تذكير الأخيار
بفضائل المُكث في مكان أداء الصلاة
وقراءة الأذكار
تأليف
عبد الرزاق بن فاضل الربيعي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين أجمعين
стр. 2
كل الحقوق محفوظة
الطبعة الثانية
١٤٤٣ هـ - ٢٠٢٢ م
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال ابن بطال ﵀: فمن كان كثير الذنوب وأراد أن يحطَّها الله عنه بغير تعب؛ فليغتنم ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة، ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجو إجابته، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] " (١).
стр. 4
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله الذي بيده التدبير، ومنه العون والتيسير، وأشهد أن لا إله إلا الله العليُّ الكبير، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، البشيرُ النذير، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الكرماء وأصحابه الرحماء، صلاةً مستمرةَ الدوم، جديدةً على مرِّ الليالي والأيام ....
أما بعد
فهذه الطباعة الثانية من رسالة (تذكير الأخيار بفضائل المكث في مكان أداء الصلاة وقراءة الأذكار) ولا تختلف عن الطبعة الأولى إلا باستدراك يسير في الترتيب، وتعديل في مسألة: زيادة "رب الملائكة والروح" بعد صلاة الوتر، فقد رأيت أن أكتفي بنقل فتوى اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز ﵀، وكذلك كلام الشوكاني ﵀.
والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الخميس/ ١٤ شعبان ١٤٤٣
الذخيرة/ حرسها الله، وسائرَ بلاد المسلمين = آمين.
стр. 5
المقدمة
الحمد لله الذي أمرَ بالذِّكر كثيرًا، أحمده عدد خلقه صغيرًا أو كبيرًا. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وَعَدَ الذاكرين والذاكرات، بالمغفرة وعظيم الحسنات. وأشهد أن محمدًا عبدُه الشكور، ونبيُّه المُشَّفع في يوم النشور، الذاكرُ لربه في العشي والبكور. صلوات الله وسلامه عليه، عدد ما تحرَّكت بالذكر الشفاه، ونطقت به الأفواه.
أما بعد
فإنَّ في قراءة الأذكار بعد الصلاة أجرٌ كبير، وفضلٌ وفير، ومتابعةٌ للبشير النذير، واستجلابٌ لمرضاة العليِّ الكبير؛ ولذلك قال ابن القيم ﵀ في فضل الذكر عمومًا: إن العطاء والفضل الذي رُتِّب عليه لم يُرَتَّبْ على غيره من الأعمال" (١).
بل إنَّ الجلوس وحده فيه فوائد، والذكر مع الجلوس له عوائد، وأيُّ عوائد؛ تستغفر لمن يجلس الملائكة، وتدعو له بالمغفرة والتوبة من الذنوب المهلكة.
وأكثر الناس لا يجلسون بعد الصلاة للأذكار، واعتادوا التَّعجُّل في
стр. 6
الخروج باستمرار، فيتركون الصواب، ويفوتهم الثواب.
فلأجل نيل ذلك الثواب، والحرص على تلك الأسباب، التي توصل إلى مرضاة ربِّ الأرباب، رأيت أن أكتب في هذا الباب، ما يُبَشِّرُ أولي الألباب، ويدعو المُعرِضين إلى العودة والإناب، عن عادة السَّرَعَان (١)، إلى عادة أهل الذكر والاطمئنان.
فجمعتُ من الأدلة والآثار، ما يبين فضل الأدعية والأذكار، التي تقال بعد الصلاة باستمرار، وتجعل أهل الفقر والإعسار، ينافسون أهل السعة واليسار. ونقلتُ بعض الفتاوى المهمة، المتعلقة بالذكر بعد الصلاة للمأمومين والأئمة.
وأرجو لمن قرأها أنْ يُغيِّرَ من نفسه، ويقرأَ منها على جلسائه وبني جنسه، في الدروس واللقاءات، والخطب والمحاضرات، وأن نتواصى بهذا الأمر في المنشورات والتغريدات، والوسائل المتنوعات، لنحظى بالفضائل المذكورة، في السطور المزبورة.
стр. 7
وينبغي لكلِّ عاقل أنْ يحرص على العمل بالفضائل، وأن يكثر من القربات والنوافل، حتى يلتحقَ بركب الأبرار، ويرقى منازل الأخيار، لاسيما وباب الأذكار، أسهل في الأداء، وأعظم في الثواب والجزاء.
ويجدر بكل محب للسنة أنْ لا يُفوِّت العمل بما بلغه من فضائل الأعمال، وكريم الخصال، بل يعمل بقدر ما يستطيع منها، ولا يكون من الذين يهجرونها ويغفلون عنها.
قال النووي ﵀: اعلم: أنه ينبغي لمن بلغه شيءٌ من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرَّة، ليكون من أهله، ولا ينبغي أنْ يتركه مطلقًا، بل يأتي بما يتيسر منه، لقوله ﷺ في الحديث المتَّفَق على صحته (١): "وإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (٢).
وقد سميت هذه الرسالة (تذكير الأخيار بفضائل المكث في مكان أداء الصلاة وقراءة الأذكار)، واحتوت الرسالة على مقدمة، وأربعة فصول، وخاتمة، وفهرست. فأسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين المخبتين، وأن يثبتنا على الحق المبين، و ﷺ على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 8
الفصل الأول الترغيب في ذكر الله والترهيب من الغفلة عنه
وفي هذا الفصل مبحثان:
المبحث الأول الحث على ذكر الله -
وفي هذا المبحث ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الأمر بالإكثار من الذكر
قال الله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة: ٢٠٠].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١].
عن عبد الله بن عباس ﵄، فِي قَوْلِهِ ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾
стр. 9
[الأحزاب: ٤١]. يَقُولُ: لَا يَفْرِضُ عَلَى عِبَادِهِ فَرِيضَةً إِلَّا جَعَلَ لَهَا حَدًّا مَعْلُومًا، ثُمَّ عَذَرَ أَهْلَهَا فِي حَالِ عُذْرٍ غَيْرِ الذِّكْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَلَمْ يَعْذُرْ أَحَدًا فِي تَرْكِهِ إِلَّا مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ، قَالَ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَفِي السَفَرِ وَالْحَضَرِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالسَّقَمِ وَالصِّحَّةِ، وَالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ. وَقَالَ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]. فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ؛ صَلَّى عَلَيْكُمْ هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ، قَالَ اللَّهُ : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] (١).
وقال ابن القيم ﵀: فقيَّد الأمر بالذكر بالكثرة والشدة؛ لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأيُّ لحظةٍ خلا فيها العبد عن ذكر الله كانت عليه لا له، وكان خُسرانه فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله " (٢).
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ". قَالُوا: بَلَى. قَالَ: "ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى" (١).
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال سألتُ النَّبيَّ ﷺ : أيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى اللهِ تعالى؟ قال: "أن تموتَ، ولِسانُك رَطْبٌ مِنْ ذِكرِ اللهِ" (٢).
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا قَطُّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ" (٣). وعند الطبراني: قيل: ولا الجهادُ
стр. 15
في سبيلِ اللهِ؟ قال: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ، إلا أن يضربَ بسَيْفِه حتى ينقطعَ" (١).
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ: أَوْصِنِي. فَقَالَ: سَأَلْتَ عَمَّا سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَبْلِكَ؛ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ؛ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ رَوْحُكَ فِي السَّمَاءِ، وَذِكْرُكَ فِي الْأَرْضِ" (٢).
وقال أبو بكر ﵁: ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ" (٣).
وكان ابن تيمية ﵀ يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك؛ فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء" (٤).
стр. 16
المطلب الثالث: الذكر من صفات الأنبياء الأخيار والصالحين الأبرار
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سأَل موسى ربَّه عن ستِّ خِصالٍ، كان يظُنُّ أنَّها له خالصةٌ والسَّابعةُ لم يكُنْ موسى يُحِبُّها، قال: يا ربِّ أيُّ عبادِك أتقى؟ قال: الَّذي يذكُرُ ولا يَنسى. قال: فأيُّ عبادِك أهدى؟ قال: الَّذي يتَّبِعُ الهُدى. قال: فأيُّ عبادِك أحكَمُ؟ قال: الَّذي يحكُمُ للنَّاسِ كما يحكُمُ لنفسِه. قال: فأيُّ عبادِك أعلَمُ؟ قال: عالمٌ لا يشبَعُ مِنْ العِلمِ؛ يجمَعُ عِلمَ النَّاسِ إلى عِلمِه. قال: فأيُّ عبادِك أعَزُّ؟ قال: الَّذي إذا قدَر غفَر. قال: فأيُّ عبادِك أغنى؟ قال: الَّذي يَرضى بما يُؤتَى. قال: فأيُّ عبادِك أفقَرُ؟ قال: صاحبٌ
стр. 17
منقوصٌ" (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ "ثلاثةٌ لا يرُدُّ اللهُ دعاءَهم: الذاكرُ اللهَ كثيرًا، ودعوةُ المظلومِ، والإمامُ المُقسِطُ" (٢).
стр. 18
المبحث الثاني
الترهيب من الغفلة عن ذكر الله -
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧].
وقال الله : ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٧].
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ
стр. 19
حَسْرَةً" (١).
وفي لفظ عند الترمذي: "مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ".
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ، وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ" (٢).
وعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ورضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ، لَا لَهُ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ" (٣).
وقال ابن عباس ﵄: الشيطانُ جاثِمٌ على قلبِ ابنِ آدمَ؛ فإذا
стр. 20
ذَكَر اللهَ خَنَسَ، وإذا غَفَل وَسْوَسَ" (١).
وقال ابن القيم ﵀: ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا تُرِك الذِّكرُ صَدِئ، فإذا ذُكِرَ جلاه.
وصدأُ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر؛ فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكباً على قلبه، وصداؤه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أَظْلَم، فلم تظهر فيه صور الحقائق كما هي عليه.
فإذا تراكم عليه الصدأ واسْوَدَّ، ورَكِبَهُ الرَّانُ، فسَدَ تصوُّره وإدراكه، فلا يقبل حقاً ولا ينكر باطلاً؛ وهذا أعظم عقوبات القلب.
стр. 21
وأصلُ ذلك من الغفلة، واتباع الهوى، فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] " (١).
стр. 22
الفصل الثاني
الجلوس في مكان الصلاة
إن الجلوس بعد الصلاة في مكان أدائها فيه أجر كبير، وثواب وفير، بشرطين اثنين: أحدهما: اجتناب الحدث الذي ينقض الطهارة، والثاني: البعد عن الأذية باللسان أو باليد لأي أحد، فمن جلس ذلك الجلوس فإن الملائكة تستغفر له بمجرد جلوسه، أمَّا إذا رافق جلوسه ذلك قراءةٌ للأذكار الواردة، فإن فيها فضائل وفوائد زائدة، والأحاديث بها مستفيضةٌ واردة.
وهذا الفصل هو المقصد من تأليف الرسالة، وقد حوى هذا الفصل عدة مباحث:
المبحث الأول
المكث في مكان الصلاة بعد أدائها
وفي هذا المبحث عدة مطالب:
المطلب الأول: فضل المكث في مكان الصلاة بعد أدائها
- عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
стр. 23
"لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُهَا، وَلَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ" (١).
قال المباركفوري، ﵀: قوله: "اللهم اغفر له اللهم ارحمه" بيان لقوله: "تصلي". أي: تقول: اللهم اغفر له … إلخ. والفرق بين المغفرة والرحمة؛ أنَّ المغفرة ستر الذنوب، والرحمة إفاضة الإحسان إليه. "ما لم يحدث" من الإحداث، أي: ما لم يبطل وضوءه. وفي الحديث بيان فضيلة من انتظر الصلاة مطلقًا سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد أو تحول إلى غيره، كذا في عمدة القاري" (٢).
وقال السفاقسي: الحدَث في المسجد خطيئة يُحرَمُ به المُحْدِثُ استغفارَ الملائكة، ولمَّا لم يكن للحدث فيه كفارة ترفع أذاه كما يرفع الدفن أذى النخامة فيه؛ عوقب بحرمان الاستغفار من الملائكة لما آذاهم به من الرائحة الخبيثة (٣).
قال ابن بطال ﵀: فمن كان كثير الذنوب وأراد أن يحطَّها الله عنه بغير تعب؛ فليغتنم ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة، ليستكثر من دعاء
стр. 24
الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجو إجابته، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] " (١).
وقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى قَوْلَهُ: "مَا لَمْ يُحْدِثْ". إِلَّا الْإِحْدَاثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ" (٢).
وقد ذكرَ اللهُ تعالى استغفارَ الملائكة للمؤمنين من حيث العموم، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [سورة غافر: ٧].
قال مُطرِّفُ بن عبد الله: وجدنا أَنْصَحَ عبادِ الله لعبادِ الله الملائكة، ووجدنا أغشَّ عبادِ الله لعبادِ الله الشيطان، وتلا هذه الآية (٣).
وقال يحيى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية: افهموها، فما في العالم جُنَّةٌ أرجى منها، إنَّ مَلَكًا واحدًا لو سأل الله أن يغفرَ لجميعِ المؤمنين لغفر
стр. 25
لهم، كيف وجميعُ الملائكة وحملةُ العرشِ يستغفرون للمؤمنين (١).
وقال خَلَفُ بنُ هشامٍ البزَّارُ القارئُ: كنت أقرأ على سُلَيْمِ بنِ عيسى فلمَّا بلغت: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكى ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله، نائمًا على فراشه والملائكة يستغفرون له" (٢).
المطلب الثاني: الحث على الذكر والمكث في مكان أداء صلاة الصبح
عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ". قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ" (٣).
قال الطيبي ﵀: أي: ثم صلى بعد أن ترتفع الشمس قدر رمح، حتى يخرج وقت الكراهة، وهذه الصلاة تسمى صلاة الإشراق، وهي أول صلاة
стр. 26
الضحى. وقال المباركفوري ﵀ معقبًا على الطيبي: قلت: وقع في حديث معاذ: (حتى يسبح ركعتي الضحى). وكذا وقع في حديث أمامة وعتبة بن عبد (كانت) أي: المثوبة (قال) أي: أنس: قال رسول الله ﷺ : (تامة تامة تامة) صفة لحجة وعمرة، كررها ثلاثًا للتأكيد، وقيل: أعاد القول لئلا يتوهم أن التأكيد بالتمام وتكراره من قول أنس. قال الطيبي: هذا التشبيه من باب إلحاق الناقص بالكامل ترغيبًا أو شبه استيفاء أجر المصلي تامًّا بالنسبة إليه باستيفاء أجر الحاج تامًّا بالنسبة إليه. وأما وصف الحج والعمرة بالتمام إشارة إلى المبالغة، كذا في المرقاة" (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً " (٢).
ـ وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا
стр. 27
صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا" (١).
قال النووي ﵀: قوله: "تطلع الشمس حسَنًا" هو بفتح السين وبالتنوين أي: طلوعا حسَنًا، أي: مرتفعة. وفي لفظٍ لمسلم عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا، كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوِ الْغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ" (٢).
وقال النووي ﵀: اعلم أنَّ أشرف أوقات الذكر في النهار؛ الذكر بعد صلاة الصبح" (٣).
وقال ابن القيم ﵀: حضرت شيخ الاسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إلي وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلاماً قريباً من هذا.
وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر. أو كلاماً هذا معناه" (٤).
стр. 28
مسألة/ هل الجلوس في مكان الصلاة يشمل المسجد كله
سُئل ابن عثيمين ﵀: إذا جلس المصلي بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ثم تنقل من مصلاه، هل يكتب له أجر حج وعمرة؟
فأجاب: إذا جلس الإنسان في مصلاه ينتظر طلوع الشمس، ثم يصلي ركعتين، لكنه قام من مكانه إلى مكان آخر لاستماع الذكر، أو لتنشيط نفسه عن النوم، فلا بأس؛ لأن المصلى واحد. (١).
وقال الحافظ بن حجر ﵀: قوله: "في مصلاه " أي: في المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد، وكأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمِرًّا على نية انتظار الصلاة كان كذلك. (٢).
стр. 29
مسألة/ هل الخروج من المسجد للوضوء يقطع حكم الجلوس
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: من جلس في مصلاه بعد أداء صلاة الفجر يذكر الله حتى طلعت الشمس ثم أحدث فخرج من المسجد ليتوضأ ثم رجع بعد وضوئه لمصلاه من قريب ولم يطل مكثه خارج المسجد فصلى ركعتين بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، فإن خروجه ذلك لا يؤثر ولا يمنع من حصوله على الثواب العظيم المترتب على تلك العبادة إن شاء الله تعالى وهو إدراك حجة وعمرة تامتين والفوز بجنته" (١).
стр. 30
المبحث الثاني
الجلوس في المسجد لانتظار الصلاة الأخرى واستماع العلم
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي صلى الله عليه سلم: "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ " قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" (١).
قال أبو الوليد الباجي ﵀: وأما انتظار الصلاة بعد الصلاة فهو أن يصلي في جماعة ثم يجلس في مصلاه ينتظر الصلاة التي تليها. وقوله ﷺ : "فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" يعني أنه من الرباط المُرَغَّب فيه؛ لأنه قد ربط نفسه على هذا العمل وحبس نفسه عليه، ويحتمل قوله ﷺ :
стр. 31
"فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" التفضيل لهذا الرباط على غيره من الرباط في الثغور، ولذلك قال ﷺ : "فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" يريد أنه أفضل أنواعه، ولذلك يقول القائل: جهاد النفس هو الجهاد، يريد أنه أفضل. ويحتمل أن يريد أنه الرباط الممكن المتيسر. وقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: إن ذلك من ألفاظ الحصر وإنما تكرر قوله: "فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" على معنى التعظيم لشأنه. ويحتمل أن يكون كرر ذلك على عادته ﷺ في تكرار كلامه ثلاثًا إلا أنه لا يخلو في ذلك من فائدة التعظيم والإفهام أو غيرهما (١).
وعن أنس ﵁ قال: نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: "أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ". قَالَ الْحَسَنُ البصري ﵀: وَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الْخَيْرَ" (٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ، أَوْ يُحْدِثَ". قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ؟ قَالَ:
стр. 32
يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ" (١).
قال المباركفوري ﵀: قوله: "لا يزال أحدكم في صلاة" أي: في ثواب صلاة لا في حكمها؛ لأنه يحل له الكلام وغيره مما منع في الصلاة" (٢).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَال: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْرِعًا قَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، وَقَدْ حَسَرَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: "أَبْشِرُوا، هَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي قَدْ قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى" (٣).
قوله: "وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ" في الصحاح: التعقيب في الصلاة: الجلوس بعد أن يقضيها لدعاء أو مسألة، وفي الحديث: "من عقب في الصلاة فهو في الصلاة" (٤).
стр. 33
وقال السيوطي: التعقيب في المساجد: انتظار الصلوات بعد الصلاة" (١).
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلَاةٌ فِي إِثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ" (٢).
قال المباركفوري ﵀: قوله: "صلاة في إثر صلاة" أي: صلاة تتبع صلاة وتتصل بها فرضًا أو سنةً أو نفلًا. "لا لغو بينهما" أي: ليس بينهما كلام باطل، ولا لغط. واللغو: اختلاط الكلام. "كتاب في عليين" أي: مكتوب ومقبول تصعد به الملائكة المقربون إلى عليين لكرامة المؤمن وعمله الصالح. قاله المُناوي" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ كَفَارِسٍ اشْتَدَّ بِهِ فَرَسُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى كَشْحِهِ، تُصَلِّي عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَقُومَ، وَهُوَ
стр. 34
فِي الرِّبَاطِ الْأَكْبَرِ" (١).
فائدة/ قال ابن رجب ﵀: ويدخل في "الجلوس في المساجد بعد الصلوات": الجلوس للذكر والقراءة وسماع العلم وتعليمه ونحو ذلك، لا سيما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس؛ فإن النصوص قد وردت بفضل ذلك، وهو شبيهٌ بمن جلس ينتظر صلاة أخرى، لأنه قد قضى ما جاء المسجد لأجله من الصلاة وجلس ينتظر طاعة أخرى" (٢).
المطلب الثاني: فضل استماع الدروس والمواعظ في المساجد
في بعض المساجد يُلْقِي الإمامُ أو غيرُه درسًا أو موعظة بعد الصلاة، وهذا من نعم الله العظيمة على المتكلم والسامع، فينبغي للمسلم حضورها والحرص عليها، وقد وردت أدلة كثيرة تبيّن فضل الجلوس في هذه
стр. 35
المجالس، وسأكتفي بذكر شيء يسير منها للتذكير بفضلها والحث على ملازمتها، فمن تلك الأدلة:
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي صلى الله عليه سلم قال: "لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ" (١).
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ". قَالَ: "فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا". قَالَ: "فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ - مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ" قَالَ: "فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ ". قَالَ: "فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ، مَا رَأَوْكَ". قَالَ: "فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ ". قَالَ: "يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا". قَالَ: "يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ " قَالَ: "يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ". قَالَ: "يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ ". قَالَ: "يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ يَا
قال العلماء: معناه على جميع الروايات: أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم، إنما مقصودهم حلق الذكر (١).
وقال النووي ﵀: في هذا الحديث فضيلةُ الذكر، وفضيلة مَجَالِسِهِ، والجلوسِ مع أهله، وإن لم يشاركهم، وفضلُ مجالسة الصالحين وبركتهم، والله أعلم (٢).
وعن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ" (٣).
стр. 38
قال السندي ﵀: قوله: "مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا" أراد مسجده، وتخصيصه بالذكر إما لخصوص هذا الحكم به، أو لأنه كان محلا للكلام حينئذ وحكم سائر المساجد كحكمه، قوله: "بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ" وجه مشابهة طلب العلم بالمجاهد في سبيل الله أنه إحياء للدين وإذلال للشيطان وإتعاب النفس وكسر ذرى اللذة، كيف وقد أُبيح له التخلف عن الجهاد فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. قوله: "وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ" أي: ممن لم يأت الصلاة كما تقدم، قوله: "فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ" أي: بمنزلة من دخل السوق لا يبيع ولا يشتري، بل لينظر إلى أمتعة الناس فهل يحصل له بذلك فائدة؟ فكذلك هذا، وفيه: أن مسجده ﷺ سوق العلم فينبغي للناس شراء العلم بالتعلم والتعليم" (١).
المبحث الثالث
فضل محبة المساجد والبقاء فيها
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مكانة المساجد وشرف منزلتها
ـ قال الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ [النور: ٣٦].
قال البغوي ﵀: والبيوت: هي المساجد، قوله: ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال الحسن: أي: تُعظَّم، أي: لا يذكر فيه الخنا من القول. ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال ابن عباس ﵄: يُتلى فيها كتابه. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ أي: يصلي ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ أي: بالغداة والعشي. قال أهل التفسير: أراد به الصلوات المفروضات؛ فالتي تؤدى بالغداة صلاة الصبح، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الأصيل يجمعهما" (١).
ـ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: