← Акыда

Акыда · id 9859

المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم

بدر الدين البعلي

Полный текст (203 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

القلبُ مريضًا لم يصح شيءٌ من الأعضاء صحةً مطلقة، وإنما الصلاح أن لا تُشْبَه مريضَ القلبِ في شيء من أموره، وإن خَفِي عليك مرض ذلك العضو، لكن يكفيك أنَّ فساد الأصل لا بُدَّ أن يؤثِّر في الفرع، ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة التي أنزلها الله، فإن من في قلبه مرضٌ قد يرتاب في الأمر بنفس المخالفة؛ لعدم استبانته لفائدته أو يتوهَّم أن هذا من جنس أمر الملوك والرؤساء القاصدين للعلوِّ في الأرض. ولَعَمْري إن النبوة غاية الملك الذي يؤتيه الله من يشاء وينزعه ممن يشاء، ولكن مُلْكٌ هو غايةُ صلاحِ من أطاعَه من العباد في معاشِهم ومعادِهم. وحقيقة الأمر: أن جميع أعمال الكافر وأُموره لا بُدَّ فيها من خلل يمنعها أن تتمَّ منفعتُه بها، ولو فُرِض صلاح شيءٍ من أموره على التمام لا يستحق (١) بذلك ثوابَ الآخرة، فالحمد لله على نعمة الإسلام، التي هي أعظم النعم وأم كلِّ خير، كما يُحبُّ ربنا ويرضى. فظهر أن مخالفتهم أمر مشروع في الجملة، ولهذا كان الإمام أحمد وغيره يُعَلِّلون الأمر بالصبغ بعلة المخالفة (٢)، فإذا نهى عن التشبُّه بهم في بقاءِ بياضِ الشيب الذي ليس هو من فعلنا، فَلأَن ينهى عن إحداث التشبُّه بهم بطريق الأولى. ولهذا كان هذا التشبُّه يكون محرَّمًا بخلاف الأول.

стр. 37

وفي "الصحيحين" (١) : "خَالِفُوا المشركين" ثم قال: "أحْفُوا الشَّوَارِبَ وأَفُوا اللِّحَى" فأبدل الجملة الثانية من الأولى، أَمَرَ بالمخالفة عامًّا ثم خاصًّا، فقدَّمه عمومًا ثم خصوصًا، كما يقال: أكرم ضيفَك: أطْعِمْه وحادِثْه. وقال: "خالفوا اليهود فإنهم لا يُصَلُّون في نعالهم ولا خِفافهم" رواه أبو داود (٢) . وقال: "فَصْلُ ما بينَ صيامِنا وصيامِ أَهْلِ الكتابِ أَكْلَةُ السَّحَر" رواه مسلم (٣) . فدلَّ على أن الفصل بين العبادتين أمرٌ مقصود، وقد صرَّح بذلك في قوله: "لا يزالُ الدِّينُ ظاهرًا ما عجَّل الناسُ الفِطْرَ" (٤) ، لأن اليهودَ والنصارى يؤخِّرون، وإنما المقصود بإرسال الرسل: أن يظهرَ دينُ الله على الدينِ كلِّه، فنفس مخالفتهم من أكبر مقاصِد البِعْثة. وكذا قال: "لا تزالُ أُمَّتي بخير -أو قال: على الفطرة- ما لم

стр. 38

يُؤخِّروا المغربَ إلى أن تَشْتَبِكَ النُّجُوْمُ" رواه أحمد (١) وابن ماجه (٢) . وقوله: "اصْنَعُوا كلَّ شيء غيرَ النِّكاحِ" فقالت اليهودُ: ما يريدُ هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. رواه مسلم (٣) . وكذلك نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، مُعَلِّلًا بأنها تسجد لها الكفار حينئذٍ، وأنها تطلُع بين قَرْنَي شيطان (٤) . ففيه تنبيهٌ على أن كلَّ ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها مما يكون كفرًا أو معصيةً بالنية، يُنهَى المؤمنون عن ظاهرِه، وإن لم يقصدوا به قَصْد المشركين؛ سدًّا للذريعة وحسمًا للمادة. ومن هذا الباب: أنه كان إذا صلَّى إلى عودٍ أو عمود جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولم يَصْمُد له صَمْدًا (٥) .

стр. 39

ونهي عن الصلاة إلى ما عُبِد من دون الله في الجملة وإن لم يقصد العابدُ ذلكَ، ويُنْهَى عن السجود لله بين يدي الرجلِ، وإن لم يقصد الساجدُ ذلك، لما فيه من مشابهة السجود لغير الله، فقطعت الشريعةُ المشابهةَ في الجهات والأوقات، وكما لا يُصلَّي إلى القبلة التي يُصلُّون إليها، لا يُصَلَّي إلى ما يصلُّون له. وقال ﷺ : "ائتَمُّوا بأَئمتكم، إنْ صلَّى قائمًا فَصَلُّوا قيامًا، وإن صلَّى قاعِدًا فَصَلُّوا قُعُوْدًا، إن كدتم آنفًا تَفْعَلون فِعْلَ فارسَ والرومِ يَقُوْمُوْن على مُلُوْكهم" (١)، قال ذلك لما صلَّى قاعدًا فصلوا خلْفَه قيامًا، فأَشار إليهم أنْ اجلسوا، ثم قال ذلك بعد فراغِه، فأمرهم بترك القيام الذي هو فَرْضٌ في الصلاة، وعلَّل ذلك بأنه يشبه فعلَ فارس والروم بعظمائهم، ومعلوم أن المأموم إنما ينوي أن يقوم الله لا للإمام، وهذا تشديدٌ عظيمٌ في النهي عن القيام للرجل القاعِد، ونهي -أيضًا- عما يُشْبِه ذلك وإن لم يقصد به ذلك، فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرَّد الصورةِ غايةٌ. وأيضًا: انتساب الرجل إلى المهاجرين أو الأنصار انتسابٌ حسن محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط، كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرَّم، کالانتساب إلى ما يقتضي (٢) بدعة أو معصية أخرى. ثم مع هذا لما دعا كلٌّ من الطائفتين: يا للمهاجرين ويا للأنصار، منتصرًا بحزبه على الآخر، أنكر النبيُّ ﷺ ذلك وقال: "ما هَذَا؟

стр. 40

أَدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ" (١) ؟!، سمَّاها دعوى الجاهلية، حتى قيل له: إن الداعي بها إنما هما غلامان، لم يصدر ذلك من الجماعة، فأمرَ بمنع الظالم وإعانة المظلوم، ليبيِّن أن المحذور إنما هو تعصُّب الرجل لطائفته مطلقًا، فِعْلَ أهلِ الجاهلية، فأما نصرها بالحق؛ فحسنٌ إذا كان من غير عدوان. ولهذا قال: "خَيْرُكم المدافعُ عن عَشِيْرَتِه ما لم يأْثَم" رواه أبو داود (٢) . وقال: "أربعٌ في أُمَّتي مِنْ أَمْر الجاهليةِ لا يتركونهنَّ: الفخرُ بالأحسابِ، والطَّعْن في الأنسابِ، والاستسقاءُ بالنُّجومِ، والنياحةُ" (٣) ، فاقتضى أنَّ كلَّ ما كان من أمر الجاهلية مذموم في الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذمٌّ لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرجَ مخرج الذمِّ. وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] و ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦]، فدلَّ ذلك على أن إضافةَ الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمَّه والنهيَ عنه، وذلك يقتضي المنعَ من أمر الجاهلية مطلقًا، وهو المقصود في هذا الكتاب. ومنه قوله: "إنَّ الله قد أذهبَ عنكم عُبِّيَّةَ (٤) الجاهِلِيَّة وفَخْرَها

стр. 41

بالآباء، مُؤْمنٌ تقيٌّ أو فاجِرٌ شَقِيٌّ، أنتم بنو آدَمَ، وآدَمُ من ترابٍ، ليدعَنَّ رجالٌ فخرَهم بأقوام إنمَّا هم فَحْمٌ من فَحْمِ جهنَّمَ، أو ليكونن أهون على اللهِ من الجِعْلان (١) التي تَدْفع بأَنْفِها النَّتَنَ" رواه أبو داود وغيره (٢) ، وهو صحيح. وأيضًا: روى مسلم (٣) عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أَبْغَضُ الناسِ إلى الله ثلاثةٌ: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبْتَغٍ في الإسلامِ سُنَّةً جاهِلِيَّة، ومُطَّلِبٌ دَمَ امْرِيءٍ بغَيْرِ حَقٍّ لِيُرِيْقَ دَمَهُ". فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخلَ في الحديث. والسنةُ الجاهليةُ: كلُّ عادةٍ كانوا عليها، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، وقال [ ﷺ ]: "لتتبعنَّ سَنَنَ مَنْ كان قَبْلَكم" (٤) ، وهذا نصٌّ عام يوجِبُ تحريمَ متابعة كلِّ شيء من سُنَن الجاهلية في أعيادهم وغيرها. ولفظ الجاهلية قد يكون اسمًا للحال، وهو الغالب في الكتاب والسنة، وقد يكون اسمًا لذي الحال (٥) .

стр. 42

فمن الأول: قوله لأبي ذرٍّ: "إنَّكَ امرؤٌ فِيْكَ جَاهِلِيَّةٌ" (١) ، وقول عمر: "إني نذرت في الجاهلية" (٢) ، وقولهم: يا رسول الله! كنا في جاهليةٍ وشرٍّ (٣) . أي: في حال جاهلية، أو طريقة أو عادة ونحوه، فإن الجاهلية وإن كان في الأصل صفة، لكنه غلب عليه الاستعمالُ حتى صار اسمًا، ومعناه قريب من معنى المصدر. وأما الثاني: قولهم: "طائفة جاهلية، وشاعر جاهليٌّ"، وذلك نِسبةً إلى الجهل الذي هو عدم العلم أو عدم اتباع العلم، فإن من لم يعلم الحقَّ، فهو جاهلٌ جهلًا بسيطًا، فإن اعتقد خِلافَه؛ فهو جاهل جهلًا مركَّبًا، فإن قال خِلافَ الحق عالمًا بالحقِّ أو غير عالم فهو جاهلٌ -أيضًا-، كما قال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) ﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله: "إذا كان أحَدُكُمْ صَائمًا فلا يَجْهَل" (٤) ، وقول الشاعر (٥) من هذا الباب: ألَا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِيْنا وكذلك من عمل بخلاف الحق، فهو جاهل وإن علمَ أنه مخالف

стр. 43

للحقِّ، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، قال أصحابُ محمد: كل من عمل سوءًا فهو جاهل (١) . وسبب ذلك: أن العلمَ الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفُه من قولٍ أو فعل، فمتى صدر خلافه فلا بُدَّ من غفلة القلب عنه، أو ضعفه بما يُعارضه، وتلك أحوال تُناقِض حقيقةَ العلم فيصير جهلًا بهذا الاعتبار، ومن هذا يُعرف دخول الأعمال في مُسمَّى الإيمان حقيقةً لا مجازًا، وإن لم يكن كل من ترك شيئًا من الأعمال کافرًا ولا خارجًا عن أصل مسمَّى الإيمان، وكذلك اسم "العقل" ونحوه من الأسماء. ولهذا يُسمِّي الله -سبحانه- أصحاب هذه الأحوال: موتى، وعُمْيًا، وصُمًّا، وبُكمًا، وضالين، وجاهلين، وأنهم: لا يعقلون، ولا يسمعون. إذا ثبت (٢) ذلك: فالناس كانوا قبل مبعث الرسول في حال جاهلية، منسوبة إلى الجهل، فإنَّ ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل، وكذلك كلُّ ما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية أو نصرانية فهي جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة، فأما بعد مَبْعث الرسول فالجاهلية المطلقة قد تكون في مِصْرٍ دون مِصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شَخْص دون شخص، كالرجل قبل أن يُسْلم، فإنه في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام.

стр. 44

فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعثه ﷺ ، فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين (١) على الحقِّ إلى قيام الساعة. والجاهلية المقيَّدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من الأشخاص المسلمين. كما قال: "أربعٌ في أُمَّتي مِنْ أَمْرِ الجاهِلية" (٢) ، وقال لأبي ذرٍّ: "إنَّك امرؤٌ فيك جاهلية" (٣) . فالرجلُ مع فضله وعلمه قد يكون فيه بعض الخِصال المسمَّاة: بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فِسْقه. وكذا قوله: "خَصْلَتان هما بهم كُفْر ... " (٤) ، فنفس الخصلتين كُفْر حيث كانتا من أعمال الكفَّار، وهما قائمتان بالناس، وليس كلُّ من قام به شُعْبة من شعب الكفر يصير كافرًا الكفر المطلق، كما أنه ليس كلُّ من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنًا، حتى يقوم به أصلُ الإيمان. وفَرْقٌ بين الكفر المعرَّف باللام وبين المنكَّر، في الإثبات، وفَرْقٌ بين معنى الاسم المطلق إذا قيل: كافر، أو مؤمن، وبَيْن المعنى المطلق للاسم في جميع موارده، كما قال: "لا تَرْجِعُوا بعدِي كفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقَابَ بعضٍ" (٥) ، فقوله: "يضرب بعضكم رقابَ بعض" هو تفسير لقوله: ["كفارًا"، وهؤلاء] (٦) يُسَمّون كُفَّارًا تسميةً مُقيَّدة، ولا

стр. 45

يدخلون في الاسم المطلق إذا قيل: "كافر ومؤمن"، كما قال: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٦]، فلم يدخل في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١) [المائدة: ٦]. فيندرج في قوله: " [ومُبْتَغٍ سنة] (٢) جاهلية" كلُّ جاهليةٍ مطلقة أو مقيَّدة، يهودية أو نصرانية أو مجوسيَّة أو صابئية أو وثنية أو مشركيَّة أو مركَّبة من بعض هذه المِلل الجاهلية، فإنها كلَّها مُبْتَدَعها ومَنْسُوْخَها صارت جاهلية بمَبْعَث محمد ﷺ ، وإن كان لفظ "الجاهلية" لا يُقال غالبًا إلا على حال العرب، فإن المعنى واحد. وأيضًا: فإنه نهى عن الصلاة في أماكن العذاب ، كما كره عليٌّ الصلاةَ في أرض بابل، وقال: "نهاني حِبِّي أن أُصلِّي في أرضِ بابلَ والمقبرةِ" رواه أبو داود (٣)، وأحمد (٤) وزادَ: "وأرض الخَسْف، ونحو ذلك". وكره أحمدُ الصلاةَ في هذه الأمكنة اتباعًا لعلي (٥). وقولُه: "نهاني حِبِّي أنْ أُصَلِّي في أرضِ بابلَ، فإنها ملعونة" يقتضي النهيَ عن كلِّ أرضٍ ملعونةٍ.

стр. 46

ولذلك نهى عن الدخول في أرض الحِجْر إلا أن يكونوا باكين (١) ، فوافقَ ذلك قولَه تعالى عن مسجد ضِرَار: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] فإنه كان من أمكنة العذاب. فأما أماكن الكفر والمعاصي التي لم يكن فيها عذاب إذا جُعِلت مكانًا للإيمان والطاعة؛ فهو حَسَن، كما أمرَ أهلَ الطائف أن يجعلوا المسجد مكانَ طواغيتهم (٢) . وكان مسجدُه مقبرة فجعلَه مسجدًا بعد نبش القبور (٣) . فإذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفَّار في المكان الذي حلَّ بهم فيه العذاب؛ فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها؟! بل المشاركة في العمل أقرب في اقتضاء العذاب من الدخول إلى الديار، فإن جميع ما يعملونه مما ليس هو من أعمال السابقين إما كفر وإما معصية، وإما شعار کفر أو معصية، وإما مظنة للكفر والمعصية، وإما أن يخاف أن يجر إلى معصية. وما أحسبُ أحدًا يُنازع في جميع هذا، ولئن خالف فيه، فلا يمكنه أن ينازع في أن المخالفة فيه أقرب إلى المخالفة في الكفر والمعصية،

стр. 47

وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من حصولها في المكان، ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم، أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم. وقال: "من تشبَّه بقومٍ فهو منهم" (١) وإسناده جيَّد، احتجَّ به أحمد وغيره. فأقلُّ أحواله أن يقتضي تحريمَ التشبُّه بهم. وأيضًا: لما صام عاشوراء، قيل له: إنه يومٌ يُعظمه اليهود والنصارى، فقال: "إذا كانَ العامُ القابلُ إِن شاءَ اللهُ صُمْنا اليومَ التاسِعَ"، وقال: "صُوْمُوا عاشوراءَ وخالِفُوا اليهودَ، صُوْمُوا قبلَه يَوْمًا وبَعْدَه يَوْمًا" رواه سعيد (٢) وأوله رواه مسلم (٣) إلى قوله: "التاسع". وقال: "إيَّاكُم و الغُلُوَّ في الدينِ فإنَّما أَهْلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُم الغُلُوُّ في الدِّينِ"، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (٤) بإسنادٍ صحيح على شرط

стр. 48

مسلم (١) ، وهو عامٌّ في جميع أنواع الغُلوِّ في الاعتقادات والأعمال. والغلوُّ: مجاوزة الحد بأن يُزاد الشيء في حمده أو ذمِّه على ما يستحق. وأمَرَنا أن نقول: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ووضع عنَّا الآصار (٢) ، ونهى ﷺ عن الغلوِّ في العبادات صومًا وصلاةً (٣) . وقال له رجلٌ: ائْذَنْ لي بالسياحة، فقال: "إنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتي الجهادُ في سَبِيلِ اللهِ" (٤) . وفي خبرٍ آخر: "إنَّ السِّياحةَ هي الصِّيامُ" (٥) ، أو: السائحون هم الصائمون، أو نحو ذلك، وهو تفسير ما ذكر الله من قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. فأما السياحة التي هي الخروج في البريَّة لغير مقصد معيَّن، فليس

стр. 49

من عمل هذه الأمة، قال الإمام أحمد: "ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فِعْل النبيين ولا الصالحين" (١) . مع أن جماعةً من إخواننا قد ساحوا السياحةَ المنهيَّ عنها متأوِّلين أو غير عالمين بالنَّهي، وهي من الرهبانية المبتَدَعَة التي قيل فيها: "لا رهبانية في الإسلام" (٢) . فيقتضي ذلك مجانبة هَدْي من كان قبلنا، وأن المشارِك لهم يخاف عليه أن يكون هالكًا. ونهانا عن مشابهة من كان قبلنا، بأنهم كانوا يُفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأَمَر أن يُسَوَّى بين الناس في ذلك فقال: "إنما هَلَكَ بنو إسرائيلَ أَنَّهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريفُ تركوه وإذا سَرَقَ فيهم الضَّعِيْفُ أَقامُوا عليه الحدَّ، والذي نفسي بِيَدِه لو أَنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها" (٣) . وأخبر أن ابنته التي هي أشرفُ النساءِ لو سرقت -وقد أعاذَها الله من ذلك- لقطع يَدَهَا، ليُبيِّن أن وجوبَ العدل والتعميم في الحدود هو الواجب.

стр. 50

وأيضًا: فقد قال: "إنَّ مَنْ كان قَبْلَكُم كانوا يتَّخذونَ قبورَ أنبيائهم مَساجِدَ، ألا فلا تتَّخذوا القبورَ مَسَاجِدَ إنِّي أَنْهاكُم عَنْ ذلك" (١) . فعقَّب قولَه عن الذين قبلنا بقوله: "ألا فلا" بالفاء التي تُشْعِر بأن سببَ نَهْينا عن ذلك لأجل أنهم فعلوه، وذلك يقتضي أن أعمالهم دلالة وعلامة على أنَّ الله ينهى عنها، وأنها عِلَّةٌ مقتضيةٌ للنهي، ونَهْيه عن اتخاذ القبور مساجد مع لعنته لليهود والنصارى کثيرٌ متواتر، حتى عند خروج نفسِهِ الكريمة -بأبي هو وأمي- يوصي بذلك (٢) . وإن كان قد ابتلي كثيرٌ من هذه الأمَّة ببناءِ المساجد على القبور، وكِلا الأمرين محرَّم ملعونٌ فاعِله بالسنةِ المستفيضةِ. وقد صحَّ عنه أنه قال: "كلُّ شيءٍ منْ أَمْر الجاهليةِ تَحْتَ قدمي مَوْضُوع" (٣) . وهو عامٌّ يدخل فيه ما كانوا عليه من العبادات والعادات، مثل دعواهم: يا فلان ويا فلان (٤) ، ومثل أعيادهم، وغير ذلك من أَمورهم. ولا يدخل في ذلك ما كانوا عليه وأقَرَّه الله في الإسلام؛ کالمناسك، ودية المقتول، والقَسَامَة، ونحوه؛ لأن أمر الجاهلية معناه المفهوم منه: ما كانوا عليه مما لم يُقِرَّه الإسلام، فيدخل في ذلك ما كانوا عليه وإن لم يُنه في الإسلام عنه بعينه.

стр. 51

وأيضًا: نهى عن التذكية بالسن والعظم، وقال: "أما السن فَعَظْم"، فقيل: لا يجوز التذكية بسائر العظام عملًا بعموم العلة، وقيل: يجوز، وهما في مذهب أحمد وغيره. و"أما الظفر فمُدَى الحبشة" (١)، فنهى عن مشابهة الحبشة فيما يختصون به؛ لأن أظفارهم طويلة يُذَكون بها دون سائر الأمم. و "أما العظم": فيجوز أن يكون ذلك مثل نهيه عن تنجيسه بالدم، كما نهى عن الاستنجاء به لكونه طعام الجن. ونهي عن الشُّرب في آنية الذهب والفضة وقال: "فإنَّها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (٢). ورأى على ابن عَمْرو ثوبَين مُعَصْفَرين فقال: "إنَّ هذه من ثيابِ الكفَّار فلا تَلْبَسْهُما" رواه مسلم (٣). فصلٌ وأما الإجماع: فمن ذلك أن عمر ابن الخطاب في الصحابة ﵃، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء جعلوا في الشروط المشروطة على أهل

стр. 52

الذِّمة: "أن نُوَقِّر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، ولا نتشبَّه بهم فِي شيءٍ من لباسهم؛ قَلَنْسُوة أو عمامة أو نعلين أو فَرْق شعرٍ، ولا نتكلَّم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب على السروج، ولا نتقلَّد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجزَّ مقادمَ رؤوسنا، ونَلْزم زيِّنا حيثما کان (١)، ونشدَّ الزنانيرَ على أوساطِنا، ولا نُظْهِر الصليبَ على كنائسنا، ولا نُظْهِر صليبًا ولا كتبًا في شيءٍ من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسَنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيًّا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نُظهر النيرانَ معهم في شيءٍ من طرق المسلمين" رواه حربٌ (٢) بإسنادٍ جيِّد. فهذه الشروط مجمعٌ عليها في الجملة بين العلماء قال القاضي أبو يعلى في مسألة حدثت في وقته: "أهل الذمة مأمورون بلبس الغيار، فإن امتنعوا، لم يَجُز لأحدٍ من المسلمين صَبْغ ثوبٍ من ثيابهم؛ لأنه لا يتعيَّن عليهم صَبْغ ثوبٍ بعينه".

стр. 53

قلت: وهذا فيه خلاف؛ هل يُلْزَمون هم بالتغيير أم الواجب إذا امتنعوا أن نُغيِّر نحن؟ أما وجوب أصل المغايرة؛ فما علمتُ فيه خلافًا. وإذا كان عمر وسائر الصحابة والفقهاء والملوك قد اتفقوا على منعهم من إظهار شيءٍ من خصائصهم، فكيف إذا عملَها المسلمون وأظهروها لهم (١) !؟ وقد أمر الصحابة والمسلمون بترك إكرامهم، وإلزامهم الصَّغَار الذي شرعه الله، ومن المعلوم: أن تعظيم أعيادهم ونحوها بالموافقة فيها نوعٌ من إكرامهم، فإنهم يفرحون ويُسَرُّون، كما يغتمُّون بإهمال دينهم الباطل. ورأى أبو بكر الصديق امرأةً من أحمس لا تتكلَّم، فقال: ما لها؟ فقالوا: حجَّت مصمتة، فقال لها: تكلَّمي فإن هذا لا يحلُّ، هذا من عمل الجاهلية، فتكلَّمت ... الحديث. رواه البخاري (٢) . فدلَّ على أن كلَّ عملٍ من أعمال الجاهلية منهيُّ عنه، مثل: المُكَاء والتصدية. والمكاءُ: الصفير ونحوه. والتصدية: التصفيق. ومثل: بروز المُحْرِم وغيره للشمس، حتى لا يستظل بظلٍّ، أو تَرْك الطواف بالثياب المتقدمة، أو ترك كل ما عُمِل في غير الحرم، ونحو ذلك من أمور الجاهلية التي كانوا يتخذونها عباداتٍ، لا يجوز التعبُّدُ بها في الإسلام ألْبتة.

стр. 54

وكتب عمر إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس: "إيَّاكُم وَزِيِّ أَهْلِ الشِّرْكِ" فهو عام في كلِّ زيٍّ لهم. رواه البخاري في "صحيحه" (١). وكتب إلى أذربيجان: "إيَّاكُم والتَّنَعُّم وَزِيِّ أهل الشِّرك" (٢)، ومنعَ ﵁ من إعزاز الكفار واستعمالهم على أمر المسلمين وائتمانهم على شيءٍ، وحَرَّق الكتبَ العجمية وغيرها، ونهي عن تعلُّم رطانةِ الأعاجم. ثم مشى بعده عثمان ﵄ على سَنَنِه في ذلك. ورأى عليٌّ ﵁ قومًا قد سَدَلوا، فقال: ما لهم كأنهم اليهود خرجوا من فُهْرهم!؟ رواه سعيد في "سننه" (٣)، عن هُشَيْم، عن خالد الحذَّاء، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن أبيه، عن عليٍّ. ورواه ابن المبارك (٤). ورُويَ عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كرها السَّدْلَ في الصلاة (٥)، ورُويَ عن النبي ﷺ مرسلًا (٦).

стр. 55

واخْتُلِفَ هل السَّدْل محرم يُبطل الصلاة؟ ذكر ابن أبي موسى فيه روايتين، وعلَّله أحمد بأنه فِعل اليهود (١). وليس المقصود عين هذه المسألة؛ بل المقصود أن عليًّا بيَّن كراهيته لذلك أن فيه مشابهة اليهود، فعُلِم أنه أمرٌ قد استقرَّ عندهم. و "فُهْر اليهود" -بضم الفاء- مِدْرَاسُهم، وأصلها "بُهْر" عبرانية عُرِّبت ذكره الجوهري (٢). وكره عليٌّ التكلم بكلامهم (٣)، فهذا عن الخلفاء الراشدين. وأما سائر الصحابة ﵃؛ فكثير، فَرُوِيَ عن حُذَيفة أنه دُعِيَ إلى وليمة، فرأى شيئًا من زيِّ الأعاجم، فخرج وقال: "من تشبَّه بقومٍ فهو منهم" (٤). وعن ابن عباس أنه سأله رجل: أحتقِنُ؟ فقال: "لا تُبْد العورةَ ولا تستنَّ بسنةِ المشركين" رواه الخلَّال (٥). وعن أنس: أنه نهى عن القرنين وقال: احلقوا هذين أو قُصُّوهما فإنه زِيُّ اليهود (٦).

стр. 56

وعن معاوية أنه قال: تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهودُ والنصارى، فلا تَشَبَّهوا بهم" (١) . وعن عبد الله بن عمرو قال: "من بَنَى ببلاد المشركين، وصنعَ نَيْروزَهم ومَهْرجانَهم حتى يموت حُشِرَ معهم يومَ القيامةِ" (٢) . وصحَّ عن عائشة أنها كرهت الاختصارَ في الصلاة، وقالت: لا تشبهوا باليهود (٣) . وكره ابن مسعود الصلاة في الطاق، وقال: "إنَّه في الكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب" (٤) . وعن ابن عمر أنه قال في شرفات مسجد يُشبه أنصابَ الجاهلية، وأمر بكسرها. وقال عبد الحميد بن الجعد (٥) : كان أصحابُ محمدٍ يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المسجد -يعني الطاقات-.

стр. 57

وهذا باب واسع فيه كثرة عن الصحابة، وهذه القضايا (١) في مظنة الاشتهار، وما علمنا أحدًا ذكر عن الصحابة خلاف ذلك: من أنهم كانوا يكرهون التشبُّه بالكفار والأعاجم في الجملة، وإن كان بعض هذه المسائل المُعَيَّنة فيها خلاف وتأويل. وهذا كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة، وإن كانوا قد يختلفون في بعض أعيان المسائل، فَعُلِمَ اتفاقهم على كراهة التشبُّه بالكفار والأعاجم. وكذلك المنقول عن عامة علماء المسلمين من الأئمة المتقدمين، في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار، أو مخالفة النصارى، أو مخالفة الأعاجم (٢)، وهو أكثر من أن يمكن حصره واستقصاؤه، ومن له أدنى نظرٍ في الفقه يعلم ذلك، وقد بلغه من ذلك طائفة. وبعد النظر والتأمُّل يورث علمًا ضروريًّا باتفاقهم -أعنِي: الأمةَ جميعها- على النهي عن موافقة الكفار، والأمر بمخالفتهم. وقد تكلَّم أصحابُ أبي حنيفة في تكفير من تشبَّه بالكفار في لباسهم وأعيادهم، وقال أبو حنيفة: إذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه؛ لأن فيه إظهار مخالفة المشرکين. وقال مالك: "لا يُحرم بالأعجمية ولا يدعو بها ولا يحلف". وقيام المرأة لزوجها من فِعْل الجبابرة. وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طَلَع قاموا له، ليس هذا من فِعل الإسلام، وهو فيما ينهى عنه من التشبُّه بأهل الكتاب.

стр. 58

وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا هذا الأصل في غير موضعٍ، مثلما ذكره بعضهم في أوقات النهي، بأن المشركين يسجدون للشمس حينئذٍ. وذكروا في السحور أنه فَرْق بيننا وبين صيام أهل الكتاب، وذكروا في شروط الذمة ما يتضمَّن منع المسلمين عن مشابهتهم، تفريقًا بين علامة المسلمين وعلامة الكفار، وبالغ طائفةٌ منهم فنهوا عن التشبُّه بأهل البدع (١) . وأما كلام الإمام أحمد وأصحابه؛ فكثيرٌ جدًّا، مثل قول أحمد: "ما أُحِبُّ لأحدٍ إلا أن يغيِّر الشيبَ ولا يتشبَّه بأهل الكتاب" (٢) ، وكره حَلْق القفا وقال: هو من فعل المجوس، وكره النعل الصرار، وهو من زِيِّ العجم (٣) . وكره تسمية الشهور بالعجمية، والأشخاص بالأسماء (٤) الفارسيَّة، مثل: آذرماه. وقال للذي دعاه إلى وليمة: زي المجوس، زي المجوس، ونفض يده في وجهه لما رأى عنده آنية فيها فضة. وذكر أصحابه أن من اللباس المكروه ما خالفَ زيَّ العرب وأشبه زي الأعاجم وعادتهم. وقال غير واحدٍ من أصحاب أحمد وغيرهم: يستحبُّ أن يتختَّم باليسار، للآثار، ولأن خلاف ذلك عادة وشعار للمبتدعة، وما في هذا

стр. 59

الباب عن سائر أئمة المسلمين أكثر من أن يُحصَى عُشْره، وبدون ما ذكرنا يُعْلَم اتفاق المسلمين على كراهة التشبُّه بأهل الكتاب والأعاجم في الجملة، وبالله المستعان وعليه التكلان. فصلٌ (١) ومما يُشبه هذا: الأمر بمخالفة الشياطين، كما روى مسلمٌ (٢) أنه ﷺ قال: "لا يأُكُلَنَّ أَحَدٌ منكم بشمالِه ولا يَشْرَبَنَّ بها، فإنَّ الشَّيْطانَ يأكُل بِشِمالِه ويَشْرَبُ بها" ونظائره كثيرة. وقريب من هذا مخالفة من لم يكمل دينُه من الأعراب ونحوهم؛ لأن كمال الدين بالهجرة، فمن لم يُهاجر من الأعراب ونحوهم ناقص، قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ الآية [التوبة: ٩٧]. وقال ﷺ : "لا تَغْلبَنَّكُمُ الأَعْرابُ على اسْمِ صَلَاتِكم، أَلا إنَّها العشاء وهم يُعْتِمون بالإبل" (٣)، وقال: "لا تَغْلِبَنَّكم الأَعرابُ على اسْمِ صَلَاتِكم المَغْرِب"، وقال: "والأَعْرابُ تقولُ هي العِشاءُ" (٤). فقد كره موافقةَ الأعراب في اسمي المغرب والعشاء، بالعشاء والعَتَمة، وهذا عند بعض علمائنا يقتضي كراهة هذا الاسم مطلقًا، وعند بعضهم إنما يكره الإكثار منه حتى يغلب على الاسم الآخر، وهو المشهور عندنا.

стр. 60

فصلٌ (١) وليعلم أن بين التشبُّه بالأعراب والأعاجم (٢) فرقًا يجب اعتباره، وإجمالًا يحتاج إلى تفسير، وذلك أن نفس الكفر والتشيطن مذمومٌ في حكم الله ورسوله وعباده المؤمنين، ونفس الأعرابية والأعجمية ليست مذمومة في نفسها عند الله وعند رسوله وعند عباده المؤمنين؛ بل الأعراب منقسمون إلى أهل جفاءٍ، كما قال: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ الآية [التوبة: ٩٧]. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ الآية [التوبة: ٩٨]. ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ إلى قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾ [الفتح: ١١ - ١٢]. وإلى أهل إيمانٍ وبرٍّ قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٩]. وقد كان في أصحاب رسول الله ممن وفَدَ عليه ومن غيرهم من الأعراب من هو أفضل من كثير من القرويين. فهذا كتاب الله يَحْمد بعضَ الأعراب ويذمُّ بعضَهم، وقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] فعُلِمَ أن المنافقين في الأعراب وذوي القرى. وكذلك العجم -وهم من سِوى العرب من الفُرْس والروم والتُّرْك

стр. 61

والبَرْبَر والحبشة وغيرهم- ينقسمون إلى المؤمن والكافر والبر والفاجر کانقسام العرب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال ﷺ : "إنَّ اللَه أَذْهَبَ عنكم عُبِّيَّة الجاهليةِ وفَخْرَها بالآباءِ؛ مؤمنٌ تقيٌّ وفاجِرٌ شقيٌّ، أنتم بنو آدمَ وآدمُ مِنْ ترابٍ" حديث صحيح (١). وقال ﷺ : "يا أيها الناسُ إن ربَّكم واحدٌ وإنَّ أباكُم واحدٌ، ألا لا فَضْلَ لعربيٍّ على عَجَمِيٍّ، ألا لا فضلَ لأسودَ على أَحْمَرَ إلا بالتقوى ألا قَدْ بلَّغْت"؟ قالوا: نعم، قال: "لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغائبَ" (٢) إسناده صحيح. وأخبر أن آل بني فلان ليسوا بمجرَّد النَّسب أولياء له، وهم بطنٌ قريب النسب منه، إنما وليُّه اللهُ وصالح المؤمنين. أخرجاه في "الصحيحين" (٣). ومثل ذلك كثير في الكتاب والسنة، أن العبرةَ بالأسماء التي حمدها الله وذمَّها؛ کالمؤمن والكافر والبر والفاجر والعالم والجاهل، وقال: "لو كان الدِّيْنُ بالثريَّا لذهبَ به رَجُلٌ مِن فَارِسَ حَتَّى يَتَنَاوَلَه" (٤).

стр. 62

وروى الترمذيُّ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] أنهم من أبناء فارس (١) . إلى غير ذلك من آثار رُوِيت في فضل أبناء فارس، ومِصْداق ذلك ما وُجِد في التابعين ومن بعدهم من أبناء فارس الأحرار والموالي، مثل: الحسن، وابن سيرين، وعكرمة، ومن بعدهم، فيهم من المبرِّزين في الإيمان والدين والعلم ما لا يُحْصَون كثرةً على ما هو معروف، إذ الفضل الحقيقيُّ هو اتباع ما بَعَثَ الله به رسولَه محمدًا من الإيمان والعلم باطنًا وظاهرًا، فكلُّ من كان فيه أكمل (٢) كان أفضل، فالفضل بالأسماء المحمودة في الكتاب والسنة، لا بمجرَّد كون الإنسان عربيًّا أو عجميًّا، أو أبيض أو أسود، أو قرويًّا أو بدويًّا. وإنما وجه النَّهي عن مُشَابهة الأعراب والأعاجم -مع ما ذكرناه من الفضل فيهم وعدم العِبْرة بالنسب والمكان- مبنيٌّ على أصل وهو: أن اللهَ سبحانَه جعلَ سُكْنى القُرى يقتضي من كمال الإنسان في العلم والدين ورقَّة القلوب ما لا تَقْتضيه سُكْني البادية، كما أن البادية توجِبُ من صلابة البَدَن والخَلْق، ومتانة الكلام ما لا يكون في القرى، هذا هو الأصل، وإن جاز تخلُّفُ هذا المقتضي لمانع، وكانت البادية -أحيانًا- أنفع من القرى، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩] وذلك لأن الرسل لهم الكمال في عامة الأمور حتى في النسب.

стр. 63

ثم لفظ الأعراب هو في الأصل اسم لبادية العرب، فإن كل أمةٍ لها حاضرة وبادية، فبادية العرب: الأعراب، وقد يقال: إن بادية الروم: الأرْمن أو نحوهم، وبادية الفُرْس: الأكراد أو نحوهم، وبادية الترك: التتر. والتحقيق: أن هذا -والله أعلم- هو الأصل، وإن كان قد يقع فيه زيادة ونقصان = أن سُكان البوادي لهم حكم الأعراب، سواءٌ دخلوا في لفظ الأعراب أو لم يدخلوا، فهذا الأصل يوجِب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جِنْس البادية، وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة مثلًا. ويقتضي: أن ما انفرد به (١) عن جميع جنس الحاضرة -أعني في زمان السلف من الصحابة والتابعين- فهو ناقصٌ عن فضل الحاضرة أو مكروه، فإذا وقع التشبُّه بهم فيما ليس من فِعْل الحاضرة المهاجرين، كان ذلك إما مكروهًا وإما مُفْضيًا إلى مكروهٍ. وهكذا العربُ والعجم، فإن الذي عليه أهلُ السنة = أن جنسَ العربِ أفضل من جنسِ العجم؛ عِبرانيِّهم وسريانيهم، ورومهم وفرسهم وغيرهم. وأن قريشًا أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله ﷺ أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخَلْق نفسًا وأفضلهم نَسَبًا. وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم لمجرَّد كون رسول الله منهم، وإن هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك ثبت لرسول الله ﷺ أنه أفضل نفسًا ونَسَبًا، وإلَّا لَزِم الدَّوْر.

стр. 64

وذهبَ فرقةٌ من الناس إلى أن لا فَضْلَ لجنس العرب على جنس العجم، وهؤلاء يسمَّون: الشُّعُوبية ؛ لانتصارهم للشعوب التي هي مُغايرة للقبائل (١). كما قيل: القبائل للعرب، والشعوب للعجم. ومن الناس من قد يُفضِّل بعض أنواع العجم على العرب، والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدُر إلا عن نفاقٍ؛ ولهذا جاء في الحديث: "حُبُّ العربِ إيمان وبُغْضُهم نِفَاق" (٢)، مع أن الكلام في هذه المسائل لا يكاد يخلو عن هوى للنفس ونصيب للشيطان من الطرفين، وهو محرَّم في جميع المسائل، فإن الله أمر بالاعتصام [بحبله] (٣)، ونهى عن التفرُّق والاختلاف. و الدليل على فضل جنس العرب ، ثم قريش، ثم بني هاشم ما رواه الترمذي (٤) عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله! إن قريشًا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلةٍ في كبوةٍ من الأرض، فقال ﷺ : "إنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَنِي في خَيْر فِرَقِهِم، وخيَّر الفَرِيْقَيْنِ ثُمَّ خَيَّرَ القبائِلَ فَجَعَلَني في خيرِ قَبِيْلَةٍ، ثم خَيَّرَ

стр. 65

البُيُوْتَ فَجَعَلَني في خَيْرِ بُيُوْتهم، فأنا خَيْرُهم نَفْسًا وخَيْرُهم بَيْتًا" وحَسَّنَه. والكبوة: الكناسة، والكِبَي -بالكسر والقصر-. ورواه بطريق آخر (١) ، ورواه أحمد (٢) ولفظه: "إنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَني في خير خَلْقِه، وجَعَلَهم فِرْقَتَيْن، فجعلنِي في خَيْرِ فِرْقَةٍ، وخَلَقَ القبائِلَ فَجَعَلَني في خيرِ قَبِيْلَةٍ، وجعلهم بُيُوتًا فجعلني في خَيْرِهم بيتًا، فأنا خَيْرُكم بَيْتًا وخَيْرکم نَفْسًا". فيحتمل أن المراد بالخلق: الثقلان، أو هُم جميع ما خلق في الأرض، وبنو آدم خيرهم. ولو قيل بعموم الخلق حتى يدخل فيه الملائكة؛ فله وجهٌ صحيح، ويُحْتمل أنه أراد بالخلق: بني آدم. وبكلِّ تقدير؛ فالحديث صريح بتفضيل العرب على غيرهم، ولهذا الحديث شواهد تؤيِّده وتوضِّحه، مثل حديث مسلم (٣) : "إنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنانَةَ من وَلَدِ إسماعيلَ، واصْطَفَى قُرَيْشًا من كِنَانَةَ، واصْطَفَى من قريشٍ بني هاشِمِ، واصْطَفاني من بني هاشم". ورواه أحمد والترمذي (٤) ، ولفظُه: "إنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إبراهيمَ

стр. 66

إسماعيلَ واصْطَفَى مِنْ وَلَد إسماعيلَ بني كِنَانَةَ ... " إلى آخره. فيقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم، وأنهم أفضل من ولد إسحاق، ومعلومٌ أن ولد إسحاق أفضل العجم (١) ؛ لما فيهم من النبوَّة والكتاب، فإذا ثبت فضلهم على ولد إسحاق لَزِمَ فضلهم على من سواهم (٢) . ثم إن الله -تعالى- خصَّ العربَ ولسانَهم بأحكامٍ تميَّزوا بها عن غيرهم، فخصَّ قريشًا بما جعل فيهم من خلافة النبوَّة، وغير ذلك، ثم خصَّ بني هاشم بتحريم الصدقة واستحقاق قِسْطٍ من الفيء، إلى غير ذلك، فأعطى كلَّ درجةٍ بحسبها، والله عليمٌ حليم ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، والله أعلم حيث يجعل رسالاته. وقال ﷺ : "حُبُّ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ من الإيمانِ وبُغْضُهُما من الكُفْر" (٣)

стр. 67

و"حبُّ العَرَبِ من الإيمانِ وبُغْضُهُم من الكُفْرِ" (١)، وفي حديث سلمان (٢) ما يقوِّي هذا الحديث. ولما وضعَ عمرُ الديوانَ كتبَ الناسَ على قدر أنسابِهم، فبدأ بأقربهم فأقربهم إلى رسول الله، فلما انقضت العربُ ذكر العجمَ، هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين وسائر الخلفاء بعدهم، إلى أن تغيَّر الأمر بعد. وسبب هذا الفضل: ما اختصُّوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك لأن الفضلَ إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح. والعلم مَبْدَؤه: العقل، وهو قوةُ الفهمِ. وتمامُه: قوةُ المنطق الذي هو البيان والعبارة، والعربُ أفْهم وأَحْفظ، وأقْدَر على البيان والعبارة.

стр. 68

[وأما العمل؛ فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس] (١) ، وغرائزهم أطوع للخير، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعةً قابلة للخير معطَّلةً عن فعله، ليس عندهم علمٌ منزَّلٌ من السماء، ولا شريعةٌ موروثة (٢) عن الأنبياء، ولا هم مشتغلون ببعض العلوم العقليَّة، إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيَّامهم، أو ما احتاجوا إليه من دنياهم من الأنواء والنجوم، أو من الحروب. فلما بعث الله محمدًا ﷺ بالهدى الذي ما جَعَلَ اللهُ -ولا يجعل- أمرًا أجلَّ منه ولا أعظم قدرًا، وتلقَّوه عنه بعد مجاهدته الشديدة ومعالجته، حتى نقلهم عن تلك العادات الجاهلية والظلمات الكفرية، التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فِطَرها (٣) ، فزالت تلك الرُّيون (٤) عن قلوبهم، واستنارت بهدي الله، فأخذوا ذلك الهدي بتلك الفطرة الجيِّدة، فاجتمع لهم الكمالُ بالقوةِ المخلوقة فيهم، والكمالِ الذي أنزله اللهُ إليهم. بمنزلةِ أرضٍ جيِّدةٍ في نفسها عُطِّلت عن الحرث، فنبتَ فيها شوكٌ ودغل (٥) ، وصارت مأوى (٦) الخنازير والسِّباع، فإذا طُهِّرت عن المؤذي

стр. 69

من الشجر والدواب، وازْدُرع فيها أفضلُ الحبوب والثمار، جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله، وبالله المستعان. فصار السابقون الأولون أفضل الخلق بعد الأنبياء، وصار أفضل الناس بعدهم من اتَّبعهم بإحسانٍ إلى يوم القيامة من العرب والعجم، وصار الخارجون عن هذا الكمال قسمين: إما کافر؛ من اليهود والنصارى، الذين لم يقبلوا هدى الله. وإما غيرهم؛ من العجم الذين لم يشركوهم فيما فطروا عليه، فجاءت الشريعة باتباع أولئك السابقين على الهدى الذي رضيه الله لهم، وبمخالفة من سواهم؛ إما لمعصيته وإما لنقيصته، وإما لأنه مظنة النقيصة. فإذا نهت الشريعةُ عن مشابهة الأعاجم، دخل في ذلك ما عليه الأعاجمُ الكفَّار قديمًا وحديثًا، وما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن السابقون الأوَّلون عليه، كما يدخل في مسمَّى الجاهلية: ما كان عليه أهلُ الجاهلية قبل الإسلام، وما عادَ إليه كثيرٌ من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها، ومن تشبَّه من العرب بالعجم لحقَ بهم، وبالعكس. ولهذا كان الذين ينالوا (١) العلمَ والإيمانَ من أبناء فارس إنما حصل ذلك بمتابعتهم للدين الحنيف، بلوازمه من العربية وغيرها، ومن نقصَ من العرب إنما هو بتخلُّفهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم فيما السنةُ أن يُخَالَفوا فيه.

стр. 70

وأيضًا: فإن الله أنزل كتابَه باللسان العربي، وجعلَ رسولَه مبلِّغًا عنه الكتابَ والحكمةَ بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلِّمين به، فلم يكن سبيلٌ إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين. إذ هو أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعار الدين، وأقرب إلى مشابهة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أُمورهم. وقد أمر العلماءُ بالخطاب العربيِّ، وكرهوا مداومة غيره لغير حاجة، واللسان تقارنه أمور من الأخلاق والعلوم، فإن العادة لها تأثير عظيم فيما يُحبه الله ورسوله أو فيما يكرهه؛ فلهذا جاءت الشريعةُ بلزوم طريقة السابقين في أقوالهم وأعمالهم، وكراهة الخروج عنها إلى غيرها لا لحاجةٍ؛ لما يُفْضِي إليه من موت الفضائل التي جعلها الله للسابقين الأوَّلين. ولهذا لما عَلِم من وفَّقَه اللهُ من أبناء فارس وغيرهم هذا الأمرَ؛ أخذَ يُجاهد نفسه في تحقيق المشابهة بالسابقين، فصار أولئك من أفضل التابعين بإحسانٍ، وصار كثيرٌ منهم أئمة لكثير من غيرهم. وصاروا يُفضِّلون من رأوه [من الفرس] (١) أقرب إلى متابعة السابقين. فالأمة مجتمعة على فضل طريقة العرب السابقين، وأن الفاضل من تَبِعهم، وهو المطلوب. والذي يجب على المسلم إذا نظر إلى الفضائل أو تكلَّم فيها: أن يسلكَ سبيلَ العاقل الذي غرضه أن يعرف الخير ويتحرَّاه جهده، ليس

стр. 71

غرضه الفخر على أحدٍ ولا الغَمْص (١) من أحدٍ، كما قال: "إنَّ اللهَ أوْحَى إليَّ: أنْ تواضَعُوا حتى لا يَفْخَرَ أحَدٌ على أحدٍ ولا يَبْغِي أحَدٌ على أحَدٍ" (٢) . فمن استطال بحقٍّ فقد افتخر، وإن كان بغير حقٍّ فقد بغي، فلا يحلُّ لا هذا ولا هذا، فإذا كان الرجل من الطائفة الفاضلة، فلا يكن حظُّه استشعار فضل نفسِه، والنظر إلى ذلك، فإنه مْخْطئ؛ لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فرُبَّ حَبَشِيٍّ أفضل عند الله من جمهور قريش. وإن كان من الطائفة الأخرى، فيعلم أن تصديقه للرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمره، ومحبَّة ما أحبَّه الله، والتشبُّه بمن فضَّله الله، والقيام بالدين الحق، يوجبُ له أن يكون أفضلَ من جمهور الطائفة الأخرى، وهذا هو الفضل الحقيقي (٣) .

стр. 72

فصلٌ (١) قد ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار، ما دلَّ على أن التشبُّه بهم في الجملة منهيٌّ عنه، وأن مخالفتهم في هديهم مشروع؛ إما إيجابًا وإما ندبًا بحسب المواضع، سواء كان الفعل مما قَصَد فاعِلُه التشبُّه بهم أو لم يقصده، وكذلك ما أمَر به من مخالفتهم، وما نهى عنه من مشابهتهم يعمُّ ما إذا قُصِدت المشابهة لهم أو لم تُقْصَد, فإنه لم يكن المسلمون يقصدون التشبُّه بهم فيها؛ بل فيها ما لا يمكن القصد فيه، مثل: بياض الشعر وطول الشارب ونحوه. ثم اعلم أن أعمالهم ثلاثة أقسام: * قسمٌ مشروع في ديننا مع كونه كان مشروعًا لهم، أو لا نعلم أنه كان مشروعًا لهم، لكنهم يفعلونه الآن. * وقسمٌ كان مشروعًا ثم نسخه شَرْع القرآن. * وقسم لم يكن مشروعًا بحالٍ، وإنما هم أحدثوه. وهذه الأقسام الثلاثة؛ إما أن تكون في العبادات المحضة، وإما في العادات المحضة، وإما أن تجمع العبادات والعادات، فهذه تسعة أقسام: أما القسم الأول: وهو ما كان مشروعًا في الشريعتين، أو ما كان

стр. 73

مشروعًا لنا وهم يفعلونه، كصوم عاشوراء، أو كأصل الصلاة والصيام، فهنا تقع المخالفة في الصفة في ذلك العمل، كما سنَّ لنا صومَ تاسوعاءَ (١)، وأمرنا بتعجيل الفطر والمغرب مخالفةً لهم، وتأخير السحور، وأمرنا بالصلاة في النعلين، وهو كثير في العبادات. وكذا في العادات، كقوله: "اللَّحْدُ لَنا والشَّقُّ لِغَيْرِنا" (٢)، وسنَّ توجيه قبور المسلمين إلى القبلة، فإن أصل الدَّفْن من الأمور العادية، وهو أيضًا عبادة، وكذلك اعتزال الحائض هو مما جامَعْنَاهم في أصله وخالفناهم في وصفه. القسم الثاني: ما كان مشروعًا ثم نُسِخ؛ كالسبت (٣)، وإيجاب صلاةٍ أو صومٍ، ولا يخفى النهيُ عن موافقتهم في هذا، [سواء] كان (٤) واجبًا عليهم فيكون عبادة، أو محرمًا عليهم فيتعلَّق بالعادات، فليس للرجل أن يمتنع من أكل الشحوم، وكلِّ ذي ظُفُر على وجه التديُّن

стр. 74

بذلك، وكذلك ما كان مركَّبًا منهما، وهي الأعياد التي كانت مشروعة لهم، فإن العيد يجمعُ عبادةٌ، وهو ما فيه من صلاةٍ أو ذكرٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، ويجمعُ عادةً، وهو ما يُفْعَل فيه من التوسُّع، وما يتبع ذلك من ترك الأعمال الواظِبة (١)، واللعب المأذون فيه في الأعياد لمن ينتفع باللعب، ونحو ذلك. فموافقتهم في هذا المنسوخ في العبادات أو العادات أو كلاهما أقبح من موافقتهم فيما هو مشروعُ الأصلِ، ولهذا كانت الموافقة في هذا محرَّمة كما سنذكره، وفي الأول قد لا تكون إلَّا مكروهة. وأما القسم الثالث: وهو ما أحدثوه من العبادات والعادات أو كلاهما (٢) فهو أقبح وأقبح، فإنه لو أحدثه المسلمون لكان قبيحًا، فكيف إذا كان قد أحدثَه الكافرون ولم يشْرَعْه نبيٌّ قط. وأصلٌ آخر وهو: أن كل ما يشابهون فيه من عبادة أو عادة أو کلاهما (٣)، هو من المحدثات في هذه الأمة ومن البدع، إذ الكلام فيما كان من خصائصهم، فجميع الأدلة تدلُّ على قُبْح البدع وكراهتها تحريمًا أو تنزيهًا تندرج هذه المشابهات فيها (٤).

стр. 75

فصلٌ (١) إذا تقرر هذا الأصل فنقول: موافقتهم في أعيادهم محرمة لا تجوز من طريقين: الطريق الأول العام: هو ما تقدَّم من أنَّ هذا موافقة لأهل الكتاب فيما ليس من ديننا، ولا عادة سلفنا، فيكون فيه مفسدة موافقتهم، وفي ترکه مصلحة مخالفتهم، كما تقدمت الإشارةُ إليه، ومن جهة أنه من البدع المحدَثة. ولا ريبَ أن هذه الطريق تدلُّ على كراهة الموافقة لهم والتشبُّه بهم في ذلك، فإن أقل أحوال التشبُّه بهم الكراهة، وكذلك أقل أحوال البدع. ويدلّ كثير منها على تحريم التشبّه بهم في العيد، مثل قوله: "من تشبَّه بقومٍ فهو منهم" (٢) وقوله: "خالفوا المشرکين" (٣)، ومثل ما ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة على تحريم سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأعيادُهم من سبيلهم، إلى غير ذلك من الأدلة. فمن نظر فيما تقدم تبين له دخولُ هذه المسألة في كثير مما تقدَّم من الدلائل العامة نصًّا وإجماعًا، وتبيَّن له (٤) أن هذا من جنس أعمالهم التي هي دينهم أو شعار دينهم الباطل، وأنه محرَّم، بخلاف ما لم يكن من خصائص دينهم، مثل: نَزْع النعلين في الصلاة، فإنه جائز، كما أن
следующие страницы →