قال: قلت: ما يدريك؟ قال: قال لي وهيب بن خالد: إنه كذاب.
قال: قلت لوهيب: ما يدريك؟ قال: قال لي مالك بن أنس:
أشهد أنه كذاب.
قلت لمالك: ما يدريك؟ قال: قال لي هشام بن عروة: أشهد أنه
كذاب.
قلت لهشام: ما يدريك؟ قال: حدث عن امرأتي فاطمة بنت
المنذر، وأدخلت على وهي بنت تسع سنين، وماراها رجل حتى لقيت
الله.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: فحدثت أبي بحديث
ابن إسحاق، فقال: وما ينكر هشام؟! لعله جاء واستاذن عليها وأذنت له،
стр. 72
أحسبه قال: ولم يعلم هو، وقال الإمام أحمد مرة أخرى: وقد يمكن أن
يسمع منها تخرج إلى المسجد أوخارجة فسمع، والله أعلم (١) .
وقال علي بن المدينى: الذي قال هشام (٢) ، ليس بحجة، لعله
دخل على امرأته وهوغلام فسمع منها.
فمن ترك الاحتجاج بحديث ابن إسحاق، احتمل أن يكون تركه
للقدر، أو للتشيع، أو للتدليس على رأي من يرى ذلك قادحا،
أويكون هذا أوغيره من الكلام فيه إن لم يتيقن عنده حجة في رد
حديثه (٣) ، غير أنه أحدث ريبة ما (٤) منعته من الاحتجاج به. وقد أشار
إلى ذلك الحافظان أحمد بن إبراهيم الجرجانى وأحمد بن علي
الخطيب (٥) .
стр. 73
ومن احتج بحديثه احتمل أن يكون لا يرى البدعة مانعة
ولا التدليس. وقصة هشام قد وقع الجواب عنها. وما جاء (ا) من الكلام
فيه غيرمفسر: لايؤثر عنده، وما جاء أيضا عن واحد -وهويشترط
العدد - لا يؤثر عنده، والله أعلم (٢) .
(اختلاف المحدثين في الاحتجاج بشبابة بن سوار)
وأما شبابة بن سوار، فقد احتج به البخارى ومسلم في
"صحيحيهما "، وحدث عنه ثلة من الأئمة (١) .
стр. 77
وتكلم فيه بعضهم، وقال الإمام أحمد بن حنبل: تركته ولم أرو
عنه للإرجاء، فقيل: يا أبا عبد الله، وأبومعاوية (ا) ؟ قال: شبابة كان
داعية.
وقيل لعلي بن المديني عن حديث شبابة الذي رواه عن شعبة في
الدباء، فقال علي: أي شيء تقدر أن تقول في ذاك (٢) ؟ يعني شبابة،
كان شيخا صدوقا، إلا أنه كان يقول بالإرجاء، ولا ينكر لرجل سمع من
رجل ألفا أوألفين أن يجىء بحديث غريب.
وقال أبو أحمد الجرجاني (٣) : الذي أنكرته عليه الخطأ، ولعله
حدث به حفظا؟ .
стр. 78
وقيل لأبي زرعة في أبي معاوية: كان يرى الإرجاء؟ قال: نعم
كان يدعو إليه، قيل: فشبابة بن سوار أيضا؟ قال: نعم، قيل: رجع
عنه؟ قال: نعم، قال: الإيمان قول وعمل.
فهذا الإمام أحمد قد صرح بانه إنما تركه لكونه داعية إلى
الإرجاء، وهذا علي بن المديني لم ير قوله بالإرجاء وتفرده بشيء مؤثرا
في حقه، والخطأ فلا يكاد يسلم منه أحد (١) .
فمن احتج بحديثه يرى أن الإرجاء (٢) والدعاء إليه والتفرد بشيء
غيرقادح، سيما وقد نقل عنه الرجوع عن الإرجاء.
ومن لم يحتج بحديثه يرى أن ذلك مانع من الاحتجاج به،
وحصل عنده من ذلك ريبة وقفته عن الاحتجاج به على ما تقدم، والله
أعلم.
стр. 79
(اختلاف المحدثين في الجرح والتعديل
كاختلاف الفقهاء عن اجتهاد)
واختلاف هؤلاء كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد، فأن
الحاكم إذا شهد عنده بجرح شخص، اجتهد في أن ذلك القدرمؤثر
أم لا؟ وكذلك المحدث إذا أراد الاحتجاج بحديث شخص ونقل إليه فيه
جرح، اجتهد فيه هل هو مؤثر أم لا؟
ويجري الكلام عنده فيما يكون جرحا (ا) ، في تفسير الجرح
وعدمه، وفي اشتراط العدد في ذلك، كما يجري عند الفقيه، ولا فرق
بين أن يكون الجارح مخبرا بذلك للمحدث مشافهة أو ناقلا له عن غيره
بطريقه، والله أعلم.
(اختلاف المحدثين في
الاحتجاج بشجاع بن الوليد)
وأما شجاع بن الوليد أبو بدر، فقد احتج به البخاري ومسلم في
"صحيحيهما" وجماعة من المصنفين، ومحله من العبادة والصلاح
معروف.
وقال الإمام أحمد بن حنبل في قصة ذكرها: إنما كان يقول لنا:
ذكره سليمان بن مهران، ولم يكن يقول: الأعمش، وذكره مغيرة، وذكره
سعيد بن أبي عروبة، ولم يكد يقول لنا (٢) : حدثنا، ثم كان بعد ذلك
стр. 80
يقول: حدثنا فلان، وأخبرنا موسى بن عقبة، ولم يكن يقول لنا إلا:
ذكره.
وسئل وكيع بن الجراح عن أبي بدر شجاع بن الوليد؟ فقال:
كان جارنا ها هنا، ما عرفناه بعطاء بن السائب ولا بمغيرة، وذكر غيره أنه
حدث عنهما.
وأخذ عليه رواية حديث سلمان الفارسي ﵁ في بعض
العرب، وهوحديث منكر (ا) ، وأخذ عليه أنه رفع حديث شريك عن
أبي حصين في الحصاة ومناشدتها (٢) ، وهوموقوف.
стр. 81
فمن احتج بحديثه لا يرى شيئا من ذلك مانعا من الاحتجاج به.
ويمكن أن يقال: إنه تذكر السماع بعد ذلك فصرخ بالتحديث، أوإن
الراوي ينشط مرة فيسند، ويفتر مرة فلا يسند، ويسكت عن ذكر الشخص
مرة، ويذكره أخرى لما يقتضيه الحال.
ومن امتنع من الاحتجاج به، يكون قد حصل عنده من ذلك
مغمز وإن لم يثبت به جرح، فتوقف لذلك، والله عزوجل أعلم.
(بيان المراد من قولهم: فلان ليس بشيء)
وأما قولهم: فلان ليس بشيء، ويقولون مرة: حديثه ليس
بشيء (١) . فهذا ينظر فيه:
стр. 82
فإن كان الذي قيل فيه هذا، قد وثقه غير هذا القائل، واحتج به،
فيحتمل أن يكون قوله محمولا على أنه ليس حديثه بشيء يحتج به،
بل يكون حديثه عنده يكتب للاعتبار وللاستشهاد وغير ذلك.
وإن كان الذي قيل فيه ذلك مشهورا بالضعف، ولم يوجد من
الأئمة من يحسن أمره، فيكون محمولا على أن حديثه ليس بشيء يحتج
به (ا) ولا يعتبر به ولا يستشهد به، ويلتحق هذا بالمتروك، والله
أعلم.
(٢) وأما مانقل عن يحيى بن معين من توثيق شجاع مرة، وتوهينه
أخرى، فهذان القولان في زمانين بلا شك، ولا يعلم السابق منهما،
ويحتمل أنه وثقه ثم وقف على شي من حاله بعد ذلك يسوغ له الإقدام
على ما قاله، ويحتمل أن يكون تكلم فيه أولا، ثم وقف من حاله بعد
ذلك على ما اقتضى توثيقه.
وقد نقل مثل هذا عن يحيى بن معين في غيرشجاع بن الوليد من
الرواة، ونقل مثله أيضا عن غير (٣) يحيى بن معين من الحفاظ، في حق
بعض الرواة، وكل هذا محمول (٤) على اختلاف. . . . . . . . . . . . . . .
وقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الجرجاني (ا) : قد يخطر
على قلب المسؤول عن الرجل، من حاله في الحديث وقتا: ما ينكره
قلبه، فيخرج جوابه على حسب النكرة التي في قلبه، ويخطر له
ما يخالفه في وقت اخر، فيجيب على ما يعرفه في الوقت منه ويذكره،
وليس ذلك تناقضا ولا إحالة (٢) ، ولكنه قول صدر عن حالين
مختلفين (٣) ، يعرض أحدهما في وقت والأخر في غيره.
стр. 86
ومذاهب النقاد للرجال (ا) : مذاهب غامضة دقيقة:
فإذا سمع أحدهم في بعضهم أدنى مغمز-وإن لم يكن ذلك
موجبا رد خبر ولا إسقاط عدالة - رأى أن ذلك مما لا يسع إخفاؤه عن
أهله، رجاء إن كان صاحبه حيا أن يحمله ذلك على الارعواء وضبط
نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتا أنزله من سمع ذلك منه منزلته،
فلم يلحقه ملحق من سلم من تلك الغميزة، وقصربه على درجة مثله.
ومنهم من رأى أن ذكره ذلك، لينظر: هل له من أخوات؟ فإن
أحوال الناس وطبائعهم جارية على إظهار الجميل وإخفاء ما خالفه، فإذا
ظهر مما خالفه شيء، لم يؤمن أن يكون وراءه له مشبه (٢) .
وأما شرط "الصحيحين " فقد ذكر الأئمة أن البخارى ومسلما
لم ينقل عن واحد منهما أنه قال: شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون
على الشرط الفلاني، وإنما عرف ذلك من سبر "كتابيهما"، واعتبر
مما خرجاه (٣) ، وللأئمة في ذلك أجوبة.
стр. 87
ومن قال (١) : هو الحديث المسند الذي يتصل سنده بنقل العدل
الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، إذا قيل له (٢) : قد خرج في
الصحيح " عن فلان (٣) ، وقد قيل فيه كذا وكذا؟ يقول: هوعند من
احتج به في "صحيحه " عدل ضابط، ويجيب عماقيل فيه بنحو
مما قدمناه، والله أعلم.
اخره، الحمد الله حق حمده، وصلواته على خيرته من خلقه
محمد نبيه وعبده، وعلى أهله وأصحابه من بعده،
وسلم تسليما كثيرا كثيرا كثيرا، حسبنا الله وبعم الوكيل.
*****
يقول العبد الضعيف عبد الفتاح بن محمد أبو غذة: فرغت من
خدمة هذه الرسالة والتعليق عليها صباح يوم السبت ٢٥ من
ذي القعدة سنة ١٤٠٨ في مدينة الرياض، والحمد لله رب العالمين،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
تسليما كثيرا.
***
стр. 88
تتمة
في بيان قول الإمام أبي حاتم الرازي
في الراوي: يكتب حديثه ولا يحتج به
تقدم في فاتحة هذه الرسالة ص ٣٧، -في الأسئلة الموجهة إلى الحافظ
المنذري رحمه الله تعالى - ذكر عبارة من أقوال الإمام أبي حاتم الرازي في
الجرح والتعديل، وهي قوله رحمه الله تعالى في تضيف الراوي "يكتب حديثه
ولايحتج به ".
ولم يتعرض الحافظ المنذري في جوابه لخصوص هذه الجملة وبيان معناها،
وقد أوردها السائل طالبا بيانه، فاردت ذكر ما يتصل بها، ولطول الكلام جعلته
(تتمة) في اخر الرسالة هنا، وأرجو من الله التوفيق والسداد.
هذه العبارة (يكتب حديثه ولا يحتج به) ، سال الحافظ عبد الرحمن بن
أبي حاتم أباه عن تفسير مرادو منها فاجابه عن ذلك.
جاء في "الجرح والتعديل " ١ /١: ١٣٣، و"تهذيب التهديب " ا: ١٦٨، في
ترجمة (إبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي) ما يلي: "قال أبوحاتم: ليس بالقوي،
هووحصين وعطاء بن السائب قريب بعضهم من بعض، ومحلهم عندنا محل
الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج به.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: قلت لأبي: ما معنى (لا يحتج به) ؟ قال:
كانوا قوما لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون، فيغلطون، ترى في أحاديثهم
اضطرابا ما شئت ". انتهى.
فبين أبوحاتم في إجابته لابنه: السبب في أنه لا يحتج بحديثهم،
وهو ضعف حفظهم، واضطراب حديثهم.
стр. 89
وفسر الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في بعض المواضع من كتبه قول
أبي حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، فقال في "الصارم المسلول على شاتم
الرسول) ص ٥٧٧: "قال أبوحاتم ٢/٣: ٢ ٢٩ في (محمد بن طلحة التيمي) : محله
الصدق، يكتب حديثه ولا يحتج به.
ومعنى هذا الكلام أنه يصلح حديثه للاعتبار والاستشهاد به، فإذا عضده اخر
مثله جاز أن يحتج به، ولا يحتج به على انفراده". انتهى كلام الشيخ ابن تيمية
مصححا.
وعند تحقق وصف الراوي بضعف حفظه واضطراب حديثه: لا يحتج به،
كما قاله أبوحاتم وغيره، وكما شرحه الشيخ ابن تيمية أيضا.
ولكن هل كل من قال فيه أبوحاتم: (يكتب حديثه ولا يحتج به) ، أوقال
فيه: (لا يحتج به) ، هل هوحقيقة لا يحتج به أم ينازع أبوحاتم في هذا الحكم
على الراوي، فلا يعمل بحكمه هذا فيه لعدم تحقق ما يقتضيه في الراوي؟ الذي
يبدو من تتبع النقاد لأقوال أبي حاتم الرازي هو الشق الثاني:
ا - قال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٣: ٢٦٠، في ترجمة
(أبي حاتم) : "إذا وثق أبوحاتم رجلا فتمسك بقوله، فإنه لا يوثق إلا رجلا صحيح
الحديث، لاذا ليق رجلا أوقال فيه: لا يحتج به، فتوقف حتى ترى ما قال غيره
فيه، فإن وثقه أحد، فلا تبن على تجريح أبي حاتم، فانه متعنت في الرجال، قد قال
في طائفة من رجال "الصحاح ": ليس بحجة، ليس بقوي، أونحوذلك ". انتهى.
٢ - قال الشيخ ابن تيمية: "وأما قول أبي حاتم - في أبي صالح باذام -
يكتب حديثه ولا يحتج به، فابوحاتم يقول مثل هذا في كثير من رجال
"الصحيحين"، وذلك أن شرطه في التعديل صعب، و (الحجة) في اصطلاحه ليس
هو (الحجة) في اصطلاح جمهور أهل العلم ". انتهى من "مجموع فتاوى ابن تيمية"
٢٤: ٣٥٠.
٣- وجاء في "هدي الساري " ٢: ٥٩ا، في ترجمة (محمد بن جعفر
стр. 90
المعروف بغندر) : "روى له الجماعة، أحد الأثبات المتقنين من أصحاب شعبة،
اعتمده الأئمة كلهم حتى قال علي بن المديني: هوأحب الى من عبد الرحمن بن
مهدي في شعبة، وقال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في شعبة فكتاب غندر حكم
بينهم
لكن قال أبو حاتم: يكتب حديثه عن غير شعبة ولا يحتج به! قلت - القائل
ابن حجر-: أخرج له البخاري عن شعبة كثيرا، وأخرج له حديثا عن معمر،
واخر عن عبد الله بن سعيد بن أبي هندة، توبع فيهما، وروى له الباقون ". انتهى
كلام ابن حجر، وفي هذا رد صريح لقول أبي حاتم: (يكتب حديثه عن غير شعبة
ولايحتج به) .
٤ - وجاء أيضأ في "هدي الساري " ٢: ١٦٢، في ترجمة (محمد بن
أبي عدى البصري) : اروى له الجماعة، من شيوخ أحمد، قال عمرو بن علي
-الفلاس-: أحسن عبد الرحمن بن مهدي الثناء عليه، وقال أبوحاتم والنسائي
وابن سعد: ثقة. وفي االميزان " أن أبا حاتم قال: "لا يحتج به ". فينظر في ذلك.
وأبوحاتم عنده عنت، وقد احتج به الجماعة". انتهى.
٥ - ونقل الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى، في "نصب الراية" ٢: ٤٣٩ عن
ابن أبي حاتم - في "الجرح والتعديل " ٤ / ١: ٣٨٣ - عن أبي حاتم قوله في
(معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي ثم الأندلسي) : "لا يحتج به "، ثم تعقبه
بقول الحافظ ابن عبد الهادي في "التنقيح ":
"قول أبي حاتم: لا يحتج به، غير قادح، فإنه لم يذكر السبب، وقد
تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحيح، الثقات الأثبات
من غيربيان السبب، كخالد الحذاء وغيره.
ومعاوية بن صالح ثقة صدوق، وثقه أحمد وابن مهدي وأبوزرعة، وقال ابن
أبي حاتم: سالت أبي عنه، فقال: حسن الحديث، صالح الحديث. واحتج به
مسلم في "صحيحه"، ولم يرو شيئا خالف فيه الثقات. وكون يحيى بن سعيد كان
стр. 91
لا يرضاه، غير قادح فيه، فإن يحيى شرطه شديد في الرجال، ولذلك قال:
لولم أرو الاعمن أرضى ما رويت الا عن خمسة".
٦ - وجاء في "الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم ٢/١: ٣٥٣، في ترجمة
(خالد الحذاء: خالد بن مهران البصري) : (سمعت أبي يقول: خالد الحذاء يكتب
حديثه ولايحتج به ". انتهى.
وأورد ابن أبي حاتم قبل هذا في الترجمة نفسها "قال الأثرم: سمعت
أبا عبد الله -أحمد بن حنبل - يقول: خالد الحذاء ثبت. قال عبد الرحمن - ابن
أبي حاتم -: ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين أنه قال:
خالذ الحذاء ثقة". انتهى.
وجاء في "تهذيب التهذيب، ٣: ١٢١، في ترجمة (خالد الحذاء) زيادة على
ما تقدم من التوثيق: "وقال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة مهيبا كثير
الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات ". وقال العجلي: بصري ثقة. وقرأت بخط
الذهبي: ما خالد في الثبت بدون هشام بن عروة وأمثاله.
وحكى العقيلي في "تاريخه " -أي كتاب الضعفاء ٢: ٤ - من طريق
يحيى بن ادم، عن أبي شهاب، قال: قال لي شعبة: عليك بحجاج بن أرطاة
ومحمد بن إسحاق، فانهما حافظان، واكتم على عند البصريين في خالد الحذاء
وهشام. قال يحيى: وقلت لحماد بن زيد: فخالد الحذاء؟ قال: قدم علينا قدمة
من الشام، فكانه أنكرنا حفظه.
وقال عباد بن عباد: أراد شعبة أن يقع في خالد فاتيته أنا وحماد بن زيد، فقلنا
له: مالك؟ أجننت؟! وتهددناه فسكت. وحكى العقيلي من طريق أحمد بن حنبل:
قيل لابن علية في حديث كان خالد يرويه، فلم يلتفت إليه ابن علية، وضعف أمر
خالد.
قلت - القائل ابن حجر-: والظاهر أن كلام هؤلاء فيه، من أجل ما أشار إليه
стр. 92
حماد بن زيد، من تغير حفظه باخره، أو من أجل دخوله في عمل السلطان، والله
أعلم ". انتهى كلام ابن حجر في "تهذيب التهذيب ".
فلم يلتفت الحافظ الذهبي ولا ابن حجر هنا وفي "تقريب التهذيب "، إلى
قول أبي حاتم فيه، كيف وقد وثقه المعروفون بالتشدد، كابن معين والنساني، كما
وثقه أحمد والعجلى.
وقال الحافظ الذهبي في "تذكرة الحفاظ " ا: ١٤٩، في ترجمة (خالد
الحذاء) : "هو الحافظ الثبت، محدث البصرة، حدث عنه محمد بن سيرين شيخه،
وشعبة، وبشر بن المفضل، وأبو إسحاق الفزاري، وسماعيل بن علية، وسفيان بن
عيينة، وخلق.
وثقه أحمد بن حنبل وابن معين، واحتج به أصحاب الصحاح. وقال
أبوحاتم: لا يحتج به. مات سنه٤١ ا". انتهى. فاورد الذهبي هنا كلام
أبي حاتم مورد الإنكار والنقد والاستدراك على أبي حاتم رحمهما الله تعالى.
وقال الذهبي أيضا، في "الكاشف "ا: ٢٧٤، في ترجمة (خالد الحذاء) :
"الحافظ، ثقة إمام ". وقال أيضا في ترجمته في "المغني في الضعفاء"ا: ٢٠٦ "ثقة
جبل، والعجبن من أبي حاتم يقول: لا أحتج بحديثه ". -وفي نسخة من
"الكاشف ": "لا يحتج به ". انتهى. واذاكان (ثقة جبلا) ، فيكون الذهب ما ذكره
في "الضعفاء"إلا ليرد على أبي حاتم قوله فيه: "لا يحتج به ".
٧ - وجهاء في "سير أعلام النبلاء" للذهبي ١٣: ٨١، في ترجمة الإمام
أبي زرعة الرازي (عبيد الله بن عبد الكريم) ، قول الذهبي: "يعجبني كثيرا كلام
أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبين عليه الورع والمخبرة، بخلاف رفيقه
أبي حاتم، فانه جراح ".
٨ - وجلاء في "نصب الراية" للحافظ الزيلعي ٣: ٣١٠، عقب حديث رواه
(بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري) ، وأخرجه الترمذي في "جامعه " وقال:
стр. 93
"حديث حسن "، ورواه الحاكم في "المستدرك " وقال: "صحيح الإستاذ
ولم يخرجاه " ما يلي:
"قال ابن القطان في كتاب " الوهم والإيهام ": اختلف الناس في (بهز بن
حكيم) ، فحكى ابن أبي حاتم - في "الجرح والتعديل" ١ / ١: ٤٣٠ - عن أبيه:
أنه شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به، وعن أبي زرعة أنه قال فيه: صالح ولكن
ليس بالمشهور، وجعله الحاكم في أقسام الصحيح المختلف فيه.
وقول أبي حاتم: لا يحتج به. لا ينبغي أن يقبل إلا بحجة، وبهز ثقة عند
من علمه، وقد وثقه ابن الجارود والنساثي، وصحح الترمذي روايته عن أبيه، عن
جده (١) . وقال ابن عدي: روى حديثه ثقات الناس كالزهري، ولم أر له حديثا
منكرا، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا باس بحديثه، وقال أبوجعفر السبتي: إسنا
بهز عن أبيه، عن جده صحيح ". انتهى كلام الحافظ الزيلعي.
قال عبد الفتاح: وقد وثقه أيضا يحيى بن معين وابن المديني، وحسبك
بهما، كما نقله عنهما ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ا: ا: ٤٣٠، في ترجمة
(بهز)
وجاء في "تهذيب التهذيب " ا: ٤٩٨، في ترجمة (بهز) أيضا، زيادة على
ما تقدم من التوثيق: "وقال النسائي: ثقة، وقال أبوداود: هو عندي حجة، وقال
ابن حبان: كان يخطىء كثيرا، فاما أحمد واسحاق هما يحتجان به. . .، وقال
الترمذي: هوثقة عند أهل الحديث، وقال ابن قتيبة - في "المعارف " ص ٤٨٢ -:
وكان من خيار الناس ". انتهى.
стр. 94
قلت: وقد يقتصر أبو حاتم على قوله في بعض الرواة: (يكتب حديثه) ،
فيكون عنده أقوى ممن قال فيه: (يكتب حديثه ولا يحتج به) . جاء في "الجرح
والتعديل " ٢/٤: ١٤، في ترجمة (الوليد بن كثير المزني) قوله فيه: "شيخ يكتب
حديثه ". انتهى. ونقله الذهبي في ترجمته في "الميزان " ٤: هـ ٣٤، وعلق عليه
فقال: "الوليد بن كثير المزني، روى له النسائي، وثق، وقال أبوحاتم: يكتب
حديثة، مع أن قول أبي حاتم هذا ليس بصيغة توثيق، ولا هوبصيغة إهدار".
انتهى كلام الذهبي.
قلت: (ليس بصيغة توثيق) لأن من قيل فيه ذلك ضعيف نازل عن رتبة
الاحتجاج بحديثه، و (لا هو بصيغة إهدار) لأنه ليس ضعيفا جدا، بحيث لا يصلح
حديثة للمتابعات والشواهد، بل يكتب حديثه لصلاحيته لذلك، فهو بمثابة قولهم في
المرتبة السادسة اخر مراتب التعديل المشعر بالقرب من التجريح: (يعتبر به) ،
ويقابله قولهم في المرتبة الرابعة من مراتب الجرح: (لا يكتب حديثه)
قال عبد الفتاح: ولعل في هذا الذي قدمته من كلام الأئمة النقاد، حول عبارة
الإمام أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى، ما يفيد الجواب عن سؤال السائل عنها
في فاتحة هذه الرسالة، والله الهادي إلى الصواب.
وفي الحقيقة أن ألفاظ الجرح والتعديل في كتاب "الجرح والتعديل "، للإمام
أبي حاتم وابنه رحمهما الله تعالى، تحتاج إلى استقراء تام وجمع وتصنيف، ثم
استخلاص ما يشير إليه كل لفظ من تلك الألفاظ، حتى تضبط اصطلاحاتهما فيه،
وأرجو من الله تعالى أن يوفق لذلك فطنا ذكيا، وحاذقا ألمعيا، فيفرزها ويصنفها على
أحسن وجه وأدقه وأوفاه، فيقدم لخدمه السنة المطهرة محبيها لبنه تزيد فى اكتمال
صرحها وايفاء شرحها، والله ولى التوفيق.