← История

История · id 9872

زبدة الحلب في تاريخ حلب

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (491 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ثامن عشر ربيع الأول، سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وفتح تل باشر، وتل خالد وفتح عين تاب سنة خمسين، وفتح قورس والراوندان وبرج الرصاص، وحصن البيرة وكفرسود ومرعش ونهر الجوز. وتجمع الفرنج وساروا إليه وهو ببلاد جوسلين ليمنعوه عن فتحها، في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، فلما قربوا منه رجع إليهم، ولقيهم عند دلوك، فاقتتلوا فانهرم الفرنج، وقتل منهم وأسر كثير، وعاد إلى دلوك ففتحها. وأما تل باشر فإنه تسلمها منهم بعد فتحه دمشق، لأنهم لما علموا أنه فتح دمشق، وأنه يقصدهم ولا طاقة لهم به راسلوه، وبذلوا له تسليمها إليه، فسير إليهم الأمير حسان صاحب منبج لقربها من منبج فتسلمها منهم، وحصنها. وكان فتحه دمشق في صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة لأن الفرنج أخذوا عسقلان من المصريين في سنة ثمان وأربعين، ولم يكن له طريق إلى إزعاجهم عنها لاعتراض دمشق بينه وبين عسقلان. وطمع الفرنج في دمشق، وجعلوا عليها قطيعة يأخذونها منهم في كل سنة، فخاف نور الدين أن يملكها الفرنج، فاحتال في أخذها لعلمه أن أخذها بالقهر يصعب

стр. 317

لأنه متى نارلها راسل صاحبها الفرنج مستنجداً بهم، وأعانوه خوفاً من نور الدين أن يملكها فيقوى بها عليهم. فراسل مجير الدين أبق بن محمد بن محمد بن بوري صاحبها، واستماله وهاداه، وأظهر له المودة حتى وثق به، فكان يقول له في بعض الأوقات: " إن فلانا قد كاتبني في تسليم دمشق يعني بعض أمراء مجير الدين فكان يبعد ذلك عنه، ويأخذ أقطاعه، فلما لم يبق عنده أحد من الأمراء قدم أميراً يقال له عطاء بن حفاظ الخادم، وكان شجاعاً وفوض إليه أمور دولته، فكان نور الدين لا يتمكن من أخذ دمشق منه، فقبض عليه مجير الدين وقتله. فسار نور الدين حينئذ إلى دمشق، وكان قد كاتب أهلها واستمالهم، وكان الناس يميلون إليه، لما هو عليه من العدل والديانة والإحسان، فوعدوه بالتسليم إليه. فلما حصر دمشق أرسل مجير الدين إلى الفرنج يبذل لهم الأموال وتسليم قلعة بعلبك إليهم، لينجدوه ويرحلوا نور الدين عنه، فشرعوا في جمع فارسهم وراجلهم لذلك. فتسلم نور الدين دمشق، وخرج الفرنج وقد قضي الأمر فعادوا خائبين، وسلمها إليه أهلها من باب شرقي، والتجأ مجير الدين إلى القلعة، فراسله وبذل له عوضاً عنها حمص، وغيرها، فسلمها إليه وسار إلى حمص، ثم أنه راسل أهل دمشق، فعلم نور الدين، فخاف منه، فأخذ منه حمص، وعوضه ببالس، فلم يرض بذلك، وسار إلى بغداد فمات بها. وسار نور الدين إلى حارم، وهي لبيمند صاحب أنطاكية، وحصرها في سنة إحدى وخمسين، وضيق على أهلها، فتجمع الفرنج وعزموا على قصده فأرسل والي

стр. 318

حارم إلى الفرنج، وقال: لا تلتقوه فإنه إن هزمكم أخذ حارم وغيرها، ونحن في قوة والرأي مطاولته فأرسلوا إلى نور الدين، وصالحوه على أن يعطوه نصف أعمال حارم، ورجع نور الدين إلى حلب. الزلازل في بلاد الشام ووقعت الزلازل في شهر رجب في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، بالشام، فخربت حماة، وشيزر، وكفر طاب، وأفامية، ومعرة النعمان، وحمص، وحصن الشميمس عند سلمية، وغير ذلك من بلاد الفرنج وتهدمت أسوار هذه البلاد فجمع نور الدين العساكر، وخاف على البلاد من الفرنج، وشرع في عمارتها حتى أمن عليها. وأما شيزر، فانقلبت القلعة على صاحبها وأهله، فهلكوا كلهم، وكان قد ختن ولداً له وعمل وليمة، وأحضر أهله في داره، وكان له فرس يحبه ولا يكاد يفارقه، وإذا كان في مجلس أقيم ذلك الفرس على بابه، فكان ذلك اليوم على الباب، فجاءت الزلزلة فقام الناس ليخرجوا من الدار فخرج واحد من الباب فرمحه ذلك الفرس فقتله، فامتنع الناس من الخروج، فسقطت الدار عليهم فهلكوا. وبادر نور الدين، ووصل إلى شيزر، وقد هلك تاج الدولة بن متقذ وأولاده، ولم يسلم منهم إلا الخاتون أخت شمس الملوك زوجة تاج الدولة، ونبشت من تحت

стр. 319

الردم سالمة، فتسلم القلعة وعمر أسوارها ودورها، وكان نور الدين قد سأل أخت شمس الملوك عن المال وهددها، فذكرت له أن الدار سقطت عليها وعليهم، ونبشت هي دونهم، ولا تعلم بشيء، وإن كان لهم شيء فهو تحت الردم. وكان شرف الدولة إسماعيل غائباً، فلما حضر وعاين قلعة شيزر، ورأى زوجة أخيه في ذلك الذل بعد العز، عمل قصيدة أولها: ليس الصباح من المساء بأمثل ... فأقول لليل الطويل ألا انجلى قال فيها: يا تاج دولة هاشم بل يا أبا الت ... يجان بل يا قصد كل مؤمل لو عاينت عيناك قلعة شيزر ... والستر دون نسائها لم يسبل لرأيت حصناً هائل المرأى غدا ... متهلهلاً مثل النقا المتهيل لايهتدي فيه السعاة لمساك ... فكأنما تسري بقاع مهول ذكر فيها زوجة أخيه، فقال: نزلت على رغم الزمان ولو حوت ... يمناك قائم سيفها لم تنزل فتبدلت عن كبرها بتواضع ... وتعوضت عن عزها بتذلل وأقامت الزلازل تتردد في البلاد سبع سنين، وهلك فيها خلق كثير. وفي هذه السنة أبطل الملك العادل نور الدين، وهو بشيزر، مظالم ومكوساً ببلاده كلها مقدارها مائة وخمسون ألف دينار. ثم إن نور الدين تلطف الحال مع ضحاك البقاعي، وراسله، وهو ببعلبك، وكان قد عصى فيها بعد فتح دمشق، ولم ير أن يحصره بها لقربه من الفرنج، فسلمها إلى نور الدين في هذه السنة. وجرت وقعة بين نور الدين وبين الفرنج بين طبرية وبانياس، فكسرهم نور الدين كسرة عظيمة في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.

стр. 320

مرض وعافية ثم عاد نور الدين إلى حلب، فمرض بها في سنة أربع وخمسين مرضاً شديداً، بقلعتها، وأشفى على الموت، وكان بحلب أخوه الأصغر نصر الدين أمير أميران محمد بن زنكي، وأرجف بموت نور الدين، فجمع أمير أميران الناس، واستمال الحلبيين، وملك المدينة دون القلعة، وأذن للشيعة أن يزيدوا في الأذان: حي على خير العمل محمذ وعلي خير البشر، على عادتهم من قبل، فمالوا إليه لذلك. وثارت فتنة بين السنة والشيعة، ونهب الشيعة مدرسة ابن عصرون وغيرها من أدر السنة، وكان أسد الدين شيركوه بحمص، فبلغه ذلك فسار إلى دمشق ليغلب عليها، وكان بها أخوه نجم الدين أيوب فأنكر عليه ذلك، وقال: أهلكتنا والمصلحة أن تعود إلى حلب، فإن كان نور الدين حياً خدمته في هذا الوقت، وإن كان مات فأنا في دمشق، وتفعل ما تريد. فعاد مجدا إلى حلب، فوجد نور الدين وقد ترجح إلى الصلاح، فأجلسه في طيارة مشرفة إلى المدينة، بحيث يراه الناس كلهم، وهو مصفر الوجه من المرض، ونادوا إلى الناس: هذا سلطانكم. فقال بعضهم: ما هذا نور الدين، بل هو فلان يعنون رجلاً كان يشبهه وقد طلى وجهه بصفرة، ليخدعوا الناس بذلك ولما تحقق أمير أميران عافية أخيه خرج من الدار التي كان بها تحت القلعة، وبيده ترس يحميه من النشاب، وكان الناس قد تفرقوا عنه، فسار إلى حران، فملكها. وسير نور الدين إلى قاضي حلب، جدي أبي الفضل هبة الله بن أبي جرادة، وكان يلي بها القضاء والخطابة والإمامة، وقال له: تمضي إلى الجامع، وتصلي بالناس، ويعاد الأذان إلى ما كان عليه.

стр. 321

فنرل جدي، وجلس بشمالية الجامع تحت المنارة، واستدعى المؤذنين، وأمرهم بالأذان المشروع على رأي أبي حنيفة، فخافوا فقال لهم: ها أنا أسفل منكم ولي أسوة بكم. فصعد المؤذنون وشرعوا في الأذان، فاجتمع تحت المنارة من عوام الشيعة وغوغائهم خلق كثير فقام القاضي إليهم، وقال: يا أصحابنا، وفقكم الله، من كان على طهارة فليدخل وليصل، ومن كان محدثاً فليجدد وضوءه ويصلي، فإن المولى نور الدين بحمد الله في عافية، وقد تقدم بما يفعل، فانصرفوا راشدين. فانصرفوا وقالوا: ايش نقول لقاضينا! ونزل المؤذنون وصلى بالناس، وسكنت الفتن. فلما عوفي نور الدين قصد حران، فهرب نصرة الدين أمير أميران، وترك أولاده بالقلعة بحران فتسلمها، وأخرجهم منها، وسلمها إلى زين الدين علي كوجك، نائب أخيه، قطب الدين. ثم سار إلى الرقه وبها أولاد أميرك الجاندار، وقد مات أبوهم، فشفع إليه بعض الأمراء في إبقائها عليهم، فغضب، وقال: هلا شفعتم في أولاد أخي لما أخذت منهم حران، وكانت الشفاعة فيهم من أحب الأشياء إلي، وأخذها منهم. تحرك الفرنج وانتصارهم في البقيعة وخرج مجد الدين ابن الداية من حلب إلى الغزاة، في شهر رجب من سنة خمس وخمسين، فلقي جوسلين بن جوسلين، فكسره، وأخذه أسيراً، ودخل به إلى قلعة حلب. ثم إن الفرنج أغاروا على بلد عين تاب، فأخذوا التركمان، ونهبوا أغنامهم، وعادوا يريدون أنطاكية، فخرج إليهم مجد الدين، ولقيهم بالجومة، وكسرهم،

стр. 322

وقتل منهم خلقاً عظيماً، وأسر البرنس الثاني وخلقاً معه، ودخل بهم إلى حلب في مستهل ذي الحجة من سنة ست وخمسين وخمسمائة. وفي سنة سبع، ولى نور الدين كمال الدين أبا الفضل محمد بن الشهرزوري قضاء ممالكه كلها، وأمر القضاة ببلاده أن يكتبوا في الكتب بالنيابة عنه، وكان قد حلف له على ذلك وعاهده عليه، وكان ذلك بدمشق في السنة المذكورة، فامتنع زكي الدين قاضي دمشق، فعزل، وكتب إلى جدي أبي الفضل بحلب، فامتنع أيضاً. ووصل نور الدين ومعه مجد الدين ابن الداية، واستدعاه نور الدين إلى القلعة، وقال: كنا قد عاهدنا كمال الدين، وحلفنا له على هذا الأمر، وما أنت إلا نائبي، وله اسم قضاء البلاد لا غير فامتنع وقال: لا أنوب عن مكانين فولى قضاء حلب محيي الدين أبا حامد ابن كمال الدين، وأبا المفاخر عبد الغفور بن لقمان الكردي، وذلك بأشارة مجد الدين لوحشه كانت بينه وبين جدي. ثم إن نور الدين جمع العساكر بحلب، في سنة سبع، وسار إلى حارم، وقاتلها، فجمع الفرنج جموعهم، وساروا إليه. فطلب منهم المصاف فلم يجيبوه، وتلطفوا معه حتى عاد إلى حلب. ثم جمع العساكر في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، ودخل إلى بلاد الفرنج، ونزل في البقيعة تحت حصن الأكراد محاصراً له، وعازماً على أن يقصد طرابلس. فاجتمع الفرنج، وخرج معهم الدوقس الرومي، وكان قد خرج في جمع كثير من الروم واتفق رأيهم على كبسة المسلمين نهاراً، فإنهم يكونون آمنين، فركبوا لوقتهم ولم يتوقفوا، وساروا مجدين إلى أن قربوا من يزك المسلمين، فلم يكن

стр. 323

لهم بهم طاقة وأرسلوا إلى نور الدين يعرفونه الحال فرهقهم الفرنج بالحملة عليهم فلم يثبت المسلمون وعادوا منهزمين إلى نور الدين والفرنج في ظهورهم، فوصلوا جميعاً إلى عسكر نور الدين، ولم يتمكن المسلمون من ركوب الخيل وأخذ السلاح، حتى خالطهم الفرنج، فقتلوا، وأسروا، قتلاً عظيماً وأسراً كبيراً. وكان الدوقس أشدهم على المسلمين، فلم يبق أصحابه على أحد، وقصدوا خيمة نور الدين، وقد ركب فيها فرسه، فنجا بنفسه، ولسرعته ركب الفرس والشبحة في رجله، فنرل إنسان كردي، وفداه بنفسه، فقطع الشبحة، ونجا نور الدين، وقتل الكردي فأحسن إلى مخلفيه، ووقف عليهم الوقوف. ووصل نور الدين إلى بحيرة قدس، وبينه وبين المعركة نحو أربعة فراسخ، وتلاحق به من سلم من العسكر، فقال له بعضهم: المصلحة أن نسير، فإن الفرنج ربما طمعوا وجاؤوا إلينا، ونحن على هذه الحال، فوبخه وأسكته، وقال: إذا كان معي ألف فارس التقيتهم، ووالله لا أستظل بسقف حتى أخذ بثأري وثأر الإسلام. وأرسل إلى حلب ودمشق، وأحضر الأموال الثياب والخيام والسلاح والخيل، فأعطى الناس عوضاً عما أخذ منهم بقولهم، وأصبح عسكره كأن لم يهزم ولم ينكب، وكل من قتل أعطى أولاده أقطاعه. ولما رأى أصحاب نور الدين كثرة خرجه قال له بعض صحابة السوء: إن لك في بلادك إدرارات وصلات ووقوفاً كثيرة على الفقهاء، والفقراء، والقراء،

стр. 324

والصوفية وغيرهم، فلو استعنت بها في هذا الوقت لكان أصلح فغضب من ذلك وقال: والله إنني لا أرجو النصر إلا بدعاء أولئك، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم، كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطىء، وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال، كيف يحل لي أن أعطيه غيرهم!. وقيل: إن برهان الدين البلخي قال لنور الدين: أتريدون أن تنصروا وفي عسكركم الخمور والطبول والزمور، كلا والله. فلما سمع نور الدين كلامه عاهد الله على التوبة، ونزع عنه ثيابه تلك التي كان يلبسها، والتزم بلبس الخشن، وبطل جميع ما كان بقي في بلاده من الأعشار والمكوس والضرائب، ومنع من ارتكاب الفواحش، وكتب إلى البلاد إلى زهادها وعبادها يذكر لهم ما نال المسلمين من القتل والأسر، ويستمد منهم الدعاء، وإن يحثوا المسلمين على الغزاة، وكاتب الملوك الإسلامية يطلب منهم النجد والإستعداد، وامتنع من النوم على الوطيء وعن جميع الشهوات. نور الدين وشيركوه وراسله الفرنج في طلب الصلح فامتنع، فبينا هو في الاستعداد للجهاد إذ ورد عليه في شهر ربيع الأول، من سنة تسع وخمسين وخمسمائة، شاور وزير العاضد بمصر إلى دمشق، ملتجئاً إليه، ومستجيراً به على ضرغام، وكان قد نازعه في الوزارة وغلب عليها. وطلب منه إرسال العساكر معه إلى مصر ليعود إلى منصبه، ويكون لنور الدين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر، ويكون نائبه مقيماً بعساكره في مصر،

стр. 325

ويتصرف بأمر نور الدين واختياره، فبقي متردداً بين أن يفعل ذلك وبين أن يجعل جل قصده إلى الفرنج. ثم قوي عزمه وسير أسد الدين شيركوه بن شادي، في عسكر معه، في جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين، وتقدم إلى أسد الدين أن يعيد شاور إلى منصبه. وسار نور الدين إلى طرف بلاد الفرنج مما يلي دمشق، بما بقي من العساكر ليمنع الفرنج من التعرض لأسد الدين وشاور في طريقهما، فاشتغل الفرنج بحفظ بلادهم من نور الدين عن التعرض لهما، ووصل أسد الدين وشاور إلى بلبيس، فخرج إليهم ناصر الدين أخو ضرغام بعسكر المصريين، ولقيهم فانهزم وعاد إلى القا هرة. ووصل أسد الدين إلى القاهرة، فنزل عليها قي آخر جمادى الآخرة، فخرج ضرغام فقتل، وقتل أخوه، وخلع على شاور وأعيد إلى الوزارة. وأقام أسد الدين بظاهر القاهرة، فغدر شاور، وعاد عما كان قرره مع نور الدين. وأمر أسد الدين بالعود إلى الشام فامتنع، وطلب ما كان استقر فلم يجبه إليه، فأرسل أسد الدين نوابه فتسلموا بلبيس، وحكم على البلاد الشرقية. فأرسل شاور إلى الفرنج، واستنجد بهم، وخوفهم من نور الدين إن ملك مصر، فسارعوا إلى تلبيته، وطمعوا في ملك الديار المصرية، وساروا إلى بلبيس، وسار نور الدين إلى طرف بلادهم ليمنعهم عن المسير، فلم يلتفتوا، وتركوا في بلادهم من يحفظها. وسار ملك القدس في الباقين إلى بلبيس، واستعان بجمع كثير كانوا خرجوا إلى زياره القدس، وأقام أسد الدين ببلبيس، وحصره الفرنج، والعسكر المصري ثلاثة أشهر وهو يغاديهم القتال ويروحهم، فلم يظفروا منه بطائل، مع أن سور بلبيس قصير، وهو من طين.

стр. 326

من أمهات المعارك فعند ذلك خرج نور الدين لقصد بلاد الفرنج، ونزل إلى حلب وجمع العساكر وأرسل إلى أخيه قطب الدين صاحب الموصل، وإلى فخر الدين قرا أرسلان صاحب حصن كيفا، والي نجم الدين ألبى صاحب ماردين وغيرهم من أصحاب الأطراف واستنجد بهم. فسار قطب الدين ومقدم عسكره زين الدين علي كوجك، وسير صاحب ماردين عسكره، وأما صاحب الحصن فقال له خواصه وندماؤه: على أي شيء عزمت؟ فقال: على القعود، فإن نور الدين قد تحشف من كثرة الصوم والصلاة، فهو يلقي نفسه ومن معه في المهالك. فلما جاء الغد أمر العسكر أن يتجهز للغزاة فسألوه عما صدفه عن رأيه، فقال: إن نور الدين إن لم أنجده خرجت بلادي عن يدي، فإنه قد كاتب زهادها والمنقطعين عن الدنيا يستمد منهم الدعاء، ويطلب منهم أن يحثوا المسلمين على الغزاة، وقد قعد كل واحد منهم ومعه أتباعه وأصحابه، وهم يقرؤون كتب نور الدين، ويبكون، فأخاف أن يجتمعوا على لعنتي والدعاء علي ثم تجهز وسار بنفسه. ولما اجتمعت العساكر خرج نور الدين إلى حارم، وحصرها، ونصب المجانيق عليها، وزحف إليها، فخرج البرنس بيمند، والقمص صاحب طرابلس، وابن جوسلين والدوك مقدم كبير من الروم. وابن لاون ملك الأرمن، وجمعوا جميع من بقي من الفرنج بالساحل، وقصدوا نور الدين. فرحل إلى أرتاح ليتمكن منهم إن طلبوه ويبتعدوا عن البلاد إن لقوه، وسير أثقاله إلى تيزين، فساروا فنزلوا على الصفيف، ثم عادوا إلى حارم، فتبعهم نور الدين على تعبئة الحرب، فلما تقاربوا اصطفوا للقتال فحمل الفرنج على ميمنة

стр. 327

المسلمين، وفيها عسكر حلب وصاحب الحصن، فانهزم المسلمون حتى وصلوا إلى جدارهم، ونور الدين واقف بازائهم على تل هناك يتضرع إلى الله، وهو مكشوف الرأس. وبقي راجل الفرنجك فوق عم، مما يلي حارم بالصفيف، فعطف عليهم زين الدين علي كوجك، في عسكر الموصل، وكان نور الدين قد جعله كميناً في طرف العمق، وآجام القصب، فقتلهم عن آخرهم. ورجعت الخيالة من الفرنج خوفاً على الراجل أن يتبعوا المسلمين، فيقع المسلمون عليهم، فوجدوا الأمر على ما قدروه، فرأوا الرجالة منهم قتلى وأسرى، واتبعهم نور الدين مع من انهزم من المسلمين، فأحاطوا بهم من جميع الجهات، فاشتد الحرب، وكثر القتل في الفرنج، فوقعت عليهم الغلبة. وعدل المسلمون إلى الأسر، فأسروا صاحب أنطاكية، وصاحب طرابلس، والدوك مقدم الروم، وابن جوسلين، ولم يسلم إلا مليح بن لاون، قيل إن الياروقية أفرجوا له حتى هرب، لأنه كان خالهم. وكان عدة القتلى تزيد على عشرة آلاف. وسار إلى حارم فملكها في شهر رمضان من السنة، وبث سراياه في أعمال أنطاكية، فنهبوها وأسروا أهلها، وباع البرنس بمال عظيم وأسرى من المسلمين. ثم ساروا في هذه السنة إلى دمشق، بعد أن أذن لعسكر الموصل وديار بكر بالعود إلى بلادهم، ثم خرج إلى بانياس، فحصرها وقاتلها. وكان معه أخوه نصرة الدين أمير أميران وكان قد رضي عنه وسامحه وهو على حارم، بعد أن دخل إلى الفرنج، فأصابه سهم أذهب إحدى عينيه، فقال له: لو كشف لك عن الأجر الذي أعد لك لتمنيت ذهاب الأخرى. وجد في حصارها وفتحها، وملأ

стр. 328

القلعة بالذخائر والرجال، وشاطر الفرنج في أعمال طبرية، وقرروا له على ما سوى ذلك مالاً في كل سنة. ووصل خبر فتح حارم وبانياس إلى الفرنج النازلين على بلبيس، فأرادوا العود إلى بلادهم، فراسلوا أسد الدين في الصلح رجاء أن يلحقوا بانياس، فاتفق الحال معهم على أن يعود إلى الشام، ويسلم ما بيده من أعمال مصر إلى أهلها، ولم يكن عنده علم بما جرى لنور الدين بالشام، وكانت الذخائر قد قلت عنده ببلبيس. وخرج من الديار المصرية إلى الشام، وجاء الفرنج ليدركوا بانياس، فوجدوا الأمر قد فات، وكشف أسد الدين الديار المصرية، واستصغر أمر من بها. ودخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة، فسار نور الدين إلى المنيطرة جريدة في قلة من العسكر، على غفلة من الفرنج، وحصر حصنها، وأخذه عنوة، وقتل من به، وسبى وغنم غنيمة كثيرة، وأيس الفرنج من استرجاعه بعد أن تجمعوا له وتفرقوا. موقعة البابين وتحدث أسد الدين مع نور الدين، في عوده إلى الديار المصرية، فلما رأى جده سيره إليها في ألفي فارس من خيار العسكر، في سنة اثنتين وستين وخمسمائة. فسار على البر، وترك بلاد الفرنج على يمينه، فوصل الديار المصرية، وعبر النيل إلى الجانب الغربي عند أطفيح، وحكم على البلاد الغربية، ونزل بالجيزة مقابل مصر، فأقام نيفاً وخمسين يوماً. فأرسل شاور واستنجد بالفرنج، فسار أسد الدين إلى الصعيد، وبلغ إلى موضع يعرف بالبابين، وسارت العساكر المصرية والفرنجية خلفه، فوصلوا إليه وهو على تعبئة وقد جعل أثقاله في القلب ليتكثر بها، وجعل ابن أخيه صلاح الدين في القلب، وأوصاهم متى حملوا عليه أن يندفع بين أيديهم قليلاً، فإذا عادوا فارجعوا في أعقابهم.

стр. 329

واختار من يثق بشجاعته، ووقف بهم في الميمنة، فحمل الفرنج على القلب، فاندفع بين أيديهم غير مفرقين، فحمل أسد الدين بمن معه على من بقي منهم، فهزمهم ووضع السيف فيهم، وأكثر القتل والأسر، وعاد الذين حملوا على القلب فوجدوا أصحابهم قد مضوا قتلاً وأسراً فانهزموا. وسار أسد الدين إلى الاسكندرية، ففتحها باتفاق من أهلها، واستناب بها صلاح الدين، وعاد إلى الصعيد، وجبى أمواله. وتجمع الفرنج والمصريون، وحصروا صلاح الدين با لاسكندرية، فصبروا على الحصار إلى أن عاد أسد الدين، فوقع الصلح على أن بذلوا لأسد الدين خمسين ألف دينار، سوى ما أخذ من البلاد، وأن الفرنج لا يقيمون في البلاد، فاصطلحوا على ذلك، وعاد إلى الشام، وتسلم المصريون الاسكندرية. توسع نور الدين وأما نور الدين فإنه جمع العساكر في هذه السنة، ودخل من حمص إلى بلاد الفرنج، فنازل عرقة، ونهب بلدها، وخرب بلادهم، وفتح صافيتا والعريمة، وعاد إلى حمص، وخرج إلى بانياس، وخرج إلى هونين، فانهزم الفرنج عنه وأحرقوه، فوصل إليه نور الدين من الغد، فخرب سوره وعاد. وكان حسان صاحب منبج قد مات، وأقطع نور الدين منبج ولده غازي بن حسان، فعصى عليه في هذه السنة، فسير إليه عسكراً، وأخذوها منه فأقطعها أخاه قطب الدين ينال بن حسان، وهو ائذي ابتنى المدرسة الحنفية بمنبج. وفي سنة ثلاث وستين وخمسمائة، نزل شهاب الدين مالك بن علي بن مالك صاحب قلعة جعبر ليتصيد، فأخذه بنو كلاب أسيراً وحملوه إلى نور الدين في رجب، فاعتقله وأحسن إليه، ورغبه في الأقطاع فلم يجبه، فعدل إلى الشدة والعنف. ثم سير إليها عسكراً فلم يقدر على فتحها، فعدل إلى اللين مع صاحبها،

стр. 330

إلى أن اتفق الحال على أن عوضه عنها بسروج وبزاعا والملوحة، وسلم إليه القلعة في سنة أربع وستين، وقيل لمالك: " أيما أحب إليك سروجاً أو القلعة؟ فقال: هذه أكثر مالاً، وأما العز ففارقناه بالقلعة. وفي هذه السنة أطلق نور الدين في بلاده بعض ما كان قد بقي من المظالم والمؤن. ثم إن الفرنج طمعوا في الديار المصرية فصعدوا إليها في سنة أربع وستين وخمسمائة، وأخذوا بلبيس وساروا إلى القاهرة فقاتلوها، وسير العاضد يستغيث إلى نور الدين، وسير شعور نسائه في الكتب، فوصله الرسول وهو بحلب، وبذل له ثلث بلاد مصر، وأن يكون أسد الدين مقيماً عندهم. قتل شاور وموت أسد الدين وكتبوا إلى أسد الدين بمثل ذلك، فوصل إلى نور الدين إلى حلب من حمص وقد عزم على الايفاد إليه، فأمره بالتجهز إلى مصر، وأعطاه مائتي ألف دينار سوى الثياب والسلاح والدواب، وحكمه في العسكر والخزائن فاختار ألفي فارس، وأخذ المال وجمع ستة آلاف فارس، وسار هو ونور الدين إلى دمشق فوصلها سلخ صفر، ورحل إلى رأس الماء. وأضاف إلى أسد الدين جماعة أخرى من الأمراء منهم: عز الدين جورديك وغرس الدين قلج، وشرف الدين برغش، وعين الدولة بن ياروق، وقطب الدين ينال بن حسان، وصلاح الدين ابن أخيه. وسار أسد الدين، فلما قارب مصر رحل عنها الفرنج إلى بلادهم، ووصل أسد الدين إلى القاهرة سابع جمادى الآخرة، ودخل إليها واجتمع بالعاضد، وخلع عليه وعاد إلى خيامه، وفي نفس شاور منه ما فيها، ولا يتجاسر على إظهاره.

стр. 331

وكان شاور يخرج في الأحيان إلى أسد الدين يجتمع به، فخرج في بعض الأيام على عادته فلم يجده في الخيام، وكان قد مضى لزيارة قبر الشافعي ﵁ فلقيه صلاح الدين، وجورديك، في جمع من العسكر وخدموه، وأعلموه أن أسد الدين قد مضى للزيارة فقال: نمضي إليه فساروا جميعاً، فساوره صلاح الدين وجورديك، وألقياه إلى الأرض، فهرب عنه أصحابه وأخذ أسيراً. وأرسلوا إلى أسد الدين فحضر في الحال، وجاءه التوقيع في الحال بالوزارة على يد خادم خاص، ويقول: لا بد من رأسه، جرياً على عادتهم في وزرائهم أن الذي يقوى على الآخر يقتله. فقتل وأنفذ رأسه إلى العاضد. وأنفذ إلى أسد الدين خلعة الوزارة، فسار ودخل القصر، وترتب وزيراً في سابع عشر شهر ربيع الآخر، ودام آمراً ناهياً إلى أن عرض له خوانيق، فمات في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة. وزارة صلاح الدين وفوض الأمر بعده إلى ابن أخيه، وكان جماعة من الأمراء الذين كانوا مع أسد الدين قد تطاولوا إلى الوزارة، منهم: عين الدولة بن ياروق، وسيف الدين المشطوب، وشهاب الدين محمود الحارمي خال السلطان صلاح الدين وقطب الدين ينال بن حسان. فأرسل العاضد إلى صلاح الدين، وأحضره، عنده، وولاه الوزارة بعد عمه، وخلع عليه، ولقبه بالملك الناصر، فاستتبت أحواله، وبذل المال، وتاب عن شرب الخمر، وأخذ في الجد والتشمير في أموره كلها، وكان الفقيه عيسى الهكاري معه، فميل الأمراء الذين كانوا قد طمعوا بالوزارة إلى الانقياد إليه، فأجابوا سوى عين الدولة بن ياروق، فإنه امتنع، وعاد إلى نور الدين إلى الشام. فاستمر الملك الناصر بالديار المصرية وزيراً، وهو نائب عن نور الدين، وكان إذا كتب إليه كتاباً يكتب: الأمير الاسفهسلار، وكافة الأمراء بالديار

стр. 332

المصرية يفعلون كذا. وتكتب العلامة على رأس الكتاب، ولا يذكر اسمه. وسير الملك الناصر، وطلب أباه نجم الدين وأهله، فسيرهم نور الدين إليه مع عسكر، واجتمع معهم من التجار خلق عظيم، وذلك في سنة خمس وستين. وخاف نور الدين عليهم من الفرنج، فسار في عساكره إلى الكرك فحصره ونصب عليه المجانيق، فتجمع الفرنج، وساروا إليه وتقدمهم ابن الهنفري، وابن الدقيق، فرحل نور الدين نحوهما قبل أن تلحقهما بقية عساكر الفرنج فرجعا خوفاً منه واجتمعا ببقية الفرنج. وسلك نور الدين وسط بلادهم، وأحرق ما في طريقه إلى أن وصل إلى بلاد الاسلام، فنزل على عشترا على عزم الغزاة، فأتاه خبر الزلازل الحادثة بالشام، فإنها خربت حلب خراباً شنيعاً، وخرج أهلها إلى ظاهرها. من الزلازل إلى وفاة قطب الدين وتواترت الزلازل بها أياماً متعددة، وكانت في ثاني عشر شوال من السنة يوم الاثنين طلوع الشمس، وهلك من الناس ما يريد على خمسة آلاف نفر ذكر وأنثى، وكان قد احترق جامع حلب وما يجاوره من الأسواق قبل ذلك في سنة أربع وستين وخمسمائة، فاهتم نور الدين في عمارته وإعادته والأسواق التي تليه إلى ما كانت عليه. وقيل: إن الاسماعيلية أحرقوه. وبلغه أيضاً وفاة مجد الدين ابن دايته، أخيه من الرضاعة بحلب، في شهر رمضان سنة خمس وستين وخمسمائة، فتوجه نور الدين إلى حلب، فوجد أسوارها وأسواقها قد تهدمت. ونزل على ظاهر حلب حتى أحكم عمارة جميع أسوارها، وبنى الفصيل الدائر على البلد، وهو سور ثان. ورمم نوابه ما خرب من الحصون والقلاع مثل بعلبك، وحمص وحماة، وبارين، وغيرها.

стр. 333

وخرج نور الدين إلى تل باشر، فوصله الخبر بوفاة أخيه قطب الدين بالموصل في ذي الحجة، وكان أوصى بالملك لابنه الأكبر عماد الدين زنكي، وكان طوع عمه نور الدين لكثرة مقامه عنده، ولأنه زوج ابنته. ثم إن فخر الدين عبد المسيح وخاتون ابنة تمرتاش بن إيلغاري زوجة قطب الدين، وهي والدة سيف الدين غازي بن قطب الدين اتفقا على صرف قطب الدين عن وصيته لابنه عماد الدين إلى سيف الدين غازي. فرحل عماد الدين إلى عمه نور الدين مستنصراً به ليعينه على أخذ الملك له، فسار نور الدين في سنة ست وستين وخمسمائة، وعبر الفرات عند قلعة جعبر في مستهل المحرم، وقصد الرقة فحصرها وأخذها، ثم سار في الخابور، فملكه جميعه، وملك نصيبين، وأقام بها يجمع العساكر، وكانت أكثر عساكره في الشام في مقابلة الفرنج. فلما اجتمعت العساكر سار إلى سنجار فحصرها، ونصب عليها المجانيق، وفتحها فسلمها إلى عماد الدين زنكي ابن أخيه، وجاءته كتب الأمراء بالموصل يبذلون له الطاعة، ويحثونه على الوصول إليهم، فسار إلى الموصل. وكان سيف الدين غازي وعبد المسيح قد سيرا عز الدين مسعود بن قطب الدين إلى أتابك شمس الدين إيلدكز صاحب أذربيجان وأصبهان، يستنجدانه على نور الدين، فأرسل إيلدكز إليه رسولاً ينهاه عن التعرض للموصل فقال نور الدين: قل لصاحبك أنا أصلح لأولاد أخي منك، فلا تدخل بيننا، وعند الفراغ من إصلاح بلادهم يكون لي معك الحديث على باب همذان، فإنك قد ملكت هذه المملكة العظيمة، وأهملت الثغور حتى غلب الكرج عليها، وقد بليت أنا ولي مثل ربع بلادك بالفرنج، فأخذت معظم بلادهم، وأسرت ملوكهم. وأقام على الموصل فعزم من بها من الأمراء على مجاهرة عبد المسيح بالعصيان، وتسليم البلد إلى نور الدين، فعلم بذلك، فأرسل إلى نور الدين في تسليم

стр. 334

البلد على أن يقره بيد سيف الدين، وطلب الأمان لنفسه وعلى أن يمضي صحبته إلى الشام، ويقطعه ما يرضيه فتسلم البلد، وأبقى فيه سيف الدين غازي. وعاد إلى حلب فدخلها في شعبان من هذه السنة. انتقال الخطبة من الفاطميين إلى العباسيين وكتب إلى الملك النصر صلاح الدين يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة المستضيئية العباسية، فامتنع واعتذر بالخوف من قيام أهل الديار المصرية عليه، وكان يؤثر أن لا يقطع الخطبة للمصريين في ذلك الوقت، خوفاً من نور الدين أن يدخل إلى الديار المصرية فيأخذها منه، وإذا كان العاضد معه امتنع وأهل مصر معه، فلم يقبل عذره نور الدين، وألح عليه. وكان العاضد مريضاً فخطب للمستضيء في الديار المصرية. وتوفي العاضد، ولم يعلم بقطع الخطبة. وقيل: أنه علم قبل موته، وكان ذلك في سنة سبع وستين وخمسمائة. وفي هذه السنة تتبع نور الدين رسوم المظالم والمؤن في جميع البلاد التي بيده، فأزالها وعفى رسومها ومحا آثار المنكرات والفواحش، بعدما كان أطلق من ذلك في تواريخ متقدمة، وكان مبلغ ما أطلقه أولاً وثانياً خمسمائة ألف وستة وثمانين ألفاً وأربعمائة وستين ديناراً. وكان رأى وزيره موفق الدين خالد بن القيسراني في المنام كأنه يفضل ثياب نور الدين، ففسر ذلك عليه، ففكر في ذلك ولم يرد عليه جواباً، فخجل وزيره وبقي أياماً واستدعاه، وقال: تعالى يا خالد، اغسل ثيابي، وأمره فكتب توقيعاً بإزالة ما ذكرناه. تراجع صلاح الدين الأيوبي وسار الملك الناصر من مصر غازياً، فنازل حصن الشوبك وحصره، فطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة أيام، فلما سمع نور الدين بذلك سار عن دمشق، فدخل

стр. 335

بلاد الفرنج من الجهة الأخرى، فقيل للملك الناصر: إن دخل نور الدين من جانب وأنت من هذا الجانب ملك بلاد الفرنج، فلا يبقى لك معه بديار مصر مقام، وإن جاء وأنت ههنا فلا بد لك من الإجتماع به، وببقى هو المتحكم فيك بما شاء، والمصلحة الرجوع إلى مصر. فرحل عن الشوبك إلى مصر، وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال أمور الديار المصرية وأن شيعتها عزموا على الوثوب بها، فلم يقبل نور الدين عذره، وتغير عليه وعزم على الدخول إلى الديار المصرية. فسمع الملك الناصر، فجمع أباه نجم الدين وخاله شهاب الدين، وتقي الدين عمر، وغيرهم من الأمراء، وأعلمهم ما بلغه من حركة نور الدين واستشارهم، فلم يجبه أحد، فقام تقي الدين، وقال: إذا جاءنا قاتلناه. ووافقه غيره من أهله، فشتمهم نجم الدين أيوب والد الملك الناصر، وأقعد تقي الدين، وقال للملك الناصر: أنا أبوك، وهذا شهاب الدين خالك، ونحن أكثر محبة لك من جميع من ترى، ووالله لو رأيت أنا وهذا خالك نور الدين لم يمكننا إلا أن نقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا. فإذا كنا نحن هكذا، فما ظنك بغيرنا، وكل من نراه عندك، فهو كذلك، وهذه البلاد لنور الدين، ونحن مماليكه ونوابه فيها، فإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا، والرأي أن تكتب كتاباً مع نجاب وتقول له: بلغني أنك تريد الحركة لأجل البلاد، ولا حاجة إلى ذلك بل يرسل المولى نجاباً يضع في رقبتي منديلاً، ويأخذني إليك. وتفرقوا. فلما خلا نجم الدين أيوب بالملك الناصر قال له: كيف فعلت مثل هذا؟ أما تعلم أن نور الدين إذا سمع عزمنا على منعه ومحاربته جعلنا أهم الوجوه إليه، وحينئذ لا نقوى به، وأما إذا بلغه طاعتنا له تركنا واشتغل بغيرنا والأقدار بيد الله، ووالله لو أراد نور الدين قصبة من قصب السكر لقاتلته عليها حتى أمنعه أو أقتل. ففعل ما

стр. 336

أشار به عليه والده فترك نور الدين قصده، واشتغل بغيره. وخرج نور الدين بالعساكر، ففتح حصن عرقة، وصافيتا، وعريمة، ونهب وخرب بلاد الفرنج ثم هادنهم. ثم إن الفرنج ساروا إلى بلد حوران في سنة ثمان وستين للغارة، فسار نور الدين إليهم، فنزل عشترا، وسير عسكره إلى أعمال طبرية، فغنموا غنائم عظيمة، وعادوا. وكان نور الدين قد استخدم مليح بن لاون، ملك الأرمن، وأقطعه أقطاعاً من بلاد الإسلام، وحضر معه حروباً متعددة فأنجده في هذه السنة بطائفة من عسكره، فدخل مليح إلى أذنة وطرسوس والمصيصة، وفتحها من يد ملك الروم، وأرسل إلى نور الدين كثيراً من غنائمهم وثلاثين أسيراً من أعيانهم. وقصد قلج أرسلان ذا النون بن الدانشمند صاحب ملطية وسيواس، وأخذ بلاده، وأخرجه عنها طريداً، فاستجار بنور الدين، ووصل إليه فأكرمه، وسير إلى قلج أرسلان يشفع إليه في إعادة بلاده إليه، فلم يفعل، فسار نور الدين إليه في هذه السنة فابتدأ بكيسوم، وبهسنى، ومرعش، ومرزبان، وما يليها. وكان ملكه مرعش، وفي أوائل ذي القعدة، والباقي بعدها. وسير طائفة من عسكره إلى سيواس، فملكها وراسله قلج أرسلان في الصلح، وأتاه من أخبار الفرنج ما أزعجه فصالحه، وأعطى سيواس ذا النون، وجعل معه قطعة من عسكره، وشرط على قلج أرسلان إنجاده بعساكره إلى الغزاة. التراجع الثاني واتفق نور الدين وصلاح الدين على أن يصل كل واحد منهما من جهته، وتواعدا على يوم معلوم على أن يتفقا على قتال الفرنج، وأيهما سبق أقام للآخر

стр. 337

منتظراً، إلى أن يقدم عليه، فسبق صلاح الدين ووصل إلى الكرك وحصره. وسار نور الدين فوصل إلى الرقيم وبينه وبين الكرك مرحلتان فخاف صلاح الدين، واتفق رأيه ورأي أهله على العود إلى مصر لعلمهم بأنهما متى اجتمعما كان نور الدين قادراً على أخذ مصر منه. فعاد إلى مصر وأرسل الفقيه عيسى إلى نور الدين يعتذر عن رحيله بأنه كان استخلف أباه نجم الدين أيوب على مصر، وأنه بلغه أنه مريض، ويخاف أن يحدث به حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم، ولم يكن مريضاً، وأرسل مع الفقيه عيسى من التحف والهدايا ما يجل عن الوصف، فجاء إليه فأعلمه برسالة صلاح الدين، فعظم ذلك عليه ولم يظهر التأثر بذلك، وقال: حفظ مصر أهم عندنا. موت والد صلاح الدين ثم موت نور الدين واتفق أن صلاح الدين وصل إلى مصر فوجد أباه قد سقط عن الفرس، وبقي أياماً ومات، وهو غائب عنه، في السابع والعشرين من ذي الحجة من سنة ثمان وستين وخمسمائة. وخاف صلاح الدين من نور الدين أن يدخل مصر فيأخذها منهم، فشرع في تحصيل مملكة أخرى لتكون عدة له بحيث أن نور الدين إن غلبه إلى الديار المصرية سار هو وأهله إليها وأقاموا بها. فسير أخاه الأكبر تورانشاه بإذن نور الدين له في ذلك، وسيره قاصداً عبد النبي ابن مهدي، وكان دعا إلى نفسه، وقطع خطبة بني العباس، فمضى إليها، وفتح زبيد وعدن ومعظم بلاد اليمن.

стр. 338

وصلاح الدين على ما كان عليه من الطاعة في الظاهر لنور الدين إلى أن اتفق أن مرض نور الدين بعلة الخوانيق بدمشق، وتوفي بها يوم الأربعاء حادي عشر شوال من سنة تسع وستين وخمسمائة، وكان قد شرع في التأهب للدخول إلى الديار المصرية وختن ولده الملك الصالح اسماعيل بدمشق، في خامس شوال، وأخرج صدقات كثيرة وكسوات للأيتام الدين ختنهم معه. واتسع ملكه بحيث خطب له بالحرمين الشريفين وبلاد اليمن التي افتتحهما شمس الملوك، وانعمر بلد حلب في زمانه لعدله وحسن سيرته حتى لم تبق مزرعة في جبل ولا واد إلا وفيها سكان ولها مغل. وصار على ظاهر حلب من العمارة والمساكن أكثر من المدينة، مثل الحاضر السليماني، وخارج باب الأربعين، وغير ذلك من الأبواب جميعها. وارتفعت الأسعار مع كثرة المغلات لكثرة العالم، حتى كانت الأسعار في السنة التي مات فيها بعد ذلك الرخص في السنة التي مات فيها والده: الحنطة مكوك ونصف بدينار، والشعير مكوكان ونصف بدينار، والعدس مكوك ونصف بدينار، والجلبان كذلك، والقطن ستة أرطال جوز بدينار.

стр. 339

القسم الرابع والعشرون الخطبة والحداد وقام الملك الصالح بالملك بعده. وكان عمره إحدى عشرة سنة، وحلف له الأمراء بدمشق. وخطب له الملك الناصر صلاح الدين بمصر، وأرسل إليه رسولاً يعزيه، ومعه دنانير مصرية عليها اسمه، ويعلمه أنه في طاعته، وأن الخطبة أقيمت له بمصر. وأما حلب فكان الوالي بقلعتها جمال الدين شاذبخت الخادم الهندي، عتيق نور الدين وهو الذي بنى المدرسة، لأصحاب أبي حنيفة بحلب، وقبر بها، فوصله كتاب الطير بوفاة نور الدين، فأمر في الحال بضرب الدبادب، والكوسات، والبوقات. وأحضر المقدمين والأعيان بحلب، والفقهاء والأمراء، وقال: قد وصل كتاب الطائر، يخبر أن مولانا الملك العادل قد ختن ولده، وولاه العهد بعده، ومشى بين يديه. فأظهروا السرور بذلك، وحمدوا الله تعالى، فقال لهم: تحلفون لولده الملك الصالح، كما أمر الملك العادل بأن حلب له، وأن طاعتكم له وخدمتكم، كما كانت لأبيه. فحلف الناس على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، في ذلك اليوم، ولم يترك أحداً منهم يزول من مكانه.

стр. 340

ثم قام إلى مجلس آخر، ولبس ثياب الحداد، وخرج إليهم وقال: يحسن الله عزاءكم في الملك العادل، فإن الله قد نقله إلى جنات النعيم. وتوجه المؤيد بن العميد، وعثمان زردك، وهمام الدين إلى حلب، لإثبات ما في الخزائن بحلب، وختمها بخاتم الملك الصالح. وكان وزير الملك العادل نور الدين: موفق الدين خالد بن محمد بن نصر بن القيسراني، رسولاً عنه بمصر. فاتفق رأي الجماعة على أن ولوا وزارة الملك الصالح: شهاب الدين أبا صالح عبد الرحيم بن أبي طالب بن العجمي، وكان عدلاً على خزائن نور الدين. وكان شمس الدين علي، ابن داية نور الدين، أخو مجد الدين لأمه، من أكبر الأمراء النورية، وأمر حلب راجع إليه وإلى إخوته في أيام نور الدين. وكان بحلب عند موت نور الدين، وسابق الدين عثمان وبدر الدين حسن أخواه، فتولى شمس الدين علي تدبير حلب، وصعد إلى القلعة، وحصل بها مع شاذبخت، والأمير بدر الدين حسن متولي الشحنكية بالمدينة. استقلال سيف الدين غازي ببلاد الجزيرة وكان نور الدين قد سير إلى الموصل وغيرها من البلاد يستدعي العساكر، بحجة الغزاة، ومقصوده الطلوع إلى مصر، فسار سيف الدين غازي بعسكر الموصل، وعلى مقدمته سعد الدين كمشتكين الخادم، وكان قد جعله نور الدين والياً من قبله بالموصل. فلما كانوا ببعض الطريق، وصلتهم الأخبار بموت نور الدين فهرب سعد الدين كمشتكين إلى حلب جريدة. وأما سيف الدين فإنه أخذ بلاد الجزيرة جميعها، سوى قلعة جعبر، فأرسل

стр. 341

شمس الدين علي ابن الداية يطلب الملك الصالح إلى حلب، ليمنع سيف الدين ابن عمه من البلاد الجزرية. فلم يمكنه الأمراء الذين معه بدمشق من الانتقال إلى حلب خوفاً أن يغلبهم عليه شمس الدين علي. وكان شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم قد صار متولي تدبيره بدمشق، وكمال الدين بن الشهزروري وجماعة من الأمراء معه. وكان قد أشار كمال الدين على الأمراء بمشاورة الملك الناصر فيما يفعلونه، لئلا يجعل ذلك حجة عليهم، فخافوا منه ولم يفعلوا. حصار بانياس الداخل وخرج الفرنج، وحصروا قلعة بانياس فراسلهم ابن المقدم، وبذل لهم مالاً، وخوفهم بالاستنجاد بصلاح الدين وسيف الدين، فعادوا. وبلغ ذلك كله الملك الناصر صلاح الدين، فأرسل صلاح الدين إلى الملك الصالح، وعتب عليه حيث لم يعلمه بما تجدد من سيف الدين في أخذ الجزيرة ليحضر ويكفه. وأنكر صلح الفرنج وبذل المال لهم، وبذل من نفسه قصد الفرنج، وكفهم عن التطاول إلى شيء من بلاد الملك الصالح. وكتب إلى كمال الدين وابن المقدم، والأمراء، وقال: لو أن نور الدين يعلم أن فيكم من يقوم مقامي، أو يثق بي مثلي لسلم إليه مصر، ولو لم يعجل عليه الموت لعهد إلي بتربية ولده. وأراكم قد تفردتم بمولاي وابن مولاي دوني،

стр. 342

وسوف أصل إلى خدمته، وآكافي إنعام أبيه، وأجازي كلا منكم على فعله. المراسلات في شأن الملك الصالح وكثر خوف شمس الدين علي ابن الداية من سيف الدين غازي، وأن يعبر الفرات إلى حلب فيملكها، فأرسل سعد الدين كمشتكين إلى دمشق، ليحضر الملك الصالح، فلما قارب دمشق سير إليه شمس الدين بن المقدم عسكراً، فنهبوه، وعاد منهزماً إلى حلب، فأخلف عليه شمس الدين علي ابن الداية، عوضاً عما أخذ منه. ثم إن الأمراء بدمشق، اتفقوا على إرسال الملك الصالح إلى ابن الداية بحلب لأنها أم البلاد، فأنفذوا إليه يطلبون إرسال سعد الدين ليأخذ الملك الصالح، فوصل إليهم سعد الدين كمشتكين، واتفقوا على أن يكون شمس الدين علي أتابكاً للملك الصالح. وحلف شمس الدين وجمال الدين شاذبخت للأمراء على أقطاعهم، ونفذت النسخة مع سابق الدين عثمان إلى دمشق. وسار الملك الصالح وأمه مع سعد الدين كمشتكين والأمراء الذين أقطاعهم بحلب، ولما وصلوا ما بين حماه وحلب وصل من جمال الدين شاذبخت من خوف الأمراء من بني الداية، فقبضوا سابق الدين عثمان، بقنسرين، وكتموا الحال، ووصلوا إلى باب حلب، فخرج بدر الدين حسن، فقبضوه، ودخلوا من باب الميدان وقد عمل به الخوان، فلم يلتفتوا إليه، وبادروا بالملك الصالح، وصعدوا به إلى القلعة. وكان بشمس الدين علي نقرس، فحمل في محفة، وحضر بين يدي الملك الصالح، فزندوا يديه، وقيدوا أخويه، وجعلوا الجميع في المطمورة، بالمركز.

стр. 343

وكان شاذبخت قد احتاط، واستخدم جماعة من الأجناد، فصار في مقدار خمسمائة راجل، وشمس الدين في مقدار مائة، وأمر اسباسلار باب القلعة أبا بكر بن مقبل: أن يمنع من يصعد إلى القلعة من أصحابه وأصحاب إخوته، ما خلا سابق الدين وبدر الدين. فكانا يصعدان، ومع كل واحد منهما غلام واحد ووكل بباب شمس الدين ثلاثين رجلاً كل ليلة، فعتب على شاذبخت فقال له: أنا أبعث الرجال إليك، ليقوموا في الخدمة. وكان يوكل بالأجناد الدين خالفوه حفظة يمنعون من يدخل منهم أو يخرج، وكان هذا حال القلعة، في غيبة الملك الصالح. الفتنة الطائفية وأما حال المدينة فإن السنة من أهل البلد مالوا إلى المجدية، لتعصبهم للسنة على الشيعة، وجمعهم بدر الدين حسن شحنة حلب، واستخلصهم في الليل. وكان فيهم بنو العجمي، والشيخ أبو يعلى بن أمين الدولة، وبنو قاضي بالس على ما ذكر وطلب القاضي أبا الفضل بن الخشاب وبني الطرسوسي، فأبوا أن يحضروا. وكان أهل حلب من الشيعة، يتوالون أبا الفضل بن الخشاب ويقدمونه عليهم، فوافقوه على حفظ البلد للملك الصالح، وعلى مخالفة بني الذاية. فسير بدر الدين حسن إلى ابن الخشاب، وقال له: إن جماعة عندي قذفوك، وتحدثوا بأنك تطعن في الدولة، وأنك تريد أن تملك حلب. وكان بدر الدين وأخواه أرادوا أن تقع الفتنة بحلب بين السنة والشيعة، ليستقيم أمرهم، فثار الغوغاء من الشيعة ونهبوا دار قطب الدين بن العجمي بالقرب من الزجاجين، ودار أبي يعلى بن أمين الدولة، بالجرن الأصفر. وكان فيها أموال الأيتام. وانتقل ابن العجمي بعد ذلك إلى البلاط، وابن أمين الدولة إلى تحت القلعة بالقرب من مسجد السيدة. وقتل في ذلك اليوم في مدرسة الزجاجين الشيخ أبو العباس المغربي، وكان مقرئاً محدثاً. وثارت الفتنة بين الطائفتين، وطلب الفقراء دور الأغنياء فنهبت دار أبي جعفر ابن المنذر بالعقبة، فجمع بدر الدين حسن جماعة من الأجناد ومن أهل البلد السنة ومن العسكر، وألبسهم السلاح، وصعد إلى شاذبخت، وقال له: إن أبا الفضل بن

стр. 344

الخشاب يريد أن يملك البلد وقد مال إليه الشيعة وبعض السنة، فتعينني بنقابين وزراقين حتى أقبض عليه، وأعتقله، إلى أن يحضر الملك الصالح. فأمر الأجناد بلبس السلاح والخروج معه، وصار بهم إلى تل فيروز وهو موضع سوق الصاغة الآن وكان إذ ذاك تلا. وأخذوا الفلايج والأبواب، وسدوا بها الدروب، وزحفوا من الطرق والأسطحة، إلى دار ابن الخشاب. ووقع قتال شديد، وقتل بين الفريقين جماعة كثيرة، وانتهى إلى الدار، فأحرقها ونهبها، ونهب أدر جماعة من المجاورين له. وانهزم القاضي أبو الفضل، واختفى في دار فخرا وابن كياعميد بالقرب من حمام شراحيل، فأقام بها إلى أن وصل الملك الصالح في المحرم، من سنة سبعين وخمسمائة، وصعد إلى القلعة، وقبض على بني الداية كما ذكرنا وصار الأمر والتدبير إلى سعد الدين كمشتكين الخادم، وهو الذي بني الخانكاه المنسوبة إليه بحلب، في جوارنا، وهي كانت دار أبي الطيب المتنبي، بحلب. وكان شمس الدين علي قد عزم على أن الملك الصالح إذا قدم أخذه بمفرده، وصعد به إلى القلعة. ولا يمكن أحداً من الأمراء من الصعود، ويطردهم، ويستقل بالأمور. فسير شاذبخت من أسر ذلك إلى الأمراء الدين كانوا في صحبة الملك الصالح فاتفق رأيهم في قنسرين على قبض أولاد الداية، وتحالفوا على أن قدموا كمشتكين، فلما رحلوا من قنسرين، بدأوا بسابق الدين، وكان قد وجه إلى دمشق في تقرير الأمور، فقبضوه، وحفظوا الطرق لئلا يصل إلى حلب من يخبر أخويه، إلى أن صعدوا إلى القلعة كما ذكرنا. وأما أبو الفضل بن الخشاب، فإن الملك الصالح أمنه، وسير له خاتماً، وركب إلى القلعة، ومعه خلق كثير من أهل حلب، وعوامها، يمشون في خدمته، وأكد أمره، وقرر على أن يقتل. فلما دخل إلى القلعة، ووصل قدام الفرن بالقلعة، ضربه علي أخو عز الدين جورديك فرماه. وجاء بعض أجناد القلعة فاحتز رأسه، وجعلوه على باب القلعة. ثم رفع على رمح إلى برج بالقلعة، يقال له برج الزيت وتفرق أصحابه من تحت القلعة، عند ذلك. واستو لى على دولة الملك الصالح أمير لالا المجاهد ياقوت، وهو الحاكم

стр. 345

عليه، وهو الذي رباه، وجمال الدين شاذبخت الهندي وهو والي القلعة والحاكم بها، وسعد الدين كمشتكين مقدم العساكر ومتولي إقطاعهم، وشهاب الدين أبو صالح بن العجمي، وزير الملك الصالح، فخاف. وولوا رئاسة حلب الريس صفي الدين طارق ابن الطريرة، وعزلوا أبا محمد الحكم، وكان يتولى الرئاسة في أيام نور الدين. فخاف ابن المقدم والأمراء، الدين بدمشق، أن يستقر أمر كمشتكين بحلب، فيأخذ الملك الصالح، ويسير إلى دمشق، ويفعل كما فعل بأولاد الداية. فكاتبوا سيف الدين غازي صاحب الموصل، ليصل إليهم، ويسلموا إليه دمشق، فخاف أن تكون مكيدة منهم، فامتنع من ذلك. وراسل سعد الدين كمشتكين والملك الصالح، وصالحهما على الجزيرة، وإبقائها في يده. استدعاء صلاح الدين الأيوبي إلى دمشق فخات الأمراء، بدمشق من اتفاق سيف الدين والملك الصالح عليهم، فكاتبوا الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، واستدعوه من مصر ليملكوه عليهم، فسار من مصر في سمبعمائة فارس، والفرنج في طريقه، فلم يبال بهم. فخرج إليه صاحب بصرى وكان ممن كاتبه. ولما وصل إلى دمشق خرج كل من كان بها من العسكر، والتقوه ودخل البلد، ونزل في دار أبيه المعروفة بدار العقيقي، وعصى عليه في القلعة خادم اسمه ريحان، فأعلمه أنه إنما جاء في خدمة الملك الصالح، فسلم إليه القلعة، وصعد الملك الناصر إليها، وأخذ ما فيها من الأموال، فاستعان به، وتزوج خاتون بنت معين الدين، وكانت زوجة نور الدين، واستخلف أخاه طغتكين سيف الإسلام.

стр. 346

مسيره إلى حمص وحماه وحلب وسار إلى حمص وحماة، وهما في أقطاع فخر الدين مسعود بن الزعفراني. وكان ظالماً، فسار منها بعد موت نور الدين، فملك الملك الناصر في حادي عشر جمادى الأولى، من سنة سبعين، مدينة حمص. وبقيت القلعة، وكان الولاة في القلاع من جهة نور الدين، فترك في البلد من يحفظه، ويمنع من في القلعة من النزول. وسار إلى حماة، فملك مدينتها مستهل جمادى الآخرة، وكان بالقلعة عز الدين جورديك، فأرسل إليه، وقال له: إني في طاعة الملك الصالح، والخطبة له في البلاد التي في يدي على حالها، والمقصود اتفاق الكلمة على طاعة الملك الصالح، وأن تسعد البلاد الجزرية وتحفظ بلاده. فاستحلفه جورديك على ذلك، وسيره إلى حلب في اجتماع الكلمة، وفي إطلاق شمس الدين علي وأخويه من السجن، وكان إقطاعهم قد قبض من نوابهم، ولم يبق في أيديهم غير شيزر وقلعة جعبر. واستخلف جورديك بقلعة حماة أخاه ليحفظها، فلما وصل جورديك قبض عليه كمشتكين، وسجنه، فعلم أخوه بذلك، فسلم قلعة حماه إلى الملك الناصر. وسار الملك الناصر إلى حلب، فوصلها في ثالث جمادى الآخرة من سنة سبعين، وحصرها. فركب الملك الصالح، وهو صبي عمره اثنتا عشرة سنة، وجمع أهل حلب، وقال لهم: أنا يتيمكم، وقد عرفتم إحسان أبي إليكم، وقد جاء هذا الظالم ينترع ملكي. وقال أقوالاً كثيرة. وبكى فأبكى الناس، وبذلوا أنفسهم وأموالهم له، واتفقوا على القتال دونه، والذب عنه. فجعل الحلبيون يخرجون، ويقاتلون الملك الناصر عند جبل جوشن فلا يقدر أن يتقرب إلى البلد وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية،

стр. 347

وبذل له أموالاً كثيرة ليقتل الملك الناصر، فقفزوا عليه، فحماه الله منهم، وقتلوا. وبقي محاصراً حلب إلى سلخ جمادى الآخرة، وكان كمشتكين قد أرسل إلى سيف الدين غازي يستنجده، وكان ريمند صاحب طرابلس الذي أسره نور الدين قد أطلقه كمشتكين بمائة ألف وخمسين ألفا صورية، في هذه السنة. وصار موضع مري ملك الفرنج، فأرسل من بحلب إليه يطلبون منه أن يقصد بعض البلاد التي بيد الملك الناصر، ليرحل عنهم، فسار إلى حمص ونازلها، فرحل الملك الناصر عن حلب، مستهل شهر رجب. فلما نزل الرستن رحل الفرنج عن حمص، ووصل الملك الناصر إليها، وحصر قلعتها إلى أن تسلمها. من بعلبك إلى قرون حماة وسار إلى بعلبك، فتسلمها وقلعتها، فى رابع شهر رمضان، من سنة سبعين وخمسمائة. وأما سيف الدين غازي فإنه جمع عساكره، وكاتب أخاه عماد الدين زنكي صاحب سنجار، لينزل إليه بعساكره ليجتمعا على نصرة الملك الصالح، فامتنع. وكان الملك الناصر قد كاتبه، وأطمعه في ملك الموصل، لأنه الكبير من أولاد أبيه، فمضى سيف الدين إلى سنجار محاصراً لها، وسير عسكراً كثيراً إلى حلب مع أخيه عز الدين مسعود، مع أكبر أمرائه زلفندار، فوصل عز الدين إلى حلب،

стр. 348

واجتمعت عساكر حلب معه، وساروا إلى حماه، فقاتلوها. فأرسل الملك الناصر، وبذل لهم تسليم حمص وحماة، وأن يقر بيده دمشق، وأن يكون فيها نائباً عن الملك الصالح، فلم يجيبوه إلى ذلك. وقالوا. لا بد من تسليم جميع ما أخذه من الشام، وعوده إلى مصر. فسار الملك الناصر إلى عز الدين وزلفندار، فالتقوا في تاسع عشر شهر رمضان، على قرون حماة. فانهزم عسكر الموصل، وثبت عز الدين بعد الهزيمة، فقال الملك الناصر: إما أن يكون هذا أشجع الناس، أو أنه لا يعرف الحرب. وأمر أصحابه فحملوا عليه حتى أزالوه عن موقفه، وتمت الهزيمة، وتبعهم الملك الناصر، وغنموا غنائم كثيرة، وأسر جماعة كثيرة، فأطلقهم. بعد صلح تحرك صاحب الموصل ونزل الملك الناصر على حلب، محاصراً لها، وقطع حينئذ خطبة الملك الصالح، وأزال اسمه عن السكة في بلاده، فلما طال الأمر عليهم راسلوه في الصلح، على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام، ولهم ما بأيديهم، وأخذ المعرة، وكفر طاب، وانتظم الحال بينهم على ذلك. ورحل عن حلب، في العشر الأول من شوال، إلى حماة، فوصلته خلع الخليفة بها مع رسوله. ووصل خبر الكسرة إلى سيف الدين، وهو محاصر سنجار، فصالح عماد الدين على ما بيده، ورحل إلى الموصل، وشرع في جمع العساكر. وسار الملك الناصر من حماة إلى بارين، وفيها نائب عز الدين ابن الزعفراني، ولم يبق بيده غيرها، فحصرها إلى أن سلمها واليها إليه بالأمان، فعاد إلى حماة، وأقطعها خاله شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي، وأقطع حمص ناصر الدين محمد ابن عمه أسد الدين، وعاد إلى دمشق.

стр. 349

وخرج سيف الدين غازي صاحب الموصل، في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وسار إلى نصيبين، واستنجد صاحب حصن كيفا وصاحب ماردين، فاجتمع معه عسكر كثير بلغت عدتهم ستة آلاف فارس. وأقام بنصيبين حتى خرج الشتاء، فضجرت العساكر وفنيت نفقاتهم. ثم سار إلى حلب، فعبر ب البيرة وخيم على جانب الفرات الشامي، وراسل كمشتكين والملك الصالح، لتستقر قاعدة يصل عليها إليهم. ووصل كمشتكين إليه، وجرت مراجعات كثيرة، عزم فيها على العود مرارا، حتى استقر اجتماعه بالملك الصالح، وسمحوا به، فسار ووصل إلى حلب. وخرج الملك الصالح للقائه بنفسه، فالتقاه قريب القلعة، واعتنقه، وضمه إليه، وبكى، ثم أمره بالعود إلى القلعة فعاد، وسار هو، فنزل بعين المباركة، وأقام بها مدة، وعسكر حلب تخرج إلى خدمته في كل يوم، وصعد إلى قلعة حلب جريدة، وأكل فيها شيئاً، ونزل، وسار منها إلى تل السلطان، ومعه عسكر حلب، مضافاً إلى العساكر الواصلة معه. وخرج رجل ادعى أنه المنتظر، وادعى النبوة بجبل ليلون، واستغوى أهل تلك الناحية، وأظهر لهم زخارف، ومحالاً، وقال لهم: إذا جاء العسكر إليكم، فسوف أرميهم بكف من تراب فأهلكهم وأغاروا على تركمان بجبل سمعان وكان مقيماً بأتباعه بكفرند، فخرج طمان من العسكر، وسعد الدين كمشتكين بجماعة من العسكر، ووصلوا إليهم، فجعل أتباعه يصيحون: وعدك يا مولانا! والسيف يعمل فيهم، فألقى التراب، فزحف إليه العسكر، وقتل الرجال وسبى

стр. 350

النساء، والتجأ جماعة إلى المغاير، فاستخرجوهم ولم يبقوا إلا على من أسلم منهم، ودخنوا على جماعة في المغاير، فماتوا، ثم عاد العسكر إلى تل السلطان، بعد أن قتل وصلب. وكان الملك الناصر بدمشق في قل من العسكر، لانه كان قد سيرها إلى مصر، وأنفذ إليها يستدعيها، فلو عاجله سيف الدين لبلغ منه غرضاً لكنه تأخر، فوصل عسكر مصر إلى الملك الناصر. صلاح الدين وسيف الدين في تل السلطان فسار من دمشق إلى ناحية حلب، ليلقى سيف الدين، فالتقاه بتل السلطان، وكان سيف الدين قد سبقه إلى تل السلطان، فوصل الملك الناصر العصر، وقد تعب هو وأصحابه وعطشوا، فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس فيهم حركة. فأشير على سيف الدين بلقائهم في تلك الحالة، فقال زلفندار: ما بنا حاجة إلى القتال في هذه الساعة، وغداً بكرة نأخذهم كلهم. فترك القتال إلى الغد، فلما أصبحوا اصطفوا للقتال، فجعل زلفندار الأعلام في وهدة من الأرض، لا يراها إلا من هو قريب منها. فلما التقى الفريقان، ظن أكثر الناس أن سيف الدين قد انهزم، لأنهم لم يروا الأعلام، فانهزموا بعد أن كان مظفر الدين بن زين الدين وهو في الميمنة قد كسر ميسرة الملك الناصر. وولوا الأدبار، وأسر منهم جماعة فأطلقهم الملك الناصر، منهم: فخر الدين عبد المسيح، وأمسك عن تتبع العسكر، فلم يقتل غير رجل واحد، وذلك في يوم الخميس العاشر من شوال، سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.

стр. 351

ونزل الملك الناصر وعسكره، في بقية ذلك اليوم في خيم القوم، واستولوا على جميع ما فيها، وفرق الاصطبلات والخزائن، ووهب خيمة سيف الدين عز الدين فروخشاه. ووصل سيف الدين إلى حلب، وترك أخاه عز الدين في جماعة من العسكر، وعبر الفرات، وسار إلى الموصل. بزاعا ومنبج وعزاز ومحاولة قتل صلاح الدين ووصل الملك الناصر إلى حلب، يوم الأحد ثالث عشر شوال، فأقام عليها أربعة أيام، ورحل عنها، يوم الجمعة ثامن عشر شوال، فنزل بزاعا فحصرها وتسلمها يوم الاثنين العشرين من شوال. ورحل فنزل منبج، فحصرها، في التاسع والعشرين من شوال، وبها قطب الدين ينال بن حسان، وكان شديد العداوة للملك الناصر، وكان قد حنق عليه لذلك، فملك المدينة، ونقبت القلعة، فحصره بها، ونقبها النقابون، وملكها عنوة، وأخذ كل ما كان فيها، وأخذ صاحبها أسيراً، ثم أطلقه، فسار إلى الموصل، فأقطعه سيف الدين الرقة. ورحل الملك الناصر إلى عزاز فنازلها ثالث ذي القعدة وحصرها ونصب عليها المنجنيقات. وجلس يوماً في خيمة بعض أمرائه، ويقال له جاولي مقدم الأسدية، فوثب عليه باطني، فجرحه بسكين في رأسه، فرد المغفر عنه، وأمسك الملك الناصر يدي الباطني بيديه، إلا أنه لا يقدر على منعه من الضرب بالكلية، بل يضرب ضرباً ضعيفاً، فبقي الباطني يضربه بالسكين في رقبته، وكان عليه كراغند، فكانت

стр. 352

الضربات تقع في ريقه، والزرد يمنعها من الوصول. وجاء سيف الدين يازكج فأمسك السكين، فجرحه الباطني، ولم يطلقها من يده إلى أن قتل. وجاء باطنيان آخران فقتلا. وركب الملك الناصر إلى خيمته، ولازم حصار عزاز، حتى تسلمها بعد قتال شديد، في بكرة الأربعاء، ثاني عشر ذي الحجة. ورحل عنها إلى مرج دابق. حصار حلب والصلح ثم سار فنزل حلب، يوم الجمعة، منتصف ذي الحجة، وحصرها، وبها جماعة من العسكر، ومنع أهل البلد الملك الناصر من التقرب إلى البلد، وكانوا يخرجون إلى خيم المعسكر فيقاتلوه، وإذا مسك واحد منهم شرحت قدماه، فيمتنع من المشي، ولا يكفون عن القتال، وقام في نصرته السنة والشيعة من الحلبيين، وأعطي الشيعة الشرقية في المسجد الجامع، فكانوا يجتمعون بها للصلاة. واتفق أن الحلبيين اجتمعوا تحت القلعة، شاكين في السلاح، يستأذنون الملك الصالح في الخزوج إلى قتال العسكر، فدخل رسول من الملك الناصر، يقال له سعد الدين أبو حامد العجمي الكاتب، فصاح عوام الحلبيين: ما نصالح يا رسول، رح، ودع عنك الفضول. ورجموه بالحجارة، فخرج، واتبعوه إلى قريب من الخيام. ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح بين الملك الصالح، وسيف الدين صاحب الموصل، وصاحب الحصن، وصاحب ماردين، وبين الملك الناصر. وتحالفوا، واستقرت على أن يكونوا كلهم عوناً على الناكث الغادر، واستقر الصلح. ورحل الملك الناصر، في السادس عشر من محرم، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة.

стр. 353

ولما تقرر الصلح، أخرج الملك الصالح إلى الملك الناصر أخته بنت نور الدين، وكانت طفلة صغيرة، فأكرمها، وحمل لها شيئاً كثيراً، وقال لها ما تريدين؟ قالت: أريد قلعة عزاز وكانوا قد علموها ذلك فسلمها إليهم. أخبار الإسماعيلية ورحل إلى بلد الإسماعيلية، وحصرهم، ثم صالحهم بوساطة خاله محمود بن تكش، وسار بعساكره إلى مصر. وكان في شروط الصلح أن يطلق عز الدين جورديك، وشمس الدين علي ابن الداية، وأخواه سابق الدين، وبدر الدين. فسار أولاد الداية إلى الملك الناصر، فأكرمهم، وأنعم عليهم. وأما جورديك، فأقام في خدمة الملك الصالح، وعلم الجماعة براءته مما ظنوا به. وعصىغزس الدين قلج في تل خالد لأنه نسب إليه أمر أوجب وحشته، فحصل فيها بماله، وحصنها، فخرج إليه سعد الدين كمشتكين بالعسكر، ومعه طمان، فحصره مدة، فسير، واستشفع بالملك الناصر، فشفع فيه إلى الملك الناصر، فقبل الشفاعة وأمنه، فخرج بماله وأهله، وحاشيته، ومضى إلى منبج، فنزل بها عند الدويل، وكان الملك الناصر قد أقطعه إياها، وكان ذلك في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وفي هذه السنة، أظهر أهل جبل السماق الفسق والفجور، وتسموا بالصفاة، واختلط النساء والرجال في مجالس الشرب، ولا يمتنع أحدهم من أخته ولا بنته، ولبس النساء ثياب الرجال، وأعلن بعضهم بأن سناناً ربه. فسير الملك الصالح إليهم عسكر حلب، فهربوا من الجبل وتحصنوا في رؤوس الجبال، فأرسل سنان، وسأل فيهم، وأنكر حالتهم، وكانوا قد نسبوا ذلك إليه، وأنهم فعلوا ذلك بأمره، فأشار سعد الدين بقبول شفاعته فيهم، وعاد العسكر عنهم.

стр. 354

وشرع سنان في تتبع المقدمين منهم، فأهلكهم، وكان في الباب منهم جماعة فثار بهم البنوية من أهل ذلك البلد، وقاتلوهم من التركمان، فانهزموا واختبئوا في المغاير، فنهبوا دورهم، وعروا نساءهم، ودخنوا عليهم في المغاير، وقتلوا من أمكنهم قتله. ثم إن الاسماعيلية قزروا على الوزير شهاب الدين أبي صالح بن العجمي، يوم الجمعة رابع شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وكان السبب في ذلك أن أبا صالح كان يواطىء المجاهد اللالا وجمال الدين شاذبخت، على سعد الدين كمشتكين، ويحاولون حطه عن مرتبته. فعلم كمشتكين ذلك، فكتب كتاباً إلى سنان مقدم الإسماعيلية بالحصون، على لسان الملك الصالح، يلتمس منه قتل أبي صالح، واللالا، وشاذبخت. وكان قد أحضر الكتاب إلى الملك الصالح، وهو خارج إلى الصيد، وطلب خطه، وهو أبيض، لم يكتب فيه شيء أصلاً، وقال له: المولى خارج، ويحتاج أن يكتب كتاباً في أمر كذا وكذا، فيكتب المولى علامته. فكتب ثقة بأن الأمر كما ذكر. فكتب كمشتكين إلى سنان بالأمر الذي أراده، وسيره إليه، فلم يشك سنان في أن الأمر وقع من الملك الصالح، ليستقل بأموره وملكه. فندب جماعة لقتل المذكورين، فوثبوا على شهاب الدين أبي صالح، عندما خرج من باب الجامع الشرقي، بالقرب من داره، وقتل الإسماعيليان اللذان وثبا عليه. ثم وثب بعد ذلك بمدة ثلاثة منهم على اللالا، بالقرب من خانكاه القصر،. وتعلق بذيل بغلتاقه ليضربه بالسكين، فرفس اللالا الفرس، وخرج من البغلتاق!، فنجا. وأحاط الناس بالجماعة الذين قفزوا عليه، وفيهم اثنان كانا يترددان إلى ركابدار اللالا، فقتل أحدهما وصلب، وصلب الركابدار أيضاً، وكتب على صدره: هذا جزاء من يؤوي الملحدة.

стр. 355

وأما الآخر، فصعدوا به إلى القلعة، فضرب ضرباً عنيفاً، وثقب كعبه، ليقرر على السبب الذي أوجب وثوبهم، فقال للملك الصالح: أنت تبعث كتبك إلى مولانا سنان بقتل من أمرنا بقتله، ثم تنكر فعل ذلك؟ فقال: ما أمرت بشيء. وكتب إلى سنان يعتب عليه فيما فعل بأبي صالح واللالا. فقال: أنا ما فعلت شيئاً إلا بأمرك وخطك. وسير إليه كتاباً فيه علامته بقتل الثلاثة المذكورين، فعلم أن ذلك كان ميكدة من كمشتكين. وكان الإسماعيلية قد اجتهدوا في قتل شاذبخت، فلم يقدروا على الوثوب عليه، لشدة احترازه في القلعة، فعند ذلك وجد أعداء كمشتكين طريقاً للطعن عليه، وقالوا: لا إنما أراد قتل هؤلاء ليستقل بملكك، ويفعل فيه ما لا يقدر أن يفعله معهم، وأنه قد استصغرك، واحتقر أمرك. تحرك الفرنج بغياب صلاح الدين وكانت حارم لسعد الدين كمشتكين، أقطعه إياها الملك الصالح، حين أخذها من بدر الدين حسن، فأنهي إلى الملك الصالح أن سعد الدين يريد أن يسلمها إلى الفرنج، لأن أصله فرنجي، وأنه قد قرر معهم أن يبيعها عليهم بمال وافر. والدليل على صدق ذلك أنه أطلق من كان بالقلعة، من أسرى الفرنج، من أيام نور الدين، وأطلق البرنس أرناط، فقطع الطريق بالكرك، وسير أمواله من حلب وغيبها. وكتب إليه رجل من الفرنج يقال له، الفارس بدران بشيء من ذلك، وبعث بعدة كتب من سعد الدين إلى الفرنج، تشهد بما أنهاه، ولعله وضع ذلك كله عليه، حتى نالوا غرضهم منه. فقبض الملك الصالح على سعد الدين، في التاسع من شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث وسبعين، وكان قد جاء يطلب دستوراً إلى حارم، وطلب تسليمها منه، فامتنع. فحمل إليها تحت الحوطة، وجيء به إلى تحت قلعتها، وعذب،
следующие страницы →