← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 986

تذكير الأخيار بفضائل المكث في مكان أداء الصلاة وقراءة الأذكار

عبد الرزاق بن فاضل الربيعي

Полный текст (123 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المطلب الثالث: قراءة الإخلاص والمعوِّذتين سورة الإخلاص بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ سورة الفلق بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ سورة الناس بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 72

وَسَلَّمَ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ" (١). ويدخل في المعوذات عند الإطلاق سورة الإخلاص، وهذا ما فهمه البخاري ﵀، حيث بوَّب في صحيحه: [باب فضل المعوذات] وأورد في هذا الباب حديثين: الأول/ عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ" (٢). الثاني/ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" (٣). فدل هذا التبويب وإيراد الحديثين على دخول سورة الإخلاص في لفظ المعوذات. بل إن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 73

وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا اشْتَكَى، كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ (١). فقولها هذا يبين أن إطلاق لفظ المعوذات في حديث الرقية السابق يدخل فيه سورة الإخلاص. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: المراد بأنه كان (يقرأ بالمعوذات) أي: السور الثلاث، وذكر سورة الإخلاص معهما تغليبًا لما اشتملت عليه من صفة الرب، وإن لم يصرح فيها بلفظ التعويذ" (٢). فيستفاد استحباب قراءة المعوذتين والإخلاص عقب كل فريضة مرة مرة (٣).

стр. 74

المطلب الرابع: فضل الإخلاص والمعوذتين والانتفاع بقراءتهن أولًا: فضل سورة الإخلاص ـ حُبُّها سبب لنيل محبة الله: عَنْ عَائِشَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ ". فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ" (١). قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون سبب محبة الله له؛ محبته لهذه السورة، ويحتمل أن يكون لما دل عليه كلامه، لأن محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده" (٢). ـ سبب لدخول الجنة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ

стр. 75

مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ، افْتَتَحَ بِـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا تَقْرَأُ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: "يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ " فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: "حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ" (١).

стр. 76

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَجَبَتْ". قُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: "الْجَنَّةُ" (١). قال أبو الوليد الباجي ﵀: قوله: فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يحتمل أن يكون في غير صلاة، وقوله ﷺ : "وَجَبَتْ". يحتمل أن يريد بذلك تنبيه أبي هريرة ومن كان معه على فضلها وكثرة الثواب لقارئها" (٢). وعن مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حَتَّى يَخْتِمَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ". فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁:

стр. 77

إِذَنْ نَسْتَكْثِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُ أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ" (١). ـ تعدل ثلث القرآن: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ" (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "احْشُدُوا؛ فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ"، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ، ثُمَّ

стр. 78

خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ" (١). قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهَا عَدَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لِأَجْلِ هَذَا الِاسْمِ، الَّذِي هُوَ (الصَّمَدُ) فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ، وَكَذَلِكَ (أَحَدٌ). وَقِيلَ: إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ أَثْلَاثًا؛ ثُلُثًا مِنْهُ أَحْكَامٌ، وَثُلُثًا مِنْهُ وَعْدٌ وَوَعِيدٌ، وَثُلُثًا مِنْهُ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ، وَقَدْ جَمَعَتْ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أَحَدَ الْأَثْلَاثِ، وَهُوَ الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ. وَدَلَّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. "إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ" (٢). وَهَذَا نَصٌّ؛ وَبِهَذَا الْمَعْنَى سُمِّيَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (٣).

стр. 79

وعن أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ" (١). قال المازري ﵀: قيل: معناه: أن القرآن على ثلاثة أنحاء؛ قصص، وأحكام، وصفات لله تعالى، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ متمحضة، فهي ثلث، وجزء من ثلاثة أجزاء، وقيل: معناه: أن ثواب قراءتها يضاعف بقدر ثواب قراءة ثلث القرآن بغير تضعيف" (٢). ثانيًا: فضل المعوذتين والانتفاع بقراءتهن عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ " (٣). وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: اتَّبَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمِهِ، فَقُلْتُ: أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ سُورَةَ هُودٍ، وَسُورَةَ يُوسُفَ. فَقَالَ: "لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ " (٤). وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 80

وَسَلَّمَ فِي نَقْبٍ مِنْ تِلْكَ النِّقَابِ، إِذْ قَالَ: "أَلَا تَرْكَبُ يَا عُقْبَةُ؟ ". فَأَجْلَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَرْكَبْ مَرْكَبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا تَرْكَبُ يَا عُقْبَةُ؟ ". فَأَشْفَقْتُ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً، فَنَزَلَ، وَرَكِبْتُ هُنَيْهَةً وَنَزَلْتُ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُعَلِّمُكَ سُورَتَيْنِ مِنْ خَيْرِ سُورَتَيْنِ قَرَأَ بِهِمَا النَّاسُ؟ ". فَأَقْرَأَنِي ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَتَقَدَّمَ فَقَرَأَ بِهِمَا، ثُمَّ مَرَّ بِي فَقَالَ: "كَيْفَ رَأَيْتَ يَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ؟ اقْرَأْ بِهِمَا كُلَّمَا نِمْتَ وَقُمْتَ" (١).

стр. 81

وعن ابْنِ عَابِسٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "يَا ابْنَ عَابِسٍ، أَلَا أَدُلُّكَ - أَوْ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ - بِأَفْضَلِ مَا يَتَعَوَّذُ بِهِ الْمُتَعَوِّذُونَ؟ ". قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ" (١). وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالْأَبْوَاءِ إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، وَيَقُولُ: "يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا". قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَا بِهِمَا فِي الصَّلَاةِ" (٢). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ، وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا؛ أَخَذَ بِهِمَا، وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا" (٣).

стр. 82

ثالثًا: فضل الثلاث السور والانتفاع بقراءتهن عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاحِلَتَهُ فِي غَزْوَةٍ، إِذْ قَالَ: "يَا عُقْبَةُ، قُلْ". فَاسْتَمَعْتُ، ثُمَّ قَالَ: "يَا عُقْبَةُ، قُلْ". فَاسْتَمَعْتُ، فَقَالَهَا الثَّالِثَةَ، فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ؟ فَقَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. فَقَرَأَ السُّورَةَ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾. وَقَرَأْتُ مَعَهُ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾. فَقَرَأْتُ مَعَهُ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: "مَا تَعَوَّذَ بِمِثْلِهِنَّ أَحَدٌ" (١). وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِي: "يَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ". قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِي: "يَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، أَمْلِكْ لِسَانَكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ". قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِي: "يَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، أَلَا أُعَلِّمُكَ سُوَرًا مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي

стр. 83

الْإِنْجِيلِ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهُنَّ، لَا يَأْتِيَنَّ عَلَيْكَ لَيْلَةٌ إِلَّا قَرَأْتَهُنَّ فِيهَا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ ". قَالَ عُقْبَةُ: فَمَا أَتَتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ إِلَّا قَرَأْتُهُنَّ فِيهَا، وَحُقَّ لِي أَنْ لَا أَدَعَهُنَّ، وَقَدْ أَمَرَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " (١). وعَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ؛ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لَنَا، قَالَ: فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: "قُلْ"، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: "قُلْ"، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا قَالَ: "قُلْ"، فَقُلْتُ مَا أَقُولُ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ" (٢).

стр. 84

ــ الرقية بهن: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا" (١). وفي لفظ لمسلم: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي" (٢). ـ قراءتهن عند النوم: عن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَمَّا اشْتَكَى، كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ" (٣).

стр. 85

المطلب الخامس: تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين أولًا: تفسير سورة الإخلاص قال السعدي ﵀: أَيْ: قُلْ قَوْلًا جَازِمًا بِهِ، مُعْتَقِدًا لَهُ، عَارِفًا بِمَعْنَاهُ، ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أَيْ: قَدِ انْحَصَرَتْ فِيهِ الْأَحَدِيَّةُ، فَهُوَ الْأَحَدُ الْمُنْفَرِدُ بِالْكَمَالِ، الَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَالصِّفَاتُ الْكَامِلَةُ الْعُلْيَا، وَالْأَفْعَالُ الْمُقَدَّسَةُ، الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا مَثِيلَ. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أَيِ: الْمَقْصُودُ فِي جَمِيعِ الْحَوَائِجِ. فَأَهْلُ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مُفْتَقِرُونَ إِلَيْهِ غَايَةَ الِافْتِقَارِ، يَسْأَلُونَهُ حَوَائِجَهُمْ، وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ فِي مَهَمَّاتِهِمْ، لِأَنَّهُ الْكَامِلُ فِي أَوْصَافِهِ، الْعَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ، الْحَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِلْمِهِ، الرَّحِيمُ الَّذِي كَمُلَ فِي رَحْمَتِهِ الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَهَكَذَا سَائِرُ أَوْصَافِهِ، وَمِنْ كَمَالِهِ أَنَّهُ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لِكَمَالِ غِنَاهُ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا

стр. 86

أَحَدٌ﴾ لَا فِي أَسْمَائِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، ﵎. فَهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ" (١). ثانيًا: تفسير سورة الفلق قال السعدي ﵀: أَيْ: قُلْ مُتَعَوِّذًا ﴿أَعُوذُ﴾ أَيْ: أَلْجَأُ وَأَلُوذُ، وَأَعْتَصِمُ ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ أَيْ: فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَفَالِقُ الْإِصْبَاحِ. ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وَهَذَا يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا خَلَقَ اللَّهُ، مِنْ إِنْسٍ، وَجِنٍّ، وَحَيَوَانَاتٍ، فَيُسْتَعَاذُ بِخَالِقِهَا، مِنَ الشَّرِّ الَّذِي فِيهَا، ثُمَّ خَصَّ بَعْدَ مَا عَمَّ، فَقَالَ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ أَيْ: مِنْ شَرِّ مَا يَكُونُ فِي اللَّيْلِ، حِينَ يَغْشَى النَّاسَ، وَتَنْتَشِرُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ الشِّرِّيرَةِ، وَالْحَيَوَانَاتِ الْمُؤْذِيَةِ. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أَيْ: وَمِنْ شَرِّ السَّوَاحِرِ، اللَّاتِي يَسْتَعِنَّ عَلَى سِحْرِهِنَّ بِالنَّفْثِ فِي الْعُقَدِ، الَّتِي يَعْقِدْنَهَا عَلَى السِّحْرِ.

стр. 87

﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ وَالْحَاسِدُ: هُوَ الَّذِي يُحِبُّ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ فَيَسْعَى فِي زَوَالِهَا بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْبَابِ، فَاحْتِيجَ إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ، وَإِبْطَالِ كَيْدِهِ، وَيَدْخُلُ فِي الْحَاسِدِ: الْعَايِنِ، لِأَنَّهُ لَا تَصْدُرُ الْعَيْنُ إِلَّا مِنْ حَاسِدٍ شِرِّيرِ الطَّبْعِ، خَبِيثِ النَّفْسِ، فَهَذِهِ السُّورَةُ، تَضَمَّنَتِ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الشُّرُورِ، عُمُومًا وَخُصُوصًا. وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ يُخْشَى مِنْ ضَرَرِهِ، وَيُسْتَعَاذُ بِاللَّهِ مِنْهُ وَمِنْ أَهْلِهِ" (١). ثالثًا: تفسير سورة الناس قال السعدي ﵀: وَهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِرَبِّ النَّاسِ وَمَالِكِهِمْ وَإِلَهِهِمْ، مِنَ الشَّيْطَانِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الشُّرُورِ كُلِّهَا وَمَادَّتِهَا، الَّذِي مِنْ فِتْنَتِهِ وَشَرِّهِ، أَنَّهُ ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، فَيُحَسِّنُ لَهُمُ الشَّرَّ، وَيُرِيهِمْ إِيَّاهُ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ، وَيُنَشِّطُ إِرَادَتَهُمْ لِفِعْلِهِ، وَيُثَبِّطُهُمْ عَنِ الْخَيْرَ، وَيُرِيهِمْ إِيَّاهُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ، وَهُوَ دَائِمًا بِهَذِهِ الْحَالِ يُوَسْوِسُ وَيَخْنَسُ، أَيْ: يَتَأَخَّرُ إِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَاسْتَعَانَ عَلَى دَفْعِهِ.

стр. 88

فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ وَيَسْتَعِيذَ وَيَعْتَصِمَ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ. وَأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ، دَاخِلُونَ تَحْتَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْمُلْكِ، فَكُلُّ دَابَّةٍ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا. وَبِأُلُوهِيَّتِهِ الَّتِي خَلَقَهُمْ لِأَجْلِهَا، فَلَا تَتِمُّ لَهُمْ إِلَّا بِدَفْعِ شَرِّ عَدُوِّهِمُ، الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَقْتَطِعَهُمْ عَنْهَا وَيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ مِنْ حِزْبِهِ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ، وَالْوَسْوَاسُ كَمَا يَكُونُ مِنَ الْجِنِّ يَكُونُ مِنَ الْإِنْسِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ " (١).

стр. 89

المبحث الرابع: الدعاء بعد الصلوات وفي هذا المبحث مطلبان مهمان: المطلب الأول: الأدعية الواردة عن النبي ﷺ بعد الصلاة ـ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ، أَوْ تَجْمَعُ عِبَادَكَ" (١). قال القاضي: يحتمل أن يكون التَّيامُن عند التسليم، وهو الأظهر؛ لأن عادته ﷺ إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه. قال: وإقباله ﷺ يحتمل أن يكون بعد قيامه من الصلاة، أو يكون حين ينفتل" (٢). ـ وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ

стр. 90

وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ" (١). وبوَّب له أبو داود: بَابٌ: مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا سَلَّمَ. قال ابن القيم ﵀: هذا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ الطّوِيلِ الّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي اسْتِفْتَاحِهِ ﵊ وَمَا كَانَ يَقُولُهُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ. وَلِمُسْلِمٍ فِيهِ لَفْظَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنّ النّبِيّ ﷺ كَانَ يَقُولُهُ بَيْنَ التّشَهّدِ وَالتّسْلِيمِ، وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ. وَالثّانِي: كَانَ يَقُولُهُ بَعْدَ السّلَامِ، وَلَعَلّهُ كَانَ يَقُولُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاللّهُ أَعْلَمُ" (٢). ـ وعَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: "يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ". فَقَالَ: "أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى

стр. 91

ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ". وَأَوْصَى بِذَلِكَ مُعَاذٌ الصُّنَابِحِيَّ، وَأَوْصَى بِهِ الصُّنَابِحِيُّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ ـ الراوي عن الصُّنابِحِي ـ" (١). قال ابن القيم ﵀ بعد أن أورد حديث معاذ المذكور -: وَدُبُرُ الصّلَاةِ يَحْتَمِلُ قَبْلَ السّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَكَانَ شَيْخُنَا يُرَجّحُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ السّلَامِ، فَرَاجَعْته فيه، فقال: دُبُرُ كُلّ شَيْءٍ منه، كَدُبُرِ الْحَيَوَانِ" (٢). ـ وعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَا: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ الْمُكَتِّبُ الْغِلْمَانَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ" (٣). ـ وعن مسْلِم ابْن أَبِي بَكْرَةَ - أَنَّهُ كَانَ سَمِعَ وَالِدَهُ يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ". قال: فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِهِنَّ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَنَّى عُلِّمْتَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ؟ قُلْتُ: يَا أَبَتِ، سَمِعْتُكَ تَدْعُو بِهِنَّ

стр. 92

فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، فَأَخَذْتُهُنَّ عَنْكَ. قَالَ: فَالْزَمْهُنَّ يَا بُنَيَّ، فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ" (١). ـ وعن أبي أمامة الباهلي رضى الله عنه قال: ما دنوت من رسول الله ﷺ في دبر مكتوبة ولا تطوع إلا سمعته يقول: " اللهم اغفِرْ لي ذنوبي وخطايايَ كلَّها، اللهم أَنعِشْني (٢) واجبُرْني، واهدِني لصالحِ الأعمالِ والأخلاقِ؛ فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرفُ سيِّئَها إلا أنت" (٣).

стр. 93

المطلب الثاني: مسائل تتعلق بالدعاء بعد الصلاة وتحت هذا المطلب عدة مسائل: المسألة الأولى/ حكم رفع اليدين بالدعاء بعد الصلاة باستمرار سُئلت اللجنة الدائمة: رفع اليدين بالدعاء بعد الصلوات الخمس هل ثبت رفعها من النبي ﷺ أم لا، وإذا لم يثبت هل يجوز رفعهما بعد الصلوات الخمس أم لا؟ ج: لم يثبت عن النبي ﷺ فيما نعلم أنه رفع يديه بعد السلام من الفريضة في الدعاء، ورفعهما بعد السلام من صلاة الفريضة مخالف للسنة. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (١). المسألة الثانية/ الدعاء بغير العربية سُئلت اللجنة الدائمة: هل يجوز له الدعاء باللغة الإنجليزية؟ ج: يجوز للشخص أن يدعو الله جل وعلا باللغة التي يعرفها من لغة عربية

стр. 94

أو إنجليزية أو أوردية أو غيرها من اللغات؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (١). المسألة الثالثة/ حكم الدعاء الجماعي بعد الصلاة سُئلت اللجنة الدائمة: قراءة الفاتحة والدعاء جماعة خلف الصلاة المكتوبة هل هو سنة أم بدعة؟ ج: خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وقد تلقى خلفاؤه وأصحابه هديه ﷺ وعملوا به ونقلوه إلى من بعدهم، وكان هديه ﷺ أنه يذكر الله ويدعوه بمفرده، ولم يكن ﷺ يطلب أحدًا من الصحابة أن يجتمع معه ويدعو هو ومن معه جماعة، وما يفعله بعض الناس من قراءة الفاتحة والدعاء جماعة بعد الصلاة من البدع. وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" خرجه مسلم في صحيحه (٢)،

стр. 95

وأصله في الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١)، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، كما قال ذلك الإمام مالك بن أنس ﵀ وغيره من أهل العلم. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (٢). وفي سؤال آخر: ما حكم الدعاء بعد الصلاة مع الإمام؟ ج: الدعاء بعد الصلاة مع الإمام بصوت جماعي، أو الإمام يدعو والمأمومون يؤمنون على دعائه ذلك ـ بدعة لا يجوز. أما دعاء كل شخص لنفسه منفردًا وبلا رفع صوت فلا بأس به. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (٣).

стр. 96

تفصيل لابن القيم بشأن الدعاء بعد الصلاة قال ابن القيم ﵀: وَأَمّا الدّعَاءُ بَعْدَ السّلَامِ مِنْ الصّلَاةِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَوْ الْمَأْمُومِينَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَصْلًا وَلَا رُوِيَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ. وَأَمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِصَلَاتَيْ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ وَلَا أَرْشَدَ إلَيْهِ أُمّتَهُ وَإِنّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ رَآهُ مَنْ رَآهُ عِوَضًا مِنْ السّنّةِ بَعْدَهُمَا، وَاللّهُ أَعْلَمُ وَعَامّةُ الْأَدْعِيَةِ الْمُتَعَلّقَةِ بِالصّلَاةِ إنّمَا فَعَلَهَا فِيهَا وَأَمَرَ بِهَا فيها، وهذا هو اللّائِقُ بِحَالِ الْمُصَلّي، فَإِنّهُ مُقْبِلٌ عَلَى رَبّهِ يُنَاجِيهِ مَا دَامَ فِي الصّلَاةِ فَإِذَا سَلّمَ مِنْهَا انْقَطَعَتْ تِلْكَ الْمُنَاجَاةُ، وَزَالَ ذَلِكَ الْمَوْقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْقُرْبُ مِنْهُ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ سُؤَالَهُ فِي حَالِ مُنَاجَاتِهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، ثُمّ يَسْأَلُهُ إذَا انْصَرَفَ عَنْهُ؟! وَلَا رَيْبَ أَنّ عَكْسَ هَذَا الْحَالِ هُوَ الْأَوْلَى بِالْمُصَلّي، إلّا أَنّ هَاهُنَا نُكْتَةً لَطِيفَةً؛ وَهُوَ أَنّ الْمُصَلّيَ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَذَكَرَ اللّهَ وَهَلّلَهُ وَسَبّحَهُ وَحَمِدَهُ وَكَبّرَهُ بِالْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ عَقِيبَ الصّلَاةِ اُسْتُحِبّ لَهُ أَنْ يُصَلّيَ عَلَى النّبِيّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ، وَيَكُونُ دُعَاؤُهُ عَقِيبَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الثّانِيَةِ، لَا لِكَوْنِهِ دُبُرَ الصّلَاةِ. فَإِنّ كُلّ مَنْ ذَكَرَ اللّهَ وَحَمِدَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلّى عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ

стр. 97

وَسَلّمَ اُسْتُحِبّ لَهُ الدّعَاءُ عَقِيبَ ذَلِكَ، كَمَا فِي حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ (١) مرفوعًا إلى النبي ﷺ : "إذَا صَلّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ اللّهِ وَالثّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمّ لِيُصَلّ عَلَى النَبِيّ ﷺ ثُمّ لِيَدْعُ بِمَا شَاءَ" (٢).

стр. 98

المبحث الخامس بيان ما يُزاد بعد صلاتي الفجر والمغرب من الدعاء والذكر ويشتمل هذا المبحث على ثلاثة مطالب: المطلب الأول/ ما يُزاد بعد صلاتي الفجر والمغرب عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ـ تابعي ـ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، وَيَثْنِيَ رِجْلَهُ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَتْ حِرْزًا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَحِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَلَمْ يَحِلَّ لِذَنْبٍ يُدْرِكُهُ إِلَّا الشِّرْكَ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ عَمَلًا إِلَّا رَجُلًا يَفْضُلُهُ، يَقُولُ أَفْضَلَ مِمَّا قَالَ" (١).

стр. 99

وعَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهِ فَقَالَ: "إِذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلِ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ، سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتَّ فِي لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا، وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كَذَلِكَ، فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ فِي يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا". أَخْبَرَنِي أَبُو سَعِيدٍ، عَنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ: أَسَرَّهَا إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَحْنُ نَخُصُّ بِهَا إِخْوَانَنَا" (١). وقال ابن عثيمين ﵀: أما في صلاة المغرب وصلاة الفجر فإنه ورد أنه يقول بعدها عشر مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وكذلك يقول: ربي أجرني من النار (سبع مرات) (٢).

стр. 100

وقال أيضًا في إجابة على سؤال آخر ـ: في المغرب يُزاد، وفي الفجر أيضاً يزاد: التهليل عشر مرات، وكذلك: ربي أجرني من النار، سبع مرات" (١). المطلب الثاني/ ما يُزاد بعد صلاة الفجر عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ يُسَلِّمُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا" (٢). قوله: (نافعًا) أي: بالعمل به فيكون حجة لي لا عليَّ (طيِّبًا) أي: حلالًا، وحمْلُه على المستلذّ بعيدٌ هاهنا، إلا أن يحمل على رزق الآخرة لا رزق الدنيا" (٣). وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ

стр. 101

سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ يَوْمَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي حِرْزٍ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا الشِّرْكَ بِاللَّهِ" (١). تنبيه/ لفظة: "وهو ثان رجليه" ضعفها بعض العلماء (٢). وعلى القول بصحتها فقد رأى بعض العلماء أن المراد منها بقاء المصلي في مكان صلاته، سواء غير جلسته أم لم يغيرها، كما في الفتوى التالية. س: من قال قبل أن ينصرف أو يثني رجليه" -كما جاء في الحديث-: "لا إله

стр. 102

إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير بعد المغرب والفجر" … إلى آخر الحديث. والحديث الآخر الوارد عن النبي ﷺ : "أنه كان يلتفت بعد أن يقول: اللهم أنت السلام". هل هذا خاصٌ بالإمام، أم بالإمام والمأموم والمنفرد؟ فأجاب الشيخ ابن عثيمين ﵀: الإمام لا يبقى متوجهاً إلى القبلة إلا بقدر الاستغفار ثلاثاً، واللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. فإذا قال الإمام: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فلينصرف، وذلك لأن المأمومين مربوطون به، فقد قال النبي ﷺ : "لا تسبقوني بالانصراف" وإذا كانوا مربوطين به فلا ينبغي له أن يبقى فيسجن الناس، بل يقول بقدر ما كان النبي ﷺ ، ثم ينصرف، هذا هو السنة في حق الإمام. أما المأموم فإذا انصرف إمامه فله أن ينصرف، وأما ما جاء في الحديث: "قبل أن يثني رجليه". فالمعنى: أنه إذا قال ذلك وهو في مكانه سواءٌ ثنى رجليه اتباعاً للسنة كالإمام أم لا" (١).

стр. 103

المطلب الثالث/ ما يُزاد بعد صلاة المغرب وعَنْ عُمَارَةَ بْنِ شَبِيبٍ السَّبَئِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ عَلَى إِثْرِ الْمَغْرِبِ بَعَثَ اللَّهُ مَسْلَحَةً يَحْفَظُونَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ مُوجِبَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ مُوبِقَاتٍ، وَكَانَتْ لَهُ بِعَدْلِ عَشْرِ رِقَابٍ مُؤْمِنَاتٍ" (١). وقد تقدم دليل هذا الذكر في حديث آخر، وأعدت إيراده لوروده بلفظ المغرب منفردًا، وللتأكيد على فضله وبيان ثوابه، وزيادة ذكر حراسة الملائكة لقائله.

стр. 104

المبحث السادس الذكر بعد النوافل وفيه مطلبان: المطلب الأول/ هل يقال بعد النوافل كما يقال بعد الفرائض سُئل ابن عثيمين ﵀: الاستغفار بعد الصلاة؛ هل هو عام في جميع الصلوات الفرض والنفل، أم هو خاص بالفرائض فقط؟ فأجاب ﵀: الذي يظهر لي من السنة أن الاستغفار واللهم أنت السلام ومنك السلام. وبقية الأذكار إنما تكون في الفريضة فقط؛ لأن الذين صلوا مع النبي ﷺ صلاة الليل لم يذكروا أنه فعل ذلك بعد أن ختم صلاته، لكن جاء حديث ورد عن النبي ﷺ إذا سلم من الوتر أن يقول: سبحان الملك القدوس. ثلاثة مرات يمد صوته في الثالثة (١).

стр. 105

المطلب الثاني/ الذكر بعد الوتر عن أبي بن كعب ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، كان يقرأ في الأولى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]. وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]. وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]. وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَإِذَا فَرَغَ قَالَ عِنْدَ فَرَاغِهِ: "سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ". ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يُطِيلُ فِي آخِرِهِنَّ (١). وفي لفظ لأحمد: أنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. وَكَانَ إِذَا سَلَّمَ قَالَ: "سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ"، ثَلَاثًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْآخِرَةِ (٢).

стр. 106

وبوب ابن حبان ﵀ في صحيحه بقوله: ذكر ما يستحب للمرء أن يسبح الله جلَّ وعلا عند فراغه من وتره" (١). وقال ابن قدامة ﵀: يستحب أن يقول بعد وتره: "سبحان الملك القدوس". ثلاثًا، ويمد صوته بها في الثالثة (٢). وقال النووي ﵀: يستحب أن يقول بعد الوتر ثلاث مرات: "سبحان الملك القدوس" (٣). وقال الشوكاني ﵀: وبعد السلام "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات، يمد صوته ويرفعه في الثالثة، "رب الملائكة والروح". الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والدارقطني كما قال المصنف ﵀" (٤). وسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ما يقول المصلي بعد انتهائه من صلاة الوتر؟

стр. 107

فأجابت: روى أبو داود والنسائي رحمهما الله عن أبي بن كعب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلم في الوتر قال: "سبحان الملك القدوس" وفي رواية النسائي "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات يطيل في آخرهن. ورواه النسائي في الكبرى بإسناد جيد بلفظ "يمد صوته في الثالثة ويرفع" من حديث عبد الرحمن بن أبزى ﵁، ورواه الدارقطني ﵀ بإسناد جيد بلفظ: «سبحان الملك القدوس [رب الملائكة والروح] " (١). وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" (٢).

стр. 108

الفصل الرابع مسائل مهمة للمأمومين والأئمة يحتوي هذا الفصل على مسائل هامة تتعلق بالدعاء والأذكار عقب الصلوات، وتشمل الأئمة والمأمومين، وتم ترتيبها تحت المطالب الآتية: المطلب الأول/ الجهر بالذكر بعد الصلاة عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ" (١). وعنه بلفظ: كَانَ يُعْلَمُ انْقِضَاءُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ" (٢). قال المباركفوري: أي: بعد الصلاة، وفي الرواية الآتية "بالذكر" وهو أعم من التكبير والتكبير أخص وهذا مفسر للأعم" (٣). وسُئلت اللجنة الدائمة: ما حكم رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة (صلاة

стр. 109

الفريضة)، وهل يعم جميع الصلوات أم في صلوات معينة، وهل يكره إذا كانت هنالك جماعة أخرى أو أفراد يصلون؟ ج: يشرع رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة المكتوبة، لما ثبت من حديث ابن عباس ﵄ قال: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ . وأنه قال أيضا: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته (١)، ولو وجد أناس يقضون الصلاة سواء كانوا أفرادًا أو جماعات وذلك في جميع الصلوات الخمس المفروضة. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (٢). وورد في ضمن سؤال آخر: وما حكم جهر الصوت بالدعاء وقراءة القرآن؟ فأجابت اللجنة: أما رفع الصوت بالدعاء وقراءة القرآن بصفة جماعية فهذا لم يرد عنه ﷺ ولا عن صحابته، وفعله بدعة، أمَّا إذا دعا الإنسان لنفسه أو قرأ لنفسه جهرًا فلا شيء فيه، إذا لم يتأذ به غيره، وهكذا الدعاء الذي يؤمن عليه كدعاء القنوت.

стр. 110

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (١). وسُئل ابن باز ﵀: ما حكم الذكر الجماعي بعد الصلاة على وتيرة واحدة كما يفعله البعض وهل السنة الجهر بالذكر أو الإسرار؟ ج: السنة الجهر بالذكر عقب الصلوات الخمس وعقب صلاة الجمعة بعد التسليم لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ ، قال ابن عباس ﵄: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته" (٢). أما كونه جماعيًا بحيث يتحرى كل واحد نطق الآخر من أوله إلى آخره وتقليده في ذلك فهذا لا أصل له بل هو بدعة، وإنما المشروع أن يذكروا الله جميعًا بغير قصد لتلاقي الأصوات بدءًا ونهاية" (٣). وسُئل ابن عثيمين ﵀: هذا مستمع للبرنامج يقول: إنه إمام في أحد المساجد، وبعد التسليم أقوم بالورد أو أسبح بالطريقة المشروعة بصوتٍ مرتفع، فأنكر عليَّ بعض العامة ذلك بقولهم: إنك قد تشوش على الذين
следующие страницы →