Полный текст (94 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وأحمد بن حنبل يقول فيه: لو قال رجل: إن محمد بن إسحاق
كان حجة لما كان مصيبا (ا) ، ولكنه ثقة.
وقال يعقوب بن شيبة: سالت يحيى بن معين فقلت: كيف
محمد بن إسحاق عندك؟ فقال: ليس هوعندي بذاك، ولم يثبته (٢) ،
وضعفه، ولم يضعفه جدا، فقلت له: ففي نفسك من صدقه شيء؟
قال: لا، كان صدوقا.
فهذه العبارات كيف تنتظم؟ مع أنه في رواة الكتب المعتمدة؟ .
وقال ابن عدي: لو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف
الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء، إلى الاشتغال
بمغازي رسول الله ﷺ ومبعثه ومبتدأ الخلق، لكانت هذه فضيلة
لابن إسحاق سبق بها، ثم بعده صنفها قوم اخرون فلم يبلغوا مبلغ
ابن إسحاق فيها (٣) .
وقد فتشت أحاديثه الكثيرة (٤) ، فلم أجد في أحاديثه ما يتهيا أن
يقطع عليه بالضعف، وربما أخطا أووهم في الشيء بعد الشيء، كما الحواشي
(٢) أي لم يجعله من الأثبات المعروفين بالضبط التام.(٣) جاء في الأصل: (لكانت هذه فضيلة سبق بها ابن إسحاق، بعده صنفها
فقوم اخرون، ولم يبلغوا مبلغ اين إسحاق منها) ٠ انتهى. وأثبتها كما ترى أخذا من
الأصل ومن "الكامل " المطبوع ٦: هـ ٢ ١ ٢، وجاء في تعليق (ف) ص ٢٣ قوله: (في،،،،
الأصل: من بعده ممن صنفها قوم اخرون) . انتهى. وهي قراءة غير دقيقة مخالفة
لما في الأصل.(٤) لفظ (الكثيرة) زيادة على الأصل من "الكامل " الطبوع.стр. 37
يخطىء غيره (ا) ، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة،
وهولا باس به. هذه عبارة ابن عدي فيه. وهذا الاختلاف يوقع
الحيرة (٢) .
وهذا شبابة بن سوار، روى له البخاري ومسلم في (كتابيهما"،
وغيرهما من الأئمة. .
قال فيه أبو حاتم: هو صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال
عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: كان أحمد بن حنبل لا يرضاه. وقيل
ليحيي بن معين: شبابة أحب إليك أم الأسود بن عامر؟ فقال: شبابة،
وقال أيضا: هوصدوق (٣) . وقال ابن سعد (٤) : كان ثقة صالح الأمر في
الحديث، إلا أنه كان مرجئا.
وقد روى عن شبابة هذا: إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، الحواشي
(١) هكذا عبارة "الكامل االطبوع، ووقع في الأصل: (وربما أخطا أو يهم
كمايخطىء غيره) . وهي عبارة محرفة ومبتورة.(٢) هكذا في الأصل، ومعناه: يسبب الحيرة. أويكون سقط لفظ (في) من
الناسخ؟ فتكون العبارة: (يوقع في الحيرة) .(٣) الذي وصفه بلفظ (صدوق) هوزكريا بن يحيى الساجي، كما في
"تهذيب الكمال " للمزي ٢: ٥٧١، و"تهذيب التهذيب " لابن حجر ٤: ٣٠١.
واما يحيى بن معين فنقل عنه جعفربن أبي عثمان الطيالسي وعثمان بن سعيد
الدارمي وصفه له بلفظ (ثقة) ، كما في "تهذيب الكمال ".(٤) وقع في الأصل (ابن سعيد) ، أي بالياء بعد العين، وهوتحريف،
وتابعه واقره (ف) في طبعته ص ٢٤! وصوابه (ابن سعد) ، والنص في "الطبقات "
لابن سعد ٧: ٠ ٣٢، وفي "تهذيب التهذيب، ٤: ١ ٠ ٣.стр. 38
ويحيي بن معين، وأبوخيثمة، وأحمد بن سنان القطان، وخلق سواهم.
فهذا الاختلاف فيه، على ماذا يحمل؟ وعلى قول من يعتمد؟
وكيف يقبل -الجرح (١) -من غير تبيين مايجرح الشخص به؟
ومتى انقطع قبول الجرح من غيرتبيين؟ وما السبب في قبول جرح
،،،،
أولئك الأئمة من غيرتبيين ما يجرح به الشخص، وترك غيرهم (٢) ؟
وهل اختلاف هؤلاء الأئمة مثل اختلاف الفقهاء؟ فإن قيل: نعم،
قيل: ذاك الاختلاف أوجبه الاجتهاد (٣) ، وهذا ليس فيه سوى النقل، فإن
الشخص لا يكون صادقا كاذبا في حالة (٤) .
وجماعة من الرواة يقولون عنهم: ليسوا بشيء، ونجد حديثهم في
"البخاري " و"مسلم! و"غيرهما"، فما معنى قويهم: فلان ليس بشيء؟
وهل لهذه العبارات معنى سوى ظاهرها أم لا؟ وهل قولهم: فلان
حجة، مثل قويهم: هوثقة؟
وهذا شجاع بن الوليد بن قيس السكوني (٥) ، روى عنه أبوهمام الحواشي
(١) لفظ (الجرح) زيادة مني على الأصل لاستقامة العبارة.(٢) جاء في الأصل لفظ (تعيين) واضحا في المواضع الثلاثة، وهومحرف
فيها عن لفظ (تبيين) بالباء، ويعني السائل به: التفسير للجرح، وهو اللائق في هذا
المقام، فلذا أثبته، والله تعالى أعلم.(٣) وقع في الأصل: (قيل: ذاك للاختلاف أوجه الاجتهاد) ، والصواب فيه
كما أثبته، والله تعالى أعلم.(٤) أي حالة واحدة.(٥) أي الكوفي أبو بدر.стр. 39
الوليد بن شجاع، وأحمد بن حنبل، ومسلم بن إبراهيم، ويحيى بن
معين، وأبوعبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن عبد الله بن نمير،
وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، وغيرهم من الأئمة.
قال فيه أبوحاتم: عبد الله بن بكر السهمي (ا) أحب إلي من
شجاع بن الوليد، وهوشيخ ليس بالمتين، لايحتج بحديثه.
وقال أبو بكر المروذي: قلت لأحمد بن حنبل: شجاع بن الوليد
ثقة؟ قال: أرجو أن يكون صدوقا، قد جالس قوما صالحين.
وقال وكيع: سمعت سفيان (٢) يقول: ما بالكوفة أعبد منه.
وقال حنبل بن إسحاق: قال أبوعبد الله: كان شيخا صالحا
صدوقا كتبنا عنه. قال: ولقيه يحيى بن معين يوما، فقال له: يا كذاب!
فقال له الشيخ: إن كنت كاذبا وإلا فهتكك الله.
ونقل عن يحيى بن معين أنه قال فيه أيضا: هو ثقة. وقال
أحمد بن عبد الله (٣) : لا بأس به. - الحواشي
(٢) هو سفيان الثوري.(٣) هو الإمام الحافظ أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي،
المولود سنة ١٨٢، والمتوفى سنة ٢٦١، وهوصاحب كتاب "ثقات العجلي إ، وقد
ذكر فيه (شجاع بن الوليد) ص ٢٥٠ من طبعة، وا: ٤٥٠ من الطبعة ذات
الجزءين، وجاء مصرحا بأنه (العجلي) في "تاريخ بغداد" ٩: ٢٥٠. وغلط الأستاذ
الفريوائي في تعيينه، فقال في ص ٢٦: "هوأبونعيم الأصبهاني صاحب الحلية"стр. 40
فانظر إلى هذا الاختلاف فيه، فقد روى له البخاري ومسلم
والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
فكيف هذا من هؤلاء الأئمة القدوة؟ مع أن الذي رسموه في
الحديث - الصحيح (ا) - هو: نقل العدل الضابط، عن العدل الضابط
إلى رسول الله في. كذا قال ابن الصلاح رحمه اللة تعالى في كتابه:
"علوم الحديث، وغيره (٢) .
وإن كان هذا القيد لا يمشي عند من عرف شرط "الصحيحين أ (٣) .
ولعلكم اجركم الله، تذكرون شرط "الصحيحين "، لتتئم الفائدة الحواشي
(١) لفظ (الصحيح) زيادة مني على الأصل، لاستقامة الكلام.(٢) الذي رسمه ابن الصلاح -وغيره - في تعريف الحديث الصحيح هو:
"الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط، عن العدل الضابط إلى
منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا".(٣) يقصد السائل - والله أعلم - أن هذا الراوي (شجاع بن الوليد
السكوني) مثلا، قال فيه أبوحاتم: لا يحتج بحديثه، وقال أحمد: أرجو أن يكون
صدوقا، وقال ابن معين: كذاب، وقال أيضا: هوثقة، وقال أحمد العجلي: لا باس
ومع هذا أخرج حديثه هؤلاء الأئمة القدوة أصحاب الكتب الستة: البخاري
ومسلم وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
فكيف الجمع والتوفيق بين روايتهم عنه وقد وصف بما تقدم، وشرطهم في
الحديث الصحيح أن يكون راويه عدلا عن عدل. . .؟ فمقتضى هذا أن في رواة
الشيخين في االصحيحين " من ليس عدلا، وهومشكل؟стр. 41
شاء اللة ببركتكم، فبينوا بما عندكم من العلم، نفع اللة بكم المسلمين،
ورزقكم مرافقة الطيبين الطاهرين، امين امين. وصلى الله على محمد
النبي الامي! وعلى اله وأصحابه أجمعين، وسلم
تسليا كثيرا.
الجوا ب
فكتب الشيخ الإمام الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد
العظيم بن عبد القوي بن عبد اللة المنذري الشافعي ﵁ جوابا
عن المسائل المذكورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
-و-صلى الله على محمد وعلى اله وسلم تسليمأ. أما بعد
حمد الله العلي العظيم، والصلاة على خيرخلقه محمد النبي
الكريم (ا) ، وعلى اله وأصحابه وتابعيه الجدراء بالتفضيل والتفخيم.
فقد وقفت على ما أشرتم إليه، أدام الله بكم الانتفاع، وأحسن
عنكم الدفاع، وأجراكم في جميع الأمور على أجمل الأوضاع، ورغبت
إلى اللة أن يعمنا أجمعين (٢) ، ببركات سيد المرسلين،
صلى اللة عليه وسلم وعليهم أجمعين. الحواشي
(٢) لفظ (أجمعين) هنا ثابت في الأصل بين، وسقط من طبعة (ف) ص ٢٧!стр. 42
وها أنا أذكر (ا) بين يدي ذلك ما يكون جوابا عن بعضها، وتمهيدا
لبعضها، راغبا إلى الله ﷻ في التوفيق في القول والعمل،
ومستعيذا به من الخطا والزلل، إنه ماشاء فعل.
(مراتب ألفاظ الجرح والتعديل عند ابن أبي حاتم)
أخبرنا الحافظ أبو محمد القاسم بن الحافظ أبي القاسم علي بن
الحسن الدمشقى (٢) ، في كتابه إلى منها. الحواشي
(٢) هو الحافظ المحدث الفاضل بهاء الدين أبومحمد القاسم بن علي بن
الحسن بن عساكر الدمشقي، ابن الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر الدمشقي،
ولد سنة ٥٢٧، ومات سنة ٦٠٠، نسخ بخطه تاريخ أبيه "تاريخ مدينة دمشق "،
وله من المؤلفات "فضل المدينة"، و"الجامع المستقص في فضائل الأقصى "،
و"الجهاد"، وغير ذلك.стр. 43
قال أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد (ا) ، في
كتابه إلف من ثغر الاسكندرية
قال: أخبرنا أبو مكتوم عيسى بن الحافظ أبي ذر عبد بن أحمد
الهروفي إذنا (٢) .
قال: أنبانا أبي (٣) ،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحواشي
(١) هو الحافظ العلامة شيخ الإسلام عماد الدين أبوطاهر أحمد بن محمد
السلفي الأصبهاني ثم الإسكندري، ولد سنة ٤٧٢، ومات سنة ٥٧٦، المحدث
الجوال، وأحد من شدت اليه الرحال، وتبرك به الملوك والأقيال، مات وله مئة
وأربع سنين من العمر، وحدث ليلة موته، له ثلاثة معاجم: "معجم لمشيخة
أصبهان "، و"معجم لمشيخة بغداد"، ومعجم لباقي البلاد سماه "معجم السفر"
وغيرها من المؤلفات.(٢) هو أبو مكتوم عيسى بن الحاقظ أبي ذر عبد بن أحمد الهروي ثم
السروي الحجازي، ولد سنة٤١٥ بسراة بني شبابة، وروى عن أبيه صحيح
البخاري، وعن أبي عبد الله الضنعاني جملة من تاليف عبد الرزإق، ومات سنة
٤٩٧، كذا في "شذرات الذهب " لابن العماد ٣: ٦ ٠ ٤.
ووقع فيه (ابن الحافظ أبي ذر عبد الرحمن بن أحمد الهروي) ، وإقحام لفظ
(الرحمن) هنا خطا وغلط، كما وقع اقحام لفظ الجلالة بعد (عبد) في سلسلة
الإسناد اليه في أول "فتح الباري " ا: ٦ في الطبعة البولاقية وما بعدها، وهوخطا
محض، ووقع مثله في "البداية والنهاية" لابن كثير ١٢: ٥٥، وغيرها من الكتب.(٣) هو الإمام العلامة الحافظ عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن
غفيرالهروي، ابن السماك، الأنصاري الفقيه المالكي، ولد في هراة نحو سنة
٣٥٥، ومات بمكة سنة ٤٣٤، أخذ عن علماء بلده هراة، ثم جال في البلدان ثم
جاور بمكة، وتزوج في العرب وسكن السروات، أخذ عنه ولده أبومكتوم عيسى
وخلائق لا يحصون، وبالإجازة أبو بكر الخطيب وأبوعمر بن عبد البر.стр. 44
قال: أنبانا أبوعلي حمد بن عبد الله الأصبهاني (١) .
قال: أنبانا الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن
إدريس الحنظلي (٢) ، قال (٣) : الحواشي
(٢) هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وهو معروف،
صاحب كتاب "الجرح والتعديل " وغيره، ولد سنة ٠ ٤ ٢، ومات سنة ٣٢٧ ﵀
تعالى.(٣) في كتابه "الجرح والتعديل " ١ / ١: ٣٧، في (باب بيان درجات رواة
الاثار) . وقد أشار الإمام ابن أبي حاتم إلى السبب الداعي إلى تصنيف هذه
المراتب من الجرح والتعديل، في أول كتابه "تقدمة الجرح والتعديل"
ص ٢ - ٣، ٥ - ٧، فقال رحمه الله تعالى:
"فإن قيل: فبماذا تعرف الاثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل بنقد العلماء
الجهابذة، الذين خصهم الله بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة في كل
دهر وزمان، قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها
الجهابذة. =стр. 45
وجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى.
(مراتب التعديل)
١- فإذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو: متقن ثبت، فهو ممن يحتج
بحديثه.
٢ - وإذا قيل: إنه صدوق، أو: محله الصدق، أو: لا باس به،
فهوممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية (١) .
فلما لم نجد سبيلا إلى معرفة شيء من معاني كتاب اللة، ولامن سنن
رسول الله صليالله عليه وسلم إلا من جهة النقل، وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم
وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب
واختراع الأحاديث الكاذبة - فكانوا على أربع مراتب -:
ا - ويعرف من كان منهم عدلا في نفسه، من أهل الثبت في الحديث
والحفظ له والإتقان فيه، فهؤلاء هم أهل العدالة.
٢ - ومنهم الصدوق في روايته، الورع في دينه، الثبت الذي يهم أحيانا،
وقد قبله الجهابذة النقاد، فهذا يحتج بحديثه أيضا.
٣ - ومنهم الصدوق الورع المغفل، الغالب عليه الوهم والخطأ والسهو
والغلط، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والاداب، ولا يحتج
بحديثه في الحلال والحرام.
٤ - ومنهم من قد ألصق نفسه بهم، ودنسها بينهم، ممن قد ظهر للنقاد
العلماء بالرجال منه الكذب، فهذا يترك حديثه، وتطرح روايته، ويسقط ولا يشتغل
به ". انتهى باختصار مع تصويب (منهم الكذب) إلى (منه الكذب) . الحواشي
(١) (ا) قال عبد الفتاح: تعرض الحافظ ابن أبي حاتم إلى (الصدوق غير كثير
الغلط) في ثلاثة مواضع، في موضعين من "تقدمة الجرح والتعديل "، وقرر فيهما =стр. 46
...........................................................
الحواشي
(١) = أنه (يحتج به) ، وفي موضع من "الجرح والتعديل "، وقرر فيه أنه (يكتب حديثه
وينظر فيه) ، ولا تنافي في كلامه بين هذه المواضع الثلاثة، كما ياتي بيانه:
قال في الموضع الأول في ص ٦، بعدما عنون بلفظ (طبقات الرواة) : "ثم احتيج الى
تبيين طبقاتهم، ومقادير حالاتهم، وتباين درجاتهم، ليعرف من كان منهم في منزلة
الانتقاد والجهبذة والتنقير والبحث عن الرجال والمعرفة بهم، وهؤلاء هم أهل التزكية
والتعديل والجرح.
ا - ويعرف من كان منهم عدلا في نفسه، من أهل الثبت في الحديث
والحفظ له والإتقان فيه، فهؤلاء هم أهل العدالة.
٢ - ومنهم الصدوق في روايته، الورع في دينه، الثبت الذي يهم أحيانا،
وقد قبله الجهابذة النقاد، فهذا يحتج بحديثه أيضا.
٣ - ومنهم الصدوق الورع المغفل، الغالب عليه الوهم والخطا والسهو
والغلط، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والاداب، ولا يحتج
بحديثه في الحلال والحرام.
٤ - ومنهم من قد ألصق نفسه بهم، ودلسها بينهم، ممن قد ظهر للنقاد
العلماء بالرجال، منه الكذب، فهذا يترك حديثه، وتطرح روايته، ويسقط ولا يشتغل
به ". انتهى مع تصوب (منهم الكذب) الى (منه) هنا وفي النص التالي.
ثم قال في الموضع الثاني ص ٩، بعدما عنون بلفظ (أتباع التابعين) :
"وهم خلف الأخيار، وأعلام الأمصار، في دين الله عزوجل ونقل سنن رسول الله
ﷺ وحفظه واتقانه، والعلماء بالحلال والحرام، والفقهاء في
أحكام الله وفروضه، وأمره ونهيه، فكانوا على مراتب أربع:
١ - فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث، فهذا الذي
لا يختلف فيه، ويعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال.
٢ - ومنهم العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في
دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه، فذلك العدل الذي يحتج بحديثه ويوثق في نفسه.стр. 47
..................................................................
الحواشي
(١) =
٣ - ومنهم الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانا، وقد قبله الجهابذة
النقاد، فهذا يحتج بحديثه.
٤ - ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط
والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والأداب، ولا يحتج
بحديثه في الحلال والحرام.
٥ - وخامس قد ألصق نفسه بهم، ودلسها بينهم، ممن ليس من أهل الصدق
والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولي المعرفة، منه الكذب، فهذا
يترك حديثه، وتطرح روايته ". انتهى. فقد حكم فى الموضعين بأن (الصدوق غير
كثير الغلط يحتج بحديثه) .
وأما عبارته في الموضع الثالث ففي "الجرح والتعديل " ١ / ١: ٣٧، في (باب
بيان درجات رواة الأثار) ، وهي لا تعارض هذا الذي صرح به مرتين، بل جاءت
مسكوتا فيها عن (يحتج به) او (لايحتج به) ، وهي في الواقع تتلاقى -بشيء من
التوضيح - مع قوله في الموضعين السابقين: (يحتج به) ، وهذا نصها، قال
رحمه الله تعالى:
"وجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى - هي في كلامه الأتي
أربع مراتب -:
١ - فاذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو متقن ثبت، فهو ممن يحتج بحديثه.
٢ - واذا قيل: إنه صدوق، أومحله الصدق، أو لا بأس به، فهو ممن يكتب
حديثه وينظر فيه. وهي المنزلة الثانية.
٣ - واذا قيل: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه، إلأ أنه
دون الثانية.
٤ - واذا قيل: صالح الحديث، فهو ممن يكتب حديثة للاعتبار". انتهى
كلام ابن أبي حاتم.
فهو قد قرر أن من كان من المرتبة الأولى (ثقة، متقن، ثبث) : يحتج =стр. 48
٣ - وإذا قيل: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر
فيه، إلا أنه دون الثانية.
٤ - وإذا قيل: صالح الحديث، فإنه يكتب حديثه للاعتبار.
الحواشي
(١) = بحديثه. ومن كان من المرتبة الثانية (صدوق، أو محلة الصدق. . .) : (يكتب حديثة
وينظرفيه) .
وقوله هنا في (الصدوق) : (يكتب حديثه وينظر فيه) ، أي ليعرف أهو كثير
الخطأ فلا يحتج بحديثه، أم قليل الخطأ فيحتج بحديثه، كما قرره وصرح به في
التقسيم السابق لمن ذكره فيه في المرتبة الثالثة في الموضعين، إذ قال: الصدوق
الذي يهم أحيانا يحتج بحديثه ". وقال في الرابعة فيهما: "الصدوق المغفل الغالب
عليه الخطأ لا يحتج بحديثه ". فلا تنافي بين كلاميه بل تلاق وتوافق.
ومن هذا تبين أن ابن أبي حاتم يقرر أن (الصدوق) إذا كان قليل الخطأ
يحتج به، وإذا كان كثير الخطأ لا يحتج به، وهوحكم عدل، وقول فصل،
لا يصح النزاع فيه. وقد انتهيت من عشرين سنة الى نحو هذا الحكم في
(الصدوق) ، الذي استخرجته الان من الجمع بين أقوال ابن أبي حاتم، فيما علقته
على "قواعد في علوم الحديث " للتهانوي، وأسهبت في نقل عبارات المحدثين
المؤيدة لذلك، فانظر منه ص ٢٤٤- ٢٤٨.
ومن الغريب أن كل من وقفت على نقله كلام ابن أبي حاتم في الجرح
والتعديل، رأيته نقل كلامه في الموضع الثالث، ولم ينتبه أويتعرض إلى كلامه في
الموضع الأول والثانى، وبالله التوفيق.
هذا، وللأخ الفاضل الدكتور أحمد نور سيف بحث واسع جيد في بيان مرتبة
(الصدوق) الذي جاء في كلام ابن أبي حاتم، نشره في (مجلة البحث العلمي
والتراث الإسلامي) ، الصادرة عن مركز البحث العلمي في جامعة الملك عبد العزيز
بمكة المكرمة، في العدد الثانى لعام١٣٩٩ ص ٥٣ - ٦٢، ينبغي الوقوف عليه
لأهميته.стр. 49
(مراتب الجرح)
ا - وإذا أجابوا في الرجل بلين الحديث، فهو ممن يكتب حديثه
وينظر فيه اعتبارا.
٢ - وإذا قالوا: ليس بقوي، فهو بمنزلة الأول في كتبة حديثه (١) ،
إلا أنه دونه.
٣ -واذا قالوا: ضعيف الحديث، فهو دون الثاني، لا يطرح
حديثه بل يعتبر به.
٤ - لاذا قالوا: متروك الحديث، أو: ذاهب الحديث، أو:
كذاب، فهو ساقط الحديث، لا يكتب حديثه، وهي المنزلة الرابعة.
هذا ما ذكره ابن أبي حاتم مما وجده من عباراتهم (٢) . الحواشي
(٢) وقع في الأصل مرسوما: (عن ماوجده) ، ووقع في طبعة (ف)
ص ٣٠، (عندما وجده) ، وكلاهما تحريف عما أثبته.
هذا، ونقل هذه المراتب عن ابن أبي حاتم الحافظ الخطيب البغدادي في
"الكفاية" ص ٢٣، في (معرفة ما يستعمل أصحاب الحديث من العبارات) ،
ولم يضف إليها شيئا، وقال قبل ذكرها: "فاما أقسام العبارات بالإخبار عن أحوال
الرواة، فارفعها أن يقال: حجة أوثقة، وأدونها أن يقال: كذاب أو ساقط ". انتهى.
فوافقه في الدرجة الأولى تعديلا، وفي الدرجة الرابعة جرحا.
وكذلك نقلها الحافظ ابن الصلاح في "معرفة أنواع علم الحديث " ص ١٣٣،
في النوع ٢٣، (معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد) ، ولكنه أضاف إليها بعض =стр. 50
. .. . . . . .. . . . . . .. . .. . ... . .. . . . .. . . . . . .. . . .. . .
الحواشي
(١) = الألفاظ في بعض المراتب، فقال: "المسالة الخامسة عشرة في بيان الألفاظ
المستعملة من أهل هذا الشان في الجرح والتعديل، وقد رتبها أبومحمد
عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، في كتابه في الجرح والتعديل، فاجاد وأحسن،
ونحن نرتبها كذلك، ونورد ما ذكره، ونضيف إليه ما بلغنا في ذلك عن غيره إن شاء
الله تعالى".
ثم ذكر ابن الصلاح في ختام المسالة -مما لم يذكره ابن أبي حاتم وغيره
من الألفاظ المستعملة في هذا الباب - جملة وافرة، أكثر مما نقله عن ابن
أبي حاتم.
وتابع الحافظ الذهبى في مقدمة "الميزان ": التقسيم الرباعي في مراتب
التعديل، ولكنه أضاف إليها صيغة أرفع تعديلا من التي ذكروها، فتردد الحافظ
العراقي في اعتبارها مرتبة تسبق المراتب الأربع التي ذكروها، أو هى أرفع ألفاظ
المرتبة الأولى من المراتب الأربع، فقال في "شرح الألفية" ٢: ٣ "مراتب التعديل
على أربع أوخمس طبقات "، وحكى في خلالها صيغة الحافظ الذهبي.
وقرر الحافظ الذهبى مراتب الجرح خمسا، فزاد على سابقيه مرتبة، وتابعه
الحافظ العراقي فقال: ٢: ١٠ "مراتب التجريح على خمس مراتب ".
وأما الحافظ ابن حجر فلم يذكر في "نخبة الفكر" وشرحها مراتب معددة
لألفاظ الجرح والتعديل، وإنما قال في (الخاتمة) ص ١٣٤ بحاشية "لقط الدرر":
"ومن الأهم معرفة مراتب الجرح، وأسوأها: الوصف بأفعل، كأكذب الناس. ..،
وأسهلها لين أو سيء الحفظ أو فيه مقال، وبين أسوأ الجرح وأسهله مراتب
لا تخفى.
ومن الأهم معرفة مراتب التعديل، وأرفعها الوصف بأفعل، كاوثق
الناس. . .، وأدناها ما أشعر بالقرب من أسهل التجريح كشيخ. . . ". انتهى.
وأما المراتب الاثنتا عشرة، التي ذكرها الحافظ ابن حجر في أول كتابه =стр. 51
....................................................
الحواشي
(١) = "تقريب التهذيب "، فهى خاصه بالكتاب نفسه، واصطلاح له فيه وليست عامه
لمراتب الجرح والتعديل مطلقا في كتب المحدثين، كما ألمعت الى ذلك فيما علقته
على "الرفع والتكميل " ص ١٨٣ - ١٨٤ من الطبعة الثالثة، وكما شرحه وبسطه
بالاستدلال والشواهد تلميذي الأستاذ الشيخ محمد عوامة، في (دراسته) التي قدم
بها للطبعة التي حققها من "تقريب التهذيب " ص ٢٣ - ٣١، فجزاه الله خيرا ونفع به
وسها الحافظ السيوطي في "تدريب الراوي " ص ٢٩ ٢ وا: ٣٤٢فجعل
مراتب "التقريب " مراتب عامة لا خاصة بكتاب "تقريب التهذيب " فقط، فقال رحمه
الله تعالى: "فالفاظ التعديل مراتب، ذكرها المصنف - النووى - كابن الصلاح تبعا
لابن أبي حاتم: أربعة، وجعلها الذهبي والعراقي خمسة، وشيخ الإسلام
-ابن حجر_ سته، اعلاها ... ". انتهى.
وقد قدمت أن الحافظ ابن حجر لم يعدد المراتب في "النخبة" وشرحها،
وانما عددها فى " التقريب "، فالمعنى فى كلام السيوطى: المراتب الست التى
ذكرها الحافظ ابن حجر في "التقريب "، فوهم السيوطي رحمه الله تعالى فى هذا،
إذ جعلها عامة.
ثم جاء الحافظ السخاوي في "فتح المغيث " ا: ٣٦١، وتبعه العلامه محمد
اكرم السندى فى شرح النخبة، المسمى: " امعان النظر فى شرح شرح نخبة
الفكر" ص ٢٥٦، فجعلا لكل من الجرح والتعديل ست مراتب، واستقر الأمر على
هذا الترتيب.
وتجد الألفاظ التي ذكروها في المراتب كلها، من عند ابن أبي حاتم إلى
السخاوي والسندي مشروحة مفصلة على أتم وجه، في كتاب "الرفع والتكميل "
وما علقته عليه، وقد اضفت اليها الفاظ كثيره جمعتها من كتب الرجال، ادخلتها فى
مراتبها الملائمة لها، وبلغ ذلك كله من "الرفع والتكميل " ٥٧صفحة، من
ص ١٢٩ - ١٨٦ من الطبعة الثالثة، فانظره ففيه فوائد فريدة إن شاء الله تعالى.стр. 52
(الثقة دون الحجة)
وقول يحيى بن معين في محمد بن إسحاق: ثقة وليس بحجة،
يشبه أن يكون هذا رأيه في أن الثقة دون الحجة، وهوخلاف المحكي
عنهم في ذلك (١) . الحواشي
(١) (ا) قلت: عبارات المحدثين النقاد التي نراها في كتب الرجال، تشهد بأن
(الحجة) فوق (الثقة) ، من حيث التوثيق به، ومن حيث وصفهم للحفاظ الكبار بلفظ
(الحجة) . وكذلك التداول العام للفظ (الحجة) يدل على أنه فوق (الثقة) . وسأورد
من كلامهم بعض النصوص والشواهد على ذلك.
فقول الحافظ المنذري رحمه الله تعالى هنا: (يشبه أن يكون رأي ابن معين
أن الثقة دون الحجة، وهوخلاف المحكى عنهم في ذلك) : غريب لم أقف على
ما يؤيده، بل الذي وقفت عليه خلافه، والله أعلم.
وأورد عن ابن معين رحمه الله تعالى تفسير ما يعنيه بالحجة، ثم أورد بعض
نصوص المحدثين وعباراتهم، الدالة على أن (الحجة) فوق (الثقة) ، مما حضرني
الأن. ففي "تهذيب التهذيب " ٩: ٤٤، في ترجمة (محمد بن إسحاق المدني) ،
الذي هوموضوع المسألة: "قال ابن معين: محمد بن إسحاق ثقة وليس بحجة. قال
أبوزرعة الدمشقي: قلت لابن معين وذكرت له: الحجة محمد بن إسحاق، فقال:
كان ثقة، إنما الحجة مالك وعبيد الله بن عمر". انتهى.
وبهذا يتبين المعنى بالحجة عند ابن معين، وهومحل اتفاق أن يوصف
بما فوق الثقة، وما أظن أحدا يخالف ابن معين في ترفيع (مالك) و (عبيد الله بن
عمر) على (محمد بن إسحاق) ٠ أما النصوص والعبارات الدالة على ذلك فاليك:
ا - قال الحافظ الذهبي في "تذكرة الحفاظ " ٣: ٩٧٩، في ترجمة (المفيد
محدث جرجرايا أبي بكر محمد بن أحمد) : "الحافظ أعلى من المفيد في العرف،
كما أن الحجة فوق الثقة". انتهى. والذهبي -كما قال الحافظ ابن حجر فيه - من =стр. 53
..................................................................
الحواشي
(١) = أهل الاستقراء التام في نقد الرجال. فكلامه كلام جهبذ نقاد مطلع مشهود له
بالاستقراء التام.
٢ - في "تهذيب التهذيب " ٩: ١١٨، في ترجمة (محمد بن الحسن
الأسدي) : "قال ابن شاهين في "الثقات ": قال عثمان بن أبي شيبة: هوثقة
صدوق، قيل: هو حجة، قال: أما حجة فلا".
٣- في (تهذيب التهذيب) ١: ٤٠، في ترجمة (أحمد بن صالح
المصري) : "قال يعقوب بن سفيان الفسوى: كتبت عن ألف شيخ وكسر، كلهم
ثقات، ما أحد منهم أتخذه عند الله حجة إلا أحمد بن صالح بمصر، وأحمد بن
حنبل بالعراق ".
٤ - وجاء في (سؤالات أبي عبد الرحمن السلمي للدارقطني ص ١٨٥،
قول الدارقطني: "حدثنا أبو طالب الحافظ -احمد بن نصر البغدادي -، ثنا
أبوداود، قال: سمعت عباسا العنبرى يقول: ثلاثة جعلتهم حجة بيني وبين الله
: أحمد بن حنبل، وزيد بن المبارك الصنعاني، وصدقة المروزي ".
٥ - في "تهذيب التهذيب " ١٠: ٨، في ترجمة (مالك بن أنس) الإمام
المتبوع: "قال ابن سعد: مالك كان ثقة مأمونا ثبتا ورعا فقيها عالما حجة. وقال
حرملة عن الشافعي: مالك حجة الله تعالى على خلقه بعد التابعين ".
٦- وفي "تهذيب التهذيب " ٧: ٣٩ و ٠ ٤، في ترجمة (عبيد الله بن عمر
العمري) : "قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث حجة، قال جعفر الطيالسي:
سمعت يحيى بن معين يقول: عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، الذهب
المشبك بالدر، فقلت: هو أحب إليك أو الزهرى، عن عروة، عن عائشة، قال: هو
أحب إلى ". انتهى. ففضله على الزهري.
٧ - وقال الحافظ الخطيب البغدادي في "الكفاية" ص ٢٢، "أرفع العبارات
أن يقال: حجة، أو ثقة". انتهى. فبدأ بالأقوى والأعلى كما هو الواضح من
المقام. =стр. 54
....................................................
الحواشي
(١) ٨ " وقال الحافظ السخاوي في "فتح المغيث، ١: ٣٦٤ -وتابعه السندي
في "إمعان النظر" ص ٢٦١ -: "كلام أبي داود يقتضي أن الحجة أقوى من الثقة،
وذلك أن الأجرى سأله عن سليمان بن بنت شرحبيل، فقال: ثقة يخطىء كما
يخطىء الناس، قال الأجرى: فقلت: هوحجة، قال: الحجة أحمد بن حنبل.
وكذا قال عثمان بن أبي شيبة في أحمد بن عبد الله بن يونس: ثقة وليس
بحجة، وقال ابن معين في محمد بن إسحاق: ثقة وليس بحجة، وفي أبي أويس:
صدوق وليس بحجة، وكأن لهذه النكتة قدمها الخطيب حيث قال: أرفع العبارات
أن يقال: حجة أوثقة". انتهى كلام السخاوي.
ونظرت في الجزء الأول والثانى من "تذكرة الحفاظ " للذهبي نظرة عجلى،
فوجدته وصف غير واحد من الحفاظ الكبار بصفة (الحجة) ، في بيان مقام رفعة
طبقته وإمامته في الحديث، وساق هذا الوصف مساقا يشعر السياق فيه أنه أعلى رتبة
من (الثقة) . وقد بلغ عدد من وصفهم بالحجة في الجزءين ٥٣ محدثا، من أصل
٧٧١. وأورد هنا بعض النصوص من كلام الذهبي كنماذج، ثم أشير إلى مواضع
البقية في "تذكرة الحفاظ ".
ا: ١٢٥ "ثابت بن أسلم البنانى البصري، الإمام الحجة القدوة".
ا: ١٤٢ "منصور بن المعتمر الكوفي، الإمام الحافظ الحجة أحد الأعلام ".
ا: ١٤٤ "هشام بن عروة بن الزبير، الإمام الحافظ الحجة المدنى الفقيه ".
ا: ١٤٥ "يونس بن عبيد العبدي البصري، الإمام القدوة الحجة الحافظ ".
ا: ١٦١ "عقيل بن خالد بن عقيل الأموي الأيلي، الحافظ الحجة".
ا: ١٦٢ "الزبيدي الحافظ الحجة المتقن، محمد بن الوليد".
ا: ١٦٤ "هشام الدستوائي البصري التاجر، الحافظ الحجة".
ا: ١٧٤ "الحسين بن ذكوان البصري المعلم، الحافظ الحجة أحد الثقات ".
ا: ١٩٠ "معمر بن راشد البصري، الإمام الحجة أحد الأعلام ".
ا: ١٩٣ "شعبة بن الحجاج، الحجة الحافظ شيخ الإسلام ". =стр. 55
...................................................................................................
الحواشي
(١) ا: ٢١٥ "زائدة بن قدامة الكوفي، الإمام الحجة".
ا: ٢١٨ "شيبان بن عبد الرحمن التميمي، الإمام الحافظ الحجة".
ا: ٢٢١ "شعيب بن أبي جمرة الحمصي، الإمام الحجة المتقن ".
ا: ٢٣٠ "ورقاء بن عمر الكوفي، الإمام الحجة شيخ السنة".
ا: ٢٣٣ "زهير بن معاوية الكوفي أبو خيثمة الحافظ الحجة".
ا: ٢٥١ "المفضل بن فضالة، الإمام الحجة القدوة قاضي مصر".
ا: ٢٧١ "جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، الحافظ الحجة".
ا: ٢٧٣ "أبو إسحاق الفزاري، الإمام الحجة شيخ الإسلام ".
ا: ٢٩٢ "عمر بن علي بن عطاء البصري، الإمام الحجة".
ا: ٣٤٤ "عبد الصمد بن عبد الوارث البصري، الحافظ الحجة،.
ا: ٤٠٣ "حجاج بن منهال البصري، الحافظ الحجة".
٢: ٤١٦ "سعيد بن منصور المروزي، الحافظ الإمام الحجة".
٢: ٤٢١ "مسدد بن مسرهد، الحافظ الحجة".
٢: ٤٣١ "أحمد بن حنبل شيخ الإسلام، الحافظ الحجة".
٢: ٤٤٧ "محمد بن المنهال البصري الضرير، الحافظ الحجة".
وهذه أرقام باقي المواضع من الجزء الثاني، لمن وصفوا بالحجة: ٢: ٤٦٠،
٤٧٢، ٤٨١، ٤٨٩، ٤٩٠، ٤٩٤، ٥٠٨، ٥١٢، ٥١٥، ٥١٧، ٥٢١، ٥٤٤، ٥٥١، ٥٦٤، ٥٧٣، ٥٨٢، ٨٥٣، ٥٨٨، ٥٩٦، ٦٠٥، ٦٢١، ٦٢٣، ٦٦٣، ٦٦٥، ٦٦٩، ٧٢٥، ٧٦٦.
ثم إن القاعدة في الكلام تقديم أدنى الأوصاف على أعلاها في الإثبات، فتقول: عالم
إمام، وتقديم أعلى الأوصاف على أدناها في النفي، فتقول: ليس بامام ولا عالم، لأنك
إذا قدمت الأعلى في الإثبات ثم أردفته بالأدنى كان تكرارا ولغوا، لحصول الأدنى بالأعلى،
اذا قدمت الأعلى في النفي ثم أتبعته الأدنى كان أبلغ ولا تقع في التكرار.
ثم من حيث التداول العام للفظ (الحجة) ، فانه يفيد أنه فوق (الثقة) ، فلذا =стр. 56
(بيان الدارقطني المراد من قوله:
لين أوكثير الخطأ)
وأخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر البغدادي (ا) ، قراءة
عليه وأنا أسمع بدمشق، قال: أخبرنا الوزير الأجل أبو القاسم علي بن
الحواشي
(١) = يقولون في وصف العالم الكبير: حجة الإسلام، ولا يقولون: ثقة الإسلام، ففي
ترجمة (مسلم بن الحجاج القشيري) في "تذكرة الحفاظ " ٢: ٥٨٨"الإمام الحافظ
حجة الإسلام " واشتهر وصف الإمام الغزالي بانه حجة الإسلام، وهكذا غيره من
العلماء الأئمة الكبار، إذا أريد بيان جلالتهم في العلم وعظمتهم في خدمة الدين
والذود عنه، وصف الواحد منهم بانه حجة الإسلام.
ومن هذا كله يتبين أن كون (الثقة) دون (الحجة) ، وأن (الحجة) فوق الثقة،
ليس رأيا خاصا بابن معين رحمه الله تعالى، بل هومعنى معروف عند المتقدمين
والمتأخرين، كما أفادته العبارات والنصوص التي أوردتها من كلامهم، والله تعالى
أعلم.
وهذا لا يمنع أن يرد في بعض عباراتهم على قلة، إطلاق (الثقة) على
الحافظ الكبير الناقد الإمام، فيكون بمعنى (الحجة) في مقام سياقه، قال الحافظ
العراقي في "شرح الألفية" ٢: ٧ "وللثقة مراتب، فالتعبير بثقة، أرفع من التعبير
بلا بأس به، وإن اشتركا في مطلق الثقة، ويدل على ذلك أن ابن مهدي قال: حدثنا
أبوخلدة - خالد بن دينار الشيباني التابعي -، فقيل له: أكان ثقة؟ فقال: كان
صدوقا وكان مأمونا وكان خيرا، الثقة: شعبة وسفيان. وحكى المروذى قال:
-سالت ابن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ قال: لا تدري ما الثقة؟! إنما الثقة
يحيى بن سعيد القطان ".
(ا) هو الشيخ المسند المشهور بابن طبرزذ، ولد سنة ٥١٦، ومات سنة
٦٠٧، وقد ترجم له المؤلف في كتابه "التكملة في وفيات النقلة" ٢: ٢٠٧ - ٢٠٨،
وتقدمت ترجمته في شيوخه ص ٢٢. و (طبرزد) ويف ال (طبرزد) : اسم لنوع من السكر.стр. 57
نقيب النقباء أبي الفوارس طراد بن محمد الزينبي قراءة عليه وأنا
أسمع، قال: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن منده الجرجاني ح.
وأخبرنا الشيخ أبو الفضل جعفر بن علي المقرىء (١) ، قراءة عليه
وأنا أسمع واللفظ له، قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن
أحمد، قال: أخبرنا الحافظ أبو نصر المؤتمن بن أحمد الساجى، قال:
أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن مسعدة، قال: سمعت أبا القاسم حمزة بن
يوسف السهمى الحافظ يقول:
سالت أبا الحسن الدارقطنى قلت له: إذا قلت (٢) : فلان لين،
أيش تريد به (٣) ؟ قال: لا يكون ساقطا متروك الحديث، ولكن يكون
مجروحا بشيء لايسقطه عن العدالة (٤) . الحواشي
(٢) لفظ (قلت) ساقط من الأصل سهوا من الكاتب، وأثبت في طبعة (ف)
ص ٣٣: (اذا قيل. . .) . وهوخطأ، بدليل (أيش تريد به) .(٣) لفظ (أيش) هكذا يضبط وهكذا يقرأ: بفتح الهمزة وسكون الياء
وتنوين الشين سواء اعتبرت (أيش) كلمة واحدة من أصلها، أم مختصرة من أى
شيء، اختصروها لكثرة دورانها على الألسنة، وجعلوها كلمة واحدة، ويخطىء من
يضبطه أوينطقه بكسر الهمزة. قال أبوعلي الفارسي: أصله أى شيء، حذفت
الهمزة من شيء، فالقيت حركتها على الياء، فتحركت الياء بالكسر، فكرهوا الكسرة
عليها فسكنت الياء، ولحقها التنوين فحذفت الياء، فصارت (أيش) ٠ انتهى ملخصا
من "بذل المجهود في حل سنن أبي داود" ا: ٣٢٤.(٤) جاءت هذه العبارة على نحو اخر، في "الرفع والتكميل " ص ١٨٢ -
١٨٣ من الطبعة الثالثة، فانظره. وجاءت في الأصل: (. . . لا يسقطه عن =стр. 58
وسألته عمن يكون كثير الخطأ؟ قال: إن نبهوه عليه ورجع عنه
فلايسقط (ا) ، لان لم يرجع سقط.
أخبرنا الأصيل (٢) أبو المظفر عبد الرحيم الحافظ (٣) بن أبي سعد
عبد الكريم بن الحافظ أبي بكر محمد بن الإمام أبي المظفر منصور بن
محمد السمعاني، في كتابه إلى من خراسان.
قال: أخبرنا الإمام أبو بكر عبد الله بن إبراهيم التفتازاني قراءة عليه
وأنا أسمع بنسا (٤) ، في شوال سنة أربع وأربعين وخمس مئة. الحواشي
(٢) هذا الوصف: (الأصيل) يستعمله المؤلف كثيرا في كتابه "التكملة"،
لذوي البيوتات العريقة بالعلم، ومنهم بيت السمعاني، الذي شيخه عبد الرحيم
السمعاني منهم، ويريد به الأصالة العلمية المتسلسلة في بيت السمعاني، كما أشار
إلى ذلك بذكر سلسلة نسبه، ولم يصفه بالأصيل كل من ترجم له كابن خلكان في
" الوفيات " ٣: ٢١٢، والذهبي في "العبر" ٣: ٧٤ ١، وابن العماد في "شذرات
الذهب " ٥: ٧٦، والمعلمي في مقدمة كتاب "الأنساب " للسمعاني ص ٢٣، قال
ابن العماد: "وختم به بيت السمعاني، عدم في كائنة التتر سنة ٦١٧". انتهى.
وكانت ولادته سنة ٥٣٧رحمه الله تعالى.(٣) لفظ (ابن) سقط من الأصل.(٤) قال العلامة ياقوت في "معجم البلدان " ٥: ٢٨١ "نسا: بفتح أوله،
مقصور، لفظ أعجمي فيما أحسب، والنسبة إليها: نسائي ونسوي، مدينة بخراسان،
بينها وبين سرخس يومان، منها أبوعبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي الحافظ،
صاحب كتاب السنن ". ووقع في طبعة (ف) : (بنسأ) ، أي بالهمزة وهوخطأ.стр. 59
قال: أخبرنا أبو اسحاق ابراهيم بن محمد بن ابراهيم الجرجاني،
قال: أخبرنا أبو شريح إسماعيل بن أحمد الشاشي، - قال -: أخبرنا
أبو الحسن علي بن محمد الميداني، قال: أخبرنا أبو سعد
عبد الرجمن بن الحسن بن عليك (ا) ، فذكر مسائل سأل عنها الأستاذ
أبا اسحاق إبراهيم بن محمد الأسفراييني (٢) ، منها:
اذا سمع من شيوخه أن انسانا غير ثقة في الحديث، أو يرى ذلك
في كتب الحفاظ، هل له أن يحكم بجرحه بهذا التقليد؟ وهل يكون من
المغتابين أم لا؟
الجواب: إذا سمع شيوخه كان ذلك جرحا، ولا يكون تقليدا في الحواشي
(٢) نسبة الى بلدة بخراسان من نواحي نيسابور، وفي ضبطها وجوه كثيرة:
ا - اسفراين بكسر الهمزة والفاء وياء مكسورة بعد الألف، ٢ - واسفراين بفتح
الهمزة، ٣ - واسفراين بكسر الهمزة وفتح الفاء، ٤ - واسفراين بفتح الهمزة
وفتح الفاء، وبالهمزة بدل الياء فيها جميعا، فتصير ثمان لغات، كما يستفاد من
"تاج العروس " للزبيدي ٩: ٢٣٥، وفي مثلها قالوا: أعجمية فالعب بها كيفما شئت.
واللغة التاسعة: أسفرايين بفتح الهمزة وفتح الفاء وياء أولى مكسورة، وياء أخرى
ساكنة. وهذه اللغة هي الي ذكرها ياقوت في "معجم البلدان " ا: ١٧٧، واقتصر
عليها، وقال الزبيدي: "وهو المشهور المعروف ".стр. 60
جرحه، لأن هذا دليله وحجته، ولا يحكم بشيء يجده في الكتب إلا أن
يكون سماعه من نفسين عند أصحاب الحديث (١) .
(اختلاف المحدثين في تضعيف الرجال وتعديلهم (٢) )
أخبرنا الأشياخ: أبو حفص عمر بن معمر بن محمد البغدادي
قراءة عليه وأنا أسمع بدمشق، و: أبو الحسن علي بن نصر الواسطي
بقراءتي عليه، قدم علينا، و: أبوالفضل محمد بن يوسف النعماني إذنا
واللفظ له، قالوا:
أنبا أبو الفتح عبد الملك (٣) بن أبي سهل قراءة عليه ونحن الحواشي
(٢) هذه الاختلافات التي سيذكرها المؤلف رحمه الله تعالى هنا وهي
أربعة: من الاختلافات الواقعة بين المحدثين النقاد، وانما يذكرها المؤلف تأسيسا
هنا، ليبني عليها فيما بعد جوابه عن اختلافهم في الاحتجاج بمحمد بن إسحاق
- وغيره - وتركه.(٣) وفع في الأصل: (أبوالقاسم عبد الملك. . .) ، والذي في ترجمته في
غير كتاب (أبو الفتح) ، ولم يذكروا له كنية غيرها، فلفظ (أبو القاسم) سهو قلم
أو سبق نظر إلى ما بعده من الناسخ، وقد جاء (أبو الفتح) في "الأنساب " لتلميذه
السمعانى ١ ١: ١ ٩ - ٢ ٩، وترجم له ترجمة وافية، وذكر ولادته في هراة سنة ٤٦٢.
وهذه سياقة نسبه وترجمته باختصار عند السمعافي: "الكروخي بفتح الكاف
وضم الراء -وسكون الواو- وفي اخرها الخاء المعجمة: نسبة إلى كروخ بلدة =стр. 61
نسمع، قال: أخبرنا أبو عامر محمود بن القاسم وأبو بكر الغورجي (١) ،
قالا: أخبرنا أبو محمد الجراحي، - قال -: أخبرنا أبو العباس بن
محبوب، - قال -: أخبرنا الإمام أبوعيسى محمد بن عيسى الترمذي،
قال: وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال، كما اختلفوا
فيما سوى ذلك من العلم. هذا اخركلامه (٢) . الحواشي
(١) الغورجي بضم الغين وسكون الواو وفتح الراء وفي اخرهاجيم، هذه النسبة
إلى غورة، وهي قرية من قرى هراة، منها أبو بكر أحمد بن عبد الصمد الغورجي،
روى عن عبد الجبار بن محمد بن أحمد الجراحي، روى عنه أبو الفتح
عبد الملك بن أبي سهل الكروخي، وتوفي سنة ٠٤٨١ انتهى من "اللباب "
لابن الأثير ٢: ٣٩٣.(٢) قول أبي عيسى الترمذي هذا هو في كتابه االعلل " الصغير باخر كتابه
"الجامع " ٤: ٣٩٨ من طبعة الهند. والمراد من إيراد المنذري له هنا: أن حكم
المحدث الناقد على الراوي بجرحه أوتعديله حكم اجتهادي، فلذا يقع فيه
الاختلاف بين المحدثين، كحكمهم على محمد بن إسحاق وغيره، كما يقع
الاختلاف فيما هو اجتهادي بين الفقهاء وغيرهم، أي فلا غرابة إذا حكم ناقذ بترك =стр. 62
............................................................
الحواشي
(١) = راو، وحكم ناقد اخر باعتماده والرواية عنه. ويتضح هذا المراد من باقي كلام
الترمذي هناك.
قال الترمذي رحمه الله تعالى بعد العبارة المنقولة هنا: "ذكر عن شعبة أنه
ضغف: ا - أبا الزبير المكي، ٢ - وعبد الملك بن أبي سليمان،
٣- وحكيم بن جبير، وترك الرواية عنهم. وقد ثبت غير واحد من الأئمة وحدثوا
عن أبي الزبير، وعبد الملك بن أبي سليمان، وحكيم بن جبير-أي جعلوهم
ثقات أثباتا ورووا عنهم -:
ا - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا هشام، حدثنا حجاج وابن أبي ليلى، عن
عطاء بن أبي رباح، قال: كنا إذا خرجنا من عند جابربن عبد الله، تذاكرنا حديثه،
وكان أبو الزبير أحفظنا للحديث.
حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي، حدثنا سفيان بن عيينة، قال:
قال أبو الزبير: كان عطاء يقدمني إلى جابر بن عبد الله، أحفظ لهم الحديث.
حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، قال: سمعت أيوب السختيانى يقول:
حدثني أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير، قال سفيان بيده يقبضها. قال أبوعيسى:
إنما يعني به الإتقان والحفظ.
٢ - ويروى عن عبد الله بن المبارك قال: كان سفيان الثوري يقول: كان
عبد الملك بن أبي سليمان ميزانا في العلم.
٣- حدثنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله -هو ابن المديني -، قال: سألت
يحيى بن سعيد -القطان -، عن حكيم بن جبير، فقال: تركه شعبة من أجل
الحديث الذي روى في الصدقة - وساقه -، قال علي: وقد حدث عن حكيم
سفيان الثورى وزائدة، ولم ير علي بحديثه بأسا". انتهى كلام الترمذي.
فهؤلاء الرواة الثلاثة ضعفهم شعبة وترك الرواية عنهم، ووثقهم غيره
واعتمدهم، فهذا نموذج مما عناه الترمذي من اختلاف الأئمة المحدثين النقاد في =стр. 63
(اختلاف المحدثين قي قبول رواية المبتدعة وردها)
وقد اختلف أهل العلم في أهل البدع كالقدرية، والرافضة،
والخوارج:
فقالت طائفة: لايحتج بحديثهم جملة.
وذهبت طائفة إلى قبول أخبار أهل الأهواء، الذين لا يعرف منهم
استحلال الكذب، ولا الشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة.
وذهبت طائفة إلى قبول غير الدعاة من أهل الأهواء، فأما الدعاة
فلا يحتج بأخبارهم.
ومنهم من ذهب إلى أنه يقبل حديثهم إذا لم يكن فيه (ا) تقوية
لبدعتهم (٢) . الحواشي
(٢) قبول رواية المبتدعة أو ردها موضوع أخذ حيزا كبيرا من كتب
المصطلح وأصول الفقه، وخير من نقحه وحرره من المحدثين الإمام الحافظ
ابن حجر، في "شرح النخبة" ص ٨٨ - ٩١ بحاشية "لقط الدرر"، و "هدي
الساري " ٢: ١١١. وتابعه تلميذه الحافظ السخاوي في "فتح المغيث " ا: ٣٢٦ -
٣٣٥، والحافظ السيوطي في "تدريب الراوي " ص ٦ ١ ٢ - ٠ ٢ ٢ وا: ٤ ٣٢ -
٣٢٩، وشيخنا أحمد شاكر رحمه الله تعالى، في "الباعث الحثيث شرح اختصار
علوم الحديث " ص ١١٠ - ١١١.
ونقلت خلاصة كلام الحافظ ابن حجر وكلام شيخنا أحمد شاكر، فيما علقته =стр. 64
..................................................
الحواشي
(١) = على "قواعد في علوم الحديث " للتهانوي ص ٢٧ ٢ - ٠ ٢٣، وعلى "الرفع
والتكميل " ص ١٤٤ - ١٤٦، من الطبعة الثالثة، وعلى "الموقظة" للحافظ الذهبي
ص ٨٥ - ٨٧، وأتبعته في اخر "الموقظة" ص ٤٧ ١ - ٦٥ ١، بكتابة (تتمة) تتصل
بهذا الموضوع المهم، وهي مسالة تكفير المبتدعة أو عدمه، بلغت ١٨ صفحة، فعد
إليها إذا شئت، ففيها تجلية هذه المسالة عن الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وأورد هنا - زيادة على ما علقته على الكتب المذكورة - نصين هامين في
الموضوع، أحدهما للحافظ الذهبي، والاخر للعلامة الفقيه الأصولي الشيخ محمد
بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية رحمهما الله تعالى. وهذا النص الثاني يعد
تلخيصا دقيقا لما قرره وحرره الحافظ ابن حجر، فيكون شرحا لهذه المسالة في هذا
الموضع، والله ولى التوفيق.
ا - جاء في "سير أعلام النبلاء" للحافظ الذهبي ١٥٣: ٧، في ترجمة
الإمام الحافظ (أبي بكر هشام الدستوائي البصري) ، المولود سنة ٧٤،
والمتوفى سنة ١٥٤ رحمه الله تعالى، وحديثه في الكتب الستة، ما يلي:
"قال الحافظ محمد بن البرقي: قلت ليحيى بن معين: أرأيت من يرمى
بالقدر يكتب حديثه؟ قال: نعم، قد كان قتادة، وهشام الدستوائي، وسعيد بن
أبي عروبة، وعبد الوارث - وذكر جماعة - يقولون بالقدر، وهم ثقات، يكتب
حديثهم مالم يدعوا إلى شيء.
قلت - القائل الذهبي -: هذه مسألة كبيرة، وهي: القدرى والمعتزلى
والجهمى والرافضي، إذا علم صدقه في الحديث وتقواه، ولم يكن داعيا إلى
بدعته، فالذي عليه أكثر العلماء: قبول روايته، والعمل بحديثه.
وترددوا في الداعية، هل يؤخذ عنه؟ فذهب كثير من الحفاظ إلى تجنب
حديثه، وهجرانه، وقال بعضهم: إذا علمنا صدقه، وكان داعية، ووجدنا عنده سنة
تفرد بها، فكيف يسوغ لنا ترك تلك السنة؟ فجميع تصرفات أئمة الحديث تؤذن بأن =стр. 65
.........................................................
الحواشي
(١) = المبتدع إذا لم تبح بدعته خروجه من دائرة الإسلام، ولم تبح دمة، فإن قبول
ما رواه سائغ.
وهذه المسالة لم تتبرهن لي كما ينبغي، والذي اتضح لي منها أن من دخل
في بدعة، ولم يعد من رؤوسها، ولا أمعن فيها، يقبل حديثه كما مثل الحافظ
أبو زكريا - يحيى بن معين - بأولئك المذكورين، وحديثهم في كتب الإسلام
لصدقهم وحفظهم ".
٢ - قال العلامة المحقق الفقيه الأصولي الشيخ محمد بخيت المطيعي،
مفتي الديار المصرية رحمه الله تعالى، في حاشيته على "نهاية السول للأسنوي " من
كتب الأصول ٣: ٢٨ ١ و٥ ٣ ١ - ١ ٣ ١، في مباحث شروط قبول الخبر:
"قال الجلال السيوطي في "تدريب الراوي " ص ٦ ١ ٢ وا: ٤ ٣٢، نقلا عن
الحافظ ابن حجر: التحقيق أنه لا ترد رواية كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعي
أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ في ذلك فتكفرهم، فلوأخذ ذلك على الإطلاق،
لاستلزم تكفير جميع الطوائف.
والمعتمد أن الذي ترد روايته: من أنكر أمرا متواترا من الشرع، معلوما من
الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه، اما من لم يكن كذلك، وانضم إلى ذلك ضبطة
لما يرويه، مع ورعه وتقواه: فلا مانع من قبوله ". " انتهى.
ثم حكى الشيخ بخيت قول من رد رواية المبتدعة وفصل فيها، ثم رده وقال
رحمه الله تعالى: وعلى كل حال: فلورددنا الروايات بمثل هذا، لم نقبل رواية قط
إلا ممن أجمع الكل على أنه غير مبتدع،. . .، ثم قال:
"ومن ذلك تعلم أن الحق قبول رواية كل من كان من أهل القبلة، يصلي
بصلاتنا، ويؤمن بكل ما جاء به رسولنا مطلقا، متى كان يقول بحرمة الكذب، فإن
كل من هوكذلك لا يمكن أن يبتدع بدعة إلا وهو متأول فيها، مستند في القول فيها
إلى كتاب الله أوسنة رسوله ﷺ ، بتأويل راه باجتهاده، وكل
مجتهد مأجور وإن أخطأ. =стр. 66
(اختلات المحدثين في اشتراط عدد المزكي والجارح)
واختلفوا أيضا في اشتراط العدد في المزكي والجارح، والشاهد
والراوي (١) .
ا - فاشترط بعضهم العدد فيهما.
٢ - ومنهم من قال: لايشترط فيهما، وإن كان الأحوط في
الشهادة الاستظهار بعدد المزكي. الحواشي
(١) حرف (و) من لفظ (والشاهد) ساقط من الأصل، فأثبته.стр. 67
٣- وقال بعضهم: يشترط في الشاهد ولا يشترط في الراوي،
لأن العدد ليس بشرط في قبول الخبر، فلم يكن شرطا في الراوي،
بخلاف الشهادة، فإن العدد يشترط في قبول الشهادة والحكم بها، فكان
شرطا في الشهادة (١) . الحواشي
(١) (ا) هذا القول الثالث في المسألة واضح تماما، وأما الأول والثاني ففيهما
إيجاز اقتضى الغموض قليلا، فأسوق هنا عبارة الحافظ العراقي في "شرح الألفية"
ا: ٢٩٥، لوضوحها في عرض الأقوال في هذه المسالة، ولبيانها الراجح منها،
وهو الثالث، قال رحمه الله تعالى:
"اختلفوا هل تثبت العدالة والجرح بالنسبة إلى الرواية، بتعديل عدل واحد
أو جرحه، أولا يثبت ذلك إلا باثنين كما في الجرح والتعديل في الشهادة؟ على
قولين، وإذا جمعت الرواية مع الشهادة صار في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يقبل في التزكية إلا رجلان، سواء التزكية للشهادة والرواية،
وهو الذي حكاه أبو بكر الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم.
والثاني: الاكتفاء بواحد في الشهادة والرواية معا، وهو اختيار القاضي
أبي بكر المذكور، لأن التزكية بمثابة الخبر، قال القاضي: والذي يوجبه القياس
وجوب قبول تزكية كل عدل مرضى، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، لشاهد ومخبر.
والثالث: التفرقة بين الشهادة والرواية، فيشترط اثنان في الشهادة، ويكتفى
بواحد في الرواية، ورجحه الإمام فخر الدين - الرازي - والسيف الامدي ونقله عن
الأكثرين، وكذلك نقله أبو عمرو بن الحاجب عن الأكثرين، وهو مخالف لما نقله
القاضي عنهم.
قال ابن الصلاح: والصحيح الذي اختاره الخطيب وغيره: أنه يثبت
- الجرح والتعديل - في الرواية بواحد، لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر،
فلم يشترط في جرح راويه وتعديله، بخلاف الشهادات ".стр. 68
(اختلاف المحدثين في قبول الجرح المفسر والمبهم)
واختلفوا أيضا في المجرح (١) إذا لم يفسر ما جرح به، فمنهم من
قال: لا يقبل الجرح إلا مفسرا، ومنهم من قال (٢) : لا يستفسر الجارح
إلا إذا كان عاميا لا يعرف الجرح، فاما إذا كان الجارح عالما
فلايستفسر (٣) . الحواشي
(٢) لفظ (من) ساقط من الأصل، فاثبته.(٣) حكى المؤلف رحمه الله تعالى في هذه المسالة هنا قولين، وهما
القولان الراجحان من أقوال أربعة، وهي:
ا - يقبل التعديل من غير ذكر سببه، لأن أسبابه كثيرة، فيثقل ذكرها،
ولا يقبل الجرح إلا مفسر السبب، لأن الجرح يحصل بامر واحد، فلا يشق ذكره،
ولأن الناس مختلفون في أسباب الجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناء على ما اعتقده
جرحا، وليس هوبجرح في واقع الأمر، فلا بد من بيان سبب الجرح، ليظهر
أهو قادح أم لا؟ وهو قول راجح.
٢ - عكسه، وهو يجب بيان سبب العدالة، ولا يجب بيان سبب الجرح، لأن
أسباب العدالة يكثر التصنع فيها، فيجب بيانها، بخلاف أسباب الجرح. وهذا
القول مرجوح.
٣- أنه لا بد من ذكر سبب الجرح وسبب العدالة كليهما، للعلة السابقة في
لزوم بيان سبب الجرح، ولزوم بيان سبب العدالة، وهذا القول مرجوح أيضا.
٤ - عكسه، وهو: لا يجب بيان سبب كل من الجرح والعدالة، إذا كان =стр. 69
(اختلاف المحدثين في الاحتجاج بمحمد بن إسحاق)
فإذا تقرر ما ذكرناه عن الأئمة في هذا (ا) ، فمحمد بن إسحاق بن
يسار (٢) ، قد أكثر الأئمة الكلام فيه في الطرفين: الثناء والذم.
واما البخاري ومسلم فلم يحتجا به في "صحيحيهما" البتة، وإنما
أخرج له مسلم أحاديث في المتابعات لا في الأصول، وكذلك البخارى الحواشي
(١) أي في الأسباب التي دعتهم إلى أن يختلفوا في أحكامهم على الراوي
جرحا وتعديلا ردا وقبولا، فمحمد بن إسحاق وقع اختلافهم فيه، من جراء اختلاف
أنظارهم إلى تلك الأسباب.(٢) من قول المؤلف هنا: (فإذا تقرر) إلى قوله (فمحمد بن إسحاق بن
يسار) ، سقط هذا السطركله من صفحة ٤٢ في طبعة (ف) ، وهوثابت في
الأصل! !стр. 70
أيضا لم يخرج له شيئا في الأصول البتة، وإنما ذكره في الاستشهاد،
جريا على عادتهما فيمن لا يحتجان بحديثه، كما فعله البخاري في أبي
الزبير المكي، وسهيل بن أبي صالح، ونظرائهما، وكما فعله مسلم في
عكرمة مولى عبد الله بن عباس، وشريك بن عبد اللة القاضي، ونظرائهما.
وقد قال أبوبكر أحمد بن علي الخطيب (ا) : وقد أمسك عن
الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء، لأسباب: منها:
أنه كان يتشيع، وينسب إلى القدر، ويدلس في حديثه. وأما الصدق
فليس بمدفوعء عنه.
وقال سليمان بن داود (٢) : قال لي يحى بن سعيد القطان: أشهد
أن محمد بن إسحاق كذاب. الحواشي
(١) في ترجمة (محمد بن إسحاق) في "تاريخ بغداد" ا: ٢٢٤، إلى قوله:
(فليس بمدفوع عنه) ووقعت في طبعة (ف) ص ٤٢ الإحالة إلى "تاريخ بغداد"
هكذا: ا: ٢١٤، وهي خطأ.(٢) هو-كما سياتي عن ابن القيم - أبو أيوب سليمان بن داود الشاذكوني
المنقري البصري، الحافظ الشهير، المتوفى سنة ٢٣٤، مترجم له بإسهاب في
"تاريخ بغداد" ٩: ٠ ٤، و "تذكرة الحفاظ " ٢: ٤٨٨، و "ميزان الاعتدال " ٢: ٥ ٠ ٢،
وغيرها.
ذكر الحافظ ابن القيم في كتابه "تهذيب سنن أبي داود" ٧: ٩٥ - ٩٧
(محمد بن إسحاق) ، ونقل توثيق الحفاظ الأئمة له، واعتمده، وذكر هذه الحكاية ثم
عقب عليها بقوله رحمه الله تعالى:
"قيل: هذه الحكاية وأمثالها هي التي غرت من اتهمه بالكذب. وجوابها من
وجوه:
أحدها: أن سليمان بن داود راويها عن يحيى: هو الشاذكوبي، وقد اتهم =стр. 71
قال: قلت: ما يدريك؟ قال: قال لي وهيب بن خالد: إنه كذاب.
قال: قلت لوهيب: ما يدريك؟ قال: قال لي مالك بن أنس:
أشهد أنه كذاب.
قلت لمالك: ما يدريك؟ قال: قال لي هشام بن عروة: أشهد أنه
كذاب.
قلت لهشام: ما يدريك؟ قال: حدث عن امرأتي فاطمة بنت
المنذر، وأدخلت على وهي بنت تسع سنين، وماراها رجل حتى لقيت
الله.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: فحدثت أبي بحديث
ابن إسحاق، فقال: وما ينكر هشام؟! لعله جاء واستاذن عليها وأذنت له،
الحواشي
(١) = بالكذب، فلا يجوز القدح في الرجل بمثل رواية الشاذكوني.
الثاني: أن في الحكاية ما يدل على أنها كذب، فإنه قال -أي هشام بن
عروة-: أدخلت فاطمة على وهي بنت تسع سنين. وفاطمة أكبر من هشام بثلاث
عشرة سنة، ولعلها لم تزف إليه إلا وقد زادت على العشرين، ولما أخذ عنها
ابن إسحاق كان لها نحو بضع وخمسين سنة.
والثالث: أن هشاما إنما نفى رؤيته لها، ولم ينف سماعه منها، ومعلوم أنه
لا يلزم من انتفاء الرؤية انتفاء السماع، قال الإمام أحمد: لعله سمع منها في
المسجد، أودخل عليها فحدثته من وراء حجاب، فائ شيء في هذا؟ فقد كانت
امرأة كبرت وأسنت ". انتهى.
ثم ذكر الإمام ابن القيم غير هذا مما يؤكد وثاقة (محمد بن إسحاق) ، عن
علي بن المديني، مما يطول نقله. وانظر لتوثيق (محمد بن إسحاق) واعتماده عند
الأئمة النقاد "الرفع والتكميل اوما علقته عليه ص ٤١١ - ٤١٣ من الطبعة الثالثة،
ففيه ذكر توثيقه عن مصادر غير المشهورة.стр. 72
أحسبه قال: ولم يعلم هو، وقال الإمام أحمد مرة أخرى: وقد يمكن أن
يسمع منها تخرج إلى المسجد أوخارجة فسمع، والله أعلم (١) .
وقال علي بن المدينى: الذي قال هشام (٢) ، ليس بحجة، لعله
دخل على امرأته وهوغلام فسمع منها.
فمن ترك الاحتجاج بحديث ابن إسحاق، احتمل أن يكون تركه
للقدر، أو للتشيع، أو للتدليس على رأي من يرى ذلك قادحا،
أويكون هذا أوغيره من الكلام فيه إن لم يتيقن عنده حجة في رد
حديثه (٣) ، غير أنه أحدث ريبة ما (٤) منعته من الاحتجاج به. وقد أشار
إلى ذلك الحافظان أحمد بن إبراهيم الجرجانى وأحمد بن علي
الخطيب (٥) . الحواشي
(٢) لفظ (الذي) ساقط من الأصل، فاثبته.(٣) كلمة (لم يتيقن) غيرمنقوطة في الأصل، ولكنها مطابقة في رسمها
لما أثبته، وقد أثبتها (ف) في ص ٤٤ (لم يقتض) ، وهي قراءة بعيدة عن الرسم
وا لسياق!(٤) لفظ (ما) سقط في نسخة (ف) ص ٢٤٤، وهوثابت في الأصل!(٥) أشار إلى إلك الخطيب في ترجمته في "تاريخ بغداد) ١: ٢٢٤،
وأما (أحمد بن إبراهيم الجرجاني) فهو: الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي أحمد بن
إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجاني، ولد سنة ٢٧٧، ومات سنة ٣٧١، =стр. 73
ومن احتج بحديثه احتمل أن يكون لا يرى البدعة مانعة
ولا التدليس. وقصة هشام قد وقع الجواب عنها. وما جاء (ا) من الكلام
فيه غيرمفسر: لايؤثر عنده، وما جاء أيضا عن واحد -وهويشترط
العدد - لا يؤثر عنده، والله أعلم (٢) . الحواشي
(٢) لم يتعرض الحافظ المنذرى إلى الجواب عن سؤال السائل عن التعارض =стр. 74
...........................................................
الحواشي
(١) =بين قول شعبه وسفيان فى محمد بن اسحاق: امير المؤمنين فى الحديث،
وجرح مالك ويحيى بن سعيد له،
سؤال جدير بالجواب والبيان.
وقبل ذكر الجواب بما سأنقله عن الأمير الصنعاني أقول: لا يكون الجرح
والتعديل متعارضا إلا إذا كان كل من الجرح والتعديل للراوي خاليا من السبب
القادح فيه، أما إذا كان الجرح -مثلا - غير سليم، بأن كان ناشئا عن الغضب،
أو الكراهية، أو نحوهما، وكان التعديل سليما: على الجادة، فلا يلتفت إلى ذلك
التعارض، بل إن التعارض في تلك الحال منتف، فاعرفه، فإنه مهم.
قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني صاحب "سبل السلام "، في
أوائل رسالته "إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد" ص ١٣ - ١٥ من الجزء الأول من
"مجموعة الرسائل المنيرية" ما خلاصته بتصرف يسير: "قد يختلف كلام إمامين من
أئمة الحديث في الراوي الواحد، وفي الحديث الواحد، فيضعف هذا حديثا، وهذا
يصححه، ويرمي هذا رجلا الرواة بالجرح، واخر يعدله. وذلك مما يشعر
بأن التصحيح ونحوه من مسائل الاجتهاد التي اختلفت فيها الأراء.
فقد قال مالك في (ابن إسحاق) : إنه دجال من الدجاجلة. وقال فيه شعبة:
إنه أمير المؤمنين في الحديث. وشعبة إمام لا كلام في ذلك. وإمامة مالك في الدين
معلومة لا تحتاج إلى برهان. فهذان إمامان كبيران اختلفا في رجل واحد من رواة الأحاديث.
ويتفرع على هذا: الاختلاف في صحة حديث من رواية ابن إسحاق، وفي
ضعفه، فإنه قد يجد العالم المتأخر عن زمان هذين الإمامين: كلام شعبة وتوثيقه
لابن إسحاق، فيصحح حديثا يكون من رواية ابن إسحاق، قائلا: قد ثبتت الرواية
عن إمام من أئمة الدين وهو شعبة، بأن ابن إسحاق حجة في روايته، فهذا خبر
رواته ثقات يجب قبوله.
وقد يجد العالم الاخر كلام مالك وقدحه في ابن إسحاق، القدح الذي ليس
وراءه وراء، ويرى حديثا من رواية ابن إسحاق فيضعف الحديث لذلك، قائلا: قد
روى لي إمام وهو مالك، بأن ابن إسحاق غير مرضي الرواية، ولا يساوي فلسا، =стр. 75
.......................................................
الحواشي
(١) = فيجب رد خبر فيه ابن إسحاق.
فبسبب هذا الاختلاف حصل اختلاف الأئمة في التصحيح والتضعيف،
المتفرعين عن اختلاف ما بلغهم من حال بعض الرواة.
فإذا جاء من له فحولة في العلم، وقوة في النقد، ودراية بحقائق الأمور،
وحسن نظر، وسعة اطلاع على كلام الأئمة، فإنه يرجع إلى الترجيح بين التعديل
والتجريح، فينظر في مثل هذه المسألة إلى كلام الجارح ومخرجه، فيجده كلاما
خرج مخرج الغضب، الذي لا يخلو عنه البشر، ولا يحفظ لسانه حال حصوله
إلا من عصمه الله تعالى.
فإنه لما قال ابن إسحاق: اعرضوا على علم مالك فانا بيطاره، فبلغ مالكا
فقال تلك الكلمة الجافية، التي لولا جلالة من قالها، وما نرجوه من عفوالله عن
فلتات اللسان عند الغضب، لكان القدح بهافيمن قالها أقرب إلى القدح فيمن قيلت فيه.
فلما وجدناه خرج مخرج الغضب، لم نره قادحا في ابن إسحاق، فإنه خرج
مخرج جزاء السيئة بالسيئة. على أن ابن إسحاق لم يقدح في مالك، ولا في علمه،
غاية ما أفاد كلامه أنه أعلم من مالك، وأنه بيطار علومه، وليس فيه قدح على مالك.
ونظرنا كلام شعبة في ابن إسحاق، فقدمنا قوله، لأنه خرج مخرج النصح
للمسلمين، ليس له حامل عليه إلا ذلك.
وأما الجامد في ذهنه، الأبله في نظره، فإنه يقول: قد تعارض هنا الجرح
والتعديل، فيقدم الجرح، لأن الجارح أولى، وإن كثر المعدل.
وهذه القاعدة لو أخذت كلية -على عمومها وإطلاقها - لم يبق لنا عدل
إلا الرسل، فإنه ما سلم فاضل من طاعن، لامن الخلفاء الراشدين، ولا أحد من أئمة الدين.
فالقاعدة: (الجرح مقدم على التعديل) ظاهرية، يعمل بها فيما تعارض فيه
الجرح والتعديل من المجاهيل -أو فيما كان التعارض فيه صحيحا على قاعدته وشرطه -.
على أن لك أن تقول: كلام مالك ليس بقادح في ابن إسحاق، لما علمت أنه
خرج مخرج الغضب، لا مخرج النصح للمسلمين، فلم يعارض في ابن إسحاق جرح.
واعلم أن ذكرنا لابن إسحاق والكلام فيه مثال وطريق يسلك منه إلى نظائره ".следующие страницы →