدْرِيسَ﴾ .
وذكره باسمه فى موضعين:
﴿وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل كُلٌّ مِّنَ الصابرين﴾ ، ﴿واذكر فِي الكتاب إِدْرِيسَ﴾ .
أَنْشَدنا بعضهم:
اصْدُق ولا تأْتِ قَطُّ تَلْبِيسا ... ولا يَرَى اللهُ مِنْكَ تَدْلِيسا
إِدْرِيس فى عِلْمِه وحِكمَته ... بالأَنْجُمِ الزُّهْرِ كان نِقْرِيسَا
مَكانُه عزَّ مِنْ مَكانَتهِ ... أَنْزَلَه صِدْقُه الفَرادِيسا
وآيةُ إِجْلالِه وعِزَّتهِ ... فى "واذْكُرْ فى الكتابِ إِدْرِيسَا"
стр. 2742
بصيرة فى ذكر يونس ﵇
وفيه ثلاثُ لُغاتٍ: ضَمُّ نُونِه وفَتْحهُ وكَسْرُه، وهو اسمُ علمٍ أَعجمىّ ممتنع من الصَّرْف، وقيل: مُشْتَقٌ وَزْنُه يُفْعِل من آنَس يُؤْنِسُ إِيناساً بمعنى أَبْصَر، قال الله تعالى: ﴿آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً﴾ ، وقيلَ من الأُنْسِ ضدّ الوَحْشة، سُمِّىَ بِه لأُنْسِهِ بطاعةِ الله، أَو لأَنَّه أَبصر رُشْدَه فى العبادة. قيل: أَوْحَى الله تعالى إِلى يُوْنُسَ أَنْ قُلْ لأُمَّتِكَ قولُوا لا إِله إِلاَّ الله ثم اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ.
وقال النبىّ ﷺ : "لا تُفَضِّلُونى على يُونُسَ بنِ مَتّى" وقال: مَنْ قال أَنا خَيْرٌ من يُونُسَ بنِ مَتّى فَقَدْ كَذَب".
ودعاه الله تعالَى فى القُرْآن بأَحَدَ عشر لَقباً: ذوُ النُّونِ ومُغاضِبٌ فقال ﴿وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً﴾ ، ومُنادِى الحَقّ ﴿فنادى فِي الظلمات﴾ ، ومُسْتَجابُ الدَّعْوة ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ والمُنَجَّى ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم﴾ ، والمُرْسَل ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين﴾ والآبِقُ إِلى الحَقِّ ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الفلك المشحون﴾ ، والمُدْحَضُ ﴿فَكَانَ مِنَ المدحضين﴾ ، مُلِيمٌ ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ ، مُسَبِّحٌ ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ ، صاحِبُ الحُوت ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ ، مَكْظُومٌ ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ ، مُجْتَبَى وصالِح ﴿فاجتباه رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾ .
стр. 2743
وذكره الله تعالى باسمه فى مواضع من التَّنْزيل: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين﴾ . ﴿فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ ، ﴿وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين﴾ . ويُرْوَى أَنَّه لَمَّا الْتَهمَهُ الحُوتُ جعل يُسَبِّح الله تعالى فى بَطْنِه فقالت ملائكة السَّماءِ يا رَبَّنا إِنَّا نَسْمَع صوتَ عبدِ معروفٍ من مكانٍ مَجْهولٍ، فقال الله تعالَى: ذاك صوتُ عَبْدِى يونُس قَنَّط عبادى / من رَحْمَتِى فأَوْقَعْتُه فى ظُلْمة البحر وبَطْن الحوت. وكان يُونُس يَنُوحُ على نفسه فى جَوْف الحوت ويقول: إِلهِى من الجِبال انْزَلْتَنِى، ومن بين العِباد أَخْرَجْتَنِى، وفى البحار صَيَّرْتَنِى، وفى بَطْنِ الحُوتِ حَبَسْتَنِى، وبشُؤْم الزَلَّةِ ابْتَلَيْتَنِى، فلو نَجَّيْتَنِى من سِجْنِك لأَعْبُدَنَّك عِبادَةً لم يَعْبُدْك أَحَدٌ من العالمين، ﴿لاَّ إلاه إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ .
قال:
آثَرَ اللهُ فارْضَ بالقُوتِ ... لا تَسَخَّطْ قَضاءَ مَوْقُوتِ
إنَّما الصَّبْرُ والرِّضَا عَقدا ... عِقْدَيْن من لُؤْلُؤٍ ويَاقُوتِ
أَخُور الرِّضا صائرٌ إِلى مِقَةٍ ... وصاحِبُ السُّخْط شَرُّ مَمْقُوتِ
قيلَ لصَدْر الأَنامِ ارْضَ ولا ... تكُنْ جَزُوعا كصاحِب الحُوتِ
стр. 2744
بصيرة فى ذكر لوط ﵇
وهو اسم أَعجمىّ مقال نُوح يجوز صرْفُه، وهو أَوّل من سُمّى بهذا الاسم، وهو لُوطُ ابن هارون بن تارَح ويقال تِيرَح، وهو ابن أَخى إِبراهيمَ الخليل ﵇.
وقد ذكره الله فى القرآن بعَشَرَة أَسماءِ: النَّاجِى ﴿نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ ، الشَّاكر ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ ، نَذِيرٌ ﴿فَتَمَارَوْاْ بالنذر﴾ ، مُنْذِرٌ ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ مُرْسَل ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ المرسلين﴾ ، الأَخُ ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ ، رَسُولٌ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ، مُتَطَهِّر ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ .
ودعاه باسمه فى عَشَرة مَواضِعَ من القرآن: ﴿وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا﴾ ، ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ، ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ ، ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ، ﴿جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ﴾ ، ﴿يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ ، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المرسلين﴾ ، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ ، ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ .
خرج لوطٌ من أَرض عراق مع عمّه إِبراهيم تابِعاً له على دِينه مهاجِراً إِلى الشَّام،
стр. 2745
ومعهما سارة امرأةُ إِبراهيم، وخرج معها آزَرُ أَبو إِبراهيم مخالِفاً لإِبْراهِيم فى دينه، مُقِيما على كُفْره، حتَّى وصلوا حَرَّانَ، فمات آزرُ ومضى إِبراهيم ولُوطٌ وسارة إِلى الشَّام، ثمّ مَضَوْا إِلى مِصرَ ثمّ رجعوا إِلى الشَّام، فنزل إِبراهيم فلسطين، ونزل لوطٌ الأُرْدُنَّ، فأَرسله الله تعالى إِلى أَهْلِ سَدُومَ وما بينهما، وكانوا كُفَّاراً يَأْتونَ الفَواحِشَ، ومنها إِتْيانُ الذُكْرانِ ما سَبَقَهم بها من أَحَدٍ من العالَمِين، ويَتضارَطُون فى مجالسهم، فلمّا طال تمادِيهم فى غَيّهم ولم يَنْزَجِروا دعَا عليهم لُوطٌ وقال: ﴿رَبِّ انصرني عَلَى القوم المفسدين﴾ فأَجاب الله دُعاءَه وبعث جبريلَ وميكائيلَ وإِسرافيل ﵈ لإِهلاكهم وبِشارَة إِبْراهيم بالوَلَد، فأَقبلوا فى صورة رِجالٍ مُرْدٍ حِسانٍ، فنزلوا على إِبراهيم ضيفاناً وبَشَّروه بإِسحاق ويعقوب. ولمّا جاء آلَ لُوطٍ العذاب فى السَّحر اقتلع جبريلُ قَرَياتِ لُوطٍ الأَربع، فى كلّ قرية مائة أَلف، ورفعهنَّ على جَناحه بين السَّماءِ والأَرض حتى سمع أَهلُ الدّنيا نُباحَ كِلابِهم وصِياحَ دِيَكَتِهِنَ ثمّ قَلَبَهُنَّ فجعل عالِيَها سافِلَها وذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ﴾ . وهلكت امرأَة لوط مع الهالِكين.
قال أَبو بكر بن عَيّاش: استَغْنَتْ رِجالُهم بِرجالهم، ونِساؤهم بِنسائهم، فكان عليهم من العذاب ما كان. قال بعضهم:
طَهِّرْ فُؤادكَ واحْتَضِنْه مَحُوطَا ... لا تَمْنَحَنْه قَساوَةً وقُنوطَا
/إِنَّ الَّذِين اسْتَبْدَلوا مِنء طَيِّب ... خُبْثاً رَأَوْا فى إِثْر ذاكَ حُبُوطَا
بحِجارة مَنْظُودَة مَوْسُومَة ... اللهُ أَمْطَرَها فشَدَّ سُقُوطَا
جُعِلَتْ أَعالى دراهمْ كأَسافِلٍ ... وأَبادَ خَضْراهُم ونَجَّى لُوطَا
стр. 2746
بصيرة فى ذكر شعيب ﵇
وهو شُعَيْبُ بن يَصْهُر، قال عطاءٌ وغيره: هو شُعيْبُ بن ميكيل بن يَشْجُر بن مدْين ابن إِبْراهِيم الخليل. وكان يُقال لشُعيْبٍ خَطِيب الأَنْبياء، وكان رسولاً إِلى أَهل مَدْين أَصحاب الأَيْكَة، وكان كثير الصّلاة والعِبادة، وكان عذاب قَوْمه بالنَّار، وكان عصى مُوسى تَذْكِرةً منه إِلَيْه. وقد ذكره الله تعالى فى مواضع من التَّنْزيل، ودعاه بأَربعة عشَر اسْما: مُرْسَلٌ ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيكة المرسلين﴾ ، أَخٌ ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ ، رسُولٌ: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ، أَبٌ وشَيخٌ كبيرٌ ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ، صادِقٌ ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ ، صالِحٌ ﴿إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ، خائفٌ ﴿وإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ ، حلِيمٌ ورشِيدٌ: ﴿إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد﴾ ، مُتَوَكِّل ومُنِيبٌ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
وذكره باسمه فى مواضع: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ ؛ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب﴾ ﴿لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً﴾ ، ﴿الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الخاسرين﴾ ، ﴿ياشعيب أصلاوتك تَأْمُرُكَ﴾ ، ﴿ياشعيب مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ﴾ ، ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً﴾ .
стр. 2747
ولم يكن فى الأَنبياء بعد نبيّنا محمّد ﷺ أَفصح ولا أَبْلَغَ من شعيب. قرأَ رسول الله ﷺ قِصَّته فى سورة وما كان مِنْه ومن قومه وتأَمّل فى أَلفاظ تَذْكِيرِه لِقَوْمه فقال: "رحِم الله أَخِى شعيْباً، ذاك خَطِيب الأَنْبياء، كان يُحْسِن مراجعة قَوْمه".
قال بعضهم:
أَصاحِ انَّ الفَصاحةَ خَيْر خِلِّ ... تُكُلِّفَ حَوْلَها سَيْفٌ وسَيْبُ
فما فِى مُبْتَداهُ عُمْرُ وَعْىٍ ... وما فى المنْتَهَى شَكٌّ ورَيْبُ
حديثٌ جاءنا حسنٌ صحِيحٌ ... رَواه عن الرَّسولِ لنا خُبَيْبُ
فقال لقَوْلِه لمَّا تَلاهُ ... خَطِيبُ الأَنْبياء أَخِى شُعَيْبُ
стр. 2748
بصيرة فى ذكر أيوب ﵇
وأَيّوبُ اسمٌ أَعجمىّ غير منصرف كسائر نظائره، وقيل: عربىٌّ معناه الرّجاع إِلى الحقِّ فى جميع أَحواله من المِحْنَة والبلاء، والمِنْحة والرَّخاء، مِنْ آبَ يَؤُوبُ أَوْباً وإِياباً، فهو آيِبٌ وأَوَّابٌ. وقيل: هو فى اللَّغة العبرية معناه أَيضا الرَّجَّاع إِلى الله فى كُلِّ حال. وروينا فى الصّحيحين عن النبىّ ﷺ قال: "بيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِل عُرْياناً خَرَّ عليه رِجْلُ جَرادٍ من ذَهبٍ، فجعل يَحْثِى فى ثَوْبه، فناداه ربُّه: يا أَيّوبُ أَلَمْ أَكنْ أَغْنَيْتك عمّا تَرى؟ قال بلَى يا ربِّ ولكن لا غِنَى لِى عن بركَتك": ويُرْوى أَنَّ أَيّوب ناجَى ربَّه وقال: إلهى ما رأَيتَ عُرْياناً إِلاَّ أَلْبَسْتَه، ولا جائعاً [إِلا] أَشْبعْتَه، فَلِمَ ابْتَلَيْتَنى؟ فنُودِىَ صدقْتَ، ولكنَّك لو أَصْبحْتَ أسيراً فى يدِ عبْدٍ من عبيدى يُحكِّم فيك ما يُرِيد لأَصْبحْتَ فى بلاءٍ أَشَدَّ مِنْ هذا، ولكنَّك أَصبحت فى يدِى وأَنا أَرحمُ الرّاحمين. وقيل: لمّا اشتدّ البلاءُ بأَيّوب قِيل له لَوْ دعوْتَ الله حتَّى يَشْفِيك! فقال: قد أَتَى علَىّ فى الرّخاء سبعون، لأَصْبِرنَّ إِلى أَنْ يأتِىَ علىّ فى البلاء سبْعون، فإِن زاد البلاءُ على الرّخاء، فحينئذ أَدْعُو ربّى. وقيل: لَمَّا قَدّم أَيّوبُ فى البلاء جِسْمه قَدَّم الله فى الثَّناءِ اسْمه، إِشارة إِلى أَنّ أَسماء جمِيع الأَنبياء فى / أَثناء قِصصِهم واسْمُ أَيُّوب فى صدْرِ قِصّته.
وقد دعاه الله تعالى فى القرآن بأسماء: صابِرٌ ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ العبد﴾ ، أَوّابٌ: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ مُنادى: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ ، وهو أَوّلُ من دعا الله بأْرَحَمِ الرّاحِمِين.
وذكره الله تعالى باسمه فى كتابه العزيز قال تعالى: ﴿كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً﴾ إِلى قوله: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ ، ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ ، ﴿واذكر عَبْدَنَآ أَيُّوبَ﴾ ،
стр. 2749
ويُرْوَى أَنَّ الله تعالى أَوْحى إِلى أَيّوب بأَنَّ هذا البلاء قد اختاره سبعون نبيًّا قَبْلَك، فما اخترتُه إِلاَّ لك، فلمّا أَراد الله كَشْفَه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضر﴾ حتَّى زال عنه ما اختاره الله له. قال بعضهم:
اسْتَصْحِبِ الصَّبْر يوْماً ظَلُّ منْكوبا ... إِنْ كنتَ ذا قدْرةٍ أَو كنْت مغْلوباً
الصَّبْرُ لِلْفَرج المَرْجُوِّ مُنْعَرَجٌ ... الصَّبْرُ صَبْرٌ أَمَرّ المُرِّ مَقْلوبَا
يَعْقوبُ فى أَسَفٍ يَرْثِى لِصاحِبِه ... فالصَّبْر جاء بِه أَعْطاه يَعْقوبَا
أَيُّوب فى صَبْرِه يَشْكو مَضَرَّتَهُ ... أَشْفَى عليه الشفا فانْتابَ أَيُّوبَا
وكان أَيّوبُ ببلاد حَوْران من الشَّام، وقبره فى قرية بقرْب نَوَى، عليه مَشْهَدٌ ومَسْجِد وقريةٌ موقوفةٌ على مصالحه، وعينٌ جارية فيها قَدَمٌ فى حَجَرِ يقولون إِنَّه أَثَرُ قَدَمه، والناس يغتسلون من العَيْن ويشربون متبرّكين، ويقولون إِنَّها المذكورة فى القرآن، وهناك صخرة عليها مَشْهَدٌ يقولون إِنَّه كان يستند إِليها.
стр. 2750
بصيرة فى ذكر موسى ﵇
وموسى اسمٌ مُعَرَّبٌ أَصله مُوشا، ومُو بالعِبْرِيَّة الماء، وشا الشَّجَر، سمّى به لأَنَّه وجد فى الماء والشجر الذى كان حول قصر فرعون فى عين الشمس، وهى موضع معروفٌ بمصر لا يَنْبُت شجر البَلَسان إِلاَّ فيه. قيل: سُئِل النبىّ ﷺ ما بَال الله أَكْثَرَ ذِكْرَ موسى فى القرآن؟ فقال: لأَنَّ الله يُحِبُّه، ومنْ أَحبَّ شَيْئاً أَكثر ذِكْرَه. قال كعبٌ: سَمِع موسى كلام الله يوم الطُّور غير ما سمِعه قبل ذلك، فقال موسى: يا ربّ وكيف هذا؟ قال الله تعالى: إنما كلَّمتك على قَدْر طاقَتِك، ولو كلَّمتك أَشدَّ من هذا لَذُبْتَ.
وقد دعاه الله تعالى فى القرآن بخمسين اسْما تصريحاً وتعريضاً، هادِى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ، دَاعِى: ﴿ادع لَنَا رَبَّكَ﴾ ، نَاجِى: ﴿وَأَنجَيْنَا موسى وَمَن مَّعَهُ﴾ ، ساقى: ﴿وَإِذِ استسقى موسى﴾ ، نَاسِى: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ ، صادقٌ: ﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ﴾ ، صاعِقٌ: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ ، مُصْطَفَى: ﴿إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس﴾ ، شاكِرٌ: ﴿وَكُنْ مِّنَ الشاكرين﴾ ، صَابِرٌ: ﴿إِن شَآءَ الله صَابِراً﴾ ، آمِرٌ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ ، غَضْبانُ وأَسِفٌ: ﴿إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ ، مَذْكُور: ﴿واذكر فِي الكتاب موسى﴾ ، مُخْلَص: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾ ، رَسُولٌ ونَبِىٌّ: ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ ، مُنادى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور الأيمن﴾ ، مُقَرَّبٌ ونَجِىٌّ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ ، مُختارٌ: ﴿وَأَنَا اخترتك﴾ ، مُسْتمِع: ﴿فاستمع لِمَا يوحى﴾ ، مُسَبِّح: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾
стр. 2751
مَحْبُوبٌ: ﴿عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ ، مُصْطَنَع الحقّ: ﴿واصطنعتك لِنَفْسِي﴾ ، قُرَّةُ عين: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ ، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ ، أَعْلَى: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى﴾ ، كَبِيرٌ: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ ، مُسْتَعْجل: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى﴾ ، رَسُولٌ كريمٌ: ﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ ، مُرْسَلٌ: ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ ، ولِيدٌ: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ ، لابِثٌ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ ، مُبَرَّأٌ: ﴿فَبرَّأَهُ الله مِمَّا / قَالُواْ﴾ ، مُبارَكٌ: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النار﴾ ، وَجِيهٌ: ﴿وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً﴾ ، بالِغٌ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ ، ظَهيرٌ: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ ، خائفٌ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً﴾ ، فَقِيرٌ: ﴿إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ، قَوِىٌّ وأَمينٌ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ ، أَجير: ﴿على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ، قاضى: ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل﴾ ، مُقْبِل: ﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ﴾ ، آمِنٌ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الآمنين﴾ ، مَنْصُورٌ: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ ، غالِبٌ: ﴿فَكَانُواْ هُمُ الغالبين﴾ ، مَهْدِىٌّ: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصراط المستقيم﴾ ، مُحْسِنٌ: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ ، مُؤْمِنٌ: ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين﴾ ، رَجُلٌ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً﴾ .
وذكره الله تعالى فى القرآن باسْمه فى مائة وثلاثين موضعاً، منها: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى﴾ ، ﴿آتَيْنَا مُوسَى الكتاب﴾ ، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ موسى﴾ ، ﴿وَقَالَ موسى يافرعون﴾ ،
стр. 2752
﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ، ﴿رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ ، ﴿أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ﴾ ، ﴿يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ﴾ ، ﴿ياموسى ادع لَنَا رَبَّكَ﴾ ، ﴿ياموسى اجعل لَّنَآ إلاها﴾ ، ﴿وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني﴾ ، ﴿وَلَمَّا جَآءَ موسى لِمِيقَاتِنَا﴾ ، ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ ، ﴿ياموسى إِنِّي اصطفيتك﴾ ، ﴿واتخذ قَوْمُ موسى﴾ إِلى قوله: ﴿جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾ ، ﴿رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ﴾ ، ﴿وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب﴾ ، ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ ، ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق﴾ ، ﴿قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ﴾ ، ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ﴾ ، ﴿وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ﴾ إِلى قوله: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ﴾ ، ﴿وَفِي موسى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ، ﴿آتَيْنَا موسى تِسْعَ﴾ ، ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً﴾ ، ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتَاهُ﴾ ، ﴿قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ ، ﴿واذكر فِي الكتاب موسى﴾ ، ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾ ، ﴿نُودِيَ ياموسى﴾ ، ﴿أَلْقِهَا ياموسى﴾ ، ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى﴾ ، ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾ ، ﴿جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى﴾ ، ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ ، ﴿قَالَ لَهُمْ موسى﴾ ، ﴿ياموسى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾ ، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى﴾ ، ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ ، ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ ، ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى﴾ ، ﴿هاذآ إلاهكم وإلاه موسى﴾ ، ﴿وَأَنجَيْنَا
стр. 2753
موسى﴾ ، ﴿نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ موسى﴾ ، ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى﴾ ، ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى﴾ ، ﴿فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ﴾ ، ﴿قَالَ لَهُ موسى﴾ ، ﴿قَالَ ياموسى إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ ، ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل﴾ ، ﴿ياموسى إني أَنَا الله﴾ ، ﴿ياموسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ﴾ ، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى﴾ ، ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا على موسى وَهَارُونَ﴾ ، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فاختلف فِيهِ﴾ ، ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى﴾ ، ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَاماً وَرَحْمَةً﴾ ، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾ ، ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى﴾ ، ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ موسى﴾ .
قيل لمّا سأَل موسى الرّؤية أَتاه من كلّ سماءٍ سبعون أَلف مَلَكٍ، وبيد كلّ واحد شعلة نار، ويقولون يا ابن النِّساء الُحيَّضِ، أَتطمع فى رؤية ربِّ العزَّة؟! وقال السُّدّىُّ لمّا قال: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ أَحفّ الله الطور نيراناً، وأَحفَّ النيران ملائكةً، وأَحفَّ الملائكة بالبرْق، والبرْقَ بالظُّلْمة، والظُّلمة بالزَّلْزلَة، ونُودِى لَنْ تَرانِى.
وقال وهبٌ وابن إِسحاق: لمّا سأَل موسى الرّؤية أَرسل الله تعالى الضَّباب / والصّواعق والظُّلمة والرَّعْد والبَرْقَ وأَحاطَتْ بالجبل الذى عليه موسى أَربعة فراسخ من كلّ جانبٍ، وأَمر الله تعالَى ملائكة السَّماوات أَن يُعْرَضوا عليه، فمرّت به ملائكة السّماء الدّنيا كثيران البقر تتابع أَفواههم التسبيح والتَّقديس بأَصوات عظيمة كصوت الرّعد الشديد، ثم أَمر الله تعالى ملائكة السّماء الثانية أَن اهبطوا على مُوسى فاعترضوا عليه، فهَبطُوا عليه أَمْثال الأُسُودِ لهم لَجَبٌ بالتَّسبيح والتَّقديس، ففَزِع العبْدُ الضَّعِيفُ ممّا رأَى وسمِع، واقشعرّت كلّ شعرة
стр. 2754
فى رأْسِه وجسده، ثم قال: لقد نَدِمْت على مسْألتِى، فهل يُنْجِيِنى من مكانى الَّذى أَنا فيه شئ؟ فقال له خير الملائكة ورئيسهم: يا موسى اصْبِرْ لما سأَلت، فقليلٌ من كثير ما رأَيت. ثمّ أَمر الله تعالى ملائكة السّماء الثَّالثة، أَن اهبطوا على مُوسى واعترضوا عليه فَهَبطُوا أَمثال النُّسورِ لهم قَصْف ورجْفٌ ولَجبٌ شَدِيدٌ، وأَفواههم تتابُع التسبيح والتقديس كلَجَبِ الجيْش العظيم، أَلوانهم كلَهَب النَّار، ففزع موسى واشتدَّ نَفَسُه وأَيِس من الحياة، فقال له خير الملائكة: مكانَك يا ابْنَ عِمْرانَ حتى ترى ما لا تَصْبِرُ عليه. ثمّ أَمر الله تعالى ملائكة السّماء الرّابعة أَن اهْبِطوا على موسى فاعْتَرِضوا عليه، فهبطوا وكان لا يشبههم شئ من الذين مرّوا به قبلهم، أَلوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثَلْجِ الأَبيض، أَصواتُهم عالية بالتسبيح والتَّقْديس، لا يُقاربهم شئ من أَصوات الَّذين مرُّوا به قبلهم، فاصطكت رُكْبتاه وأُرْعِد قلبُه، واشتدّ بُكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا بْنَ عِمْران اصبر لما سأَلت، فقليل من كثير ما رأَيت. ثمّ أَمر الله تعالى ملائكة السّماءِ الخامسة أَنِ اهبطوا فاعترِضوا على موسى، فهَبطوا عليه لهم سبعةُ أَلوان فلم يستطع موسى أَن يُتْبِعهم بصره، لم ير مثلَهم ولم يسمع مثل أَصواتهم، فامتلأَ جوفُه خوفا، واشتدّ حزنه وكثر بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا بن عِمْران اصبر حتى تَرى بعض مالا تصبر عليه، ثمّ أَمر الله ملائكة السّماء السادسة أَن اهْبِطوا على عبدى الَّذى طلب يرانى فاعترِضُوا عليه، فهبطوا عليه فى يد كلّ ملَكٍ منهم مثل النَّخلة الطَّويلة ناراً أَشدّ ضوءًا من الشمس ولِباسُهم كلَهَبِ النار، إِذا سبحوا وقَدّسوا جاوبهم من مكان قبلهم من ملائكة السّماوات كلّهم يقولون بشدّة أَصواتهم سبّوح قُدُّوسٌ ربُّ الملائكة والرُّوح، ربُّ العِزَّة أَبداً لا يمُوت، فى رأس كلّ ملَكٍ منهم أَربعةُ أَوْجُه. فلمّا رآهم موسى، رفع صوته يسبّح معهم حين سبّحوا وهو يبْكى ويقول: ربّ اذكُرْنى ولا تَنْس عبْدك، لا أَدرى أَنْفَلِتُ ممّا فيه أَم لا؟ إِن خَرَجْت احْتَرقْت، وإِن مكَثْت مِتُّ! فقال له خير الملائكة ورأسهم: اسكت يا بنَ عِمْران: [أَوْشك] أَنْ يشتدّ خَوْفُك وينخلع قَلْبُك فاصبر
стр. 2755
للذى سأَلت. ثم أَمر الله تعالى أَن يحمل عرشه فى ملائكة السَّماء السّابعة، فلمّا بدا نورُ العِزَّة انفرج الجبل من عظمة الرّب تعالَى، ورفعت ملائكة السماوات أَصواتَهم جميعاً يقولون: سبحان المِلك القُدُّوسُ ربُّ العِزَّة أَبداً لا يمُوت، بشدّة أَصواتهم، فارتجَّ الجبل، وانْدَكَّ. كُلّ شجرة كانت فيه / وخَرَّ العبد الضَّعيف موسى صعِقاً على وجْهِه وليس معه رُوحه، فأَرسل الله تعالى برحْمتَه الرُّوح فتَغَشّاه، وقَلَب عليه الحجر الَّذى كان عليه موسى وجعله كهَيْئة القُبَّة لئلاّ يحْتَرِق موسى، فأَقامه الرُّوح مثل الأُمّ، فقام موسى يسبِّحُ الله تعالى ويقول: بِكَ آمنت ربِّى وصدَّقْتُ أَنَّه لا يراك أَحدٌ فيَحْيا، ومن نظر إِلى ملائكتك انْخَلَع قلبُه، فما أَعظَمكَ وأَعْظَم ملائكتك، أَنت ربُّ الأَرْباب وإِله الآلهة، ومَلِكُ المُلوك، لا يعْدِلُك شئٌ، ولا يقُوم لك شئٌ، ربِّ تُبْتُ إِليك، الحمدُ لَكَ لا شريك لَكَ، ما أَعْظَمك وما أَجلَّك ربُّ العالمين. أَنشد بعض الأَدباء:
لِلْحُبّ نورٌ مُنَوّرْ ... فى عَرْصة الجِنانِ
للَّذِكر حُسْنُ أُنْسٍ ... يُنْسِى جَنَى الجِنان
الحُبُّ فى كَمالٍ ... والحُبُّ فى جمالٍ
أَضحى أَخا كَلالٍ ... عن وصفه لِسانى
الشَّوْق فى الْتِهابِ ... والدَّمْع فى انْسِكابِ
السِرُّ فى اضْطراب ... يَنْبُو عن البَيان
فيهم لَقِيتُ كَرْبا ... حتىّ انْتَشَيْت شرباً
ثمّ اشْتَهَيْت قرْباً ... من سُكْرٍ اعْترانىِ
نادَيْت يا حَبِيبِى ... ارحَمْ عَلا نحيبى
اسْمَع من الغَرِيب ... انْظرْ إِلى المُهانِ
بادِرْ إِلَىَّ عَطْفاً ... اصْبُبْ لَدَىّ لطْفاً
وامْننْ عَلَىّ كَشْفاً ... فى مَجْلس التَّدانى
نُودِيتُ يا ابْن آدَمْ ... نسيتَ عِلْمَ عالِمْ
يا سيّدى إِلى كَمْ ... من قَهْر لَنْ تَرانى
стр. 2756
بصيرة فى ذكر هارون ﵇
وهارُونُ اسمٌ أَعجمىٌّ غير منصرف، وقيل: مُعَرَّب أَرُون، والأرَنُ: النَّشاطُ، سُمِّىَ به لِنَشاطه بالطَّاعة، ثم قيل: هارون، كما قالوا فى إِيّاك هِيّاك، وفى إِبْرِيّة هِبْرّية.
وقد سمّاه الله تعالى فى التنزيل بعشرة أَسماء تَصرِيحاً وتعريضاً: وَزِيرٌ ﴿واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ﴾ ، أَخٌ: ﴿اغفر لِي وَلأَخِي﴾ ، رَسُولٌ: ﴿إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ﴾ مُرْسَلٌ: ﴿فَأَرْسِلْ إلى هَارُونَ﴾ ، نَبِىٌّ: ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾ ، رِدْءٌ: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً﴾ ، أَفْصحُ: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ ، مُصَدِّقٌ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ ، خَلِيفةٌ: ﴿اخلفني فِي قَوْمِي﴾ .
وهارُون اسْمُه العَلَم، وقد ذكره الله تعالى بهذا الاسم فى مواضع من التنزيل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان﴾ ، ﴿رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ ، ﴿لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني فِي قَوْمِي﴾ ، ﴿هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ ، ﴿فَأَرْسِلْ إلى هَارُونَ﴾ ، ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾ ، ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً﴾ ، وقال رسول الله ﷺ لعلىٍّ رضى الله عنه "يا عَلِىُّ أَنتَ مِنِّى بمنزلة هارُونَ من مُوسَى".
стр. 2757
وقال الثَّعْلَبِىّ: كان هارُون فصيحَ اللِّسان بَيّنَ الكلام، وكان أَطولَ من مُوسَى وتُوفِّىَ قَبْلَ مُوسَى.
وقد ورد عن رسول الله ﷺ أَنَّ مُوسَى دَفَنَ أَخاه هارونَ ﵉ فى شِعْب أُحُدٍ. أَخرجه الإِمام ابن عَساكر.
وفى حديث الإِسراء من تاريخ دمشق عن أَبى سَعِيدٍ الخُدْرِىّ عن النبىّ ﷺ : "ثم صعدت إِلى السّماء الخامِسة فإِذا أَنَا بهارون ونِصْف لِحْيَته أَبيض ونِصْفُها أَسْوَدُ، تكاد لحْيَتُه تَضْرِب سُرَّتَه من طُولِها، قلت يا جِبْرائيل من هذا؟ قال: هذا المَحُبَّبُ فى قَوْمِهِ، هذا هارُون بنُ عِمْران". وفى الصّحيحين: "فإِذا بِهارُون فرَحَّب ودَعا لى بخير".
стр. 2758
بصيرة فى ذكر فرعون
وفِرْعَونُ اسمٌ أَعجمىٌّ ممنوعٌ من الصّرف، والجمع فَراعِنَةٌ كقَياصِرة وأَكاسِرَة / وهو اسمٌ لكلّ من مَلَك مِصْرَ، فإِذا أُضِيفَت إِليها الاسكَنْدرِيّةَ سُمِّىَ عَزِيزاً.
واختلف فى اسمه، فقيل: مُصْعَب بن الولِيد، وقِيل رَيَّانُ بن الوَلِيد، وقيل الوَلِيدُ ابن رَيّان. وكان أَصله من خُراسانَ من مدينة بسورمان، وقيل من قرية مجهولة تسمّى نوشخ. ولما قَعَد على سرير الملك قال: أَين عجائِز نُوشَخ.
وقد صدر منه ما لَمْ يَصْدُر من أَحَدٍ من الكُفَّار والمتمرِّدين، ولا من قائِدهم إِبْليس، منها: إِنكارُ العبوديّة ودَعْوَى الرُّبُوبِيّةِ بقوله: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ ، ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إلاه غَيْرِي﴾ ، ومنها: نَكالُ زَوْجَته وقَتْلُها أَشدَّ قِتْلَة بسبب إِيمانها بالله؛ ومنها: جَمْعُ السَحَرة لمُعارَضةِ الأَنْبِياء.
وقد دعاه الله تعالَى فى القرآن بأَسماءٍ تُشْعِر بخِذْلانِهِ وذُلِّهِ وخِزْيه، منها: المُكَذِّب والعاصى: ﴿فَكَذَّبَ وعصى﴾ ، مُدْبِرٌ وساعِى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى﴾ ، حاشِرٌ، ومُنادِى: ﴿فَحَشَرَ فنادى﴾ ، مُدَّعِى ومُعْتَدِى: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ ، مُسْتَعْلِى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ﴾ مُفْسِدٌ: ﴿وَكُنتَ مِنَ المفسدين﴾ ، مُجْرِمٌ: ﴿وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾ ، مُسْرِفٌ: ﴿وَأَنَّ / المسرفين هُمْ أَصْحَابُ النار﴾ ، كَيّادٌ: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾ ، مَكَّار: ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ ، مُتَكَبِّر وجَبَّارٌ: ﴿يَطْبَعُ الله على كُلِّ قَلْبِ
стр. 2759
مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ، عَدُوٌّ: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ ، فِرعَونُ وطاغِى: ﴿إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ .
وقد ذكره الله تعالى باسمه مقرونا بأَنواع فساده:
١- إِلزام الحجّة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَآ إلى فِرْعَوْنَ﴾ .
٢- إِتيانُ موسى ببيان الحَقِّ له: ﴿يافرعون إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾ .
٣- تسميتهم مُوسى بالسّاحِر: ﴿قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هاذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ .
٤- إِصرارُهم على الكُفْرِ وقَسَمُهُم بعزَّته: ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون﴾ .
٥- فى جَمْعه السَّحَرة للمَكْر والحِيلة: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي المدآئن حَاشِرِينَ﴾ .
٦- استدعاؤه السّحرة فى حال الخَلْوة: ﴿وَجَآءَ السحرة فِرْعَوْنَ﴾ .
٧- تهديدُه السَّحرة لَمّا آمنُوا: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ﴾ .
٨- ﴿وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى﴾ .
٩- الإِخبارُ بهلاكه ودماره: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ .
١٠- الإِخبارُ عن كَيْدِ بعد الهرب والهزيمة: ﴿فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ .
١١- الإِخبار عن إِضلاله قومه: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾
стр. 2760
١٢- الإِخبار عن مُوافَقَتِه لأَهل الكُفْرِ لشَقاوته: ﴿وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد﴾ .
١٣- الإِخبارُ عن مُجادلته موسى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين﴾ .
١٤- الإِخبارُ عن تَمرُّده وتجبُّره: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض﴾ .
١٥- الإِخبارُ عن كونه فى الخَطأ ليلاً ونَهاراً سِرّاً وجهاراً: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ .
١٦- الإِخبارُ عن إِظْهار القُدْرةِ بجعْل تَرْبية موسى على يد فِرْعون: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً﴾ .
١٧- الإِخْبارُ عن مُلاطفات آسِيةَ ومساعِيها فى نَجاة مُوسى وسلاَمته: ﴿وَقَالَتِ امرأة فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ .
١٨- تَشَبُّه كفَّار مكة فى قُبْح سيرتهم بفِرْعَوْن ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ .
١٩- الإِخبار عن هلاكهم وسُوء عاقِبَتِهم: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾ .
٢٠- الإِخبار بأَن يجرى عليهم نظيرُ ما جَرَى على قومِ عادٍ وثمود: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ إِلى قوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد﴾ قال:
تَكَبَّر فِرْعَوْنُ القُبَيْطىّ عاتِياً ... فصارَ غَرِيقَ البَحْرِ فى قَعْرِ يَمِّهِ
كما تاه / إِبْليسُ اللَّعِين تَجَبُّراً ... وكانَ وَقوداً للسَّعِير بغَمّه
стр. 2761
بصيرة فى ذكر هامان
وهو اسمٌ أَعجمىٌّ، وقد تقدّمت نظائره، وكان وزيرَ فِرْعَوْنَ، وأَصله من خراسان من قرية يقال لها بوشنج، وكان قد قَرأَ كتبَ المتقدّمين، وكان له اليَدُ الطُّولَى فى حساب النُّجوم وكان يستدلّ مِنْ طالِعِه على مُجْمَل أَحوالِه وأَحوالِ فِرْعَوْن، فاتَّفقَا وسافرا جميعا من خراسان إِلى أَن بَلَغَ أَمرُهما ما بَلَغ. وذِكْرُ شواهد شَقاوَته وخذْلانه فى مواضِع من الكتاب العزيز، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ﴾ ، ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ ، ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ ، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى﴾ إِلى قوله ﴿فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ ، ﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين﴾ ، ﴿ياهامان ابن لِي صَرْحاً﴾ .
يقال: خمسةُ وُزراء ما لَهُمْ سادِسٌ، اثنان مُسْلِمان وثلاثة كُفَّار، امّا المُسْلِمان فهارونُ وزير مُوسَى ﴿واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾ ، والثَّانى آصِفُ بن بَرْخِيا وَزِيرُ سليمان ﵇. وأَمّا الثلاثة الكَفَرة: فبُزُرْجُمُهْر وزير نُوشروان، وأَرِسْطاطالِيس وزيرُ ذِى القَرْنَيْن، وهامانُ وزيرُ فِرْعَوْن. قال:
مَنْ كان فى وِدادِه خَوّانَا ... فارَق مِنْ فَساده الإِخْوانا
زادَ على عُدْوانه عُدْوانَا ... كأَنَّه مُعاقِلٌ هامانَا
стр. 2762
بصيرة فى ذكر قارون
وهو اسمٌ عِبْرِىٌّ غير مُنْصَرِف، وقيل مشتقّ من قَرَنَ، فاعُول منه للمُبالَغَة، سُمِّىَ به لأَنَّه قُرِنَ بالمُلْكِ ثم قُرِنَ بالهُلْك. وكان ابنَ عَمِّ موسىَ ومتزوّجا بأُختْهِ، وكان عامِلاً لِفِرْعَوْنَ على بنى إِسرائيل قبل مجِئِ مُوسَى، وكان فى الجَمال على حدِّ الكَمال، بحيث كانوا يُلَقِّبُونه بالمُنَوَّرِ، لأَنّ المجلس كان يُنَوَّرُ بجَمالِه.
وسبب جمعه للمال العظيم اطَّلاعُه على صَنْعَةِ الكِيمِياء، يقال كان يعلم مِنْه ثُلُثَه، وأَخذ ثُلُثاً من هارُونَ وثُلُثاً من أُخْتِ مُوسَى، فكَمُلَ له وكَثُر مالُه حتى صارت مفاتِيح خَزائنه تُحْمَلُ على ثمانِين بَعيراً. قال:
وَعَدْتَنِى وَعْدَكَ حَتَّى إِذا ... أَطْمَعْتَنِى فى كَنْز قارُونْ
جئْتَ من اللَّيْل بغَسَّالَة ... تَغْسِلُ ما قُلْتَ بصابُونْ
стр. 2763
بصيرة فى ذكر السامرى
وكان رجلاً من بنى إِسرائيل، وكان غريباً بينهم، ويُقال إِنَّه كان من أَهْلِ كَرْمان، وقيل: من باجَرْمَى وكان اسْمُه مِيخا، وقيل مُوسَى بن ظَفَر، وقيل له السّامِرىّ نسبة إِلى قبيلة كبيرة من بنى إِسرائيل اسمها سامِرَة، وكانت صنعتُه الصّياغَة، وصحب قوماً كانوا يَعْبُدون العِجْلَ وكانت مَحَبَّته فى قَلْبِه. ولمّا غَرِق فرعون وخرجت بنو إِسرائيل من البَحْرِ سالِمين مَرُّوا على قَوْمٍ من عَبَدَةِ العِجْل فقالوا لِمُوسَى: ﴿اجعل لَّنَآ إلاها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ومن هُنا طَمع السّامرىّ فى أَنْ يَدْعُوَهم إِلى عِبادة العجل، وتذكّرَ أَنَّ اليوم الَّذى كان جبريل مقدّمة جُنودِ فرعون ليُدْخِلَهم فى البَحرِ، كان على فَرَسِ الحيوان، فرأَى السّامرىُّ طَرَف حافِرِ فَرَسِهِ، فقبض من أَثَرِ وَطْئِه قَبْضَةَ تُراب وجعله فى صُرَّةٍ، وكان معه إِلى اليوم الذى طَرَحَ بنو إِسرائيل ذَهَبَهُمْ وحُلِيَّهم، ووَقَعَت فيها النارُ وذابَتْ، فأَلْقَى السّامِرىُّ تلك التُّربةَ على ذلك الذهبِ الذَّائب وقال: كُنْ عِجْلاً / فصار عِجْلاً جَسَداً له خُوارٌ، وكان ذلك العجْلُ سببَ فِتْنَة بنى إِسرائيل. وفى بعض الآثار النبويَّة: "إِنَّ لِكُلّ أُمَّةٍ فتْنَةً، وإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِى وعِجْلَها المال".
стр. 2764
وقد ذكر الله تعالَى فى التنزيل ضَلالَ السامِرىّ وإِضْلالَه فقال:
﴿وَأَضَلَّهُمُ السامري﴾ ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري﴾ ، ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسامري﴾ ، ﴿قَالَ فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾ .
قال بعضهم:
أَلاَ مَنْ رامَ أَسْبابَ الرِيّاسَةْ ... يُرَى بين الرِيّاسَة والسِّياسَةْ
ومن طَلَب الرِيّاسة مِنْه شَوْقاً ... إِلَيْها يَطْلبُ الرؤُساءُ رَاسَهْ
стр. 2765
بصيرة فى ذكر الخضر ﵇
وفيه لُغَتان: فَتْح الخاء وكَسْر الضَّاد: وكَسْر الخاء وسُكُون الضَّاد، وهو لقبٌ له، واسمه: بَلْيا، بفتح الباء الموحدة وسكون اللام بعدها مثنَّاة تحتيّة، ابن مَلْكان، بفتح الميم وسكون اللاَّم، ابن فالغ بن عابَر بن شالَخ بن ارْفَخْشَذْ بن سامِ بن نُوحٍ. وكان أَبوه من الملوك. واختلفوا فى سبب تلقيبه بالخَضِر، فقال الأَكثرون: لأَنَّه جلس على فَرْوةٍ بيضاء فصارت خضراء، والفروة وجه الأَرض، وقيل الهَشِيم من النَّبات. وقيل لأَنه كان إِذا صلَّى اخْضَرّ ما حولَه. والصّحيح الأَول لما فى الحديث الصحيح من سند البخارى "إِنَّما سمّى الخَضِرُ خَضِراً لأَنَّه جلس على فَرْوَةٍ بيضاء فإِذا هى تهتزّ تَحْتَه خَضْراء"، وهذا نصّ صريح فى سبب تلقيبه. وكنية الخضر: أَبو العبّاس، وهو صاحبُ موسى النبىّ ﵇ الذى سأل السبيل إِلى لقائه، وقد أَنبأَ الله ، فى كتابه بقوله ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ ، وأَخبر الله تعالى فى باقى الآيات بتلك العجائب والغرائب. وموسى الَّذى صحبه هو موسى بنى إِسرائيل كَلِيمُ الله تعالى، كما جاء به الحديث المشهور فى صحيحى البخارى ومسلم.
واختلف العلماء فى حياة الخَضِر وفى نبوّته، فقال الأَكثرون: هو حىٌّ موجود بين أَظْهُرِنا، وذلك مُجْمَعٌ عليه عند المشايخ والصّوفية وأَهل الصّلاح والمعرفة، وحكاياتهم فى رويته والاجتماع به والأَخذ منه وسؤاله وجوابه ووجوده فى المواضع الشريفة ومواطن الخير أَكثر من أَن تحصر، وأَشهر من أَن تذكر. قال الشيخ أَبو عَمْرِو بن الصّلاح فى فَتاوِيه: هو حىٌّ عند جَماهِير العلماء والصّالحين والعامّة معهم فى ذلك، وإِنمّا شذَّ بإِنكاره بعض المحدِّثين، قال: هو نبىٌّ، واختُلِف فى كونه مرسلاً. وقال أَبو القاسم القُشَيْرِىُّ
стр. 2766
فى الرِسّالة: لم يكن الخَضِر نبيّاً وإِنَّما كان وَلِيّاً. وقال قاضى القضاة الماوَرْدِىّ فى تفسيره: "قيل: هو وَلِىٌّ، وقيل: نَبىٌّ، وقيل: من الملائكة، وهذا الثالث غريبٌ ضعيف أَو باطلٌ. وفى صحيح مسلم فى حديث الدَّجَّال أَنَّه يَقتل رَجُلاً ثمّ يُحْييه، قال إِبراهيم بن سُفْيان صاحب مُسْلِم: يقال إِنَّ ذلك الرّجلَ هو الخَضِر. وكذا قال مَعْمَرٌ: إِنَّه يقال إِنَّه الخَضِر.
وقال الثَّعْلَبِىّ: اختلفوا فى أَنّ الخضر كان فى زَمَن إِبراهيم الخليل أَو بعده بقليل أَو بكثير، ثم قال: والخضر على جميع الأَقوال نبىٌّ مُعَمَّرٌ محجوبٌ عن الأَبصار. قال: وقيل إِنَّه لا يمُوتُ إِلاَّ فى آخر الزمان حِينَ يُرْفع القرآن. وقيل: إِنّ الخضرَ على طبع الناس / إِنسىٌّ مَلَكىٌّ، أَرْضِىٌّ سماوىّ، موكَّل على البحارِ لِغْوث الغريق، مستغن عن الطعام والشَّراب، وفى الشريعة والعِبادة موافق لأُمّة النبىّ ﷺ ، ويعتكف فى شَهر رمضان هو وإِلياس فى الجامع الأَقصى من بيت المقْدِس، ويحضرانِ عرفةَ مع الحاجّ، ويجتمعان فى السّنة مرتين: مرة فى الحج، ومرّة فى أَيّام الاعتكاف.
ولمّا قال لموسى ﴿هاذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ واضطر موسى إِلى المفارقة قال له: يا نبىَّ الله أَوْصِنى. فقال: كن بشَّاشاً ولا تكن غَضّاباً، وكن نافِعاً ولا تكن ضاراً، وانْزِعْ عن اللَّجاجة، ولا تَمْشِ فى غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تُعيِّر الخَطَّائِين بخَطاياهُم، وابْكِ على خطيئتك يا بْن عِمْران. قال بعضهم:
تَعاوَنْ فى التُّقَى والبِّر (م) فى أَوْقات إِمْكان
صدِيقُ الخَيْرِ والصِدِيق عِند الله سِيّان
قَرينُ الشَرِّ بالإِجْماع مِنْ أَقْران هامانِ
[وصديق] الصِّدْق مَقْرُنٌ ... كخِضْر وابن عِمْران
стр. 2767
بصيرة فى ذكر الياس ﵇
وإِلياس اسم أَعجمىّ كسائر أَشكاله، لا مجال للعربية فيه، وإِلْياسِين المذكور فى التَّنزيل إِشارة إِلى إِلْياس وأَتباعه، والَّذى يقرأُ آل ياسين المُراد إِلْياس وأَتْباعه أَيضاً لأَن نسبه: إِلْياس بن ياسِين بن فِنْحاص بن عيْزار بن هارُون بن عِمْران، وقيل: آل ياسِين المراد به آلُ المصطفى ﷺ ، ولكن فيه ضعف من حيث المعنى، فإِنَّه لا مناسبة بينه وبين ما قبله.
وكان إِلْياسُ من أَنبياء بنى إِسرائيل، أرسل إِلى قوم كانوا ببعْلَبَكَّ، وكانوا يعبدون صنماً سمَّوْه بَعْلاً. وبلغ قومُه فى إِيذائه وجفائه الغايةَ، وعاقبهم الله تعالى أَنواعاً من العقوبة، وكانوا يلْجؤون إِلى إِلْياس، فكان يسأَلُ الله لهم العفْو فيأتيهم الفَرجُ بدُعائه إِلى أَن ملّ إِلياسُ من أَذاهُمْ ونَقْضِ عهْدِهم، فتضرّع إِلى الله تعالى وسأَله الخلاص من مُقاساتهِم فأَذِنَ له فى مفارقَتِهم، وسلبه شهوةَ الطَّعام والشراب حتى يطَّبع كطَبْع المَلَك، فصار إِنسيّاً مَلَكِيّاً أَرْضِيّاً سماوِيّاً، شرقيّاً غَرْبِيّاً، برِّيّاً، مثل أَخيه الخَضِر.
وقد دعاه الله تعالى فى القرآن بخمسة أَسماءٍ: مُؤْمِنٌ ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين﴾ ، مُحْسِنٌ ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ ، إِلْياسِين ﴿سَلاَمٌ على إِلْ يَاسِينَ﴾ ، إِلْياسٌ ومُرْسَلٌ، ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المرسلين﴾ . قال:
يا منْ تنزّه عن صِفاتِ النَّاسِ ... يا منْ بلذَّةِ ذِكْرِه اسْتِئْناسِى
ما كُنْتُ للذِّكرَى زماناً ناسِى ... فى ذِكْرِكم قد مِلْتُ نحو الْياسِ
стр. 2768
بصيرة فى ذكر اليسع ﵇
وهو اسمٌ أَعجمىٌّ ممنوعٌ من الصّرف، وقيل عربىّ وزنه لفع وكان فى الأَصل يسْعى، وقيل: وزنه يَعَلُ وكان فى الأَصل يوْسع، وقيل: وزنه فَعَل والياء من أَصل الكلمة. وقيل له يَسَعُ لِسَعَةِ عِلمه، أَو لسعْيه فى طلب الحقّ وطاعته.
ويَسَعُ كان خليفة إِلْياس. ولمّا خرج إِلْياس من بين الناس وركب المركب الَّذى بعثه الله تعالى له كان يَسَعُ معه، فلمّا رأَى المركب ارتفع فى الهواء علم أَنَّه آخر عهده به، فقال: يا إِلْياس بِمَ تأَمرنى؟ وكان معه كساء فطرحه إِليه، فعلم أَنَّه جعله ولىَّ عهده، فاشتغل بدعوة قوم / إِلْياس. وقام بشرائط شرعه.
وذكر الله تعالى الْيسَعَ فى التنزيل مع جملة الأَنْبِياء: ﴿واليسع وَذَا الكفل وَكُلٌّ مِّنَ الأخيار﴾ .
стр. 2769
بصيرة فى ذكر ذى الكفل
اختُلِفَ فيه، كان نَبيّاً أو وَليّاً، فقيل: كان عبداً صالحاً يَكْفل بَعَملِ عبد صالحٍ، وقيل كان نائبَ نَبىٍّ، ولمّا خرج ذلك النبىّ من بين قَوْمه أَوْصَى إِليه، ووصّاه بقيام اللَّيل وصيام النَّهار، والعدل فى الحكم بالحق بين الأمّة. وقيل: بل كان نبيّاً ونائب نبىّ بأَن يَدْعُوَ الخَلْق إِلى الحقّ ويُعينَهم على الحق، فلما قام بذلك حَقَّ القيام وصَبَر على مُعاناة الخَلْقِ ومُقاساتهم، ذَكره الله تعالى فى جُمْلة المُرْسَلين، وعَدَّه من الأَنبياء الصّابرِين، فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل كُلٌّ مِّنَ الصابرين﴾ ، ثمّ ذكره مع الكُمَّل الخيِّرين فقال: ﴿وَذَا الكفل وَكُلٌّ مِّنَ الأخيار﴾ .
стр. 2770
بصيرة فى ذكر عزير ﵇
وعُزَيْرٌ اسمٌ عبْرانىّ على زِنَة فُعَيْل وليس بتَصْغير شَئْ، بل هكذا موضوعٌ، وفى لغتهم لهذا الاسم اشتقاقات كثيرةٌ نحو: عازَر، وَعَيْزَر، وعَيْزار، وعُزَيْر. وعازُوراء. وكان عُزَيْرٌ من أَنبياء بنى إِسرائيل، وكان فى زمن بُخْتَنصّر فهرَب منه وساح، فمرّ على بيت المقدس وكان بختنصّر قد خرّبه، فتعجّب من خَرابه، وجرى على لسانه أَنّى يُحْيِى هذه الله بَعْدَ مَوْتها، فقبض الله تعالى رُوحَه على سبيل التأدِيب والتَّهْذِيب، وأَحياه بعد مائةِ سنة على ما هو مذكور فى القرآن والقَصَص، ثمّ صارت حياته بعد موته سبباً لضلال قَوْمٍ جُهّالٍ حتى سَمَّوْه ابنَ اللهِ، كما قال تعالى ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله﴾ وفى الأَثر: "أَوحى الله تعالى إِلى عُزَيْرٍ إِذا عَصانى مَنْ عَرَفَنِى سَلَّطْت عليه من لا يَعْرِفُنى". قال:
تَأَهَّبْ لِلمَنِيّة وانْوِ خَيْرا ... فلَيْس اللهُ يَأْخُذُ فيكَ غَيْرا
فإِنّ الله يُحْيى كُلَّ شَخْصٍ ... كما أَحْيَا بقُدْرَته عُزَيْرا
следующие страницы →