Полный текст (491 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
القسم الأول
حلب قبل الإسلام
اسمها زمن إبراهيم الخليل
اسم حلب عربي لا شك فيه. وكان لقباً لتل قلعتها. وإنما عرف بذلك لأن إبراهيم الخليل صلوات الله عليه، كان إذا اشتمل من الأرض المقدسة، ينتهي إلى هذا التل فيضع به أثقاله، ويبث رعاءه إلى نهر الفرات
وإلى الجبل الأسود. وكان مقامه بهذا التل يحبس به بعض الرعاء، ومعهم الأغنام، والمعز، والبقر. وكان الضعفاء إذا سمعوا بمقدمه أتوه من كل وجه، من بلاد الشمال. فيجتمعون مع من اتبعه من الأرض المقدسة، لينالوا من بره، فكان يأمر الرعاء بحلب ما معهم طرفي النهار. ويأمر ولده وعبيده باتخاذ الطعام فإذا فرغ له من ذلك أمر بحمله إلى الطرق المختلفة بإزاء التل، فيتنادى الضعفاء: " إن إبراهيم حلب "، فيتبادرون إليه.
فنقلت هذه اللفظة كما نقل غيرها، فصارت اسماً لتل القلعة. ولم يكن في ذلك الوقت مدينة مبنية.
قيل: إن " بيت لاها " كان يقيم به أيضاً إبراهيم صلى الله عليه ورعاؤه يختلف إليه. وكان يفعل فيه أيضاً، كما يفعل في تل القلعة. لكن الاسم غلب على تل القلعة دون غيره.
وقيل: إن إبراهيم صفى الله عليه لما قطع الفرات من حران أقام ينتظر ابن أخيه " لوطا "، في كثير ممن يتبعه في سنة شديدة المحل. وكان الكنعانيون يأتون
стр. 2
إبراهيم ﵇ بأبنائهم فيهبونهم منه، ويتصدق عليهم بأقواتهم من الطعام، والغنم. وصار إبراهيم ﵇ إلى أرض حلب فاتخذ الركايا، وكرا الأعين، ومنها: عين إبراهيم ﵇ وهي التي بنيت عليها مدينة حلب.
وكان للكنعانيين بتل القلعة في رأسه بيت للصنم، فصار إليه إبراهيم ﵇ فأخرج الصنم، وقال لمن حضره من الكنعانيين: أدعوا إلهكم هذا أن يكشف عنكم هذه الشدة. فقالوا: وهل هو إلا حجر. فقال لهم: فإن أنا كشفت عنكم هذه الشدة، ما يكون جزائي. قالوا له: نعبدك فقال لهم: بل تعبدون الذي أعبده فقالوا: فجمعهم في رأس التل، ودعا الله، فجاء الغيث. وضرب إبراهيم ﵇ برأس ظله حين أقلع الغيث. وتوافت إليه رعاؤه، فكان يأمر أصحابه بإصلاح الطعام، ويضعه بين أوعية اللبن، ويأمر بعضهم فينادي: " ألا إن إبراهيم قد حلب فهلموا "، فيأتون من كل وجه، فيطعمون، ويشربون، ويحملون ما بقي إلى بيوتهم. فكان الكنعانيون يخبرون عن مقام
إبراهيم بما كان يفعله. وصار قولهم " حلب " بطول هذا الاستعمال لقباً لهذا التل، فلما عمرت المدينة تحته سميت باسمه.
وذكر بعضهم: أنها إنما سميت " حلب " باسم من بناها، وهو: حلب بن المهر ابن حيص بن عمليق من العمالقة. وكانوا إخوة ثلاثة: بردعه، وحمص، وحلب، أولاد المهر. فكل منهم بنى مدينة سميت باسمه.
عند اليونانيين
وكان اسم حلب باليونانية " باروا " وقيل بيرؤا. وذكر ارسطاطاليس في كتاب الكيان: أنه لما خرج الاسكندر لقصد دارا الملك، ومقاتلته، كان ارسطاطاليس في صحبته، فوصل إلى حلب وهي تعرف بلسان اليونانية " بيرؤا " فلما تحقق ارسطوطاليس حال تربتها، وصحة هوائها، استأذن الإسكندر في المقام بها، وقال له: إن بي مرضاً باطناً، وهواء هذه البلدة موافق لشفائي. فأقام بها فزال مرضه.
بناؤها في قديم الزمان
وقيل: إن الذي بنى مدينة حلب أولاً ملك من ملوك الموصل يقال له:
стр. 3
بلوكوس الموصلي. ويسميه اليونانيون: " سردينبلوس ". وكان أول ملكه في سنة ثلاثة آلاف وتسعمائة وتسع وثمانين سنة لآدم صلوات الله عليه. وملك خمساً وأربعين سنة. وفي سنة تسع وعشرين من ملكه وهي سنة أربعة آلاف وثماني عشرة سنة لآدم، ملكت ابنته " أطوسا "، المسماة " سميرم " مع أبيها بلوكوس.
وذكر أبو الريحان البيروني في كتاب القانون المسعودي، وقال: بنيت
حلب في أيام بلقورس من ملوك نينوى، وكان ملكه لمضي ثلاثة آلاف وتسعمائة واثنتين وستين سنة لآدم ﵇ ومدة مقامه في الملك ثلاثون سنة.
وشاهدت على ظهر كتاب عتيق من كتب الحلبيين بخط بعضهم: رأيت في القنطرة التي على باب أنطاكية، من مدينة حلب، في سنة عشرين وأربعمائة للهجرة كتابة باليونانية، فسألت عنها، فحكى لي أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الحسيني الحراني أيده الله، أن أبا أسامة الخطيب بحلب حكى له: أن أباه حدثه: أنه حضر مع أبي الصقر القبيصي، ومعهما رجل يقرأ باليونانية، فنسخوا هذه الكتابة وأنفذ إلي نسختها في رقعة وهي: " بنيت هذه المدينة، بناها صاحب الموصل، والطالع العقرب والمشتري فيه، وعطارد يليه، ولله الحمد كثيرا ".
وهذا يدل على ما ذكرناه، وهو أن بلوكوس الموصلي هو الذي عمرها. وكان قبل الاسكندر.
وذكر يحيى بن جرير التكريتي في كتاب له ضمنه أوقات بناء المدن،
ما يدل على أن حلب بعد بناء بلوكوس خربت، وجدد عمارتها غيره، بعد موت الاسكندر فإنه قال بعد ذكر دولة الاسكندر وموته باثنتي عشرة سنة بنى سلوقوس اللاذقية، وسلوقية وأفامية، وبارؤا وهي حلب، واداسا وهي الرها، وكمل بناء أنطاكية وزخرفها وسماها على اسم ولده انطيوخوس وهي أنطاكية وكان شرع في بنائها قبله أنطيغنوس في السنة السادسة من موت الاسكندر. وذكر أنه بناها على نهر أورنطس وسماها: انطوغينا.
وقال: كان الملك الأول على سوريا، وبابل، " سلوقوس نيقطور " وهو
стр. 4
سرياني، وملك في السنة الثالثة عشرة لبطلميوس بن لاغوس، بعد موت الاسكندر، وألزم اليهود أن يقيموا في المدن التي بناها وقرر عليهم الجزية.
وسوريا هي الشام الأولى وهي: حلب وما حولها من البلاد على
ما ذكره بعض الرواة وفي طرف بلد حلب، بناحية الأحص، مدينة عظيمة داثرة، وبها آثار قديمة، يقال لها سورية وإليها ينسب القلى السورياني، فلعل الناحية كلها ينسب إليها، ويطلق عليها اسمها، كما أطلق بعد ذلك على جميع الكورة اسم قنسرين.
وقال بعض المؤرخين من المسيحية: الذي ملك بعد الاسكندر بطلميوس الأريب وهو الذي بنى مدينة حلب، وسماها " أشمونيت ". وذلك
أنه اختار بناء المدينة في موضع، وأراد أن يكون بها الماء، فخرج ودار حولها، حتى رأى الأعين التي " بحيلان "، فأمر المهندس أن يبني عليهن بناء، ويحكمه، وأن يجريهن إلى المكان الذي هو مرسوم بمنزلة الملك. وجمع الناس للعمل في عمارة المدينة، فاحتفر في وسط المدينة حفيرة بثقها إلى النهر الذي أجراه، وأمر بالقساطل أن تعمل فاختفت، فاتخذت من الحجارة، فتم ما أراد وبنى له بناء في موضع الريحانيين يومنا هذا، واتخذ عليه قصراً، وبنى المدينة. وآخر ما بناه " باب أنطاكية " ورتب فيها ابنته " أشمونيت "، وسمى المدينة باسمها وأضاف لها جنداً وزوجها " بإيلياوس "، أحد أبناء ملوكهم، وكان قائد جيش الأريب، وصار إلى أنطاكية، وليست من بناء اليونان فإن رسمها قديم، فتمم بناءها، وأضافها إلى إيلياوس زوج أشمونيت.
حكامها
من اليونان
وملك الأريب تسعاً وعشرين سنة. وملك بعده ابنه بطلميوس، ولفب
стр. 5
باليونانية: " محب أخيه "، وكانت أخته أشمونيت نائبة عنه، فبقي في
الملك ستاً وعشرين سنة. وملك بعده ابنه بطلميوس الاورجاتس ولقب باليونانية بالفاعل فبقي في الملك أربعاً وعشرين سنة. وملك بعده بطلميوس فليفاطر ولقب باليونانية محب أبيه، وأشمونيت وزوجها وولدها يتولون حلب. وملك بعده " بطلميوس محب أمه " وهو ابن أشمونيت وكان ينزل حلب، وعمر على صخرتها قلعة، وحضنها، فخرج عليه في آخر أيامه " أنطياخوس " ملك الروم، واستنجد عليه فلم يكن لمحب أمه به طاقه، فخرج عنها مع أمه، فأسرهما أنطياخوس، وعذبهما، واستصفى أموالهما، وشرع في هدم ما جددت أشمونيت من بناء حلب. فقيل له إن الذي يفعله ليس من عادة الملوك، فكف عن هدمها، وتوعد من يسكن بحلب، فصار الناس إلى غيرها. وعاد إلى أنطاكية فاستحدث بها أبنية لنفسه. فلذلك يزعم قوم أن أنطاكية من بنائه، وليس الأمر كذلك، وإنما له فيها مثل ما لبطلميوس الأريب من التتميم.
ويقال: إن أشمونيت وهي حلب تجاوزت عمارتها ما رسمه الأريب، حتى صارت العمارة إلى جميع الجوانب. وقيل: إن أشمونيت نصبت حواليها مائة آلف نصبة من الزيتون، ومن التين مائة آلف نصبة وغير ذلك من الأشجار الجبلية الشامية. ولم يبق بحلب موضع يتسب إلى أشمونيت غير العين المعروفة بأشمونيت. وماتت أشمونيت وولدها في أسر أنطياخوس تحت العقاب.
وقيل هو الذي بنى
قنسرين ، وأجرى الماء إليها في قناة من عين المباركة.
وقيل: بناها غيره. وعرف أنطياخوس ببطلميوس الرابع.
وقيل: إن أشمونيت حال محاربتها أنطياخوس أتتها نجدة من مصر، فهزمته فصار إلى الشرق فمات.
ثم ملك حلب بعد أشمونيت أبطلميوس ابيفانيس " وهو قائد العسكر، وفي زمانه اشترت اليهود منه موضع القلعة المعروفة اليوم بقلعة الشريف فتحصنوا بها، وكانوا يعينون الملك في القتال ويحملون له الأموال.
ثم ملك بعده بطلميوس فيلوبطر، وهلك انطياخوس في أيامه.
стр. 6
من الرومان
ثم ملك بعده جماعة من ملوك اليونان، إلى أن صار الملك إلى القياصرة ملوك الروم فملك منهم عدة ملوك إلى أن ملك أوغسطس قيصر بن مويوخس، فاستولى على الدنيا، وقهر الملوك، وقصد مضر ليستولي عليها، فلما بلغ حلب وكان أمره قد عظم، قال: إن بطلميوس الأريب لم يرض أن ينزل منزلاً لغيره. فسار إلى موضع مدينة قنسرين فأمر القواد أن يأمروا من قبلهم بتحويط منازلهم، وأخذ كل واحد ببناء ما حوطه، فبنى قنسرين وسماهما " مدينة العسكر ". ونقل الأسواق من حلب إليها، ولم يبق بحلب إلا من لا
حاجة للعسكر به. وكانت هذه أعظم من فعل انطياخوس. وقيل: إنه أمر أن ينفق على القناة إليها فأنفق نائبه مالاً على القناة، وأجرى الماء فيها من عين المباركة، وساقها إلى القناطر إلى قنسرين، وبنى بها ثلاثة برك على شكل المثلث، وفايضها ينحدر إلى الأرضين التي تحتها.
وصار الملك بعده إلى جماعة من القياصرة ملوك الروم. وصارت أنطاكية دار الملك، وبها مقام ملوك الروم، وكانوا يدعونها مدينة الله، ومدينة الملك، وأم المدن، لأنها أول بلد ظهر فيه دين النصرانية. ومعظم سور مدينة حلب من بناء الروم. وملك منهم ملك يقال له: فوقاس فسفك الدماء، وتتبع حاشية كسرى، فقتلهم، فتوجه كسرى أنوشروان إلى الشام فافتتح حلب، وأنطاكية، ومنبج، ورم ما استهدم من سور مدينة حلب بالقرميد الكبار، وهو ظاهر في سور المدينة الكبير، فيما بين بابي اليهود والجنان. وجدد كسرى بناء منبج وسماها منبه، وهو بالفارسية: أنا أجود، فعربت فقيل منبج. واستحسن أنطاكية فلما عاد إلى العراق بنى مدينة على صورتها، وسماها ردحسره، وهي التي تسمى رومية، وأدخل إليها سبي أنطاكية. فقيل إنهم
لم ينكروا من منازلهم شيئاً فانطلقوا إليها إلا رجل اسكاف، كان على باب داره بأنطاكية شجرة فرصاد، فلم يرها على بابه ذلك، فتحير ساعة،؟ ثم دخل الدار، فوجدها مثل داره. ولما عاد كسرى عن الشام، قام هرقل بن فوق بن مروقس وجمع بطارقة
стр. 7
الروم، وأولي المراتب، وذكر لهم سوء آثار فوقاس ملك الروم " وغلبة الفرس على ملكهم بسوء تدبيره، وإقدامه على الدماء، ودعاهم إلى قتله فقتلوه، ووقع اختيارهم على هرقل فملكوه.
وفي أول سنة من ملكه كانت هجرة نبينا محمد ﷺ من مكة إلى المدينة، واستولى على حلب، وعلى جميع البلاد، التي استولى عليها أنو شروان وكان جل مقامه بأنطاكية.
стр. 8
القسم الثاني
حلب في صدر الإسلام
قنسرين
فلما افتتح المسلمون أجناد الشمام، وكانت وقعة اليرموك، وقتل
المسلمون فيها معظم الروم، وأمير المسلمين عليهم أبو عبيدة بن الجراح ﵁ انتقل هرقل من أنطاكية، وعبر الفرات إلى الرها، وجعل بقنسرين ميناس الملك، وكان أكبر ملوك الروم بعد هرقل.
فسار أبو عبيدة بعد فراغه من اليرموك إلى حمص ففتحها، ثم بعث خالد بن الوليد على مقدمته إلى قنسرين، فلما نزل بالحاضر زحف لهم الروم،
وثار أهل الحاضر بخالد بن الوليد، وعليهم " ميناس " وهو رأس الروم وأعظمهم فيهم بعد هرقل فالتقوا بالحاضرة فقتل ميناس ومن معه مقتلة لم يقتلوا مثلهما. ومات الروم على دمه حتى لم يبق منهم أحد.
وأما أهل الحاضر فكانوا من تنوخ، منذ أول ما تنخوا بالشام، ونزلوه وهم
стр. 9
في بيوت الشعر، ثم ابتنوا المنازل، فأرسلوا إلى خالد: أنهم عرب، وأنهم لم يكن من رأيهم حربه، فقتل منهم، وترك الباقين.
فدعاهم أبو عييدة بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم بعضهم، وبقي البعض على النصرانية، فصالحهم على الجزية. وكان أكثر من أقام على النصرانية بنو سليح بن حلوان بن عمران ين الحاف بن قضاعة.
ويقال: إن جماعة من أهل ذلك الحاضر أسلموا في خلافة المهدي، فكتب على أيديهم بالخضرة: قنسرين.
ثم إن خالداً سار فنزل على قنسرين، فقاتله أهل قنسرين، ثم لجؤوا إلى حصنهم، فتحصنوا فيه، فقال: " إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله عليكم أو لأنزلكم إلينا " ثم إنهم نظروا في أمرهم، وذكروا ما لقي أهل حمص فطلبوا منه الصلح، فصالحوه على حمص، فأبى إلا على إخراب المدينة فأخربها.
وكان صلح حمص على دينار وطعام على كل جريب أيسروا أو أعسروا. وغلب المسلمون على جميع أرضها وقراها، وذلك في سنة ست عشرة للهجرة.
حلب
ثم إن خالداً ﵁ سار إلى حلب، فتحصن منه أهل حلب. وجاء أبو عبيدة ﵁ حتى نزل عليهم، فطلبوا إلى المسلمين الصلح والأمان، فقبل منهم أبو عبيدة وصالحهم، وكتب لهم أماناً.
ودخل المسلمون حلب من " باب أنطاكية وحفوا حولهم بالتراس داخل الباب، فبني ذلك المكان مسجداً، وهو المسجد المعروف بالغضائري، داخل باب أنطاكية، ويعرف الآن بمسجد شعيب.
ولما توجه أبو عبيدة إلى حلب بلغه أن أهل قتسرين قد نقضوا فرد
إليهم السمط بن الأسود الكندي، فحصرهم ثم فتحها، فوجد فيها بقراً وغنماً، فقسم بعضها فيمن حضر، وجعل الباقي في المغنم.
стр. 10
وكان حاضر قنسرين قديماً نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حين نزل الجبلين من تزل منهم، فلما ورد أبو عبيدة عليهم أسلم بعضهم، وصولح كثير منهم على الجزية، ثم أسلموا بعد ذلك بيسير إلامن شذ منهم.
وكان بقرب مدينة حلب حاضر حلب يجمع أصنافاً من العرب من تنوخ وغيرهم، فصالحهم أبو عبيدة على الجزية، ثم إنهم أسلموا بعد ذلك، وجرت بينهم وبين أهل حلب حرب أجلاهم فيها أهل حلب، فانتقلوا إلى قنسرين.
وكانت قتسرين وحلب إذ ذاك مضافتين إلى حمص فأفردهما يزيد بن معاوية في أيامه. وقيل: أفردهما معاوية أبوه.
خالد بن الوليد
ولما بلغ عمر بن الخطاب ﵁ ما فعل خالد في فتح قنسرين وحلب، قال: أمر خالد نفسه، يرحم الله أبا بكر، هو كان أعلم بالرجال مني. يعني أن خالداً كان أمير المسلمين من جهة أبي بكر ﵁ على الشام، فلما ولي عمر عزله وولى أبا عبيدة.
ثم ولاه عمر ﵁ على قنسرين فأدرب خالد وعياض بن غنم أول مدربة كانت في الإسلام، سنة ست عشرة.
إمارة خالد
ورجع خالد، فأتته الامارة من عمر ﵁ على قنسرين، فأقام خالد أمير، تحت يد أبي عبيدة عليها، إلى أن أغزى هرقل أهل مصر في البحرة وخرج على أبي عبيدة في عساكر الروم، وأبو عبيدة بحمص بعد رجوعه من فتح حلب. فاستمد أبو عبيدة خالداً فأمده بمن معه، ولم يخلف أحداً، فكفر أهل قنسرين بعده، وبايعوا هرقل وكان أكفر من هناك تنوخ.
واشتور المسلمون فأجمعوا على الخندقة والكتاب إلى عمر ﵁ بذلك. وأشار خالد بالمناجزة فخالفوه، وخندقوا. وكتبوا إلى عمر ﵁ واستصرخوه.
стр. 11
وجاء الروم بمددهم، فنزلوا على المسلمين، وحصروهم. وبلغت أمداد الجزيرة ثلاثين ألفاً، سوى أمداد قنسرين، من تنوخ وغيرهم، فنالوا من المسلمين كل منال. وكتب عمر ﵁ إلى سعد بن أبي وقاص يخبره بذلك، ويأمره أن يبث المسلمين في الجزيرة، ليشغلهم عن أهل حمص. وأمده عمر
﵁ بالقعقاع ابن عمرو، فتوغلوا في الجزيرة، فبلغ الروم، فتقوضوا عن حمص إلى مدائنهم.
وندم أهل قنسرين وراسلوا خالداً، فأرسل إليهم: " لو أن الأمر إلي ما باليت بكم، كثرتم أم قللتم، لكني في سلطان غيري، فإن كنتم صادقين، فانفشوا كما نفش أهل الجزيرة ". فساموا سائر تنوخ ذلك، فأجابوا، وأرسلوا إلى خالد: " إن ذلك إليك، فإن شئت فعلنا وإن شئت أن تخرج علينا فننهزم بالروم ". فقال: " بل أقيموا، فإذا خرجنا، فانهزموا بهم ".
فما علم أبو عبيدة، والمسلمون بذلك قالوا: " اخرج بنا " وخالد ساكت، فقال أبو عبيدة: " مالك يا خالد، لا تتكلم " فقال: " قد عرفت الذي عليه رأي، فلم تسمع من كلامي ". قال: لا فتكلم فإني أسمع منك، وأطيع. فأشار بلقائهم.
فخرج المسلمون والتقوهم، فانهزم أهل قنسرين، والروم معهم. فاحتوى المسلمون على الروم، فلم يفلت منهم أحد.
وما زال خالد على إمارة قنسرين حتى أعرب خالد وعياض، سنة سبع عشرة، بعد رجوعهما من الجابية، مرجع عمر إلى المدينة، فأصابا أموالاً عظيمة.
وقفل خالد سالماً، غانماً، وبلغ الناس ما أصابوا تلك الصائفة، وقسم خالد فيها ما أصاب لنفسه، فانتجعه رجال من أهل الآفاق، وكان الأشعث بن قيس من انتجع خالداً بقنسرين، فأجازه بعشرة آلاف درهم.
عمر وخالد بن الوليد
وكان عمر لا يخفى عليه شيء في عمله، فكتب إليه من العراف بخروج من خرج منها، ومن الشام بجائزة من أجيز فيها. فدعا البريد، وكتب معه إلى أبي عبيدة: أن
стр. 12
يقيم خالداً، ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسوته. حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث، أمن ماله، أم من إصابة أصابها. فإن زعم أنها من إصابة أصابها فقد أقر بخيانة، وإن زعم أنها من ماله، فقد أسرف. واعزله على كل حال، واضمم إليك عمله.
فكتب أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه، ثم جمع الناس، وجلس لهم على المنبر، فقام البريد فقال: " يا خالد، أمن مالك أجزت بعشرة آلاف، أم من إصابة "؟ فلم يتكلم حتى أكثر عليه، وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئاً. فقام بلال إليه فقال: " إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا ". ثم تناول عمامته، فنقضها، لا يمنعه سمعاً وطاعة. ووضع قلنسوته، ثم أقامه فعقله بعمامته، ثم قال: ما تقول، أمن مالك أم من إصابة ". قال: " لا بل من مالي " فأطلقه، وأعاد قلنسوته، ثم عممه بيده. ثم قال: " نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونحترم موالينا ".
وأقام خالد متحيراً، لا يدري أمعزول أم غير معزول. وجعل أبو عبيدة يكرمه ويزيده تفخيماً ولا يخبره، حتى إذا طال على عمر أن يقدم ظن الذي قد كان. فكتب إليه بالوصول.
فأتى خالد أبا عبيدة فقال: " رحمك الله ما أردت إلى ما صنعت، كتمتني سراً كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم لما. فقال أبو عبيدة: " إني والله ما كنت لأروعك ما وجدت من ذلك بداً، وقد علمت أن ذلك يروعك ".
قال: فرجع خالد إلى قنسرين، فخطب أهل عمله، وودعهم. وقال خالد: " إن عمر ولاني الشام حتى إذا ألقى بوانيه وصار بثنية وعسلاً عزلني، واستعمل غيري ".
وتحمل وأقبل إلى حمص فخطبهم، وودعهم. وسار إلى المدينة حتى قدم على عمر فشكاه، وقال: " لقد شكوتك إلى المسلمين وبالله إنك في أمري غير مجمل يا عمر ". فقال عمر: " من أين هذا الثراء. فقال: " من الأنفال والسهمان ". فقال: " ما زاد على الستين ألفاً فلك ". فشاطره على ما في يده وقوم عروضه، فخرجت عليه عشرون ألفاً، فأدخلها بيت المال، ثم قال: يا خالد، والله إنك لعلي
стр. 13
الكريم، وإنك إلي الحبيب، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء. ثم إنه عوضه بعد ذلك عما أخذه منه.
ولاية حبيب بن مسلمة
واستعمل أبو عبيدة على قنسرين حبيب بن مسلمة بن مالك.
وأما هرقل فإنه تأخر من الرها إلى سميساط، وفصل عنها إلى القسطنطينية، فلما فصل علا على شرف، والتفت، ونظر نحو سورية، وقال: " عليك السلام يا سورية سلام لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك رومي أبداً إلا خائفاً، حتى يولد المولود المشئوم، ويا ليته لا يولد، ما أحلى فعله وأمر عاقبته على الروم ".
وطعن أبو عبيدة ﵁ سنة ثماني عشرة، فاستخلف على عمله عياض بن غنم، وهو ابن عمه وخاله، وكان جواداً مشهوراً بالجودة فقال عمر: " إني لم أكن مغيراً أمراً قضاه أبو عبيدة ".
ومات عياض سنة عشرين، فأمر عمر ﵁ على حمص وقنسرين سعيد بن عامر حذيم الجمحي ومات سنة عشرين. فأمر عمر مكانه عمير بن سعد بن عبيد الأنصاري، على حمص وقنسرين.
ومات عمر ﵁ مقتولاً في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وعمير بن سعد على حمص وقنسرين، ومعاوية على دمشق والسواحل وأنطاكية. فمرض عمير في إمارة عثمان مرضاً طال به، فاستعفى عثمان، واستأذنه في الرجوع إلى أهله، فأذن له.
стр. 14
وضم حمص وقنسرين إلى معاوية سنة ست وعشرين، فاجتمع ولاية الشام جميعه على معاوية لسنتين من خلافة عثمان، فولى معاوية حبيب بن مسلمة بن مالك الفهري على قنسرين وكان يسمى حبيب الروم لكثرة غزوه لهم.
ومات عثمان ﵁ مقتولاً في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، والشام مع معاوية، وحبيب على قنسرين، من تحت يده.
موقعة صفين
فجرى بين علي ﵇ وبين معاوية اختلاف إلى أن سار كل منهما إلى صاحبه، والتقيا بصفين، وذلك بعد سنة وشهر من خلافة علي، في سنة سبع وثلاثين.
وكان علي في تسعين ألفاً ومعاوية في مائة ألف وعشرين ألفا، وقتل بها من أصحاب علي خمسة وعشرون ألفاً، ومن أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفاً. وكان مقامهما بصفين مائة يوم وعشرة أيام. وكانت الوقائع تسعين وقعة، ثم اتفقا على التحكيم، والتقى الحكمان أبو موسى وعمرو بن العاص بأذرح في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين.
стр. 15
القسم الثالث
حلب في العصر الأموي
خلافة معاوية بن أبي سفيان
ومات علي كرم الله وجهه مقتولاً بالكوفة، في سنة أربعين، ومعاوية متغلب على الشام جميعه، فصالح الحسن بن علي ﵉ وبويع بالخلافة، في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، فمصر معاوية قنسرين، وأفردها عن حمص. وقيل إنما فعل ذلك ابنه يزيد. وصار الذكر في ولاية قنسرين، ووظف معاوية الخراج على قنسرين أربعمائة آلف وخمسين آلف دينار، وحلب للخلفاء من بني أمية لمقامهم بالشام، وكون الولاة في أيامهم بمنزلة الشرط، لا يستقلون بالأمور والحروب، وولاة الصوائف ترد كل عام مع الجيوش الإسلامية إلى دابق. وقام جماعة متهم بنواحي حلب، فإن سليمان بن عبد الملك رابط بدابق إلى أن مات. وأقام عمر بن عبد العزيز بخناصرة إلى أن مات.
стр. 16
ولم يزل حبيب بن مسلمة مع معاوية في حروبه، وقد وجهه إلى أرمينية والياً، ومات بها سنة اثنتين وأربعين. واستعمل معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد على غزو الروم، ولشدة بأسه خافه معاوية، وخشي منه، وأمر ابن أثال النصراني أن يحتال في قتله. وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه خراج حمص. فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها، فمات بحمص سنة ست وأربعين.
وقاد مالك بن عبد الله الخثعمي الصوائف أربعين سنة. وسير معاوية جيشاً كثيفاً إلى بلاد الروم، وجعل عليهم سفيان بن عوف، وأمر يزيد ابنه بالغزاة معهم، فتثاقل، واعتل، فأمسك عنه أبوه. فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد، وذلك في سنة اثنتين وخمسين.
وشتا بأرض الروم بعده عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي، وغزا المسلمون الصائفة في سنة أربع وخمسين كذلك، وفتحوا قرب القسطنطينية.
خلافة يزيد بن معاوية
فلما مات معاوية سنة ستين، وولي ابنه يزيد أمرهم بالعود منها فعادوا.
ومات يزيد بن معاوية بحوارين من أرض الشام في سنة أربع
стр. 17
وستين. وبويع بعده معاوية ابنه بالخلافة في الشام ولكنه لم يمكث إلا ثلاثة أشهر حتى هلك.
خلافة مروان بن الحكم
وبويع بعده مروان بن الحكم، وذلك في سنة أربع وستين.
وتحارب مروان والضحاك بمرج راهط عشرين ليلة، واقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل الضحاك، قتله دحية بن عبد الله، وقتل معه ثمانون رجلاً من أشراف أهل الشام. وكانت الوقعة في المحرم سنة خمس وستين.
ولما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين هرب منها فلحق بقرقيسيا. واستوثق الشام لمروان واستعمل عماله عليها. ولما مات مروان سنة خمس وستين قام ابنه عبد الملك في اليوم الذي مات فيه.
خلافة عبد الملك في مروان
وأقام عبد الملك بدمشق بعد رجوعه من قنسرين ما شاء الله أن يقيم، ثم سار يريد قرقيسيا، وبها زفر بن الحارث الكلابي، ثم قفل إلى دمشق فدبر لعمرو بن سعيد فقتله. واستعمل عبد الملك أخاه محمداً على الجزيرة وأرمينية فغزا منها، وأثخن العدو، وذلك في سنة ثلاث وسبعين.
стр. 18
وأعاد الكرة في سنة خمس وسبعين حين خرجت الروم من قبل مرعش.
وبعد سنتين غزا الصائفة الوليد بن عبد الملك، وظل على الولاية إلى أن مات عبد الملك في شوال سنة ست وثمانين.
خلافة الوليد بن عبد الملك
وولى ابنه الوليد بن عبد الملك ومحمد بن مروان على ولايته فما زال كذلك إلى أن عزله الوليد بن عبد الملك في سنة تسعين. وولى مكانه أخاه مسلمة بن عبد الملك. فدخل مسلمة حران وكان محمد بن مروان يتعمم للخطبة، فأتاه آت فقال: هذا مسلمة على المنبر يخطب! فقال محمد: هكذا تكون الساعة بغتة! وارتعدت يده، فسقطت المرآة من يده، فقام ابنه إلى السيف فقال: مه يا بني، ولآني أخي وولاه أخوه.
وكان أكثر مقام مسلمة بالناعورة، وبنى فيها قصراً بالحجر الأسود الصلد، وحصناً بقي منه برج إلى زماننا هذا.
وكان عبد الملك بن مروان يقول للوليد: كأنني لو قدمت بك قد عزلت أخي وليت أخاك.
ومات الوليد بن عبد الملك في سنة ست وتسعين.
خلافة سليمان
وولي سليمان بن عبد الملك فسير أخاه مسلمة غازياً إلى القسطنطينية واستخلف مسلمة على عمله خليفة، ورابط فيها سليمان بمرج دابق إلى أن مات به سنة تسع وتسعين.
стр. 19
خلافة عمر بن عبد العزيز
وولي عمر بن عبد العزيز بن مروان، فكان أكثر مقامه بخناصرة الأحص. وولى من قبله على قنسرين هلال بن عبد الأعلى. ثم ولى أيضاً عليها الوليد بن هشام المعيطي على الجند، والفرات بن مسلم على خراجها،
وتوفي عمر بدير سمعان من أرض معرة النعمان، يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة.
خلافة يزيد بن عبد الملك
وولي يزيد بن عبد الملك، والوليد على قنسرين، وكان مرائياً، سأل عمر أن ينقص رزقه تقرباً إليه، فعلم أنه إنما أراد أن يتزين عنده بذلك، فحط رزقه. وكتب إلى يزيد، وهو ولي عهده: " إن الوليد بن هشام كتب إلي كتاباً أكثر ظني أنه تزين بما ليس هو عليه فأنا أقسم عليك إن حدث وأفضى هذا الأمر إليك فسألك أن ترد رزقه، وذكر أني نقصته فلا يظفز منك بهذا.
فلما استخلف يزيد كتب الوليد إليه: " إن عمر نقصني وظلمني فغضب يزيد، وعزله، وأغرمه كل رزق جرى عليه في ولاية عمر ويزيد كلها، فلم يل له عملاً حتى هلك.
ومات يزيد بن عبد الملك بالبلقاء في شعبان سنة خمس ومائة.
خلافة هشام
فاستخلف هشام بن عبد الملك.
стр. 20
وولى على قنسرين وعملها خال أخيه سليمان وهو الوليد بن القعقاع بن خليد العبسي وقيل: إنه ولى عبد الملك بن القعقاع على قنسرين، وإليهم ينسب حيار بني عبس، وإلى أبيهم ينسب القعقاعية قرية من بلد الفايا.
وتوفي هشام سنة خمس وعشرين ومائة.
خلافة الوليد بن يزيد
وولي الوليد بن يزيد عبد الملك، وكانت بينه وبين بني القعقاع وحشة، فهرب الوليد بن القعقاع وغيره من بني أبيه من الوليد، فعاذت بقبر يزيد بن عبد الملك. فولى الوليد على قنسرين يزيد بن عمر بن هبيرة، وبعث إلى الوليد بن القعقاع، فأخذه من جوار قبر أبيه، ودفعه إلى يزيد بن عمر بن هبيرة، وهو على قنسرين، فعذبه وأهله. فمات الوليد بن القعقاع في العذاب.
خلافة يزيد بن الوليد
وخرج يزيد بن الوليد على الوليد بن يزيد، فقتله في البخراء في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة. ووثب على عامله بدمشق فأخذه، وسير أخاه مسرور بن الوليد، وولاها قنسرين، وقيل بل ولي قنسرين أخوه بشر بن الوليد، وبويع يزيد، ومات في ذي الحجة من هذه السنة.
خلافة إبراهيم بن الوليد ومروان بن محمد
وبويع إبراهيم بن الوليد، وخلع في شهر ربيع الأول، سنة سبع وعشرين ومائة.
стр. 21
فولي مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وكان بحران، فسار منها
في سنة سبع وعشرين ومائة. ونزل بحلب، وقبض على مسرور بن الوليد الوالي بحلب، وعلى أخيه بشر، بعد أن لقيهما فهزمهما وقتلهما بحلب. وكان معهما إبراهيم بن عبد الحميد بن عبد الرحمن، فقتله أيضاً.
وولى على حلب وقنسرين عبد الملك بن الكوثر الغنوي، بعد أن خلع إبراهيم ابن الوليد نفسه وأمنه مروان.
واستتب أمر مروان. وخرج على مروان سليمان بن هشام بن عبد الملك فالتقاه مروان بن محمد بخساف فاستباح عسكره في سنة ثمان وعشرين ومائة.
وكان الحكم وعثمان ابنا الوليد بن يزيد حبسا بقلعة قنسرين، وكان يزيد بن الوليد حبسهما، فنهض عبد العزيز بن الحجاج ويزيد بن خالد القسري، فقتلاهما وقتلا معهما يوسف بن عمر الثقفي بقنسرين، وأخذا بعد ذلك فقتلهما مروان وصلبهما.
стр. 22
القسم الرابع
حلب في العصر العباسي
خلافة أبي العباس
وبويع أبو العباس السفاح، في شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وثلاثين ومائة، بالكوفة. فسير عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس، في جمع عظيم، للقاء مروان بن محمد، وكان مروان في جيوش كثيفة، فالتقيا بالزاب من أرض الموصل، في جمادى الآخرة من سنة اثنتين وثلاثين ومائة. فهزم مروان واستولى على عسكره، وسار مروان منهزماً حتى عبر الفرات من جسر منبج فأحرقه.
فلما مر على قنسرين وثبت به طيء وتنوخ، واقتطعوا مؤخر عسكره ونهبوه، وقد كان تعصب عليهم، وجفاهم أيام دولته، وقتل منهم جماعة.
وتبعه عبد الله بن علي، وسار خلفه، حتى أتى منبج، فنزلها. وبعث إليه أهل حلب بالبيعة مع أبي أمية التغلبي.
وقدم عليه أخوه عبد الصمد بن علي، فقلده حلب وقنسرين. وسار عبد الله وعبد الصمد أخوه معه إليها، فبايعه أبو الورد مجزاة، بن الكوثر بن زفر الحارث الكلابي وكان من أصحاب مروان ودخل فيما دخل فيه الناس من الطاعة.
وسار عبد الله إلى دمشق، ثم بلغ خلفه إلى نهر أبي فطرس، وأتبعه بأخيه
стр. 23
صالح، حتى بلغ إلى الديار المصرية، خلف مروان بن محمد، فأدركه ببوصير فقتله، ثم عاد إلى دمشق بعده.
وذكر ابن الكلبي: وقدم بالس قائد من قواد عبد الله بن علي، في مائة وخمسين فارساً وتقدم إلى الناعورة فعبث بولد مسلمة بن عبد الملك ونسائهم وكانوا مجاورين أبا الورد بحصن مسلمة بالناعورة وببالس فشكا بعضهم ذلك إلى أبي الورد الكلابي، فخرج من مزرعته خساف في عدة من أهل بيته، وخالف وبيض، وجاء إلى الناعورة، والقائد المذكور نازل بحصن مسلمة بها، فقاتله حتى قتله ومن معه، وأظهر الخلع والتبييض، ودعا أهل حلب وقتسرين إلى ذلك فأجابوه. فبلغ ذلك عبد الله بن علي، وهو بدمشق، فوجه أخاه عبد الصمد بن علي، في زهاء عشرة آلاف فارس، ومعه ذؤيب بن الأشعث على حرسه،
والمخارق بن عفان على شرطه، فسار أبو الورد إليه، وجعل مقدم جيشه وصاحبه أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وأبو الورد مدبر الجيش، ولقيهم فهزم عبد الصمد ومن معه.
فلما قدم عبد الصمد على أخيه عبد الله أقبل عبد الله بن علي بعسكره لقتال أبي محمد وأبي الورد، ومعه حميد بن قحطبة، فالتقوا في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، في آخر يوم من السنة، واقتتلوا بمرج الأجم، وثبت لهم عبد الله وحميد فهزموهم. وقتل أبو الورد. وأمن عبد الله بن علي أهل حلب وقتسرين وسودوا وبايعوا. ثم انصرف راجعاً إلى دمشق فأقام بها شهراً.
فبلغه أن العباس بن محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوبة بن أبي سفيان السفياني قد لبس الحمرة، وخالف، وأظهر المعصية بحلب، فارتحل نحوه حتى
стр. 24
وصل إلى حمص، فبلغه أن أبا جعفر المنصور وكان يومئذ يلي الجزيره، وأرمينية، وأذربيجان وجه مقاتل بن حكيم العكي من الرقة، في خيل عظيمة لقتال السفياني، وأن العكي قد نزل منبج، فسار عبد الله مسرعاً حتى نزل مرج الأجم، فبلغه أن العكي واقع السفياني وهزمه، واستباح عسكره، وافتتح حلب عنوة، وجمع الغنائم، وسار بها إلى أبي جعفر وهو بحران.
فارتحل عبد الله إلى دابق، وشتا بها، ثم نزل سميساط، وحصر فيها اسحاق ابن مسلم العقيلي، حتى سلمها ودخل في الطاعة.
ثم قدم أبان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، في أربعة آلاف من نخبة من كان مع إسحاق بن مسلم. فسير إليه حميد بن قحطبة، فهزم أباناً، ودخل سميساط، فسار إليها عبد الله، ونازلها حتى افتتحها عنوة.
وكتب إليه أبو العباس يأمره بالمسير إلى الناعورة، وأن يترك القتال، ويرفع السيف عن الناس، وذلك في النصف من رمضان سنة ثلاث وثلاثين ومائة.
وهرب أبو محمد ومن معه من الكلبية إلى تدمر ثم خرج إلى الحجاز، فظفر به وقتل، وكتب إليه السفاح أن يغزو بلاد الروم، فأتى دابق، فعسكر بها، وجمع، وتوجه إلى بلاد الروم.
خلافة أبي جعفر المنصور
فلما وصل دلوك يريد الإدراب، كتب إليه عامله بحلب يخبره بوفاة
السفاح وبيعة المنصور فرجع من دلوك، وأتى حران، ودعا إلى نفسه، وزعم أن السفاح جعله ولي عهده.
وغلب على حلب، وقنسرين، وديار ربيعة ومضر، وسائر الشام. ولم يبايع
стр. 25
المنصور. وبايعه حميد بن قحطبة وقواده الذين كانوا معه. وولى على حلب زفر بن عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي أبا عبد الله، في سنة سبع وثلاثين مائة.
فسير المنصور أبا مسلم الخراساني صاحب الدعوة لقتال عبد الله بن علي، فسير عبد الله حميد بن قحطبة، وكتب له كتاباً إلى زفر بن عاصم إلى حلب، وفيه: " إذا ورد عليك حميد فاضرب عنقه ". فعلم حميد بذلك، فهرب إلى أبي مسلم الخراساني، خوفاً من عبد الله.
ثم سار أبو مسلم إلى عبد الله بن علي، فالتقيا، وانهزم عبد الله وعبد الصمد أخوه معه، فسار أبو مسلم خلفه فوصل إلى الرقة وأخذ منها أموال عبد الله، وتبعه رصافة هشام فانهزم عبد الله إلى البصرة، وتوارى عند أخيه سليمان بن علي، فأخذ له أماناً من المنصور، وسيره إليه، فحبسه إلى أن سقط عليه الحبس، فمات.
وقبض أبو مسلم على عبد الصمد بن علي، بالرصافة، وأخذ أمواله، وسيره إلى المنصور، فأمنه وأطلقه.
وورد كتاب المنصور على أبي مسلم بولاية الشام جميعه، وحلب وقنسرين، وأمر أن يقيم له في بلاده نواباً، ففعل أبو مسلم ذلك.
وسار إلى المنصور، فالتقاه في الطريق يقطين بن موسى، وقد بعثه المنصور إليه لإحصاء جميع ما وجدوا في عسكر عبد الله بن علي. فغضب أبو مسلم وقال: أنكون أمناء في الدماء وخونة في الأموال؟. ثم أقبل وهو مجمع على خلاف المنصور. فاستوحش المنصور منه، وقتله في سنة تسع وثلاثين ومائة.
ولما عاد أبو مسلم من الشام ولي المنصور حلب وقنسرين وحمص صالح بن علي بن عبد الله بن العباس سنة سبع وثلاثين ومائة، فنزل حلب، وابتنى بها خارج المدينة قصراً بقرية يقال لها بطياس بالقرب من النيرب،
وآثاره باقية إلى الآن. ومعظم أولاده ولدوا ببطياس. وقد ذكرها البختري وغيره في أشعارهم.
وأغزى الصائفة مع ابنه الفضل في سنة تسع وثلاثين ومائة بأهل الشام، وهي أول صائفة غزيت في خلافة بني العباس. وكانت انقطعت الصوائف في أيام بني أمية قبل ذلك بسنين.
стр. 26
وظهر في سنة إحدى وأربعين ومائة قوم يقال لهم الراوندية، خرجوا بحلب وحران. وكانوا يقولون قولاً عظيماً. وزعموا أنهم بمنزلة الملائكة. وصعدوا تلا بحلب، فيما قالوا ولبسوا ثياباً من حرير وطاروا منه فتكدوا وهلكوا. ودام صالح في ولاية حلب إلى أن مات في سنة اثنتين وخمسين ومائة.
ورأيت فلوساً عتيقة، فتتبعت ما عليها مكتوب فإذا أحد الجانبين مكتوب عليه: ضرب هذا الفلس بمدينة حلب سنة ست وأربعين ومائة. وعلى الجانب الآخر: " مما أمر به الأمير صالح بن علي أكرمه الله ".
ولما مات صالح بن علي تولى حلب وقنسرين بعده ولده الفضل بن صالح، واختار له العقبة بحلب، فسكنها وأقام بحلب والياً مدة. ثم ولى المنصور بعد موسى بن سليمان الخراساني. ومات المنصور سنة ثمان وخمسين،
وموسى على قنسرين وحلب. ورأيت فلوساً عتيقة فقرأت عليها: " ضرب هذا الفلس بقنسرين سنة سبع وخمسين ومائة ". وعلى الجانب الآخر: " مما أمر به الأمير موسى مولى أمير المومنين ".
خلافة المهدي
ولما ولي المهدي خرج عبد السلام بن هاشم الخارجي بالجزيرة، وكثر أتباعه فلقيه جماعة من قواد المهدي، فهزمهم، فبعث المهدي إليه جنوداً كثيرة، فهرب منهم إلى قنسرين، فلحقوه فقتلوه بها في سنة اثنتين وستين ومائة، وكان مقدم الجيش شبيباً.
وعزم المهدي على الغزو فخرج حتى وافى حلب سنة ثلاث وستين ومائة، والتقاه العباس بن محمد إلى الجزيرة، وأقام له النزل في عمله، واجتاز معه على
стр. 27
حصن مسلمة بالناعورة، فقال له العباس: " يا أمير المؤمنين، إن لمسلمة في أعناقنا مئة ". كان محمد بن علي مر به فأعطاه أربعة آلاف دينار، وقال له: " يا ابن عم، هذه ألفان لدينك وألفان لمعونتك، فإذا نفذت فلا تحتشمنا. فقال المهدي: " أحضروا من ههنا من ولد مسلمة ومواليه فأمر لهم بعشرين آلف دينار وأمر أن تجري عليهم الأرزاق.
ثم قال: " يا أبا الفضل كافينا مسلمة وقضينا حقه! قال العباس: نعم، وزدت ونزل المهدي بقصر بطياس ظاهر حلب. وولي المهدي حين قدم
قنسرين وحلب والجزيرة علي بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس حرباً وخراجاً وصلاة.
ثم إن المهدي عرض العسكر بحلب وأغزى ابنه هارون بلاد الروم وسير محتسب حلب عبد الجبار فأحضر له جماعة من الزنادقة فقتلهم بحلب. وولي حلب والشام جميعه ابنه هارون. وأمر كاتبه يحيى بن خالد أن يتولى ذلك كله بتدبيره، وكانت توليته في سنة ثلاث وستين ومائة.
ولما بويع الهادي أقر أخاه ويحي على حالهما.
خلافه هارون الرشيد
فلما أفضى الأمر إلى الرشيد ولي حلب وقنسرين عبد الملك بن صالح بن علي ابن عبد الله، فأقام بمنبج، وابتنى بها قصراً لنفسه وبستاناً إلى جانبه، ويعرف البستان يومنا هذا ببستان القصر، وكانت ولايته سنة خمس وسبعين، ثم صرفه لأمر عتب عليه فيه.
ثم ولاها الرشيد موسى بن عيسى سنة ست وسبعين ومائة. ومر الرشيد على
стр. 28
عبد الملك بمنبج فأدخله منزله بها. فقال له الرشيد: " هذا منزتك. قال هو لك ولي بك. قال: فكيف هو؟ قال: دون منازل أهلي وفوق منازل الناس. قال: " فكيف طيب منبج؟ قال: " عذبة الماء، عذبة الهواء، قليلة الأدواء ". قال: فكيف ليله؟ قال: سحر كله وهاجت الفتنة بالشام بين النزارية واليمانية، فولى الرشيد موسى بن يحيى ابن خالد في هذه السنة الشام جميعه، فأقام به حتى أصلح بينهم.
ثم ولاها الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك سنة ثمان وسبعين،
وتوجه إليها سنة ثمانين، واستخلف عليها عيسى بن العكي.
ثم إن الرشيد ولى حلب وقنسرين إسماعيل بن صالح بن علي لما عزله عن مصر سنة اثنتين وثمانين ومائة، وأقطعه ما كان له بحلب في سوقها وهي الحوانيت التي بين باب أنطاكية إلى رأس الدلبه وعزله وولاه دمشق.
ثم ولى الرشيد بعده عبد الملك بن علي ثانية، فسعى به ابنه عبد الرحمن إلى الرشيد، وأوهمه أنه يطمع في الخلافة فاستشعر منه، وقبض عليه في سنة سبع وثمانين ومائة.
وولى على حلب وقنسرين ابنه القاسم بن هارون، وأغزاه الروم ووهبه لله تعالى في سنة سبع وثمانين ومائة.
ورابط القاسم بدابق هذه السنة والتي بعدها. وقيل: إن الرشيد لما غضب على عبد الملك بن صالح ولى أخاه عبد الله بن صالح ثم عزله سنة ثمان وثمانين وولى القاسم بن هارون ابنه. وقيل: إن أحمد بن إسحاق بن إسماعيل بن علي بن عبد الله ابن العباس ولي قنسرين للرشيد، وقد كان ولي له مصر، وعزله عنها سنة تسع وثمانين، فلا أتحقق ولايته في أي سنة كانت.
وقد ذكر بعضهم: أن عبد الله بن صالح توفي ببغداد في أيام المنصور.
стр. 29
وقال بعضهم: إنه توفي بسلمية في سنة ست وثمانين. فعلى هذا يكون الذي ولاه الرشيد ابن ابنه عبد الله بن صالح بن عبد الله بن صالح، والله أعلم.
ثم إن الرشيد ولى حلب وقنسرين خزيمة بن خازم بن خزيمة، من قبل ابنه القاسم بن الرشيد، في سنة ثلاث وتسعين ومائة. ولم يزل القاسم بن الرشيد في ولاية حلب وقنسرين حتى مات أبوه الرشيد في سنة ثلاث وتسعين ومائة في جمادى الآخرة فأقره أخوه الأمين عليها وجعل معه قمامة بن أبي زيد وولي خزيمة بن خازم الجزيرة.
خلافة الأمين
ثم إن محمداً الأمين عزل أخاه القاسم بن الرشيد عن حلب وقنسرين والعواصم وسائر الأعمال التي ولاه أبوه سنة أربع وتسعين ومائة، وولاها خزيمة ابن خازم في هذه السنة.
ثم ولى الأمين حلب وقنسرين والجزيرة عبد الملك بن صالح بن علي، فخرج إليها، واجتمعت إليه العرب في سنة ست وتسعين ومائة. وهذه الولاية الثالثة لعبد الملك. وكان الأمين قد أخرجه من حبس أبيه حين مات سنة ثلاث وتسعين ومائة في ذي القعدة.
واستمر عبد الملك في هذه الولاية إلى أن مات في سنة ست وتسعين ومائة بالرقة، ودفن في في دار من دور الإمارة. وكان يرى الأمين ما فعله به. فلما خلع الأمين حلف عبد الملك إن مات الأمين لا يعطي المأمون طاعة، فمات قبل الأمين فبقيت في نفس المأمون إلى أن خرج إلى الغزاة، ووجد قبر عبد
الملك في دار الإمارة فأرسل إلى ابن عبد الملك: حول أباك من داري فنبشت عظامه وحول.
стр. 30
ثم ولي خزيمة بن خزيمة حلب وقنسرين في سنة سبع وتسعين ومائة. وقيل إن الوليد بن طريف ولي حلب وقنسرين بعد عبد الملك بن صالح، وبعده ورقاء عبد عبد الملك ثم بعده يزيد بن مزيد، ثم استأمن إلى طاهر بن الحسين.
خلافة المأمون
فلما قتل الأمين وبويع المأمون ولي حلب والشام جميعه طاهر بن الحسين، وجعل إليه حرب نصر بن شبث فتحصن بكيسوم فقصده طاهر فلم يظفر به ولقيه، فكسر طاهر وعاد مفلولاً وذلك في سنة ثمان وتسعين ومائة. ثم أضاف إليه ولاية مصر وإفريقية في سنة أربعة ومائتين. ثم ولاه خراسان سنة ست. وولي ابنه عبد الله مصر والشام جميعه، وأمره بمحاربة نصر بن شبث في سنة ست ومائتين.
وتوفي طاهر بخراسان سنة سبع ومائتين، فأضاف المأمون ولايته إلى ابنه عبد الله مع الشام. فسار عبد الله بن طاهر إلى الشام من الرقة واحتوى على الشام جميعه. وهدم سور معرة النعمان. وهدم معظم الحصون الصغار مثل
حصن الكفر وحصن حناك وغير ذلك. ونزل بكيسوم وبها نصر بن شبث فحصره إلى أن ظفر
стр. 31
به، وخرج إليه بأمان. وخرب حصن كيسوم بعد وقائع كثيرة جرت بينه وبين نصر ابن شبث، وسار إلى مصر، وذلك كله في سنة تسع ومائتين.
ولما فتح مصر فى سنة إحدى عشرة ومائتين كتب المأمون إليه:
أخي أنت ومولاي ... ومن أشكر نعماه
فما أحببت من أمر ... فإني الدهر أهواه
وماتكره من شيء ... فاني لست أرضاه
لك الله على ذاك ... لك الله لك الله
ودامت ولاية عبد الله بن طاهر إلى سنة ثلاث عشرة ومائتين، ووجهه المأمون إلى خراسان، وعزله عن الشام، وولى ابنه العباس بن المأمون حلب وقنسرين والعواصم والثغور، وأمر له بخمسمائة آلف دينار في سنة ثلاث عشرة ومائتين ثم ولاها المأمون إسحاق بن إبراهيم بن مصعب بن زريق وعزل ابن العباس في سنة أربع عشرة ومائتين. ثم إن المأمون عزل إسحاق بن إبراهيم في هذه السنة وولاه مصر وأعاد ابنه العباس إليها ثانية.
ثم ولى المأمون حلب وقنسرين ورقة الطريفي وأظنه مع العباس
وكانت لورقة حركة أيام الفتنة.
فلما قدم المأمون حلب للغزاة ونزل بدابق، في سنة خمس عشرة ومائتين، لقيه عيسى بن علي بن صالح الهاشمي فقال له: يا أمير المؤمنين أيلينا أعداؤنا في أيام الفتنة وفي أيامك. فقال: " لا ولا كرامة. فصرف ورقة.
وولي عيسى بن علي بن صالح نيابة عن ولده العباس فيما أرى، فوجد عنده
стр. 32
من الكفاية والضبط وحسن السيرة ما أراد فقدمه وكبر عنده وأحبه. وكان المأمون كلما غزا الصائفة لقيه عيسى بن علي بالرقة ولا يزال معه حتى يدخل الثغور ثم يرد عيسى إلى عمله.
وولى المأمون في سنة خمس عشرة ومائتين قضاء حلب عبيد بن جناد بن أعين مولى بني كلاب، فامتنع من ذلك، فهدده على الامتناع فأجاب.
ثم ولى المأمون عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح لما غزا الصائفة في سنة ثمان عشرة ومائتين العواصم. وفيها مات المأمون وإنما وليها عبيد الله عن العباس بن المأمون في غالب ظني فإن العباس ولي حلب وقنسرين والجزيرة من سنة أربع عشرة ومائتين إلى أن توفي أبوه المأمون بالبدندون من أرض طرسوس.
خلافة المعتصم
وبويع أبو إسحاق المعتصم فأقر العباس بن المأمون على ولايته وكان الجند قد شغبوا وطلبوا العباس ونادوه باسم الخلافة، فأرسل المعتصم إليه، وأحضره فبايعه، وخرج إلى الناس وقال لهم: ما هذا الحدث البادر قد بايعت عمي فسكنوا. وسار المعتصم إلى بغداد والعباس معه، فلما توجه المعتصم إلى الغزاة ومر بحلب، في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ودخل إلى بلاد الروم اجتمع به بعض الجند ووبخه على ما فعل من إعطاء المعتصم الخلافة، وحسن له تدارك الأمر، فاستمال جماعة من القواد وعزموا أن يقبضوا على المعتصم وهو داخل إلى الغزاة فلم يمكنهم العباس. وقال: " لا أفسد على الناس غزاتهم.
فنمى الخبر إلى المعتصم فقبض على العباس، وعلى من ساعده على ذلك،
стр. 33
وهو عائد من الغزاة، فلما وصل إلى منبج سأل العباس الطعام وكان جائعاً فقدم إليه طعام كثير فأكل. فلما طلب الماء منع وأدرج في مسح فمات بمنبج في ذي القعدة، من سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وصلى عليه بعض إخوته ودفن بمنبج. وولى المعتصم حلب وقنسرين حربها وخراجها وضياعها عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح بن علي الهاشمي، ثم إنه ولى أشناس التركي الشام جميعه والجزيرة ومصر، وتوجه وألبسه وشاحين بالجوهر في سنة خمس وعشرين ومائتين.
ونظر في صلات المعتصم لأشناس فوجد مبلغها أربعين ألف ألف درهم. وأظن أنه بقي في ولايته إلى أن مات سنة ثلاثين ومائتين في أيام الواثق.
خلافة الواثق
وولى الواثق عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح الهاشمي حلب وقنسرين حربها وخراجها وضياعها، وأظنه كان متولياً في أيام المعتصم من جهة أشناس، فأقره الواثق على ولايته.
وولى الواثق قنسرين وحلب والعواصم، بعد عبيد الله، محمد بن صالح بن عبد الله بن صالح فكانت سيرته غير محمودة. وكان أحمر أشقر، فلقب: سماقة لشدة حمرته. ويقال: إنه أول من أظهر البرطيل بالشام، وأوقع عليه هذا الاسم، وكان لا يعرف قبل ذلك إلا الرشوة على غير إكراه. وكان أكثر الناس سكوتاً وأطولهم صمتاً لا يكاد يسمع له كلام إلا في أمر يأمر به، أو قول يجيب عنه.
وكان قاضي حلب في أيامه أبا سعيد عبيد بن جناد الحلبي توقي سنة إحدي وثلاثين ومائتين، وكان المأمون ولاه قضاء حلب. وله يقول عمرو بن هوبر الكلبي في قصيدة يغض منه، أولها:
لا در در زمانك المتنكس ... الجاعل الأذناب فوق الأرؤس
стр. 34
ما أنت إلا نقمة في نغمة ... أو أصل شوك في حديقة نرجس
يا قبلة ذهبت ضياعاً في يد ... ضرب الآله بنانها بالنقرس
من سر أبطح مكة آباؤه ... وجدوده وكأنه من قبرس
وهذا عمرو بن هوبر كان من معراثا البريدية من ضياع معرة النعمان وولي في أيام المتوكل معرة مضرين وقتل بها.
وكان الواثق قد ولى الثغور والعواصم دون حلب وأعمالها أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة، وأمره بحضور الفداء مع خاقان وصاحب الروم ميخائيل، فأمضى الفداء سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
ثم إنه غزا شاتياً فأصاب الناس شدة فوجد الواثق عليه بسبب ذلك، وعزله وولاها نصر بن حمزة الخزاعي.
خلافة المتوكل
وولي الشارباميان، في أول أيام المتوكل على حلب وقنسرين والعواصم، واليين أنا ذاكرهما. وكان الشارباميان أحد قواد المتوكل وكان خصيصاً عنده. فإما أن يكون المتوكل ولاه جند قنسرين والعواصم أو أنه كان السلطان في أيام المتوكل فكان أمر الولاية إليه. فإنني قرأت في كتاب نسب بني صالح بن علي قال: وولى الشارباميان جند قنسرين والعواصم علي بن إسماعيل بن صالح بن علي أبا طالب،
стр. 35
وإنما أراد أن يتزين به عتد المتوكل فامتنع من قبول ولايته، فأعلمه إن لم يفعل كتب فيه إلى الخليفة فقبلها وأقام على ولاية جند قنسرين والعواصم، حتى مات. فكانت أيامه أحسن أيام وسيرته أجمل سيرة، وكان علي بن إسماعيل إذا خرج إلى العواصم استخلف ابنه محمد بن علي على قنسرين وحلب فلا يفقد الناس من أبيه
شيئاً. قال: وولى الشارباميان جند قنسرين والعواصم عيسى بن عبيد الله بن الفضل بن صالح بن علي الهاشمي.
قال: وولى المتوكل طاهر بن محمد بن إسماعيل بن صالح على المظالم بجند قنسرين والعواصم، والنظر في أمور العمال، وجاءته الولاية منه فألفاه الرسول في مرضه الذي مات فيه. وجعل المتوكل ولاية عهده إلى ابنه محمد المنتصر وولاه قنسرين، والعواصم، والثغور وديار مضر، وديار ربيعة، والموصل، وغير ذلك في سنة خمس وثلاثين ومائتين، فاستمر في الولاية إلى أن قتل أباه وكانت الولاة من قبله.
خلافة المنتصر
وفي أيام ولايته حلب في سنة اثنتين وأربعين ومائتين وقع طائر أبيض دون الرحمة وفوق الغراب على دلبة بحلب لسبع مضين من رمضان، فصاح: يا معشر الناس، الله الله حتى صاح أربعين صوتاً. ثم طارة وجاء من الغد فصاح أربعين صوتاً. وكتب صاحب البريد بذلك وأشهد خمسمائة انسان سمعوه. ولا يبعد عندي أن تكون الدلبة التي ينسب إليها رأس الدلبة.
وسمع في هذه السنة أصوات هائلة من السماء، وزلزلت نيسابور،
وتقلعت جبال من أصولها، ونبع الماء من تحتها، ووصلت الزلزلة إلى الشام والثغور.
وأظن أن نائب المنتصر في جند قنسرين في حياة المتوكل كان بغا الكبير فلما قتل المتوكل قدم بغا عليه. وسير المنتصر وصيفاً إلى الثغر الشامي فأقام به إلى أن مات.
стр. 36
خلافة المستعين
وولى المستعين في سنة خمسين ومائتين قنسرين وحلب وحمص موسى بن بغا، وتوجه إليها حين عاث أهل حمص على الفضل بن قارن. ثم ولي حلب والعواصم أبو تمام ميمون بن سليمان حدقة بن عبد الملك بن صالح في أيام المستعين، وكانت له حركة وبأس في فتنة المستعين.
وعصى أهل حلب وأقاموا على الوفاء للمستعين ببيعتهم، فقدم عليهم أحمد المولد محاصراً لهم فلم يجيبوه إلى ما أراد من البيعة للمعتز. وكان السفير بينه ويينهم الحسين بن محمد صالح بن عبد الله بن صالح أبا عبيد الله الهاشمي.
خلافة المعتز
فلما بايعوا بعد ذلك للمعتز وانقضى أمر المستعين ولاه أحمد المولد جند قنسرين وحلب، في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فأقام مدة يسيرة، ثم انصرف إلى سلمية أعني الحسين بن محمد.
وولي حلب وقنسرين والعواصم صالح بن عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل ابن صالح، في فتنة المستعين، وكان له سعي وتقدم ورئاسة.
ثم ولي بعده، فيما أرى، أبو ميمون بن سليمان بن عبد الملك بن صالح.
وهذه ولاية ثانية له، ومات بالرقة. ثم ولي بعده ثانية صالح بن عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح الهاشمي وانقضت ولاية بني صالح الهاشميين.
ثم ولي حلب وقتسرين في أيام المعتز أبو الساج ديوداذ في شهر ربيع
стр. 37
الأول، سنة أربع وخمسين ومائتين، وبقي والياً إلى أن تغلب أحمد بن عيسى بن شيخ على الشامات في أيام المهتدي.
خلافة المعتمد
فلما مات، وولي المعتمد سير إلى ابن شيخ بولاية أرمينية، على أن ينصرف عن الشام آمناً فأجاب إلى ذلك، ورحل عنها في سنة ست وخمسين ومائتين.
ووليها أحمد بن طولون، مع أنطاكية وطرسوس وغيرها من البلاد وكان أحمد ابن طولون شهماً شجاعاً عاقلاً، وكان على مربطه أربعة آلاف حصان، وكانت نفقته في كل يوم آلف دينار.
فعقد المعتمد لأخيه أبي أحمد الملقب بالموفق على حلب وقنسرين والعواصم، في شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين. ثم ولاه بغداد، واليمن، وخراسان، وولى الشام لابنه جعفر وجعل له ولاية العهد، وهو صبي، وجعل الأمر بعده لأخيه أبي أحمد.
فولى أبو أحمد الموفق سيما الطويل أحد قواد بني العباس ومواليهم حلب والعواصم. فابتنى بظاهر مدينة حلب داراً حسنة، وعمل لها بستاناً. وهو الذي يعرف الآن ببستان الدار ظاهر باب أنطاكية. وبهذه الدار سميت المحلة التي بباب أنطاكية الدارين، إحدى الدارين هذه، والدار الأخرى
بناها قبله محمد بن عبد الملك بن صالح، فعرفت المحلة بالدارين لذلك. وإحدى الدارين تعرف
стр. 38
بالسليمانية على حافة نهر قويق، وحاضر السليمانية بها يعرف وهو حاضر حلب. وجدد سيما الطويل الجسر الذي على نهر قويق قريباً من داره. وركب عليه باباً أخذه من قصور بعض الهاشميين بحلب يقال له: قصر البنات. وأظن أن درب البنات بحلب يعرف به، وأظن القصر يعرف بأم ولد كانت لعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح اسمها بنات وهي أم ولده داود.
وسمى سيما الباب باب السلامة وهو الباب الذي ذكره الواساني في قصيدته الميمية التي أولها:
يا ساكني حلب العوا ... صم جادها صوب الغمامه
وفي سيما الطويل يقول البختري:
فردت إلى سيما الطويل أمورنا ... وسيما الرضا في كل أمر يحاوله
فعصى أحمد بن طولون على أبي أحمد الموفق، وأظهر خلعه ونزل إلى الشام، فانحاز سيما الطويل إلى أنطاكية فحصره أحمد بن طولون بها فألقت
عليه امرأة حجراً وقيل قوقاً فقتلته. وقيل بل قتله عسكر ابن طولون، وكان ذلك في سنة أربع وستين أو سنة خمس وستين ومائتين واستولى أحمد بن طولون على حلب والشام جميعه منابذاً لأبي أحمد الموفق، وكان قاضي حلب في أيامه عبيد الله بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الله أبو بكر القاضي العمري. ودام على قضائها إلى أن مات أحمد.
وكان سيما حين صارت له حلب قد قصد جماعة من الأشراف من بني صالح ابن علي بالأذى، واستولى على أملاكهم، وأودع بعضهم السجن. فلما ولي أحمد بن طولون قال صالح بن محمد بن اسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي الحلبي، يمدحه ويشكره، ويذكر ظفره بسيما بقصيدة يقول فيها:
стр. 39
وقد لبستنا من قذا الجور ذلة ... ودار بنا كيد الأعادي فأحدقا
وحكم فينا عاند فجرت له ... أفاعيل غر تترك اللب أخلقا
إلى أن أتيحت بابن طولون رحمة ... أشار إلى معصوصب فتفرقا
فدتك بنو العباس من ناصر لها ... أنار به قصد السبيل فأشرقا
بنيت لهم مجداً تليداً بناؤه ... فلم نر بنياناً أعز وأوثقا
منحتهم صفو الوداد ولم يكن ... سواك ليعطي الود صفواً مزوقا
تجوز منك العبد لما قصدته ... وأسكن أشراف الأقاوم مطبقا
بلا ترة أسدوا إليه وإنما ... يجازي الفتى يوماً على ما تحققا
وهيهات ما ينجيه لو أن دونه ... ثمانين سوراً في ثمانين خندقا
ثم إن أحمد بن طولون توجه إلى مصر، وولى مملوكه لؤلؤ حلب في سنة ست وستين، فخرج بكار الصالحي من ولد عبد الملك بن صالح، بنواحي حلب بينها وبين سلمية، ودعا إلى أبي أحمد الموفق في سنة ثمان وستين، فحاربه ابن العباس الكلابي فهزم الكلابي ووجه إليه لؤلؤ قائداً يقال له أبو ذر، فرجع وليس معه كبير أحد. ثم إن لؤلؤ ظفر به فقبض عليه.
ثم إن لؤلؤ الطولوني خالف مولاه أحمد بحلب، وعصى عليه في سنة تسع وستين، وكاتب أبا أحمد الموفق في المسير إليه فأجابه إلى ذلك. وقطع لؤلؤ الدعاء لمولاه أحمد مدنه جميعها: حلب، وقنسرين، وحمص، وديار مضر، وترك أهل الثغور الدعاء لابن طولون، وأخرجوا نائبه منها وهموا بقبضه، فهرب. فنزل أحمد بن طولون من مصر في مائة آلف فقبض على حرم لؤلؤ وباع ولده وأخذ ما قدر عليه مما كان له، وهرب لؤلؤ منه ولحق بأبي أحمد طلحة بن المتوكل وهو على محاربة العلوي البصري عميد الزنج.
стр. 40
ولؤلؤ هو الذي قتل علوي البصرة في سنة تسع وستين ومائتين. وبقي لؤلؤ ببغداد إلى أن قبض عليه الموفق، وقيده في سنة ثلاث وسبعين ومائتين، فوجد له أربعمائة ألف دينار. فذكر لؤلؤ الطولوني أنه لا يعرف لنفسه ذنبا إلا كثرة ماله وأثاثه.
ولما انحدر لؤلؤ من الرقة كان معه من السفن والخزائن زهاء ثلاثمائة خزانة.
ولما هرب لؤلؤ من مولاه إلى العراق في جمادى الأولى من السنة، اجتاز ببالس، وبها محمد بن العباس بن سعيد الكلابي أبو موسى، وأخوه سعيد فأسرهما. ثم إن ابن طولون وصل إلى الثغور، فأغلقوها في وجهه، فعاد إلى أنطاكية ومرض. فولى على حلب عبد الله بن الفتح، وصعد إلى مصر مريضاً، فمات سنة سبعين ومائتين.
وولي ابنه أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، فولى في حلب أبا موسى محمد بن العباس بن سعيد الكلابي، في سنة إحدى وسبعين ومائتين. ونزل أبو الجيش من مصر إلى حلب، وكاتب أبا أحمد بن المتوكل بأن يولى حلب ومصر وسائر البلاد التي في يده، ويدعى له على منابرها، فلم يجبه إلى ذلك، فاستوحش من الموفق.
وولى في حلب القائد أحمد بن ذو غباش، وصعد إلى مصر فوصل إلى حلب إسحاق بن كنداج، وكان يلي ديار ربيعة، ومحمد بن أبي الساج، وكان يلي ديار مضر، فولاه الموفق حلب وأعمالها، وكتبا إلى العراق يطلبان نجدة تصل إليهما، فإن ابن جيعويه وغيره من قواد ابن طولون بشيزر.
فسير الموفق ابنه أبا العباس أحمد بن طلحة، وكان قد جعل إليه ولاية عهده، فوصل إلى حلب في ربيع الآخر من سنة إحدى وسبعين
ومائتين، وكان فيها محمد ابن ديوداذ بن أبي الساج، المعروف بالأفشين حينئذ والياً، وسار إلى قنسرين، وهي
следующие страницы →