← Акыда

Акыда · id 9859

المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم

بدر الدين البعلي

Полный текст (203 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

غرضه الفخر على أحدٍ ولا الغَمْص (١) من أحدٍ، كما قال: "إنَّ اللهَ أوْحَى إليَّ: أنْ تواضَعُوا حتى لا يَفْخَرَ أحَدٌ على أحدٍ ولا يَبْغِي أحَدٌ على أحَدٍ" (٢) . فمن استطال بحقٍّ فقد افتخر، وإن كان بغير حقٍّ فقد بغي، فلا يحلُّ لا هذا ولا هذا، فإذا كان الرجل من الطائفة الفاضلة، فلا يكن حظُّه استشعار فضل نفسِه، والنظر إلى ذلك، فإنه مْخْطئ؛ لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فرُبَّ حَبَشِيٍّ أفضل عند الله من جمهور قريش. وإن كان من الطائفة الأخرى، فيعلم أن تصديقه للرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمره، ومحبَّة ما أحبَّه الله، والتشبُّه بمن فضَّله الله، والقيام بالدين الحق، يوجبُ له أن يكون أفضلَ من جمهور الطائفة الأخرى، وهذا هو الفضل الحقيقي (٣) .

стр. 72

فصلٌ (١) قد ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار، ما دلَّ على أن التشبُّه بهم في الجملة منهيٌّ عنه، وأن مخالفتهم في هديهم مشروع؛ إما إيجابًا وإما ندبًا بحسب المواضع، سواء كان الفعل مما قَصَد فاعِلُه التشبُّه بهم أو لم يقصده، وكذلك ما أمَر به من مخالفتهم، وما نهى عنه من مشابهتهم يعمُّ ما إذا قُصِدت المشابهة لهم أو لم تُقْصَد, فإنه لم يكن المسلمون يقصدون التشبُّه بهم فيها؛ بل فيها ما لا يمكن القصد فيه، مثل: بياض الشعر وطول الشارب ونحوه. ثم اعلم أن أعمالهم ثلاثة أقسام: * قسمٌ مشروع في ديننا مع كونه كان مشروعًا لهم، أو لا نعلم أنه كان مشروعًا لهم، لكنهم يفعلونه الآن. * وقسمٌ كان مشروعًا ثم نسخه شَرْع القرآن. * وقسم لم يكن مشروعًا بحالٍ، وإنما هم أحدثوه. وهذه الأقسام الثلاثة؛ إما أن تكون في العبادات المحضة، وإما في العادات المحضة، وإما أن تجمع العبادات والعادات، فهذه تسعة أقسام: أما القسم الأول: وهو ما كان مشروعًا في الشريعتين، أو ما كان

стр. 73

مشروعًا لنا وهم يفعلونه، كصوم عاشوراء، أو كأصل الصلاة والصيام، فهنا تقع المخالفة في الصفة في ذلك العمل، كما سنَّ لنا صومَ تاسوعاءَ (١)، وأمرنا بتعجيل الفطر والمغرب مخالفةً لهم، وتأخير السحور، وأمرنا بالصلاة في النعلين، وهو كثير في العبادات. وكذا في العادات، كقوله: "اللَّحْدُ لَنا والشَّقُّ لِغَيْرِنا" (٢)، وسنَّ توجيه قبور المسلمين إلى القبلة، فإن أصل الدَّفْن من الأمور العادية، وهو أيضًا عبادة، وكذلك اعتزال الحائض هو مما جامَعْنَاهم في أصله وخالفناهم في وصفه. القسم الثاني: ما كان مشروعًا ثم نُسِخ؛ كالسبت (٣)، وإيجاب صلاةٍ أو صومٍ، ولا يخفى النهيُ عن موافقتهم في هذا، [سواء] كان (٤) واجبًا عليهم فيكون عبادة، أو محرمًا عليهم فيتعلَّق بالعادات، فليس للرجل أن يمتنع من أكل الشحوم، وكلِّ ذي ظُفُر على وجه التديُّن

стр. 74

بذلك، وكذلك ما كان مركَّبًا منهما، وهي الأعياد التي كانت مشروعة لهم، فإن العيد يجمعُ عبادةٌ، وهو ما فيه من صلاةٍ أو ذكرٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، ويجمعُ عادةً، وهو ما يُفْعَل فيه من التوسُّع، وما يتبع ذلك من ترك الأعمال الواظِبة (١)، واللعب المأذون فيه في الأعياد لمن ينتفع باللعب، ونحو ذلك. فموافقتهم في هذا المنسوخ في العبادات أو العادات أو كلاهما أقبح من موافقتهم فيما هو مشروعُ الأصلِ، ولهذا كانت الموافقة في هذا محرَّمة كما سنذكره، وفي الأول قد لا تكون إلَّا مكروهة. وأما القسم الثالث: وهو ما أحدثوه من العبادات والعادات أو كلاهما (٢) فهو أقبح وأقبح، فإنه لو أحدثه المسلمون لكان قبيحًا، فكيف إذا كان قد أحدثَه الكافرون ولم يشْرَعْه نبيٌّ قط. وأصلٌ آخر وهو: أن كل ما يشابهون فيه من عبادة أو عادة أو کلاهما (٣)، هو من المحدثات في هذه الأمة ومن البدع، إذ الكلام فيما كان من خصائصهم، فجميع الأدلة تدلُّ على قُبْح البدع وكراهتها تحريمًا أو تنزيهًا تندرج هذه المشابهات فيها (٤).

стр. 75

فصلٌ (١) إذا تقرر هذا الأصل فنقول: موافقتهم في أعيادهم محرمة لا تجوز من طريقين: الطريق الأول العام: هو ما تقدَّم من أنَّ هذا موافقة لأهل الكتاب فيما ليس من ديننا، ولا عادة سلفنا، فيكون فيه مفسدة موافقتهم، وفي ترکه مصلحة مخالفتهم، كما تقدمت الإشارةُ إليه، ومن جهة أنه من البدع المحدَثة. ولا ريبَ أن هذه الطريق تدلُّ على كراهة الموافقة لهم والتشبُّه بهم في ذلك، فإن أقل أحوال التشبُّه بهم الكراهة، وكذلك أقل أحوال البدع. ويدلّ كثير منها على تحريم التشبّه بهم في العيد، مثل قوله: "من تشبَّه بقومٍ فهو منهم" (٢) وقوله: "خالفوا المشرکين" (٣)، ومثل ما ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة على تحريم سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأعيادُهم من سبيلهم، إلى غير ذلك من الأدلة. فمن نظر فيما تقدم تبين له دخولُ هذه المسألة في كثير مما تقدَّم من الدلائل العامة نصًّا وإجماعًا، وتبيَّن له (٤) أن هذا من جنس أعمالهم التي هي دينهم أو شعار دينهم الباطل، وأنه محرَّم، بخلاف ما لم يكن من خصائص دينهم، مثل: نَزْع النعلين في الصلاة، فإنه جائز، كما أن

стр. 76

[لبسهما] (١) جائز (٢). الطريق الثاني الخاصُّ في نفس أعيادهم: فمن الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار. أما الكتاب: فما تأوَّله غير واحدٍ من التابعين وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]: "أنه الشعانين"، ذكره ابنُ سيرين (٣)، وعن الرَّبيع بن أنسٍ: "أنه أعياد المشركين" (٤)، وعن عكرمة قال: "هو لعبٌ كان لهم في الجاهلية" (٥)، وروى الضحَّاك قال: "أعياد المشركين" (٦)، وعنه: "عيد المشرکين". وعن عمر قال: "إياكم ورَطَانةَ الأعاجِم، وأن تدخلوا على المشركين يومَ عيدهم في كنائسهم" (٧) (٨).

стр. 77

وقول هؤلاء التابعين: إنه أعياد الكفار، ليس مخالفًا لقول بعضهم: إنه الشرك، أو: صنم كان في الجاهلية. ولقول بعضهم: إنه مجالس الخَنا. وقول بعضهم: إنه الغِناء (١) = لأن عادة السلف في تفسيرهم هكذا: يذكر الرجلُ نوعًا من أنواع المُسَمَّى لحاجةِ المستمع إليه أو لينبِّه على الجنس، كما لو قال العجميُّ: ما الخبز؟ فيُعْطَى رغيفًا، ويُقال له: هذا، فالإشارة إلى الجِنْس لا إلى العين (٢) . وقال قومٌ: إنه شهادة الزور التي هي الكذب. وهذا فيه نظر، فإنه قال: "لا يشهدون الزور"، ولم يقل: لا يشهدون بالزور. فإن العربَ تقول: "شهدت كذا" إذا حضرته، كقول ابن عباسٍ: "شهدتُ العيدَ مع النبي ﷺ "، وقول عمر: "الغنيمة لمن شهد الوقعة". وأما: "شهد [تُ] بكذا"، [فمعناه]: أخبرتُ به (٣) . فتسمية هذه الأشياء زورًا [دليل على تحريم فعلها] (٤) ، وقد ذمَّ الله من يقول الزور، وقال: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) ﴾ [الحج: ٣٠]. فَفِعْل الزور كذلك (٥) ، فيكون حرامًا لأنه خلاف الأمر، وبكلِّ حالٍ يدخل في

стр. 78

الآية أنه مكروه (١)، وهو من مطلوبنا، إذ قد يظن بعض الناس أن بعض ما يفعلونه يكون مستحبًّا، مثل التوسعة على العيال ونحوه، ومثل إقرار الناسِ على اكتسابهم ومصالح دنياهم (٢). فهذه (٣) تدلُّ على كراهة ذلك مطلقًا، فسواء دلت الآية على التحريم أو الكراهة أو استحباب ترکه = حصل المقصود. وأما السنة؛ فمن وجوهٍ: أحدها: فروى أنس بن مالك ﵁ قال: قدمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هَذَانِ اليَوْمَانِ"؟ فقالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال: "إنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكم بِهما خَيْرًا مِنْهُما؛ يومَ الأَضْحَى ويومَ الفِطْر" رواه أبو داود (٤): حدثنا إسماعيل بن موسي، حدثنا حمَّاد، عن حُمَيد، عن أنسٍ. ورواه أحمد والنسائي (٥)، وهذا إسنادٌ على شرط مسلم (٦). فلم يقرَّهم (٧) على العيدين الجاهليين، ولا تركهم يلعبون فيهما

стр. 79

على العادة، بل قال: "إن الله أبدلكم بهما يومين آخرين"، والإبدال يقتضي ترك المبدل منه؛ إذ لا يُجْمَع بين البدل والمبدل. ولذلك مات ذلك اليومان في الإسلام، فلم يبق لهما أثر، فإنه قد يعجز كثير من الملوك عن تغيير الناس عن عادتهم في أعيادهم، لقُوَّةِ مقتضيها في نفوسهم، وتوفُّر هِمم الجماهير على اتخاذها، لا سيما طِباع النساء والصِبيان، فلولا قوَّة المانع من رسول الله ﷺ لكانت باقية ولو على وجهٍ ضعيف، فَعُلِمَ أن المانع القويَّ منه كان ثابتًا، وكلُّ ما منع منه الرسول منعًا قويًّا كان محرَّمًا، وهذا بَيِّن لا شُبهةَ فيه. والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نُقِرُّهم عليها أشدُّ من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها؛ لأن الأمَّةَ قد حُذِّروا مشابهةَ اليهود والنصارى، وأخبر أنه سيفعل قوم ذلك بخلاف دين الجاهلية، فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر عند اخْترام أنفس المؤمنين عمومًا، ولو لم يكن أشد منه فهو مثله، إذ الشرُّ الذي له فاعل موجود يُخاف على الناس منه أكثر من شرٍّ لا مقتضي له قوي. الوجه الثاني: روى أبو داود (١): أن رجلًا نذر على عهد رسول الله أن ينحر إبلًا بِبُوانة، فأتى رسولَ الله فقال: إني نذرتُ أنْ أَنْحَر إبِلًا بِبُوانةَ، فقال: "هَلْ كانَ فيها وَثَنٌ من أَوْثَانِ الجاهليةِ يُعْبَد"؟ قالوا: لا. قال: "فَهَلْ كانَ فيها عِيْدٌ مِنْ أَعْيادِهِم"؟ قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ فإنَّه لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ ولَا فيما لا يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ".

стр. 80

وأصل هذا الحديث في "الصحيحين" (١) ، وإسناده على شرطهما. فوجه الدلالة: أنَّ هذا الناذِرَ لما نَذَر الذبحَ سأله: هل كان بها وَثَن أو عيد؟ ثم قال: "لا وفاء لنذرٍ في معصية الله"؛ فيدلُّ على أن الذبح بمكان عيدِهم وموضعِ أوثانهم معصية، فإنه عقَّب: "فأوف" بالفاء؛ فيدلُّ على أن الوصفَ هو سبب الحكم، فيكون سبب الوفاء بالنذر وجوده خاليًا عن هذين الوصفين، ويكون (٢) الوصفان مانِعَيْن من الوفاء، وإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهيًّا عنه فكيف الموافقة في نفس العيد!؟ وبُوانة: بضمِّ الباء، بواحدة (٣) من أسفل، موضعٌ (٤) . وهذا نهيٌ شديد عن أن يُفْعَل شيء من أعياد الجاهلية على أيِّ وجهٍ كان، وأعياد الكفار -الكتابيين والأميين- في دين الإسلام من جنسٍ واحدٍ، كما أن كفرهم سواء في التحريم، وإن كان بعضُه أشدّ تحريمًا، ولا يختلف حكمها في حقِّ المسلمين، لكن أهل الكتاب أُقِرُّوا على دينهم مع أنه شُرِطَ عليهم أَلا يُظهروا أعيادهم؛ بل أعياد الكتابيين أعظم كفرًا؛ لأنهم يتخذونها دينًا، بخلاف الذين يتخذونها لهوًا ولعبًا؛ لأن التعَبُّد بما يُسْخِط الله أعظم من اقتضاء الشهوات [بما حرمه] (٥) ،

стр. 81

ولهذا كان الشرك أعظم إثمًا من الزنا، وكان جهاد أهل الكتاب أفضل من غيرهم، وكان من قتله أهلُ الكتاب له أجر شهيدين. الوجه الثالث: أن هذا الحديث وغيره قد دَلَّ (١) على أنه كان للناس أعياد يجتمعون فيها في الجاهلية، ومعلومٌ أنه بمبعث إمام المتقين مَحَا اللهُ ذلك عنه، فلم يبق شيء من ذلك، فلو لا نهيه ومنعه لما ترك الناسُ ذلك، مع قيامِ المقتضي لفعلها من جهة الطبيعة، فلولا المانع القوي (٢)، لما دَرَست تلك الأعياد. الوجه الرابع: ما خرَّجاه في "الصحيحين" (٣) عن عائشة قالت: دخلَ عليَّ أبو بكرٍ وعندي جاريتان من جواري الأنصار تُغَنِّيان بما تقاولت به الأنصار يوم بغاث (٤). قالت: وليستا بمغنِّيتين. فقال: أَمزمور الشيطانِ في بيتِ رسول الله. -وذلك يوم عيد- فقال رسول الله: "يا أبا بَكْرٍ إنَّ لكلِّ قَوْمٍ عِيْدًا وهذا عِيْدُنا". وفي روايةٍ: "دَعْهُما يا أبا بكر". فقوله: "إنَّ لكلِّ قوم عِيْدًا وهذا عِيْدُنا" يوجِب اختصاصَ كلِّ قومٍ بعيدهم، كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ لأن اللام تورث الاختصاصَ فلا نشركهم في عيدهم، كما لا نشركهم في

стр. 82

شِرعتهم، ولا ندعهم يشركوننا (١) . وقوله: "هذا عِيْدُنا" يقتضي حصر عيدنا في هذا، فليس لنا عيد سواه، وكذلك قوله: "وإن عيدنا هذا اليوم" فإن التعريف بالإضافة واللام يقتضي الاستغراق، فيكون جنس "عيدنا" منحصرًا في جنس ذلك اليوم، كقوله: "تحريْمُها التكبيرُ وتَحْلِيْلُها التَّسْلِيمُ" (٢) . ومن هذا الباب قوله ﷺ : "يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ وأَيَّامُ مِنى عِيْدُنا أهلَ الإسلامِ، وهي أيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ" رواه أبو داود والترمذي وصححه (٣) . فيدلُّ على مفارقتنا لغيرنا في العيد واختصاصنا بهذه الأيام الخمسة. وأيضًا (٤) : فإنه علل الرخصة باللعب بكونه "يوم عيدنا" فدلَّ على أنه لا يُرَخَّص فيه في عيد الكفار، فإنه لو ساغ ذلك لم يكن قوله: "لكلِّ قومٍ عيد" فيه فائدة.

стр. 83

الوجه الخامس: أن أرض العرب ما زال فيها يهود ونصاري، حتى أجلاهم عمر، وكان اليهود بالمدينة كثيرًا في حياته ﷺ ، وكذلك كان في اليمن يهود، ونصاري بنجران، والفُرْس بالبحرين وكان لهم أعياد، والمقتضي لما يُفْعَل في العيد من الأكل والشرب واللباس والزينة واللعب والراحة قائمٌ في نفوس الناس. ثم من كان له خبرة بالسيرة يعلم أن المسلمين لم يكونوا يشاركونهم في شيء من أمرهم، ولا يُغَيِّرون لهم عادةً في أعياد الكفار، بل ذلك اليوم عند رسول الله وعند سائر المسلمين يوم لا يخصُّونه بشيءٍ أصلًا، إلا ما قد اخْتُلِف فيه من مخالفتهم فيه، كصومه. فلولا أنه كان من دين المسلمين الذي تلقَّوه عن نبيِّهم مَنْعٌ من ذلك وكفُّ عنه؛ لوجب أن يوجد من بعضهم فِعْلُ بعضِ ذلك، فدلَّ على المنع منه. ثم جرى الأمر على عهد الخلفاء الراشدين كما كان في عهده، حتى كان عمر ينهى عن الدخول عليهم يوم عيدهم، فكيف لو كان أحدٌ يفعل كفعلهم!؟ بل لما ظَهَر من بعض المسلمين اختصاص يوم عيدهم بصومٍ مخالفةً لهم، نهاه الفقهاء، أو (١) كثيرٌ منهم عن ذلك؛ لأجل ما فيه من تعظيم عيدهم، أفلا يُسْتَدل بهذا على أن المسلمين تَلَقَّوا عن نبيهم ﷺ المنعَ من مشاركتهم في أعيادهم؟ وهذا -بعد التأمُّل- بَيِّنٌ جدًّا.

стр. 84

الوجه السادس: ما رواه أبو هريرة عنه ﷺ أنه قال: "نَحْنُ الآخِرُوْنَ السابِقُونَ يَوْمَ القيامةِ، بَيْد أنَّهم أوتوا الكتابَ من قَبْلِنا وأُوتِيْناه مِنْ بَعْدهم، فهذا يَوْمُهم الذي فَرَضَ اللهُ عَلَيْهم فاخْتَلَفُوا فِيْه فَهَدَانا اللهُ لَه فالناسُ لنا فيه تَبَع، اليهودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ" متفق عليه (١). فذكر أن الجمعة لنا، كما أن السبت لليهود، والأحد للنصارى، واللام تقتضي الاختصاص، ثم هذا الكلام يقتضي الاقتسام، كما إذا قيل: هذه ثلاثة غِلمان (٢)؛ هذا لي، وهذا لزيد، وهذا لعمروٍ، فإذا نحن شركناهم في يوم السبت أو يوم الأحد = خالفنا هذا الحديث، هذا في العيد الأسبوعي، فكيف في العيد الحولي!؟ وقوله: "بَيْد أنهم أوتوا الكتاب" أي: من أجل. كقوله: "أنا أَفْصَحُ العربِ بَيْد أَنِّي من قُرَيْشٍ" (٣). والمعنى -والله أعلم-: نحن الآخرون في الخَلْق السابقون في الحسابِ والدخولِ إلى الجنةِ، فأوتينا الكتابَ من بعدهم، فهُدِينا لما اختَلفوا فيه من العيد السابق للعيدين الآخرين، وصار عملُنا الصالح قبل عملهم، فلما سبقناهم إلى الهدى والعمل الصالح، جعلنا سابقين لهم في ثواب العمل الصالح.

стр. 85

ومن قال: "بَيْد" بمعنى غير؛ فقد أَبْعَد. الوجه السابع: ما رُوِي عن أم سلمة أنها قالت: كان رسول الله يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: "إنَّهُما عِيْدٌ للمُشْرِكين فأنا أُحِبُّ أنْ أُخَالِفَهم" رواه أحمد والنسائي (١)، وصححه بعضُ الحفاظ (٢). وهذا نصُّ في شَرْع مخالفتهم في عيدهم، وإن كان على طريق الاستحباب، وسنذكر حديث نهيه عن صوم يوم السبت، وتعليل ذلك -أيضًا- بمخالفتهم، ونذكر حكم صومه عند العلماء، وأنهم متفقون على شَرْع مخالفتهم في عيدهم، وإنما اختلفوا: هل مخالفتهم بالصوم، أو بالإهمال حتى لا يُقْصَد بصومٍ ولا فِطْر، أو يُفرَّق بين العيد العربي والعيد العجمي؟ على ما سنذكره إن شاء الله. وأما الإجماع والآثار؛ فمن وجوه: أحدها: ما تقدم التنبيه عليه، من أن اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية يفعلون أعيادهم التي لهم، والمقتضي لبعض ما يفعلونه قائمٌ في كثير من النفوس، ثم لم يكن على عهد السابقين (٣) من المسلمين من يشركهم في شيءٍ من ذلك، فلولا قيام المانع في نفوس الأمة كراهةً ونهيًا، وإلا لوقع ذلك كثيرًا؛ إذ الفعل مع وجود مقتضيه وعدم مُنافِيه واقعٌ.

стр. 86

الثاني: من شروط عمر ﵁ التي اتفقت عليها الصحابةُ وسائرُ الفقهاء بعدهم: أن أهل الذِّمة لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام، وسموا: الشعانين والباعوث (١). فإذا كانوا قد اتفقوا على مَنْعهم من إظهارها، فكيف يسوغ للمسلمين فعلها مع كونه أشدّ؟! الوجه الثالث: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني عن عمر أنه قال: "إياكم ورطانة الأعاجم. وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم" (٢). وروى البيهقي (٣) بإسنادٍ صحيح عن عُمر: "لا تدخلوا على المشركين يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم". وعن ابن عمرو (٤): "من بني ببلاد الأعاجم فَصَنَع نَيْروزَهم ومِهْرجانَهم وتشبَّه بهم حتى يموت وهو كذلك حُشِرَ معهم" رواه البيهقي (٥) بالسند الصحيح. وعن عمر: "اجتنبوا أعداء الله في أعيادهم" (٦). وعن عليٍّ ﵁: أنه كره موافقتهم في اسمِ العيد الذي

стр. 87

ينفردون به (١) ، فكيف بموافقتهم في العمل! وقد نصَّ أحمدُ على معنى ما جاء عن عُمر وعليٍّ من كراهة موافقتهم في اللغة والعيد. وتقدم قول القاضي: مسألة في المنع من حضور أعيادِهم (٢) . وقال الإمام أبو الحسن الآمديُّ المعروف بابن البغدادي في كتابه "عمدة الحاضر" (٣) : "فصلٌ: لا يجوز شهادة أعياد النصارى واليهود. نصَّ عليه أحمد في رواية مُهَنَّا، واحتجَّ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره، نصَّ عليه". وقال الخلال في "جامعه" (٤) : بابٌ في كراهة خروج المسلمين في أعياد المشركين. وذكر عن مُهنَّا قال: سألت أحمد عن شهود هذه الأعياد مثل: طور بابور (٥) ، ودير أيوب (٦) وأشباهه يشهده المسلمون؟

стр. 88

قال: إذا لم يدخلوا عليهم بِيَعهم وإنما يشهدون السوق فلا بأس". وأما الرطانة، وتسمية شهورهم بالأسماء العجمية؛ فقال حَرْب الكرماني (١) : "باب تسمية الشهور بالفارسية". قلت لأحمد: فإن للفرس أيامًا وشهورًا يسمونها بأسماء لا تعرف، فكره ذلك أشد الكراهة. ورَوَى (٢) فيه عن مجاهد أنه كره أن يقال: آذرماه وذي ماه. قلت: فإن كان اسم رجلٍ أسمِّيه به؟ فكرهه. وكان ابنُ المبارك يكره: ايزدان يحلف به، وقال: لا آمن أن يكون أُضِيف إلى شيءٍ يُعْبَد. وكذلك الأسماء الفارسية. وقال: وكذلك أسماء العرب، كل شيءٍ مضاف. قال (٣) : وسألتُ إسحاق قلتُ: الرجل يتعلَّم شهور الروم والفرس؟ قال: كل اسمٍ معروفٍ في كلامهم فلا بأس. فما قاله أحمد له وجهان: أحدهما: إذا لم يعرف معنى الاسم، جازَ أن يكون معني محرَّمًا، فلا يَنْطق المسلم بما لا يَعْرف معناه، ولهذا كُرِهت الرُّقي العجمية بالعبرانية والسريانية أو غيرها خوفًا من أن يكون فيها ما لا يجوز، فإذا عُلِم أن المعنى مكروه فلا ريب في كراهته، وإن جُهِل معناه فأحمد کرهه. وكلام إسحاق يحتمل أنه لم يكرهه.

стр. 89

والوجه الثاني: كراهة أن يتعوَّد الرجل النُّطقَ بغير العربية، فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميَّزون، ولهذا كَرِه كثير من الفقهاء الدعاءَ والذكرَ بغير العربية. واختلف الفقهاء في أذكار الصلاة؛ هل تُقال بغير العربية؟ وهي ثلاث درجات: أعلاها: القرآن، ثم: الذكر الواجب غير القرآن کالتحريمة والتسليم والتشهد عند من أوجبه، ثم: الذكر الغير واجب من دعاءٍ و تسبيح وتكبير وغير ذلك. فالقرآن لا يُقال بغير العربية، سواء قدر عليها أو لا عند الجمهور، وهو الصواب الذي لا ريبَ فيه، بل قال غيرُ واحدٍ: يُمنع أن يترجم سورة أو ما يقوم به الإعجاز، واختلف أبو حنيفة وأصحابُه في القادر على العربية. وأما الأذكار الواجبة؛ فاختلف من منع ترجمة القرآن؛ هل يترجمها العاجز عن العربية وعن تعليمها؟ وفيه لأصحاب أحمد وجهان؛ أشبههما بكلام أحمد: أنه لا يُتَرجم، وهو قول مالك وإسحاق. والثاني: يُتَرجم، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي. وأما سائر الأذكار؛ فالمنصوص من الوجهين أنه لا يترجمها، ومتي فعلَ؛ بطلت صلاتُه، وهو قول مالك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي، والمنصوص عنه: أنه يُكْره بغير العربية ولا يَبطل، ومن أصحابنا من قال: له ذلك إذا لم يُحْسِن العربية. وحكم النطق بالعجمية في العبادات؛ من الصلاة والقراءة والذكر؛

стр. 90

كالتلبية (١) والتسمية على الذبيحة، وفي العقود والفسوخ؛ کالنكاح واللعان وغيره = معروفٌ. وأما الخطاب بها من غير حاجة في أسماء الناس والشهور، [كالتواريخ] (٢) ، وغير ذلك؛ فمنهيٌّ عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب، وأما مع العلم به؛ فكلام أحمد بيِّن في كراهيته -أيضًا- فإنه کَرِه: آذرماه ونحوه، ومعناه ليس محرَّمًا. وأظنه سُئل عن الدعاء بالفارسية، فكرهه وقال: لسان سوءٍ. وهو قول مالك، لنهي عمر عن رطانة الأعاجم. وقال (٣) : إنَّها خَبِ (٤) . وكره الشافعيُّ لمن يعرف العربية أن يُسَمِّي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطًا لها بالعجمية، وهذا الذي ذكرناه مأثور (٥) عن الصحابة والتابعين. ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق" رواه السلفي بإسنادٍ معروف إلى أبي سهل [العُكْبَري]، وهو يُشْبه کلام عمر، وأما رفعه فموضع تبيُّن (٦) .

стр. 91

ونُقِل عن طائفة أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة (١) ، وبالجملة؛ فالكلمة بعد الكلمة أمرها قريب، وأكثر ما كانوا يفعلونه إذا كان المُكَلَّم أعجميًّا يريدون تقريب الفهم على المخاطَب، كما قال النبي ﷺ لأمِّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص -لما كساها خميصة- وقال: "يا أُمَّ خالِدٍ هذا سنا" (٢) والسَّنا بالحبشية: الحَسَن. وأما اعتياد الخطاب بغير العربية حتى يصير عادة؛ فلا ريب أنه مكروه، فإنه من التشبُّه بالأعاجم. واعلم أن اعتياد اللغة يوثِّر في العقل والخُلُق والدين تأثيرًا قويًّا، حتى يزيد به العقل والخلق والدين لمشابهته سلف الأمة. وأيضًا: فإن اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض، فإن فَهْم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهم إلا بالعربية، ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية. روي ابن أبي شيبة (٣) قال: كتب عمر إلى أبي موسى: "أما بعد؛ فتفقَّهوا في السنة، وتفقَّهوا في العربية، وأَعْرِبوا القرآنَ فإنَّه عربي". وفي حديث آخر عنه: "تعلموا العربية فإنها من دينكم" (٤) ، وهذا

стр. 92

الذي أمر به عمر من فقه العربية وفقه السنة (١) يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال، فَفِقه العربية هو الطريق إلى فِقْه أقواله، وفقه السنة هو فقه أعماله (٢). * * * فصلٌ (٣) وأما الاعتبار في مسألة العيد؛ فمن وجوه: أحدها: أن الأعياد من جملة الشرع والمنهاج والمناسك، التي قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج: ٣٤] کالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبينها في سائر المناسك (٤)، فإن الموافقة في جميع العيد؛ موافقةٌ في الكفر، والموافقة في بعض فروعه؛ موافقةٌ في بعض شُعَب الكفر، بل الأعياد من أخص ما تتميَّز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر.

стр. 93

ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملةِ بشروطه، وأما مبدؤها؛ فأقل أحواله أن يكون معصيةً، وهذا أقبح من مشاركتهم في لبس الزنار ونحوه من علاماتهم؛ لأن تلك علامات وضْعِيَّة ليست من الدين، وإنما الغرضُ منها مجرَّد التميُّز بين المسلم والكافر. وأما العيد وتوابعه، فإنه من الدين الملعون هو وأهله، فالموافقة فيه موافقة فيما يتميَّزون به من أسباب سخط الله وعِقابه. ولك أن تَنْظِم هذا قياسًا تمثيليًّا (١) فتقول: شريعة من شرائع الكفر، أو شعيرة من شعائره، فحرمت موافقتهم فيها كسائر شعائر الكفر وشرائعه، وإن كان هذا أبْيَن من القياس الجُزْئي (٢). ثم كل ما يختص به من عبادة وعادة، إنما سببه كونه يومًا مخصوصًا، وإلا فلو كان كسائر الأيام لم يختص بشيءٍ، وتخصيصُه ليس من دينِ الإسلام في شيءٍ؛ بل کفر به. الوجه الثاني: أن ما يفعلونه في أعيادهم معصية الله؛ لأنه إما مُحْدَث وإما منسوخ. وما يتبع ذلك من التوسُّع في الطعام واللباس، والراحة واللعب، فهو تابع لذلك العيد الديني، كما أنه تابع له في دين الإسلام، فهو بمنزلة أن يتخذ بعضُ المسلمين عيدًا مبتدعًا يفعل فيه كما يفعله في العيد المشروع، ومثل من ينصب بِنْيَةً يُطاف بها ويُحَجُّ، ويصنع كذلك طعامًا ونحوه.

стр. 94

ولو فرض أن المسلمَ كَرِه ذلك، لكن غيَّر عادته ذلك اليوم كما يُغيِّر أهل البدع عادتهم في الأمور العادية أو في بعضها، بصنعةِ طعامٍ، وزينةِ لباسٍ (١)، وتوسعةٍ في نفقةٍ، من غير أن يتعبَّد بذلك، ألم يكن هذا من أقبح المنكرات؟! فكذلك موافقة هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، وأشد. نعم هؤلاء يُقَرُّون على دينهم المبتَدع والمنسوخ متستِّرين به (٢)، والمسلم لا يُقَرُّ على مُبْتَدع ولا منسوخٍ، لا سرًّا ولا علانية، كما لو صلي مسلم إلى بيت المقدس أو ابتدع شيئًا في الدين. الوجه الثالث: أنه إذا سوِّغ فِعْل القليل من ذلك، أدى إلى فعل الكثير، ثم الشيء إذا اشتهر دخلَ فيه عموم الناس وتناسَوا أصله، حتى يصير عادة للناس، بل عيدًا، حتى يُضاهَي بعيدِ الله تعالي؛ بل قد يزاد عليه حتى يكاد يُفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر، كما قد سوَّله الشيطان -ممن يدعي الإسلام- فيما يفعلونه في آخر صوم النصارى من الهدايا والأفراح والنفقات والكسوة وغير ذلك مما يصير به مثل عيد المسلمين، بل البلاد المُصاقِبة (٣) للنصارى، قد صار ذلك أغلب عندهم وأبهى في نفوسهم من عيد الله ورسوله، على ما حدثني به الثقات. وهذا الخميس الذي يكون في آخر صوم النصارى يدور بدوران صومهم الذي هو سبعة أسابيع. وصومُهم وإن كان في أول الفصل الذي تسمية العربُ: "الصيف"، وتسمِّيه العامة: "الربيع"، فإنه يتقدم ويَتأخَّر

стр. 95

ليس له حدٌّ واحد من السنة الشمسية، كالخميس الذي في أول نيسان، بل يدور في نحو ثلاثة وثلاثين يومًا، لا يتقدم أوله ثاني شباط (١)، ولا يتأخر أوله عن ثامن آذار، بل يبتدئون بالاثنين الذي هو أقرب إلى اجتماع الشمس والقمر في هذه المدة، زعموا أنهم يراعون التوقيت الشمسي والهلالي، وكلُّ ذلك بدع أحدثوها باتفاقٍ منهم، خالفوا بها الشريعة التي جاءت بها الأنبياء، فإن الأنبياء وقَّتوا العبادات بالهلال. ويلي هذا الخميس يوم الجمعة، جعلوه بإزاء يوم الجمعة التي صُلِب فيه المسيح على زعمهم الكاذب، يسمُّونها: "جمعة الصلبوت"، ويليه ليلة السبت يسمُّونها: "ليلة النور" و "سَبْت النور"، يزعمون أن المسيح كان فيها في القبر، ويصطنعون مَخْرَقةً يروِّجونها على عامَّتهم، يخيلون إليهم أن النور ينزل من السماء في كنيسة القمامة (٢) بالقدس، حتى يحملوا ما يوقد من ذلك إلى بلادهم متبرِّکين به، وقد علمَ كلُّ عاقل أنهم يصنعون ذلك وأنه مُفْتَعل. ثم يوم الأحد يزعمون أن المسيح قام فيه، ثم الأحد الذي يلي هذا يسمونه: "الأحد الحديث"، يلبسون فيه الجُدُدَ من ثيابهم. وهم يصومون عن الدَّسَم ويفطرون على ما يخرج من الحيوان؛ من لبنٍ أو بيض، ويفعلون أشياء لا تنضبط؛ ولهذا تجد نقل العلماء لمقالاتهم وشرائعهم يختلف وعامته صحيح، وذلك أن القوم يزعمون أن ما وضعه رؤساؤهم من الأحبار والرهبان: أنه من الدين ويلزمهم

стр. 96

حكمه ويصير شرعًا شَرَعه المسيح في السماء، فهم في كل مدةٍ ينسخون أشياء ويشرعون أشياء، زعمًا أن هذا بمنزلة نسخ الله شريعةً بشريعةٍ، فهم عكس اليهود، هؤلاء يجوِّزون لأحبارهم النسخ، واليهود لا يجوِّزون أن ينسخ اللهُ الشرائع، فلذلك لا تنضبط للنصارى شريعةً تُحْكَي على الأزمان. وغَرضنا لا يتوقف على تفصيل باطلهم، بل يكفينا أن نعرف المنكر معرفةً تميِّز بينه وبين المباح والمعروف، والمستحب والواجب، حتى نتمكَّن بهذه المعرفة من اتقائه واجتنابه كما نعرف سائر المحرمات، إذ الفَرْض علينا تركها، ومن لم يعرف المنكر جملةً وتفصيلًا (١) لم يتمكَّن من قصد اجتنابه، والمعرفة الجُملِيَّة كافية بخلاف الواجبات، فإنه لما كان الغَرَض فعلها، والفعلُ لا يتأتَّى إلا مفصَّلًا، وجبت معرفتها على سبيل التفصيل. وإنما عددت أشياء من منكرات دينهم، لما رأيتُ طوائفَ من المسلمين قد ابتليَ ببعضها، وجَهِل كثيرٌ منهم أنها من دين النصارى الملعونِ هو وأهلُه. وقد بلغني أنهم يَخْرجون في الخميس الذي قبل هذا، أو يوم السبت، أو غير ذلك إلى القبور يبخِّرونها، وكذلك ينحرون، ويعتقدون أن في البخور بركة ودفع أذى وراءَ كونه (٢) طِيبًا، ويعدُّونه من القرابين مثل الذبائح، ويزفُّونه بنحاسٍ يضربونه كأنه ناقوس صغير، وبكلامٍ

стр. 97

مصنَّف، ويصلبون على أبواب بيوتهم، إلى غير ذلك من الأمور المنكرة، ولستُ أعلمُ جميعَ ما يفعلونه [وإنما ذكرت ما رأيت كثيرًا من المسلمين يفعلونه] (١) وأصله مأخوذ عنهم، حتى كان (٢) في مدة الخميس تبقى الأسواق مملوءة من أصوات هذه النواقيس الصغار، وكلام الرقَّائين من المنجِّمين وغيرهم بكلامٍ أكثره باطل، وفيه ما هو محرَّمٌ أو كفر. وقد ظنَّ كثير من العامة (٣) والجهَّال أن هذا البخور فيه نَفْع من العين والسحر والأدواء والهوام، ويصوِّرون في أوراق صور الحيَّات والعقارب، ويُلْصِقونها في بيوتهم؛ زعمًا أنها تمنع الهوام، وهو ضربٌ من طلاسم الصابئة. ويُسمُّون الخميس المتأخِّر: "الكبير"، وهو عند الله: الحقيرُ المهيْنُ هو وأهله ومن يُعظِّمه، فإن كلَّ ما عُظِّم بالباطل من مكان أو زمان، أو شجر أو حَجَر يجبُ قَصْد إهانته كما تُهان الأوثان. ومن المنكرات: أنهم قد يوظِّفون على الفلَّاحين وظائف أكثرها کرهًا، من الغنم والدجاج واللبن والبيض، فيجتمع فيها تحريمان: أكل مالٍ بالباطل، وإقامة شعائر النصارى، ويجعلونه ميقاتًا لإخراج الوكلاء على المزارع، ويطبخون فيه، ويصطبغون (٤) البَيْض، ويوسِّعون النفقة،

стр. 98

ويزيِّنون أولادَهم، إلى غير ذلك من الأمور المنكرة التي يقشعِرُّ منها قلب المؤمن الذي لم يَمُت قلبه، بل يعرف المعروف ويُنْكر المنكر. وخَلْقٌ يضعون ثيابهم تحت السماء، رجاء بركة مرور مريم عليها، فهل يستريب من في قلبه حياةٌ أن شريعةً جاءت بما قدمنا بعضَه من مخالفة اليهود والنصارى، لا يرضى من شرعها ببعض هذه القبائح؟! وأصل ذلك كلِّه: إنما هو اختصاص أعياد الكفار بأمر جديد، أو مشابهتهم في بعض أمورهم، حتى آل الأمرُ إلى أن كثيرًا من الناس صاروا في مثل هذا الخميس، الذي هو عيد الكفار الذي يزعمون أن المائدةَ نزلت فيه، ويسمُّونه: "العيد الكبير" وهو الحقير = يجتمعون في أماكنَ اجتماعاتٍ عظيمة، ويطبخون ويصبغون ويلبسون وينكتون بالحمرةِ دوابَّهم، يفعلون أشياءَ لا تكادُ تُفْعَل في عيد الله ورسوله. واستعان الشيطانُ في إغوائهم أنه زمنُ ربيعٍ يكثُر فيه اللحم واللبن والبيض ونحو ذلك، وهذا كله تصديق قوله ﷺ : "لتتبعنَّ سَنَنَ مَنْ كانَ قَبْلَكُم حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ" (١) . وسببُه: مشابهة الكفار في أعيادهم أو في بعض ذلك، وهو مُفْضٍ إلى الكثير، فيكون ذريعةً إلى هذا المحظور العظيم، فيكون محرمًا، فكيف إذا أفضى إلى ما هو كفر؟! من التبرُّك بالصليب، والتعميد في المعمودية، أو قول القائل: المعبود واحد وإن كانت الطرق مختلفة، ونحو ذلك من الأقوال والأفعال التي تتضمَّن إما كون الشريعة النصرانية واليهودية موصلتين إلى الله، وإما استحسان بعض ما فيها مما يخالف دينَ الله، أو التديُّن بذلك، أو غير ذلك مما

стр. 99

هو كفر بالله ورسوله وبالقرآن وبالإسلام بلا خلافٍ بين الأمة الوسط في ذلك. وأصلُ ذلك: المشابهةُ والمشاركةُ، وبهذا يتبيَّن لك كمالُ الشريعة الحنيفية، وبعض حكمة ما شرعه الله لرسوله من مباينة الكفار ومخالفتهم في عامة أمورهم، لتكون المخالفة أحْسَم لمادة الشرِّ، وأبعد عن الوقوع فيما وقع فيه الناس، وسدُّ الذرائع معتَبَر في الشرع، كما قد ذكرنا من الشواهد على ذلك نحوًا من ثلاثين أصلًا في كتاب "إبطال التحليل" (١). الوجه الرابع: أن الأعياد والمواسم في الجملة لها منفعة عظيمة في دين الخلق، كانتفاعهم بالصلاة والزكاة، ولهذا جاءت بها كلُّ شريعة، كما قال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ [الحج: ٣٤]. ثم إن الله شرع على لسان خاتم النبيين من الأعمال ما فيه صلاح الخلق على أتم الوجوه، وهو الكمال المذكور في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] قاله في أعظم الأعياد الذي للأمة الحنيفية. والشرائع هي غذاء القلوب وقُوْتُها، ومن شأن الجَسَد إذا كان جائعًا فأخذ من طعامٍ حاجتَه استغني عن طعامٍ آخر حتى لا يأكله -إن أكل منه- إلا بكراهة، وربما ضرَّه أكلُه أو لم ينتفع به، ولم يكن هو المغذِّي له. فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال الشرعية بعضَ حاجته، قلَّت رغبتُه في المشروع وانتفاعُه به، بقدر ما اعتاضَ من غيره، بخلاف من صرفَ

стр. 100

نهمتَه وهِمَّتَه إلى المشروع، فإنه تَعْظُم محبتُه له ونفعُه به، ويتم دينُه ويكمل إسلامُه. ولهذا تجد من أكثر من سَماع القصائد لأجل صلاح قلبه، تنقصُ رغبتُه في سماع القرآن، حتى ربما كَرِهَه. ومن أكثر من السَّفَر إلى المشاهد ونحوها لا يبقى لحجِّ البيتِ في قلبه من المحبَّة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعتْهُ السنةُ. ومَن أدمن على أخذ الحكمة والأدب من كلام حكماء فارسَ والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام في قلبه ذاك الموقع. ومَن أدْمَن قصص الملوك، لا يبقى لقصص الأنبياء عنده موقع، وهذا كثير يجده الإنسان من نفسه حِسًّا وذَوْقًا، ولهذا قال ﷺ : "ما ابتدعَ قومٌ بدعةً إلا نَزَعَ اللهُ عَنْهم من السُّنةِ مثْلَها" رواه أحمد (١). ولقد عظَّمت الشريعةُ النكيرَ على من أحدَث بدعةً؛ لما فيها من فساد الدين ونقص تعظيمه في القلوب. الوجه الخامس: أن مشابهتهم فيه سرورٌ لهم بما هم عليه من الباطل، خصوصًا إذا كانوا مقهورين تحت الجِزْية والصَّغار، فإذا رأوا المسلمين قد صاروا فَرْعًا لهم في خصائص دينهم، أوجبَ ذلك قوَّةَ قلوبهم وانشراحَ صدورهم، وربما أَطْمَعَهم ذلك [في] انتهاز الفُرَص، واستذلال الضعفاء، وهذا أمرٌ محسوس يجده كلُّ أحدٍ، فكيف يجتمع ما يوجبُ إكرامهم بلا موجب مع شرع الصَّغار في حقِّهم؟!

стр. 101

الوجه السادس: أن ما يفعلونه في عيدهم فيه ما هو حرام، وما هو كفر، وما هو مُباح، لو تجرَّد عن مفسدة المشابهة، ثم التمييز بين هذا وهذا قد يخفى على كثير من الناس، فالمشابهة فيما لم يظهر تحريمه [للعالم] (١) يوقع العاميَّ فيما هو حرام. الوجه السابع: أن الله جَبَلَ بني آدم، بل سائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابِهَيْن، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتمَّ، إلى أن يؤول الأمرُ إلى أن لا يتميَّز أحدهما عن الآخر. ولهذا وقع التأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاقَ بعضٍ بالمعاشرة والمشاكلة، وكذلك الآدميُّ إذا عاشَر نوعًا من الحيوان اكتسبَ بعضَ أخلاقه، ولهذا صار الفخر والخُيَلاء في أهل الإبل، وصارت السكينةُ في أهل الغنم، وصار الجمَّالون والبغَّالون فيهم أخلاق مذمومة، وكذلك الكلَّابون، وصار في الحيوان الإنسيِّ بعضُ أخلاقِ الناس وقلة النُّفْرة، فالمشابهة في الأمور الظاهرة توجب المشابهة في الأمور الباطنة، على وجه المُسَارقة والتدريج الخفي. والمشاركةُ في الهدي الظاهر توجب مناسبةً وائتلافًا وإن بَعُد المكان والزمان، فمشاركتهم في أعيادهم توجب نوعًا من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة، وما كان مَظِنَّةً لفسادِ أمرٍ (٢) خفيٍّ، عُلِّق الحكم به وأُدِيْر التحريم عليه.

стр. 102

الوجه الثامن: أن المشابهة في الظاهر توجِبُ (١) نوع محبةٍ ومودَّةٍ وموالاة الباطن، كما أن المحبَّة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واجتمعا في بلد غربةٍ، كان بينهما من المودَّة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مِصْرهما (٢) غير متوادَّيْن أو متعارِفَيْن؛ لأن الاشتراك في البلد فيه نوع اختصاص عن بلد الغربة. بل لو كان بين الرجلين مشابهة في العمامة أو اللبسة (٣) أو المركوب؛ لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما. وكذلك أربابُ الصناعات، تجد بينهم المؤالفة والموافقة إذا كانوا من نوعٍ واحدٍ أكثر مما بين من يُباينهم من الملوك أو الأمراء مثلًا. هذا في الأمور الدنيوية فكيف بالأمور الدينيَّة؟! فإن إفضاءها إلى نوعٍ من الموالاة أشدّ، والموالاةُ لأعداء الله تُنافي الإيمان، فإن الإيمان بالله ورسوله يوجب عدم ولاية أعداء الله ورسوله، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان؛ لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم، ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. والمشابهة الظاهرة مظنة الموادَّة، فتكون محرَّمة، ووجوه الفساد في مشابهتهم كثيرة، فلنقتصر على ما نبَّهنا عليه، ففيه كفاية إن شاء الله تعالى، وبالله المستعان. * * *

стр. 103

فصلٌ (١) مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان: أحدهما: مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم، فهذا إما أن يُفْعَل بمجرَّد موافقتهم وهو قليل، وإما لشهوة، تتعلَّق بذلك العمل، وإما لشبهةٍ فيه تُخَيِّل أنه نافع في الدنيا أو في الآخرة، وكلُّ هذا لا شكَّ في تحريمه، لكن يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفرًا بحسب الأدلة الشرعية. وإما عَمَلٌ لم يعلم الفاعلُ أنه من عملهم، فهو نوعان: أحدهما: ما كان في الأصل مأخوذًا عنهم؛ إما على الوجه الذي يفعلونه، وإما مع نوع تغيير الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك، فهذا غالب ما يُبتلى به العامة، في مثل ما يصنعونه في الخميس "الحقير" والميلاد ونحوهما، فإنهم قد نشأوا على اعتياد ذلك، وتلقَّاه الأبناءُ عن الآباءِ وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ذلك، فهذا يُعرَّف صاحبه حكمه، فإن لم ينته وإلا صار من القسم الأول. النوع الثاني: ما ليس في الأصل مأخوذًا عنهم؛ لكونهم يفعلونه أيضًا، فهذا ليس فيه محذور المشابهة، ولكن قد تفوت فيه منفعة المخالفة، فتتوقف کراهةُ ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه [من] (٢) مشابهتهم، إذ ليس كوننا تشبَّهنا بهم بأولي من كونهم تشبَّهوا بنا.

стр. 104

أما استحباب تركه لمصلحة المخالفة إذا لم يكن في ترکه ضررٌ؛ فظاهر (١)؛ لما تقدم من المخالفة. وهذا قد توجِبُ الشريعةُ مخالفتهم فيه، وقد توجب عليهم مخالفتنا، كما في الزِّيِّ ونحوه، وقد يُقْتَصَر على الاستحباب كما في صَبْغ اللحية والصلاة في النعلين والسحور (٢). وقد تبلغ الكراهة، كما في تأخير المغرب والفطور. بخلاف مشابهتهم فيما كان مأخوذًا عنهم، فإن الأصل فيه التحريم لما قدمناه. فصلٌ (٣) ليُعْلَم أن العيد اسم جنسٍ يدخُل فيه كل يومٍ أو مكان لهم فيه اجتماع، وكلُّ عملٍ يُحْدِثونه في هذه الأمكنة والأزمنة، فليس النهيُ عن خصوص أعيادهم، بل كل ما يُعَظِّمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام، وما يُحْدِثونه فيها من الأعمال يدخل في ذلك. وكذلك حريم العيد، وهو ما قبلَه وما بعدَه من الأيام التي يُحْدِثون فيها أشياء لأجله، أو ما حوله من الأمكنة التي يحدث فيها أشياء لأجله، أو ما يحدث بسبب أعماله من الأعمال حكمُها حكمُه، فلا يُفْعَل شيءٌ من ذلك، فإن بعض الناس قد يمتنع من إحداث أشياء في أيام عيدهم، کيوم الخميس والميلاد، ويقول لعياله: أنا (٤) أصنع لكم

стр. 105

هذا في الأسبوع أو الشهر الآخر، وإنما المحرِّك على وجود ذلك هو وجود عيدهم، ولولا هو لم يقتضوا ذلك، فهذا أيضًا من مقتضيات المشابهة. لكن يُحال الأهلُ على عيدِ الله تعالى ورسوله، ويقضي لهم فيه من الحقوق ما يقطع استشرافَهم إلى غيره، فإن لم يرضوا فلا حول ولا قوَّة إلا بالله! ومن أغضَبَ أهلَه لله أرضاه الله وأرضاهم. وليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك، ففي "الصحيحين" (١) عن أُسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تركتُ بَعْدِي فتنةً أضرَّ على الرِّجالِ من النِّساءِ". وأكثر ما يُفسد المُلْكَ والدولَ طاعةُ النساء، وفي "صحيح البخاري" (٢) عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا (٣) أفْلَحَ قَوْمٌ ولَّوا أَمْرَهُم امْرأة"، ورُوِيَ: "هَلَكَتِ الرِّجالُ حِيْنَ أَطاعَتِ النِّساءَ" (٤). ولما أنشده الأعشى (٥): * وهنَّ شَرُّ غالبٍ لمن غَلَبْ *

стр. 106

جعلَ ﷺ يُردِّدها ويقول: "وَهنَّ شَرُّ غالبٍ لمن غَلَبْ" (١). وقال لأمهات المؤمنين: "إنكنَّ لأنْتُنَّ (٢) صَوَاحِبُ يُوْسُفَ" (٣) يريد: أن النساء من شأنهنَّ مراجعة ذي اللب. وامتنَّ -سبحانه- على زكريا بقوله: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، قال بعض العلماء: ينبغي للرجل أن يبتهل (٤) إلى الله في إصلاح زوجِه. فصلٌ (٥) أعياد (٦) الكفَّار كثيرة مختلفة، وليس على المسلم أن يبحث عنها، ولا يعرفها، بل يكفيه أن يعرف في فعل من الأفعال، أو يوم [من] (٧) الأيام، أو مكان = أنَّ سببَ هذا الفعل، وتعظيمَ هذا المكان أو الزمان من جهتهم، ولو لم يعرف أن سببه من جِهَتهم، فيكفيه أن يعلم أن لا أصل له في دين الإسلام، أقل أحواله أن يكون من البدع (٨).

стр. 107

ونحن نُنَبِّه على ما رأينا كثيرًا من الناس قد وقعوا فيه: فمن ذلك: "الخميس الحقير" الذي في آخر صومهم، يزعمون أنه عيد المائدة، هو عيدهم الأكبر، فجميع ما يحدثه الإنسان فيه هو من المنكرات القبيحة. فمنه: خروج النساء، وتبخير القبور، ووضع الثياب على السطح، وكتابة الورق وإلصاقها بالأبواب، واتخاذه موسمًا (١) لبيع البخور وشرائه، وكذلك شراء البخور في ذلك الوقت إذ (٢) اتُّخِذَ وقتًا للبيع، ورُقي البخور مُطْلقًا فيه وفي غيره، أو قصد شراء البخور المَرْقِيّ، فإن رقي البخور واتخاذ البخور قربانًا هو دين النصارى، وإنما البخور طِيْبٌ يُتطيَّب بدخانه، ويُستحب التبحُّر حيث يُستحب التطيُّب. وكذلك اختصاصه بطبخ رُز بلبن أو بَسِيْسة (٣) أو عدس أو صَبْغِ بيضٍ ونحوه، أما القمار بالبيض أو بيعه لمن يُقامر فيه، وشراؤه من المتقامرين؛ فحكمه ظاهر. ومن ذلك: ما يفعله الأكَّارون (٤) من نَكْت البقر بالنُّقَط الحُمْر، أو الشجر، أو جمع أنواع النباتات والتبرُّك بها، أو الاغتسال بمائها. ومن ذلك: ما قد يفعله النساء من أخذ ورق الزيتون والاغتسال بمائه، أو قصد الاغتسال في شيء من ذلك. ومن ذلك: ترك الوظائف الراتبة من

стр. 108

الصنائع والتجارات، أو حِلَق العلم أو غير ذلك، واتخاذه يوم راحةٍ وفَرَح، واللعب فيه بالخيل أو غيرها على وجهٍ يخالف ما قبله وما بعده من الأيام. والضابط لذلك: أنه لا يُحْدَث فيه أمر (١) أصلًا، بل يُجعل يومًا كسائر الأيام. ومن ذلك: ما يفعله كثير من الناس في أثناء "كانون الثاني" لأربعٍ وعشرين خلت منه، يزعمون أنه ميلاد عيسي ﵇ فجميع ما يحدث فيه هو من المنكرات، مثل: إيقاد النيران، وإحداث طعامٍ، واصطناع شَمْعٍ، وغير ذلك، فإن اتخاذ هذا الميلاد عيدًا هو من دين النصارى، ليس لذلك أصلٌ في دين الإسلام، ولم يكن له أصل على عهد السلف الماضين، وانضمَّ إليه سبب طبيعي، وهو كونه في الشتاء المناسب لإيقاد النيران. ثم إن النصارى تزعم أنه بعد الميلاد بأيام -أظنُّها أحد عشر- عمَّد يحيى لعيسى في ماء المعموديَّة، فيتعمَّدون في هذا الوقت ويسمونه: "عيد الغَطَّاس"، وقد صار كثير من جُهَّال النساء يُدْخِلون أولادهنَّ إلى الحمام في هذا الوقت، ويزعمون أن هذا ينفع الولد، وهذا من دين النصارى، وهو من أقبح المنكرات المحرَّمة. وكذلك أعياد الفُرْس، مثل النيروز والمِهْرَجان، وأعياد اليهود أو غيرهم من أنواع الكفار أو الأعاجم أو الأعراب، حكمها كلها ما ذكرناه من قبلُ.

стр. 109

فصلٌ (١) وكما لا يُتَشَبَّه بهم في الأعياد، فلا يُعَان المسلم المتشبِّه بهم في ذلك، بل يُنهى عن ذلك، فمن صنع دعوةً مخالفة للعادة في أعيادهم لم يُجَب، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفةً للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تُقبل هديتُه، خصوصًا إن كانت الهدية مما يُسْتَعانُ بها على التشبُّه بهم، مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد، والبيض واللبن والغنم في الخميس الذي في آخر صومهم. وكذلك لا يُهدي لأحدٍ من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يُستعان به على التشبُّه بهم كما ذكرنا. ولا يُبايع (٢) المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد من الطعام واللِّباس ونحوه؛ لأنه إعانة على المنكر. أما مبايعتهم ما يستعينون هم به على عيدهم للشراء فيها؛ فقد قدَّمنا أنه قيل لأحمد: هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل: طور بابور (٣) ودير أيوب يشهده المسلمون، يشهدون الأسواق ويجلبون فيه الغنمَ والبقرَ والدقيقَ والبُرَّ، إلا أنه إنما يكون في الأسواق ولا يدخلون عليهم بِيَعهم وإنما يشهدون السوق؟ [قال: إذا لم يدخلوا عليهم بِيَعَهم وإنما يشهدون السوق] (٤) فلا بأس (٥).

стр. 110

وقال أبو الحسن الآمديُّ: فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم؛ فلا بأس بحضوره، نصَّ عليه أحمد في رواية مُهنَّا، قال: إنما يُمنعون أن يدخلوا عليهم بِيَعَهم وكنائِسَهم، وإن قصدوا إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم (١) ، فأما ما يُباع في الأسواق فلا. فهذا الكلام محتمل أنه أجاز شهود السوق مطلقًا بائعًا ومشتريًا؛ لأنه قال: "إذا لم يدخلوا عليهم بِيَعهم وإنما يشهدون السوق فلا بأس"، وهذا يعم لا سيما إن كان الضمير في قوله "يجلبون" عائدًا إلى المسلمين. ويُحْتَمل -وهو أقوى- أنه إنما أرخص في شهود السوق فقط، ورخَّص في الشراء منهم (٢) ولم يتعرَّض للبيع منهم؛ لأن السائل هو مُهنَّا وهو فقيه عالم، وكأنه قد سمعَ النهيَ عن شهود أعيادهم، فسأل أحمد: شهودُ أسواقِهم مثل شهود أعيادهم؟ فأجابه أحمد بالرخصة في شهود السوق، ولم يسأله عن بيع المسلم لهم، إما لظهوره عنده، وإما لعدم الحاجة إليه حينئذٍ. وكلام الآمدي يحتمل الوجهين، لكن الأظهر فيه الرُّخصة في البيع أيضًا، لقوله: "إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بِيَعهم وكنائسهم ... " إلى آخره. فما أشار إليه أحمد من جواز شهود السوق فقط للشرَّاء فيجوز؛
следующие страницы →