Полный текст (491 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
القسم السادس عشر
سابق بن محمود بن نصر
وزحفت الأتراك إلى البلد وكان والي القلعة رجلاً يقال له ورد، وعنده الأمير سديد الملك أبو الحسن بن منقذ، وكان قد كان من طرابلس إلى حلب في أيام نصر، وعندهما جماعة من الخواص، فلما علموا بذلك استدعوا أخاه سابق بن محمود.
وحمل من العقبة، وكان ساكنا بها في الدار التي تنسب إلى عزيز الدولة فاتك، ورفع إلى القلعة بحبل من السور، وهو سكران، ونادوا بشعاره، وأطاعه الأجناد، وأشاروا عليه بإطلاق أحمد شاه فأطلقه في الحال، وخلع عليه.
فنزل أحمد شاه إلى العسكر بالحاضر فسكن الثائرة، وأخمد الفتنة،
واستقرت قاعدة سابق، ولفب عز الملك أبو الفضائل، ودخل عليه ابن حيوس فأنشده قصيدة أولها:
لي لها أن أحفظ العهد والوا ... وإن لم يفد إلا القطيعة والصدا
فأطلق له سابق آلف دينار، وجعل له في كل شهر ثلاثين ديناراً، وكان سابق من متخلفي بني مرداس.
ولما ملك سابق اجتمعت بنو كلاب إلى أخيه وثاب، وعولوا على معونته عليه، وأخذ حلب له من أخيه سابق وانضاف إلى وثاب أخوه شبيب بن محمود، ومبارك أبن شبل ابن خالهما، وعامة بني كلاب.
فلما تحقق سابق ذلك استدعى أحمد شاه أمير الأتراك، وكان في آلف فارس وشاوره، فأنفذ أحمد شاه إلى رجل من الأتراك يعرف بابن دملاج واسمه محمد بن
стр. 177
دملاج في يوم الأربعاء مستهل ذي القعده، من سنة ثمان وستين.
هزيمة وثاب
وتحالفوا وخرجوا إلى وثاب وبني كلاب، في يوم الخميس مستهل ذي الحجة من سنة ثمان وستين وأربعمائة، وكان بنو كلاب في جمع عظيم ما اجتمعوا قط في مثله يقال إنهم يقاربون سبعين آلف فارس وراجل، وكانوا قد عاثوا في بلد حلب، وكانوا نزولاً بقنسرين فعند معاينتهم الأتراك انهزموا من غير قتال وخلفوا حللهم وكل ما كانوا يملكونه وأهاليهم وأولأدهم.
فغنم أحمد شاه وأصحابه ومحمد بن دملاج وأصحابه كل ما كان لبني كلاب فيقال: إنهم أخذوا لهم مائة آلف جمل وأربعمائة آلف شاة، وسبوا من حرمهم الحرائر جماعة كبيرة، ومن إمائهم أكثر، وكل ما كان في بيوتهم وعفوا عن قتل عبيدهم المقاتلة، وكانوا يزيدون عن عشرة آلاف عبد مقاتل فلم يقتلوا أحداً منهم، وكان الذي غنمه الترك من العرب في ذلك اليوم ما لا يحصى كثرة، وأسروا جماعة منهم.
وعاد أحمد شاه بالأسرى إلى حلب فتقدم سابق بن محمود بإطلاقهم، وأنزل أخته زوجة مبارك بن شبل في دار، وأكرمها لأنها كانت فيمن أخذ ذلك اليوم.
وبعد هذه الهزيمة بثلاثة عشر يوماً دعا محمد بن دملاج التركي أحمد شاه، فخرج إليه، وكان نازلاً شمالي حلب، فلما أكلوا وشربوا قبض محمد بن دملاج على أحمد شاه وأسره، وكان في نفر قليل فأقام في أسره تسعة أيام
ثم إن سابق بن محمود اشترى أحمد شاه من محمد بن دملاج بعشرة آلاف دينار وعشرين فرساً، يوم السبت الرابع والعشرين من ذي الحجة من السنة.
إعانة ملكشاه لوثاب بن محمود
فعند ذلك سار وثاب بن محمود ومبارك بن شبل، وحامد بن زغيب، إلى باب السلطان أبي الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان، وحضروا عنده، وشكوا إليه حالهم، وسألوه أن يعينهم على سابق، ويكشف عنهم ما نزل بهم منه.
стр. 178
وأنكر السلطان ذلك ووعدهم بما طابت به نفوسهم، ووقع لهم بإقطاعهم في الشام، وأقطع الشام لأخيه تاج الدولة تتش، وأمره بالمسير إلى الشام في أوائل سنة سبعين وأربعمائة وتقدم السلطان ملك شاه إلى أفشين بن بكجى، وصندق التركي، ومحمد بن دملاج، وابن طوطو، وابن بريق، وغيرهم، من أمراء الترك بالكون مع تاج الدولة والمسير في خدمته
فسار تاج الدولة ومعه وثاب بن محمود ومبارك بن شبل وحامد بن زغيب، حتى وصل إلى ديار بكر، وتواصلت إليه آلاف حاد مع المذكورين، وكان أحمد شاه قد حصر أنطاكية مئة ومعه عسكر حلب واشتد الغلاء بها في هذه السنة، واستقرت الحال على خمسة آلاف دينار مقاطعة، فأخذها، ورحل عنها إلى حلب.
ولما قرب تاج الدولة من الشام هرب جماعة الأتراك المقيمين بحاضر حلب مع أحمد شاه إلى حصن الجسر وكان ابن منقذ جدد عمارته ليضايق به شيزر، ويقطع المادة عنها من بلد الروم، وأذن له سابق بن محمود في ذلك، فجدد في هذه السنة فتركوا أموالهم وأهاليهم بهذا الحصن، وعادوا إلى خدمتهم بحلب، ولم يأمنوا أهل حلب أن يتركوا حرمهم عنده لما كانوا فعلوه بابن خان، وتغير الهواء بالجسر عليهم، فهلك عاقتهم بهذا الموضع.
وأما تاج الدولة تتش فإنه أقام بالمروج إلى أن وصلته بنو كلاب بالطعن، ونزلوا حلب في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.
ووصل شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش في عسكر كثير بأمر ملك شاه، ونزل معه على حلب معيناً له، وحصروها ثلاثة أشهر وعشرين يوماً، وكان نزوله على حلب لثلاث خلون من ذي القعدة من سنة إحدى وسبعين وأربعمائة لمكان القتال عليها متصلاً.
وقتل أحمد شاه مقدم الأتراك بحلب بطعنة أصابته في الحرب، وكان هوى
стр. 179
شرف الدولة أبي المكارم مع سابق، وكان يسير إليه في الباطن بما يقوي
نفسه، وكان ينكر على بني كلاب خلطتهم بعسكر الترك.
فاستأذن بنو كلاب تاج الدولة في رحيل الطعون فأذن لهم فأحس شرف الدولة أبو المكارم بتغير النية فيه، وتحقيق التهمة به من مراسلة سابق وأهل حلب، فاستأذن تاج الدولة في الرحيل، ورحل وجعل عبور عسكره على باب حلب، وباع أصحابه أهل حلب كل ما كان في العسكر عصبية وتقوية لهم، وقوى نفوسهم ونفس سابق.
وسار بعد أن قوي أهل حلب بما ابتاعوه من عسكره بعد الضعف الشديد إلى بلاده، وأشار على مبارك ووثاب وشبيب بالاحتياط على أنفسهم أو الهرب إلى حلب.
ولم يك بقي مع تاج الدولة من بني كلاب غيرهم في نفر يسير، فكاتبهم سابو وتألفهم وقال لهم: " إني إنما أذب وأحامي عن بلادكم وعزكم، ولو صار هذا البلد إلى تتش لزال ملك العرب وذلوا " وجرت أمور أوحشتهم من الأتراك، فهربوا إلى حلب بعد أن قتل أصحابهم قبل الهزيمة وبعدها، وصاروا إلى سابق.
قصيدة ابن النحاس
وكتب سابق إلى الأمير أبي زائدة محمد بن زائدة قصيدة من شعر وزيره أبي نصر بن النحاس، يعرفه ما هو فيه من الضيق، ويسأله الإقبال عليه والقيام بمعونته ويحذره من التخلف عنه، فيكون ذلك مسبباً لزوال ملك العرب، ويعتب عليه في التوقف عنه فيما كان جرى مع أحمد شاه التركي، والقصيدة هي:
دعوت لكشف الخطب والخطب معضل ... فلبيتني لما دعوت مجاوباً
ووفيت بالعهد الذي كان بيننا ... وفاء كريم لم يخن قط صاحب
وما زلت فراجاً لكل ملمة ... إذا المحرب الصنديد ضجع هائباً
فشمر لها وانهض نهوض مشيع ... له غمرات تستقل النوائباً
وقل ل " كلاب ": بدد الله شملكم ... أويحكم ماتتقون المعايبا!
أتستبدلون الذل بالعز ملبساً ... وتمسون أذناباً وكنتم ذوائباً
стр. 180
وما زلتم الآساد تفترس العدى ... فما بالكم مع هؤلاء ثعالباً
ثبوا وثبة تشفي الصدور من الصدا ... ولا تخجلوا أحسابنا والمناقباً
ولا بد من يوم نحكم بيننا ... وبين العدى فيه القنا والقواضباً
أرى الثغر روحاً أنتم جسد له ... إذا الروح زالت أصبح الجسم عاطبا
وقد ذذت عنه طالباً حفظ عزكم ... إباء ولاقيت المنايا السواغبا
وها أنا لا أنفك أبذل في حمى ... حماكم مجدا، مهجتي والرغائبا
أأذخر مالي عنكم وذخائري ... إذا بت عن طرق المكارم عازبا
شكرت صنيع " ابن المسيب " إذ أتى ... يجر مغاويراً تسد السباسبا
ومنها:
أيا راكباً يطوي الفلاة بجسرة ... هملعة لقيت رشدك راكبا
ألا ابلغ " أبا الريان " عني ألوكة ... تريح من الإيلاف ما كان واجبا
أخا شخصه لا يبرح الدهر حاضراً ... تمثله عيني وإن كان غائبا
متى تجمع الأيام بيني وبينه ... أشد عليه ما حييت الرواجبا
وأهد إلى " شبل " سلامي وقل له: ... لك الخير دع ما قد تقدم جانبا
فتلك حقود لوتكلم صامت ... لجاء إليها الدهرمنهن تائبا
وقد أمكنتكم فرصة فانهضوا لها ... عجالاً وإلأ أعوز الدر جالبا
فإتي رأيت الموت أجمل بالفتى ... وأهون أن يلقى المنايا مجاوبا
وكان قد بلغ سابقا أن أميراً من أمراء خراسان يقال له تركمان التركي قد توجه منجداً لتاج الدولة، ومعه عسكر، فأخرج سابق منصور بن كامل الكلاب، أحد أمراء بني كلاب من حلب ليلاً، وأعطاه كتابه إلى الأمير أبي زائدة، وفيه هذه الأبيات، ومعه بعض أصحاب سابق ومعهم مال.
فلما وقف الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة على هذه الأبيات، اتفق مع منصور ونائب سابق، وجمعوا ما يزيد عن آلف فارس وخمسمائة راجل من بني نمير، وقشير، وكلاب، وعقيل، وكل ذلك بتدبير الأمير شرف الدولة أبي المكارم ومشورته.
стр. 181
ووفد بهم الأمير أبو زائدة، ووصلوا إلى وادي بطنان. واتفق وصول
المعروف بتركمان التركي في آلف فارس من الغز، ومعه جملة من العدد لمحاصرة حلب ومعونة تتش.
وعبر تركمان على طريق الفايا، فسار الأمير أبو زائدة بمن معه من الجمع، ولقوا تركمان في أرض الفايا، فأوقعوا به وكبسوا عسكره، وقتلوه، ونهبوا ما كان فيه بأسره وجميع ما كان للتجار الواصلين في صحبته، واتصل هذا الخبر بتاج الدولة وهو منازل حلب، فرحل عنها إلى الفرات، وتوجه نحو ديار بكر وشتى بها.
عودة تاج الدولة
ثم عاد وقطع الفرات، وتسلم منبج وحصن الفايا وحصن الدير، وشحنها بالرجال، وسار بالعسكر إلى حصن بزاعا، وكان صاحبه شبل بن جامع، وبعض رجال هذا الحصن ممن كانت له النكاية العظيمة في عسكر تركمان، فقاتله تاج الدولة، وفتحه بالسيف، وقتل كافة من كان فيه، ونهبه وشحنه بالرجال.
ورحل إلى عزاز وقد انضوى إلى قلعتها خلق عظيم، ومنعهم الوالي بها من الصعود إليها فالتجئوا إلى سند القلعة بأقمشتهم، والناس عليها، وأساء الوالي بها وكان اسمه عيسى، التدبير والسياسة.
فزحف العسكر إلى القلعة، وقاتلها، وضربها بالنار، فاحترقت أقمشة
الناس، وغلاتهم، وحرمهم، وأولادهم، وأشرفت على الأخذ وخرج قوم من الحريق إلى عسكر تاج فأمنهم، وتقدم إليهم بالعودة إلى ضياعهم.
ورحل الملك تاج الدولة إلى جبرين قور سطايا، فأخذها وشحنها بالرجال، فخرج الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة من حلب في الليل، ووصل إلى ضيعة تعرف بكرمين، فوجد بها خمسين فارساً من الغز، فقتلوا أكثرهم، وغنموا كل ما كان معهم، وعادوا إلى حلب سالمين.
стр. 182
فأسرى تاج الدولة في الليل من جبرين عند ذلك في جميع عسكره، وهم ملبسون مستعدون، فصبحوا حلب صباحاً، وأغاروا عليها، فخرج عسكر حلب فالتقوا على الخناقية على باب حلب ثم إن بعض عسكر حلب انهزموا لغير موجب، وهزم الله عسكر تتش بغير قتال.
وكان الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة وابن عمه شبل بن جامع بن زائدة في قدر خمسين فارساً مقابلهم، فحملوا عليه، واتفقت هزيمتهم، فقتلوا من الغز جماعة وغنموا.
ولو عاد عسكر حلب في إثرهم ما كان أفلت منهم إلامن سبق به فرسه.
وشاع لمحمد بن زائدة في ذلك اليوم ذكر جميل.
وتقدم الأمير محمد بن زائدة إلى الشيخ أبي نصر منصور بن تميم المعروف بابن زنكل أن يجيب أبا الفضائل سابق بن محمود عن القصيدة التي أنفذها إليه، ويعرفه ما لبني كلاب من الأيام المعروفة، ويذكر هذه الوقائع، فعمل:
دعوت مجيباً ناصحاً لك مخلصاً ... يرى ذاك فرضاً لا محالة واجباً
فلبيت لا مستنكفاً جزعاً ولا ... هدانا إذا خاض الكريهة هائباً
ومنها:
ولما دعاني المدركي ابن صالح ... شققت، ولم أرهب، إليه الكرائبا
أسابق صرف الدهر في نصر " سابق " ... إلى " تركمان " الترك أزجي النجائبا
فلما التقيناهم غدا البعض سالباً ... لأنفسهم، والبعض للمال ناهبا
فيا لك من يوم سعيد بيمنه ... عن الثغر أضحى عسكر الصد هاربا
وكان يرى في كفه الشام حاصلاً ... ويوم " بزاعا " رد ما ظن خائبا
وليلة " كرمين " تركنا كرامهم ... كضأن بها لاقت مع القدر قاصبا
وفي يوم " خناقية " قد خنقتهم ... بعثير ذل رد ذا الشرخ شائبا
عطفت لهم إذ خام من خام منهم ... بفتيان كالعقبان شامت توالبا
فلله قومي الصادرون لو انثنوا ... معي، أو فريق كنت للجمع ناكبا
فولوا وقضبان المخافة فيهم ... مسابقة أرماحنا والقواضبا
стр. 183
فكم فارس منهم تركنا مجدلاً ... يباشر ترب القاع منه الترائبا
وإذ أيقنوا أن ليس للكسر جابر ... تولوا وعن " جبرين " حثوا الركائبا
وخلوا بها كسباً حووه، وأبصروا ... سلامتهم منا أجل مكاسبا
أعمال تاج الدولة
وأما تاج الدولة تتش فإنه رحل من جبرين، وسار إلى دمشق فملكها، وتسلمها من أتسز بن أوق التركي، ثم فسح من عسكره أفشين التركي،
ومعه أكثر العسكر، وعاد شمالاً ونهب عسكره ضياعاً في أعمال بعلبك.
ووصل رفنية في اليوم العاشر من جمادى الأولى، وفيها جماعة كثيرة من التجار والقوافل متوجهين إلى طرابلس، فهجمها بغتة، وقتل ممن كان بها جماعة، واستباح أموالهم وحريمهم، وأقام بها عشرة أيام.
ثم سار فنزل حصن الجسر، فأكرمه أبو الحسن بن منقذ فأعلمه بما عول عليه من نهب الشام، فسأله في بلدة كفرطاب إلا يعترضها فأجابه.
وسار فنزل قسطون فجرى أمرها في النهب والعقوبة مجرى رفنية، وأقام بها نيفاً وعشرين يوماً ثم تنقل وعسكره بالمنجنيقات على أبراج جبل السماق وغيرها، حتى لم يبق بها موضع ولا برج إلا افتتحه وأهلكه، واستباح حريمهم وأولادهم، واستغرق أحوال أهل سرمين والمعرة بالقطائع، وطلع إلى جبل بني عليم فلم يتم له بها شيء.
وسار فنزل ضياع معرة النعمان الشرقية بالمنجنيقات، ففتح أبراجها وحصونها بالسيف، وأخذ ما لا لمكن إحصاؤه، وغلب أهلها فهلك منهم خلق، ونزل تل منس، وقطع عليها خمسة آلاف دينار، ولم يتمكن من أخذها.
وانتقل إلى عمل معرة النعمان ففعل مثل ذلك، وسار إلى معرتاج
من بلد كفرطاب، فتحصن أهلها في أبراجها، وتعثرت عليه فأحرقها، وهلك جميع من كان فيها.
وبلغ تاج الدولة ذلك، وهو بدمشق، فأسرع السير إلى أن وصل إلى ظاهر كفرطاب يطلب أرسلان تاش، فوجده قد رحل إلى بلاد الروم، فعاد إلى دمشق وسكن الناس فى طريقه
стр. 184
وحين رجع أفشين من الشام ولم يبق في أعمال حلب ضيعه مسكونة من بلد المعرة إلى حلب، توجه إلى بلد أنطاكية فأخرب ما قدر عليه، ونهب وسبي ما وجده، وحمل إليه من أنطاكية مال، وتوجه إلى الشرق بعد امتلاء صدره وصد عسكره من النهب.
وجرى من هذا الحادث بالشام أمر لم يسمع بمثله، وتلف أهله بعد ذلك بالجوع ووجد قوم قد قتلوا قوماً وأكلوا لحومهم، وبيعت الحنطة ستة أرطال بدينار وما سوى ذلك بالنسبة.
وجدد من سلم من الشام إلى بلد شرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش، فأحسن إليهم وتصدق عليهم، وكان ذلك الإحسان منه أكبر الأسباب في مملكته حلب.
شرف الدولة في حلب ونهاية المرداسيين
ولما جرى هذا الحادث طمع شرف الدولة في الشام، وكاتبه سابق بن محمود يبذل له التسليم إليه، ووفدت عليه بنو كلاب بأسرها، فتوجه إلى حلب، ونزل بالس يوم عيد النحر من سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة.
ونزل حلب في السادس عشر من ذي الحجة، سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة فغلقت أبوابها في وجهه، وكان عند سابق أخواه شبيب ووثاب بحلب، فلم يمكناه من التسليم، فلم يقاتلها، وأهلها يحرصون على التسليم إليه لما هم فيه من الجوع وعدم القوت.
وكان مع شرف الدولة في عسكره غلة كثيرة وقوة تجوز الحد، وتزيد عن الوصف وكان الرئيس بحلب ونقيب الأحداث بها الشريف حسن بن هبة الله الهاشمي، المعروف بالحتيتي، وكان ولده أبو منصور قد خرج مع عسكر سابق لقتال بعض الأتراك المخالفين في بيت لاها فأسروه، وبقي أسيراً في الموضع مع خطلج أحد أصحاب أحمد شاه.
стр. 185
فلما وصل شرف الدولة إلى حلب وفد الذك كلهم عليه، وتقربوا إليه بولد الشريف الحتيتي وقيل: إنه طلبه منهم فلما حضر عنده خلع عليه، وأطلقه فدخل البلد، وأخذ معه جماعة من أصحابه، وفتح باب حلب، ونادى بشعار شرف الدولة في اليوم السادس والعشرين من ذي الحجة، من سنة ائنتين وسبعين وأربعمائة.
وتسلمها، ودخل أصحابه إليها، وقلع أبوابها جميعها، وفتح باب
أربعين وكان مسدوداً وأحسن إلى كافة أهلها، وخل على أحداثهم، وتصدق بمال كثير وغلة.
وكان سديد الملك بن منقذ قد وفد على شرف الدولة ونزل معه على حلب، وكان شرف الدولة قد عزم على الرحيل من حلب لما حل بهم من الضجر ومصابرة أهل حلب، وغلت الأشعار عندهم حتى صار الخبز ستة أرطال بدينار.
وفر سديد الملك أبو الحسن بن منقذ من سور القلعة، فاطلع إليه صديق له من أهل الأدب، فقال له: " كيف أنتم " فقال: طول جب " خوفر من تفسير الكلمة، فعاد ابن منقذ وهو يقلب هذا الكلام فصح له إنه قصد بكلامه أنهم قد ضعفوا. وأوجس أنها كلمتان، وأن قوله: طول يريد به: مدا، وجب " يريد به " بير " فقال " مدابير والله، فأعلم شرف الدولة بدلك فقوى نفسه فملكها.
ولما فتحت المدينة انحاز سابق إلى القلعة، وأخواه شبيب ووثاب في القصر، لضيق القلعة، وشرف الدولة محاصر للقلعة بالمنجنيقات والعساكر ولم يبق بالشام وحصون جبل بهرا، وحمص، وفامية شيزر ومن لم يفد على السلطان إلا وفد عليه.
ودبر شبيب ووثاب، وهما في القصر على سابق وقفزا في القلعة، وصاح الأجناد بها: شبيب يا منصور، وقبض سابق وحبس، وتسلم شبيب ما كان بها من مال وسلاح.
ثم وقعت السفارة بينهم وبين شرف الدولة على أن أقطع شبيباً ووثابا قلعتي عزاز والأثارب وعدة ضياع وأقطع سابق بن محمود مواضع أخر في أعمال الرحبة،
стр. 186
وأن يتزوج منيعة بنت محمود أخت سابق، وكان السفير بينهم في ذلك الأمير سديد الملك علي بن منقذ، وبتدبيره جرى ذلك.
ووافق ذلك أن غار الماء في قلعة حلب، ونزل منها أولاد محمود وانقضت دولة آل مرداس وكان الوزير لسابق بن محمود الشيخ أبا نصر محمد بن الحسن بن النحاس وعزله، واعتقله مدة ثم أطلقه.
وولى وزارته أبا منصور عيسى بن بطرس النصراني فامتنع، فألزم بها، ووزر به في النصف من شوال سنة تسع وستين وأربعمائة.
стр. 187
لقسم السادس عشر
حلب ومسلم بن قريش
مسلم في حلب
وتسلمها أبو المكارم في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، بعد حصار أربعة أشهر للقلعة وقال ابن أبي حصينة يهنىء شرف الدولة بفتح القلعة:
لقد أطاعك فيها كل ممتنع ... خوف اتتقامك حتى غارت الفلب
ولما ملك شرف الدولة حلب أحسن إلى أهلها، وخفف عنهم أثقالاً كثيرة، وصفح عن كلف كانت عليهم في أيام بني مرداس. ونقلت الغلات إلى حلب، فرخصت الأسعار بعد الغلاء الشديد وفي يوم تسلمه القلعة ودخوله إليها دخل زوجته منيعة أخت سابق، في اليوم والساعة، وهو اتفاق لم يسمع بمثله، ففتح حصنين. وقال في ذلك أبو نصر بن الزنكل يمدح شرف الدولة:
فرعت أمنع حصن وافترعت به ... نغم الحصان ضحى من قبل يعتدل
وحزت بحر الدجى شمس الضحى فعلى ... مثليكما شرفاً لم تسدل الكلل
ومدحه، ابن حيوس بالقصيدة التي أولها:
ما أدرك الطلبات مثل متمم ... إن أقدمت أعداؤه لم يحجم
فلما وصل إلى قوله:
أنت الذي نفق الثناء بسوقه ... وجرى الندى بعروقه قبل الدم
اهتز شرف الدولة وأمره بالجلوس، فأتمها جالساً وأجازه بألفي دينار وقرية.
стр. 188
وقيل: إته لما مدحه ابن حيوس قال له أبو العز بن صدقة البغدادي وزير شرف الدولة: هذا رجل كبير السن ولم يبق من عمره إلا القليل، فأرى أن تعظم له الجائزة فيحصل على الذكر الجميل " فأقطعه الموصل جائزة له.
فمات في هذه السنة قبل أن يصل إليها وترك مالاً جزيلاً فقيل لشرف الدولة: هذا لا وارث له إلا بيت المال " فقال: والله لا يدخل خزانتي مال قد جمعه من صلات الملوك انظروا له قرابة. فسألوا عن ذلك فوجدوا له من ذوي الأرحام بنت أخ فأعطاها ماله جميعه وهي بنت أخيه أبي المكارم محمد بن سلطان ابن حيوس.
ولما سفر ابن منقذ في تسليم حلب وتسلمها شرف الدولة وعد ابن منقذ وعوداً جميلة، ومناه أماني حسنة وأكرمه غاية الإكرام.
ونقل شرف الدولة إلى الشام من الغلال ما ملأ الأهراء، وعاد بالرفق على الناس، وكذلك نقل إليها من سائر الحبوب ومن البقر والغنم والمعز والدجاج شيء كثير.
وعاش الناس في أيامه ورخصت الأسعار بحسن تدبيره وتسلم حصن عزاز من واليها عيسى وتسلم حصن الأثارب بعد حصار وحرب، وكذلك الحصون التي كانت في أيدي أصحاب تاج الدولة من أعمال حلب التي افتتحها.
وصفت له جميع أعمال حلب، وقال لسديد الملك: " امض في دعة الله فأنا سائر إلى بلادي ويجب أن تصلح حالك فأنا أصل وأبلغتك كل ما توثره ورجع إلى بلاده، وجعل أخاه علي بن قريش بحلب مع قطعة من عسكره بحلب.
وكاتب السلطان أبا الفتح ملك شاه يعلمه بما جرى، ويسأله في تقرير شيء يحمله من الشام فأجيب إلى ذلك.
ووصل أبو العز بن صدقة البغدادي وزير شرف الدولة إلى حلب لجمع أموالها في سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وعدل عما كان ابتدأ به من العدل والإحسان، وصادر جماعة، وضاعف الخراج.
стр. 189
وكان شرف الدولة بالقادسية فدخل الحمام وهي ملاصقة لداره، فوثب عليه مملوكان برسم خدمته، فجعلا في حلقه أنشوطة ليخنقاه، وانتظرا صاحباً لهما يدخل بسكين، فصاح شرف الدولة فسمعت صياحه زوجته
خاتون أخت السلطان ألب أرسلان، فخرجت إليه فانهزما عنه ومرض من ذلك أياماً، وأخذا وقتلا.
ولما بلغ ذلك أبا العز بن صدقة البغدادي عاد من حلب إلى القادسية.
وكان سديد الملك بن منقذ قد عمر قلعة الجسر، وقصد مضايقة شيزر وبها أشقف الباره وضيق عليه إلى أن راسله واشتراها منه، واستحلفه على أشياء اشترطها عليه.
ولم يزل ابن منقذ يعده الجميل ويتلطف له إلى أن سلم إليه حصن شيزر ليلة الأحد النصف من شهر رجب من سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
ووفى له ابن منقذ بكل ما عاهده علي، فثقل ذلك على شرف الدولة وحسد ابن منقذ على شيزر فسار عسكر حلب مع مؤيد الدولة علي بن قريش إلى شيزر، ونزلوا عليها في يوم الجمعة خامس ذي الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة، بعد مراسلات جرت فلم يجب ابن منقذ إلى ما التمس منه.
وكان علي بن قريش قد أخذ في طريقه حصناً لابن منقذ يقال له أشفونا غربي كفرطاب، وكان ابن منقذ قد تأهب للحصار، وحمل من الجسر إلى شيزر ما يكفي لمن فيه مدة طويلة من سائر الأشياء.
وحصره علي بن قريش مدة إلى أن وصل شرف الدولة بنفسه، فنزل
على شيزر يوم الأربعاء سلخ المحرم من سنة خمس وسبعين وأربعمائة.
ثم رحل عنها إلى حمص يوم السبت ثالث صفر، وأقام عسكره على شيزر، فتطارح ابن منقذ عليه، وسير إبنه أبا العساكر وامرأته منصورة بنت المطوع وأخته رفيعة بنت منقذ إلى حمص. فدخلوا عليه، وحملوا إليه مالاً، فأنفذ إلى عكسره، ورحله عن شيزر في الثامن والعشرين من صفر من السنة.
стр. 190
عودة مسلم بن قريش
ولما وصل شرف الدولة إلى حماة قبض على جميع الأتراك الذين بالشام وأخذ منهم الحصون التي كانت في أيديهم، وهي بيت لاها، وتل اغدي، وهاب، وكفرنبل، وقبض على وثاب وشبيب ابني محمود، وأخذ منهما قلعة عزاز والأثارب، وأطلقهما بعد ذلك، وحمل الأتراك، وحبسهم في الرحبة فداموا بها إلى أن قتل.
وقبض شرف الدولة على أكثر أقطاع بني كلاب بالشام، وعاد إلى حلب، وقبض على حسن بن وثاب النميري أمير بني نمير، وكان قد حصره بسروج في العام الخالي فسلمها إليه بعد أن عوضه عنها بنصيبين فاعتقله بحلب مدة وقتله وفي نزوله على شيزر، وقتاله حصن الجسر، وفعل وزيره أبي العز ابن
صدقة من المصادره، يقول أبو المعافى سالم بن المهذب المعري:
أمسلم لا سلمت من حادث الردى ... وزرت وزيراً ما شددت به أزرا
ربحت ولم تخسر بحرب ابن منقذ ... من الله والناس المذمة والوزرا
فمت كمداً " فالجسر " لست بجاسر ... عليه، وعاين شيزراً أبداً شزرا
فبلغت الأبيات شرف الدولة، فقال: " من يقول هذا فينا " قالوا: " رجل من أهل المعرة يقال له ابن المهذب " قال: " ما لنا وله، اكتبوا إلى الوالي بالمعرة يكف عنه، ويحسن إليه فربما يكون قد جار علي وأحوجه إلى أن قال ما قال ".
وعاد شرف الدولة إلى الجزيرة، وقد جرت منه هذه الحوادث، وأجحف ببني كلاب، فأجمع رأي وثاب وشبيب ابني محمود، وخلف ابن ملاعب الأشهبي صاحب حمص، وأبي الحسن بن منقذ، ومنصور بن الدوح على مكاتبة الملك تاج الدولة بدمشق، وشكوا أحوالهم، وعرضوا عليه خدمتهم، وأطمعوه في الشام.
стр. 191
فسار من دمشق إلى الشام وقصد ناحية أنطاكية وأقام عليها مدة، واتصل به خبر شرف الدولة وما هو عليه من الجمع والتأهب، واجتماع
العرب إليه من بني نمير، وعقيل، والأكراد، والمولدة، وبني شيبان، للنزول على دمشق. وخرج عسكر حلب مع بعض أصحاب شرف الدولة إلى أعمالها، ورتبوا ولاتهم فيها وساروا إلى حماة، وبها وثاب بن محمود، فلقي عسكر شرف الدولة وكبسه وقتل منه جماعة، وعاد من سلم منهم إلى حلب.
فنزل وثاب بن محمود ومنصور بن كامل بن الدوح وابن ملاعب وابن منقذ على معرة النعمان، وقطعوا كثيراً من شجرها، ورعوا زرعها بالظعون، وقلبوه بالفدن، وقاتلوها أياماً، ولم يمكنهم أهلها من فتحها خوفاً منهم.
وبلغ شرف الدولة ذلك كله، فسار ومعه أكثر بني كلاب وبني نمير، وبعض بني عقيل، ووصله بعض بني طيء وكلب وعليم، ونزل في بالس في محرم سنة ست وسبعين.
من دمشق إلى حران
وسار إلى دمشق وحاصرها، وقاتل دمشق في بعض الأيام وخرج إليه عسكر دمشق، وحمل عليه حملة صادقة فانكشف عسكره وتضعضع، وعاد كل فريق إلى مكانه.
وعاد عسكر دمشق بحملة أخرى، فانهزمت العرب، وثبت شرف الدولة مكانه، وأشرف على الأسر، وتراجع إليه أصحابه، وكان قد ظن أن
العسكر المصري ينجده فخاف أمير الجيوش من ميل العرب إليه فتثاقل عنه.
وورد عليه من حران خبر أزعجه، وذلك إنه كان قد تسلمها من يحيى بن
стр. 192
الشاطر أحد عبيد ابن وثاب النميري، وكان يليها لعلي بن وثاب الطفل، وكان وثاب يعدل فيهم ويرفق بهم، فولى فيها جعفر العقيلي، فعدل عما كان وثاب يسلكه من العدل، وأظهر مذهب التشيع والإعلان به، وكان يتولى الحكم بها القاضي ابن جلبة، فاتفق مع أهل حران على العصيان على شرف الدولة، وكاتبوا يحيى بن الشاطر الذي تسلمها منه مسلم فوصل إليهم، ومعه ابن عطية النميري وجماعة، ووثبوا على أصحاب شرف الدولة فهربوا إلى الحصن، وقاتلهم ابن جلبة ومن انضم إليه.
فسير الوالي جماعة إلى شرف الدولة يعلمه بالحال، فبعضهم أخذ بالقرب من حران، وبعضهم أخذه أصحاب تاج الدولة، فعرف تاج الدولة الخبر قبل معرفة شرف الدولة فقويت نفسه.
وعرف شرف الدولة ذلك واستضر عسكره بتواصل الغارات عليه عندما قويت نفس تاج الدولة، وكان ذا مكر وخديعة، فرحل إلى مرج الصفر، وأوهم أنه يسير مقتبلاً لأمر عزم عليه، وقلق أهل دمشق لذلك.
ثم رحل مشرقاً في البرية على وادي بني حصين ونزل شرقي حماة، وراسل ابن ملاعب، وطيب نفسه إلى أن نزل فخلع عليه، وقرر معه أن يكون بينه وبين تاج الدولة درءا يمنع من الأذية في بلاده، فأجابه إلى ذلك،
وخلع عليه شرف الدولة وأكرمه وطيب نفسه.
وسار شرف الدولة إلى حران بعد أن أشرف الحصن على الأخذ، فقاتل حران، ونقب نقوباً في سورها وثلم ثلمتين، وأقام عليها شهرين، ومضى أبو بكر ابن القاضي ابن جلبة ويحيى بن الشاطر.
стр. 193
واستنجد بجماعة من الأتراك فسير ابن عمه ثروان بن وهيب فكسرهم وأسر منهم خلقاً عبر بهم على حران وسيرهم إلى بلاده.
وهجم حران بالسيف من الثلمتين وهم يقاتلون ولم تسكن الحرب حتى أعطى لؤلؤ الخادم الأمان، وأمن أبا بكر ابن القاضي وكان قد عاد إلى البلد، فحينئذ تفرق الناس.
ونهب عسكر شرف الدولة البلد، وقطع عليهم آلف دينار، وقبض على خلق منهم، وقتل ابن جلبة وولديه وثلاثة وتسعين رجلاً صبراً، وصلبهم، وصلب ابن جلبة أمامهم، ولم يف له بعهده، وذلك كله في سنة ست وسبعين.
سلطان ومسلم بن قريش
ووصل ابن جهير وزير القائم ليتسلم ديار بكر ومعه عسكر من ملك شاه وكان ابن جهير قد وزر مرة لثمال بن صالح، ثم وزر لابن مروان، ثم للقائم فوصل ابن مروان إلى شرف الدولة، واستنجده عليه فأنجده، فالتقوا
على آمد، فكسرهم ابن جهير، وأخذ أموال شرف الدولة، وأسر أصحابه، وأطلق من أسر من بني عقيل.
ثم إن ابن جهير بث سراياه في أعمال شرف الدولة فعاثت في بلاده، ونهبت، وذلك في سنة سبع وسبعين.
ووصله مال من حلب فتقوى به، وسار إلى الرحبة وسير عمه مقبل بن بدران رسولاً إلى مضر يطلب معونتهم، ويبذل لهم الطاعة، وكاتب السلطان ملك شاه يذكره بخدمته وطاعته ويذكر ما فعله ابن جهير.
فلما عرف ملك شاه ذلك وانفاذه عمه إلى مصر سار إلى الموصل ومعه نظام
стр. 194
الملك، وكان نظام الملك يميل إلى شرف الدولة، ويشير بالإحسان إليه والصفح عنه وكاتب الوزير نظام الملك شرف الدولة يشير عليه بالوفود على السلطان، ووعده بما طابت به نفسه، فسار من الرحبة إليه، ولقيه نظام الملك على مراحل من الموصل.
فترجل شرف الدولة وقبل يده، وكان في محفة لمرض منعه من الركوب، فأمره بالركوب، وقال له: ذهب خوفك وشرح صدرك، وحقق أملك وكان قد استصحب معه كل ما قدر عليه من بقايا ذخائره وأمواله وخيله عقيب هذه النكبة العظيمة.
ودخل على السلطان فأكرمه وأحسن إليه، وأجابه إلى كل ما طلبه، وسامحه بما كان بقي عليه من مقاطعة الشام، وجدد له التوقيع بالبلاد الشامية والجزرية وكل ما كان في يده، وقرر معه مسير ولده محمد وأن يكون في عسكره، وكاتب أخاه تاج الدولة أن لا يعرض لبلاده، وكان قد توجه إليها، وسار أبو العز بن صدقة إلى حلب لإنجادها عليه، وبلغه خروج عسكر من مصر فرجع من لطمين.
سليمان وأنطاكية
وفي سنة سبع وسبعين وأربعمائة، شرع سليمان بن قطلمش في العمل على أنطاكية والاجتهاد في أخذها إلى أن تم له ما أراد فأسرى من نيقيه في عسكره، وعبر الدروب وأوهم أن الفلاردوس.
стр. 195
استدعاه، وأسرع السير إلى أن وصل أنطاكية ليلاً، فقتل أهل ضيعة تعرف بالعمرانية جميعهم لئلا ينذروا به، وعلقوا حبالاً في شرفات السور بالرماح، وطلعوا مما يلي باب فارس، وحين صار منهم على السور جماعة نزلوا إلى باب فارس وفتحوه ودخل هو وعسكره من الباب وأغلقوه، وكانوا مائتين وثمانين رجلاً، وذلك يوم الأحد العاشر من شعبان، وقيل يوم الجمعة الثامن، ولم يشعر بهم أهل البلد إلى الصباح.
وصاح الأتراك صيحة واحدة فتوهم أهل أنطاكية أنه عسكر الفلاردوس حتى قاتلوهم فانهزموا وعلموا أن البلد قد هجم فبعضهم هرب إلى القلعة وبعضهم رمى بنفسه من السور فنجا.
واستقل سليمان عسكره فوصل إليه ابن منجاك في ثلاثمائة فارس، ولم يزل عسكره يتواصل حتى قوي، فأمن الناس وردهم إلى دورهم، ورد أكثر السبي وصلى المسلمون يوم الجمعة خامس عشر شعبان في القسيان، وأذن فيه ذلك اليوم مائة وعشرة من المؤذنين وخلق كثير من أهل الشام.
وكان يوم فتحها أول يوم من كانون الأول، وكان فتح الروم لها أول ليلة من كانون الثاني لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
ووجد خط بعض المنجمين وهو ابن أخت الصابي على ظهر كتاب عند القاضي أبي الفضل بن أبي جرادة يقول: " ذكر المخبر عن أخذ مدينة أنطاكية أن دخول العدو يعني الروم إليها في وقت كذا وكذا من الليل، فإن صح قول المخبر فإنها تثبت في أيدي الروم مائة وتسع عشرة سنة ".
وكان قد وقف على هذا الخط محمود بن نصر بن صالح، وقد ذكر في مجلسه، وأظن ذلك حين نزل الأفشين التركي على أنطاكية، وخاف محمود من أن يملك أنطاكية فلم يتفق فتحها حينئذ، وكان الأمر كما ذكر المنجم، ففتحها سليمان ابن قطلمش عند تمام المدة.
وأقام سليمان بن قطلمش يحاصر قلعة أنطاكية إلى الثاني عشر من شهر رمضان
стр. 196
من السنة وفتحها بالأمان ليقيها من القتل والسبي ونهب الترك من أنطاكية ما يفوت الإحصاء ويزيد عن الوصف وسكنها سليمان بعسكره وفتح الحصون المجاورة لها، بعضها عن طوع وبعضها عن استدراج.
وصار لسليمان من نيقية إلى طرابلس، وملك الثغور الشامية، وكان حسن السيرة في جنده وعسكره جواداً بماله، فمال إليه الناس لذلك ولما فتح أنطاكية أهدى إلى شرف الدولة من الغنيمة هدية حسنة ولما استقر حال شرف الدولة مع ملك شاه واطمأن عاد إلى القادسية، وناصف الجند في أرزاقهم، ونقصها عليهم، فصار أكثرهم إلى سليمان، وتركوه، فأقطعهم، وأحسن إليهم وسبب لهم أرزاقاً تكفيهم.
وكان جماعة من أصحاب بني مرداس يخافون شرف الدولة وهم متفرقون في الشام فصاروا إليه.
وكان من ضياع أنطاكية وأعمالها مواضع عدة تغلب محمود والأتراك عليها، وقبضوها من الروم لضعفهم، وصارت في أعمال حلب، فقبضها سليمان وأقطعها وغيرها مما يجاور أعمال أنطاكية.
وكان الشريف حسن الحتيتي رئيس حلب وغيره من أصحاب شرف الدولة خافوا منه لما استقر حاله مع السلطان أن يتم له الصلح مع ابن
قطلمش فيتفرغ لهم ويقبضهم، ويستأصل أموالهم، فتوصلوا إلى المفاسدة بينهما بمن صار في حلته من أهل الشام ليشتغل عنهم شرف الدولة وكان لأبي المكارم على أنطاكية يحملها الروم إليه فطمع بها من سليمان فلم يجبه إلى ذلك وقال: تلك جزية كانت على الروم لتمسك عن جهادهم، وقد قمت أنا بفريضة الجهاد، وصارت أنطاكية للمسلمين فكيف أؤدي عنها إليك جزية؟ ففسد ما بينهما لذلك.
وسار شبيب بن محمود ومنصور بن الدوح وجماعة من بني كلاب إلى أنطاكية، وحضروا عند سليمان، ووعدهم ووعدوه بما لم يقبح من بعضهم لبعض،
стр. 197
وأخذوا قطعة من عسكره، وخرجوا فعاثوا في بلاد شرف الدولة، ثم إنهم خافوا منه فهربوا إلى أسفونا.
غارات سليمان ومقتل مسلم
وتواصلت غاراته على بلد حلب وسرمين وبزاعا وقبض شرف الدولة على وزيره أبي العز بن صدقة وصادره وحبسه، وسير ابن الحلزون إلى حلب ليدبر أمرها، فوصل إلى حلب، وراسل سليمان في الصلح.
وقبض على علي بن قريش بأمر أخيه شرف الدولة، وصادره على عشرة آلاف دينار، وأخذ منه منبج لأنها كانت إقطاعه، فعند ذلك ازدادت وحشة الشريف وغيره لما شاهدوه من فعله بأخيه وكذا كانت سيرته في أصحابه وبهذا الطريق فسد حاله، وأما رعيته فكانوا معه على أجمل حال وأحسنه.
وحيث تحقق شرف الدولة احتلال حلب ونواحيها بغارات سليمان جمع
عسكره وانضاف إليه بعض الأتراك، ووصل إلى عزاز في صفر من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
وأشير عليه بالنزول على حلب ومراسلة سليمان في الصلح، فامتنع واستدعى بني كلاب فوصله منهم جماعة من أعيانهم وفرسانهم، وسار فنزل على نهر عفرين بموضع يقال له قززاحل.
ووصل سليمان من أنطاكية في أربعة آلاف فارس، وكان شرف الدولة في عدة تزيد عن ستة آلاف ليس فيهم مناصح، وجاء شرف الدولة بطيخ فنزل هو وبعض بني عمه وأكلوا، فقال ابن عمه:
كلوا أكلة من عاش يخبر أهله ... ومن مات يلقى الله وهو بطين
فقال شرف الدولة: قتلنا فألك يا ابن العم.
والتقوا في آخر نهار السبت، لست بقين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، والشمس في وجوه عسكر شرف الدولة، وكان اللقاء بغتة في غير وقت يظن فيه، فانهزم عسكر شرف الدولة، وجاءته طعنة فقتل ولما طعن قال: " يا شام الشؤم واتهم بعض أصحابه قتله وكان القتل بين الفريقين قليلاً لأن أصحاب شرف
стр. 198
الدولة لم يثبتوا معه لقبح رأيهم فيه ورحل سليمان
ونزل بظاهر حلب، وحمل شرف الدولة، وطرحه على باب حلب فدفن هناك وانفرد الشريف أبو علي الحسن بن هبة الله الهاشمي المعروف بالحتيتي بتدبير حلب وسالم بن مالك العقيلي بالقلعة.
وكان القاضي بحلب في أيام شرف الدولة القاضي كسرى بن عبد الكريم بن كسرى وتولى قضاء حلب في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة ومات في أيام أبي المكارم مسلم بن قريش، فولي قضاءها أبو الفضل هبة الله بن أحمد بن أبي جرادة وهو ابن بنت كسرى المذكور، وابن القاضي أبي الحسن المقدم قبل كسرى وكان أبو المكارم شرف الدولة يخاطبه بابن العم لكونه عقيلياً، والقاضي عقيلي ومن شعر أبي المكارم بن قريش:
إذا قرعت رجلي الركاب تزعزعت ... لها الشم واهتز الصعيد إلى مصر
ومن شعره أيضاً:
الدهر يومان ذا أمن وذا خطر ... والماء صنفان ذا صاف وذا كدر
стр. 199
القسم السابع عشر
حلب وملكشاه السلجوقي التركي
سليمان حولى حلب
وأما سليمان بن قطلمش فإنه حاصر حلب مدة، ثم ترددت الرسل إلى أهل حلب في التسليم، فاستقرت الحال بينهم على موادعة مدة.
وسير سليمان بن قطلمش قطعة من عسكره لاتباع العرب الذين كانوا
مع شرف الدولة، فهربوا، ولحقهم شدة عظيمة من دخول البرية في حزيران.
وتوجه سليمان إلى معرة النعمان وكفر طاب، وتسلمهما، ثتم سار إلى شيزر، فقاتلهما وقرر أمرها على مال يحمل إليه، وأخذ لطمين، وشحنها بالرجال، وعدل أصحابه بالشام عما عرف من سيرة العرب.
وجرت بالمعرة أسباب وصل لأجلها حسن بن طاهر وزير سليمان، في النصف من جمادى الأولى، يطلب أصحابه فثارت فتنة بالبلد، وأخرجوه منه فخرج لوقته، وأصبح قاتل البلد، وقتل جماعة من أهله في الحرب، وأمن الناحية الغربية، وأمن الباقي منها وجعل على أهل البلد عشرة آلاف دينار.
وأما بلاد شرف الدولة فملكها بعده أخوه إبراهيم، ما خلا حلب، وكاتب من بحلب في تسليمها إليه فلم يرده الخبر.
وأما الشريف حسن الحتيتي فإنه كان متقدم الأحداث ورئيسهم، فعمر لنفسه في صفر من سنة ثمان وسبعين قلعة الشريف المنسوبة إليه، وبنى عليها سوراً دائراً، وفصل بينها وبين المدينة بسور وخندق خوفاً على نفسه أن يسلمه أهل حلب، وكانوا يبغضونه، ويكرهون ولايته عليهم
стр. 200
واتفق الشريف وسالم بن مالك صاحب القلعة الكبيرة على أن كاتبا السلطان ملك شاه يبذلان له تسليم حلب إليه، ويحثانه على الوصول أو وصول نجدة تدفع سليمان بن قطلمش.
وعمر سليمان بن قطلمش قلعة قنسرين وتحول إليها وتزوج منيعة بنت محمود ابن صالح زوجة مسلم بن قريش.
ونزل على حلب وطال انتظار الشريف حسن لنجدة تصله من السلطان، فاجتمع بمبارك بن شبل أمير بني كلاب، واتفقا على أن سار مبارك بن شبل إلى تاج الدولة تتش يستدعيه إلى حلب ليتسلمها.
وعرفه ما استقر بينه وبين الشريف الحتيتي عن تسليمه حلب، ورغبة الكافة في مملكته ففرح بدلك وجمع العسكر، وخرج من دمشق في المحرم من سنة تسع وسبعين وأربعمائة إلى حلب، فحصر حصن سليمان بن قطلمش في قنسرين ووصل إلى تاج الدولة جماعة من بني كلاب، ورحل إلى الناعورة وعول على مراسلة الشريف حسن فإن سلم إليه تغلب وإلا عاد لحربه فبادر سليمان وهو نازل في عسكره على حلب، وعارضه في طريقه على عين سيلم وتراءى العسكران، فدبر أرتق عسكر تاج الدولة أحسن تدبير، والتقوا فانهزم عسكر سليمان.
مقتل سليمان بن قطلمش
وقتل سليمان وأسر وزيره الحسن بن طاهر وخلق من عسكره في يوم الأربعاء الثامن عشر من صفر، فأطلق تاج الدولة الوزير ومن أسر، وغنم عسكره والعرب الذين معه جميع ما كان في العسكر.
واختلف في قتل سليمان، فقيل: عارضه فارس من فرسان تاج الدولة فرماه في صدغه بسهم فقتله.
стр. 201
وقيل: بأنه لما يئس من النصرة نزل عن فرسه، وقتل نفسه بسكين خفه. وقيل: إن المصامدة تتبعت أسلاب القتلى فظفروا بدرع مرصع بالياقوت والعقيان النفيس.
ونمى الخبر إلى تاج الدولة، فأحضره فقال: هذا يشبه سلب الملوك وسار إلى الموضع وإذا به مختلط بدمه فقال: يشبه أن يكون هذا وقد كان قال لهم: لا تبينوه لي حتى أركموه من بين القتلى فقيل له: ومن أين علمت ذلك فقال: قدمه تشبه قدمي، وأقدام بني سلجوق تتشابه.
ثم قال بلسانه: ظلمناكم، وأبعدناكم ونقتلكم ثم مسح عينيه واغتم لقتله، وترحم عليه، وأحضر أكفانا نفيسة فكفنه، وصلى عليه، وحمله إلى حلب فدفنه إلى جانب مسلم بن قريش قبل أن ينقل مسلم إلى سر من رأى وقيل: دفن معه في قبر واحد.
تتش في حلب
ولما جرى ما جرى من قتل سليمان وسار تاج الدولة إلى حلب عدل الشريف حسن الحتيتي عما كان اتفق عليه مع مبارك بن شبل، وامتنع من تسليم حلب إلى تاج الدولة، واحتج بأن كتب ملك شاه وصلته بتجهيز العساكر إليه.
فأقطع تاج الدولة بلد حلب وأعمالها لعسكره إلا ما كان لبعض العرب الذين وفدوا عليه، فإنه أقره في أيديهم، ثم رحل إلى مرج دابق وأقام أياماً.
ثم عاد ونازل حلب، فعمد رجل من تجار حلب يجرف بابن البرعوني الحلبي، وراسل تاج الدولة في تسليم حلب إليه، ورفع بعض أصحابه بحبال إلى بحض أبراج السور، وساعده قوم من الأحداث ونادوا بشعار تاج الدولة في ذلك الموضع وتسامع الناس فنادوا بشعاره في البلد جميعه وذلك في ليلة السبت السادس والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة.
فانهزم هبة الله أبو الشريف حسن من قلعة ابنه إلى القلعة الكبيرة إلى سالم بن
стр. 202
مالك، وبقي الشريف حسن في قلعته المجددة، ومعه فيها رجال من أحداث حلب، فخافوا على أهلهم بحلب، فخرجوا منها وبقي الشريف حسن في قلعته في نفر قليل، فطلب الأمان فأمنه تاج الدولة بوساطة ظهير الذين أرتق.
وخرج أرتق وصار عنده بماله وأهله، وسلم القلعة إلى تاج الدولة تتش وسيره أرتق إلى بيت المقدس بماله فأقام به.
وعصى سالم بن مالك بالقلعة الكبيرة، وكان شرف الدولة بن قريش
لما ولاه فيها أوصاه أن لا يسلمها إلا إلى السلطان ملكشاه، فالتزم بوصيته، وامتنع أن يسلمها إلى تتش وأقام تتش بمدينة حلب إلى اليوم السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر، وأحسن إلى أهلها، وخلع على أحداثها، فوصله الخبر أن السلطان ملك شاه وصلت عساكره إل نهر الجوز قاصدين مدينة حلب، فسار تاج الدولة إلى دمشق، وترك بعض أصحابه بقلعة الشريف ومعه عدة في اليوم المذكور، ومعه قوم من بياض حلب، فأقام نائبه أياماً يسيرة، ثم سار ولحقه في دمشق.
ملكشاه في حلب
ووصلت عساكر ملك شاه حلب مع برسق واياز وبوزان وغيرهم، ونزل بعضهم إلى بلد الروم، وامتدوا فيما بينها وبين أنطاكية، ووصل بعضهم إلى حلب، وسارع أهل حلب وسالم بن مالك ومبارك بن شبل إلى طاعة الواصل وخدمته.
ثم إن السلطان وصل بعدهم إلى الرها فسلمها إليه الفلاردوس وأسلم على يده، وسار منها إلى قلعة دوسر وهي المعروفة بجعبر فتسلمها في طريقه من جعبر بن سابق القشيري، وقتله لما بلغه عنة من الفساد وقطع الطريق.
وسار حتى وصل حلب في الثالث والعشرين من شعبان من سنة تسع وسبعين وأربعمائة وتسلم حلب وقلعتها وسائر قلاع الشام، وعوض سالم بن مالك عن قلعة
стр. 203
حلب بقلعة دوسر، وأقطعه معها الرقة وعدة ضياع وتوجه السلطان إلى أنطاكية فتسلمها من الحسن بن طاهر وزير سليمان بن قطلمش، ورتب بأنطاكية يغي سيان بن ألب في عسكر واستخدم حسن بن طاهر في ديوانها، وتم إلى السويدية، وصلى على البحر، وحمد الله على ما أنعم علمه مما تملكه من بحر المشرق إلى بحر المغرب.
آق سنقر وال على حلب
وعاد إلى حلب، ورتب بها الأمير قسيم الدولة أق سنقر ومعه عسكر، واستخدم بها تاج الرؤساء ابن الحلال في جمع الأموال.
ووصل إليه الشريف حسن الحتيتي وهو بحلب يلتمس العودة إلى حلب، ويذكر خدمته وما جرى عليه، فتظلم منه أهل حلب فلم يأذن له السلطان فيما التمسه.
وكان هذا السلطان من أعظم الناس هيبة وأكثر الملوك عدلاً حتى أن أحداً لا يقول: إن أحداً من ذلك العالم العظيم من عسكره وحزره أربعمائة
آلف أخذ لأحد من الرعايا قسراً وظلماً ما يساوي درهماً واحداً، حتى أن البازيار الذي له اقتنص طائرين من الدجاج من الأثارب طعماً للبزاة في الطريق، فعلم بذلك فعظم عليه حين رآه وهدده حتى أعادها إلى صاحبها بعد عوده من أنطاكية.
وخرج هذا السلطان إلى ضياع معرة النعمان يتصيد، وبات بضيعة بينها وبين المعرة ثلاثة فراسخ، فابتاع منها أصحابه ما احتاجوه بأوفى ثمن، ووضع السلطان في هذه السنة المكوس من جميع بلاده، ولم يبق من يستخرج مكساً في مملكته.
وأقام السلطان بحلب إلى أن عيد بها عيد الفطر، وعاد منكفئاً إلى الجزيرة،
стр. 204
وقد قرر ولاية حلب، وولى بقلعتها نوحاً التركي، وبلغه عصيان تكش بترمذ فسار السلطان، وقطع ما بين حلب ونيسابور في عشرة أيام، وعاد منكفئاً إلى الجزيرة وقد قرر ولاية حلب لقسيم الدولة أق سنقر التركي في سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وجعل معه أربعة ألاف فارس ومكنه فيها.
وقيل إنه مملوك لملكشاه، وقيل إنه لصيق وإن اسم أبيه النعمان، وولى على جمع المال بحلب في الديوان تاج الرؤساء أبا منصور بن الخلال
الرحبي وقال شاعر حلبي فيه وفي الوزير ابن النحاس:
قد زنجر العيش على الناس ... ما بين خلال ونحاس
فأحسن قسيم الدولة في حلب السيرة وأجمل السياسة وأقام الهيبة وأفنى قطاع الطريق، وتتبع الذعار في كل موضع فاستأصل شأفتهم.
وعمرت حلب في أيامه بسبب ذلك لورود التجار والجلابين إليها من كل مكان.
وحكى لي والدي ﵀: أنه استأصل أرباب الفساد إلى حد بلغ به أن نادي في قرى حلب وضياعها أن لا يغلق أحد بابه، وأن يتركوا آلاتهم التي للحرث في البقاع في الليل والنهار فخرج متصيداً فمر على فلاح وقد فرغ من عمله، وأخذ آلة الحرث معه إلى منزله، فانفرد من عسكره وقال له: ألم تسمع مناداة قسيم الدولة بأن لا يرفع أحد من أهل القرى شيئاً من آلة الحرث فقال: بلى والله حفظ الله قسيم الدولة والله لقد أمنا في أيامه من كل ذاعر ومفسد، وما رفعت هذا خوفاً عليها ممن يأخذها، وإنما ههنا دويبة يقال لها ابن آوى إذا تركنا هذه العدة ههنا جاءت وأكلت هذه الجلود التي عليها.
فلما عاد قسيم الدولة أمر بالصيادين وبثهم في أقطار بلد حلب لصيد بنات آوى حتى أفنوها من ضواحي حلب وكان ذلك سبباً لقلتها في بلد حلب إلى يومنا هذا، دون غيرها من البلاد.
وفي أيام قسيم الدولة جدد عمارة منارة حلب الموجودة في زماننا هذا، وجددت في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
стр. 205
وجرى خلف بين أهل لطمين وبين نصر بن علي بن منقذ في سنة إحدى وثمانين، فخرج أن سنقر إلى شيزر، وقاتلها، وقتل من أهلها مائة وثلاثين رجلاً، وعاد إلى حلب بعد أن نهب ربضها، واستقرت الموادعة بينه وبين نصر صاحب شيزر.
وكان أق سنقر قد تزوج خاتون داية السلطان ملك شاه، وكانت جالسة معه في بعض الأيام في داره بحلب، وفي يده سكين فأومأ بها إليها على سبيل المداعبة االمزاح، فوقعت في قلبها للقضاء المحتوم غير متعمد لها، فماتت وحزن عليها حزناً شديداً وتأسف لفقدها، وحملها في تابوت لتدفن في مقابر لها بالشرق، وخرج من حلب لتوديع تابوتها في مستهل جمادى الآخرة وتسلم أق سنقر حصن برزويه، في شعبان اثنتين وثمانين وأربعمائة، من لأرمن، وهو آخر ما كان قد بقي في أيدي الكفار من أعمال أنطاكية وأقام في يده تسعة أشهر، وهدمه في ربيع الأول من سنة ثلاث وثمانين.
وكتب ولاة الشام إلى السلطان ملك شاه يشكون ما يلقونه من خلف بن ملاعب بحمص من قطع الطريق وإخافة السبيل، فكتب إلى قسيم الدولة وتاج الدولة ويغي سيان وبوزان صاحب الرها، فساروا في عساكرهم، فحاصروها وضايقوها ففتحوها، وأعطاها السلطان تاج الدولة تتش ونزل قسيم الدولة على أفامية، فأخذها من خلف بن ملاعب وسلمها إلى نصر بن منقذ ثم إن السلطان أمر بحمل ابن ملاعب في قفص حديد إلى أصبهان، فحبسه إلى أن مات ملك شاه، وتوجه إلى مصر وعاد إلى الشام، واحتال حتى ملك أفامية بالحيلة بعد ذلك.
ولما فتحت حمص تسلمها قسيم الدولة إلى أن ورد عليه أمر السلطان بتسليمها إلى تتش.
стр. 206
وفاة السلطان ملكشاه
ومات السلطان ملك شاه ببغداد في الليلة السادسة عشر من شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة وكان أن سنقر قد خرج من حلب وافداً عليه، فلما بلغه الخبر عاد إلى حلب، وخطب لابنه محمود مدة يسيرة، ثم إنه خطب بعد ذلك لتاج الدولة تتش، على ما يذكر.
انتصار تتش
ولما عاد إلى حلب قبض على شبل بن جامع أمير بني كلاب وعلى ولده مبارك، واعتقلهما بالقلعة. وراسل تاج الدولة قسيم الدولة ويغي سيان وبوزان وجذبهم إلى طاعتهم، والكون في جملته ليسيروا معه إلى بلاد أخيه ليفتحها، ويأخذ المملكة فأجابوه إلى ذلك، وخطبوا له في أعمالهم.
فسار في أول سنة ست وثمانين، وسار إليه قسيم الدولة ويغي سيان وبوزان، ووثق به أن سنقر، وفتح تاج الدولة الرحبة ونصيبين، فجمع إبراهيم بن قريش وتأهب للقاء تاج الدولة والتقى العسكران على دارا، وعاد كل فريق إلى موضعه، فركب الأمير قسيم الدولة في خلق من العسكر، وحمل حتى توسط عسكر إبراهيم فلم يثبت العرب، وتبعه باقي العسكر، فقتل منهم ما يقارب عشرة آلاف.
وأسر إبراهيم بن قريش وعمه مقبل وغيرهم فقتلهم تاج الدولة صبراً وسبيت الحرم، وقتل جماعة من نساء العرب نفوسهن.
وأمر تاج الدولة بعد ذلك يجمع الأسرى ووهبهم من محمد بن شرف الدولة وكان قد صار في جملته قبل الحرب، وأقطعه نصيبين.
стр. 207
وعظمت هيبة تاج الدولة بعد هذه الوقعة، وراسلته زوجة أخيه تحثه
على الوصول، واستقر الحال على أن تتزوجه، فسار عند ذلك بعد أن تسلم من ابن جهير آمد وجزيرة ابن عمر، حتى وصل إلى تبريز، ففسخ عنه قسيم الدولة أن سنقر صاحب حلب وعماد الدولة بوزان وسارا إلى بر كيارق ليكونا في خدمته، وكان بالقرب من الري.
وكان سبب نفار قسيم الدولة وبوزان تقريب تاج الدولة يغي سيان وميله إليه، وقيل: لأنه لم يولهما شيئاً من البلاد التي افتتحها، فرجع تاج الدولة إلى ديار بكر، وشحنها بالرجال، وسار منها إلى سروج فأخذها وولى فيها بعض ثقاته.
ووصله الخبر بوصول أن سنقر وبوزان إلى باب السلطان بركيارق، وإكرامه لهما، وأنهما وجدا خاله مستولياً على أمره، فقتلاه وبعض الأمراء.
فانبسطت يد بركيارق، واستقامت أحواله، وخاطبه أق سنقر وبوزان أن يسير معهما إلى بلادهما حلب والرها وحران، لئلا يجري عليهما حادث من تاج الدولة عند عودته، وضمنا له أن يكونا بينه وبين تاج الدولة، فسار معهما إلى الرحبة، وعقد بينهما وبين علي بن شرف الدولة حلفاً.
السلطان بركيارق في حلب
وسار علي بن قريش، ومعه جماعة من بني عقيل وقطعة من عسكر السلطان بركيارق مع قسيم الدولة، فأوصلوه إلى حلب، فدخلها في شوال من سنة ست وثمانين وأربعمائة.
وسار بوزان إلى بلاده، وعاد من كان معهما إلى السلطان وأما تتش فإنه قطع الفرات وتوجه إلى أنطاكية، وأقام بها مع يغي سيان مدة، فغلت بها الأسعار فسار إلى دمشق في ذي القعدة من هذه السنة.
وكان وثاب بن محمود مع نفر يسير من بني كلاب، فأنفذ أن سنقر بعد مسير تتش إلى دمشق من أحرق حصن أسفونا وحصن القبة، وقبض أقطاع وثاب.
стр. 208
وفي سنة سبع وثمانين، قبض على الوزير أبي نصر محمد بن الحسين بن النحاس بسعاية المجن بركات الفوعي به إلى قسيم الدولة. ولم يزل به إلى أن أمره بخنقه، وهو معتقل عنده، فخنقه في هذه السنة.
وفي شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين وأربعمائة، خرج تاج الدولة تتش من دمشق، ومعه خلق عظيم من العرب، ولقيه يغي سيان بعسكر أنطاكية بالقرب من حماة وأقاموا هناك أياماً، وزوج ولده الملك رضوان من ابنة يغي سيان، وسيره عائداً إلى دمشق.
وسار تاج الدولة بعساكره فنزل تلمس، وأقام بها أياماً، فوصله الخبر بوصول كربوقا صاحب الموصل وبوزان صاحب الرها، ويوسف بن
أبق صاحب الرحبة، في ألفين وخمسمائة فارس إلى حلب، لنجدة أن سنقر، فعدل تاج الدولة إلى الحانوتة، ورحل إلى الناعورة، وعول على قصد الوادي، وأن يسير منه إلى أعمال أنطاكية، وأخذ العسكر دواب النقرة وبعض زرعها.
موقعة سبعين ومقتل أق سنقر
فخرج أق سنقر ومن وصله من النجدة وجماعة كثيرة مع شبل بن جامع ومبارك ابن شبل من بني كلاب وكان قد أطلقهما من الإعتقال في هذه السنة ومحمد بن زائدة في جماعته وجماعة من أحداث حلب والديلم والخراسانية، وعدة عسكره تزيد عن ستة آلاف فارس وراجل، في أحسن أهبة وأكمل عدة.
وقصد عسكر الملك تاج الدولة، يوم السبت تاسع جمادى الأولى من السنة، والتقوا على سبعين، وكان أول من قطع السواقي التي كانت بين العسكرين وبرز للحرب أن سنقر، ورتب مصاف عسكره.
وبقي عسكر بوزان وكربوقا لم يتمكن من قطع السواقي، فيختلطون بالعسكر،
стр. 209
ولم يستنصح أن سنقر العرب الذين معه، وخاف ميلهم إلى تاج الدولة، وكان عسكر تاج الدولة في مثل هذه العدة من العرب والرجالة،
وكان الترك معه في قلة لأق أصحابه وخواصه كانوا متفرقين في البلاد التي افتتحها.
وحمل عسكر تاج الدولة على عسكر أن سنقر فلم يثبت لحظة واحدة، وانهزمت العرب وبوزان وكربوقا نحو حلب فدخلاها، واستأمن يوسف بن أبق إلى تاج الدولة.
وأسر أن سنقر وجماعة من خواصه ووزيره أبو القاسم بن بديع، وأحضر بين يدي تاج الدولة أسيراً، فقتله صبراً، وقال له تاج الدولة: لو ظفرت بي ما كنت صنعت. قال: كنت أقتلك، فقال له: فأنا أحكم عليك بما كنت تحكم علي، فقتله.
وحكى وثاب بن محمود قال: جلس تاج الدولة، وطلب قسيم الدولة، فأحضر مكشوف الرأس، مكتوفاً، فقام تاج الدولة، وكلمه كلاماً كثيراً، فلم يرد عليه جواباً، فضربه بيده أطار رأسه
وحمل رأسه إلى حلب والي دمشق، ودفن جسده في القبة التي على سطح جبل قرنبيا، غربي المشهد الذي ابتناه بقرنبيا، ثم نقله ابنه زنكي لما فتح حلب إلى مدرسة الزجاجين، ووقف شامر قرية من بلد حلب، على من يقرأ على قبره.
واختار قسيم الدولة وقتاً للخروج إلى اللقاء، وهو وقت قران زحل للمريخ في بزج الأسد وهو طالع بيت السلطان بحلب وكان موقناً بالظفر، فخرج وأمرهم أن يلحقوه بالحبال لكتافهم بها، وكان تاج الدولة قد عزم على ما ذكرناه، ولم يكن موثراً لقاءه، فنصره الله تعالى كما شاء وأراد، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، ولا تأثير لشيء في ملكوته.
وأسر شبل بن جامع أمير بني كلاب فوهبه تاج الدولة لابن أخيه وثاب بن محمود.
стр. 210
القسم الثامن عشر
حلب ورضوان بن تتش
٤٨٧ - ٥٠٧ هجرية
تتش في حلب
وعول بوزان وكربوقا على الإعتصام بحلب، وانتظار النجدة من بركيارق، لأن كتاب الطائر وصل إلى حلب يخبر بوصول النجدة إلى الموصل، وقرروا مع الأحداث ذلك.
فوصل تاج الدولة بعسكره إلى حلب، وتحير أهلها فيما يفعلونه، فبادر قوم من الأحداث ممن لا يعرف ولا يذكر ففتحوا باب أنطاكية.
ودخل وثاب بن محمود في مقدمة أصحاب تاج الدولة إلى حلب، وسكن البلد، فنزل الوالي بقلعة الشريف، وسلمها إلى تاج الدولة فدخلها، وبات بها، فراسله نوح والي القلعة الكبيرة، وسلمها إليه بعد أن توثق منه، وطلع تاج الدولة إليها في الحادي عشر من جمادى الأولى من السنة.
مقتل بوزان ثم تتش
وقبض تاج الدولة على بوزان فضرب رقبته صبراً، وأخذ كربوقا واعتقله بحمص، وأقطع الشام لعسكره، وأقطع معرة النعمان واللاذقية ليغي سيان، ورتب أبا القاسم بن بديع وزيراً بحلب.
وأقام ثلاثة أيام ثم توجه فقطع الفرات، وتسلم حران، وسار إلى الرها فتسلمها، وقيل: بأن واليها امتنع من تسليمها إلا بعلامة من بوزان، وأن بوزان كان محبوساً بحلب،
стр. 211
فأنفذ إليه من قطع رأسه ورماهم به، فسلموا الرها إليه، وتسلم ديار بكر.
وسار إلى ميافارقين فقتل بني جهير بعد أن قطع رؤوس أولادهم وعلقها في رقابهم.
وعدل عن الموصل، وسار للقاء زوجة أخيه خاتون الجلالية لإتمام ما كان استقر بينهما فماتت في الطريق.
وتوجه تاج الدولة إلى الري، فوصله خلق كثير من التركمان وعساكر أخيه، وملك كل بلدة مر بها، وخطب له على منابر الإسلام: الشام والفرات، وبغداد وعند وصوله إلى همذان كتب إلى ولده الملك رضوان يستدعيه من دمشق فتوجه إليه ومعه بقية من تخلف من أصحابه بالشام ودخل تاج الدولة الري وملكها في المحرم سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وخرج بركيارق من أصبهان، والتقوا على خمسة فراسخ من
الري في يوم الأحد السابع عشر من صفر فانهزم عسكر تاج الدولة تتش واستبيح ونهب، وقتل ذلك اليوم تاج الدولة وخواصه في الحرب.
وقتل تاج الدولة بعض أصحاب قسيم الدولة، بعد أن اصطنعه وقربه، ضربه بنشابة في ترقوته اليسرى فوقع، وقطع رأسه وطيف به العسكر، ثم حمل إلى بغداد فطيف به، وتفرق من سلم منهم إلى مواضعهم.
رضوان في حلب
ووصل الخبر إلى ولده الملك رضوان، وهو نازل على الفرات بعانة متوجهاً إلى والده، فقلق وخاف من وصول من يطلبه فحط خيمه في الحال.
стр. 212
ورحل مجدا حتى وصل حلب في جماعة من غلمانه وحاشيته، وترك باقي عسكره من ورائه، فسلم وزير أبيه أبو القاسم بن بديع إليه المدينة والقلعة، وصعد إليها، وأخذوا الأهبة لمن يقصدها.
ووصل إليه إلى حلب من الفل أخوه أبو نصر دقاق وجناح الدولة حسين، فاستولى جناح الدولة على تدبير ملك رضوان، وكان تاج
الدولة قد جعله مدبراً له، وهو أتابكه في حياته، وجعل دقاق مع أتابك ظهير الدين.
ولما افتتح ديار بكر سلمها إلى ظهير الدين، وشمس الملوك دقاق معه، ولم يزل بها إلى أن سار إلى الري فسارا معه.
دقاق في دمشق
وعاد دقاق إلى حلب فأقام بها مدة يسيرة، وراسله الأمير ساوتكين الخادم وكان نائب تاج الدولة بدمشق في حفظ القلعة والبلد، وقرر لدقاق مملكة دمشق سرا، وخاف من أخيه رضوان، فخرج من حلب وهرب إلى دمشق من غير أن يعلم به أحد، وجد في السير، وتبعه رضوان، وأنفذ خلفه عدة من الخيل ففاتهم، فدخل دمشق فسارع ساوتكين إلى طاعته، وصارت دمشق وبلادها بحكمه.
وقتل رضوان أخويه أبا طالب وبهرام ابني تتش، وكان أتابك طغتكين معتقلاً عند السلطان بركيارق، وقبض في الوقعة فطلبوا منه كربوقا والجماعة الذين معه،
стр. 213
وكانوا في يد رضوان فاتفق رأيهم أن يسيروا عضب الدولة أبق بن عبد الرزاق إلى رضوان لاستخلاص كربوقا وكان أبق أيضاً من جملة من قبض عليه من الجماعة الذين كانوا مع تتش فخاطبوا السلطان في إطلاقه وتسييره فأجابهم إلى ذلك، وسيره إلى حلب، فلما وصله أكرمه رضوان وأطلق كربوقا في شعبان وسيره مكرماً.
فأطلق بركيارق أتابك طغتكين وجميع من كان في اعتقاله من خواص تاج الدولة، ووصل دمشق فابتهج دقاق بوصوله وقويت نفسه، وألقى تدبير أموره إليه فقام فيها أحسن قيام.
فاستأذن عضب الدولة الملك رضوان في الوصول إليه فأذن له، وقرر معه قرب العودة إلى حلب وترك اقطاعه بحلب على حاله، فوصل دمشق واختار المقام بها، وكتب إلى أصحابه بعزاز يأمرهم بتسليمها إلى رضوان فسلموها.
خلف بن ملاعب
ولما وصلت هذه الأخبار وثب أهل أفامية على حصنها فأخذوه من الأتراك، وقتلوا بعضهم، وكان تاج الدولة قد أخذه من ابن منقذ، وسار جماعة من أهلها إلى مصر يستدعون والياً من قبلهم لميلهم إلى الإسماعيلية ونفورهم من الترك.
ووصل خلف بن ملاعب في سنة تسع وثمانين وأربعمائة وتسلمها، وعاد إلى الفساد وقطع الطريق، وقتل خلقاً من أفامية.
المؤامرة على جناح الدولة
وأما الملك رضوان فإنه خرج في سنة ثمان وثمانين من حلب، ومعه جناح الدولة حسين ووصله يغي سيان ويوسف بن أبق من أنطاكية بعسكرهما، وتوجهوا إلى الرها، ومعهم رهائن أهلها ليتسلمها الملك رضوان من المقيمين فيها من أصحاب والده.
فلما نزلوا الرها أراد يغي سيان ويوسف أن يقبضا جناح الدولة ويتفردا بتدبير رضوان، فهرب منهما، وقطع الفر ات، ووصل حلب، وتبعه رضوان، فدخل حلب،
стр. 214
وهرب رهائن الرها من العسكر ودخلوها. وعاد يغي سيان ويوسف بن أبق، وقد استوحش رضوان منهما.
من سروج إلى بيت المقدس
وكتب رضوان إلى سكمان، وإقطاعه سروج، يستدعيه إلى حلب لمعونته، فسار وقطع الفرات فلقيه يوسف بن أبق في عدة وافرة فخافه سكمان، فأظهر موافقته وصار معه.
وخاف جناح الدولة من اجتماعهم، وكان عقيب وصول رضوان من الرها قد سير جماعة من عسكر حلب إلى معرة النعمان مع عضب الدولة لأخذها من يغي سيان، وكاتب وثاب بن محمود فوصل ببني كلاب لمساعدته على أخذ المعرة، فأخرجوا ابن يغي سيان وأصحابه منها، وتسلموها.
وعاد عضب الدولة ووثاب، فلما وصلا حلب حدث ما ذكرناه من أمر سكمان ويوسف بن أبق، فخرج جناح الدولة بالعسكر، فلقيه يوسف بالقرب من مرج دابق فهرب يوسف ونهبوا عسكره، وأعانهم على ذلك
وسكمان، ودخل يوسف أنطاكية وعاد جناح الدولة وسكمان ووثاب وأبق إلى حلب.
وأقطع الملك رضوان معرة النعمان سكمان بن أرتق وأعمالها، ثم سار رضوان وسكمان لقصد دمشق وانتزاعها من أخيه دقاق، وترك جناح الدولة بحلب.
فلما نزلا دمشق وصل إليهما أن دقاق قبض على نجم الدين إيلغازي بن أرتق، واعتقله لتهمة وقعت به، فعاد الملك رضوان إلى حلب، وسار سكمان إلى بيت المقدس وتسلمها من نواب أخيه وأقام بها.
وراسل يوسف بن أبق الملك رضوان واستأذنه في الوصول إلى خدمته فأذن له، ووصل حلب وسكنها.
المجن ويوسف بن أبق
ثم خاف رضوان وحسين منه فتقدما إلى بركات بن فارس رئيس حلب المعروف بالمجن بقتله، فهجم عليه وأصحابه فقتلوه ونهبوا داره وأخذوا رأسه،
стр. 215
وسيروه إلى بزاعا ومتبج، فتسلموها من أصحابه، وقبضوا على اقطاع أخيه وأصحابهما، وهربوا من حلب وكان الملك قد توهم منه الارتداد عن الاسلام.
ثم أن رضوان وجناح الدولة خرجا في سنة تسع وثمانين إلى تل باشر، وشيح الدير، وفتحاها بالسيف من أصحاب يغي سيان، وأغارا على
أعمال أنطاكية، وعادا إلى حلب، وسارا في أول شهر رمضان منها إلى دمشق.
الحرب بين دقاق ورضوان
فسار يغي سيان متجداً لدقاق فضعفت نفس رضوان ولم يتمكن من العودة، فسار إلى بيت المقدس، فتبعه دقاق وطغتكين ويغي سيان وأقاموا متحابسين مدة.
وأشرف عسكر رضوان على التلف فانفصل عنه جناح الدولة، وهرب على طريق البرية إلى حلب، وتبعه الملك رضوان بعد مدة وحصلا بجميع العساكر بحلب. وعاد دقاق وطغتكين إلى دمشق ويغي سيان إلى أنطاكية وعاد سكمان بن أرتق من القدس على البرية حتى وصل حلب على البرية في المحرم من سنة تسعين وأربعمائة.
واجتمع بجناح الدولة واتفقا على قصد بلاد يغي سيان فخرج دقاق وطغتكين، فوصلا حماة وعاد العسكر في بلدها ووصلهما يغي سيان، وساروا إلى كفرطاب في الثاني من ربيع الأول، فقاتلوها، ونهبوها، وقرروا على أهلها مالاً.
وهرب أصحاب سكمان من المعرة فتسلمها يغي سيان وقرر عليها مالاً، وتنقل العسكر في الجزر وغيرها من أعمال حلب، فاستنجد رضوان
بسليمان بن إيلغازي صاحب سميساط فوصل بعسكر كثير إلى حلب.
وجمع رضوان من قدر عليه من الترك والعرب وأحداث حلب، ونزل عسكر دقاق بقنسرين
следующие страницы →