استقبالَها وقتَ الدعاء، ومن الناس من يستقبل وقت دعائه الجهةَ التي فيها الرجلُ الصالح، وهذا شرك وضلال. كما أن بعض الناس يمتنع أن يستدبر الجهة التي فيها [بعض الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها] (١) بيت الله أو قبر رسوله، وكلُّ ذلك من البدع.
كما أن مالكًا وغيره کره أن أهل المدينة كلما جاء أحدهم المسجد أن يدخل إلى قبره ويُسلِّم عليه وعلى صاحبيه، وقال: "إنما يكون ذلك إذا جاء أحدهم من سفرٍ أو أراد سفرًا" ورخَّص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها.
وأما قصده دائمًا للصلاة والسلام؛ فما علمتُ أحدًا رخَّص فيه؛ لأن ذلك نوعٌ من اتخاذه عيدًا، مع أنه يُشرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبرکاته" كما نقوله آخر صلاتنا، بل قد اسْتُحِبَّ ذلك لكل من دخل مكانًا ليس فيه أحدٌ أن يسلم على النبي ﷺ (٢) .
فخاف مالكٌ أن يكون فِعْل ذلك عند القبر كلَّ ساعةٍ اتخاذًا له عيدًا، وأيضًا: فإنه بدعة، فإن المهاجرين والأنصار قد كانوا يصلُّون في المسجد، ولم يكونوا يأتون القبر كل صلاةٍ، وذلك لعلمهم بكراهته لذلك، مع أنهم يُسلمون عليه عند دخولهم وخروجهم وفي التشهد، كما كانوا يسلِّمون عليه في حياته. والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك، أنه كان إذا قَدِم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فسلَّم وصلَّى عليه،
стр. 177
وقال: السلام عليك يا أبا بكر، "السلام عليك يا أبتاه" رواه سعيد (١) .
وكرهت الأمة (٢) استلامَ القبر وتقبيلَه، ومنعوا الناسَ أن يُصلُّوا إليه، وكانت حجرة عائشة مُلاصِقةً لمسجده، ومضى الأمرُ على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين، وزِيْد في المسجدِ. والحجرةُ على حالها هي وغيرها من الحُجَر المُطِيْفَة بالمسجد من شرقيِّه وقِبْلِيِّه، حتى بناه الوليد بن عبد الملك، وكان عمر بن عبد العزيز عاملَه على المدينة، فابتاع الحجرةَ وغيرها وهدمهنَّ، وأدخلهنَّ في المسجد، فمن أهل العلم من كره ذلك، کسعيد بن المسيب، ومنهم من لم يكره.
قال أحمد -لما سأله الأثرم: أيمس القبر؟ - قال: ما أعرفُ هذا، وحكى بعض أصحابنا روايةً في مسح قبره؛ لأن أحمد شيَّع بعضَ الموتى فوضع يده على قبره يدعو له. والفرق بين الوضعين ظاهر.
أما المنبر؛ فقال أحمد: لا بأس به (٣) ، وكره مالك التمسُّحَ بالمنبر، كما كرهوا التمسُّحَ بالقبر.
أما اليوم؛ فقد احترق المنبر، وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة، فقد زال ما رُخِّص فيه؛ لأن الأثر المنقول عن ابن عمر وغيره إنما هو التمسُّح بمقعده.
стр. 178
فصلٌ (١)
أما زيارة مقامات الأنبياء والصالحين، وهي الأمكنة التي أقاموا فيها، لكنهم لم يتخذوها مساجد، فالذي بلغني عن العلماء قولان:
أحدهما: النهي عن ذلك.
والثاني: أنه لا بأس باليسير من ذلك، كما نُقِل عن ابن عمر أنه كان يتحرَّي قصد المواضع التي سلكها النبي ﷺ ، وإن كان النبي سلكها اتفاقًا لا قصدًا. قال سِنْدِيّ (٢): سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد ويذهب إليها، ترى ذلك؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته حتى يتخذه مصلي، وعلى ما كان يفعل ابن عمر؛ يتتبع مواضع النبي ﷺ وأثره؛ فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدًّا (٣).
فقد فصَّل أبو عبد الله بين ما يُتَّخذ عيدًا وبين ما يُفْعَل نادرًا قليلًا، وهذا فيه جمعٌ بين الآثار.
ورُوِي عن عمر أنه رأى الناس ابتدروا المسجد، فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجدٌ صلى فيه رسول الله، فقال: "هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، من عَرَضت له منكم الصلاة فلْيُصلِّ، ومن لم تعرض له فليمض" (٤)، فكره اتخاذ مصلَّى النبي عيدًا.
стр. 179
وقال محمد بن وضَّاح (١): إن عمر أمر بقطع الشجرةِ التي بويع تحتها النبيُّ ﷺ خوفَ الفتنةِ على الناس.
وقال محمد بن وضاح (٢): كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار بالمدينة، ما عدا قُباء وأُحُدًا. ودخلَ الثوريُّ بيتَ المقدس فصلَّى فيه ولم يتبع تلك الآثار، فهولاء کرهوها مطلقًا؛ لحديث عمر هذا.
وما فعله ابنُ عمر لم يوافقه عليه أحدٌ من الصحابة، والصوابُ معهم، فإن المتابعة تكون: بأن يفعل مثل ما فعل، على الوجه الذي فعل، فإذا قَصَد العبادة في موضعٍ كالمساجد والمشاعر، كان قصدنا متابعة له، أما إذا فعل فعلًا اتفاقًا من غير قصد وتحرٍّ، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات.
واستحبَّ آخرون من العلماء إتيانها، وذكر طائفةٌ من أصحابنا وغيرُهم استحبابَ زيارة هذه المواضع وعدّوا منها مواضع، وأما أحمد فرخَّص فيما جاء به الأثر إلا إذا اتُّخِذ عيدًا، وجمع بين الأخبار، مثل حديث عِتْبان الذي راح إليه الرسول وصلى في بيته موضعًا اتخذه مسجدًا (٣). لكن عِتْبان كان قصده بناء المسجد، فأحبَّ أن يكون الرسول هو الذي يخطّه له، بخلاف ما إذا صلَّى الرسولُ في موضعٍ من
стр. 180
غير قصدِ اتخاذِه مسجدًا، فاتخذه أحدٌ مسجدًا لا للحاجة إليه، بل لكونه صلى فيه الرسول ﷺ .
أما الأمكنة التي قصدها رسول الله للدعاء عندها والصلاة؛ فقصْدُها، سنة، اقتداءً به ﷺ ؛ كتحريه الصلاة عند الاصطوانة موضع المصحف (١).
وقد روى بعض الفقهاء (٢) أن أعرابيًّا أتى قبر النبي ﷺ وتلا قولَه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... ﴾ الآية [النساء: ٦٤]، وأنشد:
يا خيرَ مَن دُفِنَتْ بالقاعِ أعْظُمُه ... وَطَابَ مِن طِيْبِهِنَّ القاعُ والأَكَمُ
وأنه استحبَّ طائفةٌ من متأخِّري الفقهاء من أصحاب أحمد والشافعي مثل ذلك.
стр. 181
وهذه الحكاية لا يثبتُ بها حكم شرعيّ، لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان سُنة لكان السابقون إليه أسْبَق وبه أعلم.
فصلٌ (١)
لو أُقْسِمَ على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم؛ لنُهِىَ عن ذلك، كما لا يُقْسَم بمخلوق مطلقًا، وهذا القسم منهيٌّ عنه غير مُنْعَقِد باتفاق، ولم يتنازعوا إلا بالنبي ﷺ خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد، وبعضُ أصحابه كابن عقيل طَرَدَ الخلافَ في سائر الأنبياء، والذي عليه الجمهور؛ کمالك والشافعي وأبي حنيفة: أنه لا تنعقد اليمينُ بمخلوق أَلْبته ولا يُقْسَم به، وهذا هو الصواب.
والإقسام على الله بنبيِّه ﷺ مبنيٌّ على هذا الأصل، ففيه هذا النزاع، وقد نُقِل عن أحمد في التوسُّل بالنبي ﷺ في "منسك المرُّوذي" ما يُناسبُ قولَه بانعقاد اليمين به؛ لكن الصحيح: أنه لا تنعقد اليمينُ به، فكذلك هذا.
وأما غيره؛ فما علمتُ فيه نزاعًا، واتفقوا على أنه -سبحانه- يُسأل ويُقْسَم عليه بأسمائه وصفاته كما يُقْسَم على غيره بذلك، كالأدعية المعروفة في "السنن": "اللهم إنِّي أسْألُكَ بأنّ لك الحمد، أنتَ اللهُ المنَّانُ، بديع السماواتِ والأرض يا ذا الجلالِ والإكرام" (٢)، وأما إذا
стр. 182
قال: "أسألك بمعاقِدِ العِزِّ من عَرْشِكَ"، ففيه نزاع (١)، نُقِل عن أبي حنيفة كراهته (٢)، فلا يجوز أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلِك، وبحق البيت والمَشْعَر؛ لأنه لا حق للمخلوق على الخالق.
أما "معاقدِ العزِّ من عَرْشِك" فقيل: هو سؤالٌ بمخلوق، وقيل: هو سؤال بالخالق، فلذلك تنازعوا فيه، وقد نازع بعضُ الناس، وقالوا في حديث أبي سعيد: "اللهمَّ إنِّي أسألكَ بِحَقِّ السائلينَ عليكَ وبحَقِّ مَمْشايَ هذا ... " (٣) الحديث، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] على قراءة الخَفْض (٤)، كما يقال: سألتك بالله وبالرَّحِم.
وفي "الصحيح" (٥) أن عمر قال: "اللهم إِنَّا كنَّا إذا أَجْدَبْنا نَتَوسُّلُ إليكَ بِنَبِيِّنا وإنَا نتوسَّلُ إليكَ بِعَمِّ نَبِيِّنا فاسْقِنا".
وفي النسائي والترمذي حديث الأعمى الذي جاء إليه فقال: ادعُ اللهَ لي أن يردَّ بصري، فقال: "توضَّأ (٦) فَصَلِّ ركعتين ثُمَّ قل: اللهم إني
стр. 183
أسألك وأتوَجَّهُ إليكَ بِنَبِيِّكَ محمدٍ نبيِّ الرحمةِ، يا محمدُ يا نبيّ اللهِ إنِّي أتوجَّهُ بِكَ إلى رَبِّكّ في حاجَتيِ لِتَقْضِيَها، اللهم فَشَفِّعْهُ فِيَّ" (١) فدعا الله، فردَّ عليه بصَرَه.
والجواب عن هذا أن يُقال:
أولًا: لا ريب أنَّ الله تعالى جعل على نفسه حقًّا لعباده المؤمنين، كما قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧]، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وفي "الصحيحين" (٢) أن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جَبَل -وهو رديفه-: "يا معاذُ أتَدْرِي ما حقُّ الله على عباده"؟ قلتُ: اللهُ ورسولهُ أعلم. قال: "حَقُّهُ عليهم أنْ يَعْبُدوه ولا يُشْرِكوا بهِ شَيْئًا، أتَدْرِي ما حَقُّ العِبادِ على اللهِ إذا فَعَلوا ذَلِكَ؟ " قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: "حَقُّهَم عليه أنْ لا يُعَذِّبَهُم". فهذا حقٌّ وجبَ بكلماته التامة ووعده الصادق.
واتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا: هل يوجب بنفسه على نفسه؟ على قولين.
وأما الإيجاب عليه بالقياس على خلقِه، فهذا قول القدريَّة، وهو
стр. 184
قولٌ مُبْتَدَع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه خالق كل شيءٍ وربّه ومليكه، وأنه ما شاءَ كانَ وما لم يشأ لم يكن، وأن العبادَ لا يوجبون عليه شيئًا، بل كتبَ على نفسهِ الرحمة، وحرَّم على نفسِه الظلم، لا أن العبدَ يستحقُّ على الله شيئًا، كما يكون للمخلوق على المخلوق، بل الله هو المنعِمُ المتفضِّل على العباد بكلِّ خير، هو الخالق لهم، والمرسِل إليهم، والميسِّر لهم الإيمانَ والعملَ الصالح.
وإذا كان كذلك، لم تكن الوسيلة إلا بما منَّ به من فعله وإحسانه، والحقُّ الذي لعباده هو من فضله، ليس من بابِ المعاوضة، ولا من باب ما أوجبه غيرُه عليه.
وإذا سئُل بما جعله هو سببًا للمطلوب، من الأعمال الصالحة التي وعَدَ أصحابها بكرامته، ومن أدعية عباده الصالحين، وشفاعة ذوي الوجاهةِ عنَده؛ فهذا سؤال وتسبُّب بما جعلَه هو سببًا.
وأما إذا سُئل بشيءٍ ليس سببًا للمطلوب؛ فإما أن يكون إقسامًا عليه به، فلا يُقْسَم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالًا بما لا يقتضي المطلوب، فيكون عديم الفائدة، فالأنبياء والمؤمنون لهم حقٌّ على الله بوعده الصادق أن يُنَعِّمهم ولا يُعذِّبهم، وهم وُجَهاء عنده يقبل شفاعتهم ودعاءهم ما لا يقبله لغيرهم.
فإذا قال الداعي: "أسألك بحقِّ فلانٍ"، وفلانٌ لم يُدْعُ له، وهو لم يسأله باتباعِهِ لذلكَ الشخصِ ومحبتِه وطاعتِه، بل بنفس ذاتِه وما جعله له ربُّه من الكرامة = لم يكن قد سأله بسببٍ يوجبُ المطلوبَ.
стр. 185
وحينئذٍ فيقال: أما التوسل والتوجه إلى الله، وسؤاله بالأعمال الصالحة التي أَمر بها، كدعاء الثلاثة الذين أووا إلى الغار، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم، فهذا مما لا نزاع فيه، بل هو من الوسيلة التي أمر بها في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، فإنَّ ابتغاء الوسيلةِ هو طلب ما يُتَوَسَّل به، أي: يُتَوَصَّل ويُتَقَرَّب به، سواء كان على وجه العبادة، أو كان على وجه السؤال له والاستعاذة بها، رغبةً إليه في جَلْب المنافعِ ودَفْع المضارِّ.
ولفظُ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا، كما قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فأمر بالاستجابة له والإيمان به، قال بعضهم (١) : "فليستجيبوا لي إذا دعوتُهم، وليؤمنوا بي أني أُجيبُ دعوتَهم"، وبهذين الشيئين تحصل إجابة الدعوة؛ بكمال الطاعة لأُلوهيَّته، وبصحة الإيمان بربوبيته، فمن استجاب لربِّه؛ بامتثال أمره، واجتناب نهيه = حصلَ مقصودُه من الدعاء، فمن دعا موقنًا أنه يُجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابَه، ولو كان مشركًا فاسقًا، كما قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) ﴾ [الإسراء: ٦٧].
لكن هولاء الذين يُستجاب لهم لإقرارهم بربوبيَّتِه، وأنه يُجيب دعاءَ المضطر، إذا لم يكونوا مخلصين له الدين في عبادته، ولا مطيعين له ولرسله، كان ما يعطيهم بدعائهم متاعًا في الحياة الدنيا، وما لهم في الآخرة من خَلَاق.
стр. 186
وقد ذُكِرَ أن بعض النصارى حاصروا المسلمين فنفدَ ماؤُهم، فاستسقوا من المسلمين وقالوا: ننصرف عنكم، فلم يُسْقوهم، فرفعوا أيديهم وسألوا الله؛ فأمطرت عليهم، فكاد بعض المسلمين أن يَفْتَيِن، فقام فيهم رجلٌ من المسلمين وقال: "اللهم إنَّك تكفَّلت برزق كلِّ دابِّةٍ، وقد أجبتَ دعاءَ هولاء الكفار، لأنهم مضطرون لا لأنك تحبهم فنريد أن ترينا بهم آيةً تُثبِّت الإيمانَ في قلوب عبادك"، فأرسلَ اللهُ عليهم ريحًا فأهلكتهم، أو نحو ذلك.
ومن هذا: من يدعو دعاءً يعتدي فيه، فيُجاب، فما كلُّ من دعا فأُجِيْب يكون ذلك دليلًا على أن عملَه صالح، بل ذلك بمنزلة من يمدهم بالمال والبنين، فلا يُظَنُّ أنه يُسارع لهم في الخيرات، بل لا يشعرون، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران: ١٧٨].
والمقصود: أن دعاء الله قد يكون دعاء عبادةٍ يُثاب العبدُ عليه في الآخرة، وقد يكون دعاء مسألة تُقضي به حاجته، ثم قد يُثاب وقد لا تحصل له إلا تلك الحاجة، وقد تكون سببًا لضرر دينه.
فالوسيلة التي أمر اللهُ بها تعُمُّ الوسيلة في عبادته وفي مسألتهِ، فالتوسل بالأعمال الصالحة وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم ليس من باب الإقسام بمخلوق.
وكذلك استشفاع الناس بالنبي ﷺ يوم القيامة، كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم.
* وقول عمر: "اللهمَّ إنَّا كنا نتوسَّلُ إليكَ بنبيِّنا فتسقينا وإنَّا نتوسُّل
стр. 187
إليك بعمِّ نبيِّنا" (١) ، معناه: نتوسل بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحنُ نتوسُّل إليك بدعاء عمِّه وسؤاله وشفاعته، ليس المراد: أنَّا نُقْسِم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى مما يُفْعَل بعد موته وفي مغيبه، كما يقول بعضُ الناس: أسألك بجاه فلان عندك؛ لأنه لو كان كذلك لكان توسُّلهم به أولى من عمِّه ولم يعدلوا إلى العباس، مع علمهم أن السؤال به أعظم من العباس، فَعُلِم أن التوسُّل هو ما يُفْعَل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسُّل بدعائهم وشفاعتهم.
* وكذلك حديث الأعمى الذي علمه النبيُّ ﷺ أن يسأل الله قبول شفاعة نبيِّه فيه، فيدل على أن النبيَّ شَفَعَ وسألَ، فعلَّمه أن يسأل اللهَ قبول شفاعته، ولهذا قال: اللهم فَشَفِّعْه فيَّ.
فلفظُ التوسُّل فيه إجمال، غَلِطَ فيه من لم يفهم مقصود الصحابة.
يراد به: التسبُّب به لكونه داعيًا وشافعًا، أو لكون الداعي مُحِبًّا له مطيعًا لأمره مقتديًا به، فيكون التسبُّب إما لمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته.
ويراد به: الإقسام به والتوسل بذاته، لمجرد الإقسام به على الله.
فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونَهَوا عنه، وكذلك لفظ السؤال قد يُراد به المعنى الأول، وقد يُراد الثاني، ومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار فدعوا الله بصالح الأعمال (٢) ؛ إذ هي أعظم ما
стр. 188
يتوسَّل به العبد إلى الله؛ لأنه وعد أنه يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، فهولاء دعوه بعبادته وفِعْل ما أَمَر به.
ومن هذا ما يُذكر عن الفُضَيْل أنه أصابَه عُسْر البول، فقال: "بحبِّي لك إلَّا ما فرَّجت عني"، ففرَّج عنه (١) . وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها لما قالت: "اللهمَّ إني آمنتُ بكَ وبرسولكَ وهاجرتُ في سبيلك"، وسألَتِ الله أن يُحيي ولدِها (٢) .
فسؤال الله والتوسل إليه: بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وفِعْل ما يحبه، والعبودية والطاعة له هو من جِنْس فِعْل ذلك رجاءً لرحمةِ الله، وخوفًا من عذابه، وسؤاله بأسمائه وصفاته، كقوله: "أسألُك بأنَّ لكَ الحمدَ أنتَ الله المنانُ أنت اللهُ الأحد الصَّمَدُ" (٣) ونحو ذلك يكون من باب التسبُّب، فإنه كونه المحمود المنان الصمد يقتضي منَّته على عباده وإحسانَه الذي نحمده عليه، وتوحيدَه في صمديته، فيكون هو السيد المقصود الذي يَصْمُد إليه الناس في حوائجهم، وكل ما سواه مفتقِر إليه، وقد يتضمَّن ذلك معنى الإقسام عليه بأسمائه.
* وأما قوله: "أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا"؛ ففيه ضَعْف (٤) ؛ لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حقَّ السائلين أن يُجِيبهم، وحق المطيعين أن يُثِيبهم، فالسؤال لهم والطاعة، سببٌ لحصول إثابته وإجابته، ولو قُدِّر أنه قَسَمٌ، لكان قَسَمًا بما هو من
стр. 189
صفاته؛ لأن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله: "أعوذُ بِرِضَاكَ من سَخَطِكَ وبِمُعَافَاتِكَ من عُقُوْبِتَك ... " (١) الحديث.
فالاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نصَّ عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وذلك مما استدلوا به على أن كلامَ الله غير مخلوق، كقوله: "أَعُوْذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ" (٢) .
* وأما قول الناس: "أسألك بالله والرحم"، وقراءة من قرأ: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ بالكسر؛ فهو من باب التسَبُّب بها، فإن الرحم توجب الصلة، فسؤال السائل بها توسُّل بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس من باب الإقسام، ولا من باب التوسُّل بما لا يقتضي المطلوب، [بل هو توسُّل بما يقتضي المطلوب] (٣) كالتوسُّل بدعاء الأنبياء.
فالتوسُّل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين؛ إما طاعتهم واتباعهم، وإما دعاؤهم وشفاعتهم، فمجرَّدُ [دعائه بهم] (٤) من غير طاعةٍ منه لهم، ولا شفاعةٍ منهم له؛ فلا تنفعه وإن عَظُم جاهُ أحدهم عند الله. فلا بد من ذلك؛ إما من سؤال المسؤول به، وإما التسبُّب بمحبَّته واتباعه خالصًا لله تعالى، لا لهوى ولا لحظِّ نفسٍ، بل لله وحدَه لا شريك له (٥) .
* * *
стр. 190
فصلٌ (١)
ولا يُشرع شدُّ الرَّحل إلى غير المساجد الثلاثة، للأحاديث الصحيحة في ذلك، ولو نَذَر الإنسانُ إتيان مسجد غيرها، لم يجب عليه فعلُه باتفاق الأئمة، وليس بالمدينة مسجد يُشرع إتيانه إلا مسجد قُباء، وسائر المساجد لها حكم المساجد.
وفي "المسند" (٢) عن جابر بن عبد الله أن النبيَّ ﷺ دعا في مسجد الفتح ثلاثًا، يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، فاستُجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعُرِفَ البِشرُ في وجهه. قال جابر: فلم ينزل بي أمرٌ مُهِم إلا توخَّيتُ تلك الساعة فأعْرِفُ الإجابةَ. في إسناده كثير بن زيد، فيه كلام (٣).
وهذا الحديث يعمل به (٤) طائفة من أصحابنا وغيرهم، يتحرَّون الدعاء في هذا، كما نُقِل عن جابر، [ولم يُنْقَل عنه] (٥) أنه تحرَّى الدعاءَ في المكان، بل في الزمان. فإذا كان هذا في المساجد التي صلى فيها رسول الله وبُنيت بإذنه، ليس فيها ما يُشرع قصده بخصوصيَّته من غير سفر إليه إلا مسجد قباء، فكيف بما سواها!؟
ولما فتح عمرُ بيتَ المقدس وجد النصارى قد ألْقت على الصخرة
стр. 191
زُبَالةً عظيمة عنادًا لليهود، فأزالها ونظُّفها، وقال لكعب الأحبار: "أين ترى أن أبني مصلَّى المسلمين"؟ فقال: ابْنِهِ خلف الصخرة، فقال: "يا ابن اليهودية (١) خالطتك اليهودية، بل أبْنِيه في صدر المسجد (٢) ، فإن لنا صدور المساجد" فبناه في قِبْلي المسجد (٣) .
وهو الذي يُسمِّيه كثير من العامة اليوم "الأقصى". والأقصى اسم للمسجد كلِّه، ولا يُسمَّى هو ولا غيره حرمًا إنما الحرم بمكة والمدينة خاصَّة.
وفي "وادي وَجٍّ" الذي بالطائف نزاع (٤) .
وذكر طائفة من المتأخرين أن اليمين تغلظ عن الصخرة، وليس هذا من كلام أحمد ولا غيره من الأئمة، فليس له أصل، بل تَغلُظ هناك عند المنبر كما في سائر المساجد.
وقد صنَّف طائفة من الناس مصنَّفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البِقاع التي بالشام، وذكروا فيها من الآثار عن أهل الكتاب ما لا يحلُّ للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم.
ومن العجب كيف يُحدِّث كعبُ الأحبار [عن] بعض الأنبياء الذي بينه وبينه أكثر من ألف سنة ولم يُسْنِده، وغايته أن ينقله عن بعض كتب اليهود، الذي أخبر الله أنهم قد بدَّلوا، فكيف يُصدَّق شيءٌ من ذلك
стр. 192
بمجرد هذا النقل، بل الواجب أَلَّا يُصَدِّق ولا يُكذِّب إلا بدليل، كما أمرنا النبي ﷺ .
ومعلوم أن أصحاب رسول الله ﷺ من السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان قد فتحوا البلادَ بعد موته ﷺ وسكنوا الشامَ والعراقَ ومصرَ وغيرَها، وهم أعلم بالدين وأتْبَع له، فليس لأحدٍ أن يخالفهم فيما كانوا عليه.
فما كان من هذه البقاع لم يُعَظِّموه أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاةٍ أو دعاء أو نحو ذلك لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك، ونقول: إن من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين فعل ذلك؛ لأن اتباع سبيل الأولين أولى ممن بعدهم، وما أحدٌ نُقِل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نُقِل عن غيره ممن هو أعلم منه وأفضل أنه خالف سبيل هذا المخالف، وهذه جملة جامعة لا يتَّسع هذا الموضع لتفصيلها.
فصلٌ (١)
وأصل دين المسلمين: أنه لا تختصّ بقعةٌ بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة. وما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاعٍ للعبادة غير المساجد، -كما كانوا في الجاهلية يُعظِّمون حراء ونحوه من البقاع- هو ما جاء الإسلامُ بمحوه وإزالته ونسخه.
ثم المساجد جميعُها تشتركُ في العبادات، إلا ما خُصَّ به المسجد الحرام من الطواف ونحوه.
стр. 193
ولو كان هذا مشروعًا يُثِيب الله عليه؛ لكان النبي ﷺ أعلمَ بذلك، ولأَعْلَمَ أصحابَه -أيضًا- ذلك، وكانوا أرْغَبَ فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيءٍ من ذلك، عُلِمَ أنه من البدع المُحْدَثة التي لم يكونوا يعدونها عبادةً وقربةً وطاعةً، فمن جعلها عبادة فقد اتبعَ غير سبيلهم وشرع من الدين ما لم يأْذَن به الله (١).
فصلٌ (٢) [في إثبات الشفاعة ونفيها]
افترق الناس على ثلاث فرق:
* المشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب وهذه الأمة: أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن، مثل قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾ [الأنعام: ٥١] فيتخذون آلهتهم وسائط تقرِّبهم إلى الله زُلْفَى وتشفع لهم.
* و الخوارج والمعتزلة: أنكروا شفاعة نبيِّنا في أهل الكبائر من أمَّته، بل أنكر طائفةٌ من أهل البدع انتفاعَ الإنسان بشفاعة غيره ودعائه.
* وأما سلف الأمة وأئمتها ومن اتبعهم من أهل السنة والجماعة: فأثبتوا ما جاءت به السنةُ من شفاعته لأهل الكبائر من أُمته وغير ذلك من أنواع شفاعته وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة، وقالوا: لا يخلد
стр. 194
في النار من أهل التوحيد أحد، وأقرُّوا بما جاءت به السنة من انتفاعِ الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، والصدقة، بل والصوم عنه في أصحِّ قولي العلماء، وقالوا: إن الشفيع يطلب من الله ويسأله، ولا تنفع الشفاعةُ إلَّا بإذنه ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وفي "الصحيح" (١) أنه قال: "أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يومَ القيامةِ: مَنْ قَالَ: لا إله إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بها وَجْهَ اللهِ" فكلما كان الرجلُ أتمَّ إخلاصًا لله كان أحقّ بالشفاعة. وأما من عَلَّق قلبَه بأحدِ المخلوقين؛ يرجوه ويخافه؛ فهو من أبعدِ الناسِ عن الشفاعة.
فشفاعةُ المخلوقِ عند المخلوق [تكون] (٢) بإعانة الشافع للمشفوع له بغير إذن المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجةِ المشفوع عنده إليه وإما لخوفه، فيحتاج أن يقبل شفاعتَه، والله -تعالى- غنيٌّ عن العالمين، وهو وحده يُدَبِّر العالمين كلّهم، فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع، وهو يقبل شفاعته كما يُلهم الداعي الدعاء ثم يجيب دعاءَه، فالأمر كلُّه له.
فإذا كان العبد يرجو شفيعًا من المخلوقين، فقد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة، ولا يقبل شفاعته.
وأفضل الخَلْق محمد ﷺ ، ثم إبراهيم ﷺ ، وقد امتنع النبيُّ ﷺ أن يستغفر لعمه أبي طالب بعد أن قال: "لأَسْتَغْفِرَنَّ لك مَا لم أُنْهَ عَنْك" (٣)
стр. 195
فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، وقيل له: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، فقال: "لو أَعْلَمُ أَنِّي لو زِدْتُ على السبعينَ يُغْفَر لهم لَزِدْتُ" (١) فأنزل الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦].
وقال: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ ... ﴾ إلى قوله: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا .... ﴾ [هود: ٧٤ - ٧٦].
فالله -تعالى- له حقوقٌ لا يَشْركه فيها غيره، وللرسل حقوق لا يَشْركهم فيها غيرهم، وللمؤمنين حقوق مشتركة. وفي حديث معاذ: "حقُّ الله على العباد أنْ يَعْبُدوه ولا يُشْرِكوا به شَيْئًا" (٢).
وهذا أصل التوحيد الذي بَعَث اللهُ به الرسل وأنزل به الكتب، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ويدخل في ذلك: أن لا يَخافَ إلا إيَّاه ولا يَتَّقِي إلا إيَّاه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢]. فالطاعة لله ورسوله، والخشية والتُّقي الله وحده، كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فالحلالُ ما حلله الرسول، والحرامُ ما حرَّمه، والدينُ ما شرعه.
стр. 196
والتحسُّب بالله (١) وحده، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة: ٥٩]. ولم يقل: ورسوله. وذَكَر الرسولَ في الإيتاء؛ لأنه لا يُباح إلا ما أباحه الرسول، فليس لأحدٍ أن يأخذ ما تيسّر له إن لم يكن مباحًا في الشريعة. ثم قال: و ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾، فجعلَ الرغبةَ إلى الله وحدَه دون ما سواه، كما قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧ - ٨] فأمر بالرغبة إليه.
ولم يأمر الله قطُّ مخلوقًا أن يسأل مخلوقًا، وإن كان قد أباح ذلك في بعض المواضع؛ لكنه لم يأمر به، بل الأفضل للعبد أن لا يسأل قطُّ إلا الله كما في "الصحيحين" (٢) في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "هُم الذَّين لا يَسْتَرِقُون ولا يَكْتَوون ولا يَتَطَيَّرون وَعَلَى رَبِّهم يَتَوَكَّلُون"، فجعل من صفاتِهم: أنهم لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، ولم يقل: "لا يرقون" وإن كان قد رُوِي في بعض طرق مسلم؛ فهو غلط، فإن النبي ﷺ رقي نفسَه وغيرَه؛ لكنه لم يَسْتَرق، فالمسترقي طالبٌ للدعاء من غيره بخلاف الرَّاقي غيرَه فإنه داعٍ.
وقال لابن عباس: "إذا سألْتَ فأَسْأَلِ اللهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللهِ" (٣)، فهو الذي يُتَوَكَّل عليه، ويُسْتَعَان به، ويُخاف ويُرْجَي، ويُعْبَد وتُنيب إليه القلوب، لا حَوْل ولا وقُوَّة إلا بالله، ولا مَنْجى منه إلا إليه، والقرآنُ كلُّه يحقق هذا الأصل.
стр. 197
و الرسول يُطاع ويُحب ويرضى ويُسلَّم إليه حكمُه، ويُعَزَّر ويُوَقَّر، ويُتَّبع ويُؤْمَن به وبما جاء، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ﴾ [النساء: ٦٤].
وقد بعث الله محمدًا ﷺ بتحقيق التوحيد وتجريده، ونفي الشرك بكل وجهٍ، حتى في الألفاظ كقوله: "لا يقولن أحدُكم: ما شاءَ اللهُ وشاءَ محمدٌ؛ بَلْ ما شاءَ اللهُ ثُمَّ شاءَ مُحمد" (١). وقال له رجلٌ: ما شاءَ الله وشئتَ، فقال: "تَجْعَلُني لله نِدًّا؟ قل: ما شاءَ اللهُ وحدَه" (٢).
والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمَّن إخلاصَ الدين لله تحقيقًا لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. فالصلاة والصدقة والصيام والحج كلُّ ذلك لله وحدَه، فلا يُعْبَد إلا الله، ولا يُعْبَد إلا بما شَرَع، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
والحمدُ لله وحدَه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
انتهى "المنهج القويم".
стр. 198
فهرس المصادر والمراجع
- اللآلى المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، للسيوطي، مصورة دار المعرفة، ط ٢، ١٣٩٥.
- أبجد العلوم، لصديق حسن خان، مصورة الباز عن الطبعة الشامية.
- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، لابن بلبان، تحقيق شعيب الأرناووط، مؤسسة الرسالة.
- أحكام أهل الذمة، لابن القيم، تحقيق د/ صبحي الصالح، دار العلم للملايين.
- أخبار مكة للأزرقي، تحقيق رشدي الصالح، مطابع دار الثقافة ط. ٨، ١٤١٦.
- أداء ما وجب بيان وضع الوضاعين في رجب، لابن دحية، تحقيق الألباني والشاويش، المكتب الإسلامي.
- الأدب المفرد، للإمام البخاري، دار الكتب العلمية.
- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للألباني، المكتب الإسلامي.
- أُسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير، دار الفكر.
- اقتضاء الصراط المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د/ ناصر العقل، طبعة وزارة الشئون الإسلامية، ١٤١٩.
- الأم، للإمام الشافعي، مصورة دار المعرفة، تصحيح محمد زهري النجار.
- الأموال، لابن زنجويه، تحقيق د/ شاکر ديب فياض، مركز الملك فيصل ط، ١، ١٤٠٦.
- الأموال، لأبي عُبيد، تحقيق الهراس، تصوير دار الكتب العلمية.
- البحر المحيط، لبدر الدين الزركشي، تحقيق الأشقر وجماعة، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت.
стр. 199
- البداية والنهاية، لابن کثير، تحقيق د/ عبد الله التركي، دار هجر، توزيع وزارة الشئون الإسلامية.
- البدع والنهي عنها، لابن وضّاح، تحقيق عَمرو سليم، مكتبة ابن تيمية.
- تاريخ الإسلام ووفيات مشاهير الأعلام، للذهبي، تحقيق د/ عمر تدمري، دار الكتاب العربي.
- تاريخ ابن جرير، لابن جرير الطبري، دار الكتب العلمية.
- تاريخ دمشق، لأبي القاسم بن عساکر، تحقيق العمروي، دار الفكر، ١٤١٥.
- تبيين العجب بما ورد في شهر رجب، لابن حجر، مكتبة سليم الحديثة، ١٩٧١.
- تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، للحافظ المزي، تحقيق عبد الصمد شرف الدين، المكتب الإسلامي.
- تفسير القرآن العظيم، لابن کثير، دار المعرفة.
- التمهيد بما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، وزارة الأوقاف بالمغرب.
- ثعلبة ابن حاطب الصحابي المفترى عليه، لعداب الحمش،
- الثقات، لابن حبان، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية.
- الجامع، لمحمد بن عيسى الترمذي، تحقيق أحمد شاكر، دار الكتب العلمية - (ونسخة منه بخط الكروخي، مصورة من المتحف الفرنسي).
- جامع البيان في تأويل القرآن، لابن جرير الطبري، دار الكتب العلمية.
- الجامع (أحكام أهل الملل) للخلَّال، تحقيق السلطان، مكتبة المعارف الرياض.
- و (الترجل) تحقيق کسروي حسن، دار الكتب العلمية، ١٤١٥.
- حاشية رد المحتار.
стр. 200
- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصفهاني، دار الريان والكتاب العربي، ط ٥، ١٤٠٧.
- الخَزَال والدَّأَل في الدور والدارات والدِّيَرة، لياقوت الحموي، تحقيق محمد جمران وزميله، وزارة الثقافة بدمشق.
- الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١١.
- الدعوات الكبير، للبيهقي، تحقيق بدر البدر، جمعية إحياء التراث بالكويت.
- الذيل على طبقات الحنابلة، لابن رجب، تحقيق الفقي، مصورة دار المعرفة.
- سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني، مكتبة المعارف.
- السنن لأبي داود، تحقيق الدَّعاس، دار الحديث، ط ١، ١٣٨٨.
- السنن، لابن ماجه، تحقيق عبد الباقي، دار الريان.
- السنن، للنسائي، بحاشية السندي وشرح السيوطي - تصوير دار الريان.
- السنن الكبرى، للنسائي، دار الكتب العلمية.
- السنن الكبرى، للبيهقي، مصورة دار المعرفة.
- السنن، للدارمي، دار الريان.
- السنة، لابن أبي عاصم، تحقيق الألباني، المكتب الإسلامي.
- السنة، للمروزي.
- سير أعلام النبلاء، للذهبي، مؤسسة الرسالة، ط ٦، ١٤٠٩.
- السيرة النبوية، لابن هشام، مكتبة البابي الحلبي، ط ٢، ١٣٧٥.
- شرح السنة للبغوي، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناووط، المكتب الإسلامي.
стр. 201
- شرح الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تحقيق التركي والأرناووط، دار عالم الكتب.
- الصارم المنكي في الرد على السبكي، لابن عبد الهادي، تحقيق المقطري، مؤسسة الريان.
- الصحاح، للجوهري، تحقيق عطّار،
- صحيح ابن خزيمة، لابن خزيمة، تحقيق الأعظمي، المكتب الإسلامي.
- صحيح مسلم، للإمام مسلم، ترقيم عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي.
- الطبقات الكبري، لابن سعد، دار صادر.
- طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى، تحقيق د/ عبد الرحمن العثيمين.
- العلل، لابن أبي حاتم، مصورة دار المعرفة ١٤٠٥.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر، دار الريان للتراث.
- فضل الصلاة على النبي ﷺ ، لإسماعيل القاضي، تحقيق عبد الحق التركماني، رمادي للنشر.
- قيام رمضان، للمعلمي، المكتبة المكية.
- الكامل في ضعفاء الرجال، لأبي أحمد بن عدي، دار الكتب العلمية.
- کشف الأستار عن زوائد البزار، للهيثمي، مؤسسة الرسالة، ط ٣، ١٤٠٣.
- لطائف المعارف بما في مواسم العام من الوظائف، لابن رجب، تحقيق السوّاس، دار الكلم الطيب وابن كثير.
- مجموع الفتاوي، لابن تيمية، جمع ابن قاسم، تصوير عالم الكتب.
стр. 202
- محجَّة القُرب في محبَّة العرب، للعراقي، تحقيق الزير، دار العاصمة.
- مختار الصحاح، للرازي، مؤسسة علوم القرآن.
- المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل، لبكر أبو زيد، دار العاصمة، ط ١، ١٤١٧.
- مسائل أبي داود للإمام أحمد، تحقيق طارق عوض الله، دار الوطن.
- مسائل صالح للإمام أحمد، تحقيق د/ فضل الرحمن، الدار السلفية.
- مسائل عبد الله للإمام أحمد، تحقيق المهنا، مكتبة الدار.
- مسائل ابن هاني للإمام أحمد، تحقيق الشاويش، المكتب الإسلامي.
- المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري، مصورة عن دائرة المعارف العثمانية.
- المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن القيم، تحقيق أبي غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب.
- مسند الإمام أحمد، المكتب الإسلامي، وتحقيق شعيب الأرناووط، توزيع وزارة الأوقاف بالمملكة.
- مسند أبي يعلى، تحقيق الأثري، دار القبلة ومؤسسة علوم القرآن ١٤٠٨.
- مصباح الزجاجة إلى زوائد ابن ماجه، للبوصيري، مؤسسة الكتب الثقافية ١٤٠٦.
- مصنف ابن أبي شيبة، دار التاج ١٤٠٩.
- مصنف عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق الأعظمي، المكتب الإسلامي.
- المطالب العالية (المسندة)، لابن حجر، دار الوطن ١٤١٧.
стр. 203
- معالم السنن، للخطابي، مع مختصر المنذري، تحقيق الفقي وأحمد شاكر.
- المعجم الأوسط، للطبراني، تحقيق الطحان، دار المعارف الرياض.
- معجم البلدان، لياقوت الحموي، دار إحياء التراث العربي ١٣٩٩.
- المعجم الكبير، للطبراني، تحقيق حمدي السلفي، مكتبة ابن تيمية.
- المغني، لابن قدامة، تحقيق الحلو والتركي، توزيع وزارة الأوقاف بالمملكة.
- المقاصد الحسنة بالأحاديث المشتهرة على الألسنة، للسخاوي، دار الهجرة بيروت.
- من عاش بعد الموت، لابن أبي الدنيا، تحقيق بيضون، مؤسسة الكتب الثقافية ط. ١، ١٤١٤.
- منسك شيخ الإسلام، تحقيق علي العمران، دار عالم الفوائد ١٤١٨.
- الموضوعات، لابن الجوزي، المكتبة السلفية بالمدينة.
- موطأ مالك، تحقيق د/ بشار عوّاد، دار الغرب الإسلامي.
- نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، للزيلعي، دار الحديث.
- النهج السديد تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد، لجاسم الدوسري، دار الكتاب الإسلامي.
- نور الاقتباس من مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس، لابن رجب الحنبلي، تحقيق العجمي، دار البشائر.
* * *