آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (٦)
المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم
لشيخ الإسلام ابن تيمية
اختصره
العلامة محمد بن علي بن محمد البعلي الحنبلي (ت ٧٧٨)
تحقيق
علي بن محمد العمران
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
стр. 2
رَاجَعَ هَذَا الجُزْءَ
محمَّد أجمَل الإصْلاحي
стр. 3
" مقدمة التحقيق "
الحمد لله ربّ العالمين، حمدًا يوافي نِعَمَه ويكافيء مَزيدَه، وأُصلِّي وأُسلِّم على أشرف الخلق ومقدَّم الرُّسْل: نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد؛ فإن الله -تعالى- أخَّر هذه الأمة المحمَّدية في الزمن، وقدمها في الخصائص والفضل، فجعلَها كما أخبر في كتابه المنزَّل: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
* وللمُهَيْمِنِ في تأخيرها شأن *
فختم الشرائع بها، فأصبحت قاضيةً وحاكمةً وناسخةً ومُهَيْمِنةً على شرائع الله المنزلة قبلها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
وقد امتنَّ الله -تعالى- على هذه الأمة؛ فأرشدها وهداها إلى أحسن الطرقِ وأقومها، وأوضحِ السُّبُل وأجلاها، وجعلها على شريعةٍ من الأمر، وأكمل ذلك كله فقال -مُمْتنًّا-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. ثم أمر باتباع هذه الشريعة -الكاملة الناسخة- فقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].
ولأجل حِفْظ هذه الخصائص والميزات، جاءت خطاباتُ الشرع المتكاثرة في القرآن والسنة والآثار، بالحضِّ على تَمسُّك الأمة بدينها
стр. 4
والتزام طريقتها ومنهجها، كما جاءت بالنكير و التحذير مِن اتباع سنن الذين كفروا، على اختلاف مِلَلِهم ونِحَلِهم وضلالاتهم، ثم قَطَعَ الطُّرُقَ الموصلةَ إلى اتباعهم بتوجيهات حاسمة وأوامر كثيرة، لتصفوَ للأمة شِرْعتُها ومنهاجُها في أمورها كافةً (العبادات والعادات والمعاملات).
ومع كل هذا التحذير والتشديد إلا أن النبي ﷺ قد أخبر: أن طوائف من هذه الأمة ستتَّبع سنن الذين كفروا، وستسعى في مشابهتهم بكل طريق، حتى في أقبح الأفعال ومُسْتنكَر العادات ورذائل الأمور، وذلك الاتباع بل التَّبَعِيَّة = دليلٌ على فشوِّ الضعف فيها، كما في "قاعدة التغالب" بين الأمم، فالضعيف يسعى في تقليد الأقوى ومحاكاته، ليس في أسباب قوَّته وتقدمه، بل في أردأ ما عنده من شهوات ونحوها؛ نتيجة لخَوَر الهِمَم وفساد العزائم، وقد عبَّر الشارعُ عن هذا الضعف بـ "الغثاء" في قوله: "ولكنكم غثاء كغثاء السيل"، وأصل مادة "الغثاء" تدلّ على فسادٍ في الشيء، فما فَسَد ويبس وذهبت خضرته وروحه من أوراق الشجر ونحوها خفَّ على السيل حمله وتجمعت القاذورات حوله؛ فكان غُثاءً.
وأسبابُ الضعف كثيرة، ليس هذا مكان بيانها وشرحها.
ومع كل ذلك -أيضًا- فقد أخبر ﷺ -وخبرُه الصِّدْق-: أنه لا تزال طائفة من أمَّته على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله.
فلا بُدَّ إذن من بيان الحقِّ وتوضيحه وتبليغه، وبيان خطر تخلِّي الأمة عن خصائصها وشِرْعتها، ووجوب مباينة الكافرين والنهي عن مشابهتهم، وقطع الوسائل الموصلة إلى ذلك، وفي هذا البيان
стр. 5
والتوضيح من الحِكم الكثيرُ:
- من تثبيت الطائفة المنصورة.
- وتكثير عددها.
- وزيادة إيمانها.
- ثم العلمُ بالطريقة الشرعية، ومعرفةُ الأعمال القبيحة، والإيمانُ بذلك مطلوب شرعًا، بل العلم بها خير من العمل بدون علم، فإن الإنسان إذا عرف المعروف وأنكر المنكر، خير من أن يكون ميِّت القلب، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا.
* ولا زال أهل العلم والإيمان من هذه الأمة المرحومة في بيانٍ للحق ومدافعةٍ للباطل؛ هدايةً للخلق، وقيامًا بواجب التبليغ، ومعذرةً إلى الله، فكان ممن تصدّى لهذه المسألة (التشبه بالكفار ونحوهم وما يتبعها) = الإمام الرَّبَّاني القدوة شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن تيميَّة -رحمة الله عليه- فأوفَاها حقَّها من البحثِ والتقعيد وضرب الأمثال وتحرير المسائل، في كتابه الفذّ: "اقتضاءُ الصراطِ المستقيمِ مخالفةَ أصحاب الجحيم".
فبيَّن فيه: الاختلاف الذي وقع وسيقع في الأمة، ومتابعتها لمن قبلها من الأمم -اليهود والنصاري-.
وذَكَر: بقاء الطائفة المنصورة والفرقة الناجية على الحق إلى قيام الساعة.
وبيَّن: أنواع البدع والضلالات والشرك الذي ابتليت به الأمة في
стр. 6
الاعتقاد والعمل (من العبادات والعادات والسلوك).
وبيَّن: أثر هذا التشبّه والموافقة على الأمة، وأن المشاركة في الهدي الظاهر تورِث مشاركة في الباطن.
وبيَّن: مسألة التشبُّه والنهي عنه ودلائله، وقواعد الحكم على العمل وإلحاقه بالتشبّه المنهيّ عنه أو المكروه، وذكر الأجناس التي جاء النهي عن التشبه بها من (الكفار، والأعاجم، والأعراب).
وفصَّل: في مسألة الأعياد والاجتماعات المبتدعة وحرَّرها أبلغ تحرير، وصرح فيه: (١/ ١٠٣ وغيرها) أن هذه المسألة هي المقصودة من الكتاب، وغيرُها سِيْق تبعًا لها.
وبيَّن أخيرًا: ما وقع في الأمة من الابتداع في تتبُّع وزيارة الآثار والقبور والمزارات والمشاهد.
ولعموم الحاجة إلى هذا الكتاب، ولما فيه من العلوم الكثيرة الغزيرة = انتشر في الآفاق، وعَظُم انتفاع الناس به، واعتمدوا عليه في بابه (خاصة موضوع التشبُّه والكلام على البدع).
* * *
* ولعلّ الأمرَ الذي ذكرناه في مقدمة "مختصر الصارم المسلول": (ص/ ٦) هو نفسه الذي دعا العلامة البعلي إلى اختصار "الاقتضاء"، ولعل السبب نفسه -أيضًا- هو الذي دعا جماعةً من المعاصرين لعمل مختصراتٍ للكتاب، وهي:
стр. 7
١ - "مختارات من اقتضاء الصراط المستقيم" لفضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عُثيمين ، طبع دار ابن الجوزي في (٦٣ صحيفة).
٢ - "مهذَّب اقتضاء الصراط المستقيم" للدكتور عبد الرحمن الفريوائي ، تقديم فضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان، في (٣٥٢ صحيفة). وتُرجم هذا المختصر إلى الأُرْدية.
٣ - "مختصر اقتضاء الصراط المستقيم" للدكتور ناصر بن عبد الكريم العَقْل ، طبع دار إشبيليا عام ١٤١٩، في (٤٧٨ صحيفة).
وفي كلٍّ خير، نفعَ اللهُ بالجميع.
وكنَّا قد قدمنا الكلام على:
* ترجمة المؤلف.
* ووصف النسخة الخطية.
* ومنهج العمل.
في مقدمة "اختصار الصارم": (ص ١٥ - ٢٤)، فلا نعيده.
ويقع هذا "المختصر" في "المجموع النفيس" بخطِّ مؤلِّفه البعلي ت (٧٧٨) في (٣٣ ق) (ق/ ١٧٧ أ - ٢١٠ ب).
وسمَّاه كما في طرَّته: "المنهج القويم في اختصار الصراط المستقيم"، كذا، وفيه من الإيهام على العامة ما فيه؛ لذا فقد أشار من مشورته غُنْم بأن تضاف إلى العنوان كلمة "اقتضاء" ليصبح "المنهج القويم في اختصار [اقتضاء] الصراط المستقيم" وبه يزول اللبس.
وقد اعتمدنا في الإحالة والمقابلة على "الاقتضاء" في طبعته التي حققها د/ ناصر العقل (ط السابعة ١٤١٩، توزيع وزارة الشئون الإسلامية)، وهذه النشرة هي أجود نشرات الكتاب فيما أعلم، وقد استفدت من عمله وزدت في عملي فوائد كثيرة؛ في تخريج الأحاديث،
стр. 8
والحكم عليها، والإحالة على الكتب، وتخريج بعض الآثار، والتعليق على بعض المواضع؛ فلو استُدْرِك -من هنا ما فات هناك- في طبعة لاحقة لكان حسنًا.
ثم ذيَّلت الكتاب بفهارس متنوِّعة؛ للآيات، والأحاديث والآثار، والمراجع، ثم صنعتُ له فهارس علمية؛ للمسائل العقدية، والفقهيَّة، والأصولية، والبدع، وبدع النصارى ومنكراتهم، ومسائل التشبُّه، والقواعد والضوابط، والفوائد المنثورة، والموضوعات. ولا أدَّعي الإحاطة بكلِّ ذلك، لكني بذلت جهدي، وبالله الإعانة والتوفيق.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
وكتب
علي بن محمد العِمران
٦/ ٥/ ١٤٢١ هـ
في مكة المكرمة - حرسها الله تعالي
стр. 9
نماذج من النسخة الخطية
стр. 10
ورقة العنوان من "المنهج القويم"
стр. 11
الورقة الأولى من "المنهج القويم"
стр. 12
الورقة الأخيرة من "المنهج القويم"
стр. 13
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، قيوم السماوات والأَرضين. والحمد لله الذي أكملَ لنا ديننا، وأتمَّ علينا نعمتَه، ورضيَ لنا الإسلامَ دينًا، وأمرنا أن نستهديَه صراطَه المستقيم، صِراط الذين أنعمَ عليهم غير المغضوب عليهم -اليهود-، ولا الضالين -النصارى-.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالدين القيِّم، والحنيفية السَّمْحة، وجعله على شريعةٍ من الأمر، وأمره أن يقول: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، صلى الله وسلَّم عليه، وزاده شرفًا لديه.
وبعد؛ فإني كنت قد نَهَيْتُ عن التشبُّه بالكفار في أعيادهم، وبيَّنت ما في ذلك من الأثر والدلالة الشرعية. ثم بلغني أن من الناس من استغربَ ذلك واستبعده، لمخالفةِ عادةٍ قد نشأوا عليها، فاقتضاني (١) بعض الأصحاب أن أعلِّق في ذلك ما يكون إشارة إلى [أصل هذه المسألة، لكثرة فائدتها وعموم المنفعة بها، ولما قد عمَّ كثيرًا من الناس من الابتلاء بذلك حتى صاروا في نوعِ جاهلية.
стр. 14
فصلٌ
اعلم أن محمدًا] (١) بعثه الله إلى الخلق وقد مقت أهلَ الأرض، إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا -أو أكثرهم- قُبيل مبعثه.
والناس أحد رجلين؛ إما كتابيٌّ مُعْتَصِم بكتابٍ؛ إما مُبدَّل، وإما مُبَدَّلٌ منسوخ، ودين دارس (٢)، بعضه مجهول وبعضه متروك.
وإما أُمِّي من عربيٍّ وعجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه وظنَّ أنه ينفعه من نجمٍ أو وثنٍ أو قبرٍ أو تمثال أو غير ذلك.
والناسُ في جاهليةٍ جَهْلاء، فهدى اللهُ الناسَ ببركة [نبوة] (٣) محمد ﷺ ، وبما جاء به من البيِّنات والهدي، هدايةً جلَّت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفةَ العارفين، فلله الحمد كما يحبُّ ربُّنا ويرضى.
بعثه بدين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم، وفَرَضَ على الخلق أن يسألوه هدايتَه كلَّ يومٍ في صلاتهم، ووصفَه بأنه: صراطَ الذي أنعم اللهُ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
قال عديُّ بن حاتم ﵁: أتيتُ رسول الله وهو جالسٌ في المسجد، وجئتُ بغير أمانٍ ولا كتاب، فلما دفعتُ إليه أخذ بيدي، وكان قد قال قبل ذلك: "إنِّي لأرجو أن يجعلَ اللهُ يَدَه في يدي"، قال:
стр. 15
فقام بي حتى أتى داره، فألقت له الوليدةُ (١) وسادةً، فجلسَ عليها، وجلستُ بين يديه، فحمدَ اللهَ وأثنى عليه ثم قال: "ما يُفِرُّكَ (٢)؟ أَيُفِرُّكَ أنْ تَقُوْلَ: لا إلهَ إلا الله؟ فَهَل تعلمُ مِن إلهٍ سوى الله"؟ قلتُ: لا، ثم تكلَّم ساعةً، ثم قال: "إنما تَفِرُّ أن تقول: الله أكبر، أَوَ (٣) تَعْلَمُ شيئًا أكبرُ مِنَ اللهِ؟ " قلتُ: لا، قال: "فإن اليهودَ مغضوبٌ عليهم، وإن النصاري ضُلَّال".
قال: قلت: فإني حنيف مسلم. قال: فرأيتُ وجْهَه ينبسِطُ فرحًا، وذكرَ حديثًا طويلًا.
رواه الترمذي (٤) وحسَّنه (٥).
وفي كتاب الله ما يدلُّ على معنى هذا الحديث، مثل قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]، والضمير عائد إلى اليهود والخطابُ معهم، كما دلَّ عليه سِياق الكلام.
стр. 16
وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤]، وهم المنافقون الذين تولَّوا يهود، باتفاق أهل التفسير، وسياق الآية يدل عليه.
وقال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢]، وفي [البقرة] (١): ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فهذا بيان أن اليهود مغضوبٌ عليهم.
وقال في النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٧]، فهذا خطابٌ للنصارى كما دلَّ عليه السِّياق، ولهذا نهاهم عن الغلو، وهو مجاوزة [الحد] (٢)، كما نهاهم عنه في قوله: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ الآية [النساء: ١٧١].
ووَصْفُ اليهودِ بالغضب، والنصارى بالضلال له أسبابٌ ظاهرة وباطنة، ليس هذا موضِعها، وجماعٌ ذلك: أن اليهود كفروا عنادًا؛ لأنهم يعلمون الحقَّ ولا يُتْبِعونه عملًا، والنصارى كُفْرهم من جهةِ عملهم بلا علم، بل هم مجتهدون في أصناف العبادات بلا شِرعةٍ (٣) من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون.
стр. 17
ولهذا قال السلف -سفيانُ بن عُيَينة وغيره-: "من فَسَد من علمائنا ففيه شبهٌ من اليهود، ومن فسدَ من عُبَّادنا ففيه شَبَهٌ من النصاري".
ومع أنَّ الله قد حذَّرنا سبيلهم، ثم مع ذلك فقضاؤه نافذ بما أخبرَ به رسولُه، حيث قال: "لَتتَّبِعُنَّ سَنَنَ من كان قَبْلَكُمْ حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، حَتَّى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموه" قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فَمَنْ" (١)؟!. حديث صحيح.
ورواه البخاري (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تَقُوْمُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخَذَ أُمَّتِي ما أَخَذَ (٣) القرونَ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ" فقيل: يا رسولَ الله! كفارس والروم؟ قال: "وَمَن الناسُ إلا أُولئك"؟
وقد كان ينهى عن التشبُّه بهم، وليس ذلك إخبارًا عن جميع الأُمة، فإنه قال: "لا تَزَالُ طائفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظاهرينَ على الحقِّ حتَّى تقومَ السَّاعَةُ" (٤).
وأخبرَ: أنه لا تجتمع هذه الأمةُ على الضلالة (٥)، وأن لا يزال
стр. 18
يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعة الله (١).
فعُلِم بخبره الصِّدق أنَّ في أمته قومًا متَمسِّكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضًا، وقومٌ منحرفون إلى شعبةٍ من شُعَب اليهود، أو إلى شعبة من شعب النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكلِّ انحرافٍ، بل وقد لا يفسُق، بل قد يكون الانحرافُ كفرًا، وقد يكون فِسْقًا، وقد يكون معصيةً، وقد يكون خطأً.
وهذا الانحراف أمرٌ تتقاضاه (٢) الطباع ويُزَينه الشيطان، فلذلك أُمِر العبدُ بِدَوام دعاء الله -سبحانه- بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهوديَّةَ فيها ولا نصرانية أصلًا.
وأنا أشير إلى بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم التي ابتُلِيَت بها هذه الأمة، ليجتنب المسلم الحنيف الانحرافَ.
قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ
стр. 19
إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، فذمَّ اليهودَ على ما حسدوا به المؤمنين على الهدى والعلم.
وقد يُبْتَلى بعض المُتَلَبِّسِين (١) بالعلم وغيرهم بنوعٍ من الحسد لمن هداه الله بنوع علمٍ أو عملٍ صالح، وهو خُلُق مذمومٌ مطلقًا، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٦ - ٣٧]، فوصفهم بالبخل بالعلم وبالمال، وإن كان السياق يدل على أن البخل بالعلمِ هو المقصود الأكبر.
وكذا وصَفَهم بكتمان العلم في غير آيةٍ، مثل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤].
فوصَفَ المغضوبَ عليهم بأنهم يكتمون العلم؛ تارةً بخلًا به، وتارةً اعتياضًا عن إظهاره بالدنيا، وتارة خوفًا (٢) أن يحتج عليهم بما أظهروه منه.
وهذا قد ابتُلِي به طوائف من المنتسبين إلى العلم، فإنهم تارةً يكتمون العلمَ بُخلًا به، وكراهية أن ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارةً اعتياضًا برئاسة أو مال، فيخاف إن أظهره نَقْصَ رياسته أو ماله، وتارةً يكون قد خالف غيره في مسألةٍ، أو اعتزى إلى طائفةٍ قد خُوْلفت
стр. 20
في مسألة، فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه، وإن لم يتيقَّن أن مخالفه مُبْطل.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]، بعد أن قال: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩].
فوصَفَ اليهود أنهم كانوا يعرفون الحقَّ قبل ظهور الناطق به، فلما جاءهم الناطق به من غير طائفة يَهْوَوْنها لم ينقادوا له، وأنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها، مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في اعتقادهم.
وهذا يُبْتَلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معيَّنة في العلم أو الدين، من المتفقِّهة أو المتصوِّفة وغيرهم، أو إلى رئيس معظَّم في الدين غير النبي ﷺ ، فلا يقبلون من الدين رأيًا وروايةً إلا ما جاءت به طائفتُهم، ثم إنهم لا يعملون بما تُوْجِبه طائفتهم، مع أن دين الإسلام يوجِبُ اتباعَ الحقِّ مطلقًا، من غير تعيين شخصٍ غير النبي ﷺ .
وقال في صفة المغضوب عليهم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، و ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] والتحريف قد فُسِّر بتحريف التنزيل، وتحريف التأويل.
فأما تحريف التأويل؛ فكثير جدًّا، وقد ابتُلِيت به طوائف من الأمة، وأما تحريف التنزيل؛ فقد وقع في كثير من الناس، يحرِّفون ألفاظَ
стр. 21
الرسول، ويروون الحديث برواياتٍ منكرة، وإن كان الجهابذةُ يدفعون ذلك، وربما تطاول بعضهم إلى تحريف التنزيل، وإن لم يمكنه ذلك، كما قرأ بعضهم (١) : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) ﴾ [النساء: ١٦٤].
وأما ليُّ الألسنة بما يظن أنه من عند الله، فوضع الأحاديث عن (٢) رسول الله، وإقامة ما يظن أنه حجة في الدين وليس بحجةٍ، وهذا من أنواع أخلاق اليهود، وهو كثير لمن تدبَّره بنور الإيمان.
وقال -سبحانه-: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢].
ثم إن الغلوَّ في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من ضُلَّال المتعبِّدة والمتصوِّفة، حتى خالطَ كثيرًا منهم من مذهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول النصارى أو مثله أو دونه.
وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، وفسَّره النبي ﷺ لعديٍّ: بـ "أنَّهم أَحَلُّوا لهم الحرامَ، وحَرَّموا عليهم الحلالَ فاتَّبعوهم" (٣) .
стр. 22
وكثيرٌ من أتباعِ المتعبِّدةِ يُطيعُ بعضَ المعظَّمين عنده في كلِّ ما يأمر به، وإن تضمَّن تحليل حرامٍ أو تحريم حلالٍ.
وقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧]، وقد ابتُلي طوائف من المسلمين من الرهبانية المبتدَعَة بما الله به عليم.
وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف: ٢١]، فكان الضالون، بل المغضوب عليهم، يبنون المساجدَ على قبور الأنبياء والصالحين، كما نهى ﷺ أُمَّتَه عن ذلك في غير موطن، حتى في وقت مفارقته الدنيا -بأبي هو وأمي-. ثم إن هذا قد ابْتُلي به كثير من الأمة.
ثم إن الضالين تجد عامة دينهم إنما يقوم بالأصوات المطربة، والصور الجميلة، فلا يهتمون بأمر دينهم بأكثر من تلحين الأصوات، ثم قد ابتُلِيت هذه الأمة من اتخاذ السَّماع المطرب: سماع القصائد، وإصلاح القلوب والأحوال به، ما فيه مضاهاة لبعض حال الضالين.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]،، فأخبر أن كلَّ واحدةٍ من الأمتين تجحد كلَّ ما الأخرى عليه، وأنتَ تجد كثيرًا من المتفقِّهة إذا رأى المتصوِّفة أو المتعبِّدةِ لا يراهم شيئًا ولا يَعُدُّهم إلا جُهَّالًا ضُلًّالًا، ولا يعتقد في طريقتهم من الهدي شيئًا، وترى كثيرًا من المتصوِّفة والمتفقِّرة لا يرى الشريعةَ ولا العلم شيئًا، بل يرى أن المتمسِّك بها منقطعٌ عن الله.
стр. 23
وأما مشابهة الفرس والروم؛ فقد دخل في هذه الأمة من الآثار الرومية -قولًا وعملًا-، والآثار الفارسية -قولًا وعملًا- ما لا خفاءَ به على مؤمنٍ عليم [بدين الإسلام]، وليس الغرض تفصيل الأمور التي وقعت مضارِعةً الطريق المغضوب عليهم أو الضَّالين، وإن كان بعض ذلك قد يقع مغفورًا لصاحبه؛ إما لاجتهاد أخطأ فيه، أو لحسناتٍ محت عنه أو غير ذلك، وإنما الغرضُ أن نُبَين ضرورةَ العبد وفاقته إلى هداية الصراط المستقيم، وأن ينفتح بابٌ إلى معرفة الانحراف فيُجتَنب إن شاء الله.
ثم الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب؛ من اعتقادات وإرادات وغير ذلك. وأمور ظاهرة؛ من أقوال وأفعال، قد تكون عبادات، وقد تكون عادات في الطعام واللباس، والنكاح والمسكن، والاجتماع والافتراق، والسفر والإقامة.
وهذه الأمور الظاهرة والباطنة بينهما ارتباط ومناسبة، فما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجبُ أمورًا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال، يوجب للقلب شعورًا وأحوالًا.
وقد بعثَ الله محمدًا ﷺ بالحكمة التي هي سنَّته، وهي الشِّرعة والمنهاج [الذي] (١) شرعه له، فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يُباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر -وإن لم يظهر لكثير من الخَلْق في ذلك مَفْسَدة- لأمورٍ.
стр. 24
منها: أن المشاركة في الهدي الظاهر تورثُ تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين، يقود إلى موافقةٍ ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمرٌ محسوس، فإن اللابِسَ ثيابَ أهل العلم -مثلًا- يجد من نفسهِ نوع انضمامٍ وانقياد إليهم، وكذلك اللابس لثيابِ الجند يجد في نفسه نَوْع تخلُّق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيًا لذلك، إلا أن يمنعه مانع.
ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر تُوْجِب مباينة ومفارقة، توجب الانقطاعَ عن موجبات الغضب، وأسباب الضلال، والانعطافَ على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين، وكلَّما كان القلب أتمَّ حياة كان أبعدَ عن أخلاق اليهود والنصارى ظاهرًا وباطنًا.
ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر، توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميُّز ظاهرًا بين المهتدين المرضيين، وبين المغضوب عليهم [و] الضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية، هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحًا وتجرَّد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم كان شعبةً من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم.
فهذا أصل ينبغي أن يتفطَّن له اللبيب.
* * *
стр. 25
فصْلٌ (١)
إذا تقرَّر ذلك، فقد دلَّ الكتابُ والسنةُ والإجماعُ على الأمر بمخالفة الكفار، والنهي عن مشابهتهم في الجملة، سواء كان عامًّا في جميع أنواع المخالفات، أو خاصًّا ببعضها، وسواءٌ كان أمرَ إيجاب أو أمرَ استحباب.
أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٢) [الحديد: ١٦].
وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ إلى أن قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٦، ١٨].
فأخبر أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيًا من بعضهم على بعض، ثم جعل محمدًا على شريعةٍ وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، فدخلَ فيهم كلُّ من خالف شريعتَه.
وأهواؤهم هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل.
ومن هذا قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ إلى أن قال:
стр. 26
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧) ﴾ [الرعد: ٣٦ - ٣٧] والضمير (١) -والله أعلم- يعود إلى من (٢) تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضَه، فدخل كلُّ من أنكر شيئًا من القرآن؛ من يهوديٍّ ونصرانيٍّ وغيرهما.
ومن ذلك قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ... وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ... ﴾ الآية [البقرة: ١٢٠].
فقال في الخبر: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، وفي النهي: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ لأن القومَ لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقًا. والزجرُ قد وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومتابعتُهم في بعض ما هم عليه، نوعُ متابعةٍ لهم فيما يهوونَه أو مَظِنَّة له.
وكذا قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥ - ١٥٠].
قال غير واحدٍ (٣) : لئلا يحتج اليهودُ عليكم بأنكم وافقتموهم في القبلة، فيوشك أن يوافقونا في الملة، فقطع الله هذه الحجة بأن قال: خالفوهم في القِبْلة.
стр. 27
وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] وهم اليهود والنصارى، الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، مع أنه قد أخبر ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة (١) ، وقال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
وكلُّ ما في الكتاب من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه، مثل قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (ضضض ٢)﴾ [الحشر: ٢]، و ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، وأمثال ذلك، كله دالٌّ على هذا المَطْلَب: من أن مخالفتهم مشروعة لنا في الجملة (٢) ، وهي دين لنا.
وقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ... ﴾ الآيات، إلى قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) ﴾ [التوبة: ٦٧ - ٧٣].
فبيَّن أخلاق المنافقين والمؤمنين، وتوعَّد المستمتعين الخائضين كالذين خاضوا بأن قال: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩) ﴾ [التوبة: ٦٩].
فأخبر أن في هذه الأمة من استمتعَ بخلاقه (٣) كما استمتعت الأمم قبلهم، وخاضَ كالذين خاضوا، وذمَّهم على ذلك، ثم حضَّهم على
стр. 28
الاعتبار بمن قبلهم فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ (١)﴾ [التوبة: ٧٠].
فذَمَّ من استمتعَ وشابه القرون الماضية، وكان من الخائضين، وهم اليهود والنصارى وغيرهم ممن تقدم، ومع ذلك فقد أخبر رسول الله ﷺ أنه لا بد أن تأخذ أمته مأخذَ الأمم قبلَها ذراعًا بذراع وشبرًا بشبرٍ (٢)، وقوله بعد ذلك: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ دليلٌ على جهاد هؤلاء الخائضين المستمتعين.
ثم هذا الذي دلَّ عليه الكتاب، من مشابهة بعض الأمة للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين، وذم من يفعل ذلك؛ قد دلَّت عليه سنةُ رسول الله ﷺ ، وفسَّر أصحابُه الآيةَ بذلك.
فعن أبي هريرة عنه ﷺ قال: "لتَأْخُذُنَّ كما أَخَذَتِ الأُمَمُ من قَبْلِكُم ذِراعًا بذراعٍ، وشِبْرًا بِشِبْرٍ، وباعًا بِباعٍ، حتَّى لو أنَّ أحَدًا مِنْ أُولئك دَخَل جُحْر الضَّبِّ لَدَخَلْتُمُوه" قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ الآية [التوبة: ٦٩]، قالوا: يا رسولَ الله كما صنعت فارسُ والرومُ وأهلُ الكتاب؟ قال: "فَمَن الناسُ إلا هم" (٣)؟!.
وعن ابن عباس أنه قال: "ما أشبه الليلةَ بالبارحة، هؤلاء بنو
стр. 29
إسرائيل شُبِّهنا بهم" (١).
وعن ابن مسعود أنه قال: "أنتم أشبه الأممِ ببني إسرائيل سمتًا وهديًا، تتبعون عملهم حَذْو القذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجلَ أم لا" (٢)؟!.
وعن حذيفة بن اليمان قال: "المنافقون الذين منكم اليومَ شرٌّ من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، فإنَّ أولئك كانوا يخفون نفاقَهم، وهؤلاء أعلنوه" (٣).
أما السنة:
ففي "الصحيحين" (٤) عن [عَمْرو] (٥) بن عوف أن رسول الله ﷺ بعثَ أبا عبيدة إلى البحرين يأتي بجِزْيتها، وكان قد صالحَ أهلَ البحرين، وأمَّر عليهم العلاء بن الحَضْرمي، فَقِدم أبو عُبيدة بالمال، فسمعت الأنصار، فوافَو صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ... الحديثَ، إلى أن قال: "أَبْشِروا، فواللهِ ما الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُم، ولكنْ أَخْشَي عليكم أنْ تُبسَطَ الدُّنيا عَلَيكُم كما بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كانَ قَبْلَكُم، فَتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها، فتُهْلِكَكُم كما أَهْلَكَتْهُم".
стр. 30
وهذا هو الاستمتاع بالخَلاق المذكور في الآية.
وفي مسلم (١) عن عبد الله بن [عَمْرو] (٢) ، عن رسول الله قال: "إذا فتِحَت عَلَيْكُم خزائنُ فارسَ والرومِ أَيُّ قوم أَنتم"؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نكون كما أمرنا الله، فقال رسول الله: "تنافَسُون، ثم تحاسَدُون ثم تَدَابرون -أو تباغَضُون أو غير ذلك- ثم تَنْطَلِقون إلى مَسَاکين المُهَاجِرين، فتحملونَ بَعْضَهم على رقابِ بَعْضٍ".
وفي "الصحيحين" (٣) أنه قال: "إنَّ فِتْنَةَ بني إسرائيل كانَتْ في النِّساءِ، فاتَّقوا [الدنيا] (٤) واتَّقُوا النِّساءَ".
فحذَّر فتنة النساء مُعَلِّلًا بأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.
وقال: "إنما هَلَكَ بَنُو إسْرائيلَ حِيْنَ اتخذَ هذِهِ نِسَاؤُهُم" (٥) يعني: وصْل الشعر، وكثيرٌ من مشابهة أهل الكتاب في أعيادهم وغيرها، إنما يدعو إليها النساءُ.
وفي مسلم (٦) : "لا تقومُ السَّاعَةُ حتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتي بالمُشْركين، وحتَّى يَعْبَدَ فِئامٌ من أُمَّتي الأَوْثَانَ".
стр. 31
و "سَتَفْتَرِقُ أُمَّتي على ثلاثٍ وسَبْعينَ فِرْقَةً كُلُّها في النارِ إلَّا فرقةٌ واحدةٌ وهي الجَمَاعة" (١) .
ولا شكَّ أن الثنتين وسبعين هم الذين تفرَّقوا واختلفوا كما تفرَّق الذين من قبلهم، ومن ذلك لما سألوه أن يجعل لهم ذات أنواط، فقال: "اللهُ أكبر، قلتم -والذي نَفْسِي بِيَدِه- كما قال بَنُو إسْرائيِلُ قَبْلَكُم". رواه مالك والنسائي والترمذي وصحَّحه (٢) .
وقال: "لتركَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كانَ قَبْلَكُم حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، حَتَّى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموه" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فَمَن" (٣) ؟!
وقد تقدم (٤) مثله في البخاري قوله: "لتأخُذَنَّ أُمَّتِي مأْخَذَ القرونِ قَبْلَها شِبْرًا بشِبْرٍ وذِرَاعًا بذراعٍ".
стр. 32
فهذا كلُّه وأشباهُه خَرَجَ منه ﷺ مَخْرَج الخبر عن وقوعِه والذَّمِّ لمن يفعله، فعُلِم أن مشابهتها (١) لليهود والنصاري، وفارس والروم، مذمومٌ ذمَّه الله ورسوله، وهو المطلوب.
فإن قيل: إذا كان قد أخبر رسولُ الله وكتابُ الله -جل وعز- أنه لا بُد من وقوع المشابهة، فما فائدة النهي عن ذلك؟
قيل: قد دلَّ الكتابُ والسنةُ -أيضًا- أنه لا تزال طائفةٌ متمسِّكة بالحق الذي بعثَ اللهُ به محمدًا ﷺ إلى قيام الساعة، وأنَّها لا تجتمع على الخطأ، ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة، وتثبيتها، وزيادة إيمانها، زادها الله شرفًا وقوَّةً ونصرًا، وأظهر دينَه ونصَرَه حيث كان وعلى يَدِ من كان، وخذلَ أعداءَه وكَبَتَهم، وجعلَ الدائرةَ عليهم إنه سميعُ الدعاء (٢).
وأيضًا: لو فُرِض أن الناس لا يتركون هذه المشابهة المنكرة، لكان في العلم بها معرفة القبيح، والإيمان بذلك، فإن نفسَ العلم والإيمان بما كرهه الله خير، وإن لم يُعْمَل به، بل فائدة العلم والإيمان أعظم من فائدة مجرَّد العمل الذي لم يقترن به علم، فإن الإنسان إذا عرفَ المعروفَ وأنكرَ المنكرَ، كان خيرًا من أن يكون ميِّتَ القلب لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا.
وإنكار القلب هو: الإيمانُ بأن هذا منكر وكراهته لذلك، فإذا حَصَلَ ذلك كان في القلوب إيمان.
стр. 33
وأيضًا: فقد يستغفر الرجل من الذنب مع إصراره عليه، أو يأتي بحسناتٍ تمحوه أو بعضَه، وقد يُقلِّل منه، وقد تضعف همتُه في طلبه إذا عرفَ أنه منكر.
ثم لو فُرِضَ أَنَّا علمنا أن الناسَ لا يتركون المنكر ولا يعترفون بأنه منكر، لم يكن ذلك مانعًا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم، بل ذلك لا يُسْقط وجوب الإبلاغ، ولا وجوبَ الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد ﵀ وقول كثير من أهل العلم.
وهذا أمر عامٌّ في كلِّ منكر أخبر الصادقُ بوقوعه.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. فقد برَّأ -سبحانه- رسولَه بأن يكون فيه شيءٌ من المُفَرِّقين لدينهم، فمن كان متبعًا له حقيقةً كان متبرِّئًا کتبرئته، ومن كان موافقًا لهم في شيء كان مخالفًا للرسول بقدر موافقته لهم.
وما دلَّ عليه الكتابُ جاءت به سنةُ رسولِ الله وسنة خلفائهِ الراشدين التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم.
ففي "الصحيحين" (١) أنه قال: "إنَّ اليَهُوْدَ والنَّصَارَى لا يَصْبُغُوْنَ فَخَالِفُوهم"، فاقتضى أن جِنْسَ مخالفتهم أمرٌ مقصود للشارع؛ لأن الفعل المأمور [به] (٢) إذا عُبِّر عنه بلفظٍ مشتقٍّ من معنىً أعم من ذلك الفعل، فلا بُدَّ أن يكون ما منه الاشتقاق أمرًا مطلوبًا، لا سيما إن ظهر
стр. 34
لنا أن المعنى المشتقَّ منه معنيً مناسب للحكمة؛ ولأن الأمر إذا تعلَّق باسم مفعولٍ مشتقٍّ من معنىً؛ كان المعنى علةً للحكم؛ كما في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (١) [الحجرات: ١٠]. "عُودوا المريضَ، أَطْعِموا الجائعَ، فكُّوا العاني" (٢) .
وأيضًا: إذا أمر بفعلٍ كان نفس مصدره أمرًا مطلوبًا للآمر مقصودًا، كما قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ (٣) [يونس: ٨٤].
فإن نفس التقوى والإحسان والإيمان والعبادة أُمور مطلوبة مقصودة؛ بل هي نفس المأمور به، فلما قال: "خالفوهم" كان الأمر بمخالفتهم داخِلًا في العموم، وإن كان السبب الذي قاله لأجلِه هو "الصَّبْغ"؛ لأن الفعل فيه عموم وإطلاق لفظي ومعنوي فيجب الوفاء به، وخروجه على سببٍ يوجب (٤) أن يكون داخِلًا فيه، ولا يمنع أن يكون غيره داخلًا فيه، وإن قيل: إن اللفظ العام يُقْصَر على سببه؛ لأن العموم هنا من جهة المعنى، فلا يقبل من التخصيص ما يقبله العموم اللفظي.
وأيضًا (٥) : عدول الأمر عن لفظ الفعل الخاصِّ إلى لفظٍ أعم منه، كعدوله عن لفظ "أَطْعِمْه" إلى لفظ "أَكْرِمْه"، وعن لفظ "فاصبغوا" إلى
стр. 35
لفظ "فخالفوهم" لا بُدَّ له من فائدة، وإلا فمطابقة اللفظ للمعني أولي من إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاصّ، ولا فائدة هنا إلا تعليق القصد بذلك المعنى العام المشتمل على هذا الخاص، وهذا بيِّن لمن تأمَّله.
وأيضًا: إذا أمر بفعل باسم دالٍّ على معنيً عام مريدًا به فعلًا خاصًّا، كان ذلك يقتضي أنه قصد أولًا ذلك العام، وأنه إنما قَصَد ذلك الخاص لحصوله بالعامِّ، ففي قولك: "أكْرِم زيدًا" طلبان، طلبٌ للإكرام المطلق، وطلب لهذا الفعل الذي يحصل به المطلق؛ لأن حصول المعيَّن مُقْتضٍ لحصول المطلق، وهذا معنىً صحيح، إذا صادفَ فِطْنةً وذكاءً انتُفِع به في كثير من المواضع، وعُلِم به طرق البيان.
وأيضًا: فإنه رتَّب الحكمَ على الوصف بحرف الفاء، فيدل على أنه علة له من غير وجه، حيث قال: "إن اليهودَ لا يصبغون فخالفوهم"؛ ولأنه لو لم يكن لِقَصْد مخالفتهم تأثير في الأمر بالصَّبغ لم يكن لذكرهم فائدة، فنفسُ المخالفةِ لهم في الهدي مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين؛ لما فيه من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما تظهر بعضُ المصلحة في ذلك لمن تنوَّرَ قلبه.
ونَفْس ما هم عليه من الهدى والخلق قد يكون فيه مضرَّة؛ فيُنْهى عنه ويؤمر بضدِّه؛ لما فيه من المنفعة والكمال. وليس شيءٌ من أُمورهم إلا وهو إما فيه مضرَّة أو هو ناقص، ولا يتصوَّر أن يكون شيءٌ من أمورهم کاملًا قطُّ، فإذًا المخالفة لهم فيها لنا منفعة ومصلحة في كل أُمورهم، حتى ما هم عليه من إتقانِ بعضِ أُمور دنياهم، فقد يكون مُضِرًّا بأمر الآخرة أو بما هو أهم من أمور الدنيا.
وبالجملة؛ فالكفر بمنزلة المرض الذي في القلب وأشدُّ، ومتى كان
стр. 36
القلبُ مريضًا لم يصح شيءٌ من الأعضاء صحةً مطلقة، وإنما الصلاح أن لا تُشْبَه مريضَ القلبِ في شيء من أموره، وإن خَفِي عليك مرض ذلك العضو، لكن يكفيك أنَّ فساد الأصل لا بُدَّ أن يؤثِّر في الفرع، ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة التي أنزلها الله، فإن من في قلبه مرضٌ قد يرتاب في الأمر بنفس المخالفة؛ لعدم استبانته لفائدته أو يتوهَّم أن هذا من جنس أمر الملوك والرؤساء القاصدين للعلوِّ في الأرض.
ولَعَمْري إن النبوة غاية الملك الذي يؤتيه الله من يشاء وينزعه ممن يشاء، ولكن مُلْكٌ هو غايةُ صلاحِ من أطاعَه من العباد في معاشِهم ومعادِهم.
وحقيقة الأمر: أن جميع أعمال الكافر وأُموره لا بُدَّ فيها من خلل يمنعها أن تتمَّ منفعتُه بها، ولو فُرِض صلاح شيءٍ من أموره على التمام لا يستحق (١) بذلك ثوابَ الآخرة، فالحمد لله على نعمة الإسلام، التي هي أعظم النعم وأم كلِّ خير، كما يُحبُّ ربنا ويرضى.
فظهر أن مخالفتهم أمر مشروع في الجملة، ولهذا كان الإمام أحمد وغيره يُعَلِّلون الأمر بالصبغ بعلة المخالفة (٢)، فإذا نهى عن التشبُّه بهم في بقاءِ بياضِ الشيب الذي ليس هو من فعلنا، فَلأَن ينهى عن إحداث التشبُّه بهم بطريق الأولى. ولهذا كان هذا التشبُّه يكون محرَّمًا بخلاف الأول.
стр. 37
وفي "الصحيحين" (١) : "خَالِفُوا المشركين" ثم قال: "أحْفُوا الشَّوَارِبَ وأَفُوا اللِّحَى" فأبدل الجملة الثانية من الأولى، أَمَرَ بالمخالفة عامًّا ثم خاصًّا، فقدَّمه عمومًا ثم خصوصًا، كما يقال: أكرم ضيفَك: أطْعِمْه وحادِثْه.
وقال: "خالفوا اليهود فإنهم لا يُصَلُّون في نعالهم ولا خِفافهم" رواه أبو داود (٢) .
وقال: "فَصْلُ ما بينَ صيامِنا وصيامِ أَهْلِ الكتابِ أَكْلَةُ السَّحَر" رواه مسلم (٣) .
فدلَّ على أن الفصل بين العبادتين أمرٌ مقصود، وقد صرَّح بذلك في قوله: "لا يزالُ الدِّينُ ظاهرًا ما عجَّل الناسُ الفِطْرَ" (٤) ، لأن اليهودَ والنصارى يؤخِّرون، وإنما المقصود بإرسال الرسل: أن يظهرَ دينُ الله على الدينِ كلِّه، فنفس مخالفتهم من أكبر مقاصِد البِعْثة.
وكذا قال: "لا تزالُ أُمَّتي بخير -أو قال: على الفطرة- ما لم
стр. 38
يُؤخِّروا المغربَ إلى أن تَشْتَبِكَ النُّجُوْمُ" رواه أحمد (١) وابن ماجه (٢) .
وقوله: "اصْنَعُوا كلَّ شيء غيرَ النِّكاحِ" فقالت اليهودُ: ما يريدُ هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. رواه مسلم (٣) .
وكذلك نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، مُعَلِّلًا بأنها تسجد لها الكفار حينئذٍ، وأنها تطلُع بين قَرْنَي شيطان (٤) .
ففيه تنبيهٌ على أن كلَّ ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها مما يكون كفرًا أو معصيةً بالنية، يُنهَى المؤمنون عن ظاهرِه، وإن لم يقصدوا به قَصْد المشركين؛ سدًّا للذريعة وحسمًا للمادة.
ومن هذا الباب: أنه كان إذا صلَّى إلى عودٍ أو عمود جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولم يَصْمُد له صَمْدًا (٥) .
стр. 39
ونهي عن الصلاة إلى ما عُبِد من دون الله في الجملة وإن لم يقصد العابدُ ذلكَ، ويُنْهَى عن السجود لله بين يدي الرجلِ، وإن لم يقصد الساجدُ ذلك، لما فيه من مشابهة السجود لغير الله، فقطعت الشريعةُ المشابهةَ في الجهات والأوقات، وكما لا يُصلَّي إلى القبلة التي يُصلُّون إليها، لا يُصَلَّي إلى ما يصلُّون له.
وقال ﷺ : "ائتَمُّوا بأَئمتكم، إنْ صلَّى قائمًا فَصَلُّوا قيامًا، وإن صلَّى قاعِدًا فَصَلُّوا قُعُوْدًا، إن كدتم آنفًا تَفْعَلون فِعْلَ فارسَ والرومِ يَقُوْمُوْن على مُلُوْكهم" (١)، قال ذلك لما صلَّى قاعدًا فصلوا خلْفَه قيامًا، فأَشار إليهم أنْ اجلسوا، ثم قال ذلك بعد فراغِه، فأمرهم بترك القيام الذي هو فَرْضٌ في الصلاة، وعلَّل ذلك بأنه يشبه فعلَ فارس والروم بعظمائهم، ومعلوم أن المأموم إنما ينوي أن يقوم الله لا للإمام، وهذا تشديدٌ عظيمٌ في النهي عن القيام للرجل القاعِد، ونهي -أيضًا- عما يُشْبِه ذلك وإن لم يقصد به ذلك، فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرَّد الصورةِ غايةٌ.
وأيضًا: انتساب الرجل إلى المهاجرين أو الأنصار انتسابٌ حسن محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط، كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرَّم، کالانتساب إلى ما يقتضي (٢) بدعة أو معصية أخرى.
ثم مع هذا لما دعا كلٌّ من الطائفتين: يا للمهاجرين ويا للأنصار، منتصرًا بحزبه على الآخر، أنكر النبيُّ ﷺ ذلك وقال: "ما هَذَا؟
стр. 40
أَدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ" (١) ؟!، سمَّاها دعوى الجاهلية، حتى قيل له: إن الداعي بها إنما هما غلامان، لم يصدر ذلك من الجماعة، فأمرَ بمنع الظالم وإعانة المظلوم، ليبيِّن أن المحذور إنما هو تعصُّب الرجل لطائفته مطلقًا، فِعْلَ أهلِ الجاهلية، فأما نصرها بالحق؛ فحسنٌ إذا كان من غير عدوان.
ولهذا قال: "خَيْرُكم المدافعُ عن عَشِيْرَتِه ما لم يأْثَم" رواه أبو داود (٢) .
وقال: "أربعٌ في أُمَّتي مِنْ أَمْر الجاهليةِ لا يتركونهنَّ: الفخرُ بالأحسابِ، والطَّعْن في الأنسابِ، والاستسقاءُ بالنُّجومِ، والنياحةُ" (٣) ، فاقتضى أنَّ كلَّ ما كان من أمر الجاهلية مذموم في الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذمٌّ لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرجَ مخرج الذمِّ.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] و ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦]، فدلَّ ذلك على أن إضافةَ الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمَّه والنهيَ عنه، وذلك يقتضي المنعَ من أمر الجاهلية مطلقًا، وهو المقصود في هذا الكتاب.
ومنه قوله: "إنَّ الله قد أذهبَ عنكم عُبِّيَّةَ (٤) الجاهِلِيَّة وفَخْرَها