← История

История · id 9872

زبدة الحلب في تاريخ حلب

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (491 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إلى ذلك، وعوضه عنها بيروت، وعكا، وجبيل. وأنفذ المستنصر نوابه فتسلموها منه، وهم: مكين الدولة أبو علي الحسن ابن علي بن ملهم بن دينار العقيلي، وعين الدولة أبو الحسن علي بن عقيل، والقاضي أبو محمد عبد الله بن عياض قاضي صور، تسلموا البلد والقلعه، في ذي القعدة من سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. وقد كان أبو علي بن ملهم مقيماً برفنية، فقلد الحرب والخراج بحلب. وفي الليلة التي سلمها معز الدولة إليهم احترق المركز الشرقي بالقلعة، وولوا في قلعة حلب رجلاً يعرف بركن الدولة. وصعد معز الدولة مع عين الدولة وقاضي صور إلى مصر، فلقي من المستنصر من الكرامة والحباء ما لم يلقه وافد منه ولا من آبائه، وجعل له كل يوم، إلى أن وصل إلى مصر، ثلاثمائة دينار، وأعطي ما لم يعط أحد من المال والجوهر والآلة، وكان إذا ركب السلطان حجبه، وكان ذنب دابته عند رأس دابة السلطان. واعتل معز الدولة بمصر، فركب السلطان، فوقف بباب داره حتى خرج إليه وسأله عن حاله. حكم ابن ملهم وأما ابن ملهم فإنه أقام بحلب، وعدل في الرعية، وأحسن السيرة، وبسط وجهه ويده لهم، ورخصت الأسعار في أيامه، وبنى كثيراً من أبرجة سور حلب، إلى أن تجمعت بنو كلاب وامتدت أطماعهم إلى حلب. وذلك أن البساسيري كان من المنتمين إلى المصريين، ودعا لهم ببغداد، في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة فعاد السلطان طغرلبك، وجمع جموعاً عظيمة، ولقي البساسيري

стр. 142

فقتله، وكانت الرحبة في يده على ما ذكرناه. فسار الأمير أسد الدولة أبو ذؤابة عطية بن صالح إلى الرحبة، فأخذ ما تركه البساسيري بها، من السلاح الذي لم ير مثله، كثرة وجودة، وأموالاً جزيلة كانت للبساسيري، ثم ولى فيها بعض أصحابه. حلب بين محمود بن نصر وناصر الدولة فطمع بنو كلاب حينئذ في حلب، وقوي جأشهم، وقدموا عليهم الأمير محمود بن نصر بن صالح، لأن حلب كانت لأبيه شبل الدولة، فسار إليها محمود ببني كلاب، في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، ونزل عليها، وقاتلها، وأقام عليها سبعة أيام، ومعه منيع بن مقلد بن كامل، ثم رحل عنها. فطلب الأحداث من مكين الدولة مالاً ينفقه فيهم، فقال: " قد أخذتم واجبكم المقرر على الكمال، وتسلمتم أيضاً فلا تطمعوا في وصول شيء آخر إليكم. فعصى أحداث حلب عليه، وغدروا به، وأنفذوا إلى محمود بن نصر بن صالح فردوه. فلما قرب منهم محمود، وثب أهل حلب على مدار الشريف القاضي معتمد الدولة يحيى بن يزيد الحسيني الزيدي، وكان قاضي الشام، وعلى دار رجل يعرف بالطهير جلال الدولة، وكانا مكرمين لأهل حلب فنهبوا داريهما، وأخرجوهما راجلين، حفاة، مكشفي الرؤوس إلى الضياع العربية، وكان من جملتهم: كندي، وابن الزغري، وابن عنتر، وابن الناقد. ووصل محمود ببني كلاب، فسلموا إليه حلب يوم الإثنين مستهل جمادى

стр. 143

الآحزة سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وانحاز مكين الدولة بن ملهم إلى القلعة، وتحصن بها، وأنفذ إلى مصر رسولاً فطلب النجدة والإعانة، فوصل الأمير ناصر الدولة أبو علي الحسين ابن الأمير ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن حمدان وهو ولد ناصر الدولة الذي نازل حلب أولاً في أيام معز الدولة وقدم في عسكر ضخم في جيوش المغاربة، حتى نزل حمص لنصرة أصحاب القلعة، فسارت إليه بنو كلاب وبنو خفاجة، وكانوا جيراناً لهم بالطعن، في خلق كبير. فرجع ناصر الدولة بن حمدان إلى بعلبك، وهمت بنو كلاب باتباعه، فأبى عليهم أسد الدولة أبو ذؤابة عطية بن صالح بن مرداس، وانحاز عنهم فافترقوا، ورجعوا إلى قنسرين. وأقبل ناصر الدولة حتى نزل أفامية، واستدعى من قدر عليه من بني كلاب، واستحلفهم أربعين يميناً، وخلع عليهم خلعاً فاخرة، وسار بعد أن استوثق منهم، فلما وصل إلى سرمين أجفلت بنو كلاب ومحمود إلى الشرق، وأجفل أحداث حلب منها وحصلوا مع بني كلاب، وذلك ليلة الإثنين السابع من رجب من السنة. ونزل مكين الدولة بن ملهم وأصحابه من القلعة، فنهبوا المدينة. وقتلوا من وجدوا من أحداثها، وعدتهم أربعون رجلاً، وصلبوا في محال حلب جماعة من القتلى، ونهبوا كل موضع جليل يعرفونه بالمدينة، وقياسر الوكلاء، وأموال التجار، وغير ذلك. ووصل ناصر الدولة أبو علي الحسين فنزل حلب، وأراد أن ينهبها، فقيل له: إن أصحاب مكين الدولة قد سبقوك، ولم يبق لك ولأصحابك إلا الإسم بلا فائدة فامتنع من النهب. وقال: لا بد من أهل المدينة أن يقسطوا لي خمسين ألف دينار، عوضاً عن ترحيل محمود عنهم، فبذلوا له خدمة فلم يفعل، وقال: أنا أمضي

стр. 144

إلى الفنيدق وأقابل محموداً على فعله، وأعود أنتقم من الحلبيين. فسار عن حلب في مقدار خمسة عشر ألف فارس، ومحمود في دون الألفين، ونزلوا على الفنيدق وهو المعروف الآن بتل السلطان، وانهزمت بنو كلب وبنو طيء، وبقي العسكر وحده، وقل الماء عليهم، فكسروا. وأسر الدنين بن أبي كلب الجهبلي الكلابي ناصر الدولة، وأمكنته الهزيمة فلم ير على نفسه أن يولي، وأسر كل مقدم كان في عسكره. وقتلت بنو كلاب أكثر عسكره، وغنموا كل ما كان في العسكر، ولم يسلم منهم إنسان بالجملة إلا عارياً. وبعد ذلك علم محمود بن نصر بن صالح بأسر الأمير ناصر الدولة، فاشتراه من الدنين بألفين وسبعمائة دينار، وقيل: بأقل من ذلك. وأسر رجل يقال له جبر من بني كلاب أخا ناصر الدولة، فاشتري أيضاً بمال كثير، وكانت الكسرة في يوم الأربعاء سلخ شهر رجب سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. حلب بين عطية بن صالح ومحمود بن نصر ووصل وقت الكسرة أسد الدولة أبو ذؤابة عطية بن صالح بن مرداس إلى حلب، وتسلم المدينة من المغاربة، يوم الخميس، ودار فيها ساعة، ونزل عند شافع ابن عجل بن الصوفي في داره، التي هي الآن مدرسة القاضي بهاء الدين بن شداد. وقيل: إن ملهم استدعاه، وسلم المدينة، وفرج الله عن أهل حلب. وقدم الأمير محمود بن نصر إلى المدينة، فانهزم عطية منه آخر النهار من يوم الخميس مستهل شعبان، وتسلم محمود البلد يوم الجمعة الثاني من شعبان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وهذا من أغرب الإتفاقات أن يملك حلب ثلاثة من الملوك وفي تلاثة أيام متتابعة.

стр. 145

وأيس مكين الدولة بن ملهم وركن الدولة والي القلعة، من حلب ومن نجدة تصل إليهما من مصر بعد هذه الكسرة فأنفذا من استحلف محمود بن نصر على شروط اشترطاها عليه، وسلما إليه القلعة في عاشر شعبان من هذه السنة، بعد أخذا أولاد بني كلاب: ولد محمود بن نصر، وولد شبل بن جامع، وولد محمود زائدة، وولد منصور بن زغيب، وجعلاهم في حصن أفامية رهينة على أنفسهما وعسكرهما وأموالهما ثم سيرهم مع الأمراء في الروج إلى أفامية سالمين، وأخذ أولادهم الرهائن ورجعوا إلى حلب. وأما ناصر الدولة، فبقي في أسر محمود إلى أن قدم البلد عمه معز الدولة فاصطنعه منيع بن وثاب، وخلى سبيله في سنة ثلاث وخمسين. وسير محمود كل من كان في أسره من الأمراء والقواد إلى مصر، بعد أن أحسن إليهم، وشلت يد ناصر الدولة في وقعة الفنيدق، فلما وصل إلى مصر ولاه المستنصر دمشق، فقال أبو الحسن علي بن عبد العزيز الحلبي الفكيك فيه: على حلب به حلبت دماء ... وحكم فيكم الرمح الأصم وقد أرسلته والي دمشق ... يد شلا وأمر لايتم وفي ذلك يقول أبو نصر منصور بن تميم بن الزنكل السرميني من قصيدة يذكر فيها مآثر بني كلاب: أليس هم ردوا ابن حمدان عنوة ... على عقبه لا يتقون العواقبا أليس ابنه يوم الفنيدق قاده ... دنين أبي كلب وعراه سالبا ثمال في حلب ولما أخذ محمود حلب من ابن ملهم، كان عمه معز الدولة بمصر، فصرفه المستنمر عن عكا وبيروت وجبيل، وقال له: إن هذه الأماكن أخذتها عوضاً عن حلب، وقد عادت إلى ابن أخيك، فتمضي إلى حلب وتستعيدها منه، فقال: إن نوابكم فرطوا فأعينوني بمال فأعانوه على ذلك بمال، وسيروه، وقرروا ألقابه الأجل، الأعز، تاج الأمراء، عماد الملك، سيف الخلافة، عضد الإمامة، بهاء الدولة العلوية، وزعيم جيوشها المستنصرية، علم الدين ذو الفخرين مصطفى أمير المؤمنين. فعاد معز الدولة إلى حلب وجمع قوماً من عشيرته بعد أن كاتبهم حين وصل إلى حمص فأجابوه ولقيه أكثرهم بحمص وبعضهم بحماة فلما نزل معرة

стр. 146

النعمان، أقام بها ثمانية أيام، وضيق العرب على الناس، وكان ذلك في قوة الشتاء، فنزلوا منازل الناس. وسير محمود الشيخ أبا محمد عبد الله بن محمد الخفاجي رسولاً إلى ملك الروم، يستنجده على عمه وبقي عندهم إلى أن ملك ثمال حلب، وكتب الخفاجي إلى حلب القصيدة المشهورة: هذا كتابي عن كمال سلامة ورحل ثمال، فنزل حلب محاصراً لابن أخيه محمود، فأغلق محمود باب حلب في وجهه، وعمل قوم من الأحداث، وفتحوا لمعز الدولة باب قنسرين. ودخل أصحابه إلى أن وصلوا درب البنات، فنزل محمود من القلعة، وعاد أخرجهم ولم يقتل منهم واحد، وقبض على من كان سبب ذلك من الأحداث وهم: ابن حيون، وابن المغازلي، وذلك في ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. ووصل منيع بن شبيب بن وثاب إلى حلب لنصرة محمود ببني نمير، وحصل مع محمود بالقلعة، فرحل معز الدولة عن حلب، ونزل منيع ببني نمير مدة عشرين يوماً في ضيافة محمود، وأشار على محمود باطلاق ناصر الدولة بن حمدان ففعل، وخلع عليه، وقاد خيلاً كثيرة إليه، وسيره إلى مصر. وسار محمود إلى الحانوتة ليجمع العرب على عمه، فعاد معز الدول ثاني يوم مسيره، ونزل على حلب، ثم رحل طالباً لمحمود فلقيه، وكسره، وانهزم محمود، ودخل حلب في ثلاث فوارس آخر صفرة وأسر معز الدولة أكثر عسكره، والأحداث الذين كانوا معه، وهم: كندي، وصبح، وابن الأقراصي، والشطيطي، واللباد. واستأمن منهم صبح إلى القلعة، فحبسه نائب محمود، وقيده خيفة من حيلة تتم عليه. وقصد محمود حسام الدولة منيع بن مقلد، وقال له: " أنت كنت مساعدي ومعاضدي في كسر العسكر المصري الواصل مع ناصر الدولة وأوثر أيضاً أن تساعدني على عمي. فاستمهله إلى غد ذلك اليوم، ورحل في الليل طالباً معز الدولة، وقال لنائبه: " تقول لمحمود: عمك هو الشيخ الكبير، والعرب تأنف من

стр. 147

معاضدة الولد على الوالد، بل أنا برحيلي أصلح الأمر بينكما إن شاء الله. فأمر محمود كاتبه أبا العلاء صاعد بن عيسى بن سمان النصراني بأن يعمل شعراً، يذكره فيه بعهده، ويعتب عليه في أطراح وده، فكتب إليه: ألا أيها الساري تخب برحله ... قصيرة فضل النسغين إذا تسري تحمل هداك الله عني رسالة ... إذا بلغت يوماً شفيت بها صدري إلى معشر إن تنح نحوي سهامهم ... فأخطأ منها ما توغل في صدري وخص حسام الدولة بن مقلد ... أخا الغارة الشغواء والكرم الدثر ومن علقت كفاي حبل وداده ... وما خلت أن تغتاله نوب الدهر تذكر هداك الله يوماً أظلنا ... به الموت في ظل الردينية السمر لقد غالني في ودك الدهر بعد ما ... غدوت أراه وهو من أنفس الذخر وحاشا لذاك العهد من بعد ما غدا ... نقي الحواشي أن يدنس بالغدر وأنت من القوم الذي نفوسهم ... ترى الغدر بالإخوان ضرباً من الكفر سأصفيك ما صافيت يوماً بحفظه ... وآمل إن ضيعتني عاجل النصر وأنت عليم أئني غير جازع ... إذا ما رماني الدهر بالنوب الغبر وإني إذا ما يدج ليل خطوبها ... أصدعه بالسيف عن فلق الفجر وما الموت إلا خطة حم وقتها ... وأكرمها ما كان في طلب الفخر أبي الله والأصل الذي طاب فرعه ... إلى اليوم إعطاء القياد على قسر وأخسر من تلقاه في الناس صفقة ... فتى عند مجد لا يريش ولا يبري فلا تحتقر ذنباً جنيت على الوفا ... ولا تعتذر ومنه فما لك من عذر فقال منيع بن مقلد وأبو العلوان ثمال لما وصلت هذه القصيدة: من أن لمحمود هذه الفصاحة؟ ومن له بالشعر؟.. فقيل: " إن هذا شعر أبي العلاء بن سمان النصراني. فقال منيع بن المقلد: لقد ألبسني هذا النصراني من العار طوقاً لا يبلى، ولئن عشت لأقابلنه بما يكون له أهلاً. وساطة ومصالحة وترددت الرسل بين ثمال ومحمود، في تسليم حلب، وتوسط بينهما مشايخ

стр. 148

العشيرة، وقالوا: هذا بمنزلة والدك، فتأخذ من الأعمال ما شئت. فأجابهم محمود: بأن هذا صحيح، ولكنه ضيع مملكتنا وإرثنا، وقد استعدتها بسيفي، وبذلت فيها مهجتي. فاعترف له معز الدولة بذلك، وضمن له معيشة بخمسين ألف دينار، وثلاثين ألف مكوك غلة. وشهد مشايخ العشيرة بها. وعاد محمود إلى حلب في آخر ربيع الأول وقد استقر الصلح بينهما يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وفتحت أبواب البلد عند دخوله، ثم خرج إلى عمله إلى المخيم، واستركبه يوم الإثنين مستهل ربيع الآخر من سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وداخله القلعة، وسلمها إليه، وسار محمود ليحضر أهله من الحلة. ولما استقر معز الدولة بالقلعة، نفى من الحلبين الأحداث العتق جماعة، وصلب منهم خمسة عشر رجلاً. وكاتب المستنصر بظفره بحلب، فسير إليه الخلع مع ظفر المستفادي، ولأخيه ولأولاده، ولحسام الدولة منيع بن مقلد. ولما وصل ظفر رأى المصلبين من الأحداث فسأل فيهم فدفنوا. ولما ملك معز الدولة حلب جاء أبو العلاء بن سمان ليسلم عليه، فحمل عليه ليطعنه، فطرح نفسه من بغلته، وغيب شخصه عنه، وسار إلى أنطاكية، وصار بها أسقفاً إلى أن مات. وفسد ما بين منيع بن وثاب وبين ثمال. وكان منيع بالرحبة، فسير ثمال أخاه أسد الدولة عطية بن صالح، في شعبان من سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، لدفع منيع عنها، فأخذها عطية، وأقام بها، وعصى على أخيه ثمال، وعاد محمود إلى حلب من الحلة بأمه السيدة، واجتمع بعمه معز الدولة، وسارت السيدة، وأصلحت ما بين أخيها منيع وبين زوجها معز الدولة. حرب الروم وفي المحرم من سنة أربع وخمسين وأربعمائة، عمر الروم حصن قسطون

стр. 149

وحصن عين التمر، فسار معز الدولة في جمادى الأولى لغزوهم، ففتح حصن أرتاح، فراسلوه في الصلح، فأرسل إليهم شافع بن الصوفي يقول: لا أجيب إلى الصلح إلا على أن تهدموا الحصنين المجددين، وأن يكون ليلون للمسلمين، لا علقة لهم فيه، ويحملون عن حصن أرتاح مالاً ويرده عليهم. فضمنوا ذلك. فرحل في الثاني من جمادى الآخرة، ودخل إلى حلب، ولم يف الروم إلا بعض ما ضمنوا له من الشروط. وبلغ معز الدولة أن قوماً من أحداث حلب مضوا إلى أنطاكية، وتحدثوا مع واليها في تسليم معرة مصرين، والتدرج منها إلى غيرها، وقالوا له: " حزبنا في حلب وأصحابنا تحت أوامرنا. فلما صح عند معز الدولة ذلك، طلبهم وأحضر منهم قوماً وقتلهم. وهم: ابن أبي الريحان، وابن نطر، وابن الشاكري، وبهلول، وصلبهم، وترك باقيهم، وذلك في شهر رمضان من سنة أربع وخمسين. وكبس الروم في شوال مريمين العقبة، وأحرقوها، ونهبوها، وأدركهم الأمير منصور بن جابر، والأمير حارثة بن عبد الله، وظفروا بالروم على كثرتهم وقلة المسلمين، فقتلوا من الروم مقدار آلف وخمسمائة. وسار معز الذولة، في العشر الثاني من شوال، للغزو فنزل قيبار، وفتحها، ونهبها، وقتل الرجال، وسبى النساء والصبيان. ثم مرض معز الدولة في العشر الأول من ذي القعدة، من سنة أربع وخمسين وأربعمائة، واضطرب البلد، فبلغه ذلك، فاستدعى أخاه أبا ذؤابة عطية بن صالح، ووصى له بحلب، وولاه الأمر. وتوفي يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة ودفن في مقام إبراهيم الفوقاني بالقلعة، داخل الباب الغربي، وعمل عليه ضريح، وبقي إلى أيام الملك رضوان، وقلع وبلط عليه.

стр. 150

القسم الثالث عشر عطية بن صالح بن مرداس عطية وابن أخيه وجلس أخوه أسد الدولة عطية بن صالح بن مرداس في منصبه يوم الجمعة، فبلغ ذلك محمود بن نصر بن صالح وهو في حلته فلم يرض بالوصية، وأرسل إلى عطية يقول له: " إن معز الدولة شرط على نفسه أن يرد علي البلد عند موته لما تسلمه مني، وأنا أخذته بسيفي من المصريين عن غلبة وقهر، وهو إرثي عن أبي. وعرف ذلك مشايخ العشيرة واجتمعوا على صحة ما ذكره، وساعدوه على منازلة حلب، فكان في كل وقت يقصدها ويرعى زرعها ويأخذ ما في ضواحيها ويرحل عنها. فجاء في رجب من سنة خمس وخمسين وأربعمائة، ونزل بحلته على عين سليم، فخرج إليه أسد الدولة عطية فكسره، ونهب حلته وانهزم محمود ثم إنه تجمع إليه شبل الدولة بن جامع، ومحمد بن زغيب، وغيرهما من بني كلاب، ونزلوا على قنسرين وعطية نازل على السعدي بباب حلب فلم يقدروا على التزول على حلب. فسار إليهم سيف الدولة منيع بن مقلد بن كامل فقوي جأش محمود به لأنه كان ذا مال عظيم. وكان كريماً يطعم العرب ويعلق على خيلهم، ويخلع ويهب، فلما حصل معهم نزلوا على حلب. وحاصروا حلب شهوراً فضرب حجر المنجنيق منيع بن مقلد فقتله. وقيل: إن رجلاً حقيراً ضرب صدغه بمقلاع فيه حجر، فبقي أياماً، ومات، وذلك في العشر الأول من شوال سنة خمس وخمسين وأربعمائة.

стр. 151

وأوصى منيع بجميع ماله وما يملكه لخاله أسد الدولة أبي ذؤابة عطية الذي كان يحاربه. وكان إقطاعه يرتفع منه كل سنة ثمانون ألف دينار، وكان له في حصن يقال له المجدد، ثلاثمائة ألف دينار، وسلاح وآلة بمال عظيم. وكان أبو الحسن علي بن محمد بن عيسى العمري الحلبي وزير منيع، وكان عطية قد دعاه إلى خدمته فامتنع، فلما مات منيع عاد أبو الحسن العمري إلى حلب فقبض عليه عطية، وقتله لحقده على ما فعله من امتناعه من خدمته. ولعله احتج بأنه حمل منيعاً على حصار حلب مع محمود، وبعد أن قتله صلبه، ورثاه أبو محمد الخفاجي بأبياته التي يقول فيها: ومعذل جار على غلوائه ... يروى حديث نداه عن أعدائه واستوزر عطية أبا الحسن علي بن يوسف بن أبي الثريا الذي داره الآن مدرسة ابن أبي عصرون بحلب. ثم صالح عطية بن مرداس ابن أخيه محموداً، على أن يدفع لمحمود إقطاعاً بخمسة وعشرين آلف دينار، من ذلك: سرمين وباقي الإقطاع في بلد حلب من الأرتيق، وتحالفاً على ذلك وتمماه. وفي نصف جمادى الأولى سنة ست وخمسين وأربعمائة، سلم ثابت بن معز الدولة إلى ابن عمه محمود معرة النعمان وكفرطاب وحماة، وكان فيها من قبل عمه. وذلك أن بني كلاب تجمعوا بأرض شيزر: شبل بن جامع بن زائدة، ومحمود ابن زائدة، ومنصور بن محمد بن زغيب، وحسين بن كامل بن حسين بن سليمان بن الدوح، وجماعة معهم من سبيعة وذؤيبة، وأجمع رأيهم على الوثوب على بلدان أسد الدولة عطية. فأخذوا حماة وكفرطاب، وأتوا إلى معرة النعمان وفيها شهم الدولة خليفة بن جبهان، فأخذ منهم أماناً وسلمها، وساروا حتى نزلوا قريباً من حلب، فسار عطية من حلب يكبس محموداً، وكان بمالد، فظفر به محمود، وعاد عطية منهزماً إلى حلب. ونزل محمود ببني كلاب على حلب، ومنعوا منها الميرة، وحصروها، وقاتلوها قتالاً كثيراً، وأشرفت على أمر عظيم من الجوع وقلة ما يدخلها. وكان أسد الدولة عطية قد أرزق أحداثها، فمنعوا باقي أهلها من التسليم.

стр. 152

فلما رأى أسد الدولة ضعف البلد صالح ابن أخيه محموداً. فكان لعطية حلب والرحبة وبالس ومنبج وعزاز وقنسرين. وسلم بعد ذلك ما كان في يده غير هذه المواضع المذكورة إلى ابن أخيه محمود بن نصر بن صالح، ووقع الصلح على ذلك. استنجاد المرداسيين بالترك واستدعى عطية بن خان وكان في ديار بني مروان مغاضباً لأبيه ملك الترك، وكانت الروم تمده بالخلع والدنانير إكراماً لأسد الدولة عطية لأنه كان مهادنهم، فقدم ابن خان إلى عطية في آلف قوس فأكرمهم وأضافهم. فلما حصل ابن خان على باب حلب وكان هذا أول دخول الترك إلى الشام اتجمعت بنو كلاب إلى محمود بن نصر بن صالح، وقصدوا حلب فرأى محمود أنه لا طاقة لهم بالترك فانهزم. ومشى السفراء بين محمود وبين عطية، فانعقد الصلح بينهما على أن يأخذ عطية حلب والرحبة ومنبج وعزاز وبالس وأعمال ذلك، ويأخذ محمود ابن أخيه من الأثارب قبلة واقطاعه الذي كان قديماً وما كان في يده في أيام معز الدولة ثمال. وتم ذلك في المحرم من سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وخرج عطية بالأتراك وأحداث حلب إلى الغزو، ففتح كمنون، وسبى أهلها، وعاد إلى حلب غانماً. ودخل ابن خان حلب فخاف الحلبيون وعطية منه، فأغرى عطية بهم الأحداث من أهل حلب فنهبوهم ليلاً، في صفر من سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وقتلوا منهم جماعة، ونهبوا خيولهم وسلاحهم وما قدروا عليه من رحلهم. وركب ابن خان منهزماً وكان ظاهر البلد وصاح تحت القلعة: " أليس قد غدرت بي وبأصحابي يا عطية، والله لأنزلك منها على أقبح قضية ". وسار إلى الشرق

стр. 153

فعبرت طائفة منهم إلى الجزيرة فنهبتهم بنو نمير، ورجع الباقون فصادفوا عسكرا للروم في بطريق لهم يعرف بالنحت، فلم يجدوا أبداً من شق عسكر الروم، وكان في عشرين ألفاً ففتح لهم الروم طريقاً بينهم ليطبقوا عليهم فعبروا سالمين. وقتلوا من الروم خلقاً عظيماً، وكان السالم منهم نحوا من مائة وخمسين رجلاً، فركبت عليهم العرب بنو قريظ وربيعة بن كعب وغيرهم، فأشار أمير منهم يقال له قمار على الملك أن يموت كريماً، ولا يثق بالعرب فلم يفعل. والتجأ إلى منصور بن جابر فغدر به بعد أن كان أعطاه مقنعة زوجته ومخصرته، وقتل قمار وجماعة. حلب من عطية إلى محمود وسلم ابن خان في جماعة فلحق بمحمود، ونزل عليه وهو بسرمين، فأمنهم، وبعث بهم إلى معرة النعمان. ثم أن محموداً سير ولده إلى أنطاكية رهينة، فوجهوا قطعة منهم، وتلقاه بالجنايب في كل منزل بمراكبها، وجعلوا له كل يوم خمسين ديناراً، وخلعوا عليه وعلى أصحابه خلعاً سنية، ووهبوا له في جملة ما وهبوا دبوس ذهب وزنه ثلاثمائة مثقال. وسار محمود بمن جمعه من العرب، ومعه ابن خان التركي ومن انضوى إليه من التركمان، إلى مرج دابق، فخرج عطية إليهم، وجمع جموعاً كثيرة من العوفيين وغيرهم، وقصد محموداً والتركمان، في يوم الخميس حادي عشر جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين، فالتقوا، فانهزم عطية إلى حلب، وتبعه محمود بمن معه. ونزل على حلب محاصراً لها وفيها عمه عطية وجاءه ظفر المستفادي رسولاً من المستنصر، وهو محاصر حلب، ولقبوه عظيم أمراء العرب عضد الدولة، سيف الخلافة، ذو الفخرين، وكان يلقب أولاً عز الدولة، وشمسها، فبقي محاصراً حلب مائة يوم ويومين. ثم سلمها إليه عمه أسد الدولة بن صالح بعد حصار شديد وجوع عظيم، وأخذ عمه عطية الرحبة، وعزاز ومنبج، وبالس، وجميع الضياع التي شرقي حلب وشماليها، وأخذ محمود حلب وقبليها، واصطلحا صلحاً خالصاً ذلت به لهما العرب.

стр. 154

القسم الرابع عشر محمود بن نصر بن صالح ودخلها محمود بن نصر يوم السبت النصف من شهر رمضان سنة سبع وخمسين وأربعمائة، واستقرت ألقابه: الأجل، شرف أمراء العرب، سيف لخلافة، معز الدولة وفخرها، وعضدها، ناصر الملك، ذو الحسبين. ومضى عطية إلى الرحبة وكانت ألقاب عطية خالصة الأمراء، عمدة الإمامة، عضد الخلافة، أسد الدولة وسيفها، ذو العزيمتين. وأقطع محمود معرة النعمان الملك هارون بن خان ملك الترك، فدخل المعرة يوم الأربعاء السابع عشر من شوال، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ووصل معه إليها من الترك، والديلم، والكرد، والأوج مقدار آلف رجل مع حاشيتهم فنزل بالمصلى. فما روي أعص منهم عن البساتين والكروم وغيرها، ولم يكونوا يأخذون من حد شيئاً إلا بثمنه، وسقوا دوائهم الماء بثمنه. وفزعت العرب منه فزعاً عظيماً، ثم استدعي إلى حلب وعوض معرة النعمان. وخرج محمود بن نصر بابن خان والتركمان، في سنة تسع وخمسين، ومعه بنو عوف من بني أبي بكر بن كلاب، فنزل المعشيرة، من بلد حماة، ثم أتى حماة، وطىء جميع العرب وأذلها. وكانت العرب تطلب فتنة تقع بينه وبين عمه عطية بن صالح، وكان بحمص، فظنت بنو كلاب إنه يحاربه، فلم يفعل عطية، لمعرفته بغدر العرب به مرة بعد أخرى، وأراد أن لا ينهدم مجد آل مرداس. وفي هذه السنة سلم حسين بن كامل بن الدوح " حصن أسفونا " إلى نواب

стр. 155

المصريين، بعد أن نهب عسكر الترك حناك، وجميع ضياعه بالشام. ووقع الوباء العظيم بحلب، حتى إنه مات في رجب من هذه السنة زهاء عن أربعة آلاف فضلاً عن سائر الشهور. وفيها طلعت طائفة كبيرة من الترك، فنزل بعضها على دلوك وتقدم منهم نحو ألف، فنهبوا بلد أنطاكية عن آخره، وأخذوا نحو أربعين آلف جاموس. وقيل أكثر، حتى أن الجاموس كان يباع بدينار، وأكثره بدينارين وثلاثة. وأما البقر، والغنم، والمعز، والحمير، والجواري، فلم يقع على ذلك إحصاء من الكثرة. وكانت الجارية تباع بدينارين والصبي بتطبيقة نعال للخيل. هزيمة الروم وخرب بلد الروم خراباً لم يسمع بمثله، وبقيت الغلات في البيادر ما لها من يرفغها منهم، حتى كان الفلاحون وسائر العوام يمضي الواحد منهم ويأخذ ما يريد، فلا يجد من يدافعه عن ذاك، لأن الروم تحصنوا في الحصون والجبال، والمغاير، وتركوا بيوتهم على حالها لم يأخذوا منها شيئاً، لأن الترك أتوهم على غفلة، وكان ذلك في شوال. وكان مقدمهم أفشين بن بكجي، وكان قد غضب عليه العادل ألب أرسلان بسبب خادم كان زعيم بعض عساكره، فقتله الأفشين. وقطع الفرات إلى بلد الروم، ثم خرج إلى أعمال حلب، وباع الغنائم التي كانت معه. ونزل في سنة ستين حول أنطاكية، وضاق الشيء فيها حتى بلغت الحنطة قفيزين بدينار. فلما لم يبق شيء دون فتحها أتته كتب العادل ألب أرسلان من العراق بالرضا عنه. وقيل إن أصحاب مؤونة السوق بحلب حصل في دفاترهم نحو سبعين آلف مملوك ومملوكة سوى ما بيع بغير مؤونة في بلد الروم وسائر البلدان، وأخذ من أصحاب أنطاكية مائة آلف دينار، ومثلها من ثياب الديباج والآلة. وسار إلى العراق في جمادى الآخرة من السنة.

стр. 156

وفي هذه السنة سلم أمير من أمراء المغاربة يعرف بابن المرأة حصن أسفوناً إلى الأمير عز الدولة محمود بن نصر بن صالح. وتولى ذلك الأمير سديد الملك أبو الحسن علي بن متقذ. بين المرداسيين والروم وفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان، فتحت أرتاح بالسيف، ونهب جميع ما فيها وما في حصنها من الأموال والذراري، وكان فيها خلق عظيم من النصرانية لأن جميع من كان في تلك المواضع منهم حصل بها لأنها كانت الكرسي لهم هناك. وقتل من رجالها نحو ثلاثة آلاف رجل، وقد كان الملك ابن خان حاصرها زهاء خمسة أشهر. وأتى عسكر عظيم من عساكر الروم، فنزل على باب أنطاكية ليصالح الملك ابن خان عن أرتاح وغيرها من بلادهم، فلم يتم بينهم صلح. وإنما كان غرض العسكر أن يدس إلى أنطاكية غلة حملت إلى السويداء لتقويتها. وكان فتح أرتاح فتحاً عظيماً لأن عملها قريب من أعمال الشام، من الفرات الى العاصي إلى أفامية إلى باب أنطاكية إلى الأثارب. وقيل بأنهم أحصوا إلى شهر رمضان من هذه السنة أنه افتقد من الروم في الدرب إلى أفامية بحساب قتلا وأسراً ثلاثمائة آلف نفر. وخرج ملك الروم في سنة إحدى وستين وأربعمائة إلى ديار الشام فأخذ كثيراً من أهل منبج، وهرب أهلها من حصنها فأخذه، وشحنه رجالاً وغلة وعدة. وسار إلى عزار فوقف عليها ساعة، ورجع جاولاً، وسلط الله عليه وعلى أصحابه الغلاء، والعلة، والوباء. فذكر ملك الروم للقاضي القضاعي رسول المصريين أنه ومات له في يوم واحد ثلاثة آلاف من خيله سوى عسكره. وقيل: إن منبج بقيت في بلد الروم سبع سنين، وهذا الملك هو ديوجانس. ولا يبعد عندي أنه الذي عناه هرقل بقوله: " لا يعود إليك رومي إلا خائفاً حتى يولد المولود المشئوم، ويا ليته لا يولد ".

стр. 157

وفي يوم السبت أول شعبان من هذه السنة، جمع قطبان أنطاكية ودوقسها المعروف بالنحت جموعاً كثيرة. وطلع إلى حصن أسفونا بعملة عملها عليه قوم يعرفون ببني ربيع من أهل جوزن ففتحوه، وقتلوا كثيراً من رجاله وكانوا ثمانين رجلاً، وأسروا الباقين. وكان الوالي به رجلاً من الأتراك يعرف بنادر. وبلغ الخبر إلى الأمير عز الدولة محمود بن نصر بن صالح، وهو يسير في الميدان بظاهر مدينة حلب، فسار في الوقت يوم الإثنين في الترك والعرب، ولم يدخل البلد، واجتمع عليه خلق عظيم سمع من يحزرهم بخمسين ألفاً، فحاصره سبعة أيام، وفتحه يوم السبت وقتل جميع رجاله، وكانوا ألفين وسبعمائة، وفي ذلك يقول أبو محمد الخفاجي: إن أظهرت لعلاك " أنطاكية " ... حزناً فقد ضحكت على قطبانها بعث البريد مخبراً عن وثبة ... ما كان أحوجه إلى كتمانها لما أطل له لواؤك خافقاً ... عرفت وجوه الذل في صلبانها وفيه يقول أبو الفضل عبد الواحد بن محمد الحلبي الربعي: رددت على الإسلام شرخ شبابه ... وكادت عليه أن تقام المآتم وظن طغاة الروم منذ أغبهم ... نزالك أنا حين ذاك نسالم ثم إن محموداً هادن الروم في هذه السنة على أن اقترض منهم أربعة عشر ألف دينار، وعلى أن يجعل ولده نصراً رهناً عليها، ويهدم حصن أسفونا. فأخرج ثابت ابن عمه معز الدولة وشبل بن جامع، وجمعا الناس من معرة النعمان وكفرطاب وأعمالها، وخربا حصن أسفونا. ووقعت فتنة بحلب بين الحلبيين والأتراك، وقتل من الأتراك نحو أربعين رجلاً ومن الحلبيين عشرة. ووصل في سنة اثنتين وستين وأربعمائة صندق التركي خارجاً من بلد الروم، ومعه عسكر عظيم، ودخل إلى بلد حلب من الأرتيق إلى الجزر إلى بلد معرة النعمان وكفرطاب إلى حماة وحمص إلى رفنية.

стр. 158

وشتوا في هذه السنة فنهبوا الضياع وسبوا منها، وعاقبوا من وجد هناك، وفتحوا جباب الغلة ومدافنها. وقطع القطائع الكثيرة على مواضع امتنعت عليه ولقي أهل الشام من عسكره شدة عظيمة، وهو أول نهب وفساد جرى بالشام من الأتراك. ولما انقضى زمن الشتاء عاد إلى بلد الروم بعد أن أكرمه محمود بن نصر بتحف وهدايا حملها إليه. السلطان العادل ومحمود ثم إن محمود بن نضر بن صالح راسل في هذه السنة السلطان العادل ألب أرسلان، واستقر الأمر بينهما على أن يخطب محمود بحلب للإمام القائم خليفة بغداد وبعده للسلطان العادل ألب أرسلان وبعده لنفسه، فوصل إليه نقيب النقباء أبو الفوارس طراد بن علي الزينبي لإقامة الدعوة العباسية، ومعه الخلع من القائم بأمر الله ومن السلطان. .فجمع محمود أهل حلب وقال لهم: " قد ذهبت دولة المصريين وهذه دولة جديدة، ومملكة سديدة ونحن تحت الخوف منهم، وهم يستحفون دماءكم لأجل مذهبكم والرأي أن نقيم الخطبة خوفاً من أن يجيئنا وقت لا ينفعنا فيه قول ولا بذل ". فأجاب مشايخ البلد إلى ذلك فلبس المؤذنون والخطيب السواد، وخطب الإمام القائم وبعده للسلطان ألب أرسلان، وبعمه لمحمود، ولقب الأمير الأجل حسام الدولة العباسية، وزعيم جيوشها الشامية تاج الملوك، ناصر الدين، شرف الأمة، ذو الحسبين خالصة أمير المؤمنين. وأمر ابن خان الأتراك بالوقوف على باب الجامع، وقتل كل من يخرج ممتنعاً من الصلاة وسماع الخطبة، فسأله الشيوخ إلا يفعل خوفاً من وقوع فتنة. وأخذت العامة الحصر التي في الجامع، وقالوا: " هذه حصر علي بن أبي طالب فيجيء أبو

стр. 159

بكر بحصر حتى يصلي عليها الناس وكان ذلك يوم الجمعة التاسع عشر من شوال سنة اثنتين وستين وأربعمائة. ومدحه الشيخ أبو محمد بن سنان الخفاجي الحلبي بقصيدة طويلة، يقول فيها: ما يصنع الحسب الكريم بعاجز ... يبنى له الشرف الرفيع ويهدم وكان ناصر الدولة بن حمدان قد تغلب على مصر، ووقع بينه وبين جماعة من الأمراء بمصر وحشة، فأنفذ إليه الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد البخاري المعروف بقاضي حلب وأظن ناصر الدولة قلده قضاء حلب حين وردها، ووقعت به وقعة الفنيدق، والسلطان ألب أرسلان حين حاصر حلب وهو معه فعرف بذلك أرسله ابن حمدان رسولاً إلى السلطان ألب أرسلان يستدعي عساكره ليسلم إليه ديار مصر ويغير الدعوة، وذلك في سنة اثنتين وستين. فلما ورد عليه الرسول إلى خراسان جهز العساكر العظيمة التي تملأ الفضاء، ووصل معها على طريق ديار بكر، ونزل الرها في أول سنة ثلاث وستين، وأقام عليها نيفاً وثلاثين يوماً. وسير الفقيه أبا جعفر قاضي حلب المذكور رسولاً إلى محمود بن نصر بن صالح يستدعيه إلى وطء بساطه وخدمته أسوة بمن وفد عليه من الملوك مثل: شرف الدولة مسلم بن قريش، وابن مروان، وابن وثاب، وابن مزيد، وأمير الترك والديلم. فلم يجب محمود إلى ذلك، وخاف منه. فسار عن الرها إلى الشام قاصداً محمود بن نصر، فقطع الفرات في النصف من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة، من نهر الجوز، ونزل على بعض المروج فأعجبه، فقال له الفقيه أبو جعفر قاضي حلب: " يا مولانا أحمد الله تعالى على هذه النعمة، وهي أن هذا النهر لم يقطعه قط تركي إلا مملوك. وأنت قد قطعته ملكاً ". فأحضر الأمراء والأتراك وأمره بإعادة القول. قال: فأعدته، فحمد الله تعالى حمداً كثيراً. ونزل بنقرة بني أسد إلى أرض قنسرين إلى الفنيدق. وكان نقيب النقباء

стр. 160

بحلب لم ينفصل عنها بعد إقامة الدعوة، فسأله محمود أن يخرج إلى السلطان، ويصلح أمره معه، فخرج مستفسراً ومتوسلاً. وتلطف الأمر، وأحسن السفارة، وخاطب السلطان بأنه قريب العهد بالخطبة للخليفة، وقد لبس تشريفه. فقال السلطان: " أي شيء تساوي خطبته للخليفة ولبى تشريفه، مع ما سبق من شقه العصا وخروجه عن الطاعة " وأبى قبول الشفاعة فيه بدون وطء محمود بساطه. فخاف محمود ولم يجب إلى ذلك، وتمادى الأمر نحو شهرين. وحضن محمود حلب وجفل الناس من سائر الشام إليها، وحصل الرعب في قلوبهم هيبة له، لما اجتمع إليه من العساكر الجمة، والجيوش الكثيفة الضخمة. وكان الأمر بخلاف ما ظن الناس، فإنه لما أيس من خروج محمود إليه عاد من الفنيدق وكانت خيمته على ذلك التل فعرف بتل السلطان من ذلك اليوم. ونزل على حلب في آخر جمادى الآخرة من السنة، وكانت الخيام والعساكر من حلب إلى نقرة بني أسد، إلى عزاز، إلى الأثارب، متقاربة بعضها من بعض، ولم يتعرض أحد من العسكر بمال أحد، ولا سبيت حرمة، ولا قاتل حصناً. وبلغني أن عسكره العظيم لم يأخذ عليقة تبن من فلاح إلا بثمنه، وأقام محاصراً حلب شهراً ويومين. ولم يقاتلها غير يوم واحد، وقصد المطاولة بالبلد بعد أن أشرف على الأخذ، وقال: " أخشى أن أفتح هذا الثغر بالسيف فيصير إلى الروم ". ونقب برج الغنم، وعلق، فظفر أهل حلب بمن دخل ذلك النقب وأخذوا بعضهم، ووقع الردم على الباقين. وعصب الحلبيون برج الغنم بشقة أطلس، وكان السلطان نازلاً بميدان باب قنسرين، فسأل عن ذلك فقيل: " هولاء الحلبيون يقولون على سبيل المزح: قد صدع البرج رأسه من حجارة المنجنيق فقد عصبوه!. فغضب، وفرق في تلك الليلة ثمانين آلف فردة نشاب خلنج، غير ما رماه بقية العسكر. وأصبح وأمر بالزحف فجد الناس في قتال البلد، وحمل السلطان بنفسه في ذلك اليوم، فوقعت يد فرسه في خسف كان هناك، وأصاب في الحال رأس فرسه

стр. 161

حجر المنجنيق فركب غيره، وعاد، وصرف الناس عن الحرب بعد أن أشرف البلد على الأخذ إبقاء لحرمة البلد، وكان عسكره دائرا بالبلد من جميع وجوهه. ثم إن السلطان راسل الأمراء من بني كلاب وأحضرهم من البرية، فوصلوا إليه، وعول على تقليد بعضهم وتركه في مقابلة محمود وعوده لأجل ما بلغه من ظهور ملك الروم إلى بلاد أرمينية عازماً على قصد خراسان. ولما علم محمود بأن البلد قد أشرف على الفتح، وعلم بوصول الأمراء من بني كلاب، وأنه إن تم ذلك خرج الشام من يده، فراسل السليماني وكان يتردد إليه في الرسالة يعلمه إنه قد عزم على وطء بساط السلطان وخدمته خوفاً مما أشرف عليه. فخرج إلى السلطان بنفسه، ومعه والدته علوية، المعروفة بالسيدة، في أول شعبان، وأخذ مفاتيح البلد معه، فدخلا والعسكر سماطان بين يديه، فخدماه، وسلما عليه، فأكرمهما، وأحسن اليهما، وقال للسيدة: أنت السيدة. قالت: " سيدة قومي "، وقد ذكرنا إنه جرى لها ذلك مع المستنصر. وأطلق له البلد، وشرفه، وخلع عليه، وكتب له توقيعاً بحلب، وتردد خروج محمود إلى خدمته مرة بعد أخرى، وقرر معه السلطان أن يخرج بعسكره، ويضيف إليه السليماني، وأن يتوجها إلى بلاد دمشق والأعمال المصرية لفتحها ففعل ما أمره به، وعاد السلطان إلى بلاده. وقعة منازكرد وقيل: إنه خفف ابنه مع فوج من عساكره بكورة حلب، وقصد ملك الروم، وأسرع في السير لأنه بلغه أن ملك الروم خرج في جموع لا تحصى، وأنه وصل إلى قاليقلا، وهي أرزن الروم. فوصل السطان إلى أذربيجان حين بلغه أن ملك

стр. 162

الروم قد أخذ على سمت خلاط، وكان السلطان في خواص جنده، وجموع عساكره بعيدة عنه، ولم ير العود إلى بلاده، فسير وزيره نظام الملك وزوجته الخاتون إلى تبريز مع أثقاله. وبقي في خمسة عشر آلف فارس من نخبة عسكره مع كل واحد فرسه وجنيبه، والروم في زهاء ثلاثمائة آلف أو يزيدون ما بين فارس وراجل، من جموع مختلفة من الروم، والروس، والخزر، واللان، والغز، والقفجق، والكرج الأبخاز، والفرنج، والأرمن. وفيهم خمسة آلاف جرخي، وفيهم ثلاثون آلف مقدم ما بين دوقس، وقومص، وبطريق. فرأى السلطان أن الإمهال للحشد والجمع مضر، فركب في نخبته وقال: أنا أحتسب نفسي عند الله، وهي إما السعادة بالشهادة، وإما النصر كما قال تعالى " ولينصرن الله من ينصره " ثم سار مرتباً جيشه قاصداً جموع الروم. وكان ملك الروم قدم مقدماً في عشرين آلف مدرع من شجعان عسكره، ومعه صليبهم الأعظم، فوصل إلى خلاط، فنهب وسبى، فخرج إليه عسكر خلاط، ومعه صندق التركي الخارج إلى بلد حلب، في سنة اثنتين وستين على ما قدمنا ذكره فكسره صندق، وأسره، وصادف ذلك وصول السلطان، فأمر بجدع أنفه. وعجل إنفاذ الصليب الذي كان في صحبته إلى نظام الملك، وأمره بتعجيل

стр. 163

إنفاذه إلى دار السلام مبشراً بالفتح، وتلاحق عسكر الروم، فنزلوا على خلاط محاصرين لها، ونزل الملك على منازكرد فسلموها إليه بالأمان خوفاً من معرة جيوشه إن استولوا عليهم، وذلك في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة، سنة ثلاث وستين وأربعمائة. فلما كان يوم الأربعاء سير أهل منازكرد، وخرج بنفسه ليشيعهم وهو في جموعه وحشوده ووافق ذلك وصول العسكر السلطاني، ووقعت العين في العين، فحمل المسلمون حملة رجل واحد، فردوهم على أعقابهم. وشرع أهل منازكرد يتسللون من بينهم فقتل الروم بعضهم، ونجا الباقون، وترك الروم طريقهم الذي كانوا سالكيه، وعاد ملكهم فنزل في مضاربه بين خلاط ومنازكرد، وباتوا ليلتهم على أعظم قلق وأشده. فلما أصبحوا بكرة الخميس وصل السلطان ألب أرسلان في بقية عساكره، فنزل على النهر، وملك الروم على موضع يعرف بالزهوة في مائتي آلف فارس، والسلطان في خمسة عشر ألف، فأرسل السلطان رسولاً حمله سؤالاً وضراعة، ومقصوده أن يكشف أمرهم، ويختبر حالهم ويقول لملك الروم: " إن كتت ترغب في الهدنة أتممناها، وإن كنت تزهد فيها وكلنا الأمر إلى الله ". فظن الزومي أنه إنما أرسله عن ضرورة فأبى واستكبر، وأجاب بأني سوف أجيب عن هذا الرأي بالري، فغاظ السلطان جوابه، وانقطعت المراسلة بينهما. وأقام الفريقان يوم الخميس على تعبئة الصفوف، فقال أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي فقيه السلطان وإمامه: " أنت تقاتل عن دين الله الذي وعد بإظهاره على الأديان، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال، والناس يدعون لك على المنابر في أقطار الأرض ". فلما أصبحوا يوم الجمعة ركب السلطان بجموعه وركبت الروم فتواقفوا، فلما

стр. 164

حان وقت الزوال نزل السلطان عن فرسه، وأحكم مد حزامه، وتضرع بالدعاء إلى الله تعالى، ثم ركب وفرق أصحابه فرقاً كل فرقة منهم لها كمين، ثم استقبل بوجهه الحرب. وحمل ملك الروم بجمعه، فاستطرد المسلمون بين أيديهم، واستجروا الروم إلى أن صار الكمين من ورائهم، ثم خرج الكمين من خلفهم، ورد المسلمون في وجوههم، فأتزل الله نصره، وكسرت الروم، وأسر الملك، واستولى المسلمون على عساكرهم، وغنموا ما لا يعد كثرة ولا يحصى عدداً وعدة. وقيد الملك أسيراً إلى بين يدي السلطان، فأقامه بين يديه ومعه بازي وكلب صيد. وكانت مع الروم ثلاثة آلاف عجلة تحمل الأثقال والمنجنيقات، وكان من جملتها منجنيق بثمانية أسهم تحمله مائة عجلة، ويمد فيه ألف ومائتا رجل، وزن حجره بالرطل الكبير قنطار، وحمل العسكر من أموالهم ما قدروا عليه. وسقطت قيمة المتاع والسلاح والكراع، حتى بيعت اثنتا عشرة خوذة بسدس دينار، ولم يسلم من عسكر الروم إلا العسكر الذي كان محاصراً خلاط، فلما بلغتهم الكسرة رحلوا عن البلد جافلين، فاتبعهم المسلمون وتخطفوا أطرافهم، فلم يلو أولهم على أخرهم. فمن عجيب الإتفاق ما حكي: أنه كان لسعد الدولة كوهرائين مملوك أهداه لنظام الملك، فرده عليه فجعل يرغبه فيه، فقال نظام الملك: " وماذا عسى أن يكون من هذا المملوك، يأتينا بملك الروم أسيراياً، مستهزئاً به. ثم أنسي هذا الحديث إلى أن كان في هذه الحادثة فاتفق وقوع ملك الروم في أمر ذلك الغلام، فخلع السلطان عليه، وبالغ في إكرامه، وحكمه في طلبه واقتراحه، فطلب بشارة غزنة، فكتب له بذلك. ثم رحل السلطان إلى أذربيجان، والملك في قيده، فأحضره السلطان بين يديه، وسأله عن سبب خروجه وتعريضه نفسه وعسكره لهذا الأمر، فذكر أنه لم يرد إلا حلب، وكل ما جرى علي كان محمود السبب فيه والباعث عليه، فقال:

стр. 165

" اصدقني عما كنت عازماً عليه لو ظفزت بي " فقال: لاكنت أجعلك مع الكلاب في ساجور. فقال السلطان: ما الذي توثر أن يفعل بك. فقال: " انظر عاقبة فساد نيتي واختر لنفسك "، فرق له قلب السلطان، فمن عليه، وأطلقه، وأكرمه، وخلع عليه بعد أن شرط عليه أن لا يتعرض بشيء من بلاد الإسلام، وأن يطلق أسرى المسلمين كلهم، وسيره إلى بلاده، وسير معه قطعة من العساكر توصله. فلفا انصرف ديوجانس إلى قسطنطينية خلعوه من الملك، ولم يتم له ما أراد. وقيل: إنه كحل، ومات بعد مدة. ولم ينقل إنه أسر للروم ملك في الإسلام قبل هذا. وأما محمود بن نصر بن صالح فإنه سار بعسكره بعد رحيل السلطان عن حلب، ومعه بنو كلاب والسليماني، في شعبان من هذه السنة، فنزلوا بالقرب من بعلبك قاصدين دمشق وبلادها وبها يومئذ ابن منزو الكتامي، حسب ما تقدم السطان إليه، وأقام محمود ليتبين ما يفعل. خبر عطية بن صالح وكان عمه عطية بن صالح قد صار مع الروم مستنجداً بهم على ابن أخيه محمود، وبعد أن قصد المصريين فلم يحصل على شيء منهم. فخرج عطية مع النحت دوقس أنطاكية وعسكر الروم، فهجموا معه معرة مصرين وأحرقوا بعضها، وقتلوا من قدروا عليه. وبلغ الخبر محموداً وهو في أرض بعلبك فعاد إلى حلب، وسار السليماني

стр. 166

ليلحق بالسلطان ألب أرسلان، واتصلت غارات الروم على الشام، فاستنجد محمود " بقر لو التركي " ومن معه من الأمراء بفلسطين، وهم: ابن أخي الملك ابن خان، وأتسز بن أوق وإخوته. وكانوا أول من طلع من الترك إلى بلاد فلسطين، وفتحوها، وأقاموا بها فنزلوا إلى محمود متجدين له، وأقاموا إلى أن تفرق عسكر الروم. ودخل عطية عم محمود إلى قسطنطينية، فسقط من سطح كان نائماً عليه وهو سكران، فمات سنة أربع وستين، وسار محمود إلى الرحبة فأخذها، وحمل إلى حلب ودفن بها غربي باب الجنان، في مشهد أمه طرود قبلي بستان النقرة، وصلى عليه ابن أخيه محمود. ثم عاد الأتراك بعد أن حمل إليهم محمود مالاً وخيلاً. الوزير أبو بشر وفي سنة أربع وستين وأربعمائة، تغيرت أخلاق محمود بعد رحيل السلطان، وتنكر لأصحابه، وتغير على وزيره أبي بشر النصراني، وكان هو الذي ساعده بماله حتى ملك حلب، واستجذب العرب إليه، وكان القائد أبو الحسن بن أبي الثريا الذي كان وزير عطية قد سعى به ليلي وزارة محمود، وطالبه بمال جليل. وكان محمود قد رغب في جمع المال، وغلب عليه حب الدنيا فذكر له أبو بشر أنه عاجز عن أداء ما طولب به، وأنه مما لا تصل يده إليه ولا إلى بعضه. فأمر محمود بقتل ولد كان لأبي بشر وبقتل أخيه، فقتلا وقطع رأساهما، وعلقا في عنقه، فسمع أبو بشر وهو يقول: ويح دهري ما أمره ... ما وفي خير بشره وحلف أبو بشر أنه بعد ما فعله بابنه وأخيه لا يظهر له شيئاً من ماله. وقال: كل من عنده شيء مودع فهو في حل منه وسعة. وندم محمود على ما فعل، وأراد الرجوع له، وأرسل إليه شافع بن الصولي أن يقرر عليه شيئاً ويطلقه فامتنع. واتفق أن محموداً اصطبح، وقدم إليه طعام بعد سكره، فأنفذ منه لأبي بشر مع

стр. 167

فراشه، فقام قائماً، وقئل الأرض، وشكر ودعا. فعرف ابن أبي الثريا، فركب، ولقي الفراش ودفع إليه مائة دينار، وسأله أن يقول لمحمود: إن هذا شيخ خرف لأنه لم يقبل طعام مولانا، وقال: كافأه الله وعجل عليه لما. ففعل الفراش ذلك. ودخل ابن أبي الثريا عقيبه على محمودث وجاراه في حديث لا يتعقق بأبي بشر فلم يقبل عليه، ووجده مملوء القلب غيظاً من جواب الفراش. فقال ابن أبي الثريا: " الله لا يشغل لمولانا خاطراً، فما أراه منبسطاً في مجلسه ولا مصغياً إلى المملوك لما. فحدثه بما قال الفراش، فقال يا مولانا: لم تزل إليه محسناً ويقابلك بالإساءة فكيف يكون بعدما جرى عليه وعلى ابنه وأخيه ما جرى. وأنا أدري أنك تريد ماله، وقد تكرر قوله إنه لا يعطيك شيئاً. قال محمود: " هذا سيفي وخاتمي، خذهما وامض إليه فان لم يقر بشيء فاقتله. فقام ابن أبي الثريا من عنده بذلك، واشتغل محمود بالشرب فنهم منه، وأحضر ابن أبي الثريا أبا بشر فلم يطالبه بمال بل قال له، " ما زلت تتجلد حتى صرت إلى هذه الحال ". فقال: " يا قائد السوء قد علمت أن هذا كله من سعيك، والأجل لا مرد له، وهذا موت الشمهداء، ولكن استعد لرجلك بحبل، فستموت ميتة الكلاب، وتجر جيفتك إلى الخندق. وقتل أبو بشر، ورمي وسط بئر بستان القصر. وصعد الوزير أبو نضر بن النخاس ثاني يوم قتل أبي بشر إلى خدمة محمود، فقال له سراً: " تمضي إلى أبي بشر لتقرير ما عليه، ويطلق لما. فقال: " يا مولانا وما قد قتلته. فأطرق محمود ساعة وقال: تمت علي وعليه الحيلة، ويجب يا أبا نصر أن تكتم هذا الأمر " قال أبو نصر: فما حدثت به إلا بعد موت محمود، واستقل أبن أبي الثريا بوزارة محمود. ابن منقذ وأما سديد الملك أبو الحسن بن متقذ فإنه استشعر من تاج الملوك أن يقبضه وكان أخاه من الرضاعة فاجتمع باسباسلار أبي حرب، المعروف، بخريبة الفايا، وكان صاحب سر محمود ونديمه، وكان لابن منقذ إليه إحسان كثير وصنائع جمة، فمال له:، قد استشعرت من تاج الملوك فانظز ما تعمله معي، فقال: " تكلفني أن يقول الأمير أريد اقبض على فلان فأخبرك بذلك، لا والله، ولكن أنا أنفذ إليك مع عجوز عندي ألفي دينار، فإذا نفدت طلبتها منك فشأنك ونفسك

стр. 168

" فبقيت تلك الدنانير عنده مئة ثم نفذ العجوز لطلبها، وكان قد أصلح حاله للسفر، فدفع إليها الدنانير، وركب من يومه، وخرج من حلب إلى كفرطاب، فاستصحب منها ما أراد. وسير حسين بن كامل بن الدوح إلى سديد الملك بن منقذ يسأله الاجتماع فاجتمعا، فقال: له حسين: " ايش رأيك في الدخول إلى حلب " فقال: ما أقول لك شيئاً لأن لك مالاً عظيماً، فإن أشرت عليك بتركه كنت ملوماً عندك، ولكني أقول لك ما أعمل، وأنت ترى رأيك والله لا نظرت محموداً أبداً " وسار إلى طرابلس فكتب محمود إلى ابن عمار يأمره بالقبض عليه، ويبذل له ثلاثة آلاف درهم ورقية فلم يظفر به. وسار ابن منقذ حتى وصل إلى طرابلس في سنة خمس وستين، فلقي ابن عمار وأخاه، فكاتبهما محمود فتنكرا له. وعزم ابن منقذ على الطلوع إلى مصر، فاتفق موت أمين الدولة ابن عمار فشد ابن منقذ من جلال الملك علي بن عمار وعاضده بمماليكه ومن طلع معه أهل كفرطاب، فأخرجوا أخا أمين الدولة، وتولى جلال الملك، وعظم محل منقذ عنده حتى كان حكمه في طرابلس مثله وكاتبه محمود بتطييب قلبه، فلم به، ولم يعد إلى حلب حتى مات. وقيل: إن ابن النحاس، كاتب محمود، كتب إليه كتاباً من نفسه يضمن له الرضا عن محمود، وكتب في آخره: إن شاء الله " وشدد النون من إن، ففطن منقذ بأنه أراد قوله تعالى: " إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك "، فكتب جوابه: وكتب إن الخادم، وكسر الألف، وشدد النون من إنا، ففطن أبن النحاس بأنه أراد قوله تعالى: " إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها ". وأما محمود فإنه لما يئس من عود أبي الحسن بن منقذ قبض على أملاكه

стр. 169

جميعها وأقام حسين بن الدوح فإنه دخل إلى حلب فقتله محمود ولم يمهله. خبر الخفاجي وكان محمود قد خطر له أن يولي في كل قلعة من قلاعه رجلاً من أهل حلب، وتكون ذريته وأهله تحت يديه، وطلب من الوزير ابن أبي الثريا أن يختار له من يوليه عزاز، فقال: " لا أجد لذلك إلا أبا محمد بن سنان الخفاجي " وكان أبو نصر بن النحاس حاضراً، فصوب الرأي فيه فأحضره محمود وولاه بعد أن امتنع ثم أجاب. ثم إنه استوحش عليه فاستدعاه محمود عدة دفعات إلى حلب، فتعلل عليه ولم يحضر، وكان أبو نصر بن النحاس صديقه وكان كاتب محمود، فكان يكتب إليه ويحذره. فأمره في بعض الأيام أن يكتب إليه كتاباً يتلطفه ويأمره بالحضور والكتاب عن أبي نصر، لأنه كان يعلم ما بينهما من المودة، وأمره أن يضمن له عن محمود كل خير، وأمره أن يكتب الكتاب بين يديه، ولم يقع له أن يلغز فيه شيئاً. قال أبو نصر: " فما قدرت أن أعمل فيه سوى أن شددت النون من إن شاء الله، وتناهيت في لفظ الكتاب، وقلت: لو عرفت ضد ما كتبت لما كنت بصورة من يغشه " وأخذ محمود الكتاب ووقف عليه، وكرر فيه نظره فرآه كافياً شافياً، فأمر بإلصاقه وعنوانه، ودفعه لبعض أصحابه ووصاه أن يقول: " هذا كتاب دفعه إلي أبو نصر بداره " وسار الفراش. فلما وقف أبو محمد عليه كرر فيه نظره، وبقي متعجباً منه، ويقول: " أخي أبو نصر أعطاك الكتاب بداره أم بالديوان أم بالقلعة قدام الأمير " فقال: " بل بداره " فقال: ما هذا صحيح، فحلف له فلم يصدقه إلى أن قال: " وقعت على المعنى. وكتب جوابه يذكر فيه شكر أبي نصر، وأنه مهتنم بالحضور عند زوال حمى جسمه ثم إنه كاتب أبا نصير خفية، وأعلمه أنه عثرر على المعنى في تشديد " إن ". وقد ذكرنا أنه جرى له ذلك مع ابن منقذ فيحتمل أن يكون وقع ذلك معهما جميعاً. ثم إن محموداً أنكر وقال: " ما أعرف قتله إلا منك "، فقال: " كيف " قال: تمضي إليه اليوم ومعك ثلاثون فارساً يقفون لك في بعض الطريق، وتقدم منك إليه

стр. 170

من يعلمه بوصولك ومعك في رانك هذه الخشكنانة ومعك أنت خشكنان غيره، فإذا فعلت ذلك لا بد أن ينزل ويلتقيك من قلعة عزاز، ويعرض عليك الصعود والنزول عنده، فقال له: أنا موجل ومستحلف أن لا أنزل على الأرض، ولا آكل لك طعاماً، وطول الحديث معه إلى أن تعلم أنه قد جاع، ثم اذكر أنت الجوع واخرج لك خشكنانة من الذي معك، ثم أخرج المسمومة فادفغها إليه، وكل أنت التي لك وتحدث معه ويكون حديثكما على فرسيكما وأنتما بمعزل من أصحابكما، وطول معه الحديث ولا تبرح حتى يستوفي أكلها، وعلامة صدقك موته، وإلا ضربت عنقك. قال أبو نصر بن النحاس: فنزل علي من ذلك أمر تمنيت الموت معه فخرجت وأنا على غاية من الجزع والتأسف كيف قضى الله ذلك على يدي، وجعلت دقعة أعول على الهرب، ثم إني أفكر في أولادي وأهلي، وإنني إن فعلت ذلك أهلكتهم لعلمي بظلم صاحبي، ثم إن الفرسان متوكلة بي. فلما اجتمعت به فعلت ما ذكره لي، ثم ودعته عند استيفاء أكل الخشكنانة ورجعت من موضعي مبادراً، وأبعدت من أرض عزاز، وركنت جنيباً كان معي وجديت في السير خوفاً من الطلب وصعد أبو محمد إلى المركز، فوجد مغصاً شديداً ورعدة، ثم قال: لاقتله أخي أبو نصر، اطلبوه فركبت الخيل خلفه فلم تلحقه. ووصل أبو نصر فاجتمع بمحمود، فعرفه ما جرى فلما كان من ذلك الغد وصل رسول من عزاز يستدعي الشريف النقيب أبا المعالي الفضل بن موسى وابنه سنان بن أبي محمد الخفاجي، وجماعة من أهله وذكر الرسول أنه في السياق فمنع محمود ولده من الخروج، وأمر الشريف أن يتولى القلعة إلى أن ينفذ إليها والياً، فولاها بعد خمسة أيام وأحداً من أصحابه. وتوفي أبو محمد في قلعة عزاز في سنة لست وستين وأربعمائة، وقيل سنة أربع وستين وهو الصحيح، وحمل إلى حلب، وصفى عليه الأمير محمود بن صالح وقيل: إنه توفي في سنة ثلاث وستين والأول أصح ولما أحس بالموت عمل: خف من أمنت ولاتركن إلى أحد ... فما نصحتك إلا بعد تجريب إن كانت الترك فيهم غير وافية ... فما تزيد على غدر الأعاريب تمسكوا بوصايا اللؤوم بينهم ... وكاد أن يدرسوها في المحاريب

стр. 171

وقيل: إنه كان كتبها أبو محمد من عزاز إلى سديد الملك بن منقذ، ويذكر له في كتابه أخواله ولجاج محمود في طلبه، وتغير نيته فيه، وخوفه من غائلته وظلمه. الشاعر ابن حيوس وفي سنة خمس وستين وأربعمائة وقيل في شوال سنة أربع وستين وفد أبو الفتيان بن حيوس على محمود بن نصر بن صالح، وكان سديد الملك بن منقذ اجتمع به بطرابلس، ورأى نفور بني عمار منه لأجل ميله إلى الدولة المصرية، فأشار عليه أن يقصد محموداً بحلب، فقصده صحبة نصر بن سديد الملك بن منقذ، فأحضره محمود. وكان قد جلس في مجلسه وأمر بإحضار الشراب فشرب أقداحاً، ثم قال: ارفعوا الخمر فإن ابن حيوس يحضرني ممتدحاً، وفي نفسي أن أهبه جائزة سنية فإن كان الشراب في مجلسي قيل وهبه وهو سكران " فرفع وحضر الأمير أبو الفتيان فأنشده قصيدته الميمية التي أولها: قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمماً، ... ولا تقتفوا من جار لما تحكما أرى كل معوج المودة يصطفى ... لديكم، ويلقى حتفه من تقوما وهي قصيدة طويلة، أحسن فيها كل الإحسان، وذكر إشارة ابن منقذ عليه بقصده فقال: سأشكر رأياً منقذياً أحلني ... ذراك فقد أولى جميلا وأنعما فوهب له آلف دينار ذهباً في صينية فضة، وجعلها له رسماً علية في كل سنة. واحتفر الخندق بحلب فجاءه أبو الفتيان فقال: " هذه أعمال يعجز عنها كسرى وذو الأكتاف " فقال محمود: " ما كان الأمير أبو الحسن ينفذك حتى عملت واجتمع بباب محمود بن نصر جماعة من الشعراء، فلم تصل إلى واحد منهم جائزة غير ابن حيوس، فكتب إليه ابن الدويدة، المعروف بالقاق: على بابك الميمون منا عصابة ... مفاليس فانظز في أمور المفاليس وقد قنعت منك العصابة كلها ... بعشر الذي أعطيته لابن حيوس

стр. 172

وما بيننا هذا التفاوت كله ... ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس فقال محمود: " والله لو قال بمثل الذي أعطيته لأعطيتهم مثله " ثم أمر لهم بالجائزة مائة دينار أو أكثر. وقصد الروم ناحية عزاز في جموعهم، فخرج محمود إليهم في عدة قليلة تناهز ألف فارس، فاندفع الروم بين أيديهم، وقصدوا أنطاكية واحتموا بها في سنة أربع وستين وافتتح محمود قلعة السن في تاسع شهر ربيع الآخر سنة ست وستين. وفاة محمود بن نصر ومرض محمود بن نصر بن صالح بحلب في جمادى الأولى من سنة سبع وستين وأربعمائة وحدثت به قروح في المعا كانت سبب منيته. وكان محمود في أول ملكه حسن الأخلاق، لين الجانب، كريم النفس، عفيفاً عن الفروج والأموال، ثم تنكر وزاد عليه حب الذنيا، وجمع المال فلحقه من البخل ما لا يوصف.

стр. 173

القسم الخامس عشر نصر بن محمود بن نصر بن صالح وأوصى بحلب لابنه شبيب وكان أصغر أولاده فلم تنفذ أصحابه وصيته، وملكوا حلب ولده الأمير نصر بن محمود، وجده لأمه الملك العزيز بن جلال الدولة ابن بويه، وأحصي ما وجد في خزائن محمود فكانت قيمته من العين والمتاع والآلات، والثياب، والمراكب آلف ألف وخمسمائة آلف دينار. وأمن الناس في أيام نصر وكانت سيرته أصلح من سيرة أبيه، وأحسن إلى أهل حلب، وأطلق من كان في اعتقال أبيه من أحداثهم، وعم الناس بجوده. وكان بحراً للمكارم إلا أنه كان لا يستطيع أن يرى أحداً يأكل طعامه مع كرمه وجوده. ودخل عليه أبو الفتيان بن حيوس حين ولي حلب فأنشده القصيدة التي أولها: كفى الذين عزا ما قضاه لك الدهر ... فمن كان ذا نذر فقد وجب النذر اعتذر فيها عن تأخره عن سلفه فقال: تباعدت عنكم حرفة لازهادة ... وسرت إليكم حين مسني الضر فجاد ابن نصر لي بألف تصرمت ... وإني لأرجو أن سيخلفها نصر فأطلق له نصر آلف دينار، وقال: وحياتي، لو قال سيضعفها نصر لأضعفتها. ولم يزل يواصل ابن حيوس بالحباء وجزيل العطاء، وأنشده ابن حيوس يوماً بديهاً وقد خرج ينظر المد في قويق: أرى الأرض تثني بالنبات على الحيا ... ولو تستطيع النطق خصتك بالحمد

стр. 174

بك افترت الأنام عن ناجذ الغنى ... وغرد طير العيش في الزمن الرغد عهدنا مدود الأرض تأتي بحورها ... ولم نر بحراً قط سار إلى مد فأعطاه صلة جزيلة: وجهز نصر عساكره إلى منبج صحبة أحمد شاه، وكانت في أيدي الروم، فحصرها مدة، وأيس واليها من نجدة تأتيه، فسلمها في صفر من سنة ثمان وستين وأربعمائة، فقال في ذلك ابن حيوس من قصيدة: وطريدة للدهر أنت رددتها ... قسراً فكنت السيف يقطع مغمداً ووصل في سنة ثمان وستين وأربعمائة أتسز بن أوق التركي إلى أعمال حلب القبلية، ونزل العاصي على الجلالي، وجفل أهل الشام بين يديه، وكان قد سمى نفسه الملك المعظم فنهب كل ما قدر عليه، وملك رفنية، وسلمها إلى أخيه جاولي، وترددت سراياه في جميع الشام، وتمادى فساده. وترددت الرسل بينه وبين نصر بن محمود صاحب حلب، فلم يستقر بينهما أمر، وعاد إلى دمشق فتسلمها. واعتمد جاولي مدة مقامه برفنية إساءة المجاورة، وشن الغارات والأذى في الأعمال القبلية من عمل حلب، فجهز إليه نصر بن محمود عسكر حلب ومقدمهم أحمد شاه التركي، وذكر أنه شيباني فسار إليه، والتقوا بأرض حماة، فكسره جاولي وغنم عسكره. وعاد أحمد شاه ونزل مذكين وجمع إليه من سلم من عسكره، فلما اجتمعوا عولوا على العودة إلى حلب، فقال لهم أحمد شاه: " ما بقى لنا وجه إلى حلب بعد هذه الكسرة، فإن راجعتم الحرب وأظفرنا الله بهم كان الأمر لنا بحكم الظفر، هـ ان أبيتم ذلك فأنا أسير إلى الفرات وأستدعي أهلي، فما لي وجه ألقى به نصر بن محمودة وإنما أعطى ومنح وأكرم لمثل هذا الموقف. فأجمعوا أمرهم على معاودة الحرب فأسرى من موضعه إلى عسكر جاولي وكبسه، فاستثأر منهم، ونهب عسكره، وأسر منهم ما يزيد عن ثلاثمائة نفس،

стр. 175

وسيرهم في الوثاق إلى حلب مشاة، وهرب جاولي إلى رفنية، وسار بعد ذلك إلى أخيه بدمشق. وكان نصر حين ملك حلب واستقر بها أمر بقتل وزير أبيه أبي الحسن علي بن أبي الثريا القائد، صاحب الدار التي هي المدرسة العصرونية، فقتل وكان راكباً تحت القلعة، وهو في حشمه على بغلته، وعمل في رجله حبل وجذبت جثته من تحت القلعة إلى باب أنطاكية، جزاء على ما فعله بأبي بشر، وصدق قال أبي بشر فيه على ما ذكرناه وكان نصر قد اتهمه بأنه أشار على أبيه أن يولي أخاه الأصغر شبيباً، وكذلك قتل نصر ناجية بن علي أحد ولاة أبيه. واستوزر نصر أبا نصر محمد بن الحسن التميمي المعروف بابن النحاس الحلبي، وبقي وزيراً بعده لسابق أخيه إلى أن اعتقله، ثم أطلق وكان أبو نصر كاتباً لمحمود قبل وزارته. وفي يوم عيد الفطر من سنة ثمان وستين وأربعمائة، عيد نصر بن محمود، وهو في أحسن زي، وكان الزمان ربيعاً والأرض نضرة، واحتفل الناس في عيدهم وتجملوا بأفخر ملابسهم، ودخل عليه ابن حيوس فأنشده قصيدة منها: ضفت نعمتان خصتاك وعمتا ... حديثها حتى القيامة يوثر مقتل نصر وقبض نصر على الأمير أحمد شاه التركي، واعتقله في القلعة، وجلس فشرب إلى العصر، وحمله السكر على الخروج إلى الأتراك، وسكناهم في الحاضر، وأراد أن ينهبهم، وحمل عليهم، فرماه تركي بسهم في حلقه فقتله، وتبعه أصحابه فوجدوه قد مات، وذلك يوم الأحد مستهل شوال من سنة ثمان وستين وأربعمائة وكان نصر أهوج.

стр. 176

القسم السادس عشر سابق بن محمود بن نصر وزحفت الأتراك إلى البلد وكان والي القلعة رجلاً يقال له ورد، وعنده الأمير سديد الملك أبو الحسن بن منقذ، وكان قد كان من طرابلس إلى حلب في أيام نصر، وعندهما جماعة من الخواص، فلما علموا بذلك استدعوا أخاه سابق بن محمود. وحمل من العقبة، وكان ساكنا بها في الدار التي تنسب إلى عزيز الدولة فاتك، ورفع إلى القلعة بحبل من السور، وهو سكران، ونادوا بشعاره، وأطاعه الأجناد، وأشاروا عليه بإطلاق أحمد شاه فأطلقه في الحال، وخلع عليه. فنزل أحمد شاه إلى العسكر بالحاضر فسكن الثائرة، وأخمد الفتنة، واستقرت قاعدة سابق، ولفب عز الملك أبو الفضائل، ودخل عليه ابن حيوس فأنشده قصيدة أولها: لي لها أن أحفظ العهد والوا ... وإن لم يفد إلا القطيعة والصدا فأطلق له سابق آلف دينار، وجعل له في كل شهر ثلاثين ديناراً، وكان سابق من متخلفي بني مرداس. ولما ملك سابق اجتمعت بنو كلاب إلى أخيه وثاب، وعولوا على معونته عليه، وأخذ حلب له من أخيه سابق وانضاف إلى وثاب أخوه شبيب بن محمود، ومبارك أبن شبل ابن خالهما، وعامة بني كلاب. فلما تحقق سابق ذلك استدعى أحمد شاه أمير الأتراك، وكان في آلف فارس وشاوره، فأنفذ أحمد شاه إلى رجل من الأتراك يعرف بابن دملاج واسمه محمد بن

стр. 177

دملاج في يوم الأربعاء مستهل ذي القعده، من سنة ثمان وستين. هزيمة وثاب وتحالفوا وخرجوا إلى وثاب وبني كلاب، في يوم الخميس مستهل ذي الحجة من سنة ثمان وستين وأربعمائة، وكان بنو كلاب في جمع عظيم ما اجتمعوا قط في مثله يقال إنهم يقاربون سبعين آلف فارس وراجل، وكانوا قد عاثوا في بلد حلب، وكانوا نزولاً بقنسرين فعند معاينتهم الأتراك انهزموا من غير قتال وخلفوا حللهم وكل ما كانوا يملكونه وأهاليهم وأولأدهم. فغنم أحمد شاه وأصحابه ومحمد بن دملاج وأصحابه كل ما كان لبني كلاب فيقال: إنهم أخذوا لهم مائة آلف جمل وأربعمائة آلف شاة، وسبوا من حرمهم الحرائر جماعة كبيرة، ومن إمائهم أكثر، وكل ما كان في بيوتهم وعفوا عن قتل عبيدهم المقاتلة، وكانوا يزيدون عن عشرة آلاف عبد مقاتل فلم يقتلوا أحداً منهم، وكان الذي غنمه الترك من العرب في ذلك اليوم ما لا يحصى كثرة، وأسروا جماعة منهم. وعاد أحمد شاه بالأسرى إلى حلب فتقدم سابق بن محمود بإطلاقهم، وأنزل أخته زوجة مبارك بن شبل في دار، وأكرمها لأنها كانت فيمن أخذ ذلك اليوم. وبعد هذه الهزيمة بثلاثة عشر يوماً دعا محمد بن دملاج التركي أحمد شاه، فخرج إليه، وكان نازلاً شمالي حلب، فلما أكلوا وشربوا قبض محمد بن دملاج على أحمد شاه وأسره، وكان في نفر قليل فأقام في أسره تسعة أيام ثم إن سابق بن محمود اشترى أحمد شاه من محمد بن دملاج بعشرة آلاف دينار وعشرين فرساً، يوم السبت الرابع والعشرين من ذي الحجة من السنة. إعانة ملكشاه لوثاب بن محمود فعند ذلك سار وثاب بن محمود ومبارك بن شبل، وحامد بن زغيب، إلى باب السلطان أبي الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان، وحضروا عنده، وشكوا إليه حالهم، وسألوه أن يعينهم على سابق، ويكشف عنهم ما نزل بهم منه.

стр. 178

وأنكر السلطان ذلك ووعدهم بما طابت به نفوسهم، ووقع لهم بإقطاعهم في الشام، وأقطع الشام لأخيه تاج الدولة تتش، وأمره بالمسير إلى الشام في أوائل سنة سبعين وأربعمائة وتقدم السلطان ملك شاه إلى أفشين بن بكجى، وصندق التركي، ومحمد بن دملاج، وابن طوطو، وابن بريق، وغيرهم، من أمراء الترك بالكون مع تاج الدولة والمسير في خدمته فسار تاج الدولة ومعه وثاب بن محمود ومبارك بن شبل وحامد بن زغيب، حتى وصل إلى ديار بكر، وتواصلت إليه آلاف حاد مع المذكورين، وكان أحمد شاه قد حصر أنطاكية مئة ومعه عسكر حلب واشتد الغلاء بها في هذه السنة، واستقرت الحال على خمسة آلاف دينار مقاطعة، فأخذها، ورحل عنها إلى حلب. ولما قرب تاج الدولة من الشام هرب جماعة الأتراك المقيمين بحاضر حلب مع أحمد شاه إلى حصن الجسر وكان ابن منقذ جدد عمارته ليضايق به شيزر، ويقطع المادة عنها من بلد الروم، وأذن له سابق بن محمود في ذلك، فجدد في هذه السنة فتركوا أموالهم وأهاليهم بهذا الحصن، وعادوا إلى خدمتهم بحلب، ولم يأمنوا أهل حلب أن يتركوا حرمهم عنده لما كانوا فعلوه بابن خان، وتغير الهواء بالجسر عليهم، فهلك عاقتهم بهذا الموضع. وأما تاج الدولة تتش فإنه أقام بالمروج إلى أن وصلته بنو كلاب بالطعن، ونزلوا حلب في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. ووصل شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش في عسكر كثير بأمر ملك شاه، ونزل معه على حلب معيناً له، وحصروها ثلاثة أشهر وعشرين يوماً، وكان نزوله على حلب لثلاث خلون من ذي القعدة من سنة إحدى وسبعين وأربعمائة لمكان القتال عليها متصلاً. وقتل أحمد شاه مقدم الأتراك بحلب بطعنة أصابته في الحرب، وكان هوى

стр. 179

شرف الدولة أبي المكارم مع سابق، وكان يسير إليه في الباطن بما يقوي نفسه، وكان ينكر على بني كلاب خلطتهم بعسكر الترك. فاستأذن بنو كلاب تاج الدولة في رحيل الطعون فأذن لهم فأحس شرف الدولة أبو المكارم بتغير النية فيه، وتحقيق التهمة به من مراسلة سابق وأهل حلب، فاستأذن تاج الدولة في الرحيل، ورحل وجعل عبور عسكره على باب حلب، وباع أصحابه أهل حلب كل ما كان في العسكر عصبية وتقوية لهم، وقوى نفوسهم ونفس سابق. وسار بعد أن قوي أهل حلب بما ابتاعوه من عسكره بعد الضعف الشديد إلى بلاده، وأشار على مبارك ووثاب وشبيب بالاحتياط على أنفسهم أو الهرب إلى حلب. ولم يك بقي مع تاج الدولة من بني كلاب غيرهم في نفر يسير، فكاتبهم سابو وتألفهم وقال لهم: " إني إنما أذب وأحامي عن بلادكم وعزكم، ولو صار هذا البلد إلى تتش لزال ملك العرب وذلوا " وجرت أمور أوحشتهم من الأتراك، فهربوا إلى حلب بعد أن قتل أصحابهم قبل الهزيمة وبعدها، وصاروا إلى سابق. قصيدة ابن النحاس وكتب سابق إلى الأمير أبي زائدة محمد بن زائدة قصيدة من شعر وزيره أبي نصر بن النحاس، يعرفه ما هو فيه من الضيق، ويسأله الإقبال عليه والقيام بمعونته ويحذره من التخلف عنه، فيكون ذلك مسبباً لزوال ملك العرب، ويعتب عليه في التوقف عنه فيما كان جرى مع أحمد شاه التركي، والقصيدة هي: دعوت لكشف الخطب والخطب معضل ... فلبيتني لما دعوت مجاوباً ووفيت بالعهد الذي كان بيننا ... وفاء كريم لم يخن قط صاحب وما زلت فراجاً لكل ملمة ... إذا المحرب الصنديد ضجع هائباً فشمر لها وانهض نهوض مشيع ... له غمرات تستقل النوائباً وقل ل " كلاب ": بدد الله شملكم ... أويحكم ماتتقون المعايبا! أتستبدلون الذل بالعز ملبساً ... وتمسون أذناباً وكنتم ذوائباً

стр. 180

وما زلتم الآساد تفترس العدى ... فما بالكم مع هؤلاء ثعالباً ثبوا وثبة تشفي الصدور من الصدا ... ولا تخجلوا أحسابنا والمناقباً ولا بد من يوم نحكم بيننا ... وبين العدى فيه القنا والقواضباً أرى الثغر روحاً أنتم جسد له ... إذا الروح زالت أصبح الجسم عاطبا وقد ذذت عنه طالباً حفظ عزكم ... إباء ولاقيت المنايا السواغبا وها أنا لا أنفك أبذل في حمى ... حماكم مجدا، مهجتي والرغائبا أأذخر مالي عنكم وذخائري ... إذا بت عن طرق المكارم عازبا شكرت صنيع " ابن المسيب " إذ أتى ... يجر مغاويراً تسد السباسبا ومنها: أيا راكباً يطوي الفلاة بجسرة ... هملعة لقيت رشدك راكبا ألا ابلغ " أبا الريان " عني ألوكة ... تريح من الإيلاف ما كان واجبا أخا شخصه لا يبرح الدهر حاضراً ... تمثله عيني وإن كان غائبا متى تجمع الأيام بيني وبينه ... أشد عليه ما حييت الرواجبا وأهد إلى " شبل " سلامي وقل له: ... لك الخير دع ما قد تقدم جانبا فتلك حقود لوتكلم صامت ... لجاء إليها الدهرمنهن تائبا وقد أمكنتكم فرصة فانهضوا لها ... عجالاً وإلأ أعوز الدر جالبا فإتي رأيت الموت أجمل بالفتى ... وأهون أن يلقى المنايا مجاوبا وكان قد بلغ سابقا أن أميراً من أمراء خراسان يقال له تركمان التركي قد توجه منجداً لتاج الدولة، ومعه عسكر، فأخرج سابق منصور بن كامل الكلاب، أحد أمراء بني كلاب من حلب ليلاً، وأعطاه كتابه إلى الأمير أبي زائدة، وفيه هذه الأبيات، ومعه بعض أصحاب سابق ومعهم مال. فلما وقف الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة على هذه الأبيات، اتفق مع منصور ونائب سابق، وجمعوا ما يزيد عن آلف فارس وخمسمائة راجل من بني نمير، وقشير، وكلاب، وعقيل، وكل ذلك بتدبير الأمير شرف الدولة أبي المكارم ومشورته.
следующие страницы →