قال العلماء: معناه على جميع الروايات: أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم، إنما مقصودهم حلق الذكر (١).
وقال النووي ﵀: في هذا الحديث فضيلةُ الذكر، وفضيلة مَجَالِسِهِ، والجلوسِ مع أهله، وإن لم يشاركهم، وفضلُ مجالسة الصالحين وبركتهم، والله أعلم (٢).
وعن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ" (٣).
стр. 38
قال السندي ﵀: قوله: "مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا" أراد مسجده، وتخصيصه بالذكر إما لخصوص هذا الحكم به، أو لأنه كان محلا للكلام حينئذ وحكم سائر المساجد كحكمه، قوله: "بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ" وجه مشابهة طلب العلم بالمجاهد في سبيل الله أنه إحياء للدين وإذلال للشيطان وإتعاب النفس وكسر ذرى اللذة، كيف وقد أُبيح له التخلف عن الجهاد فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. قوله: "وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ" أي: ممن لم يأت الصلاة كما تقدم، قوله: "فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ" أي: بمنزلة من دخل السوق لا يبيع ولا يشتري، بل لينظر إلى أمتعة الناس فهل يحصل له بذلك فائدة؟ فكذلك هذا، وفيه: أن مسجده ﷺ سوق العلم فينبغي للناس شراء العلم بالتعلم والتعليم" (١).
المبحث الثالث
فضل محبة المساجد والبقاء فيها
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مكانة المساجد وشرف منزلتها
ـ قال الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ [النور: ٣٦].
قال البغوي ﵀: والبيوت: هي المساجد، قوله: ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال الحسن: أي: تُعظَّم، أي: لا يذكر فيه الخنا من القول. ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال ابن عباس ﵄: يُتلى فيها كتابه. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ أي: يصلي ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ أي: بالغداة والعشي. قال أهل التفسير: أراد به الصلوات المفروضات؛ فالتي تؤدى بالغداة صلاة الصبح، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الأصيل يجمعهما" (١).
ـ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
стр. 41
"أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا" (١).
قال النووي ﵀: قوله: "أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا" لأنها بيوت الطاعات، وأساسها على التقوى. وقوله: "وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا" لأنها محل الغش والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه. والمساجد: محل نزول الرحمة، والأسواق ضدها" (٢).
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄، قالَ: المساجدُ بيوتُ اللَّهِ في الأرضِ؛ تضيءُ لأهلِ السَّماءِ، كما تضيءُ نجومُ السَّماءِ لأهلِ الأرضِ" (٣).
المطلب الثاني: فضل محبة المساجد والبقاء فيها
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ؛ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ،
стр. 42
وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ فأَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ" (١).
قال النووي ﵀: قوله: "وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ". معناه: شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود في المسجد" (٢).
ـ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ إِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ لَهُ، كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ" (٣).
قال السندي ﵀: قوله: "ما تَوَطَّنَ" أي: التزم حضورها. "إِلَّا تَبَشْبَشَ" أصله: فرح الصديق بمجيء الصديق، واللطف في المسألة والإقبال، والمراد هاهنا: تلقيه ببره وتقريبه والكرامة" (٤).
وعن معمر، عن صاحب له أن أبا الدرداء ﵁، كتب إلى سلمان ﵁: أن يا أخي اغتنم صحتك وفراغك، قبل أن ينزل بك من البلاء ما لا يستطيع
стр. 43
العباد رده، واغتنم دعوة المبتلى، ويا أخي ليكن المسجد بيتك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنْ كَانَتِ الْمَسَاجِدُ بُيُوتَهُمْ بِالرَّوْحِ وَالرَّحْمَةِ وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ" (١).
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ : رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ " (٢). وعند ابن حبان بلفظ: >ثلاثةٌ كلُّهم ضامنٌ على اللهِ إنْ عاش رُزِق وكُفي وإنْ مات أدخَله اللهُ الجنَّةَ<.
стр. 44
المطلب الثالث: فضل إقامة حلقات القرآن في المسجد والجلوس فيها
إن الذين يجلسون في حلقات التحفيظ مساءً ـ طلابًا ومعلمين ـ يكادون ينفردون بالأجر المذكور في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً" (١). إذ قلَّ أنْ يجلس أحد من بعد صلاة العصر إلى قُبيل المغرب إلا هم. وحلقات التحفيظ عمومًا فيها فضائل كثيرة، وأجور عظيمة، منها ما ورد في الأدلة التالية:
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ؛ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" (٢). قال النووي ﵀:
стр. 45
قيل: المراد بالسكينة هنا: الرحمة، وهو ضعيف؛ لعطف الرحمة عليه، وقيل: الطمأنينة والوقار، وهو أحسن، وفي هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وقوله ﷺ : "وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ؛ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" معناه: من كان عمله ناقصا لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال فينبغي ألا يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء، ويقصر في العمل" (١).
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: "أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ" (٢). قال
стр. 46
العظيم آبادي ﵀: والحاصل: أنه ﷺ أراد ترغيبهم في الباقيات وتزهيدهم عن الفانيات، فذِكْرُه هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى فهم العليل، وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن يُقابَل بمعرفة آية من كتاب الله تعالى أو بثوابها من الدرجات العلى" (١).
وقال ابن عباس ﵄: مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتَذَاكَرُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا أَظَلَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي بِهِ الْعِلْمَ سَهَّلَ اللَّهُ طَرِيقَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" (٢).
стр. 47
الفصل الثالث
الأذكار المشروعة بعد الصلاة وثوابهن
تمهيد
قال النووي ﵀: أجمع العلماء على استحباب الذكر بعد الصلاة، وجاءت فيه أحاديثُ كثيرةٌ صحيحةٌ في أنواعٍ منه متعددةٍ" (١).
عن عُقْبَةَ بن عامر ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ: "ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ" (٢). فكونهم عجبوا من سرعته، فيه دليل على أنه كان ﷺ من عادته أن يجلس بعد الصلاة فيقرأ الأذكار، ولذلك لما عجبوا من سرعته رجع وبيَّن لهم سبب سرعته ـ
فائدة/ قال ابن حجر ﵀: قوله: (يحبسني) أي: يشغلني التفكر فيه عن
стр. 48
التوجه والإقبال على الله تعالى. وفهم منه ابن بطال معنى آخر، فقال فيه: إنَّ تأخير الصدقة تحبس صاحبها يوم القيامة" (١). وفي هذا الفصل عدة مباحث:
المبحث الأول
الأذكار الواردة بعد الصلاة
والأذكار الواردة عن النبي ﷺ بعد الصلاة كثيرة، وتقسيمها تحت المطالب التالية:
المطلب الأول: الاستغفار والدعاء بعده
عنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ". قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الِاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ" (٢).
وَثَلَاثِينَ، فَذَلِكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانِ". قال: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ؟ قَالَ: "يَأْتِي أَحَدَكُمْ - يَعْنِي الشَّيْطَانَ - فِي مَنَامِهِ فَيُنَوِّمُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ، وَيَأْتِيهِ فِي صَلَاتِهِ فَيُذَكِّرُهُ حَاجَةً قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا" (١).
وقوله: "فَذَلِكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ" أي: تلك العشرات الثلاث دبر كل صلاة من الصلوات الخمس "خمسون ومائة" أي: في يوم وليلة حاصلة من ضرب ثلاثين في خمسة، أي: مائة وخمسون حسنة "باللسان" أي: بمقتضى نطقه في العدد "وألف وخمسمائة في الميزان" لأن كل حسنة بعشر أمثالها على أقل مراتب المضاعفة الموعودة في الكتاب والسنة (٢).
стр. 56
المبحث الثاني
مسائل تتعلق بالتسبيح
وهذه المسائل مهمة وتكثر الحاجة إليها، وتم إيرادها في أربعة مطالب:
المطلب الأول: تنويع الأذكار
قال ابن عثيمين بعد أن ذكر صيغ التسبيح: هذه كلها وردت عن النبي ﷺ ، فبأيها جاء الإنسان أداه ذلك، والأحسن إذا كان الإنسان يحفظها جيداً أن يقول هذا مرة وهذا مرة" (١).
وقال أيضًا ﵀: واعلم أن تنوع العبادات والأذكار من نعمة الله على الإنسان؛ وذلك لأنه يحصل بها عدة فوائد، منها: أن تنوع العبادات يؤدي إلى استحضار الإنسان ما يقول من الذكر؛ فإن الإنسان إذا دام على ذكر واحد صار يأتي به بدون أن يحضر قلبه، فإذا تعمد وقصد تنويعها، فإنه بذلك يحصل له حضور القلب. ومن فوائد تنوع العبادات: أن الإنسان قد يختار الأسهل منها والأيسر لسبب من الأسباب، فيكون في ذلك تسهيل عليه. ومنها: أن في كل نوع منها ما ليس في الآخر، فيكون في ذلك
стр. 57
زيادة ثناء على الله " (١).
وفي تنويع الأذكار: عمل بالسنة، وتثبيت للعلم، وتنشيط لمؤديها، ورجاء نيل الثواب الوارد في بعضها دون بعض، وكذلك تفاوت الدعاء فيها.
المطلب الثاني: التسبيح بأنامل اليد اليمنى
سُئلت اللجنة الدائمة: هل الرسول ﷺ كان يسبح الله بيده اليمنى فقط أو باليد اليسرى، في حديث كان النبي ﷺ يسبح بيده، في حديث آخر كان ﷺ يسبح بيمينه هل هذان الحديثان صحيحان أم لا؟
ج: أمر الله تعالى في كتابه بالتسبيح وحثت السنة الثابتة عليه، وبينت فضله مطلقًا ومقيدًا بزمن أو حال، أما كونه باليد أو بأناملها، فقد روى في ذلك الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن يسيرة بنت ياسر ﵂ وكانت من المهاجرات- قالت قال لنا رسول الله ﷺ : "يا نساء المؤمنات عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس ولا تغفلن فتنسين الرحمة واعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات" (٢). وروى
стр. 58
الترمذي من طريق الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح (١)، ورواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح (٢). قال ابن قدامة: (بيمينه). من هذا يتبين للسائل ألفاظ الروايات التي روي بها هذا الحديث، وليس بينها تناف، بل بعضها مجمل وبعضها مبين مفسر، ويشهد لاختيار التسبيح باليمين عموم حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله وفي شأنه كله (٣). رواه أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، والأمر في ذلك واسع، ولا حرج في استعمال أنامل اليدين جميعًا كما هو ظاهر من حديث يسيرة المتقدم، ولكن استعمال أنامل اليد اليمنى في ذلك أفضل لما تقدم. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم" (٤).
стр. 59
المطلب الثالث: جواز التسبيح باليدين وتفضيل اليمين
س: أيهما أفضل: التسبيح باليد اليمنى أم الشمال؟
ج: الأفضل أن يكون ذلك باليمين؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يعقد التسبيح بيمينه، ولعموم حديث عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (١)، ويجوز ذلك باليدين جميعًا لأحاديث وردت في ذلك. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (٢).
وسُئل ابن عثيمين ﵀: ما حكم عقد التسبيح باليسرى مع اليمنى؟ يقولون: أنه لم يثبت عن النبي ﷺ التسبيح باليسرى، فهل هذا صحيح؟
فأجاب الشيخ: نعم، هذا صحيح، لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يسبح باليسرى، وإنما جاء عنه أنه كان يعقد التسبيح بيمينه، ولكن مع هذا لا ينكر على من سبح باليسرى، وإنما يقال: إن السنة الاقتصار على التسبيح باليمنى (٣).
стр. 60
المطلب الرابع: التسبيح بالمسبحة
سُئلت اللجنة الدائمة: التسبيح بعد الصلاة بالمسبحة أو باليد أيهما أفضل؟ وما الذي كان عليه ﷺ ؟
ج: التسبيح باليد أفضل ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه اتخذ لنفسه مسبحة يسبح الله بها فيما نعلم، والخير كل الخير في اتباعه.
وقد سُئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فأجاب بما نصه:
(أما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه ومنهم من لم يكره، وإذا أُحسِنَتْ فيه النية فهو حسن غير مكروه، أما اتخاذه من غير حاجة أو إظهاره للناس، مثل تعليقه في العنق أو جعله كالسوار في اليد أو نحو ذلك - فهذا إما رياءً للناس، أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة؛ فالأول محرم، والثاني أقل أحواله الكراهة، فإن مراءاة الناس في العبادات المختصة كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
стр. 61
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (١).
المطلب الخامس: الشك في عدد التسبيحات
س: أحيانا أشك حين التسبيح في أنني نقصت أو زدت عن ٣٥ مرة فهل هذا جائز؟
ج: إذا شككت في عدد التسبيح مثلًا، فابْنِ على الأقل، فإذا شككت في أنك سبحت ثلاثين أو إحدى وثلاثين فاعتبرها ثلاثين، لأن الأصل العدم حتى يثبت أنك سبحت. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (٢).
стр. 62
المبحث الثالث: الآيات الوارد قراءتها بعد الصلاة
جاء الحث على قراءة بعض الآيات والسور عقب الصلوات، وهي معروفة لدى عامة المسلمين، ولكن هذا تذكير بأدلة قراءتها وثواب المداومة على ذلك، ومَنْ علِمَ الثواب عظمُت نيته، وإذا عظُمت النية عظُم الأجر، وهذا من الفروق بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، والعلم بهذا من الفقه في الدين، وفي حديث معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (١).
وقد وردت آثار فيها قراءة آيات كثيرة، ونكتفي بذكر ما صح من تلك الآثار تحت المطالب التالية:
المطلب الأول: قراءة آية الكرسي وثواب المداومة على ذلك
آية الكرسي/ قال الله : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ
стр. 63
إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
عن أبي أُمامةَ صُدَيِّ بنِ عَجْلان الباهليِّ ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "من قرأ آية الكرسي في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنَعْهُ من دُخُولِ الجنةِ إلَّا أنْ يمُوتَ" (١).
وعن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيّ فِي دُبُرِ الصّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ فِي ذِمّةِ اللّهِ إلَى الصّلَاةِ الْأُخْرَى" (٢).
قال ابن القيم ﵀: وقد رُوي هذا الحديث من طرق إذا نضم بعضها إلى بعض مع تبايُن طرقها واختلافِ مَخَارجها؛ دلَّت على أن الحديث له أصلٌ
وَسَلَّمَ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ" (١).
ويدخل في المعوذات عند الإطلاق سورة الإخلاص، وهذا ما فهمه البخاري ﵀، حيث بوَّب في صحيحه: [باب فضل المعوذات] وأورد في هذا الباب حديثين:
الأول/ عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ" (٢).
الثاني/ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" (٣).
فدل هذا التبويب وإيراد الحديثين على دخول سورة الإخلاص في لفظ المعوذات. بل إن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 73
وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا اشْتَكَى، كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ (١). فقولها هذا يبين أن إطلاق لفظ المعوذات في حديث الرقية السابق يدخل فيه سورة الإخلاص.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: المراد بأنه كان (يقرأ بالمعوذات) أي: السور الثلاث، وذكر سورة الإخلاص معهما تغليبًا لما اشتملت عليه من صفة الرب، وإن لم يصرح فيها بلفظ التعويذ" (٢). فيستفاد استحباب قراءة المعوذتين والإخلاص عقب كل فريضة مرة مرة (٣).
стр. 74
المطلب الرابع: فضل الإخلاص والمعوذتين والانتفاع بقراءتهن
أولًا: فضل سورة الإخلاص
ـ حُبُّها سبب لنيل محبة الله: عَنْ عَائِشَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ ". فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ" (١).
قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون سبب محبة الله له؛ محبته لهذه السورة، ويحتمل أن يكون لما دل عليه كلامه، لأن محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده" (٢).
ـ سبب لدخول الجنة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ