← Акыда

Акыда · id 9859

المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم

بدر الدين البعلي

Полный текст (203 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ممن فعلها، فليسوا دونهم، ولو كانوا دونهم، فقد تنازع فيها أولو العلم، فيجب ردُّها إلى الله والرسول، وكتابُ الله وسنةُ رسوله مع من ترکها بلا شكٍّ، لا مع من رخَّص فيها، ثم عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين مع من تَرَكَها. وما فيها من المفاسد التي تستغني بها القلوب عن كثير من السنن، حتى تجد كثيرًا من العامة قد يحافظ عليها ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس، وتنقص بِسَببها عنايتهم بالفرائض، وغير ذلك = يُعَارِض ما فيها من المنفعة، فإن فيها -أيضًا- من مصير المعروف منكرًا أو المنكر معروفًا، وجهالة أكثر الناس بدين المرسلين، وانتشار البدع، ومُسَارقة الطَبْع، إلى الانحلال من ربقة الاتباع، وفوات سلوك الصراط المستقيم. وذلك أن النفس فيها نوعٌ من الكبر، فتُحِبُّ أن تخرج عن العبودية والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري (١) : "ما ترك أحدٌ شيئًا من السنة إلا لكبرٍ في نفسِه"، ثم هذا مظنة لغيره (٢) ، فينسلخ القلبُ عن حقيقة اتباع الرسول، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يُفْسِد عليه دينه أو يكاد، إلى غير ذلك من المفاسد التي لا يدركها إلا من استنارت بصيرتُه وسلمت سريرتُه، حتى إن متتبعها يصير في غايةٍ من الجهالة. قد ضلَّ سعيُهم وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعًا، وهذا كلُّه مقرر في غير هذا الموضع.

стр. 142

فصلٌ (١) تقدم أن العيد يكون اسمًا لنفس المكان والزمان والاجتماع، وقد أُحدث من هذه الثلاثة أشياء، مثل: * أول خميس من رجب (٢)، وليلة تلك الجمعة تسمَّي: "الرغائب"، فإن تعظيم ذلك اليوم والليلة حادث بعد المئة الرابعة، ورُوِيَ في صومه حديث موضوع باتفاق العلماء (٣)، وفعل هذه الصلاة وإن كان قد ذكرها بعض المتأخرين من الأصحاب وغيرهم، فإنها محدثة منهيٌّ عنها عند المحققين من أهل العلم، وعن إفراد صوم هذا اليوم، وكل ما فيه تعظيم له من طعامٍ وزينة، بل لا يكون له مزيَّة على غيره. * وكذلك يومٌ آخر في وسط رجب، يصلى فيه صلاة تُسَمَّى "صلاة أم داود" فلا أصل لذلك. * ومنها: ثامن عشر ذي الحجة (٤)، الذي خطب فيه رسول الله بغدير خُمٍّ مرجِعَه من حجة الوداع (٥)، فاتخاذ ذلك اليوم عيدًا مُحْدَث لا أصل له.

стр. 143

* ومنها: ما يُحدِثه بعضُ الناس؛ إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى، وإما محبة للنبي ﷺ ، والله يُثيبهم على قصدهم الصالح (١) ؛ لكن هذا المولد لم يفعله أحد من السلف للنبي ﷺ (٢) ، ولو كان خيرًا لكان السلف ﵃ أحقَّ به، وكمالُ تعظيمه في متابعته ظاهرًا وباطنًا، ونَشْر ما بُعِث به، والجهادُ على إظهاره باليد والقلب واللسان، هذه طريقة السابقين. فعليك بالتمسُّك بالسنة في خاصَّتك وخاصَّة من يُطيعك، وأعرف المعروف وأنكر المنكر، وادْعُ (٣) إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شرٍّ منه؛ فلا تدعُ إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو ترك واجب أو مندوب تركُه أضرُّ من فعل ذلك المكروه، ولا ينبغي لأحدٍ أن يترك خيرًا إلَّا إلى مثله أو إلى خيرٍ منه. فَفِعْل المولد قد يفعله بعضُ الناس ويكون له فِيْه أجر عظيم (٤) ، فقد يَحْسُن من بعض الناس ما يُستقبح من المؤمن المسدَّد (٥) . فتفطَّن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية (٦) ، بحيث تعرف مراتبَ المعروف ومراتبَ المنكر، حتى تُقَدِّم

стр. 144

أحدهما عند الازدحام، فهذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل. وقد يُفْعَل في ما هو مُعَظَّم في الشريعة (١) ، من الأوقات الفاضلة ما يعتقد أنه فضيلة فيصير منكرًا، مثل ما أحدث بعضُ أهل الأهواء في يوم عاشوراء من التعَطُّش والتحزُّن والتجمُّع، وغير ذلك من المحدثات، من اتخاذه مأتمًا، فهو من دين الجاهلية ليس من دين المسلمين، وكذلك أحدثَ فيه بعضُ الناس أشياءَ مستَنِدة إلى أحاديث موضوعة، مثل فضل الاغتسال فيه أو التكحل أو المصافحة (٢) ، فكل ذلك مكروه، وإنما السنة صومه. وقد رُوِيَ في التوسعة على العيال آثار معروفة (٣) ، وقد يكون الغُلُو في تعظيمه من بعض أهل السنة لمقابلة الروافض، فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلقَ عن الصراط المستقيم. * ومنها: رجب، فإنه أحد الأشهر الحُرُم، ورُوِيَ عنه أنه كان يقول: "اللهم بارِكْ لنا في رجَبَ وشعبانَ وبلِّغْنا رمضَاَن" (٤) ، ولم يثبت عنه في رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه كَذِب. فاتخاذه

стр. 145

موسمًا بحيث يُفْرَد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره، كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهما من الصحابة ﵃ (١) -. وروى ابن ماجه: "أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن صَوْمِ رجب" (٢) . وهل الإفراد المكروه أن يصومه كلَّه أو أن لا يقرن به شهرًا آخر؟ فيه للأصحاب وجهان. ومن هذا الباب: ليلة نصف شعبان، فقد رُوِي في فضلها من الأحاديث ما يقتضي أنها ليلة مفضَّلة، وأن من السلف من كان يخصُّها بالصلاة فيها (٣) . وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة (٤) . ومن العلماء من أنكر فضلَها وطعن في الأحاديث الواردة فيها؛ كحديث: "إنَّ اللهَ يَغْفِرُ فيها لأكثر من شَعْر غَنَمٍ کلبٍ" (٥) . والذي عليه أكثر أهل العلم من أصحابنا وغيرهم تفضيلها، وعليه يدل نصُّ أحمد، وإن كان قد أُحْدِثَ فيها أحاديث.

стр. 146

أما صوم النصف مفردًا؛ فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه موسمًا تُصْنَع فيه الأطعمة والزينة. وكذلك صلاة الألفية في ليلة النصف جماعةً. وليعلم أن الاجتماع لصلاة تطوع، أو استماع قرآن، أو ذكر الله، ونحو ذلك، إذا كان يُفْعَل أحيانًا فهو حسن، فقد صحَّ عنه ﷺ أنه صلى التطوع في جماعةٍ أحيانًا. وعموم الأحاديث الذي فيها: "ما اجْتَمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ يَتْلُونَ كتابَ اللهِ ويَتَدَارسُونَه بَيْنَهم ... " (١) الحديث. وأنه خرج على قومٍ وهم يقرأون فجلس معهم (٢) ، وغير ذلك. أما اتخاذ اجتماع راتبٍ يتكرَّر بتكرُّر الأسابيع أو الشهور أو الأعوام غير الاجتماعات المشروعة، فإن ذلك يُضاهي اجتماعات الصلوات الخمس والجمعة والعيدين والحج، وذلك هو المبتدَع المحدَث، فَفَرْقٌ بين ما يُتَّخذ سنة وعادة، فإن ذلك يُضاهي المشروع، وهذا الفرق هو المنصوص عن أحمد وغيره من الأئمة. وروي عن ابن مسعود أنه اتخذ أصحابُه مكانًا يجتمعون فيه للذكر؛ فخرج إليهم فقال: "لأنْتُم أهْدَى من أصحاب محمد، أو لأنتم على شُعْبَةِ ضلالٍ" (٣) . وفيما شرعَه الله من العبادات المتكرِّرة كفاية، فإذا أحْدِث اجتماع معتاد كان فيه مضاهاة لما شَرَعَه الله، بخلاف ما يفعله الرجل وحدَه أو

стр. 147

الجماعة المخصوصة أحيانًا، ولذلك كره السلف إفرادَ رجب، وقطعَ عمرُ الشجرةَ التي [بويع تحتها] (١) لمَّا انتابها الناسُ. ففرقٌ بين الكثير الظاهر وبين القليل الخفيِّ، والمعتاد وغير المعتاد ... (٢). * * * فصل (٣) وقد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العملي المحدَث العيدُ المكانيُّ؛ فيغلظ قُبْح هذا، ويصير خروجًا عن الشريعة، فمن ذلك: ما يُفْعَل يوم عرفة مما لا أعلم بين المسلمين خلافًا في النهي عنه، وهو قَصْد قبر من يُحْسِن به الظنَّ يوم عرفة، والاجتماع العظيم عند قبره، كما يُفْعَل في بعض أرض المشرق والمغرب، والتعريف هناك كما يُفْعَل بعرفات، فإن هذا نوعٌ من الحجِّ المبتدَع الذي لم يشرعه الله واتخاذ القبور أعيادًا. وكذلك السفر إلى بيت المقدس للتعريف فيه، فإنه -أيضًا- ضلال بَيِّن، فإن زيارة بيت المقدس مستحبَّة للصلاة والاعتكاف، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تُشَدُّ إليها الرِّحال؛ لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، فإن ذلك تخصيص وقت معيَّن بزيارة بيت المقدس، ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت.

стр. 148

ثم فيه -أيضًا- مضاهاةٌ للحج إلى المسجد الحرام، وتشبيهُه بالكعبة، وقد أفضى الأمر إلى ما لا يشكُّ مسلم أنه شريعة أخرى غير شريعة الإسلام، وهو ما قد يفعله بعض الضُلَّال من الطواف بالصخرة، أو حَلْق الرأس هناك، أو قصد النُّسك هناك. وما يفعله بعضُ الجهَّالُ من الطواف بالقُبة التي بجبل الرحمة بعرفة. وأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء أو ضَرْبٍ بالدفِّ بالمسجد الأقصى ونحوه؛ فمن أقبح المنكرات من جهاتٍ أُخرى. وأما قَصْد الرجل مسجدَ بلدِه يوم عرفة للدعاء والذكر؛ فهذا هو التعريف في الأمصار، فقد اختلف فيه العلماء؛ ففعله ابنُ عباس وعَمْرو ابن حُرَيث، ورخَّص فيه أحمد وإن كان مع ذلك لا يستحبُّه، هذا المشهور عنه، وكرهه طائفة من الكوفيين [والمدنيين] (١) ؛ كأبي حنيفة ومالك وغيره. والفرق بين هذا التعريف وذلك التعريف المنهيِّ عنه: هو أن ذلك قَصْد موضعٍ بعينه، مثل قبرٍ أو غيره يُشَبَّه بعرفات، بخلاف مسجد المِصْر، فإنه قَصَد له بنوعه لا بعينه، وأيضًا: فإن المكان المعيَّن قد يحصل شدُّ رحلٍ إليه، واتخاذ القبر عيدًا، وهذا بنفسه محرَّم. وأما ضرب البوقات والطبول فإنه مكروه في العيد وغيره، وكذلك لباس الحرير.

стр. 149

فصلٌ (١) وأما الأعياد المكانية فتنقسم كالزمانية إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا خصوصَ له في الشريعة. والثاني: ما له خَصِيصة لا تقتضي قصده للعبادة فيه. والثالث: ما تُشرع (٢) العبادة فيه، لكن لا يُتَّخذ عيدًا. والأقسام الثلاثة جاءت الآثارُ بها؛ مثل قوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا" (٣)، ومثل نهيه عن اتخاذ آثار الأنبياء أعيادًا. فهذه الأقسام الثلاثة: أحدها: مكانٌ لا فضل له في الشريعة أصلًا، ولا فيه ما يوجِب تفضيلَه، بل هو كسائر الأمكنة أو دونها، فَقَصْد ذلك أو الاجتماع فيه لصلاة أو دعاء أو ذِكْر أو غيره ضلال بيِّن، [و] إن كان به أثر بعض الكفار أو غيرهم صار أقبح وأقبح، ودخل في هذا الباب وفيما قبله مشابهة الكفار، وهذه أنواع لا يمكن ضبطها بخلاف الزمان فإنه محصور، وهذا الضرب أقبح من الذي قبلَه، فإن هذا يُشبه عبادة الأوثان أو ذريعة إليها، أو نوع من عبادة الأوثان، إذ عبَّاد الأوثان كانوا يقصدون بقعةً بعينها لتمثالٍ هناك أو غير تمثال، يعتقدون أن ذلك يُقربهم إلى الله، وكانت الطواغيتُ الكِبار التي تُشَد إليها الرِّحال ثلاثة؛ اللات، والعُزَّى، ومناة الثالثة الأخرى، كما ذكر اللهُ تعالى في كتابه (٤). كلُّ واحدة من هذه الثلاثة لمِصْر من أمصار العرب.

стр. 150

ومواقيت الحج ثلاثة؛ مكة والمدينة والطائف، فكانت اللات لأهل الطائف. قيل: إنه كان رجلًا صالحًا يَلُتُّ السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره مُدَّة، ثم اتخذوا تمثاله، ثم بنوا عليه بِنْيَة سَمَّوها: "بيت الربَّة" وقصتها معروفة، فلما بُعِثَ النبي ﷺ هَدَمَها لما فُتِحت الطائف بعد مكة سنة تسعٍ (١). وأما العُزَّى: فكانت لأهل مكة قريبًا من عرفات، وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون، فبعثَ النبيُّ ﷺ خالدَ بنَ الوليد عَقِب فتح مكة، فأزالها، وقسم النبي ﷺ مالَها، وخرجت منه شيطانة ناشرة شعرها، فيئست العُزَّى أن تُعْبَد. وأما مناة: فكانت لأهل المدينة من ناحية الساحل. ومن أراد أن يعلم كيف كان حال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشركِ الذي ذمَّه اللهُ وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن؛ فلينظر في سيرة النبي ﷺ وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي في "أخبار مكة" (٢) وغيره من العلماء. ولما كان للمشرکين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمُّونها: "ذات أنواط". فقال بعضُ الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذاتَ أنواط ٍ كما لهم ذات أنواط. فقال: "الله أكبر، قلتم كما قال قومُ موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، إنها السَّنَن لتركبنّ سَنَن من كَان قَبْلَكم" (٣). فأنكر

стр. 151

مشابهتهم للكفار بأن يعلقوا على شجرة، فكيف بما هو أطم من مشابهتهم في نفس الشرك؟! فمن قَصَد بقعةً يقصد الخير فيها، ولم تستحب الشريعةُ ذلك؛ فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواءٌ كانت البقعة شجرة، أو عين ماء، أو قناة جارية، أو جبلًا، أو مغارة، وسواءٌ قَصَدَها ليصلي فيها، أو ليدعو، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر، أو ليتنسَّك، بحيث يخص البقعة بنوعٍ من العبادة التي يُشْرَع تخصيص تلك البقعة به لا عينًا ولا نوعًا. وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنًا لتُنَوَّر [به]، ويقال: إنها تقبل النذر -كما يقوله بعض الضالين- فإن هذا نذرُ معصيةٍ باتفاق العلماء، لا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة يمين عند كثير من أهل العلم، منهم أحمد في المشهور عنه. وكذلك إذا نذر طعامًا للحيتان التي في العين، أو نذر مالًا للسَّدَنة والمجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن هولاء يشبهون سَدَنة اللات والعُزَّى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، فيهم شَبَه من العاكفين الذين قال لهم إبراهيم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وكالذين اجتاز بهم موسى وقومُه في قوله: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. ثم إذا صُرف هذا المال في جنس تلك العبادة من المشروع، مثل عمارة المساجد، والصالحين من فقراء المسلمين؛ كان حَسَنًا. فهذه الأمكنة منها ما يُظن أنه قبر نبي أو رجلٍ صالح، وليس كذلك، أو يُظن أنه مقام له وليس كذلك، فأما ما كان قبرًا أو مقامًا؛ فهو من النوع

стр. 152

الثاني، وهذا بابٌ واسع أذكر بعض أعيانه: * فمن ذلك: عدة أمكنة بدمشق، مثل مشهد لأُبَيِّ بن كعب، خارج الباب الشرقي، ولا خلاف أن أُبيَّ بن كعبٍ إنما توفي بالمدينة. * وكذلك يقال: قبر هود في الحائط القِبْلي، وما علمتُ أحدًا ذكر أن هودًا (١) مات بدمشق، بل قيل: باليمن، وقيل: بمكة. * وكذلك: مشهد أويس، وما قال أحدٌ أن أُويسًا (٢) مات بدمشق ولا قدم إليها. * ومن ذلك: قبر أم سلمة، ولا خلاف أنها ماتت بالمدينة، وما أكثر الغلط في ذلك من جهة مشابهة الأسماء (٣). * وكذلك: بمصر مشهد يقال: إنه للحسين، وهو باطل اتفاقًا (٤). فهذه المواضع ليس فيها فضيلة أصلًا، اللهم إلا أن يكون قبر رجلٍ مسلم، فيكون كسائر قبور المسلمين ليس لها خَصِيصة، وإن كانت القبور الصحيحة لا يجوز اتخاذها أعيادًا، ولا أن يُفْعَل فيها ما يُفعل عند هذه القبور المكذوبة. وفي هذا الباب مواضع يقال: إن فيها أثر النبي ﷺ أو غيره،

стр. 153

ويُضَاهَى بها مقام إبراهيم الخليل الذي بمكة، كما يقوله الجهالُ في الصخرة التي ببيت المقدس، من أن فيها أثرًا من وطء النبي، وبلغني أن بعض الجهال يقول: إنه من وطء الربِّ -سبحانه-!! وفي مسجد قِبْلِي دمشق -مسجد القدم- يقال: إنه أثر قدم موسي، وهذا باطل. وكذلك مشاهد تُضَاف إلى بعض الأنبياء والصالحين بناءً على أنه رُئيَ هناك في النوم، ورؤية النبي أو الرجل الصالح ببقعة في النوم لا يوجب لها فضيلة، تُقْصَد البقعة لأجلها، أو تُتخذ مصلّي بإجماع المسلمين. وهذه الأماكن كثيرة موجودة في أكثر المواضع؛ مثل الحجاز فيها مواضع؛ كغارٍ عن يمين الطريق وأنت ذاهب من بدر إلى مكة، يقال: إنه الغار الذي دخله النبي ﷺ وأبو بكر، وأنه الغار الذي ذكره الله تعالي. فلا خلاف بين أهل العلم أن الغار الذي ذكره الله في القرآن، إنما هو غارٌ بجبلِ ثورٍ قريبٌ من مكة، معروف عند أهل مكة إلى اليوم. وبالجملة؛ فتعظيم مكان لم يُعظّمه الشرع شر من تعظيم زمانٍ لم يُعظمه، فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها، أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، فيُنْهى عن الصلاة فيها وإن لم يقصد تعظيمها، لئلا يكون ذريعةً إلى تخصيصها بالصلاة، كما يُنْهى عن الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يقصد المصلِّي الصلاة لأجلها، كما يُنْهى عن إفراد الجمعة وسَرَر شعبان (١) ، وإن لم يقصد تخصيصها بالصوم.

стр. 154

وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد ضرار، فإن هذه المشاهد إنما وُضِعَت مضاهاةً لبيوت الله، وتعظيمًا لما لم يُعظِّمْه الله، وعكوفًا على أشياء لا تنفع، وصدًّا للخلق عن سبيل الله، وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه. ويلتحق بهذا الضرب -وإن لم يكن منه- مواضع يُدَّعَى لها خصائص لا تَثْبُت، مثل كثير من القبور التي يقال: إنها قبر نبي أو قبر صالح، أو مقام نبي أو صالح، ونحو ذلك، وقد يكون ذلك صدقًا، وقد يكون كذبًا، وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضرب، فإن الصحيحَ من ذلك قليل جدًّا. وقال غيرُ واحدٍ من أهل العلم: لم يثبت إلا قبر نبينا ﷺ . وغيرُه يُثْبِت قبرَ إبراهيم الخليل، وقد يكون عُلِمَ أن القبرَ في تلك الناحية؛ لكن يقع الشكُّ في عينه، ككثير من قبور الصحابة التي "بباب الصغير" من دمشق، فإن الأرض غُيِّرت، فتعيينُ قبرٍ بعينه أنه قبر بلالٍ أو غيره لا يكاد يَثْبت إلا من طريق خاصة. وإن كان لو ثبت ذلك لم يتعلَّق به حكمٌ شرعي مما قد أُحْدِثَ عندها؛ إذ لو كان ضبط هذه الأمكنة من الدين لما أُهْمِل ولما ضاع عن الأمة المحفوظ دينها المعصومة عن الخطأ. وأكثر الحكايات إنما توجد من السَّدَنة والمجاورين، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وقد يُحْكَي ماله تأثيرٌ، مثل: أن رجلًا دعا عند قبرٍ فاستُجِيبَ له، أو نَذَر لمكانٍ فقُضِيت حاجتُه، ونحو ذلك، وبمثل هذه الأمور عُبِدَت الأصنام، فإن القوم كانوا -أحيانًا- يُخَاطَبُون من الأوثان، وربما تُقْضَي حوائجهم إذا قصدوها، وكذلك يجري لأهل

стр. 155

الأبداد (١) من أهل الهند، وربما قِيْست على ما شرعه الله من حجِّ بيته والحجر الأسود. وإنما عُبِدت الشمس والقمر بالمقاييس، وبمثل هذه الشبهات حدث الشركُ في أهل الأرض. وقد صحَّ أنه نهى عن النذر وقال: "إنَّه لا يَأتي بِخَيْرٍ" (٢) ، فإذا كان النذر الذي هو طاعة لا يأتي بخير؛ فما الظنُّ بالنذر الذي هو معصية، بأن يكون لشيءٍ من هذه الأمكنة مما لا ينفع ولا يضر؟! وأما إجابة الدعاء؛ فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه، وقد يكون مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرًا قضاه الله، لا لأجلِ دعائه، وقد يكون له أسبابٌ أُخَر، وإن كانت فتنةً في حقِّ الداعي، فإنا نعلم أن الكفار قد يُسْتجابُ لهم، فيُسْقون ويُنصرون ويُعافون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسُّلهم بها، وقال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) ﴾ [الإسراء: ٢٠]، وقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) ﴾ [الجن: ٦]. وأسبابُ المقدورات فيها أمور يطول شرحُها، ليس هذا موضُعها، وإنما على الخلق اتباع ما بعثَ الله به المرسلين، والعلم بأنَّ فيه خير الدنيا والآخرة، ولعلِّي إن شاء الله أبين أسباب هذه التأثيرات في موضعٍ آخر (٣) . هذا هو النوع الأول من الأمكنة.

стр. 156

النوع الثاني من الأمكنة (١): ما له خَصِيْصة؛ لكن لا يقتضي اتخاذه عيدًا ، ولا يُصلَّي عنده، ولا يُعبد بنوعٍ من العبادات، فمن ذلك: قبور الأنبياء والصالحين، وقد جاء عن النبي وعن السلف النهيُ عن اتخاذها عيدًا عمومًا، خصوصًا، وبيَّنوا معنى العيد. أما العموم: فما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكم قُبُورًا ولا تجعَلُوا قبري عِيْدًا، وصَلُّوا عليَّ فإنَّ صَلَاتَكم تَبْلُغُنِي حَيْثُ ما كُنْتُم" ﷺ تسليمًا. رواه أبو داود بإسنادٍ حسن (٢)، رواته كلُّهم ثقات (٣). قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: قرأتُ على عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. وإن كان عبد الله بن نافع الصائغ فيه لِيْن لا يقدح في حديثه، قال ابن معين: هو ثقة. وقد رُوِي من جهاتٍ أخرى فما بقي فيه إنكار. ورُوِي عن الحسن بن الحسن (٤) بن علي أنه رأى سهل بن سُهَيل عند قبره فقال: ما أنتَ ورجلٌ بالأندلس منه إلا سواء (٥).

стр. 157

فإذا كان قبر النبي ﷺ -مع أنه أفضل قبر على وجه الأرض- قد نُهي عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي، مع كونه قَرَن ذلك بقوله: "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكم قُبُوْرًا" أي: لا تعطِّلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحرِّي العبادة في البيوت، ونهى عن تحرِّيها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبَّه بهم. وفي "الصحيحين" (١) قال: "اجْعَلوا من صلاتِكُم في بُيُوتكم ولا تتَّخِذُوها قُبُورًا"، وقال -أيضًا-: "فإنَّ صلاتَكُم تَبْلُغني" (٢) يشير إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قُربكم من قبري وبُعدكم، فلا حاجةَ بكم إلى اتخاذه عيدًا. والأحاديث بأن صلاتنا تُعْرَض عليه كثيرة مشهورة صحيحة (٣). مع كون أفضل التابعين [من أهل بيته] (٤) علي بن الحسين رأى ذلك الرجلَ يدعو عند قبره فنهاه، وروى له حديث: "لا تتَّخِذُوا قَبْري عِيْدًا" (٥) فعلم أنَّ قَصدَه للدعاء ونحوه اتخاذٌ له عيدًا، وهو أعلم بمعني الحديث من غيره.

стр. 158

وكذلك ابن عمه حسن بن حسن -شيخ أهل بيته- کره أن يقصدَ الرجلُ القبرَ للسلام عليه ونحوه عند دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا. رواه سعيد (١) . فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل بيته ﵃. ومعلوم ما كان هو ﷺ يأمر أصحابه إذا دخلوا القبور أن يقول أحدهم: "السلامُ عَلَى أهل الدِّيارِ من المؤمنينَ والمسلمينَ، ويَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدمينَ مِنَّا والمُسْتأخِرين وإنَّا إن شاءَ اللهُ بِكُم للاحِقُونَ" (٢) . ونحوه من الأحاديث المشهورة، وكالصلاة على الميت والدعاء له. وما كان عليه السابقون الأولون هو المشروع للمسلمين في ذلك كله، وهذا الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي ﷺ وغيره. فزيارة القبور في الجملة جائزة، حتى قبور الكفار، فإن في "صحيح مسلم" (٣) أنه قال: "استأذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يأذَنْ لي، واسْتأذَنْتُه أنْ أزُوْرَ قَبْرَها فأذِنَ لي"، وقال: "زُوْرُوا القُبُوْرَ فإنَّها تذكِّرُ الآخِرَةَ" (٤) . فهذه الزيارة التي تذكِّر الآخرة، ولِتَحيتهم والدعاءِ لهم هو الذي جاءت به السنة، كما تقدم. وقد اختلف أصحابُنا وغيرُهم؛ هل يجوز السفر لزيارتها؟ على قولين:

стр. 159

أحدهما: لا، وهو قول ابن بَطَّة وابن عقيل وغيرهما؛ لأنه سفر بدعة منهيٌّ عنه. والثاني: يجوز، وهو قول الغزالي، وأبي الحسن بن عَبْدوس الحراني، والشيخ أبي محمد المقدسي (١) -وما علمتُه منقولًا عن أحدٍ من المتقدمين- بناء (٢) على أن الحديثَ لم يتناول النهيَ عن ذلك، كما لم يتناول النهيَ عن السفرِ إلى المكان الذي فيه الوالد والعلماء والمشايخ والإخوان، أو بعض المقاصد من الأمور الدنيوية المباحة. وأما سِوى ذلك من المحدَثات؛ مثل الصلاة عند القبور مطلقًا، أو اتخاذها مساجد، أو بناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه، وقد صرَّح العلماء -علماء الطوائف- من أصحابنا وغيرهم، بالنهي عن بناء المساجد على القبور اتباعًا للأحاديث وأنه حرام، ومن العلماء من أطلق عليه لفظ الكراهة، فما أدري ما عنى به التحريمَ أو التنزيه؟ ولا ريب في القطع بتحريمه (٣) . فهذه المساجد المبنيَّة على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم تتعيَّن إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين. وتُكره الصلاةُ فيها من غير خلافٍ أعلمه، بل لا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ للنهي واللعن الوارد فيه. ليس في هذه المسألة خلاف؛ لكون المدفون واحدًا، وإنما اختلف أصحابُنا في المقبرة المجرَّدة عن مسجد؛ هل حدُّها ثلاثة أَقْبُر أو يُنْهى عن الصلاة

стр. 160

عند القبر الفَذِّ وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين. ثم يُغَلَّظ النهي إن كانت البقعة مغصوبة، مثلما بُني على بعض العلماء والصالحين ممن كان مدفونًا في مقبرةٍ مُسَبَّلة، فبُنِي على قبره مسجد أو مدرسة أو رباط أو مشهد، وجُعِل فيه مطهرة أو لم يُجْعَل، فإن هذا مشتمل على أنواعٍ من المحرمات: أحدها: أنه لا يجوز الانتفاع بالمقبرة المسبَّلة بغير الدفن من غير تعويض بالاتفاق، فبناء المسجد ونحوه فيها كدفن الميِّت في المسجد. وكبناء الخانقاه (١) في المقبرة، وكبناء المسجد في الطريق التي يحتاج الناس إلى المشي فيه. الثاني: اشتمال غالب ذلك على نَبْش قبور المسلمين، وإخراج عظام موتاهم. الثالث: أن البناء على القبور منهيٌ عنه. الرابع: أن بناء المطاهر بين القبور من أقبح ما تُجاوَر به القبور، لا سيما إن كان موضع المطهرة قبر رجلٍ مسلم. الخامس: اتخاذ القبور مساجد. السادس: الإسراج على القبور.

стр. 161

السابع: مشابهة أهل الكتابَيْن في كثير من الأقوال والأفعال والسنن بهذا السبب، كما هو الواقع، إلى غير ذلك من الوجوه. وقد كانت البِنْيَة التي على قبر إبراهيم مسدودة لا يُدْخَل إليها إلى حدود المئة الرابعة، فقيل: إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأَتْ في ذلك منامًا، فنُقِبَت لذلك. وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نَقَبوا ذلك، ثم تُرِك ذلك مسجدًا بعد الفتوح المتأخرة، وكان أهلُ الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابَهم عن الصلاة فيها؛ اتباعًا لأمر رسول الله واتقاء معصيته. وكذلك إيقاد المصابيح في هذه المشاهد، لا يجوز بلا خلافٍ أعلمه، ولا يجوز الوفاء بما يُنْذَر لها، ومن ذلك الصلاةُ عندها، وإن لم يُبْنَ هناك مسجد، فإن كلَّ موضعِ قُصِدت الصلاة فيه فقد اتخذَ مسجدًا، وإن لم يكن هناك بناءٌ، فإن النهي عن الصلاة في المقبرة ليس لمجرَّد كونها محل النجاسة، بل لمظنَّة اتخاذها أوثانًا، كما قد بيَّنه في قوله ﷺ : "اشتدَّ غَضَبُ اللهِ على قومٍ اتخذوا قبورَ أنْبِيائِهم مَسَاجِدَ" (١)، وقول عائشة: ولولا (٢) ذلك لأُبْرِزَ قبره (٣) وغيره من الأحاديث. فإن قبور الأنبياء لا تُنْبَش حتى يقال: لأجل النجاسة، خصوصًا ولا

стр. 162

تُبْلي (١) الأنبياء، فعُلِمَ أنه لمظنة عبادة الأوثان، قال الشافعي: "أكره أن يُعظم قبر مخلوق حتى يُجْعَل قبره مسجدًا مَخافَة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس" (٢). وقد نبه ﷺ بقوله: "اللهم لا تَجْعَل قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَد" (٣) على العلة. فصلٌ (٤) ولخوف مظنة عبادة الأوثان حَسَم الرسول ﷺ المادَّة، ونهى عن الصلاة عند القبور، كما تقدم، ولأجل تلك العلة وقع كثير من الأُمم إما في الشرك الأكبر أو الأصغر، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، فإن الشرك بقبر الرجل الصالح أعظم من الشرك بخشبة أو حجر على تمثاله، فتجد قومًا يتضرَّعون عند القبور، ويخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد، بل ولا في السَّحَر، وقد يسجدُ بعضُهم لها، ويرجون من بركة الصلاة عندها، ما لا يرجونه عند بيتِ الله. فحَسَمَ ﷺ ذلك كلَّه، وإن لم يقصد المصلِّي [بركة] (٥) ذلك، كما يُنهى عن الصلاة عند طلوع الشمس واستوائها وغروبها، فيُنْهَى عن ذلك سدًّا للذريعة.

стр. 163

أما إذا قصَدَ الرجلُ الصلاةَ عند بعض قبور الأنبياء والصالحين متبركًا بالصلاة في تلك البقعة؛ فهذا هو عين المحادَّة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، واتباع (١) دين لم يأذن به الله، فقد أجمع المسلمون: على أن الصلاة عند أيِّ قبر كان لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة مَزِيَّة في تلك البقعة أصلًا، بل مزيةُ شرٍّ. واعلم أن تلك البقعة وإن كانت قد تنزل عندها الملائكة والرحمة، ولها شرف وفضل، لكن دين الله بَيْن الغالي فيه وبين الجافي عنه. فالنصاري عظموا الأنبياء حتى عبدوهم، واليهود استخفُّوا بهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا حقوقهم، ولأجل ذلك قال ﷺ : "لا تُطْرُونِي كما أطْرَتِ النصارى المسيحَ ... " (٢) . فلو قُدِّر أن الصلاة هناك توجب رحمةً أكثر من الصلاة في غيرها، كانت المفسدة الناشِئة تُرْبي على هذه المصلحة حتى تغمرها وتزيد عليها، بحيث تصير الصلاة هناك مُذْهِبةً لتلك الرحمة، ومُثْبِتة لما يوجب العذاب، ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها الفساد من ذلك، فيكفيه أن يُقلِّد الرسول ﷺ ، فإنه من المعلوم أنه لولا أن الفساد أغلب من المصلحة لما نهى عن ذلك. وليس للمؤمن أن يُطالب الرسول بتبيين وجوه المصالح، وإنما عليه طاعته، والسمع والطاعة له، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].

стр. 164

فصلٌ (١) والمقصود أن الدعاء والعبادة عند القبور وغيرها من الأماكن تنقسم إلى نوعين: أحدهما: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق، لا لقصد الدعاء فيها، كمن يدعو في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور، وكمن يزورها فيسلِّم ويسأل الله العافية له وللموتى، كما جاءت به السنة، فهذا ونحوه لا بأس به. النوع الثاني: أن يتحرَّى الدعاء عندها ، بحيث يستشعر أن الدعاء عندها أجوبُ من غيره، فهذا منهيٌّ عنه، إما نهي تحريم أو تنزيه، والتحريم أقرب، فإن الشخص لو دعا فاجتاز بصنمٍ من غير قصدٍ لم يكن به بأس، ولو تحرى الدعاء عند الصنم أو الصليب أو في الكنيسة يرجو الإجابة في تلك البقعة؛ لكان هذا من العظائم، فَقَصْد القبور للدعاء عندها من هذا الباب، بل قد يكون أشد؛ لنهي الرسول عن اتخاذها مساجد وعيدًا. فقَصْد القبور لم يفعله أحد من الصحابة والتابعين، بل أجْدَبُوا على عهد الصحابة، ودهمتهم نوائب، فهلَّا جاءوا فاستغاثوا عند قبر النبي ﷺ ؟! بل قد خرج عمرُ بالعباس يَسْتسقي به ولم يَرُح إلى القبر (٢). وكذلك لما فُتِحت تُسْتَر وجدوا قبر دانيال، فقيل: إنه كان إذا أجدبت السماء برزوا بسريره، فيُمْطَرون، فأمر عمر أن يُعَمَّى قبره،

стр. 165

فحفر ثلاثة عشر قبرًا متفرقة ودُفِنَ في أحدها ليلًا، وسوَّوا القبور كلَّها؛ لئلا يفتتن به الناس، فأنكر الصحابةُ ذلك وعَمَّوا قبره (١) ، فهذا فِعْل الصحابة المهاجرين والأنصار. ومن تأمل كتب الآثار وعَرَف حال السلف، عَلِم قطعًا أن القومَ ما كانوا يستغيثون عند القبور ولا يتحرون الدعاء عندها؛ بل ينهون عن ذلك جهالهم. فإن قيل: فقد نُقِل عن بعضهم أنه قال: قبر مَعْروفٍ الترياقُ الأكبر (٢) المجرَّب، وأن معروفًا أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره، وأن بعض من هَجَره أحمدُ ابن حنبل، كان يأتي إلى قبر أحمد ويتوخَّي الدعاءَ عنده، ورُوِي عن جماعاتٍ أنهم دعوا عند قبر جماعات من الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم فاستجيب لهم. وذكرَ علماءُ من المصنفين في المناسك: إذا زار قبر النبي ﷺ أن يدعو عنده، وأن من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا استجيب له، ورأى بعضُهم منامات في الدعاء عند قبر بعض الأشياخ، وجرَّب (٣) أقوامٌ استجابة الدعاء عند القبر، وأدركنا من ذوي الفضل علمًا وعملًا من يتحرى الدعاءَ عندها والعكوفَ عليها، وفيهم من لهم كرامات وعِلْم، فكيف يُخَالَف هؤلاء؟!

стр. 166

وهذا السؤال -مع بُعْدِه عن طريق العلم- هو غايهُ ما يتمسَّك به المَقْبُرِيُّون (١). والجواب عن ذلك على وجه الاختصار: أن ذلك لم يُنقل في اسْتحبابه -فيما علمناه- شيءٌ ثابت عن القرون الثلاثة المفضَّلة الذين أثنى عليهم الرسول، مع شدَّة المقتضي فيهم لذلك لو كان فضيلة. وأما من بعدَهم؛ فأكثر ما يُفرض أن الأمة اختلفت، ولا يمكن أن يقال: إن الأمة أجمعت على استحسان ذلك؛ لأن كثيرًا من الأمة كَرِه ذلك وأنكره قديمًا وحديثًا. وأيضًا: من الممتنع أن تتفق الأمةُ على استحسانِ فعلٍ، لو كان حسنًا لفعله المتقدمون، ولم يفعلوه (٢)، فإن هذا من باب تناقض الإجماعات وهي لا تتناقض، وإذا اختلف فيه المتأخرون، فالفاصل بينهم هو كتابُ الله والسنة والإجماع المتقدِّم نصًّا واستنباطًا؛ فكيف والحمد لله لم يُنْقَل هذا عن إمامٍ معروف ولا عالم متَّبَع؛ بل المنقول من ذلك إما كذب كما كُذِب على الشافعي أنه قال: "إني إذا نزل شيءٌ بي (٣) أجيءُ فأدعو عند قبر أبي حنيفة فأُجاب"! فهذا كذبٌ معلوم كذبُه؛ فإن الشافعي لما قدمَ بغداد لم يكن ببغداد قبر يُنتاب للدعاء عنده، وقد رأي الشافعيُّ بالحجاز والشام من قبور الأنبياء والصحابة والصالحين من هو أفضل عنده من أبي حنيفة، فما

стр. 167

باله لم يتوخَّ الدعاء إلا عنده؟! ثم قد تقدَّم (١) عن الشافعي قوله: "إني أكره تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها". وإما أن يكون المنقول (٢) عن مجهول لا يُعرف، ونحن لو رُوِيَ لنا أحاديث -مثل هذه الحكايات- لما جاز لنا التمسُّك بها حتى يثبتَ النقلُ. ومنها ما قد يكون صاحبه قد قاله باجتهاد، وفَعَلَه باجتهاد يُخطيء ويُصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة، على وجهٍ لا محذور فيه، فَحُرِّفَ النقلُ [عنه]. ثم سائر هذه الحجج دائرة بين نقلٍ لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول لم يشرعها. وإنما يُثبت العبادةَ بمثل هذه الحكايات النصارى وأمثالُهم، وإنما المتَّبَع في إثبات الأحكام كتابُ الله، والسنةُ، واتباعُ سبيل السالفين الأوَّلين. والجوابُ المحقَّق عن ذلك من وجهين؛ مجملٌ ومفصَّل: أما المُجْمَل: فالنقض بأن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات من هذا النمط كثير، بل المشركون كانوا يدعون عند أوثانهم فيُسْتجاب لهم أحيانًا، كما قد يُسْتجاب لهؤلاء؛ بل في وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحدَه دليلٌ على أن الله يرضى ذلك ويحبه فليطَّرِد الدليلُ، وذلك كفر متناقض.

стр. 168

ثم إن كل قومٍ قد جعلوا لأنفسهم ... (١) وقبرًا لا يثقون بغيره، فلا يمكن موافقة الجميع؛ لأنه جَمْع بين الضدين، وموافقة بعض دون بعضٍ تحكُّم بلا مرجِّح، ومن المحال إصابتهم جميعًا؛ لأن كل فريق يُخطِّئ الفريقَ الآخر. ثم قد استُجِيب لبلعام بن باعور في قوم موسى المؤمنين، فسَلَبه اللهُ الإيمان (٢)، والمشركون قد يَسْتسقون فيُسْقَون، ويَسْتنصرون فيُنْصَرون. وأما الجواب المفصَّل فنقول: مدار هذه الشُّبهة على أصلين: منقول: وهو ما يُحكى من فعل هذا الدعاء عن بعض الأعيان. ومعقول: وهو ما يُعْتَقد من منفعته بالتجارب والأقْيِسَة. أما النقل: فإما كذب، أو غلط، أو ليس بحجَّة، بل قد ذكرنا النقل عمن يُقْتَدي به بخلاف ذلك. وأما المعقول: فعامَّة المذكور من المنافع كذب، فإن هولاء الذين يتحرون الدعاء إنما يُسْتَجاب لهم أحيانًا نادرًا، وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء وقت الأسحار وفي سجودهم، وأدبار صلواتهم؛ وفي بيوت الله؟! فإن هؤلاء إذا ابتهلوا مثل ابتهال المَقَابريين لم تكد تسقط لهم دعوة إلا لمانع. وجميع الأمور التي يُظن أن لها تأثيرًا في العالم وهي محرمة في

стр. 169

الشرع، كالتمريحات (١) الفلكية، والتوجُّهات النفسانية؛ كالعين، والدعاء المحرَّم، والرُّقى المحرمة، والتمريحات الطبيعية ونحو ذلك، فإن مضرَّتها أكثر من منفعتها حتى في نفس ذلك المطلوب، فإنه لا يُطْلَب بها غالبًا إلا أمورٌ دنيويَّة، فقلَّ من حصل له بذلك أمر دنيوي إلا أعقبه شرٌّ أو كانت عاقبته خبيثة، دع الآخرة. والمُخْفِقُ (٢) من أهل هذه الأسباب أضعافُ أضعافِ المُنْجح، فلا يكاد يحصل الغرض إلا نادرًا، مع أن مضرَّتها أكثر من نفعها، بخلاف الأمور المشروعة؛ من الدعاء والتجارة والحراثة والتوكل على الله ونحوه، فإنه يحصل الخير [معها] (٣) غالبًا. فعُلِمَ أن (٤) الأمور المذكورة ليس فيها خير غالب ولا خير مُحْض، ومن له خبرة بأحوال العالم تيقَّن ذلك بلا شكٍّ، والأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض لا يُحْصِيها إلا هو، أما أعيانُها بلا ريب، وكذلك أنواعها لا يضبطها المخلوق لسعة ملكوت الله ، ولهذا كانت طريقة الأنبياء: الأمر بما فيه الصلاح والنهي عما فيه الفساد. والكلامُ في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن

стр. 170

ضَعُفَ عقلُه ودينُه، بحيث تختطفَ عقلَهِ، ويكفي العاقلَ أن يعلم أن ما سِوَى المشروع لا يُؤثِّر بحالٍ فلا منفعةَ فيه، أو أنه إذا أثَّر فضرره أكثر من نَفْعِه. ثم قد يكون سببُ قضاءِ حاجة هولاء الداعينَ الدعاءَ المحرمَ؛ لشدَّة ضرورته، لو دعا اللهَ بها مشركٌ عند وثنٍ لاستُجِيْبَ له؛ لصدق توجُّهه إلى الله -تعالى-، ولو قد استُجِيبَ له على يد المتوسَّل به صاحبِ القبرِ أو غيرِه لاستغاثته، فإنه يُعاقب على ذلك، ويهوي به في النار إذا لم يعف اللهُ عنه، كما لو طلب ما يكون فتنة له، كما أن ثعلبة لما سأل (١) النبيَّ ﷺ أن يدعوَ له بِكثَرة المال، ونهاه النبيُّ عن ذلك مرةً بعد مرة، فلم ينته حتى دعا له، وكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة (٢) . وقد قال: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَسْألني المسأَلَةَ فأُعْطِيه إيَّاها، فيخرجُ بها يتأبَّطُها نارًا" (٣) . فكم من عبدٍ دعا دعاءً غير مباح فَقُضِيَتْ حاجَتُه، وكان سببَ هلاکه في الدنيا والآخرة، تارةً بأن يسأل ما لا تصلح له مسألته، كما فعل

стр. 171

بلعام وثعلبة (١) ، وتارةً بأن يسأل على الوجه الذي لا يُحبه الله تعالي. بل أشدّ من ذلك السحر الطِّلَسْمات (٢) والعين وغير ذلك، قد يُقْضَي بها كثيرٌ من أغراض النفوس، ومع هذا فقد قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وإنما يتشبَّثون بمنفعة الدنيا، قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]. كذلك أنواع الداعين والسائلين قد يدعو دعاءً محرَّمًا، يحصل معه غرضُه، ويورثه ضررًا عظيمًا، ثم إن الداعي قد يعلمه (٣) وقد لا يعلمه على وجهٍ لا يُعْذَر فيه بتقصيرِه في طلبِ العلم أو تركِ الحق، وقد لا يعلمه على وجهٍ يُعْذَر فيه، بأن يكون مجتهدًا أو مقلِّدًا، کالمجتهد [والمقلِّد اللذين يُعْذران في سائر الأعمال] (٤) ، وقد يتجاوز عنه لكثرة حسناتِه وصدقِ قصدِه، أو لمحضِ رحمةِ ربه ونحو ذلك. ثم مع ذلك يُنْهَى عنه، وإن كان قد زال سببُ الكراهةِ في حقِّه (٥) . ومن هنا يَغْلَط كثير من الناس؛ يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عَبَدَ عبادةً، أو دعا دعاءً، وجَدَ أثرَه، فيجعل ذلك دليلًا على استحباب (٦) تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة، كأنه قد

стр. 172

فعله نبيٌّ، وهذا غَلَطٌ عظيم؛ لما ذكرناه، خصوصًا إذا كان العمل إنما كان أثره بصدقٍ قامَ في قلب فاعله حين الفعل، ثم يفعله الأتْباعُ صورةً [لا صدقًا] (١) ، فيُضرُّون به. ومن هذا الباب: ما يُحْكَي عن آثارٍ وُجِدت في السَّماع المبتَدَع، فإن تلك الآثار قد تكون عن أحوالٍ قامت بقلوب أولئك الرجال، حركها محركٌ كانوا فيه مجتهدين، أو مقصِّرين تقصيرًا غمره حسناتُ قَصْدِهم، فيأخذ الأتْباعُ حضور صورة السماع. وليس حضورُ أولئك الرجال سنةً تُتَّبَع، ولا مع المتَّبعين من الصدق ما لأجله عُذِروا وغُفِر لهم؛ فيهلكون بذلك، كما حُكيَ عن بعض الأشياخ أنه رُئي بعد موته فقيل له: ما فعلَ الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال: يا شيخ السوء أنت الذي كنتَ تتمثَّل بي (٢) بِسُعْدَي ولُبْنَي؟ لولا أعلم من صدقك لعذبتك. ولهذا كان الأئمة المقتَدَي بهم يقولون: "عِلْمنا هذا مُقَيَّدٌ بالكتاب والسنة" (٣) . وحُكِيَ لنا أن بعض المجاورين أتى إلى قبر النبي ﷺ فاشتهى عليه من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه فقال: النبيُّ بعث لك هذا وقال لك: اخرج من عندنا. وآخرون قضِيت حوائجُهم ولم يُقل لهم ذلك، لاجتهادهم أو قصورهم في العلم، فإنه يُغْفَر للجاهل ما لا يُغْفَر للعالم. ولا يقال: هولاء لما نقصت معرفتُهم سُوِّغ لهم ذلك، فإن الله لم

стр. 173

يُسَوِّغ هذا لأحدٍ؛ لكن قصورُ المعرفة قد يُرجي معه العفوُ والمغفرة. أما استحباب المكروهات وإباحة المحرمات؛ فلا نُفَرّق بين العفو عن الفاعل وبين إباحة الفعل له. وبالجملة؛ فإنما يثبت استحبابُ الأفعال واتخاذها دينًا بكتابِ الله وسنة رسوله، وما كان عليه السابقون، وما سوى ذلك من المحدثات؛ فلا، وإن اشتملت أحيانًا على فوائد؛ لأن مفسدتها راجحة على فوائدها. فصلٌ (١) ومن الغرور اعتقاد أن استجابة مثل [هذا] الدعاء المحرَّم، أو الدعاء عند قبر أو تمثال، أو الدعاء بمحرم ونحوه من الدعاء المعتدي به (٢) مثل: دعاء غير الله، واستغاثة غير الله، والتوسُّل بما لا يُحب أن يتوسل به إليه، كتوسل المشركين بأوثانهم إلى الله = كرامةٌ من الله لعبده، وليس هو في الحقيقة كرامة، وإنما تُشْبِه الكرامة، من جهة أنها دعوة نافذة وسلطان قاهر، وإنما الكرامةُ في الحقيقة: ما نفعت في الآخرة، أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة، وإنما هذا بمنزلة ما يُنْعَم به على الكفار والفُسَّاق من الرِّياسات والأموال في الدنيا، فإنما تصير هذه نعمة إذا لم تضر صاحبها في الآخرة. ولهذا اختلفَ أصحابُنا وغيرُهم، هل ما يُنْعَم به على الكافر نعمة أم ليس بنعمة؟ وإن كان الخلاف لفظيًّا.

стр. 174

فهذه الأدعية ونحوها، وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانًا غرضُه؛ لكنها محرمة لما فيها من الفساد الذي يُرْبي على منفعتها، كما تقدم، ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده الله ويُنوِّر قلبَه، ويفرِّق بين أمر التكوين وأمر التشريع، ويفرِّق بين القدر والشرع، ويعلم أن الأقسام ثلاثة: * أمور قدَّرها الله ولا يُحِبُّها، فإن الأسباب المحصلة لهذه تكون محرمة موجبة لعقابه. * وأمور شرعها الله، وهو يُحبها ويرضاها من العبد، لكن لم يُعِنْه على حصولها، فهذه محمودة عنده مرضِيَّة وإن لم توجد. * والقسم الثالث: أن يُعِيْنَ العبدَ على ما يُحبه منه. فالأول: إعانة الله. والثاني: عبادة الله. والثالث: جمع له بين العبادة والإعانة، كما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]. فما كان من الدعاء غير المباح إذا أثَّر فهو من باب الإعانة لا العبادة، كسائر الكفار والمنافقين والفسَّاق، ولهذا قال في مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢]. وكان النبي ﷺ يستعيذ بكلمات الله التامات التي لا يُجَاوِزُها بَرٌّ ولا فاجِر (١). ومن سنة (٢) الله أن الدعاءَ المتضمِّنَ شركًا، كدعاء غيره لا يحصل

стр. 175

غرضُ صاحبه، ولا يؤثِّر إلا في الأمور الحقيرة، أما الأمور العظيمة كإنزال المطر وكشف العذاب؛ فلا ينفع فيه هذا الشرك، كما قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ [الإسراء: ٥٦]. فلما كان هذه المواضع (١) العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو؛ دلَّ على توحيده، وقطع شُبَهِ من أشرك به، وعلم أن ما دون هذا -أيضًا- من الإجابات إنما فَعَلَها هو -سبحانه- وإن كانت تجري بأسبابٍ محرمة أو مباحة، كما أن خلقه للسماء والأرض ونحوهما من الأجسام العظيمة، دل على وحدانيته، وأنه خالق لكل شيءٍ. فصلٌ (٢) [في زيارة قبر النبي ﷺ وبعض ما أُحدث فيها] قال الإمام أحمد وغيره: إنه يستقبل القبلة بعد تحية النبي ﷺ ويجعل الحجرة على يساره لئلا يستدبره، ويدعو لنفسه، وأنه إذا حيَّاه وسلَّم عليه يكون مستقبلًا له بوجهه -بأبي هو وأُمي ﷺ -، فإذا أراد الدعاء؛ جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة، وهذا مراعاةً منهم لحفظ التوحيد، فإن الدعاء عند القبر لا يُكره مطلقًا، بل يُؤمر به تَبَعًا وضمنًا كما جاءت به السنة، وإنما المكروه التحرِّي. وهذا أمر مستمر، فإنه لا يُستحبُّ للداعي أن يستقبل إلا ما يُسْتحب أن يصلي إليه، فلما نهى عن الصلاة إلى جهة الشرق، نهى أن يتحرَّي

стр. 176

استقبالَها وقتَ الدعاء، ومن الناس من يستقبل وقت دعائه الجهةَ التي فيها الرجلُ الصالح، وهذا شرك وضلال. كما أن بعض الناس يمتنع أن يستدبر الجهة التي فيها [بعض الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها] (١) بيت الله أو قبر رسوله، وكلُّ ذلك من البدع. كما أن مالكًا وغيره کره أن أهل المدينة كلما جاء أحدهم المسجد أن يدخل إلى قبره ويُسلِّم عليه وعلى صاحبيه، وقال: "إنما يكون ذلك إذا جاء أحدهم من سفرٍ أو أراد سفرًا" ورخَّص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها. وأما قصده دائمًا للصلاة والسلام؛ فما علمتُ أحدًا رخَّص فيه؛ لأن ذلك نوعٌ من اتخاذه عيدًا، مع أنه يُشرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبرکاته" كما نقوله آخر صلاتنا، بل قد اسْتُحِبَّ ذلك لكل من دخل مكانًا ليس فيه أحدٌ أن يسلم على النبي ﷺ (٢) . فخاف مالكٌ أن يكون فِعْل ذلك عند القبر كلَّ ساعةٍ اتخاذًا له عيدًا، وأيضًا: فإنه بدعة، فإن المهاجرين والأنصار قد كانوا يصلُّون في المسجد، ولم يكونوا يأتون القبر كل صلاةٍ، وذلك لعلمهم بكراهته لذلك، مع أنهم يُسلمون عليه عند دخولهم وخروجهم وفي التشهد، كما كانوا يسلِّمون عليه في حياته. والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك، أنه كان إذا قَدِم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فسلَّم وصلَّى عليه،

стр. 177

وقال: السلام عليك يا أبا بكر، "السلام عليك يا أبتاه" رواه سعيد (١) . وكرهت الأمة (٢) استلامَ القبر وتقبيلَه، ومنعوا الناسَ أن يُصلُّوا إليه، وكانت حجرة عائشة مُلاصِقةً لمسجده، ومضى الأمرُ على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين، وزِيْد في المسجدِ. والحجرةُ على حالها هي وغيرها من الحُجَر المُطِيْفَة بالمسجد من شرقيِّه وقِبْلِيِّه، حتى بناه الوليد بن عبد الملك، وكان عمر بن عبد العزيز عاملَه على المدينة، فابتاع الحجرةَ وغيرها وهدمهنَّ، وأدخلهنَّ في المسجد، فمن أهل العلم من كره ذلك، کسعيد بن المسيب، ومنهم من لم يكره. قال أحمد -لما سأله الأثرم: أيمس القبر؟ - قال: ما أعرفُ هذا، وحكى بعض أصحابنا روايةً في مسح قبره؛ لأن أحمد شيَّع بعضَ الموتى فوضع يده على قبره يدعو له. والفرق بين الوضعين ظاهر. أما المنبر؛ فقال أحمد: لا بأس به (٣) ، وكره مالك التمسُّحَ بالمنبر، كما كرهوا التمسُّحَ بالقبر. أما اليوم؛ فقد احترق المنبر، وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة، فقد زال ما رُخِّص فيه؛ لأن الأثر المنقول عن ابن عمر وغيره إنما هو التمسُّح بمقعده.

стр. 178

فصلٌ (١) أما زيارة مقامات الأنبياء والصالحين، وهي الأمكنة التي أقاموا فيها، لكنهم لم يتخذوها مساجد، فالذي بلغني عن العلماء قولان: أحدهما: النهي عن ذلك. والثاني: أنه لا بأس باليسير من ذلك، كما نُقِل عن ابن عمر أنه كان يتحرَّي قصد المواضع التي سلكها النبي ﷺ ، وإن كان النبي سلكها اتفاقًا لا قصدًا. قال سِنْدِيّ (٢): سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد ويذهب إليها، ترى ذلك؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته حتى يتخذه مصلي، وعلى ما كان يفعل ابن عمر؛ يتتبع مواضع النبي ﷺ وأثره؛ فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدًّا (٣). فقد فصَّل أبو عبد الله بين ما يُتَّخذ عيدًا وبين ما يُفْعَل نادرًا قليلًا، وهذا فيه جمعٌ بين الآثار. ورُوِي عن عمر أنه رأى الناس ابتدروا المسجد، فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجدٌ صلى فيه رسول الله، فقال: "هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، من عَرَضت له منكم الصلاة فلْيُصلِّ، ومن لم تعرض له فليمض" (٤)، فكره اتخاذ مصلَّى النبي عيدًا.

стр. 179

وقال محمد بن وضَّاح (١): إن عمر أمر بقطع الشجرةِ التي بويع تحتها النبيُّ ﷺ خوفَ الفتنةِ على الناس. وقال محمد بن وضاح (٢): كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار بالمدينة، ما عدا قُباء وأُحُدًا. ودخلَ الثوريُّ بيتَ المقدس فصلَّى فيه ولم يتبع تلك الآثار، فهولاء کرهوها مطلقًا؛ لحديث عمر هذا. وما فعله ابنُ عمر لم يوافقه عليه أحدٌ من الصحابة، والصوابُ معهم، فإن المتابعة تكون: بأن يفعل مثل ما فعل، على الوجه الذي فعل، فإذا قَصَد العبادة في موضعٍ كالمساجد والمشاعر، كان قصدنا متابعة له، أما إذا فعل فعلًا اتفاقًا من غير قصد وتحرٍّ، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات. واستحبَّ آخرون من العلماء إتيانها، وذكر طائفةٌ من أصحابنا وغيرُهم استحبابَ زيارة هذه المواضع وعدّوا منها مواضع، وأما أحمد فرخَّص فيما جاء به الأثر إلا إذا اتُّخِذ عيدًا، وجمع بين الأخبار، مثل حديث عِتْبان الذي راح إليه الرسول وصلى في بيته موضعًا اتخذه مسجدًا (٣). لكن عِتْبان كان قصده بناء المسجد، فأحبَّ أن يكون الرسول هو الذي يخطّه له، بخلاف ما إذا صلَّى الرسولُ في موضعٍ من

стр. 180

غير قصدِ اتخاذِه مسجدًا، فاتخذه أحدٌ مسجدًا لا للحاجة إليه، بل لكونه صلى فيه الرسول ﷺ . أما الأمكنة التي قصدها رسول الله للدعاء عندها والصلاة؛ فقصْدُها، سنة، اقتداءً به ﷺ ؛ كتحريه الصلاة عند الاصطوانة موضع المصحف (١). وقد روى بعض الفقهاء (٢) أن أعرابيًّا أتى قبر النبي ﷺ وتلا قولَه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... ﴾ الآية [النساء: ٦٤]، وأنشد: يا خيرَ مَن دُفِنَتْ بالقاعِ أعْظُمُه ... وَطَابَ مِن طِيْبِهِنَّ القاعُ والأَكَمُ وأنه استحبَّ طائفةٌ من متأخِّري الفقهاء من أصحاب أحمد والشافعي مثل ذلك.
следующие страницы →