← История

История · id 9872

زبدة الحلب في تاريخ حلب

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (491 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ونزل الملك الناصر وعسكره، في بقية ذلك اليوم في خيم القوم، واستولوا على جميع ما فيها، وفرق الاصطبلات والخزائن، ووهب خيمة سيف الدين عز الدين فروخشاه. ووصل سيف الدين إلى حلب، وترك أخاه عز الدين في جماعة من العسكر، وعبر الفرات، وسار إلى الموصل. بزاعا ومنبج وعزاز ومحاولة قتل صلاح الدين ووصل الملك الناصر إلى حلب، يوم الأحد ثالث عشر شوال، فأقام عليها أربعة أيام، ورحل عنها، يوم الجمعة ثامن عشر شوال، فنزل بزاعا فحصرها وتسلمها يوم الاثنين العشرين من شوال. ورحل فنزل منبج، فحصرها، في التاسع والعشرين من شوال، وبها قطب الدين ينال بن حسان، وكان شديد العداوة للملك الناصر، وكان قد حنق عليه لذلك، فملك المدينة، ونقبت القلعة، فحصره بها، ونقبها النقابون، وملكها عنوة، وأخذ كل ما كان فيها، وأخذ صاحبها أسيراً، ثم أطلقه، فسار إلى الموصل، فأقطعه سيف الدين الرقة. ورحل الملك الناصر إلى عزاز فنازلها ثالث ذي القعدة وحصرها ونصب عليها المنجنيقات. وجلس يوماً في خيمة بعض أمرائه، ويقال له جاولي مقدم الأسدية، فوثب عليه باطني، فجرحه بسكين في رأسه، فرد المغفر عنه، وأمسك الملك الناصر يدي الباطني بيديه، إلا أنه لا يقدر على منعه من الضرب بالكلية، بل يضرب ضرباً ضعيفاً، فبقي الباطني يضربه بالسكين في رقبته، وكان عليه كراغند، فكانت

стр. 352

الضربات تقع في ريقه، والزرد يمنعها من الوصول. وجاء سيف الدين يازكج فأمسك السكين، فجرحه الباطني، ولم يطلقها من يده إلى أن قتل. وجاء باطنيان آخران فقتلا. وركب الملك الناصر إلى خيمته، ولازم حصار عزاز، حتى تسلمها بعد قتال شديد، في بكرة الأربعاء، ثاني عشر ذي الحجة. ورحل عنها إلى مرج دابق. حصار حلب والصلح ثم سار فنزل حلب، يوم الجمعة، منتصف ذي الحجة، وحصرها، وبها جماعة من العسكر، ومنع أهل البلد الملك الناصر من التقرب إلى البلد، وكانوا يخرجون إلى خيم المعسكر فيقاتلوه، وإذا مسك واحد منهم شرحت قدماه، فيمتنع من المشي، ولا يكفون عن القتال، وقام في نصرته السنة والشيعة من الحلبيين، وأعطي الشيعة الشرقية في المسجد الجامع، فكانوا يجتمعون بها للصلاة. واتفق أن الحلبيين اجتمعوا تحت القلعة، شاكين في السلاح، يستأذنون الملك الصالح في الخزوج إلى قتال العسكر، فدخل رسول من الملك الناصر، يقال له سعد الدين أبو حامد العجمي الكاتب، فصاح عوام الحلبيين: ما نصالح يا رسول، رح، ودع عنك الفضول. ورجموه بالحجارة، فخرج، واتبعوه إلى قريب من الخيام. ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح بين الملك الصالح، وسيف الدين صاحب الموصل، وصاحب الحصن، وصاحب ماردين، وبين الملك الناصر. وتحالفوا، واستقرت على أن يكونوا كلهم عوناً على الناكث الغادر، واستقر الصلح. ورحل الملك الناصر، في السادس عشر من محرم، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة.

стр. 353

ولما تقرر الصلح، أخرج الملك الصالح إلى الملك الناصر أخته بنت نور الدين، وكانت طفلة صغيرة، فأكرمها، وحمل لها شيئاً كثيراً، وقال لها ما تريدين؟ قالت: أريد قلعة عزاز وكانوا قد علموها ذلك فسلمها إليهم. أخبار الإسماعيلية ورحل إلى بلد الإسماعيلية، وحصرهم، ثم صالحهم بوساطة خاله محمود بن تكش، وسار بعساكره إلى مصر. وكان في شروط الصلح أن يطلق عز الدين جورديك، وشمس الدين علي ابن الداية، وأخواه سابق الدين، وبدر الدين. فسار أولاد الداية إلى الملك الناصر، فأكرمهم، وأنعم عليهم. وأما جورديك، فأقام في خدمة الملك الصالح، وعلم الجماعة براءته مما ظنوا به. وعصىغزس الدين قلج في تل خالد لأنه نسب إليه أمر أوجب وحشته، فحصل فيها بماله، وحصنها، فخرج إليه سعد الدين كمشتكين بالعسكر، ومعه طمان، فحصره مدة، فسير، واستشفع بالملك الناصر، فشفع فيه إلى الملك الناصر، فقبل الشفاعة وأمنه، فخرج بماله وأهله، وحاشيته، ومضى إلى منبج، فنزل بها عند الدويل، وكان الملك الناصر قد أقطعه إياها، وكان ذلك في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وفي هذه السنة، أظهر أهل جبل السماق الفسق والفجور، وتسموا بالصفاة، واختلط النساء والرجال في مجالس الشرب، ولا يمتنع أحدهم من أخته ولا بنته، ولبس النساء ثياب الرجال، وأعلن بعضهم بأن سناناً ربه. فسير الملك الصالح إليهم عسكر حلب، فهربوا من الجبل وتحصنوا في رؤوس الجبال، فأرسل سنان، وسأل فيهم، وأنكر حالتهم، وكانوا قد نسبوا ذلك إليه، وأنهم فعلوا ذلك بأمره، فأشار سعد الدين بقبول شفاعته فيهم، وعاد العسكر عنهم.

стр. 354

وشرع سنان في تتبع المقدمين منهم، فأهلكهم، وكان في الباب منهم جماعة فثار بهم البنوية من أهل ذلك البلد، وقاتلوهم من التركمان، فانهزموا واختبئوا في المغاير، فنهبوا دورهم، وعروا نساءهم، ودخنوا عليهم في المغاير، وقتلوا من أمكنهم قتله. ثم إن الاسماعيلية قزروا على الوزير شهاب الدين أبي صالح بن العجمي، يوم الجمعة رابع شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وكان السبب في ذلك أن أبا صالح كان يواطىء المجاهد اللالا وجمال الدين شاذبخت، على سعد الدين كمشتكين، ويحاولون حطه عن مرتبته. فعلم كمشتكين ذلك، فكتب كتاباً إلى سنان مقدم الإسماعيلية بالحصون، على لسان الملك الصالح، يلتمس منه قتل أبي صالح، واللالا، وشاذبخت. وكان قد أحضر الكتاب إلى الملك الصالح، وهو خارج إلى الصيد، وطلب خطه، وهو أبيض، لم يكتب فيه شيء أصلاً، وقال له: المولى خارج، ويحتاج أن يكتب كتاباً في أمر كذا وكذا، فيكتب المولى علامته. فكتب ثقة بأن الأمر كما ذكر. فكتب كمشتكين إلى سنان بالأمر الذي أراده، وسيره إليه، فلم يشك سنان في أن الأمر وقع من الملك الصالح، ليستقل بأموره وملكه. فندب جماعة لقتل المذكورين، فوثبوا على شهاب الدين أبي صالح، عندما خرج من باب الجامع الشرقي، بالقرب من داره، وقتل الإسماعيليان اللذان وثبا عليه. ثم وثب بعد ذلك بمدة ثلاثة منهم على اللالا، بالقرب من خانكاه القصر،. وتعلق بذيل بغلتاقه ليضربه بالسكين، فرفس اللالا الفرس، وخرج من البغلتاق!، فنجا. وأحاط الناس بالجماعة الذين قفزوا عليه، وفيهم اثنان كانا يترددان إلى ركابدار اللالا، فقتل أحدهما وصلب، وصلب الركابدار أيضاً، وكتب على صدره: هذا جزاء من يؤوي الملحدة.

стр. 355

وأما الآخر، فصعدوا به إلى القلعة، فضرب ضرباً عنيفاً، وثقب كعبه، ليقرر على السبب الذي أوجب وثوبهم، فقال للملك الصالح: أنت تبعث كتبك إلى مولانا سنان بقتل من أمرنا بقتله، ثم تنكر فعل ذلك؟ فقال: ما أمرت بشيء. وكتب إلى سنان يعتب عليه فيما فعل بأبي صالح واللالا. فقال: أنا ما فعلت شيئاً إلا بأمرك وخطك. وسير إليه كتاباً فيه علامته بقتل الثلاثة المذكورين، فعلم أن ذلك كان ميكدة من كمشتكين. وكان الإسماعيلية قد اجتهدوا في قتل شاذبخت، فلم يقدروا على الوثوب عليه، لشدة احترازه في القلعة، فعند ذلك وجد أعداء كمشتكين طريقاً للطعن عليه، وقالوا: لا إنما أراد قتل هؤلاء ليستقل بملكك، ويفعل فيه ما لا يقدر أن يفعله معهم، وأنه قد استصغرك، واحتقر أمرك. تحرك الفرنج بغياب صلاح الدين وكانت حارم لسعد الدين كمشتكين، أقطعه إياها الملك الصالح، حين أخذها من بدر الدين حسن، فأنهي إلى الملك الصالح أن سعد الدين يريد أن يسلمها إلى الفرنج، لأن أصله فرنجي، وأنه قد قرر معهم أن يبيعها عليهم بمال وافر. والدليل على صدق ذلك أنه أطلق من كان بالقلعة، من أسرى الفرنج، من أيام نور الدين، وأطلق البرنس أرناط، فقطع الطريق بالكرك، وسير أمواله من حلب وغيبها. وكتب إليه رجل من الفرنج يقال له، الفارس بدران بشيء من ذلك، وبعث بعدة كتب من سعد الدين إلى الفرنج، تشهد بما أنهاه، ولعله وضع ذلك كله عليه، حتى نالوا غرضهم منه. فقبض الملك الصالح على سعد الدين، في التاسع من شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث وسبعين، وكان قد جاء يطلب دستوراً إلى حارم، وطلب تسليمها منه، فامتنع. فحمل إليها تحت الحوطة، وجيء به إلى تحت قلعتها، وعذب،

стр. 356

فاستدعى بعض من يثق إليه من المستحفظين بالقلعة، وأسر إليهما أنهم لا يسلمونها، ولو قطع، ثم قال لهما جهراً: بعلامة كذا وكذا، سلموا. فصعد إلى القلعة، وأظهر من فيها العصيان والمقاتلة، فعذب عذاباً شديداً، وعلق برجليه، وسقط بالخل، والكلس. والدخان، وعصر، وأصحابه يشاهدونه، ولا يجيبون إلى التسليم. وخرج الفرنج من أنطاكية، يطلبون حارم، فتقدم الملك الصالح بخنق كمشتكين، فخنق بوتر، وأصحابه يشاهدونه ولا يسلمون، وكسروا يديه وعنقه، ورموه إلى خندق حارم، فحين علم الفرنج ذلك ساروا إلى شيزر. ودخل الملك الصالح إلى حلب، وخلف العسكر بأرض عم وجاشر، حول حارم، يمنعونها من الفرنج، ويباكرونها كل يوم لطلب التسليم، ومقدم العسكر طمان بن غازي وكان من أكبر الأمراء. وعاد الفرنج إلى حماة فحصروها، ولم يظفروا بطائل، وطمعوا في حارم، لعصيان أصحاب كمشتكين بها، وظنوا أن الملك الصالح صبي، وعسكره قليل، والملك الناصر بمصر، فلا ينجدهم إلا بعد أن يأخذوا حارم، فنزلوا عليها، ومعهم كند كبير من الفرنج، كان قد خرج من البحر إلى الساحل، يقال له كند قلنط لماني، ومعهم البرنس، وابن لاون، والقومص صاحب طرابلس، فندم من بحارم، حيث لم يسلموها إلى الملك الصالح. وحصرها الفرنج، وضايقوها بالمجانيق والسلالم، فصاح من فيها: صلاح الدين يا منصور! فأحضروا خيمة، كانوا أخذوها من خيم الملك الناصر في كسرة الرملة في هذه السنة، وأخبروهم بالكسرة ليضعفوا عزيمتهم، وعسكر حلب بإزائهم من عم إلى تيزين. ودخلت سنة أربع وسبعين: والفرنج مجدون على قتال حارم، ونقبوا في تل

стр. 357

القلعة، من جهة القبلة نقباً، ومن جهة الشمال آخر. فانهد السور على من تحته، وهو موضع البغلة، التي جددها السلطان الملك الظاهر قدس الله روحه. وامتنع القتال من تلك الناحية، خوفاً من وقوع شيء آخر. فأخرج المسلمون رجلاً من عندهم إلى طمان، يطلب الأمان من الملك الصالح والنجدة، فسير إلى الملك الصالح، وأعلمه. فانتخب الملك الصالح رجالاً أجلاداً من الحلبيين، وأعطاهم مالاً جزيلاً، وقال لهم: أريد منكم أن تدخلوا قلعة حارم، فجاءوا، والفرنج محدقون بها، في الليل، فسلكوا خيامهم مفرقين، حتى جاوزوها. وصاحوا بالتكبير والتهليل، وصعدوا القلعة، وصار فيها شوكة من المقاتلة، بعد أن كان قتل من المسلمين بها رجال عدة. والمسلمون أعني عسكر حلب إذ ذاك حول الفرنج جرايد، وأثقالهم بدير سمعان، وهم يتخطفون من يمكنهم أخذه من الفرنج ويحفظون أطراف البلد. وسار العسكر عند ذاك إلى دير أطمة، وصادفوا الفرنج في وطأة أطمة، فحملوا عليهم، فانهزموا وقتل من الفرنج، وأسر جماعة، فدام حصار الفرنج أربعة أشهر. وأرسل الملك الصالح إليهم، وقال: إن الملك الناصر واصل إلى الشام، وربما يسلم من بحارم إلى قلعتها، ويضحي في جواركم. وبذل لهم مالاً بمقدار ما أنفقوا مدة حصارهم لها. وانتظم الصلح، ورحلوا. وخرج الملك الصالح، فنزل على حارم، فسلمها إليه أصحاب كمشتكين، وصفح عن جرمهم، وولى فيها سرخك جمدار أبيه نور الدين. ودخل حلب وطالب نواب كمشتكين بماله، واعتقل ابن التنبي وزيره، فأحضر بعض المال، وعذب حتى أحضره، ثم هرب من الاعتقال. وفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة، سعى جماعة بالقاضي محي الدين أبي حامد بن الشهرزوري، قاضي حلب، وقدحوا فيه عند جمال الدين شاذبخت،

стр. 358

وأوهموه أنه يميل إلى الملك الصالح، ووضعوا على لسانه أشعاراً نسبوها إليه، فأوجب ذلك استيحاشه، وتوجه إلى الموصل. وعرض القضاء على عمي أبي غانم محمد بن هبة الله بن أبي جرادة فامتنع. فقلد والدي القضاء بحلب وأعمالها، وبقي على قضائها إلى أن مات الملك الصالح، وفي دولة عز الدين، وعماد الدين، ومدة من دولة السلطان الملك الناصر. وقبض الملك الصالح قرية للإسماعيلية تعرف بحجيرا من ضياع نقرة بني أسد، فكتب سنان إلى الملك الصالح كتباً عدة في إطلاقها، فلم يطلقها، فأرسل جماعة من الرجال معهم النفط والنار، فعمدوا إلى الدكان التي في رأس الزجاجين من الشرق في القرنة، فألقوا فيها النار. فنهض نائب رئيس البلد بمن معه في المربعة، والجماعة المرتبون لحراسة الأسواق، وأخذوا السقائين ليطفئوا الحريق، فأتى الإسماعيلية من أسطحة الأسواق، وألقوا النار والنفط في الأسواق، فاحترق سوق البز الكبير، وسوق العطارين، وسوق مجد الدين، المعد للبز، وسوق الخليع، وسوق الشراشين وهو الآن يعرف الكتانيين وسوق السراجين، والسوق الذي غربي الجامع، جميعه، إلى أن انتهى الحريق إلى المدرسة الحلاوية. واحترق للتجار والسوقية، من القماش والآلات شيء كثير، وافتقر كثير منهم بسبب ذلك، ولم يظفروا من الإسماعيلية بأحد، وذلك في سنة خمس وسبعين وخمسمائة. ومات سيف الدين غازي، صاحب الموصل، ووليها أخوه عز الدين مسعود، وذلك في سنة ست وسبعين وخمسمائة. وفاة إسماعيل بن نور الدين زنكي وكان الملك الصالح في هاتين السنتين رخي البال، مستقرا في مملكته، سالكاً في الإحسان إلى أهل حلب طريق أبيه. عفيف اليد والفرج واللسان، فقدر الله تعالى

стр. 359

أن حضر أجله، وله نحو من تسع عشرة سنة، فمرض بالقولنج، واشتد مرضه. فدخل إليه طبيبه ابن سكرة اليهودي، وقال له سرا: يا مولانا شفاؤك في الخمر، فإن رأيت أن تأذن لي في حمله في كفي، بحيث لا يطلع اللالا، ولا شاذبخت، ولا أحد من خلق الله على ذلك. فقال: يا حكيم، كنت والله أظنك عاقلاً. ونبينا ﷺ يقول: " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " وما يؤمنني أن أموت عقيب شربها فألقى الله، والخمر في بطني، والله لو قال لي ملك من الملائكة: إن شفاءك في الخمر لما استعملته. حكي لي ذلك والدي عن ابن سكرة الطبيب. ولما أيس من نفسه أحضر الأمراء والمستحفظين، وأوصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، واستحلفهم على ذلك، فقال لهم بعضهم: إن عماد الدين ابن عمك أيضاً، وهو زوج أختك، وكان والدك يحبه ويؤثره، وهو تولى تربيته، وليس له غير سنجار، فلو أعطيته البلد لكان أصلح، وعز الدين له من البلاد من الفرات إلى همذان، ولا حاجة له إلى بلدك، فقال له: إن هذا لم يغب عني، ولكن قد علمتم أن صلاح الدين، قد تغلب على البلاد الشامية، سوى ما بيدي، ومتى سلمت حلب إلى عماد الدين يعجز عن حفظها، وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلنا معه مقام، وإن سلمتها إلى عز الدين أمكنه حفظها بكثرة عساكره وبلاده. فاستحسنوا هذا القول منه، وعجبوا من حسن رأيه مع شدة مرضه، وصغر سنه. ثم مات يوم الجمعة خامس وعشرين شهر رجب، من سنة سبع وسبعين وخمسمائة. ودفن بقلعة حلب، إلى أن ابتنت والدته الخانكاه تجاه القلعة، ونقل إليها في أيام، فسير الأمراء: جورديك، والبصيري وبرغش، وجمال الدين شاذبخت، النوريون، مع جماعة المماليك النورية، إلى عز الدين، يستدعونه، وجددوا الأيمان فيما بينهم له.

стр. 360

القسم الخامس والعشرون دخول عز الدين حلب وأما علم الدين سليمان بن جندر، وحسام الدين طمان بن غازي، وأهل الحاضر، فإنهم راسلوا عماد الدين صاحب سنجار، وكتموا أمرهم، وشاذبخت هو الوالي بالقلعة، والحافظ لخزانتها، والمدبر للأمور مع النورية، فسير إلى علم الدين سليمان، وحسام الدين طمان، وطلب منهما الموافقة في اليمين لعز الدين، فماطلا، ودافعا. فلما تأخر وصول عماد الدين عليهما، وافقا على اليمين لعز الذين. ولما وصل رسول الأمير إلى عز الدين، سار هو ومجد الدين قايماز إلى الفرات، فنرل على البيرة ووصجل شهاب الدين أخو عماد الدين مختفياً واجتمع بطمان وابن جندر، وأعلمهما أن عماد الدين في بعض الطريق، فأخبروه بأخذ اليمين عليهم، وأن تربصه بالحركة أحوجهم إلى ذلك، فعاد إليه أخوه وعرفه، فعاد إلى بلاده. وأما عز الدين، فحين وصل إلى البيرة أرسل إلى الأمراء الدين بحلب، واستدعاهم إليه. فخرجوا والتقوه بالبيرة، وساروا معه إلى حلب، ودخلها في العشرين من شعبان. واستقبله مقدموها ورؤساؤها، وصعد إلى القلعة. وكان تقي الدين عمر، ابن أخي الملك الناصر بمنبج، فعزم على أن يحول بين عز الدين وحلب، حين وصل إلى البيرة لأنه وصل جريدة، وتخلف عنهم الغلمان والحشد، ثم إنه تثاقل هو وأصحابه عن ذلك. ولما وصل عز الدين إلى حلب، سار تقي الدين من منبج إلى حماة، وثار

стр. 361

أهل حماة، ونادوا بشعار عز الدين فأشار عسكر حلب على عز الدين بقصدها، وقصد دمشق، وأطمعوه فيها وفي غيرها من الشام، وأعلموه محبة أهل الشام لأهل بيته. وكان الملك الناصر بالديار المصرية، فلم يفعل، وقال: بيننا يمين، ولا نغدر به. ولما بلغ الملك الناصر أخذ عز الدين حلب قال: خرجت حلب عن أيدينا، ولم يبق لنا فيها طمع. وأقام عز الدين بحلب، فسير إليه أخوه عماد الدين زنكي بن مودود، وقال كيف: تختص أنت ببلاد عمي وابنه وبأمواله، دوني. وهذا أمر لا صبر لي عنه. وطلب منه تسليم حلب إليه، وأن يأخذ منه سنجار عوضاً عنها. فامتنع عز الدين، ولم يجبه إلى ما أراد، فأرسل إليه وهدده بأن يسلم سنجار إلى الملك الناصر فيضايق الموصل بها. فأشار عليه طائفة من الأمراء بأخذ سنجار منه وإعطائه حلب. وكان أشد الناس في ذلك مجاهد الدين، وهو الذي كان يتولى تدبيره. وكان أمراء حلب لا يلتفتون إلى مجاهد الدين، ولا يسلكون معه ما يسلكه عسكر الموصل، فلذلك ميل عز الدين إلى ذلك. وشرع عز الدين في الميل إلى الأمراء، الدين حلفوا له أولاً، والإعراض عن الذين مالوا إلى أخيه عماد الدين، وأحسن إلى أهل حلب، وخلع عليهم، وأجراهم على عادتهم في أيام عمه نور الدين، وابنه الملك الصالح، وأبقى قاضيها والدي، وخطيبها عمي، ورئيسها صفي الدين طارق ابن الطريرة لما على ولاياتهم، وولى بقلعة حلب شهاب الدين إسحاق بن أميرك الجاندار، صاحب الرقة. وأبقي شاذبخت في القلعة ناظراً معه، وولى مدينة حلب والديوان مظفر الدين بن زين الدين.

стр. 362

وكان الصلح قد انفسخ، بموت الملك الصالح، بين الفرنج والمسلمين. وكانت شيح الحديد مناصفة بين المسلمين والفرنج، فأضافها عسكر حلب، قبل وصول عز الدين إلى الدربساك واختصوا بها دون الفرنج، وحضر أهلها إلى طمان، فأعطاهم الأمان. فلما وصل عز الدين، سير العساكر إلى ناحية لاحارم، وحاولوا نهب العمق فانحاز أهله كلهم إلى شيح لعلمهم بأن طماناً أمنهم، فأراد عسكر الموصل أن ينهبوها، فقال لهم: إن شيح لحلب، وإنهم في أماني. فلم يتلفتوا إلى قوله، وسار واليها ليلاً، فسبقهم إلى المخاض، ووقف في وجوههم يردهم، فقتل منهم جماعة. ثم تكاثروا وعبروا، فسبقهم طمان إلى شيح، وأمرهم أن يجعلوا النساء في المغاير ودربها. فوصل عسكر الموصل، فرأوا ذلك، فعزموا على القتال، فصاح طمان: إذا كنتم تخفرون ذمتي، فأنا أرحل إلى الفرنج. وسار فى أصحابه إلى أن قرب من يغرا فوصله من أخبره بأنهم عادوا عنها، ولم ينالوا منها طائلاً. وخافوا من ملامة عز الدين، فعاد طمان، ونزل كل منهم في خيامه بحارم. وكاتب المواصلة عز الدين، يطعنون على طمان، وإنه وافق أهل شيح، في العصيان، وأراد اللحاق بالفرنج، فأحضر طمان والمواصلة، وتقابلوا بين يديه. فقال لعز الدين: الحق مع حسام الدين، ولا يجور نقض العهد لواحد من المسلمين. وكان ذلك في شهر رمضان من السنة. وبقيت المواحشة بين أمراء حلب والمواصلة، والحلبيون لا يرون التغاضي لمجاهد الدين. ومجاهد الدين يحاول أن يكونوا معه كأمراء الموصل. والأمراء الحلبيون يمنون عليه بأنهم اختاروه لهذا الأمر، ويطلبون منه الزيادة، ويختلق المواصلة عليهم الأكاذيب. فهرب الأمير علم الدين سليمان بن جندر، قاصداً الملك الناصر إلى مصر.

стр. 363

فقالوا لعز الدين: إن طماناً سيهرب بعده، فأمر عز الدين مظفر الدين بن زين الدين، وبني الغراف، والجرايحي وغيرهم أن يميدوا من السعدي إلى المباركة في طريقه، وأن يقف جماعة حول دار طمان وكان يسكن خارج المدينة. فلما لم يجر من طمان شيء من ذلك، جاؤوا إليه نصف الليل، وطلبوه، فخرج إليهم، فوجد ابن زين الدين وبني الغراف، فسألهم عما يريدون، فقالوا. إنه أنهي إلىعز الدين بأنك تريد الهرب، وقد أمرنا بأن نعوقك فقال: والله ما لهذا صحة، ولو أردت المسير عن حلب لمضيت لا على وجه الخفية، ولا أخاف من أحد. فجعلوا لهم طريقاً آخر إلى نيل غرضهم، وأصبحوا، وعز الدين منتظر ما يكون، فقالوا له: كان قد عزم على الهرب، فلما علم أن الطريق قد أخذ عليه، وأن الدار قد أحيط بها آخر ذلك إلى وقت ينتهز فيه الفرصة، والمصلحة قبضه قبل هربه. فأمرهم بأن يقبضوه محترماً، ويحضروه إليه. فجاؤه ليلاً، من أعلى الدار وأسفلها، وأزعجوه، وكان نائماً، فخرج إلى الباب، فوجد مظفر الدين بن زين الدين مع بني الغراف، فقالوا له: إن المولى عز الدين قد أمرنا بالقبض عليك. فقال لهم: السمع والطاعة، فشأنكم وما أمرتم به، فأركبوه، وحملوه، والرجال محيطة به، وفتحوا باليل باب القلعة، واعتقلوه بها غير مضيق عليه. وأحضره عز الدين، ووانسه، وقال: لم أفعل ما فعلت إلا لشدة رغبتي فيك، وافتقاري إلى مثلك، فعرفه ما ينطوي عليه، وأن ما نقل عنه لم يخطر بباله. فقال: إن وقيعة أعدائك فيك، لم تردك عندي إلا حظوة. وبقي معتقلاً في القلعة أسبوعاً، ثم خلع عليه، وأطلقه وزاد في أقطاعه الأخترين. وأقام عز الدين حتى انقضت مدة الشتاء، ثم تزوج أم الملك الصالح، في خامس شوال من السنة، ثم سيرها إلى الموصل، واستولى على جميع الخزائن التي

стр. 364

كانت لنور الدين وولده بقلعة حلب، وما كان فيها من السلاح، والزرد والقسي، والخوذ، والبركسطونات، والنشاب، والآلات، ولم يترك فيها إلا شيئاً يسيراً من السلاح العتيق، وسير ذلك كله إلى الرقة. وترك في قلعة حلب ولده نور الدين محموداً طفلاً صغيراً، ورد أمره إلى الوالي بالقلعة: شهاب الدين إسحاق، وسلم البلد والعسكر إلى مظفر الدين بن زين الدين. وسار إلى الرقة، سادس عشر شوال، فأقام بها فصل الربيع. دخول عماد الدين حلب بعد المقايضة وراسل أخاه عماد الدين، في المقايضة بسنجار، ليتوفر على حفظ بلاده، ويضم بعضها إلى بعض، ولعلمه أنه يحتاج إلى الإقامة بالشام، لتعلق أطماع الملك الناصر بحلب. وقدم عليه أخوه. واستقرت المقايضة على ذلك، وتحالفا على أن تكون حلب وأعمالها لعماد الدين وسنجار وأعمالها لعز الدين. وأن كل واحد منهما ينجد صاحبه، وأن يكون طمان مع عماد الدين، فسير طمان، وصعد إلى قلعة حلب، وكان معهم علامة من عز الدين، فتسلمها، وسير عز الدين من تسلم سنجار. وفي حال طلوع طمان، ونقل الوالي متاعه، طمع مظفر الدين بن زين الدين بأن يملك القلعة، ووافقه جماعة من الحلبيين كانوا بقربه، في الدار المعروفة بشمس الدين علي ابن الداية وجماعة من الأجناد، ولبس هو رردية، تحت قبائه، وألبس جماعة من أصحابه الزرد تحت الثياب، ومع كل واحد منهم سيف. وأرسل إلى شهاب الدين، وقال: له إنه وصلني كتاب من أتابك عز الدين، وأمرني أن أطلع في جماعة إليك، فأمره بالصعود. وكان جمال الدين شاذبخت، في حوش القلعة الشرقي، الذي هدمه الملك العادل وكان بين الجسرين اللذين جددهما السلطان الملك الظاهر ﵀ وعمل مكان ذلك الحوش بغلة فرأى الجند مجتمعين تحت القلعة، فسير شاذبخت، وأحضر بواباً كان للقلعة، يقال له علي بن منيعة وكان جلداً يقظاً، وأمره بالاحتراز.

стр. 365

فلما أن أراد أن يدخل من باب القلعة، تقدم إليه، وقال له: لا تدخل إلا أنت وحدك. وكان في ركابه جماعة فمنعوهم. فلم يتتم له ما أراد. وعاد ابن زين الدين إلى داره، وقيل إن ابن مقبل الاسباسلار، قال له: أنت تصعد إلى القلعة، فما هذا الزرد عليك؟ فعاد، وجعل يعتذر عما شاع في الناس من فعله. وكتب شهاب الدين الوالي وجمال الدين شاذبخت إلى عز الدين كتاباً بخط حسين بن يلدك، إمام المقام. وأخذ تحته خطوط الأجناد، والنقيب، والاسباسلار. فلم يمكن عز الدين مكاشفته في ذلك، لقرب الملك الناصر من البلاد. وبعث مظفر الدين إلى عز الدين يعتذر، ويقول: إن الإسماعيلية أوعدوني القتل، وما أمكنني إلا الاحتراز بالسلاح، أنا، ومن معي، وأنكر الحفظة بالقلعة ذلك علي، ولم يكن ذلك لأمر غير ما ذكرته. فلم يقابله على ذلك. وأما طمان، فإنه قبض على الجماعة الذين كانوا معه، وحبسهم في القلعة، واطلع على ما كانوا أضمروه، وأطلقهم في اليوم الثاني، وستر هذا الأمر. ثم وصل قطب الدين بن عماد الدين إلى حلب، ثم ورد أبوه عماد الدين، فوصل بأهله، وماله، وأجناده، زوجته بنت نور الدين. ووصل على البرية من جهة الأحمص. والتقاه الأكابر من الحلبيين. وصعد إلى قلعة حلب، في ثالث عشر المحرم، من سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وقيل في مستهله. وولى القلعة عبد الصمد بن الحكاك الموصلي، والعسكر، والخزائن، والنظر في أحوال القلعة إلى مجاهد الدين بزغش. وأنرل شاذبخت من القلعة. والقضاء، والخطابة والرئاسة، على ما كان عليه، في أيام أخيه وابن عمه. وولى الوزارة بهاء الدين أبا الفتح نصر بن محضد بن القيسراني، أخا موفق الدين خالد، وزير نور الدين واستمر الشيعة في أيامه، وأيام أخيه، على قاعدتهم، قي أقرهم عليها الملك الصالح، من إقامة شعارهم بالشرقية، بالمسجد الجامع. وأبقي سرخك في حارم على ما كان عليه. وحكم شاذبخت في عزاز

стр. 366

وقلعتها وهو وكيل عن ابنة نور الدين التي أطلقها الملك الناصر لها وصالح الفرنج. وجرى في الإحسان إلى أهل حلب، على قاعدة عمه وابن عمه وأخيه. ولما بلغ الملك الناصر حديث حلب وأخذ عماد الدين إياها، قال: أخذنا والله حلب. فقيل له: كيف قلت في عز الدين أخذها خرجت حلب عن أيدينا، وقلت: حين أخذها عماد الدين، أخذنا حلب. فقال: لأن عز الدين ملك صاحب رجال ومال، وعماد الدين، لا مال ولا رجال. صلاح الدين الأيوبي في بلاد الشام وخرج الملك الناصر، من مصر في خامس المحرم من هذه السنة. وخرج الناس يودعونه، ويسيرون معه ويتأسفون على فراقه، وكان معه معلم لبعض أولاده، فالتفت إلى بعض الحاضرين، وأنشد: تمتع من شميم عرار " نجد " ... فما بعد العشية من عرار فانقبض السلطان، وتطير. فقدر أنه لم يعد إلى مصر، إلى أن مات، مع طول مدته، واتساع ملكه في غيرها. وسار على أيلة وأغار على بلاد الفرنج في طريقه. ووصل دمشق في صفر. ثم خرج منها إلى ناحية الغور، فأغار على ناحية طبرية وبيسان، وعاد إلى دمشق. ثم خرج إلى بيروت، ونارلها، واجتمع الفرنج فرحلوه عنها. فدخل إلى دمشق. وبلغه أن المواصلة كاتبوا الفرنج على قتاله، فجعل ذلك حجة عليهم.

стр. 367

وسار حتى نزل على حلب، في ثامن عشر من جمادى الأولى، سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. ونزل على عين أشمونيت، وامتد عسكره حولها شرقاً، وأقام ثلاثة أيام، فقال له عماد الدين: امض إلى سنجار، وخذها وادفعها إلي، وأنا أعطيك حلب. وكان عماد الدين قد ندم على مقايضة أخيه بحلب وسنجار، حيث وصل ووجد خزائنها صفراً من المال، وقلعتها خالية من العدد والسلاح والآلات، وأنه يجاور مثل الملك الناصر فيها. فعند ذلك سار لا الملك الناصر إلى عبر البيرة، وكان صاحبها شهاب الدين ابن أرتق قد صار في طاعته. فعبر إليه مظفر الدين بن زين الدين إلى الناحية الشامية، وحران، إذ ذاك في يده، كان أقطعه إياهاعز الدين صاحب الموصل. وحصلت بينه وبينه وحشة من الوقت الذي عزم فيه على أخذ قلعة حلب، فكانت رسله تتردد إلى الملك الناصر، تطمعه في البلاد، وتحثه على الوصول. وعاد ابن زين الدين معه حتى عبر الفرات في جسر البيرة، وكان عز الدين قد وصل بعساكر الموصل إلى دارا، ليمنع الملك الناصر من حلب، فلما عبر الفرات عاد إلى الموصل. صلاح الدين في أرض الجزيرة وعبر الملك الناصر، فأخذ الرها من ابن الرعفراني، وسلمها إلى ابن زين الدين، وأخذ الرقة من ابن حسان، ودفعها إلى ابن الرعفراني. وكاتب ملوك الشرق فأطاعوه، وقصد نضيبين، فأخذها. وسار إلى الموصل، وفيها عسكر قوي، فقوتل قتالاً شديداً، ولم يظفر منها

стр. 368

بطائل، فرحل عنها إلى سنجار، فأنفذ مجاهد الدين إليها عسكراً، فمنعه الملك الناصر من الوصول. وحاصر سنجار، فسلمها إليه أمير من الأكراد الزرزارية، وكان في برج من أبراجها فسلم إليه تلك الناحية وصارت الباشورة معه فضعفت نفس واليها أمير أميران أخي عز الدين، فسلمها بالأمان، في ثاني شهر رمضان من السنة، وقرر الملك الناصر أمورها، وعاد إلى حران. ولما قصد الملك الناصر البلاد الشرقية، رأى عماد الدين أن يخرب المعاقل المطيفة ببلد حلب، فشن الغارات على شاطىء الفرات، وهدم حصن بالس، وحصر قليعة ناعر ففتحها، ثم هدمها بعد ذلك، وأغار على قرى الشط، فأخربها واستاق مواشيها، وأحرق جسر قلعة جعبر. ثم وصل إلى منبج وقاتلها، وأغار على بلدها، ووصلت الغارة إلى قلعة نجم، وعبر الفرات، فأغار على سروج. ثم عاد إلى حلب، ثم خرج وهدم حصن الكرزين وخرب حصن بزاعا وقلعة عزاز، في جمادى الآخرة، وخرب حصن كفرلاثا بعد أخذه من صاحبه بكمش، وكان قد استأمن إلى الملك الناصر، وضاق الحال عليه، فشرع في قطع جامكية أجناد من القلعة، وقتر على نفسه في النفقات. وأما الملك الناصر، فرحل من حران فنرل بحرزم تحت قلعة ماردين. فلم ير فيها طمعاً، فسار إلى آمد، في ذي الحجة. وكان قد وعد

стр. 369

نور الدين محمد بن قرا أرسلان بأخذها من ابن نيسان، وتسليمها إليه، وحلف له على ذلك، فتسلمها في العشر الأول، من المحرم من سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وكان فيها من المال شيء عظيم. فسلم ذلك كله مع البلد إلى نور الدين، وقيل له في أخذ الأموال وتسليم البلد، فقال: ما كنت لأعطيه الأصل وأبخل بالفرع.

стр. 370

القسم السادس والعشرون صلاح الدين يحاصر حلب ثم إن الملك الناصر عبر إلى الشام، فمر بتل خالد فحصرها، فسلمها أهلها بالأمان في المحرم. ثم سار منها إلى عين تاب، وبها ناصر الدين محمد أخو الشيخ إسماعيل الخزندار، فدخل في طاعته، فأبقاها عليه. ولما علم عماد الدين ذلك، وتحقق قصده لحلب، أخذ رهائن الحلبيين، وأصعد جماعة من أولادهم وأقاربهم، خوفاً من تسليم البلد، وقسم الأبراج والأبواب على جماعة من الأمراء. وكان الأمراء الياروقية بها في شوكتهم. وجاء الملك الناصر، ونزل على حلب في السادس والعشرين من محرم سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وامتد عسكره من بابلى إلى النهر ممتداً إلى باسلين، ونزل هو على الخناقية، وقاتل عسكر حلب قتالاً عظيماً، في ذلك اليوم، وأسر حسام الدين محمود بن الختلو، بالقرب من بانقوسا، وهو الذي تولى شحنكية حلب، فيما بعد. وهجم تاج الملوك بوري بن أيوب، أخو الملك الناصر، على عسكر حلب، فضرب بنشاب زنبورك فأصاب ركبته، فوقع في الأكحل، فبقي أياماً، ومات بعد

стр. 371

فتح حلب، ودفن بتربة شهاب الدين الحارمي، بالمقام، ثم نقل إلى دمشق. وجد الملك الناصر، بسبب أخيه على محاصرة حلب أياماً، فاجتمع إليه الأجناد من العسكر والرجال، وطلبوا منه قرارهم فمطلهم، فقالوا: قد ذهبت أخبارنا، ونحتاج لغلاء الأسعار إلى ما لا بد منه، وشح بماله، فقال لهم: أنتم تعلمون حالي، وقلة مالي، وأنني تسلمت حلب صفراً من الأموال، وضياعها في أقطاعكم. فقال له بعضهم: من يريد حلب يحتاج إلى أن يخرج الأموال ولو باع حلي نسائه، فأحضر أواني من الذهب والفضة، وغيرها، وباع ذلك، وأنفقه فيهم. وكان الحلبيون يخرجون على جاري عادتهم، ويقاتلون أشد قتال بغير جامكية، ولا قرار، نخوة على البلد، ومحبة لملكهم، فأفكر عماد الدين، ورأى أنه لا قبل له بالملك الناصر، وأن ماله ينفد ولا يفيده شيئاً، فخلا ليلة بطمان، وقال له: ما عندك في أمرنا. هذا الملك الناصر، قد نزل محاصراً لنا، وهو ملك قوي، ذو مال. والظاهر أنه يطيل الحصار، وتعلم أنني أخذت حلب خالية من الخزائن، والجند يطالبونني وليس لي من المال ما يكفيني لمصابرته. ولا أدري عاقبة هذا الأمر إلى ما ينتهي. فأحس طمان عند ذلك بما قد حصل في نفسه، فقال له: أنا أذكر لك ما عندي، على شريطة الكتمان والاحتياط بالمواثيق والأيمان، على أن لا يطلع أحد على ما يدور بيننا، فإن هؤلاء الأمراء إن اطلعوا على شيء مما نحن فيه أفسدوه، وانعكس الغرض. فتحالفا على كتمان ذلك، فقال له طمان: أرى من الرأي في حلب أن تسلمها إلى الملك الناصر، بجاهها، وحرمتها، قبل أن تنتهك حرمتها، ويضعف أمرها، وتفنى الأموال، وتضجر الرجال، ويستغل بلدها فيتقوى هو وعسكره به، ونحن لا نزداد إلا ضعفاً. والآن فنحن عندنا قوة، ونأخذ منه ما نريد من الأموال والبلاد.

стр. 372

نستريح من الأجناد وإلحاحهم في الطلب. ثم قد أصبح ملكاً عظيماً، وهو صاحب مصر، وأكثر الشام، وملوك الشرق فقد أطاعوه ومعظم الجزيرة في يده. فقال له: والله هذا الذي قلته كله رأيي، وهو الذي وقع لي، فاخرج إليه، تحدث معه على أن يعطيني: الخابور، وسنجارة وأي شيء قدرت على أن ترداده فافعل، واطلب الرقة لنفسك. ثم إن طمان كتم ذلك الأمر، وباكر القتال، وأظهر أن بداره واصطبله بالحاضر خشباً عظيماً، وأنه يريد نقضها، كيلا يحرقها العسكر، فكان يبيت كل ليلة في داره، خارج المدينة. ويجتمع بالسلطان الملك الناصر، خالياً، ويرتب الأمور معه، ويجيء إلى عماد الدين ويقرر الحال معه، وينزل، ويصعد إلى القلعة من برج المنشار، وكان عند باب الجبل الآن متصلاً بالمنشار إلى أن قرر مع الملك الناصر: أن يأخذ حلب وعملها، ولا يأخذ معها شيئاً من أموالها، وذخائرها، وجميع ما فيها من الآلات والسلاح، وأن يعطي عماد الدين عوضاً عنها: سنجار، والخابور، ونصيبين، وسروج، وأن يكون لطمان الرقة، ويكون مع عماد الدين. وشرط عليه أن تكون الخطابة والقضاء للحنفية بحلب، في بني العديم، على ما هي عليه، كما كان في دولة الملك الصالح، وأن لا ينقل إلى الشافعية. هذا كله يتقرر، والقتال في كل يوم بين العسكرين على حاله. وليس عند الطائفتين علم بما يجري. ويخرج من الحلبيين في كل يوم عشرة آلاف مقاتل أو أكثر، يقاتلون أشد قتال. التهيئة للتسليم والاستلام ولم يعلم أحد من الأمراء ولا من أهل البلد، حتى صعدت أعلام الملك الناصر على القلعة، بعد أن توثق كل واحد من الملكين من صاحبه بالأيمان. فأسقط في أيدي أهل حلب والأمراء من الياروقية، وغيرهم. وخاف الياروقية على أخبارهم، والحلبيون على أنفسهم، تكرر منهم من قتال الملك الناصر، مرة بعد أخرى، في أيام الملك الصالح. وصرح العوام بسبه، وحمل رجل من الحلبيين يقال له سيف بن المؤذن

стр. 373

إجانة الغسال. وصار بها إلى تحت الطيارة بالقلعة، وعماد الدين جالس بها يشير إليه أن يغسل فيها كالمخانيث، ونادى إليه: يا عماد الدين، نحن نقاتل بلا جامكية ولا جراية، فما حملك على أن فعلت ما فعلت. وقيل: إن بعضهم رماه بالنشاب، فوقع في وسط الطيارة، وعمل عوام حلب أشعاراً عامية، كانوا يغنون بها، ويدقون على طبيلاتهم بها، منها: أحباب قلبي لاتلوموني ... هذا عماد الدين مجنون قايض بسنجار لقلعة حلب ... وزاده المولى نصيبين ودق آخر على طبله، وقال مشيراً إلى عماد الدين: وبعت بسنجار قلعة حلب ... عدمتك من بايع مشتري خريت على حلب خرية ... نسخت بها خرية " الأشعري " وصعد إليه صفي الدين رئيس البلد ووبخه على ما فعل، وهو في قلعة حلب لم يخرج منها بعد، فقال له عماد الدين: فما فات، فاستهزأ به. وأنفذ عسكر حلب وأهلها، إلى السلطان الملك الناصر: عز الدين جورديك، وزين الدين بلك، فاستحلفوه للعسكر ولأهل البلد، في سابع عشر صفر، من سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وخرجت العساكر ومقدمو حلب إليه إلى، الميدان الأخضر، وخلع عليهم، وطيب قلوبهم. ولما استقر أمر الصلح، حضر الملك الناصر صلاح الدين عند أخيه تاج الملوك، الخناقية يعوده وقال له: هذه حلب، قد أخذناها، وهي لك فقال: لو كان وأنا حي، ووالله، لقد أخذتها غالية حيث تفقد مثلي. فبكى الملك الناصر والحاضرون. وأقام عماد الدين بالقلعة، يقضي أشغاله، وينقل أقمشته، وخزائنه،

стр. 374

والسلطان الملك الناصر مقيم بالميدان الأخضر، إلى يوم الخميس ثالث وعشرين من صفر. فنرل عماد الدين من القلعة ورتب فيها طمان مقيماً بها، إلى أن يتسلم نواب عماد الدين ما اعتاض به عن حلب، واستنابه في بيع جميع ما كان في قلعة حلب، حتى باع الأغلاق والخوابي، واشترى الملك الناصر منها شيئاً كثيراً. ونرل عماد الدين، في ذلك اليوم إلى السلطان الملك الناصر وعمل له السلطان وليمة واحتفل وقدم لعماد الدين أشياء فاخرة من الخيل والعدد، والمتاع الفاخر. وهم في ذلك إذ جاءه بعض أصحابه وأسر إليه بموت أخيه تاج الملوك لما، فلم يظهر جزعاً ولا هلعاً، وكتم ذلك عن عماد الدين، إلى أن انقضى المجلس، وأمرهم بتجهيزه. دخول صلاح الدين قلعة حلب فلما انقضى أمر الدعوة، وعلم عماد الدين بعد ذلك عزاه عن أخيه، وسار السلطان الملك الناصر معه مشيعاً في ذلك اليوم، فسار حتى نرل مرج قراحصار فنرل به، والسلطان في خيمته إلى أن وصل عماد الدين رسل أصحابه يخبرونه بأنهم تسلموا سنجار، والمواضع التي تقررت له معها، فرفعت أعلام الملك الناصر، عند ذلك على القلعة. وصعد إليها في يوم الاثنين السابع والعشرين، من صفر، من سنة تسع وسبعين وخمسمائة. حارم وتل خالد وعزاز وامتنع سرخك، والي حارم، من تسليمها إلى السلطان الملك الناصر، فبذل له ما يجب من الإقطاع، فاشتط في الطلب. وراسل الفرنج، ليستنجد بهم، فسمع بعض الأجناد، بقلعة حارم، ذلك، فخافوا أن يسلمها إلى الفرنج، فوثبوا عليه، وحبسوه، وأرسلوا إلى السلطان، يعلمونه ذلك، ويطلبون منه الأمان والإنعام، فأجابهم إلى ذلك وتسلمها.

стр. 375

وأقر عين تاب بيد صاحبها، وسلم تل خالد إلى بدر الدين دلدرم، صاحب تل باشر، وكان من كبار الياروقية. وأقطع عزاز الأمير علم الدين سليمان بن جندر. وولى الملك الناصر قلعة حلب سيف الدين يازكج الأسدي. وولى شحنكية حلب حسام الدين تميرك بن يونس، وولى ديوان حلب ناصح الدين ابن العميد الدمشقي. وأبقى الرئيس صفي الدين طارق بن أبي غانم ابن الطريرة، في منصبه على حاله، وزاد إقطاعه. وكان الفقيه عيسى كثير التعصب، فما رال به، حتى نقل الخطابة عن الحنفية إلى الشافعية، وعزل عنها عمي أبو المعالي. ووليها أبو البركات سعيد بن هاشم. وفعل في القضاء كذلك، فسير إلى القاضي محيي الدين محمد بن زكي الدين علي إلى دمشق، بسفارة القاضي الفاضل، فأحضر إلى حلب وولي قضاءها، وعزل والدي عن القضاء، وامتدحه محيي الدين بن الزكي، بقصيدة بائية، قال فيها: وفتحكم حلبا بالسيف في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب فاتفق من أحسن الإتفاقات، وأعجبها، فتح القدس في شهر رجب من سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. وأقام محيي الدين في القضاء بحلب مدة، ثم استناب القاضي زين الدين أبا البيان نبأ بن البانياسي في قضاء حلب، وطار إلى بلده دمشق. ثم إن السلطان الملك الناصر أقام بحلب، ورحل منها في الثاني والعشرين من ربيع الآخر، من سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وجعل فيها ولده الملك الظاهر غازي وكان صبياً وجعل تدبير أمره إلى سيف الدين يازكج. صلاح الدين والفرنج وسار إلى دمشق، ثم خرج إلى الغزاة في جمادى الآخرة، وسار إلى

стр. 376

بيسان، وقد هرب أهلها، فخربها، ونهبها، وخرب حصنها. ثم سار إلى عفر بلا، فخربها، وجرد قطعة من العسكر، فخربوا الناصرة والفولة وما حولهما من الضياع. وجاء الفرنج فنزلوا عين الجالوت، ودار المسلمون بهم، وبثوا السرايا في ديارهم، للغارة والنهب، ووقع جورديك، وجاولي الأسدي، وجماعة من النورية على عسكر الكرك والشوبك، سائرين في نجدة الفرنج، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا مائة نفر، وعادوا. وجرى للمسلمين مع الفرنج وقعات، ولم يتجاسروا على الخروج للمصاف، وعاد السلطان إلى الطور في سابع عشر جمادى الآخرة. فنرل تحت الجبل، مترقباً رحيلهم ليجد فرصة، فأصبحوا، ورحلوا راجعين على أعقابهم. ورحل نحوهم، وناوشهم العسكر الإسلاي، فلم يخرجوا إليهم، والمسلمون حولهم، حتى نزلوا الفولة راجعين. وفرغ أزواد المسلمين. فعادوا إلى دمشق، ودخل السلطان دمشق، في رابع وعشرين من جمادى الآخرة ثم عزم علىغزو الكرك، فخرج إليها في رجب، وكتب إلى أخيه الملك العادل، وأمره أن يلتقيه إلى الكرك، وسار السلطان إلى الكرك، وحاصرها، ونهب أعمالها، وهجم ربضها، في رابع شعبان. وهدم سورها بالمنجنيقات،

стр. 377

وأعجزه طم خندقها. ووصلت الفرنج لنجدتها فلما اجتمعوا بالجليل، رحل عنها، ونزل بإزائها. حلب وأبو بكر بن أيوب ووصل أخوه الملك العادل، من مصر، وعقد لابن أخيه تقي الدين عمر، على ولايتها. فسار إليها في نصف شعبان. وعاد السلطان الملك الناصر إلى دمشق، والملك العادل أخوه معه، فعقد له على ولاية حلب، وسار إليها في ثاني شهر رمضان، فوصلها، وصعد قلعتها في يوم الجمعة، ثاني وعشرين من شهر رمضان. وخرج السلطان الملك الظاهر منها ومعه يازكجا، فوصل إلى والده في شوال. ويقال إن الملك العادل دفع إلى السلطان، لأجل حلب، ثلاثمائة ألف دينار مصرية، وقيل دون ذلك. وكان السلطان محتاجاً إليها لأجل الغزاة، فلذلك سلم إليه حلب، وأخذها من ولده ولما دخلها الملك العادل، ولى بقلعتها صارم الدين بزغش، وولى الديوان والأقطاع والجند، واستهداء الأموال، وشحنكية البلد: شجاع الدين محمد بن بزغش البصراوي، واستكتب الصنيعة ابن النخال وكان نصرانياً فأسلم على يديه. وولى وقوف الجامع فخر الدين أحمد بن عبد الله بن القصري، وأمره بتجديد المساجد الداثرة بحلب، والقيام بمصالحها، وتوفير أوقافها عليها، وأن لا يتعرض بوقف المسجد الجامع، بل يوفر وقفه على مصالحه، ولا يرفع إلى الزردخاناه إلا ما فضل عن ذلك كله. وجدد في أيامه مساجد متعددة كانت قد تهدمت. ووقع في أيامه وقعة بين الحنفية والشافعية، وصار بينهم جراح، فصنع لهم الملك العادل دعوة في الميدان الأخضر، وأصلح بين الفريقين، وخلع على الأكابر من الفقهاء والمدرسين. وهدم الحوش. القبلي الشرقي الذي كان للقلعة، وهو ما بين

стр. 378

الجسرين تحت المركز، ورأى أن يسفحه، فسفحه السلطان الملك الظاهر بعده، وكتب عليه اسمه بالسواد إلى أن غاب في أيام ابنه الملك العزيز فجدد، وزالت الكتابة، وبقي بعضها. خبر شيخ الشيوخ ووصل رسول الخليفة شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل، إلى السلطان الملك الناصر، في الإصلاح بينه وبين عز الدين صاحب الموصل وورد معه في الموصل القاضي محيي الدين أبو حامد بن الشهرزوري، الذي كان قاضي حلب ثم تولى قضاء الموصل، القاضي بهاء الدين أبو المحاسن بن شداد، الذي صار قاضي عسكر السلطان الملك الناصر، وولي قضاء حلب في أيام ابنه الملك الظاهر. ولم يتفق الصلح بينهما. وحضرني حكاية جرت لشيخ الشيوخ مع محي الدين، في هذه السفرة، وذلك أن شيخ الشيوخ كان قد وصل إلى السلطان الملك الناصر، وهو محاصر للموصل، ليصلح بينه وبين عز الدين، في المحاصرة الأولى، فلم يتفق الصلح، واتهم أهل الموصل شيخ الشيوخ بالميل مع الملك الناصر، فعمل محيي الدين فيه أبياتاً منها: بعثت رسولاً أم بعثت محرضاً ... على القتل تستجلي القتال وتستحلي؟ وقال فيها مخاطباً للإمام الناصر: فلا تغترر منه بفضل تنمس ... فما هكذا كان الجنيد ولا الشبلي فبلغت الأبيات شيخ الشيوخ. فلما اجتمعا في هذه السفرة وتباسطا، قال له شيخ الشيوخ: كيف تلك الأبيات التي عملتها في. فغالطه عنها، فأقسم عليه بالله أن يتشده إياها، فذكرها له، حتى أنشده البيت الذي ذكرناه أولاً، فقال: والله لقد ظلمتني، وإنني والله، اجتهدت في الإصلاح فما اتفق، فأنشده تمامها، حتى بلغ إلى قوله: فما هكذا كان الجنيد ولا الشبلي. فقال: والله لقد صدقت، فما هكذا كان الجنيد ولا الشبلي، أدور على أبواب الملوك من باب هذا إلى باب هذا.

стр. 379

ثم إن الرسل ساروا عن غير زبدة، وتوجه الملك العادل من حلب في ذي الحجة، وعيد عند أخيه بدمشق، ثم عاد إلى حلب. غزو الكرك ونابلس وسبسطية وجنين واهتم السلطان الملك الناصر، في سنة ثمانين وخمسمائة، لغزاة الكرك، فوصل إليه نور الدين بن قرا أرسلان، واجتاز بحلب، فأكرمه الملك العادل، وأطلعه إلى قلعتها في صفر، ثم رحل معه إلى دمشق، فخرج السلطان، والتقاه على عبر الجسر، بالبقاع. ثم تقدم إلى دمشق ولحقاتا وتأهب للغزاة، وخرج إلى الكرك، واستحضر العساكر المصرية، فوصل تقي الدين ابن أخيه، ومعه بيت الملك العادل، وخزائنه، فسيرهم إلى حلب. ونازل الكرك، وأحدقت العساكر بها، وهجموا الربض، وبينه وبين القلعة خندق وهما جميعاً على سطح جبل، وسدوا أكثر الخندق، وقاربوا فتح الحصن، وكانت للبرنس أرناط فكاتب من فيها الفرنج، فوصلوا في جموعهم إلى موضع يعرف ب " الواله "، فسير الملك الناصر الأثقال، ورحل بعد أن هدم الحصن بالمنجنيقات. ورحل عنها في جمادى الآخرة، وأمر بعض العسكر فدخلوا إلى بلاد الفرنج، فهجموا نابلس، ونهبوها، وخربوها، واستنقذوا منها أسرى من المسلمين، وفعلوا في سبسطية وجينين مثل ذلك، وعادوا ودخلوا دمشق مع السلطان.

стр. 380

نحو حران والموصل وميافارقين ووصل إليه: شيخ الشيوخ بالخلع، من الخليفة الناصر، له ولأخيه الملك العادل، ولابن عمه ناصر الدين، فلبسوها، ثم خلع السلطان، بعد أيام خلعته الواردة من الخليفة على نور الدين بن قرا أرسلان. وورد إليه رسول مظفر الدين بن زين الدين، يخبره أن عسكر لا الموصل، وعسكر قزل نزلوا على إربل، وأنهم نهبوا وأخربوا، وأنه انتصر عليهم، ويشير عليه بقصد الموصل، ويقوي طمعه، وبذل له إذا سار إليه خمسين ألف دينار، فعند ذلك هادن الفرنج مدة. ورحل من دمشق في ذي القعدة من سنة ثمانين، فوصل حلب وأقام بها إلى أن خرجت السنة. وسار منها إلى حران، والتقاه مظفر الدين بالبيرة، في المحرم سنة إحدى وثمانين، وعاد معه إلى حران، وطالبه بما بذل له من المال، فأنكر ذلك فأحضر رسوله العلم بن ماهان، فقابله على ذلك، فأنكر، فقبض عليه، ووكل به. ثم أخذ منه مدينتي حران والرها، وأقام في الإعتقال إلى مستهل شهر ربيع الأول، ثم أطلقه خوفاً من انحراف الناس عنه، لأنهم علموا أنه الذي ملكه البلاد الجزرية، وأعاد عليه حران، ووعده بإعادة الرها، إذ عاد من سفرته، فأعادهما عليه. وسار الملك الناصر إلى الموصل، فوصل بلد، فنزلت إليه والدة عز الدين، ومعها ابنة نور الدين، وغيرها من نساء بني أتابك، يطلبن منه المصالحة، والموافقة، فردهن خائبات، ظناً منه أن عز الدين أرسلهن عجزاً عن حفظ الموصل، واعتذر بأعذار ندم عليها بعد ذلك.

стр. 381

ورحل، حتى صار بينه وبين الموصل مقدار فرسخ فكان يجري القتال بين العسكرين، وبذل أهل الموصل نفوسهم في القتال لرده النساء، وندم السلطان على ردهن، وافتتح تل عفر، فأعطاها عماد الدين صاحب سنجار. وأقام على حصار الموصل شهرين، ثم رحل عنها، وجاءه الخبر بموت شاه أرمن، وكاتبه جماعة من أهل خلاط، فترك الموصل طمعاً في خلاط فاصطلح أهل خلاط مع البهلوان صاحب أذربيجان، فنرل السلطان على ميافارقين، وكان صاحبها قطب الدين ايلغاري بن ألبي بن تمرتاش، وملك بعده حسام الدين يولق أرسلان، وهو طفل، فطمع في أخذها، ونازلها، فتسلمها من واليها، وزوج بعض بنيه ببنت الخاتون بنت قرا أبى سلان، ثم عاد إلى الموصل عند إياسه من خلاط، فوصل إلى كفرزمار، في شعبان، من سنة إحدى وثمانين، فأقام بها مدة، والرسل تتردد بينه وبين عز الدين. فمرض السلطان بكفرزمار، فسار عائداً إلى حران، وأتبعه عز الدين بالقاضي بهاء الدين بن شداد، وبهاء الدين الربيب، رسولين إليه في موافقته على الخطبة والسكة، وأن يكون معه عسكر من جهته، وأن يسلم إليه شهرزور، وأعمالها، وما وراء الزاب. الشفاء وإعادة التوزيع واشتد مرض السلطان بحران في شوال، وأيس منه، وأرجف بموته، ووصل إليه الملك العادل من حلب، ومعه أطباؤها، واستدعى المقدمين من الأمراء من

стр. 382

البلاد، فوصلوا إليه. وعزم الملك العادل على استحلاف الناس لنفسه. وسار ناصر الدين صاحب حمص طمعاً في ملك الشام، وقيل إنه إجتاز بحلب، ففرق على أحداثها مالاً، وسار إلى حمص، وجرى من تقي الدين بمصر حركات من يريد أن يستبد بالملك. وتماثل السلطان، وبلغه ذلك كله، وأركب، فرآه الناس، وفرحوا، وابتنى داراً ظاهر حران فجلس فيها حين عوفي، فسميت دار العافية. ولما عوفي رد على مظفر الدين الرها، وأعطاه سنجقا، وأحضر رسولي الموصل، وحلف لهما على ما تقرر في يوم عرفة. وبلغه موت ابن عمه ناصر الدين، صاحب حمص، ورحل عن حران إلى حلب، وصعد قلعتها يوم الأحد، رابع عشر محرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وأقام بها أربعة أيام، ثم رحل إلى دمشق، فلقيه أسد الدين شيركوه، ابن صاحب حمص، فأعطاه حمص، وسار إلى دمشق. وسير إلى الملك العادل، وطلبه إليه إلى دمشق، فخرج من حلب جريدة، ليلة السبت الرابع والعشرين، من شهر ربيع الأول من سنة اثنتين. فوصل إليه إلى دمشق، وجرت بينهما أحاديث ومراجعات استقرت على أن الملك العادل يطلع إلى مصر، ومعه الملك العزيز، ويكون أتابكه، ويسلم حلب إلى الملك الطاهر غازي، وينزل الأفضل إلى دمشق من مصر، وينزل تقي الدين أيضاً منها. وكان الذي حمله على إخراج الملك العادل من حلب أن علم الدين سليمان ابن جندر كان بينه وبين الملك الناصر صحبة قديمة، قبل الملك، ومعاشرة، وانبساط. وكان الملك العادل وهو بحلب لا يوفيه ما يجب له، ويقدم عليه غيره. فلما عوفي الملك الناصر سايره يوماً سليمان، وجرى حديث مرضه، وكان قد أوصى لكل واحد من أولاده بشيء من البلاد، فقال له سليمان بن جندر: بأي

стр. 383

رأي كنت تظن أن وصيتك تمضي كأئك كنت خارجا إلى الصيد، وتعود فلا يخانفونك، أما تستحيي أن يكون الطائر أهلى منك إلى المصلحة قال وكيف ذلك " وهو يضحك قال: إذا أراد الطائر أن يعمل عشا لفراخه، قصد أعالي الشجرة، ليحمي فراخه، وأنت سلمت الحصون إلى أهلك، وجعلت أولادك على الأرض. هذه حلب وهي أتم البلاد بيد أخيك ث وحماة بيد تقيئ الذين، وحمص بيد ابن أسد الدين، وابنك الأفضل مع تقي الذين بمصر بخرجه متى شاء، وابنك الآخر مع أخيك في خيمته يفعل به ما أراد. فقال له: صدقت، واكتم هذا الأمر.

стр. 384

القسم السابع والعشرون غازي في حلب ثم أخذ حلب من أخيه، وأعطاها ابنه الملك الظاهر، وأعطى الملك العادل بعد ذلك حران، والرها، وميافارقين، ليخرجه من الشام، ويتوفر الشام عاى أولاده. فكان ما كان، وأخرج تقي الدين من مصر، فشق عليه ذلك وامتنع االقدوم، ثم خاف، فقدم عليه. وسير الملك العادل الصنيعة لإحضار أهله من حلب، وسار الملك الظاهر قدس الله روحه - إلى حلب، وسير في خدمته شجاع الدين عيسى بن بلاشوا وولاه قلعة حلب، وأوصاه بتربية الملك الطاهر، وأخيه الملك الزاهر، وحسام الدين بشارة صاحب بانياس وولاه المدينة، وجعل الديوان بينهما. وجعل قرار الملك الظاهر في السنة ثمانية وأربعين ألف دينار بيضا، كل شهر أربعة الاف دينار. وكل يوم قباء وكمه، وعليق دوابه من الأهراء، وخبزه من الأهراء، واستمزت هذه الوظيفة، إلى سنة ست وثمانين إلى رجب. فورد كتاب الملك الئاصر إلى ولده الملك الظاهر، يأمره بأن يأمر وينهى وأن يقطع الإقطاعات، وأن البلد بلده. وكان القاضي الزبداني يكتب له، فلم يعجبه فانصرف على حال غير محمودة. تذكر حكايه وعلى ذكر علم الدين سليمان بن جندر، تذكرت حكاية مستملحة عنه، فأثبت.

стр. 385

أخبرني الزكي أحمد بن مسعود الموصلي المقرىء، قال: كنت أوم بعلم الدين سليمان بن جندر، فاتفق أن خرجت معه إلى حارم، في سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وجلست معه تحت شجرة. هناك. فقال: كنت ومجد الدين أبو بكر ابن الداية والملك الناصر صلاح الدين، تحت هذه الشجرة، ونور الدين إذ ذاك يحاصر حارم، وهي في أيدي الفرنج. فقال مجد الدين: كنت أتمنى أن نور الدين يفتح حارم، ويعطيني إياها، فقال صلاح الدين: أتمنى على الله مصر. ثم قالا لي: تمن أنت شيئاً، فقلت: إذ كان مجد الدين صاحب حارم وصلاح الدين صاحب مصر، ما أضيع بينهما. فقالا: لا بد من أن تتمنى شيئاً. فقلت: إذا كان ولا بد من ذلك فأريد عم. فقذر الله أن نور الدين كسر الفرنج، وفتح حارم، وأعطاها مجد الدين، وأعطاني عم. فقال صلاح الدين: أخذت أنا مصر والله، فاننا كنا ثلاثة، وتمنى مجد الدين حارم، وأخذها. وتمنى علم الدين عم وأخذها. وقد بقيت أمنيتي. فقدر الله تعالى: أن فتح أسد الدين مصر، ثم آل الأمر إلى أن ملكها صلاح الدين. وهذا من أغرب الإتفاقات. وزوج السلطان الملك الناصر ولده الملك الظاهر، في هذه السنة، بابنة أخيه غازية خاتون بنت الملك العادل. ودخل بها يوم الأربعاء سادس وعشرين من شهر رمضان. العساكر الإسلامية والفرنج ثم إن السلطان عزم قصد الكرك مرة أخرى فبرز من دمشق، في النصف من محرم سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وسير إلى حلب يستدعي عسكرها، فاعتاق عليه، لاشتغاله بالفرنج بأرض أنطاكية، وبلاد ابن لاون، وذلك أنه كان قد مات، وأوصى لابن أخيه بالملك. وكان الملك المظفر تقي الدين بحماة، فسير إليه السلطان، وأمره بالدخول إلى بلاد العدو، فوصل إلى حلب في سابع عشري محرم، ونزل في دار عفيف الدين بن زريق، وأقام بها إلى ثالث صفر، وانتقل إلى داري الآن، وكانت إذ ذاك في ملك الأمير طمان.

стр. 386

ثم خرج إلى حارم، وأقام بها إلى أن صالحهم في العشر الآواخر من شهر ربيع الأول، ثم سار حتى لحق السلطان، وأما السلطان فإنه سار إلى رأس الماء، واجتمعت إليه العساكر الإسلامية من الموصل، والشرق، ومصر، والشام، بعشترا، بعد أن أتته الأخبار أن البرنس أرناط أيريد الخروج على الحاج، فأقام قريباً من الكرك مشغلاً خاطره، ليلزم مكانه إلى أن وصل الحاج، وتقدم إلى الكرك، وبث سراياه، فنهبوا بلدها وبلد الشوبك، وخربوه. وأرسل إلى ولده الملك الأفضل، فأخذ قطعة من العسكر، فدخل إلى بلد عكا، فأخربوا ونهبوا، وخرج إليهم جمع من الداوية والاسبتارية، فظفروا بهم، وقتل منهم جماعة، وأسر الباقون، وقتل مقدم الاسبتار. وعاد السلطان إلى العسكر، وعرض العسكر قلباً وجناحين، وميمنة وميسرة، وجاليشية وساقة، وعرف كلاً منهم موضعه، وسار على تعبئة، فنرل بالأقحوانة بالقرب من طبرية. وكان القمص صاحبها قد انتمى إلى السلطان، لخلف جرى بينه وبين الفرنج. فأرسل الفرنج إليه البطرك والقسوس والرهبان، وتهددوه بفسخ نكاح زوجته، وتحريمه، فاعتذر، وتنصل، ورجع عن السلطان إليهم. ثم ساروا كلهم بجموعهم إلى صفورية.

стр. 387

فرحل السلطان، يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر، وخلف طبرية وراء ظهره، وصعد جبلها، وتقدم إلى الفرنج، فلم يخرجوا من خيمهم، فنرل، وأمر العسكر بالنزول، فلما جنه اليل، جعل في مقابلة الفرنج من يمنعهم من القتال. ونزل إلى طبرية جريدة، وقاتلها، وأخذها في ساعة من نهار، ونهبوا المدينة وأحرقوها. فلما سمع الفرنج بذلك، تقدموا إلى عساكر المسلمين، فعاد السلطان إلى عسكره، والتقى الفريقان، وجرى بينهما قتال، وفرق بينهما اليل. وطمع المسلمون فيهم، وباتوا يحرض بعضهم بعضاً. فلما كان صباح السبت لخمس بقين من الشهر، طلب كل من الفريقين موضعه، وعلم المسلمون أن الأردن من ورائهم، وبلاد القوم بين أيديهم، فحملت العساكر الإسلامية من الجوانب، وحمل القلب، وصاحوا صيحة واحدة، فهرب القمص في أوائل الأمر نحو صور، وتبعه جماعة من المسلمين، فنجا وحده، فلم يزل سقيماً حتى مات في رجب. حطين وأنهزام الفرنج ونهاية أرناط وأحاط المسلمون بالباقين من كل جانب، فانهزمت منهم طائفة، فتبعها المسلمون فلم ينج منهم أحد. واعتصمت الطائفة الأخرى بتل حطين، وحطين: قرية عندها قبر شعيب ﵇ فضايقهم المسلمون على التل، وأوقدوا النيران حولهم، فقتلهم العطش. وضاق الأمر بهم حتى استسلموا للأسر، فأسر مقدموهم وهم الملك جفري، والبرنس أرناط صاحب الكرك وأخو الملك، وابن الهنفري، وأولاد الست، وصاحب جبيل، ومقدم الداوية، ومقدم

стр. 388

الاسبتار، وأمم لا يقع عليها الإحصاء، حتى كان الرجل المسلم يقتاد منهم عشرين فرنجياً، في حلقهم حبل. وأسروا من المصاف، ومن بلاد الفرنج أكثر من ثلاثين ألفاً من الفرنج، ما بين رجل، وامرأة، وصبي. وقتل من المقدمين وغيرهم خلق لا يحصى. ولم يجر على الفرنج منذ خرجوا إلى الساحل مثل هذه الوقعة. وكان من جملة الغنيمة في يوم المصاف صليب الصلبوت، وهو قطعة خشب مغلفة بالذهب، مرصعة بالجوهر، يزعمون أن ربهم صلب عليها، وضربت في يديه المسامير، أحضروه معهم يوم المصاف تبركاً به، ورفعوه على رمح عال. فأما مقدم الدواية والأسبتار، فاختار السلطان قتلهم فقتلوا، وأما الملك جفري، فإنه أكرمه، وجلس له في دهليز الخيمة، واستحضره، وأحضر معه البرنس أرناط، وناول الملك جفري شربة من جلاب بثلج، فشرب منها، وكان على أشد حال من العطش. ثم ناول الملك بعضها برنس أرناط، فقال السطان للترجمان: قل للملك: أنت الذي سقيته، وإلاما سقيته أنا. وأراد بذلك عادة العرب أن الأسير إذ أكل أو أشرب ممن أسره أمن. وكان السلطان قد نذر مرتين إن أظفره الله به أن يقتله. إحداهما لما أراد المسير إلى مكة والمدينة، وبعثرة قبر النبي ﷺ . والمرة الأخرى أن السلطان كان قد هادنه، وتحالفا على أمن القوافل المترددة من الشام إلى مصر. فاجتاز به قافلة عظيمة، غزيرة الأموال، كثيرة الرجال، ومعها جماعة من الأجناد، فغدر بهم الملعون، وأخذهم وأموالهم وقال لهم: قولوا لمحمد يجيء ينصركم. فبلغ ذلك السلطان سير إليه، وهدده،

стр. 389

ولامه، وطلب منه ردها فلم يجب، فنذر أن يقتله متى ظفر به. فالتفت السلطان إلى أرناط، ووافقه على ما قال، وقال له: هل أنا أنتصر لمحمد. ثم عرض عليه الإسلام، فلم يفعل. فسل السيف، وضربه به، فحل كتفه، وتمم عليه من حضر. وأخذ ورمي على باب الخيمة. فلما رآه الملك على تلك الصورة لم يشد في أنه يثني به، فاستحضره، وطيب قلبه، وقال: لم تجر عادة الملوك أنهم يقتلون الملوك. ولكن هذا طغى، وتجاوز حده فجرى ما جرى. فتح طبرية وعكا وبيروت وغيرها ثم إن السلطان أصبح يوم الأحد، الخامس والعشرين، فنزل على طبرية، وتسلم قلعتها بالأمان من صاحبتها ثم رحل منها يوم الثلاثاء إلى عكا، فنرل عليها يوم الأربعاء سلخ الشهر. وقاتلها يوم الخميس مستهل جمادى الأولى، فأخذها، واستنقذ منها أربعة آلاف أسير من المسلمين، وأخذ جميع ما فيها، وتفرق العسكر. وفتح بعده قيسارية ويالس، وحيفا، وصفورية، والناصرة، والشقيف، والفولة، فأخذوها، واستولوا على سكانها، وأموالها. ورحل السلطان من عكا إلى تبنين، وقاتلها، منها إلى صيدا فتسلمها يوم الأربعاء العشرين منه. ثم سار إلى بيروت، ففتحها في التاسع والعشرين منه. ثم سلمت جبيل، إلى أصحابه وهو على بيروت.

стр. 390

ثم سار إلى عسقلان، ونازلها يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة، وتسلمها يوم السبت سلخ جمادى الآخرة، بعد أن تسلم في طريقه مواضع كالرملة وينبا والداروم. وأقام على عسقلان، وتسلم أصحابه غزة، وبيت جبرين، والنطرون، وبيت لحم، ومسجد الخليل ﵇. تسلم القدس من الفرنج وسار إلى بيت المقدس، فنزل عليه يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب من سنة ثلاث وثمانين، فنزل بالجانب الغربي، وكان مشحوناً بالمقاتلة من الخيالة والرجالة. وكان عليه من المقاتلة ما يريد على ستين ألفاً غير النساء والصبيان. ثم انتقل إلى الجانب الشمالي، يوم الجمعة العشرين من شهر رجب ونصب عليه المنجنيقات، وضايقه بالزحف، والقتال، وكثرة الرماة، حتى أخذ النقب في السور، مما يلي وادي جهنم، في قرنة شمالية. ولما رأوا ذلك وعلموا أن لا ناصر لهم، وأن جميع البلاد التي افتتحها السلطان صار من بقي من أهلها إلى القدس، خرج عند ذلك إليه ابن بارزان، ملقياً بيده، ومتوسطاً لأمر قومه، حتى استقر مع السلطان خزوج الفرنج عنها بأموالهم وعيالهم، وأن يؤدوا عن كل رجل منهم عشرة دنانير، وعن كل امرأة خمسة دنانير، وعن كل طفل لم يبلغ الحلم دينارين. ومن عجز عن ذلك استرق، فبلغ الحاصل من ذلك عن من خرج منهم مائتين وستين ألف دينار صورية، واسترق بعد ذلك منهم نحو ستة عشر ألفا. وكان السلطان قد رتب في كل باب أميراً أميناً لأخذ ما استقر عليهم، فخانوا، ولم يؤدوا الأمانة، فإنه كان فيه، على التحقيق، العدة التي ذكرناها. وأطلق ابن
следующие страницы →