Полный текст (2 804 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ محتوية على حاجات الحيوانات كافَّة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إِلى آخر الثلاث الآيات جامعة لجميع الأَوامر والنَّواهى، ومصالح الدُّنيا والآخرة، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ يشتمل على أَمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين.
وأَمَّا المبالغة فى الأَسماءِ والأَفعال فالأَسماءُ ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ ، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ﴾ ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ، ﴿الملك القدوس﴾ ، ﴿وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَيِّ القيوم﴾ ، ﴿الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء﴾ ، ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق﴾ . والأَفعال ﴿أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً﴾ ، ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ ، ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً﴾ ، ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ ، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ ، ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾ ، ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ .
وَأَمَّا حُسْن البيان فلتمام العبارة: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ، ولبيان فصل الخصومة والحكومة ﴿إِنَّ يَوْمَ الفصل كَانَ مِيقَاتاً﴾ ،
стр. 72
وللحجّة للقيامة ﴿يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ، وللنَّصيحة والموعظة ﴿ياأيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ، ولثبات الإِيمان والمعرفة: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان﴾ ، ولبيان النعت والصِّفة ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيم﴾ ، ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِير﴾ ، ودليلاً لثبوت الرِّسالة ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ﴾ ، وإِظهاراً للعمل والحكمة ﴿وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ، وللرَّحمة السَّابقة واللاحقة ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ، وبرهاناً على الوَحْدانيَّة والفَرْدانيَّة ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ ، وتحقيقا للجنَّة والنَّار ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينْ﴾ ، وتحقيقاً للرُّؤية واللِّقاءِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، وتمهيداً لمصالح الطَّهارات ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾ ، وللصَّلاة ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ ولِلزكاة والصيام والحجّ ﴿وَءَاتُوْا الزَّكَاةَ﴾ ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ، ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ ، وللمعاملات ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ ، وللصِّيانة والعِفَّة ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ ، وللطلاق والفراق بشرط العِدَّة ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، ولرعاية مصلحة النفوس ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾
стр. 73
ولكفَّارة النُّذور والأَيمان ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ .
وعلى هذا القياس جميع أَحكام الشريعة تأيَّدت بالآيات القرآنية وأَمَّا الإِخبار عمَّا كان وعمَّا يكون: أَمَّا المتقدِّم فكتخليق العرْش، والكُرْسىّ، وحال الحَملة والخَزنَة، وكيفيَّة اللَّوح والقلم، ووصف السِّدْرة، وطوبى، وسَيْر الكواكب، ودَوْر الأَفلاك، وحكم النيِّرين، والسَّعدين، والنحسين، وقران العُلويَّين والسُّفليين، ورفع السَّماءِ، وتمهيد الأَرض، وتركيب الطَّبائع، والعناصر، وترتيب الأجسام والأَجرام، وحكم المشرق، والمغرب، من الأُفُق الأَعلى إِلى ما تحت الثَرى ممَّا كان، ومما هو كائن، وممَّا سيكون: من أَحوال آدم، وعالَمَىِ الجنِّ، والإِنس، والملائكة، والشياطين. ففى القرآن من كلِّ شىءٍ إِشارة وعبارة تليق به.
وأَمَّا المتأَخر فكأَخبار الموت، والقبر، والبعث، والنَشْر، والقيامة، والحساب، والعقاب، والعَرْض، والحوض، والسؤال، ووزن الأَعمال، والميزان، والصراط والجَنَّة، والنَّار، وأَحوال المتنعمين، والمعذَّبين فى الدَركات، وأَحوال المقرَّبين فى الدَّرجات، ما بين مُجْمَل ومفصَّل، لا إِجمالا يعتريه شَكّ، ولا تفصيلاً يورث كلالة وملالة.
كلُّ ذلك على هذا الوجه مذكور فى القرآن، فلا غَرْو أَن يترقَّى هذا الكلام عن إِدراك الأَفهام، وتناول الأوهام، ويُعجز الفصحاءَ والبلغاءَ عن معارضته، ومقابلته.
стр. 74
وبلغنى عن الأَئمة الرَّاسخين، والعلماء المحققين أَنَّ الَّذى اشتمل عليه القرآن من الدَّقائق، والحقائق، والمبانى، والمعانى، سبعون قسماً.
وهى المحكم، والمتشابه، والنّاسخ، والمنسوخ، والحقيقة، والمجاز، والمنع، والجواز، والحذف، والزّيادة، والبيان، والكناية، والمقلوب، والمستعار، والإِظهار، والإِضمار، والإِيجاز، والاختصار، والإِخبار، والاستخبار، والخاصّ، والعامّ، والحدود، والأحكام، والتحليل، والتَّحريم، والسَبْر، والتقسيم، والأَمر، والنَّهى، والجحد، والنَّفى، والقَصَص، والأَمثال، والتفصيل، والإِجمال، والزّجر، والتأْديب، والترغيب والترهيب، والوعد، والوعيد، والعطف، والتوكيد، والتحكُّم، والتهديد، والوصف، والتّشبيه، والكشف، والتنبيه، والتقديم، والتأْخير، والتأْويل، والتفسير، والتكرار، والتقرير، والتعريض، والتصريح، والإِشارة، والتلويح، والتجنيس، والتقريب، والتعجيب، والسؤال، والجواب، والدّعاء، والطَّلب، والبِشارة، والنِّذارة، والفاتحة والخاتمة. ولكُّل قسم من ذلك نظائر وشواهد فى القرآن لا نطوِّل بذكرها.
والغرض من ذكر هذا المجمل التَّنبيه على أَنَّ الكلمات القرآنية كُّل كلمة منها بحر لا قعر له، ولا ساحل، فأَنَّى للمعارض الماحل.
يحكى أَنَّ جماعة من أَهل اليمامة قدِموا على الصِّديق الأَكبر رضى الله عنه، فسأَلهم عن مُسيلمة، وعَمَّا يدَّعيه أَنه من الوحى النازل عليه، فقرءُوا عليه منه هذه السُّورة (يا ضفدع نِقِّى نِقِّى إِلى كم تَنِقِّين، لا الماءَ تكدِّرين،
стр. 75
ولا الطِّين تفارقين ولا العُذُوبةَ تمنعين) فقال الصِّدِّيق رضى الله عنه: والله إِنَّ هذا الكلام لم يخرج من إِلّ. ويحكى عن بعض الأَشقياءِ أنه سمع قوله تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ فقال مستهزئاً: انظر إِلى (هذا الدَّعوى المُعرَّى) عن المعنى. الَّذى يدَّعيه محمَّد يأَتينا به المِعْوَل والفئوس. فانشقت فى الْحال حَدَقتاه، وتضمخَت بدم عينيه خَدَّاه، ونودى من أَعلاه، قل للمِعْول والفئوس، يأتيان بماءِ عينيك.
وذكر أَنَّ بعض البلغاء قصد معارضة القرآن، وكان ينظر فى سورة هود، إِلى أَن وصل إِلى قوله تعالى ﴿ياأرض ابلعي مَآءَكِ وياسمآء أَقْلِعِي﴾ الآية فانشقَّت مرارته من هيبة هذا الخطاب، ومات من حينه. ودخل الوليد بن عُقْبة على النبىِّ ﷺ وقال يا محمد اقرأْ علىَّ شيئاً ممَّا أُنزِل عليك فقرأَ قوله تعالى ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ الآية فقال الوليد: إِنَّ لهذا الكلام لحلاوة، وإِن عليه لطلاوة، وإِنَّ أَسفله لمغدِق، وإِنَّ أَعلاه لمثمر،
стр. 76
وإِنَّ لى فيه نظرا، ولا يقول مثل هذا بشر. وفى الآثار أَنه ما نزلت من السَّماءِ آية إِلاَّ سُمع من السَّماءِ صَلصَلة كسِلسِلة جُرَّت فى زجاجة، ولم يبق فى السَّماءِ مَلَك مُقَرَّب إِلاَّ خرُّوا لله ساجدين. وأُغمى على النبىَّ ﷺ من ثقل بُرَحاءٍ الوَحْى. وكان إِذا سُرِّى عنه ارتعدت مفاصله فَرَقاً، وتَصَبَّب وجهه عَرَقاً.
فهذا طَرَف ممَّا ذكر فى إِعجاز لفظ القرآن.
стр. 77
الفصل الثالث - في شرح كلمات لابد من معرفتها قبل الخوض في شرح وجوه التفسير
اعلم أَنَّ الكلمات الَّتى يُحتاج إِلى معرفتها فى مقدَّمة هذا النَّوع من العلم خمسة عشر كلمة. وهى التأويل، والتفسير، والمعنى، والتَّنزيل، والوحي، والكلام، والقول، والكتاب، والفرقان، والقرآن، والسُّورة، والآية، والكلمة، والمصحف، والحرف.
أَمَّا التفسير فمن طريق اللغة: الإِيضاح والتَّبيين. يقال: فسَّرت الحديث أَي بيَّنته وأَوضحته. واختلف فى اشتقاقه.
فقيل: من لفظ التَفْسِرة، وهو نظر الطبيب فى البول لكشف العلَّة والدواءِ، واستخراج ذلك. فَكذلك المفسِّر ينظر فى الآية لاستخراج حكمها ومعناها.
وقيل: اشتقاقه من قول العرب: فسَرت الفرس وفسَّرته أَى أَجريته وأَعديته إِذا كان به حُصْر، ليستطلِق بطنُه. وكأَن المفسِّر يجرى فرس فكره فى ميادين المعانى ليستخرج شرح الآية، وَيُحلَّ عقْد إِشكالها.
стр. 78
وقيل: هو مأْخوذ من مقلوبه. تقول العرب: سفَرت المرأَةُ إِذا كشفت قِناعها عن وجهها، وسفرتُ إِذ كَنَسته ويقال للسَّفَر سفَر لأَنه يَسِفر ويكشف عن أَخلاق الرجال. ويقال للسُّفرة سُفْرة لأَنها تُسفَر فيظهر ما فيها؛ قال تعالى: ﴿والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ أَى أَضاءَ. فعلى هذا يكون أَصل التفسير التسفير على قياس صعق وصقع، وجذب وجبذ، وما أَطيبه وأَيطبه، ونظائِره؛ ونقلوه من الثلاثىّ إلى باب التفعيل للمبالغة. وكأَنَّ المفسِّر يتتبع سورة سورة، وآية آية، وكلمة كلمة، لاستخراج المعنى. وحقيقته كشف المتغلق من المراد بلفظه، وإِطلاق المحتبس عن الفهم به.
وأَمَّا التأْويل فصرف معنى الآية بوجه تحتمله الآية، ويكون موافقا لما قبله، ملائماً لما بعده. واشتقاقه من الأوْل وهو الرُّجوع. فيكون التأْويل بيان الشىء الَّذى يرجع إِليه معنى الآية ومقصودها.
وقيل التأويل إِبداءُ عاقبة الشىءِ. واشتقاقه من المآل بمعنى المرجِع والعاقِبة. فتأْويل الآية ما تئول إِليه من معنى وعاقبة. وقيل: اشتقاقه من لفظ الأَوّل. وهو صرف الكلام إِلى أَوَّله. وهذانِ القولانِ متقاربان. ولهذا قيل: أَوَّل غرض الحكيم آخر فعله.
стр. 79
وقيل اشتقاقه من الإِيالة بمعنى السياسة. تقول العرب: (أُلْنا وإِيل علينا) أَى سُسْنا وسِيس علينا، أَى ساسنا غيرنا. وعلى هذا يكون معنى التأويل أَن يسلِّط المؤوِّل ذهنه وفكره على تتبّع سِرِّ الكلام إِلى أَن يظهر مقصودُ الكلام، ويتَّضح مراد المتكلِّم.
والفرق بين التفسير والتأويل أَن التفسير هو البحث عن سبب نزول الآية، والخوض فى بيان موضع الكلمة، من حيث اللغة. والتأويل هو التفحُّص عن أَسرار الآيات، والكلمات، وتعيين أَحد احتمالات الآية. وهذا إِنَّما يكون فى الآيات المحتملة لوجوه مختلفة، نحو ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ وكقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ ، وكقوله: ﴿والشفع والوتر﴾ ، وكقوله: ﴿وشَاهِدٍ وَمَشْهُود﴾ فإِن هذه الآيات ونظائرها تحتمل معانى مختلفة، فإِذا تعيَّن عند المؤوّل أَحدها، وترجَّح، فيقال حينئذ: إِنَّه أَوَّل الآية.
وأَمَّا المعنى فمن طريق اللغة: المقصد. يقال: عَنَاه يعنيه أَى أَراده وقصده. فيكون معنى الآية: ما به يظهر حكمةُ الحكيم فى نزول الآية. ويكون قصد من يروم سرّ الآية إِلى خمسة.
وقيل اشتقاق المعنى من العناية، وهى الاهتمام بالأَمر، يقال: فلان
стр. 80
مَعْنّى بكذا أَى مهتمٌّ به. فيكون المعنى أَنَّ الباحث عن الآية يصرف عنايته واهتامه إِلى أَن ينكشف له المراد من الآية.
وقيل اشتقاقه من الْعَنَاءِ، وهو التَّعب والمشقَّة. والمعنى لا يمكن الوصول إِليه إِلاَّ بكدّ الخاطر ومشقَّة الفكر؛ لما فيه من الدقَّة والغموض.
وأَمَّا التنزيل فتفعيل من النزول، وقد يكون بمعنى التكليم: قال فلان في تنزيله: في تكليمه، لأَنَّ المتكلّم يأتى به نَزْلة بعد نزلة. والنزلة هى المرَّة، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى﴾ أَي مَرَّة أُخرى. وقد يكون بمعنى الإِنزال ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السمآء مَآءً مُّبَارَكاً﴾ أَي وأَنزلْنا، ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ فقرىءَ بالتشديد والتخفيف.
وقيل للقرآن: تنزيل من ربّ العالمين لأَنه تكليم من الله الجليل، وإِنزال على لسان جبريل.
وأَمَّا الوحى فلغةً: الرِّسالة والإِلهام، والإِشارة بالحواجب، والكتابة بالقلم. وَحَى يَحى وَحْياً، فهو واح. وجمع الوحى وُحِىّ كحَلْى وحُلِىّ. ويقال: إِنَّ الوحى مختصّ برسالة مقترِنة بخفَّة وسرعة. فسمّى التنزيل وَحْياً لسرعة جبريل فى أَدائه، وخِفَّة قبوله على الرَّسول. وإِن جعلته من معنى الإِشارة فكأَنَّ الرَّسول اطَّلع على المراد بإِشارة جبريل. وإِن جعلته من معنى الكتابة فكأَنَّ جبريل أَثبت آيات القرآن فى قلب النبىّ، كما
стр. 81
يثبت المكتوب في اللّوح بالكتابة. قال تعالى ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين عَلَى قَلْبِكَ﴾ .
وأَمَّا الكلامُ فإِنَّه اسم لما يصحّ به التكلّم، وضدّه الْخَرَس. والكلام والتكليم مصدران على قياس السلام والتسليم. وقد يطلق الكلام على التكلّم والتكليم. وقيل للقرآن: كلام فى نحو قوله تعالى ﴿حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله﴾ وقولِه ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ الله﴾ لأَنَّه تكليم وتكلُّم. وأَيضاً هو ما يصحّ به التكلّم. وقيل: الكلام ما اشتمل على أَمر ونهى وإِخبار واستخبار. وقيل: هو معنى قائم بالنَّفس، والعبارات تدلُّ عليه، والإِشارات تجرّ إِليه. وقيل: هو ما ينافى السُّكوت والبهيمية.
وأَمَّا الكلمة فمشتقة من الكَلْم بمعنى الجرح. وجمعها كَلِم وكَلْم وكلمات. يقال: كَلَمت الصّيد أَى جرحته. فالكلام (والكلمة على قول: ما يؤثِّر في قلب المستمِع بواسطة سماع الآذان كتأثير الكَلْم) فى الصَّيد. وقد يكون الكَلْم بمعنى القطع، فيكون الكلمة اسماً لجمع من الحروف متَّصل بعضها ببعض منقطع عن غيرها من الكلمات. وسيأْتي شرح الكلام والكلمة فى باب الكاف بأَتمَّ من هذا إِن شاءَ الله تعالى.
وأَمَّا القول ففي أَصل اللغة: النُّطق. وحقيقته من حيث المعنى: كلام مهذَّب مرتَّب على مسموع مفهوم، مؤدًّى بمعنى صحيح. وعلى
стр. 82
هذا يصحّ إِطلاق القول على القرآن، فإِنه يتضمَّن التَّهذيب والترتيب، لفظه مسموع، ومعناه مفهوم.
وأَمَّا الكِتَاب فيكون اسماً - وجمعه كُتُب -، ويكون مصدراً بمعنى الكتابة، فسُمِّى به الْقرآن، لأَنه يُكتب، كما سمِّى الإِمام إِمامَا لأَنَّه يؤتمّ به. ويقال: إِن مادَّة كتب موضوعة بمعنى الْجمع: كتبتُ الْبلغةَ إِذا جمعت بين شُفريها بحلْقة. ويقال للعسكر: الْكتيبة لاجتماع الأَبطال. فسُمِّى الْقرآن كتاباً لأَنه مجتمع الْحروف والْكلمات والسُّوَرِ والآيات. فسيأْتى شرحه فى باب الْكاف.
وأَمَّا الْفُرقان فاسم على زنة فُعْلان مشتقٌّ من الْفَرْق، وهو الْفصل. والفُرق بالضمّ لغة فيه، قال الراجز: ومُشْرِكيٍّ كافر بالْفُرْق والْفِرق بالكسر: قَطيع من الغنم يتفرَّق من سائرها، وسمِّى الْقرآن فرقاناً لأَنه نزل من السماءِ نجوماً متفرِّقة، ولأَنَّه يَفرق بين الْحقّ والْباطل. وقد يكون الفرقان بمعنى النُّصْرة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان﴾ أَى يوم النُصرة. فقيل للقرآن: فرقان لما فيه من نُصرة الدِّين وأَهله. وقد يكون الفرقان بمعنى الخروج من الشكِّ والشُّبهة، قال تعالى: ﴿إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ فالقرآن فرقان بمعنى أَنَّه تقوية وهداية، يحصل به الخروج من ظلمات الضَّلالات، والشكوك، والشبهات.
стр. 83
وأَمَّا القرآن فاسم لما يُقْرَأُ؛ كالْقرْبان: اسم لما يُتقرَّب به إِلى الله. ويقال أَيضاً: إِنه مصدر قرأَ يقرأ (قَرْأ وقِراءَة) وقرآناً. وفي الشرع اسم للكتاب المفتَتح بفاتحة الكتاب، المختَتم بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ وفيه لغتان: الهمز وتركه. المهموز من القُرْء - بالفتح والضَّم - بمعنى الحيض، والطُّهر. سُمى به لاجتماع الدَّم فيه. والقرآن سمِّى به لاجتماع الحروف، والكلمات، ولأَنه مجتمع الأَحكام، والحقائق، والمعانى، والحكم. وقيل اشتقاقه من القِرَى بمعنى الضيافة؛ لأَن القرآن مَأْدُبة الله للمؤمنين، وقيل القران - بغير همز - مشتقّ من القِرْن بمعنى القرين لأَنه لَفظ فصيح قرِين بالمعنى البديع. وقيل: القرآن اسم مرتجل موضوع، غير مشتقٍّ عن أَصل؛ وإِنَّما هو عَلَم لهذا الكتاب المجيد؛ على قياس الجلالة فى الأَسماء الحسنى.
وأَمَّا سُورة - بالهمز وبتركه - فبغير الهمز من سَوْرة الأَسد، وسَورة الشراب، بمعنى القُوة؛ لأَنَّ قوَّة السُّورة أَكثر من قوّة الآية؛ أَو من السُّور بمعنى الجماعة: يقال. لفلان سُور من الإِبل أَى جماعة؛ لأَنَّ السُّورة مشتمِلة على جماعة الآيات، أَو من السُّور المحيط بالأَبنية؛ لأَن السُّورة محيطة بالآيات، والكلمات، والحروف، مشتملة على
стр. 84
المعانى: من الأَمر والنَّهى، والأَحكام. وإذا قلت بالهمز فيكون من سُؤر الكأْس - وهو ما يبقى فيه من الشراب - لأَن كلَّ سُورة من القرآن بقيَّة منه. ويقال: إِنَّ السُور (بلا همز) بمعنى الرَّفعة والمنزلة، وسُوَر القرآن هكذا: متفاوتة: بعضها فوق بعض من جهة الطُّول، والقصر، وفى الفضل، والشرف، والرُّتبة، قال النَّابغة:
أَلم تر أَنَّ الله أَعطاك سُورة
أَى شرفاً ورفعة.
وأَمَّا آية ففى أَصل اللغة: بمعنى العَجَب، وبمعنى العلامة، وبمعنى الجماعة. سمِّيت آيةُ القرآن آية لأَنها علامة دالَّة على ما تضمَّنته من الأَحكام، وعلامة دالَّة على انقطاعه عمَّا بعده وعمَّا قبله، أَو لأَن فيها عجائب من القِصَص، والأَمثال، والتفصيل، والإِجمال، والتميُّز عن كلام المخلوقين، ولأن كلَّ آية جماعةٌ من الحروف، وكلامٌ متَّصل المعنى إِلى أَن ينقطع، وينفرد بإِفادة المعنى. والعرب تقول: خرج القوم بآياتهم أَى بجماعتهم. وقال شاعرهم:
стр. 85
خرجنا من النقبين لا حَىَّ مثلُنا ... بآيتنا نُزْجى اللقاح المَطافلا
وقال فى معنى العلامة:
إِذا طلعت شمس النهار فسلِّمى ... فآية تسليمى عليكِ طلوعُها
وأَصلها أَيَيَة على وزان فَعَلة عند سيبويه، وآيِيَة على مثال فاعلة عند الكسائى، وأَيِيَه على فِعلَة عند بعض، وأَيَّة عند الفرَّاء، وأَأْية بهمزتين عند بعض.
وأَمَّا الحرف فقد جاءَ لمعان: منها طَرَف الشيىء، وحَدّ السَّيف، وذُروة الجبل، وواحد حروف الهجاء، والنَّاقةُ السَّمينة القويّة، والناقة الضعيفة، وقَسِيم الاسم والفعل. فقيل للحرف: حرف لوقوعه فى طَرَف الكلمة، أَو لضعفه فى نفسه، أَو لحصول قوَّة الكلمة به، أَو لانحرافه؛ فإِن كلَّ حرف من حروف المعجم مختصّ بنوع انحراف يتميَّز به عن سائر الحروف.
وأَمَّا المصحف فمثَّلثه الميم. فبالضمّ: اسم مفعول من أَصحفه إِذا جمعه، وبالفتح: موضع الصُّحُف أَى مجمع الصَّحائف، وبالكسر: آلة تجمع الصحف.
стр. 86
والصَّحائف جمع صحيفة، كسفينة وسفائن. والصُّحف (جمع صحيف) كسفين وسُفُن.
وقيل للقرآن مصحف لأَنَّه جُمع من الصَّحائِف المتفرِّقة فى أيدى الصِّحابة، وقيل: لأَنَّه جَمَع وحوَى - بطريق الإِجمال - جميع ما كان فى كتب الأَنبياء، وصُحُفهم، (لا) بطريق التفصيل.
هذا بيان الكلمات الَّتى لا بدَّ من معرفتها قبل الخوص فى التفسير. والله ولى التَّيسير.
стр. 87
الفصل الرابع - فى ذكر أسماء القرآن
اعلم أَنَّ كثرة الأسماء تدلّ على شرف المسمَّى، أَو كمالِه فى أَمر من الأمور. أَما ترى أَن كثرة أَسماءِ (الأسد دلَّت على كمال قوُّته، وكثرةَ أَسماء القيامة دلَّت على كمال شدته وصعوبته، وكثرة أَسماء) الدَّاهية دلت على شِدة نِكايتها. وكذلك كثرة أَسماء الله تعالى دلَّت على كمال جلال عظمته؛ وكثرة أَسماء النبى ﷺ دَلَّت على علّو رتبته، وسموِّ درجته. وكذلك كثرة أَسماء القرآن دلَّت على شرفه، وفضيلته.
وقد ذكر الله تعالى للقرآن مائة اسم نسوقها على نَسَقٍ واحد. ويأْتى تفسيرها فى مواضعها من البصائر.
الأول: العظيم ﴿سَبْعاً مِّنَ المثاني والقرآن العظيم﴾ .
الثانى: العزيز ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ .
الثالث: العليِّ ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ﴾ .
الرابع: المجِيد ﴿بَل هُوَ قُرءانٌ مَجِيد﴾ .
стр. 88
الخامس: المُهَيمِن ﴿ومُهَيمِناً عَلَيه﴾ .
السادس: النور ﴿واتَّبَعُوا النُّوْرَ الَّذِى أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ .
السابع: الحقّ ﴿وَقَدْ جَآءَكُمُ الْحَقُّ﴾ .
الثامن: الحكيم ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ .
التاسع: الكريم ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَريمٌ﴾ .
العاشر: المُبين ﴿حموالكتاب المبين﴾ .
الحادى عشر: المنير ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِير﴾ .
الثانى عشر: الهُدَى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ .
الثالث عشر: المبشِّر ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
الرابع عشر: الشفاءُ ﴿وَشِفَآءٌ لِمَا فِي الصُّدُرِ﴾ .
الخامس عشر: الرّحمة ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ﴾ .
السادس عشر: الكتاب ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ .
السابع عشر: المبارك ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ .
الثامن عشر: القرآن ﴿الرحمان عَلَّمَ القرآن﴾ .
стр. 89
التاسع عشر: الفرقان ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان﴾ .
العشرون: البرهان ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
الحادى والعشرون: التبيان ﴿تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ .
الثانى والعشرون: البيان ﴿بَيَانٌ لِلْنَّاسِ﴾ .
الثالث والعشرون: التَّفصيل ﴿وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ .
الرابع والعشرون: المفصَّل ﴿الْكِتَابُ مُفَصَّلاً﴾ .
الخامس والعشرون: الفَصْل ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْل﴾ .
السادس والعشرون: الصِّدق ﴿والذي جَآءَ بالصدق﴾ .
السابع والعشرون: المصدِّق ﴿مُّصَدِّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ .
الثامن والعشرون: ذكرى ﴿وذكرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ .
التاسع والعشرون: الذكر ﴿وهاذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ .
الثلاثون: التذكرة ﴿إِنَّ هاذه تَذْكِرَةٌ﴾ .
الحادى والثلاثون: الحُكْم ﴿أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً﴾ .
الثانى والثلاثون: الحِكْمَةُ ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ .
стр. 90
الثالث والثلاثون: محكمة ﴿سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ .
الرابع والثلاثون: الإِنزال ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ .
الخامس والثلاثون: التنزيل ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ﴾ .
السادس والثلاثون: التَّصديق ﴿ولاكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ .
السابع والثلاثون: المنزَّل ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ .
الثامن والثلاثون: التبصرة ﴿تَبْصِرَةً وذكرى﴾ .
التاسع والثلاثون: البصائر ﴿هاذا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ .
الأربعون: الموعظة ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ .
الحادى والأربعون: البيِّنة ﴿بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ .
الثانى والأربعون: البشير ﴿بَشِيرًا وّنَذِيرًا﴾ .
الثالث والأربعون: الوَحْي ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى﴾ .
الرابع والأربعون: الرِّسالة ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ .
الخامس والأربعون: النَّبَأ ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ .
стр. 91
السادس والأربعون: القيِّم ﴿قَيِّماً لِيُنْذِرَ﴾ .
السابع والأربعون: قَيِّمَةٌ ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ .
الثامن والأربعون: الرُّوح ﴿رُوْحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ .
التاسع والأربعون: الكلام ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ .
الخمسون: الكلمات ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾ .
الحادى والخمسون: الكلمة ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ .
الثانى والخمسون: الآيات ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللهِ﴾ .
الثالث والخمسون: البَيِّنَاتُ ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ .
الرابع والخمسون: الفضل ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ﴾ .
الخامس والخمسون: القول ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ .
السادس والخمسون: القيل ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً﴾ .
السابع والخمسون: الحديث ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ .
الثامن والخمسون: أَحسن الحديث ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث﴾ .
التاسع والخمسون: العربيُّ ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ .
стр. 92
الستون: الحَبْل ﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله﴾ .
الحادى والستون: الخير ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً﴾ .
الثانى والستون: البلاغ ﴿هاذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ﴾ .
الثالث والستون: البالغة ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ .
الرابع والستون: الحقّ ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليقين﴾ .
الخامس والستون: المتشابه والمثاني ﴿كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾ .
السادس والستون: الغيب ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ .
السابع والستون: الصِّرَاط المستقيم ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ .
الثامن والستون: المبين ﴿قُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ .
التاسع والستون: الحُجَّة ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة﴾ .
السبعون: العروة الوثقى ﴿فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى﴾ .
الحادى والسبعون: القَصَص ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ .
الثانى والسبعون: المثل ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً﴾ .
стр. 93
الثالث والسبعون: العَجَب ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ .
الرابع والسبعون: الأَثارة ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ أَى ما يُؤثَر عن الأَوَّلين، أَى يُرْوى عنهم.
الخامس والسبعون: القِسط ﴿فاحكم بَيْنَهُمْ بالقسط﴾ .
السادس والسبعون: الإِمام ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ .
السابع والسبعون: النجوم ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم﴾ .
الثامن والسبعون: النعمة ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ .
التاسع والسبعون: الكوثر ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ .
الثمانون: الماء ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً﴾ .
الحادى والثمانون: المتلُوّ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ .
стр. 94
الثانى والثمانون: المَقروء ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ﴾ .
الثالث والثمانون: العدل ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ .
الرابع والثمانون: البشرى ﴿وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
الخامس والثمانون: المسطور ﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ .
السادس والثمانون: الثقيل ﴿قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ .
السابع والثمانون: المرتَّل ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ .
الثامن والثمانون: التفسير ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ .
التاسع والثمانون: المثبِّت ﴿مَا نُثَّبِتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ .
ومنها الصُحُف، والمكرَّم: والمرفوع، والمطهّر ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ .
ومن أَسماءِ القرآن الواردة فى الحديث النَّبوى القرآن، حَبْل الله المتين، وشفاؤه النَّافع، بحر لا ينقضى عجائبه، والمرشد: مَن عمِل به رَشَد، المعدِّل: من حكم به عَدَل. المعتَصم الهادى: من اعتصم به هُدِى إِلى صراط مستقيم. العِصْمة: عِصْمة لمَن تمَّسك به. قاصم الظَّهر: من بدّله من جَبَّار قصمه الله: مأَدُبة الله فى أَرضه. النجاة. "ونجاة لمن اتَّبعه"
стр. 95
النبأُ والخَبَر: "فيه نبأُ ما قبلكم وخَبَر ما بعدكم" الدَّافع: يدفع عن تالى القرآن بَلْوَى الآخرة. صاحب المؤمن (يقول القرآن للمؤمن يوم القيامة: أَنا صاحبك) كلام الرحمن. الحَرَس من الشيطان. الرُّجحان في الميزان.
فهذا الكتاب الذى أَبَى الله أَن يُؤتى بمثله ولو كان النَّاس بعضهم لبعض ظهيراً. وذلك لأَنَّه كتاب جاءَ من غيب الغيب، بعالَم من العِلْم، وصل إِلى القول، ومن (القول إِلى القلم، ومن القلم إِلى صفحة اللوح، إِلى حدِّ الوحى ومن) الوحى إِلى سفارة الرُّوح الأَمين، ومن سفارته إِلى حضرة النبُّوة العظمى. واتَّصل منها إِلى أَهل الولاية، حتى أَشعلوا سُرُج الهداية، وظفروا منها بكاف الكفاية، فلم يزل متعلِّقةً بحروفها وكلماته الرَّاحةُ، فالرَّحمة، والعزَّة، والنعمة، ففي حال الحياة للمؤمن رقيب، وبعد الوفاة له رفيق، وفى القبر له عَدِيل؛ وفى القيامة له دليل، وميزان طاعته به ثقيل. وفى عَرَصات الحشر له شفيع وكفيل، وعلى الصِّراط له سائق ورَسِيل وفى الجنَّة أَبد الآبدين له أَنيس وخليل. جعله الله لنا شفيعاً، ومَنْزِلنا بالعلم والعمل بما فيه رفيعاً.
стр. 96
الفصل الخامس - فى ترتيب نزول سور القرآن
للعلماءِ فى عدد سوره خلاف. والَّذي انعقد عليه إِجماع الأَئمة واتِّفق عليه المسلمون كافَّة، أَن عدد سوره مائة وأَربعة عشر سورة، الَّتى جمعها عثمان رضى الله عنه، وكتب بها المصاحف، وبعث كلَّ مصحف إِلى مدينة من مدن الإِسلام.
ولا مُعَرَّجَ إِلى ما روى عن أُبَىّ أَنَّ عددها مائة وستَّة عشرة سورة، ولا على قول من قال: مائة وثلاثة عشرة سورة، بجعل الأَنفال وبراءَة سورة. وجَعَل بعضهم سورة الفيل وسورة قريش سورة واحدة. وبعضهم جعل المعوِّذتين سورة. وكلُّ أَقوال شاذَّة لا التفات إِليها.
وأَمَّا ترتيب نزول السُوَر فاعتمدنا على ما نقله الماورديّ وأَبو القاسم النِّيسابوريّ في تفسيرهما، ولنبتدئ بالسُّور المكِّية.
стр. 97
اتَّفقوا على أَنَّ أَوّل السُّور المكِّية ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ ، ثمَّ ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ، ثمَّ سورة المزمِّل، ثمَّ سورة المدَّثِّر، ثمَّ سورة تبَّت، ثم ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ، ثم ﴿سَبِّحِ اسْمِ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ، ثمَّ ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ ، ثم ﴿وَالفَجْرِ﴾ ، ثم ﴿وَالضُّحَى﴾ ، ثمَّ ﴿أَلَمْ نَشْرَح﴾ وَزعمت الشِّيعة أَنَّهما واحدَة، ثمَّ ﴿وَالعَصْرِ﴾ ، ثم ﴿وَالعَادِيَّاتْ﴾ ، ثم الكوثر، ثم أَلهاكم، ثم أَرأَيت، (ثم الكافرون) ثمَّ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ﴾ ، ثم الفلق، ثم الناس، ثم قل هو الله أَحد، ثمَّ ﴿وَالنَّجْم﴾ ، ثم عَبَس، ثم القَدر، ثمَّ ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ ، ثم البروج، ثم ﴿وَالتِّينِ﴾ ، ثم ﴿لإِيلاَفِ﴾ ، ثم القارعة، ثم ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ ، ثم ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ ، ثم ﴿وَالمُرْسِلاَتِ﴾ ، ثم ﴿ق والقرآن المجيد﴾ ، ثم ﴿لاَ أُقْسِمُ بهاذا البلد﴾ ، ثم ﴿والسمآء والطارق﴾ ، ثم ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَة﴾ ، ثم ص، ثم الأَعراف، ثم ﴿قُلْ أُوْحِىَ﴾ ، ثم يس، ثم الفرقان، ثم الملائكة، ثم مريم، ثم طه، ثم الواقعة، ثم الشعراءُ، ثم النمل، ثم القَصَص، ثم بني إِسرائيل، ثم يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الحِجْر، ثم الأَنعام، ثم الصَّافَّات، ثم لقمان، ثم سبأ، (ثم الزمر) ، ثم المؤمن، ثم (حَم السجدة) ،
стр. 98
ثم (حَم عسق) ، ثم الزخرف، ثم الدُّخَان، ثم الجاثية، ثم الأَحقاف، ثم الذاريات، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم النَّحل، ثم سورة نوح، ثم سورة إِبراهيم، ثم سورة الأَنبياءِ، ثم ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون﴾ ، ثم (الم السَّجدة) ، ثم الطور، ثم (تبارك الملك) ، ثم الحاقَّة، ثم سأَل سائل، ثم ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُون﴾ ، ثم النازعات، ثم ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ ، ثم ﴿إِذَا السمآء انشقت﴾ ، ثم الرُّوم، ثم العنكبوت، ثم المطفِّفين.
فهذه خمس وثمانون سورة نزلت بمكة.
(وأَوَّل ما نزل بالمدينة سورة البقرة، ثم سورة الأَنفال، ثم سورة آل عمران، ثم الأَحزاب، ثم الممتحِنة، ثم النساءُ، ثم زلزلت، ثم الحديد، ثم سورة محمد ﷺ ، ثم الرعد، ثم الرحمن، ثم ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ ثم الطلاق، ثم لم يكن، ثم الحشر، ثم إِذا جاءَ نصر الله، ثم النور؛ ثم الحج، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم المتحرِّم، ثم الجمعة، ثم التغابن، (ثم الصف) ثم الفتح، (ثم التوبة) ، ثم المائدة.
فهذه جملة ما نزل بمكة من القرآن، وما نزل بالمدينة. ولم نذكر الفاتحة لأَنَّه مختلَف فيها: أُنزلت بمكة، وقيل بالمدينة؛ وقيل بكلٍّ مرة.
стр. 99
الفصل السادس - فيما لابد من معرفته فى نزول القرآن
اعلم أَن نزول آيات القرآن، وأَسبابَه، وترتيب نزول السُّور المكِّية، والمدنِيَّة، من أَشرف علوم القرآن.
وترتيب نزول الخواصَّ فى التفسير أَن يَفْرقُ بين الآية التي نزلت: بمكة وحكمُها مدنى، والتى نزلت بالمدينة وحكمها مكى، والتى نزلت بالمدينة فى حق (أَهل مكَّة، والتى نزلت بمكة فى حقّ) أَهل المدينة، والتى نزلت بالْجُحفة، والتى نزلت ببيت المقدس، (والتى نزلت بالطائف) والتى نزلت بالحُدَيْبية، والتى نزلت بالليل، والتى نزلت بالنهار، والآية المكية التى فى سورة (مدنية، والآية المدنية التى فى سورة) مكيةَ؛ والتى حُمِلت من مَكَّة إِلى المدينة، والتى حملت من المدينة إِلى (مكة، أَو حملت من المدينة إِلى) أَرض الحَبَشة، والتى اختُلِف فيها: فذهب بعضهم إِلى أَنَّها مكية، وبعضهم إِلى أَنَّها مدنِيَّة.
أَمَّا التى نزلت بمكَّة وحكمها مدني ففي سورة الحجرات ﴿ياأيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ نزلت يوم فتح مكَّة، لكن حكمها
стр. 100
مدنى؛ لأَنَّها فى سورة مَدَنيَّة وفى سورة المائدة ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نزلت يوم عرفة. نزلت فى حال الوقفة والنبى ﷺ على ناقته العَضْباءِ، فسقطت العضباءُ على ركبتيها، من هَيْبة الوحى بها، وسورة المائدة مدنية.
وأَمَّا التى نزلت بالمدينة وحكمها مكيّ فـ ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ نزلت فى حق حَاطب، خطاباً لأَهل مكَّة. وسورة الرعد مدنية والخطاب مع أَهل مكَّة، وأَول سورة براءَة إِلى قوله ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ خطاب لمشركى مكَّة والسُّورة مدنية.
وأَما التى نزلت بالجُحْفة فقوله تعالى ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن﴾ فى سورة طس القصص.
وأما التى نزلت ببيت المقدس ففى سورة الزُخرف ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ﴾ نزلت ليلة المعراج، لمَّا اقَتدى به الأَنبياءُ في الصلاة في المسجد الأَقصى، وفرغ من الصَّلاة، نزل جبريل بهذه الآية.
وأما التى نزلت بالطائف ففى سورة الفرقان ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ
стр. 101
مَدَّ الظل﴾ ، وفى سورة الانشقاق ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ يعني كفار مكَّة.
وأَما التى نزلت بالحدَيْبِية ففى سورة الرعد ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمان﴾ لما أَمر النبى ﷺ أَن يكتب فى أَوَّل كتاب الصُّلح: بسم الله الرحمن الرحيم قال سُهَيل بن عَمرْو: لا نعرف الرحمن إِلاَّ رحمن اليمامة، فنزل قوله تعالى ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمان﴾ .
وأَمَّا ابتداءُ سورة الحج فنزلت فى غزوة بنى المُصْطَلِق.
وقوله تعالى ﴿واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ نزلت فى بعض الغَزَوات لما قال ﷺ : من يحرسني الليلة؟ فنزلت الآية.
وفى سورة القصص ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ نزلت بالليل وهو فى لِحاف عائشة رضى الله عنها وعن أَبيها.
وأَمَّا السّور والآيات التى نزلت والملائكة يشيِّعونها ففاتحة الكتاب. نزل بها جبريل وسَبْعمائة أَلف مَلَك يشيِّعها. بحيث امتلأَ منهم ما بين السماءِ والأَرض، طبَّقوا العالم بزَجَل تسبيحهم، وخرَّ رسول الله ﷺ لهَيْبة ذلك الحال، وهو يقول في سجوده: سبحان الله والحمد لله.
стр. 102
ونزلت سورة الأَنعام وسبعون ألفَ ملَك يشيِّعها. ونزلت سورة الكهف واثنا عشر ألفَ مَلَك يشيِّعها. ونزلت آية الكرسيّ وثلاثون أَلف مَلَك يشيِّعها. ونزلت يس واثنا عشر ألف مَلَك يشيِّعها.
وأَما الآيات المَدَنية التى فى سورة مكيَّة فسورة الأَنعام: مكِّية، سوى ست آيات ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآيتين ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ نزلت فى عبد الله بن سعد، وفى مسيلمة الكذاب، و ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إلى آخر الثلاث الآيات نزلت بالمدينة أيضا، وسورة الأَعراف مكِّية، سوى ثلاثِ آيات ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ إلى آخر الثلاث الآيات. وسورة إِبراهيم مكِّيّة، سوى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله﴾ إِلى آخر الآيتين. وسورة النَّحل مكِّيَّة إِلى قوله ﴿والذين هَاجَرُواْ فِي الله﴾ وباقة السُّورة مدنى، وسورة بنى إِسرائيل مكِّيَّة، سوى ﴿وَإِنْ كَادُوْا لَيَفْتِنُوْنَكَ﴾ . وسورة الكهفِ
стр. 103
مكيَّة سوى قوله: ﴿واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ ، وسورة القصص، مكيَّة سوى قوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ نزلت فى أَربعين رجلاً من مؤمنى أَهل الكتاب، قدِموا من الحبشة وأَسلموا مع جعفر. وسورة الزُّمَر مكيّة، سوى قوله ﴿ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ والحواميم كلَّها مكية، سوى هذه الآية فى الأَحقاف ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ نزلت فى عبد الله بن سَلاَم.
وأَمَّا الآيات المكيّة فى السِّور المدنية ففي سورة الأَنفال ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ يعنى أَهل مكَّة. وسورة التوبة مدنيّة، سوى آيتين مِن آخرها ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوْلُ﴾ إِلى آخر السُّورة. وسورة الرَّعد مدنيَّة؛ غير قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض﴾ . وسورة الحجِّ مدنيَّة سوى أَربع آيات ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ إِلى آخر الأَربع الآيات. وسورة الماعون مكيَّة إِلى قوله ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّين﴾ . ومنها إِلى آخر السُّورة مدنيَّة.
وأَمّا الَّذى حُمِل من مكة إِلى المدينة فسورة يوسف أَوَّل سورة حُمِلت
стр. 104
من مكّة، ثمّ سورة ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ ، ثمّ مِن سورة الأَعراف هذه الآية ﴿ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ إِلى قوله ﴿يَعْدِلُوْن﴾ .
وَأَمَّا الَّذى حُمِل من المدينة إِلى مكَّة فمن سورة البقرة ﴿يَسْئَلُوْنَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ﴾ ، ثم آية الرِّبا فى شأْن ثَقِيف، ثم تسع آيات من سورة براءَة، أُرسِل بها إِلى مكَّة صحبة على رضى الله عنه، فى ردَّ عهد الكفار عليهم فى الموسم. ومن سورة النِّساءِ ﴿إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ إِلى قوله ﴿غَفُوراً رَحِيماً﴾ فى عُذْر تَخلُّف المستضعفين عن الهجرة.
وأَمَّا الَّتى حُمِلت من المدينة إِلى الحبشة فهى ستُّ آيات من سورة آل عمران، أَرسلها رسول الله ﷺ إِلى جعفر، ليقرأَها على أَهل الكتاب ﴿قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ﴾ إِلى آخر الآيات الستّ. فكان سبب إِسلام النجاشى.
وأَمَّا الآيات المجملة فهى مثل قوله فى سورة يونس: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ ، وفى سورة هود: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ القرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ وفى سورة الحجّ: ﴿وافعلوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، وقوله: ﴿ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ
стр. 105
جَمِيعاً﴾ وقوله: ﴿وَتُوْبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
وأَمَّا الآيات المفسَّرة فمثل قوله: ﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية﴾ و (قوله) ﴿التائبون العابدون﴾ و ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ و ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا﴾ . ومن وجه آخر ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد﴾ تفسيره ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وقوله ﴿إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً﴾ تفسيره ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً﴾ .
وأَمَّا الآيات المرموزة فمثل طه. قيل: هو الرّجل بلغة عَكٍّ. وقيل: معناه: طُوبَى وهاوية ... . وقيل: معناه: طاهر، يا هادى. وقوله: يس قيل: معناه: يا إِنسان. وقيل: يا سيِّد البشر. وقيل: يا سَنِىَّ القَدْر. وعلى هذا القياس جميع حروف التهجىِّ المذكورة فى أَوائل السُّور.
وقال عُرْوة بن الزُّبَير: كلّ سورة فيها ضَرْب المِثال، وذكر القرون الماضية فهى مكِّيّة، وكلّ سورة تتضمَّن الفرائض، والأَحكام، والحدود،
стр. 106
فهى مدنيَّة، وكلّ عبارة فى القرآن بمعنى التوحيد، ويا أَيُّها النَّاس خطاب لأَهل مكَّة. ويا أَيُّها الَّذين آمنوا خطاب لأَهل المدينة. و (قُل) خطاب للنبىِّ ﷺ .
هذه جملة ما لا بدَّ من معرفته قبل الشروع فى التفسير. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 107
الفصل السابع - في أصناف الخطابات والجوابات التي يشتمل عليها القرآن
فى أَصناف الخطابات والجوابات التى يشتمل عليها القرآن.
ولهذا الفصل طرفان: الأَوَّل فى فنون المخاطبات. والثانى فى الابتداءَات والجوابات.
أَمَّا المخاطَبات فإِنها تَرد فى القرآن على خمسة عشر وجهاً: عامّ، وخاصّ، وجنس، ونوع، وعَين، ومدح، وذمّ، وخطاب الجمع بلفظ الواحد، والواحدِ بلفظ الجمع، وخطاب الجمع بلفظ الاثنين، (وخطاب الاثنين) بلفظ الواحد، وخطاب كَرَامة، وخطاب هوان، وخطاب عَيْن والمراد به غيره، وخطاب تلوّن.
أَمَّا خطاب العام ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ . وأَما الخِطاب الخاصّ كقوله: ﴿هاذا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ ، ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ﴾ ، وخطاب الجنس: يا أَيها الناس، وخطاب النوع: يا بنى آدم. وخطاب العين: يا آدم، ويا نوح، ويا إبراهيم: (وخطاب المدح: يأَيها الذين آمنوا. وخطاب الذم: يأَيها الذين كفروا)
стр. 108
وخطاب الكرامة: يأَيها الرسول، يأَيها النبىّ. وخطاب الهوانِ لإِبليس: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى﴾ ولأَهل النار. ﴿اخْسَئُوْا فِيْهَا﴾ ، ولأَبى جهل ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيْزُ الكُرِيمُ﴾ . وخطاب الجمع بلفظ الواحد ﴿ياأيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ ، ﴿ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ﴾ . وخطاب الواحد بلفظ الجمع ﴿رَبِّ ارْجِعُون﴾ أَى ارجعنى ﴿ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾ وهو خطاب نبيّنا ﷺ . وخطاب الواحد والجمع بلفظ التثنية ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ﴾ . وخطاب الاثنين بلفظ الواحد ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوْسَى﴾ .
وأَمّا الخطاب العينى الذى يراد به الغير: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني﴾ ، ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ .
وأَمّا التلوّن فعلى وجوه:
أَمّا الأَول فقوله: ﴿هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر والبحر﴾ ، ثم قال ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة﴾ ، وكقوله: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً﴾ ، ثم
стр. 109
قال ﴿فأولائك هُمُ المضعفون﴾ ، وكقوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر﴾ ثم قال ﴿أولائك هُمُ الراشدون﴾ .
الثانى أَن ينتقل من الخَبَر إِلى الخطاب، كقوله: ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾ ثم قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، وقوله ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ ثم قال ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ وقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ هاذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً﴾ ، وقوله: ﴿فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ﴾ ثم قال: ﴿هاذا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ .
الثالث أَن يكون الخطاب لمعين، ثم يُعدَل إِلى غيره، كقوله: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ ثم قال: ﴿لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ .
الطرف الثانى من هذا الفصل فى الابتداءَات والجوابات. ويسمى تراجُعَ الخطاب.
والجواب يكون انتهاء، والسؤال يكون ابتداءً. والسؤال يكون ذَكَراً، والجواب يكون أُنثى، فإِذا اجتمع الذَّكَر والأُنثى يكون منه نتائج وتولُّدات.
وترد أَنواع الجوابات في نصّ القرآن على أَربعة عشر وجهاً: جواب موصول بابتداءٍ، جواب مفصول عنه، (جواب) مضمر فيه، (جواب) مجرد عن ذكر ابتداءٍ، جوابان لابتداءٍ واحد، جواب واحد لابتداءَين،
стр. 110
جواب محذوف، جواب إِلى فصل غير متصل به، جواب في ضمن كلام، (جواب في نهاية كلام) ، جواب مُدَاخَل في كلام؛ جواب موقوف على وقت، جواب بفاء، جواب الأَمر والنهي وغيرهما، جواب شرط، جواب قَسَم.
أَما الجواب الموصول بابتداءٍ فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ ، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو﴾ ، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ ، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى﴾ .
وأَما الجواب المفصول عن الابتداءٍ فنوعان:
أَحدهما أَن يكون الابتداءُ والجواب فى سورة واحدة، كقوله في الفرقان ﴿وَقَالُواْ مَالِ هاذا الرسول يَأْكُلُ الطعام﴾ جوابه فيها: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام﴾ ، وكقوله فى البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام﴾ جوابه فيها ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .
والثانى أَن يكون الابتداء فى سورة، والجواب فى سورة أُخرى، كقوله فى الفرقان: ﴿قَالُواْ وَمَا الرحمان﴾ جوابه ﴿الرحمان عَلَّمَ القُرْءَان﴾
следующие страницы →