← История

История · id 9872

زبدة الحلب في تاريخ حلب

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (491 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فسيره، وحبسه بحلب، وأقام بكفر طاب، واستولى على بلدها، ونزل بمعرة النعمان، ونهب بلدها، وأخذ ما فيها لبيت المال، وسار إلى حماة، فنزل عليها، في شعبان، وقاتلها إلى أن صالحه الملك المنصور صاحبها، ووزن له ثلاثين ألف دينار، ووافقه. وسار إلى حمص، فصالح الملك المجاهد صاحبها، ووافقه، وسار إلى دمشق فنازلها، واستدعى جهاركس وقراجا من الغور، فدافعا عن الوصول، فسار السلطان الملك الظاهر إليهما بنفسه، ولاطفهما حتى رحلا معه، بعد أن أعطى الملك الأفضل قراجا صرخد، وأخرج أمه وعياله منها، ونزلوا على دمشق، وعزموا على قتالها، ففند جهاركس عن ذلك، وكان قد صار في الباقين مع الملك العادل، وقال: المصلحة أننا نلقى الملك العادل، فإذا كسرناه تم لنا ما نريد. وكان الملك العادل قد نزل من مصر إلى الكرك، ثم توجه إلى نابلس، فلما رأى جهاركس جد الملك الظاهر على حصار دمشق، هرب من العسكر إلى الملك العادل إلى نابلس، وهرب قراجا إلى صرخد، وعصى بها، وتركا خيامهما على حالها وبركتهما، فأنهب السلطان الملك الظاهر ذلك جميعه، ثم زحف بالعساكر على دمشق، وقاتلوها قتالاً شديداً، وأحرقوا العقيبة ونهبوا الخانات. وراسل الملك العادل صاحب الموصل، فاتفق معه، ورجع عن الملك الظاهر، بعد أن وصل إلى رأس عين. وسار الملك الفائز بن العادل من البلاد الشرقية، طالباً تشعيث بلاد

стр. 422

السلطان الملك الظاهر، وشغل خاطره عن حصار دمشق، فسير الملك الظاهر المبارز أقجا وكان من أكبر أمراء حلب ومعه بعض العسكر، فنزل على بالس ونهبها، وسار إلى منبج فنزلها، فوصل الملك الفائز إليها، فانهزم بمن كان معه من العسكر إلى بزاعا، ودخلها الفائز، وبنى قلعتها وحصنها، وسار منها طالباً عسكر حلب إلى بزاعا، فاندفعوا بين يديه إلى حلب، وأقام على بزاعا أياماً، وجفل بلد حلب خوفاً منه، وهرب فلاحوه. ورحل إلى أبيه إلى نابلس، فسير الملك العادل نجدة تدخل إلى دمشق، فبلغ حديثها الملك الظاهر، وقد أحدقت العساكر بدمشق، فكمن لهم كميناً، فوقعوا عليهم، وقتلوا منهم جمعاً كثيراً، وانهزم بعضهم، ولم يدخل إلى المدينة إلا القليل. ونكث صاحب حماة، وخرج إلى ناحية الروج، وأغار عليه، ونهب رستاق شيزر. وسار عسكر حلب إلى منبج، فلم يجد فيها مطمعاً، واستدعاهم الملك الظاهر، فمضوا إليه إلى دمشق، وطال الحصار، وضجر العسكر، وهرب شقير، والجحاف، بعد استيلاء الفائز على منبج، وكان خير الجحاف. الأفضل والظاهر يختلفان ووقع الخلف بين الملك الأفضل والملك الظاهر على دمشق، فالملك الظاهر يريدها لنفسه، لأنه أخرج الخزائن، وبذل الأموال، وحصرها بعسكره، والملك الأفضل يريدها لنفسه لأنها بلده، وأنه أخرج صرخد من يده بسببها. وحصل بينهما منافرة أوجبت رحيل الملك الظاهر، ومعه ميمون القصري، وسراسنقر، وأيبك فطيس، والبكي الفارس، والقبيسي. ورحل الملك الأفضل فنزل حمص، عند صاحبها الملك المجاهد، وزوج ابنه الملك المنصور إبراهيم بابنة الملك الأفضل. وسار الملك الظاهر إلى حماة، فأغار عليها، وشعث بلدها، وصانع صاحبها

стр. 423

الملك المنصور، على مال أخذه منه، وسار إلى منبج، وعزم على أن يهجمها بالسيف، ويقتل جميع من بها، لأنهم قاموا مع الملك الفائز، فشفع إليه الأمراء في أن يسلموها طائعين، ويعفو عنهم، فتسلمها، وأقطعها ابن المشطوب، في المحرم من سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. ثم دخل إلى حلب، وأقطع ميمون القصري عزاز، وشيح، وبلد الخوار، وأقطع أيبك فطيس أقطاعاً أرضاه، وعاد عنه سراسنقر، وتسلم السلطان أفامية من ابن المقدم، وعوضه عنها بالراوندان. وتوفي وزير السلطان الملك الظاهر جمال الدين أبو غالب عبد الواحد بن الحصين البغدادي في شعبان سنة سبع وتسعين، وكان في خدمة أبيه الملك الناصر، فانتقل بعد موته إلى حلب، ووزر له، وصار وزيره بعده نظام الدين أبو المؤيد محمد ابن الحسين. ووصل الملك العادل إلى دمشق، فتوجه إليه الملك المجاهد صاحب حمص، ومعه الملك الأفضل، وترقق إليه، فأعطى الملك الأفضل شيحتان وجملين والموزر وقلعة السن وسميساط. وسار إليها الملك الأفضل، ونزل الملك العادل إلى حماة، وراسل الملك الظاهر، حتى استقر الصلح بينه وبينه، على أن خطب له الملك الظاهر بحلب، وضرب السكة باسمه مع اسمه، في شهر جمادى الآخرة، من سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وصعد الرسول شمس الدين بن التنبي إلى المنبر، وقت إقامة الدعوة له، يوم الجمعة، ونثر ذهباً كثيراً على الناس. وبلغ الملك الظاهر، عن ابن المشطوب، أنه كان قد عزم على المخامرة، فسير إلى منبج العسكر، وأخذها منه، وعفا عنه، وهدم قلعتها وسورها، فمضى ابن المشطوب إلى الشرق. وجمع الملك الظاهر العرب في دابق، لأخذ العداد منهم، وخاف ابن المقدم منه، فهرب إلى الراوندان، ليعصي بها، فسار الملك الظاهر خلفه، ولم يمهله،

стр. 424

فلم يبت في قلعتها غير ليلة واحدة. ومضى إلى بدر الدين دلدرم، بتل باشر، منهزماً من السلطان. فوصل السلطان إليها ونزل عليها محاصرا لها، فسلمها من كان بها إليه، وحار جميع ما كان فيها من الذخائر والأموال، ورتب أمورها. وسار منها إلى منبج وسير نجدة للملك الكامل ابن عمه العادل، وكان نازلاً على ماردين لأن صاحبها صار مع ركن الدين بن قلج رسلان، ونزل السلطان في بدايا، واتفق الأمر بينه وبين صاحب ماردين وابن الملك على الصلح، فعاد إلى حلب بعد أن توجه إلى البيرة. وخرج من البحر جمع كبير من الفرنج، في سنة تسع وتسعين وخمسمائة. ووصلت طائفة منهم إلى جهة انطاكية، مجتازة على اللاذقية في البر، وكان مقطع اللاذقية إذ ذاك، سيف الدين بن علم الدين. وعبروا في أرض اللاذقية، على كره من المسلمين، وفي عزمهم إن رأوا لهم طمعاً في اللاذقية يأخذوها. فخرج سيف الدين بعسكره، والتقوا، ونصره الله عليهم، وأسر ملوكهم ومقدميهم وكان ملكهم أعور وقتل منهم جمعاً كثيراً، ووصل الأسرى، والملك، والرؤوس، والخيل والسلاح، إلى حلب وكانت غنيمة عظيمة. وعصى الملك الأفضل على عمه الملك العادل، في البلاد التي كان أعطاه إيا ها، فسير، واستعاد منه شيحتان، وجملين، والموزر، وسروج، والسن، وسار الملك الظاهر إلى قلعة نجم فأخذها من الملك الأفضل، خوفاً أن يستولي عليها عمه، وكان الملك الظاهر قد سلمها إلى الأفضل، فوصلت أم الملك الأفضل إلى حلب، تسأل الملك الظاهر، سؤال عمه فيه، وفي رد البلاد عليه، فسير معها إلى دمشق سيف الدين بن علم الدين في ذلك، فلم يجب إلى ترك شيء من البلاد عليه، سوى سميساط. وشرط عليه أن لا تكون له حركة بعد ذلك. من حوادث سنة ٦٠٠ هجرية ووصلت الأخبار بحركة الفرنج إلى جبلة واللاذقية، فسير السلطان إليها العساكر، وأمرهم بخراب جبلة واللاذقية فلم يكن للفرنج حركة. وخربت قلعة

стр. 425

اللاذقية والعتيقة وكانت من جهة الشمال وذلك بعد أن أخذت اللاذقية من ابن جند، وسيف الدين بن علم الدين. وولد للسلطان الملك الظاهر ولده، الملك الصالح أحمد في صفر، وسر به سروراً عظيماً، وزين البلد والقلعة، ولبس العسكر في أجمل هيئة وزي. ولبس السلطان، ولعب العسكر معه في ميدان باب الصغير. وفي محرم سنة إحدى وستمائة، هجم ملك الأرمن ابن لاون، وهو من ولد بردس الفقاس، الذي كان في زمن سيف الدولة صاحب أنطاكية فسير الملك الظاهر عسكراً من حلب، لنجدة البرنس صاحبها. فلما وصلوا إلى العاصي، ضعف أمر ابن لاون عندهم، وقاموا عليه، وأخرجوه منها، وقتلوا جماعة كبيرة من أصحابه، فعاد عسكر حلب إليها، ففسخ ابن لاون الهدنة، وأغار على بلد العمق، واستاق مواشيها، وشرع في عمارة حصن داثر في الجبل، بالقرب من دربساك، ليضيق به عليها. وأرسل إلى السلطان، وسأله أن يخلي بينه وبين أنطاكية. وأن يعيد جميع ما أخذه من العمق، فأجابه إلى ذلك، وهادنه على هذا الأمر. ونزل على أنطاكية، وخرب رستاقها، ووقع فيها غلاء عظيم، فكان الملك الظاهر يمد أهل أنطاكية بالغلال، حتى قويت. غارات ابن ليون الأرمني فجرد ابن لاون في جمادى الأولى، في الليل، عسكراً في ليلة الميلاد، وجاء على غفلة إلى ربض دربساك، فلم ينكروا وقود النار في ليلة الميلاد، فقاتلهم أهل الربض ومن به من الأجناد، في بيوت الربض، فلم يظفروا منهم بطائل، وطلع الفجر، فانتشروا في أرض العمق، ونهبوا من كان فيه من التركمان، وداموا إلى صحوة ذلك النهار، ورجعوا. وابتدرت عساكر تلك الناحية من المسلمين فلم يدركوهم، ودخل الأرمن إلى جبل اللكام، فجاءهم في الليل ثلج عظيم، وهلك ما معهم من الخيل والمواشي،

стр. 426

فكانوا يسلخون الشاء ويلبسون جلودها، لشقة البرد. فسير الملك الظاهر عسكرا من عسكر حلب يقدمه ميمون القصري، ومعه أيبك فطيس، فنرلوا على حارم، وقطعة من العسكر مع ابن طمان بدربساك وسيف الدين بن علم الدين نازل بعسكره على تيزين وكانت جارية في أقطاعه وفي أكثر الأيام تجري وقعات بين العسكر المقيم بدربساك، وبين عسكر ابن لاون ببغراس. وخرج السلطان إلى مرج دابق، في شعبان من هذه السنة، للدخول إلى بلد لاون، وجمع العساكر، وسير إليه عمه الملك العادل، وغيره من ملوك الإسلام النجد، فأقام بدابق إلى أن انسلخ شهر الصيام. فسار ابن لاون من الثنيات، وجاء على غير طريق البرك في الليل، فأصبح في العمق غائراً على غزة من العسكر، وكبس العسكر الذي كان مع ميمون، حتى حصلوا معهم في الخيام، وقابلوهم على غير أهبة فقاتلهم المسلمون، فقتل منهم جماعة، ولم يلبث إلا قليلاً، وعاد، وساق سيف الدين من تيزين، فوجده قد رجع. وبلغ الخبر إلى السلطان، وهو بدابق، فسار بالجيوش التي معه فنزل بالعمق، واجتمع من العساكر والتركمان ما لا يحد كثرة، فسير ابن لاون يبذل الطاعة، وأن يهدم الحصن الذي بناه بقرب دربساك. فأعرض عنه، ورد فلاحي العمق، وعمر ضياعه، وكمل استغلال ذلك البلد، والرسل تتردد في إصلاح الحال، إلى أن استقرت القاعدة: على أن يهدم لاون الحصن الذي بناه، ويرد جميع ما أخذ في الغارة، ويرد جميع أسارى المسلمين الدين في يده، وأن لا يعرض لأنطاكية. وقرر الصلح إلى ثماني سنين، وخرب الحصن، ورد ما استقر الأمر عليه. ودخل السلطان حلب، في سنة ثلاث وستمائة، وأمر جماعة من مماليكه وأصحابه. وعاد الفرنج على بلد حماة، في سنة خمس وستمائة، فسير الملك الظاهر من حلب، نجدة من عسكره.

стр. 427

الرد على الفرنج وظهور كيخسرو ونزل الملك العادل على قدس، وغارت خيله على طرابلس، وخربوا حصونها، وشتى بحماة إلى أن انقضى فصل الربيع. وعاد إلى دمشق، وعاد ابنه الأشرف، إلى بلاده من خدمة أبيه، فعبر في حلب، فالتقاه الملك الظاهر، واحتفل به، وأنزله في داره بقلعة حلب، وقدم له تحفاً جليلة من السلاح، والخيل، والذهب، والجوهر، والمماليك، والجواري، والثياب، بما قيمته خمسون ألف دينار، وودعه بعد سبعة أيام، إلى قراحصار، وعاد إلى حلب. وقصد كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد ابن لاون، وطلب نجدة من السلطان الملك الظاهر، فأرسل إليه عسكراً مقدمه سيف الدين بن علم الدين، وفي صحبته أيبك فطيس، فاجتمعوا بمرعش، ونزلوا على برنوس في سنة خمس وستمائة، فافتتحوها، وافتتحوا حصوناً عدة من بلد ابن لاون. فراسل لاون الملك العادل، والتجأ إليه، فأرسل الملك العادل إلى كيخسرو وإلى الملك الظاهر، فابتدر كيسخرو، وصالح ابن لاون على أن يرد حصن بغراس إلى الداوية، وأن لا يعرض لأنطاكية، وأن يرد ماله الذي تركه عنده، في حياة أخيه ركن الدين. وكان قد خاف من أخيه، فقدم حلب، وأقام عند الملك الظاهر مدة، وخاف الملك الظاهر من أخيه ركن الدين، أن يتغير قلبه عليه بسببه، وأنه ربما يطلبه منه، فلا يمكنه تسليمه إليه، فأعرض عنه. فدخل إلى ابن لاون، ثم خاف منه، فانهزم، وترك عنده مالاً وافراً، فاحتوى عليه فرده عليه، عند هذه الهدنة. ودفع إليه جميع الأسرى من المسلمين، الذين كانوا في بلاده، وأن لا يعرض لبلاد السلطان الملك الظاهر. ووصلت نجدة حلب إلى حلب. العادل في الجزيرة وخرج العادل من دمشق، في سنة ست وستمائة، وطلب من الملك الظاهر

стр. 428

نجدة، تكون معه إلى الشرق، ليمضي إلى خلاط، لدفع الكرج عنها، فسير إليه نجدة، وعبر الفرات. فلما وصل إلى رأس عين، رحل الكوج عن خلاط، ووصل إليه صاحب آمد، فسار في العسكر إلى سنجار، وأقطع بلد الخابور، ونصيبين. ونزل على سنجارمحاصراً لها، وشفع إليه مظفر الدين بن زين الدين، في صاحب سنجار، فلم يقبل شفاعته. وقال: لا يجوز لي في الشرع، تمكين هؤلاء من أخذ أموال بيت المال في الفساد وترك خدمة الأجناد، في مصلحة الجهاد، وضايق سنجار، وقاتلها في شهر جمادى الآخرة. وقام نور الدين بن عز الدين صاحب الموصل في نصرة ابن عمه صاحبها، واتفق مع مظفر الدين، وتحالفا، وأفسدا جماعة من عسكر الملك العادل، وراسلا الملك الظاهر، على أن يجعلاه الس لطان، ويخطبوا له، ويضربوا السكة باسمه. وجعل الملك الظاهر يداري الجهتين، والرسل تتواتر إليه من البلدان، وهو في الظاهر في طاعة عمه وعسكره معه، وفي الباطن في النظر في حفظ سنجار، ومداخلة المواصلة، وهو يظهر لعمه أنه متمسك بيمينه له، إلى أن أرسل أخاه الملك المؤيد، ووزيره نظام الدين الكاتب إلى عمه، معلماً له أن رسول الموصل، ومظفر الدين، وصلا يطلبان منه الشفاعة إليه، في إطلاق سنجار، وتقرير الأمر على حالة يراها. وتوسط الحال عند قدومه، على أن شفع فيهم الملك الظاهر، وأطلق لهم سنجار، واستنزلهم عن الخابور ونصيبين. وعاد الملك المؤيد، من حضرة عمه بالبر الوافر. فلما وصل رأس عين، دخل إليها في ليلة باردة كثيرة الثلج، فنزل في دار فيها منرل مجصص، فستر بابه،

стр. 429

وسد ما فيه من المنافس، وأوقد فيه نار من منقل، وعنده ثلاثة من أصحابه، فاختنق، وواحد من أصحابه، وحمل إلى حلب ميتاً في شعبان، من سنة ست وستمائة. وجرى على الملك الظاهر منه ما لا يوصف من الحرن والأسف. ووصل الملك العادل إلى حران، وخافه صاحب الموصل والجريرة، فراسل الملك الظاهر، وطلب منه أن يخلي بينه وبين ملوك الشرق، وأن يحتكم في ما يطلبه منه، وراسله صاحب الموصل، وصاحب إربل، وصاحب الجزيرة، يعتضدون به وهو لا يؤيسهم. فخرج السلطان إلى حيلان بعسكره، ثم رحل إلى السموقة وراسل عمه في مهادنتهم وتطييب قلوبهم، وهو مخيم على لا السموقة على نهر قويق وطلب منه أن تكون كلمة المسلمين كلهم متفقة. وكذلك تدخل في الصلح ملك الروم، وأن يقصدوا الفرنج بجملتهم، فإن الفرنج في نية التحرك، وخامر جماعة من عسكر الملك العادل. ووصل ابن كهدان إلى السلطان الملك الظاهر، فأكرمه، فتخاذل عسكر الملك العادل، فاتفق الحال بينهم على الصلح، ودخول ملوك الإسلام فيه. زواج الظاهر وعنايته بالعمران وتمت المصاهرة بين الملك العادل والملك الظاهر على ابنته الخاتون الجليلة ضيفة خاتون بنت الملك العادل وشرع السلطان في عمل قناة حلب وفرقها على الأمراء، والخواص. وحرر عيونها، وكلس طريقها جميعه، حتى كثر الماء بحلب. وقسم الماء فى جميع محال حلب. وابتنى القساطل في

стр. 430

المحال. ووقف عليها وقفاً لإصلاحها، وذلك في سنة سبع وستمائة. وتوفي وزير السلطان الملك الظاهر نظام الدين محمد بن الحسين بحلب، بعلة الدوسنطاريا، في صفر سنة سبع وستمائة. وكان ﵀ وزيراً صالحاً مشفقاً، ناصحاً، واسطة خير عند السلطان، لا يشير عليه إلا بما فيه مصلحة رعيته والإحسان إليهم. وقام بعمه بكتابة الإنشاء والأسرار شرف الدين أبو منصور بن الحصين، وشمس الدين بن أبي يعلى كان مستوفي الدواوين. فلما مات أبو منصور بن الحصين استقل بالوزارة، وأضيف إليه ديوان الإنشان مع الاستيفاء. وعمر السلطان باب قلعة حلب، والدركاه، وأوسع خندقها وعمل البغلة من الحجارة الهرقلية، وعمق الخندق، إلى أن نبع الماء في سنة ثمان وستمائة. وخرجت من مصر، في هذه السنة، الملكة الخاتون، ضيفة خاتون بنت الملك العادل إلى حلب، مع شمس الدين بن التنبي. والتقاها الملك الظاهر بالقاضي بهاء الدين من دمشق، ثم بالعساكر الحلبية بعد ذلك بتل السلطان واحتفل في اللقاء، وبالغ في العطاء. ووصلت إلى حلب في النصف من المحرم من سنة تسع وستمائة. وملك ابن التنبي قرية من قرى حلب، من ضياع الأرتيق يقال لها تلع وأعطاه عطاء وافراً، وحظيت عنده حظوة، لم يسمع بمثلها. ووقعت النار في مقام إبراهيم ﵇ وهو الذي فيه المنبر، ليل الميلاد، وكان فيه من الخيم والآلات والسلاح ما لا يوصف، فاحترق الجميع، ولم يسلم غير الجرن الذي فيه رأس يحيى بن زكريا ﵇ واحترقت السقوف والأبواب، فجدده السلطان الملك الظاهر، في أقرب مدة أحسن مما كان. وتوفي شرف الدين عبد الله بن الحصين كاتب السلطان، واستقل شمس الدين عبد الباقي بن أبي يعلى بالوزارة، في سنة تسع وستمائة. وشرع الملك الظاهر في هدم باب اليهود وحفر خندقه وتوسعته. وبناه بناء حسناً، وغيره عن صورته التي كان عليها، وبنى عليه برجين عظيمين، وسماه باب النصر. وأتم بناءه، في سنة عشر وستمائة.

стр. 431

وولد للسلطان الملك الظاهر ولده الملك العزيز، من ابنة عمه الخاتون ضيفة خاتون،، في يوم الخميس خامس ذي الحجة من سنة عشر وستمائة فضربت البشائر، وزينت مدينة حلب، وعقدت القباب. وفي اليوم السابع عشر، من ميلاده، ختن السلطان أخاه الملك الصالح، واحتفل بختانه، ونصب الزورق، من قلعة حلب إلى المدينة، ونزل فيه الرجال، وعملوا من الآلات والتماثيل التي ركبوها، حالة النرول أنواعاً وطهر أولاد الأكابر من أهل المدينة، وشرفهم، وخلع عليهم. فجدد السلطان الملك الظاهر باشورة حلب، من باب الجنان إلى برج الثعابين، وبنى لها سوراً قوياً ظاهراً عن السور العتيق، وجدد فيه أبرجة كالقلاع، وعزم على أن يفتتح بالقرب من برج الثعابين باباً للمدينة، ويسميه باب الفراديس، وكان يباشر الإشراف على العمارة بنفسه. وأمر قي هذه السنة بتجديد ربض الظاهرية، خارج باب قنسرين، فيما بينه وبين النهر، فنسب إليه لذلك، وخربت الياروقية، وانتقل معظم أهلها إليه. ووثب الإسماعيلية على ابن الإبرنس، بكنيسة انطرسوس، فقتلوه، فجمع البرنس جموع الفرنج، ونزل على حصونهم، وقتل وسبى، وحصر حصن الخوابي فكتبوا إلى السلطان، يستغيثون به، ويستنجدونه، فاستخدم السلطان مائتي راجل. وسير جماعة من عسكر حلب، يحفظونه، ليدخلوا إلى حصن الخوابي، ويمنعوا الفرنج من الاستيلاء عليه. وجرد عسكراً من حلب، مع سيف الدين بن علم الدين، ليشغل الفرنج من جهة اللاذقية ليتمكن الرجالة من الدخول إلى الحصن. فلما سمع الفرنج بذلك، كمنوا كميناً للرجالة والخيالة، الذين يحفظونهم، فأسروا الرجالة، وقتلوهم، وقبضوا ثلاثين من الخيالة، وذلك في حادي عشر شهر رجب. فعند ذلك خرج الملك المعظم ابن العادل، من دمشق، بعسكره، ودخل غائراً في بلد طرابلس، فلم يترك في بلدها قرية إلا نهبها، وخربها، واستاق الغنائم والأسرى، فرحلوا عن الخوابي، وأطلقوا الأسرى الدين أسروهم من أصحاب السلطان الملك الظاهر،، وراسلوه، معتذرين، متلطفين، وافترقوا عن غير زبدة حصلت لهم.

стр. 432

وتمت الباشورة، والباب والأبرجة، في سنة اثنتي عشر وستمائة. ولم يتم فتح الباب، وسده طغرل الأتابك، مات الملك الظاهر، إلى أن فتحه السلطان الملك الناصر أعز الله نصره على ما نذكره، في سنة اثنتين وأربعين وستمائة. ولاية العهد وموت الظاهر ووقعت المراسلة بين السلطان الملك الظاهر،، وبين السلطان كيكاوس بن كيخسرو واتفقا على أن يمضي السلطان إلى خدمته، ويتفق معه خوفاً من عمه فأجابه كيكاوس إلى ذلك، وخرج بنفسه إلى أطراف البلاد. وندم السلطان على ما كان منه، ورأى أن حفظ بيته أولى، وأن اتفاقه مع عمه أجمل، فسير القاضي بهاء الدين قاضي حلب إلى عمه إلى مصر برسالة، تتضمن الموافقة: أنه قد جعل ابنه الملك العزيز محمداً، ابن ابنة الملك العادل، ولي عهده وطلب من الملك العادل أن يحلف له على ذلك. فسار إلى مصر، فرتب السلطان خيل البريد، تطالعه بما يتجدد من أخبار عمه لينظر في أمره، فإن وقع منه ما يستشعر منه، خرج بنفسه إلى كيكاوس، وهو مع هذا كله في همه تجهيز الجيوش، والاستعداد للخزوج إلى كيكاوس، والاجتماع معه على قصد بلد ابن لاون أولاً. وكان ابن لاون قد ملك أنطاكية، وضاق ذرع السلطان بمجاورته، لعلمه بانتمائه إلى عمه. فوصلت الأخبار من القاضي من مصر، أن الملك العادل أجاب الملك الظاهر إلى كل ما اقترحه، وسارع إلى تحصيل أغراضه، ولم يتوقف في أمر من الأمور. وجعل كيكاوس يحث السلطان على الخروج، ويذكر أنه ينتظره، ونشب السلطان به، وضاق صدره، وبقي مفكراً في أن عمه قد وافقه، ولا يرى الرجوع عنه إلى ملك الروم، فيفسد ما بينه وبين عمه، ويغض من قدره بالخزوج إليه، ويفكر في حاله مع ملك الروم، وفي كونه وعده بالخروج إليه والاجتماع به إذا خرج، وأنه إن رجع عن ذلك فسد ما بينه وبين ملك الروم، والعسكر قد برز، وهو مهتم في ذلك الأمر. وطلب الاعتذار إلى ملك الروم بوجه يجمل.

стр. 433

فلشدة فكره، وضيق صدره، هجم عليه مرض حاد في جمادى الآخرة في سنة ثلاث عشرة وستمائة. واعترته أمراض شتى. واشتد به الحال. وجمع مقدمي البلد وأمراءه، واستحلفهم لابنه الملك العزيز محمد، ثم من بعده لابنه الملك الصالح أحمد، ثم من بعده لابن أخيه، وزوج ابنته: الملك المنصور محمد بن الملك العزيز. وجعل الأمير سيف الدين بن علم الدين مقدم العسكر وشهاب الدين طغرل الخادم والي القلعة. ومتولي الخزانة، وتربية أولاده، والنظر في مصالح الدار والنساء. وأ نزل بدر الدين أيدمر والي قلعة حلب منها، وأقطعه زيادة على ما كان في يده من الأقطاع قلعة نجم، بذخائرها وعددها، وزردنا أمع تسع ضياع آخر من أمهات الضياع. وحلف إخوة السلطان على ذلك. واستشعر السلطان من أخيه الملك الظاهر خضر وكان مقيماً بالياروقية فأقطعه كفر سوذ، وتقدم إليه بالتوجه إليها، فسار إليها، فسبقه الملك الزاهر، فاستولى عليها، وعلى البيرة وحروص والمرزبان ونهر الجوز والكرزين والعمق. ومات السلطان الملك الظاهر ﵀ بقلعة حلب، في الخامس والعشرين، من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة وستمائة، وكتم خبر موته

стр. 434

ذلك اليوم، حتى دفن في الحجرة، إلى جنب الدار الكبيرة، التي أنشأها بقلعة حلب. ثم أركب في اليوم الثاني من موته ولداه: الملك العزيز، والملك الصالح وأنزلا بالثياب السود إلى أسفل جسر القلعة، وصعد أكابر البلد إليهما. وأصيب أهل حلب بمصيبة فتت في أعضادهم. وكان له ﵀ في كل دار بها مأتم وعزاء، وفي كل قلية نكبة وبلاء: والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير

стр. 435

القسم التاسع والعشرون اتفاق الأمراء ووصل القاضي بهاء الدين من الرسالة، في اليوم الثالث، والوزير ابن أبي يعلى، قد استولى على التدبير، وحكم على الصغير والكبير، فصعد إلى القلعة، واجتمع بشهاب الدين طغرل، وصرفه عن اضافة الأمور إلى الوزير. وقرر أن الأمراء يجتمعون، ويتشاورون فيما يدبرونه، وأن لا يخرج الأمر عن رأي شهاب الدين أيضاً، فاجتمعوا بدار العدل، واتفقت أراؤهم على أن يكون الملك المنصور بن العزيز أتابك العسكر، وأمر الأقطاع إليه، وأمر المناصب الدينية يكون راجعاً إلى شهاب الدين طغرل، وحلفوه على ذلك، وركب، والأمراء كلهم في خدمته. ونزل الملك العزيز، والملك الصالح، وجلسا في دار العدل، والملك العزيز في منصب أبيه، وأخوه إلى جانبه، والملك المنصور، إلى جانبهما ثم اضطربت الحال، ولم يرض إخوة الظاهر، بولاية المنصور. ووصل في أثناء ذلك رسول الملك الرومي كيكاوس وكان مخيماً بالقرب من البلاد ينتظر وصول السلطان الملك الظاهر إليه فسير رسولاً معزياً، ومشيراً بالموافقة معه، وأن يكون الملك الأفضل أتابك العسكر، فإنه عم الملك العزيز، وهو أولى بتربيته وحفظ ملكه. ومال الأمراء المصريون مثل: مبارز الدين يوسف بن خطلخ، ومبارز الدين سنقر الحلبي، وابن أبي ذكرى الكردي، وغيرهم، إلى هذا الرأي، وقالوا: إن هذا ملك كبير، ولا ينتظم حفظ الملك إلا به، وإذا صار أمر حلب راجعاً إليه كان قادراً على أخذ ثأره من عمه، وأخذ الملك به

стр. 436

ورأى القاضي بهاء الدين، وسيف الدين بن علم الدين، وسيف الدين بن قلج، وغيرهما، غير ذلك، وقالوا: إن هذا إذا فعل، كان الملك العزيز على خطر من الجانبين، لأن الملك العادل ملك عظيم، وصاحب الديار المصرية، فإذا قبلنا ذلك خرج من أيدينا، فإن كانت الغلبة له انتزع الملك من أيدينا. وإن كانت عليه فلا نأمن أن الملك الأفضل، يتغلب على ابن أخيه وينتزع الملك منه، ويستقل به، كما فعل الملك العادل بابن العزيز، والملك العادل قد حلف للملك الظاهر،، ولابنه الملك العزيز من بعده، وهو ابن ابنته، وابنته بقلعة حلب، ونحن نطالبه بالوفاء بالعهد، وهو يذب عن حلب كما يذب عن غيرها من ممالكه، وأمور الخزائن هي راجعة إلى شهاب الدين طغرل، وهو متولي القلعة. والرأي أن يقع الاتفاق عليه، فإن المال عنده بالقلعة، وهو فيها ينتصف ممن خالفه، وقد وقع اعتماد الملك الظاهر عليه. فاتفق رأيهم كلهم عليه. وعملت نسخة يمين، حلف بها جماعة والمقدمين من أهل البلد، على الموالاة، والطاعة للملك العزيز، ثم من بعده لأخيه الملك الصالح، وعلى الموالاة لأتابكه شهاب الدين طغرل، وانقاد الجميع له طائعين ومكرهين. وأبعد الوزير ابن أبي يعلى، وصرف، واستقر الأمر على ذلك، في أواخر شعبان، في السنة. وسار ابن أبي يعلى عن حلب، في شهر رمضان من السنشة، واستقل طغرل بترتيب البلاد والقلاع وتفريق الأموال والأقطاع، ولا يخرج في ذلك كله، عن رأي القاضي بهاء الدين، وسيف الدين بن علم الدين، وسيف الدين بن قلج. وأقطع علم الدين قيصر دربساك، وابن أمير التركمان اللاذقية، وسير علم الدين إلى الملك الزاهر، أولاً، يعاتبه على استيلائه على البلاد، فاعتقله، وقال: أنا أحق بذلك، فإنني كنت ولي العهد لأخي، وقد حلف لي الناس. وطمع بملك حلب، ثم انقاد إلى الطاعة والخطبة، وشرط أن تبقى البلاد، التي استولى عليها بيده، فأجيب إلى ذلك.

стр. 437

ولما استقر أمر الأتابكية لشهاب الدين طغرل، كره ذلك جماعة من الممالكيك الظاهرية، فعمد عز الدين أيبك الجمدار الظاهري، واستضاف إليه جماعة من المماليك الظاهرية، والأجناد. وكاتب الأسد أقطغان، وكان والي حارم واتفق معه على أن يأتي إليه، إلى حارم بالجماعة الذين وافقهم، ويفتح له القلعة، فإذا حصلوا بها انضم إليهم جماعة غيرهم، وكان لهم شأن حينئذ. وكان العسكر المقيم بحارم قد أصعد إلى القلعة، ورتب بها، وفيها المبارز أيوب ابن المبارز أقجا، فأحسوا باختلاف أمر الأسد الوالي، وأنكروا عليه أشياء، فاستيقظوا لأنفسهم، واتفقوا على حفظ القلعة، والإحتياط عليها. وسار أيبك الجمدار إلى حارم، ووقف تحت القلعة، ورام الصعود إليها، فمنعه الأجناد والأمراء، الذين في القلعة من ذلك، ولم يمكنوا الوالي من التحرك فيها بحركة، واحتاطوا عليه. فسار أيبك إلى دربساك، وطمع أن يتم له فيها حيلة أيضاً، فلم يستتب له ذلك، وعصى ألطنبغا بقلعة بهسنى، وانضاف إلى ملك الروم كيكاوس. وانتظم الأمر بعد ذلك، وسكنت الفتنة، في أواخر شوال من السنة. ونزل الملك العادل من مصر إلى الشام، وأرسل إلى أتابك بما يطيب نفسه، وسير خلعة للملك العزيز، وسنجقاً، وحلف له على ما أوجب السكون والثقة. تحرك الفرنج وملك الروم واتفق خروج الفرنج من البحر، وتجمعوا في أرض عكا، وأغاروا على الغور، واندفع الملك العادل بين أيديهم، إلى عجلون، ثم إلى حوران، ثم نازل الفرنج الطور، وزحفوا عليه، فكانت النصرة للمسلمين، وقتل منهم جمع كثير، وانهزموا عنها، وهدمها الملك العادل.

стр. 438

وسار الفرنج إلى دمياط، ونزلوا عليها، وبينها وبينهم التيل، والملك الكامل في مقابلتهم، واستدعى الملك العادل ابنه الملك الأشرف، فسار في عسكره إلى حمص، ودخل بلاد الفرنج، ليشغلهم عن محاصرة دمياط. فدخل إلى صافيتا، فخربوا ربضها، ونهبوا رستاقها، وهدموا ما حولها من الحصون، ودخلوا إلى ربض حصن الأكراد، فنهبوه، وحاصروا القلعة، حتى أشرفت على الأخذ، والملك العادل مقيم في عالقين. وتحرك ملك الروم كيكاوس، ومعه الملك الأفضل، طالباً أن يملك حلب، ويطمع الأفضل أن يأخذها له، ليرغب الأمراء في تمليكه عليهم، وكاتب جماعة من الأمراء، وكتب لهم التواقيع، ومن جملة من كاتبه علم الدين قيصر. وكتب له توقيعاً بأبلستان. واغتنما شغل قلب الملك العادل بالفرنج، ووافقهما الملك الصالح صاحب آمد وكان كيكاوس يريد الملك لنفسه، ويجعل الأفضل ذريعة لتوصل إليه، وكاتبه أمراء حلب الذين كانوا يميلون إلى الأفضل. فجمع العساكر، واحتشد، واستصحب المناجيق، وسار في شهر ربيع الأول، فنزل رعبان وحصرها، وفتحها. فسير الأتابك شهاب الدين زين الدين بن الأستاذ رسولاً إلى الملك العادل، يستصرخه على الرومي، والأفضل. فكتب إلى ولده الملك الأشرف، يأمره بالرحيل إلى إنجاد حلب بالعساكر، وسير إليه خزانة، وجعل الملك المجاهد صاحب حمص في مقابلة الفرنج. وسار الملك الأشرف، حتى نزل حلب بالميدان الأخضر. وخرج الأمراء إلى خدمته، واستحلفهم، وخلع عليهم، وأتاه مانع أمير العرب بجموعه المتوافرة، وعاث العرب في بلد حلب، والملك الأشرف يداريهم لحاجته إليهم.

стр. 439

وسار علم الدين قيصر إلى ملك الروم من دربساك، وجاهر بالعصيان، ونزل نجم الدين ألطنبغا إليه من بهسنى، وتسلم الرومي المرزبان، وسار إلى تل باشر وهي في يد ولد بدر الدين دلدرم فنازلها، وحصرها، وفتحها. ولم يعط الملك الأفضل شيئاً من البلاد التي افتتحها. فتحقق الملك الأفضل فساد نيته، وسار إلى منبج، ففتحها بتسليم أهلها، وكان قد صار في جملته رجل يقال له الصارم المنبجي، وله اتباع بمنبج فتولى له أمر منبج، وشرع في ترميم سورها، واصلاحه. وسار الملك الأشرف نحوه من حلب إلى وادي بزاعا على عزم لقائه، وجماعة من الأمراء المخامرين في صحبته، فنزل في وادي بزاعا. وسير الرومي ألف فارس، هم نخبة عسكره، ومقدمهم سوباشي سيواس، فوصلوا إلى تل قباسين فوقع عليهم العرب، واحتووا عليهم، وعلى سوادهم. وركب الملك الأشرف، فوصل إليهم، وقد استباحوهم قتلاً وأسراً، وسيروا الأسرى إلى حلب، ودخلوا بهم والبشائر تضرب بين أيديهم، وأودعوا السجن. ولما سمع كيكاوس ذلك، سار عن منبج هارباً، ورحل الملك الأشرف من منزلته، واتبعه يتخطف أطراف عسكره، حتى وصل إلى تل باشر، فنزل عليها، وحاصرها حتى افتتحها، وسلمها إلى نواب الملك العزيز، وقال: هذه كانت، أولاً، للملك الظاهر ﵀ وكان يؤثر ارتجاعها إليه، وأنا أردها إلى ولده. وذلك في جمادى الأولى، من سنة خمس وعشرة وستمائة. ثم إنه ملكها للأتابك شهاب الدين طغول، في سنة ثمان عشرة وستمائة، بجميع قراها.

стр. 440

ثم سار الملك الأشرف إلى رعبان وتل خالد فافتتحهما وافتتح برج الرصاص، وأعطى الجميع الملك العزيز. وأقطعت رعبان لسيف الدين بن قلج. وعاد منكفئاً إلى حلب، ونزل على بانقوسا. موت العادل وملك الكامل وكان الخبر قد ورد بموت الملك العادل ﵀ وكان مرض على عالقين، فرحل إلى دمشق، فمات في الطريق، في جمادى الآخرة من سنة خمس عشرة. فكتب الأتابك شهاب الدين بذلك إلى الأمراء، والملك الأشرف قد قارب مدينة حلب، فأعلموه بذلك، فجلس في خيمته للعزاء، وخرج أكابر البلد والأمراء إلى خدمته، وأنشده الشعراء مرائي الملك العادل، وتكلم الوعاظ بين يديه. ولما انفصل العزاء، سير الأتابك شهاب الدين إلى الملك الأشرف، وتحدث معه في أن يكون هو السلطان موضع أبيه، وأن يخطب له في البلاد، وتضرب السكة باسمه، وأن تكون العساكر الحلبية في خدمته. فقال: لا والله لا أغير قاعدة قررها أبي، بل يكون السلطان أخي الملك الكامل، ويكون قائماً مقام أبي. فاتفق الحال بين أتابك وبينه، برأي القاضي بهاء الدين، وسيف الدين بن علم الدين، وسيف الدين بن قلج، على أن خطب بحلب وأعمالها للملك الكامل، وبعده للملك الأشرف، ثم للملك العزيز. وضرب اسم الملك الكامل، والملك العزيز، على السكة. وجعل أمر الأجناد والأقطاع في عسكر حلب إلى الملك الأشرف، وأخليت له دار الملك الظافر بالياروقية، فنزل فيها، ورتب له برسم المعونة، من أعمال حلب سرمين وبزاعا والجبول.

стр. 441

ووصلت إليه رسل البلاد، من جميع الجهات، ومالوا إليه، وصاروا أتباعاً له، وأمر ونهى ببلد حلب، في الأجناد والأقطاع لا غير. وتردد أكابر الحلبيين إلى خدمته، وخلع عليهم، وانقضى فصل الشتاء. إنجاد دمياط وتحرك ابن المشطوب فأقطع الأقطاع لأجناد حلب، ورتب أمور أمرائها، ولا يفعل شيئاً من ذلك إلا بمراجعة الأتابك شهاب الدين، وبدا من الأمراء المصريين تحرك في أمره، وكرهو أمره ونهيه في حلب، وخافوا من استيلائه عليها، وانتقامه منهم لميلهم إلى الملك الأفضل. وبلغه عنهم أشياء عزموا عليها، وهو ثابت لذلك كله. ووصلته رسل أخيه الملك الكامل، يطلب منه النجدة إلى دمياط. وكان ابن المشطوب قد أراد الوثوب عليه وتمليك الفائز أخيه، فأخرجه من الديار المصرية، بعد أن رحل من منزلته، التي كان بها في قبالة الفرنج، وعبور الفرنج إليها، ونهب الخيم ومنازلة دمياط، وقطعهم المادة عنها. فاتفق رأي الملك الأشرف على تسيير الأمراء، الذين كانوا يضمرون الغدر، فسيرهم نجدة إلى أخيه، وهم المبارزان: ابن خطلخ وسنقر الحلبيان، وابن كهدان، وغيرهم. وخاف ابن خطلخ منه، فاستحلفه على أن لا يؤذيه، فحلف له، وسيرهم إلى أخيه الملك الكامل فأقاموا عنده بالكلية. وتوفي نور الدين صاحب الموصل في هذه السنة. وترك ابناً صغيراً قام بدر الدين لؤلؤ، مملوك جده بتربيته. وخطب للكامل والأشرف. وقام زنكي بن عز الدين، فأخذ العمادية وهي قلعة حصينة فيها أموال الموصل بمواطأة من أجنادها، وعزم على أخذ الموصل، وقال: أنا أولى بكفالة ابن أخي. وساعده مظفر الدين صاحب إربل على ذلك، فسير لؤلؤ رسولاً إلى الملك الأشرف إلى حلب، يطلب إنجاده، فسير إليه عز الدين أيبك الأشرفي.

стр. 442

وكان عماد الدين بن سيف الدين علي المشطوب، لما نفي من الديار المصرية، قد وصل إلى حماة، وأقام عند صاحبها، وكاتب الملك الأفضل، وجمع جموعاً كثيرة من الأكراد، وأرباب الفساد، وساعده الملك المنصور صاحب حماة بالمال والرجال على ذلك وعزم على أن يمضي، بمن جمعه من العساكر إلى الأفضل، وأن يقوم معه، ويساعده صاحب حماة، وسلطان الروم. ثم سار ابن المشطوب، بغتة، وخاض بلد حلب، وكان الزمن زمن الربيع، وخيول الأجناد متفرقة في الربيع، فوصل إلى قنسرين ونفذ منها إلى تل أعون، وبلغ الساجور، واستاق في طريقه ما وجد من الخيل، وغيره. وبلغ خبره إلى الملك الأشرف، فأركب من كان بحضرته من العساكر، خلفه، وكان فيهم ابن عماد الدين صاحب قرقيسيا، فلحقوه على الساجور، وفي صحبته نجم الدين بن أبي عصرون، فقبضوا عليه وأتوا به إلى الملك الأشرف، فعفا عنه، وعن ابن أبي عصرون، وأقطع ابن المشطوب رأس عين وأقام عنده مخيماً بالياروقية، إلى أن دخل شعبان، من السنة المذكورة. وسار الملك الأشرف، إلى بلاده الشرقية، لإصلاح أمر الموصل، وكان صاحب إربل وزنكي، قد كسرا لؤلؤ وأيبك الأشرفي، على الموصل. فنزل الملك الأشرف على حران، وفي صحبته عسكر حلب. ومات كيكاوس ملك الروم، وملك بعده أخوه كيقباذ، فراسل الملك ألأشرف، واتفق معه. وخربت القدس في أوائل هذه السنة. وخرج إلى الفرنج المنازلين دمياط نجدة من البحر، ووقع الوباء في أهل دمياط، وضعفوا عن حفظها، فهجمها الفرنج على غفلة من أهلها، في عاشر شهر رمضان، والملك الكامل، مرابط حولها بالعساكر، وابتنى مدينة سماها المنصورة، أقام فيها في مقابلة الفرنج.

стр. 443

والملك الأشرف في حران، وابن المشطوب في اقطاعه رأس عين، وقد داخل صاحب ماردين، وقرر الأمر معه على العصيان على الملك الأشرف، وجمع جماعة من الأكراد، فنمي الخبر إلى الملك الأشرف. وخاف ابن المشطوب، فسار إلى سنجار، فاعترضه والي نصيبين، من جهة الملك الأشرف، وقاتله فهزمه، واستباح عسكره، وسار إلى سنجار، فأجاره قطب الدين صاحبها. وأرسل الملك الأشرف إليه، في طلبه، فلم يجبه إلى ذلك، فسار الملك الأشرف نحوه، فترك سنجار، ومضى إلى تلعفر، فعصى بها، فوصل إليه ابن صبره وعسكر الموصل. ووصل الملك الأشرف إلى سنجار، وفتحها، وعوض صاحبها بالرقة عنها، وفتح لؤلؤ تلعفر، وسلمها إلى الملك الأشرف، واستجار ابن المشطوب بلؤلؤ، فأجاره على حكم الملك الأشرف، فيها، وسلمه إلى الملك الأشرف، فقيده وسجنه بسنجار. تحرك الأشرف إلى الموصل ومصر وسار الملك الأشرف إلى الموصل، ومعه عسكر حلب، فأقام مخيماً على ظاهرها، حتى أصلح أمرها مع صاحب إربل، وهادنه. ووصل الملك الفائز من الديار المصرية، مستصرخاً، وطالباً للنجد، ووصل إلى حلب، وأنزل بالميدان الأخضر، وسار إلى الموصل، إلى أخيه الملك الأشرف، فأقام عنده، بظاهر الموصل، شهراً ومات. وانفصل الملك الأشرف عن الموصل، بعد إصلاح أمورها، وشتى بسنجار، وقبض على حسام الدين بن خشترين وكان أميراً من أمراء حلب لغدر بلغه عنه، وقيده، وسيره، وابن المشطوب إلى قلعة حران، فحبسهما فيها إلى أن ماتا. وقبض على ابن عماد الدين صاحب قرقيسيا، وأخذها، وعانة

стр. 444

والبلاد التي كانت معه من يده، وقدم حران، فوصل إليه أخوه الملك المعظم في محرم سنة ثمان عشرة من دمشق، فوافقه على الصعود إلى الديار المصرية، لإزاحة الفرنج عنها، فجهز العساكر، واستدعى عسكر حلب، وعبر الفرات، والتقى بعسكر حلب. وسار إلى دمياط، مع أخيه الملك المعظم، وخرج الفرنج عن دمياط،، ونزلوا في مقابلة المسلمين، فأرسلوا الماء عليهم، فمنعهم من العود إلى دمياط، ولم يبق لهم طريق إليها وزحف المسلمون عليهم، واستداروا حولهم، فطلبوا الأمان وتسليم دمياط، فتسلمها المسلمون في العشرين من شهر رجب سنة ثمان عشرة وستمائة. وكان الملك المنصور صاحب حماة قد توفي في ذي القعدة، سنة سبع عشرة وستمائة. وكان ابنه الكبير الملك المطهر، في نجدة خاله بدمياط، فاستولى ابنه الملك الناصر، على حماة، وسير إلى الأتابك شهاب الدين، يطلب الإعتضاد به، والسفارة بينه وبين خاله الملك الأشرف، على أن ينتمي إليه، ويخطب له، على أن يمنع عنه من يقصده، وروسل في ذلك، فأجاب، وحلف له على ذلك. ونزل الملك الأشرف في الديار المصرية، ووصل إلى بلاده، وسير كتاباً إلى الأتابك شهاب الدين، يتضمن أنه: لما وقع الاتفاق في الابتداء، وعرض علي الجبول وبزاعا وسرمين أجبت إلى ذلك، ليعلم المخالف والعدو، أن البلاد قد صارت واحدة، والكلمة متفقة، والآن فقد تحقق الناس كلهم ذلك، وأوثر الآن التقدم إلى نواب المولى الملك العزيز في قبضها، وإجرائها على العادة، وصرفها في مصالح بلاده فأجبت إلى ذلك. ورفع الملك الأشرف أيدي نوابه عنها. وتوجه الملك الصالح ابن الملك الظاهر إلى الشغر وبكاس، وأضيف

стр. 445

إليه الروج ومعرة مصرين. ورتب جماعة من الحجاب والمماليك في خدمته وذلك في جمادى الأولى. خبر الملك المعظم وفي ذي الحجة من سنة تسع عشرة وستمائة خرج الملك صاحب حماة إلى الصيد، فبلغ ذلك الملك المعظم عيسى، صاحب دمشق، فخرج مجدا من دمشق ليسبق صاحبها إليها فيملكها، فانتهى الخبر إلى الناصر، فسبق إليها. ووصل إلى الملك المعظم إلى حماة، فوجد الملك الناصر قد وصلها، وفاته ما أراد، فسار إلى معرة النعمان واحتوى على مغلاتها، وسير أتابك شهاب الدين إليه، تقدمة مع مظفر الدين بن جرديك، إلى المعرة، فقبلها، واعتذر بأنه إنما جاء لكتاب، وصله من الملك الكامل، يأمره أن يقبض على خادم هرب منه، وأنه خرج خلفه ليدركه، فلما قرب من حماة، بدا من صاحبها من الامتهان، وعدم النزل والإقامة ما لا يليق. وتجنى عليه ذنوباً لا أصل لها، والملك الكامل، والملك الأشرف، حينئذ بمصر. فرحل الملك المعظم إلى سلمية، بعد أن رتب بالمعرة والياً، ورتب السلمية والياً من قبله، وعزم على حصار حماة، واستعد صاحبها للحصار، ووكل الملك المعظم العرب، لقطع الميرة عن حماة، ومنع من يقصدها من الأجناد للإنجاد، وحول طريق القافلة على سلمية. وأرجف الناس بأن حسام الدين ابن أمير تركمان، قد وافق الملك المعظم وأنه قد صاهر صاحب صهيون، وكان سيف الدين بن قلج، هو الذي أشار بترتيبه في اللاذقية وضمنه، فسار إليه، فلم يمتنع من تسليمها ولم يكن لما ذكر عنه صحة، فترك سيف الدين بن قلج بها أخاه عماد الدين، واستصحب حسام الدين معه إلى حلب، فأقام إلى أن زال الإستشعار من جهة الملك المعظم، وردت إليه. ووصل حسام الدين الحاجب علي نائب الملك الأشرف في بلاده إلى حلب واجتمع بأتابك شهاب الدين، وأعلمه أن الملك الأشرف، كتب إليه أن يرحل إلى الملك المعظم، ويرحله عن بلاد الناصر، ويعلم أتابك، أن هذا الذي وقع، لم يكن بعلم الملك الكامل، ولا الملك الأشرف، وأنهما لا يوافقانه على ذلك وسار الحاجب إليه في هذا المعنى.

стр. 446

ووصل الناصح أبو المعالي الفارسي أحد أمراء حلب برسالة الملك الكامل من مصر، وكان قد صعد إليها إلى خدمته الملك الأشرف، وكان هو الحاجب بين يديه إذ ذلك، والأمور كلها راجعة إليه، فقال له الناصح: الملك الكامل يأمر المولى بالرحيل، وترك الخلاف، فأجاب إلى ذلك، وقرر الصلح بين صاحب حماة وبينه، ورحل إلى دمشق، وعاد الناصح إلى مصر. ونقل السلطان الملك الظاهر، من الحجرة التي دفن بها بالقلعة، إلى القبة بالمدرسة التي ابتناها له أتابك، ودفنه بها في أول شعبان من سنة عشرين وستمائة. عودة الأشرف من مصر وعصيان المظفر ونزل الملك الأشرف من مصر، ووصل إلى حلب في شوال من سنة عشرين، والتقاه الملك العزيز، ونزل في خيمته، قبلي المقام وشرقيه، بالقرب من قرنبيا، وكان قد صحبه خلعة للملك العزيز من الملك الكامل وسنجق. وخرج الملك العرير، وأهل البلاد، في خدمته، بعد ذلك، ودخل الناس إلى الخيمه، في خدمة السلطان الملك العزيز. ومد الملك الأشرف السماط، في ذلك اليوم للناس، فلما أكلوا، وخرج الناس من الخيمة، أحضر الخلع الكاملية وأفاضها على الملك العزيز. ووقف قائماً في خدمته. ثم أحضر المركوب فأركبه. وحمل الغاشية بين يديه، حتى خرج من الخيمة، وركب إلى القلعة. وأقام الملك الأشرف، فقدار عشرة أيام، واتفق رأيه مع الأمراء على إخراب قلعه اللاذقية، فسار العسكر إليها، وخربوها في هذه السنة. وتوجه الملك الأشرف إلى حران، وعصى الملك المظفر شهاب الدين غازي أخوه، عليه ب أخلاط، وكان أخوه الملك المعظم، هو الذي حمله على ذلك، وحسنه له، لأجل ما سبق من الملك الأشرف، فى نصرة صاحب حماة.

стр. 447

فاستدعى الملك الأشرف عسكراً من حلب، فسار إليه عسكر قوي فيهم. سيف الدين بن قلج، وعلم الدين قيصر، وحسام الدين بلدق، في سنة إحدى وعشرين وستمائة. وسار إلى أخلاط، واتفق مظفر الدين صاحب إربل والملك المعظم صاحب دمشق، على أن يخرج هذا إلى جهة الموصل، وهذا إلى جهة حمص، ليشغلا الملك الأشرف عن أخلاط، فسير الملك الأشرف، وطلب طائفة من عسكر حلب ليقيم بسنجار، خوفاً من أن يغتالها صاحب إربل وخرج الملك المعظم، وأغار على بلد حمص، وبارين، ووصل إلى بحيرة قدس، وعاد. ووصل الملك الأشرف إلى أخلاط، فخرج أخوه، وقاتله، فهزمه إلى أخلاط، وفتحها أهلها للملك الأشرف. واحتمى الملك المظفر بالقلعة، حتى عفا عنه أخوه الملك الأشرف، وخرج إليه، وأبقى عليه ميافارقين. وعاد عسكر حلب والملك الأشرف، في رمضان، وشتى الملك الأشرف بسنجار. وانهدم في هذه السنة من سور قلعة حلب الأبراج التي تلي باب الجبل، من حد المركز، وهي عشرة أبراج، وتساقطت مع أبدانها، في سلخ ذي القعدة. ووافق ذلك شدة البرد في الأربعينيات، فاهتم أتابك شهاب الدين بعمارتها، وتحصيل آلاتها، من غير أن يستعين فيها بمعاونة أحد، ولازمها بنفسه، حتى أتمها في سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

стр. 448

ومات الملك الأفضل، بسميساط، في هذه السنة في صفر، وحمل إلى حلب، فدفن في التربة، التي دفن فيها أمه قبلي المقام. ووصل محيي الدين أبو المظفر بن الجوري، إلى حلب بخلعة من الإمام الظاهر، إلى الملك العزيز، وكان قد تولى الخلافة، في سنة اثنتين وعشرين، بعد موت أبيه الإمام الناصر، فألبسها السلطان الملك العزيز، وركب بها، وكانت خلعة سنية، واسعة الكتم، سوداء، بعمامة سوداء، وهي مذهبة، والثوب بالزركش. وكان قد أحضر إلى الملك الأشرف خلعة، ألبسه أياها، وسار بخلعة أخرى إلى الملك المعظم، وخلعة أخرى، إلى الملك الكامل. من الحرب إلى الاتفاق فالموت وكاتب الملك المعظم خوارزمشاه، وأطمعه في بلاد أخيه الملك الأشرف، ونزل الملك المعظم من دمشق، ونازل حمص، وكان سير جماعة من الأعراب، فنهبوا قراها ووصل مانع، في جموع العرب لإنجاد حمص، من جهة الملك الأشرف، فانتهبوا قرى المعرة وحماة، وقسموا البيادر، ولم يؤدوا عداداً، في هذه السنة، لأحد. ولما وصل الملك المعظم إلى حمص، اندفع مانع وعرب حلب، والجزيرة، إلى قنسرين، ثم نزلوا قرا حصار، ثم تركوا أظعانهم، بمرج دابق، وساروا جريدة إلى نحو حمص، فتواقع مانع وعرب دمشق، وقعات، وجرد عسكر من حلب إلى حمص، فوصلوا إليها، قبل أن ينازلها الملك المعظم، فحين وصلوها اتفق وصول عسكر دمشق، فاقتتلوا، ثم دخلوا إلى مدينة حمص. وكان الملك الأشرف، على الرقة، فجاءه الخبر بحركة كيقباذ، وخروجه إلى بلاد صاحب آمد، وأخذه حصن منصور، والكختا، فسير الملك

стр. 449

الأشرف نجدة إلى آمد، فالتقاهم جيش الرومي، وهزمهم، فعاد الملك الأشرف إلى حران، وخرج من بقي من عسكر حلب إلى حاضر قنسرين لإنجاد صاحب حمص. ووقع الفناء في عسكر الملك المعظم، وماتت دوابهم، وكثر المرض في رجالهم، فرحل عن حمص، في شهر رمضان من السنة. وسار الملك الأشرف، عند ذلك بنفسه إلى دمشق، واجتمع بأخيه الملك المعظم قطعاً لمادة شره، وزينت دمشق لقدوم الملك الأشرف، وعقدت بها القباب. وأظهر الملك المعظم السرور بقدومه، وحكمه في ماله، وباطنه ليس كظاهره، ورسله تتردد إلى خوارزمشاه في الباطن، وجاءته خلعة من خوارزمشاه فلبسها. وكانا لما انقضى شهر رمضان، قد خرجا عن دمشق، إلى المرج، وورد عليهما رسولا حلب: القاضي زين الدين ابن الأستاذ نائب القاضي بهاء الدين، ومظفر الدين بن جورديك، يطلبان تجديد الأيمان للملك العزيز، وأتابك. فوجد الملك الأشرف، وقد أصبح مع الملك المعظم، بمنرلة التبع له، ويطلب مداراته بكل طريق، وهو لا يتجاسر أن ينفرد بهما في حديث، دون الملك المعظم. والملك المعظم يشترط شروطاً كثيرة، والمراجعات بينهما وبين أتابك إلى حلب مستمرة مدة شهرين. إلى أن وردت الأخبار بنرول خوارزمشاه على أخلاط، ومحاصرتها، وفيها الحاجب علي نائب الملك الأشرف فهجم بعض عسكره أخلاط، وقام من بهما من أهلها وجندها، وأخرجوهم منها، كرهاً. فوافق الملك الأشرف أخاه، على ما طلبه منه، واستدعى رسولي حلب، وحلفا لهما، ورحل خوارزمشاه عن خلاط.

стр. 450

وشتى الملك المعظم، والملك الأشرف بالغور. وأضحى الملك الأشرف كالأسير في يدي أخيه الملك المعظم، لا يتجاسر على أن يخالفه في أمر من الأمور، وهو يتلون معه، وكلما أجابه الملك الأشرف إلى قضية، رجع عنها إلى غيرها، وأقام عنده، إلى أن دخلت سنة أربع وعشرين وستمائة. وانقطعت مراسلة الملك الأشرف إلى حلب، لكثرة عيون أخيه عليه، وكونه لا يأمن من جهة أمر يكرهه، لأنه أصبح في قبضته. واتفق وصولي من الحج، في صفر من هذه السنة، فاستدعاني الملك الأشرف، وحملني رسالة إلى أتابك شهاب الدين، مضمونها ما قد وقع فيه مع أخيه. وأنه يتلون معه، تلون الحرباء، ولا يثبت على أمر من الأمور، وإن آخر ما قد وقع بيني وبينه، أنه التمس مني أن يحلف له أتابك على مساعدته ومعاضدته، وأن لا يوافق الملك الكامل عليه، وأنه متى قصده الملك الكامل، كان عوناً له على الملك الكامل. فلما أبلغت أتابك ما قال، امتنع من الموافقة على ذلك، وقال: أنا حلفني الملك الأشرف للملك الكامل، وفي جملة يمينه: أنني لا أهادن أحداً من الملوك على قضية إلا بأمره، فإذا أراد هذا مني فليأتني بأمر من الملك الكامل، حتى أساعده على ذلك. وحين رأى الملك الأشرف وقوعه في أنشوطة أخيه، وأن لا مخلص له إلا بما يريده، ساعده على كل ما طلبه منه، واستحلفه على الملك الكامل، وصاحبي حماة وحمص، فاطمأن الملك المعظم إلى ذلك، ومكن الملك الأشرف من الرحيل، فسار إلى الرقة، في جمادى الآخرة من السنة. فرجع الملك الأشرف عن جميع ما قرره مع أخيه، وتأول في أيمانه التي حلفها، بأنه كان مكرهاً عليها، وأنه علم أنه لا ينجيه من يدي أخيه إلا موافقته فيما طلب. وندم الملك المعظم على تمكينه من الإنفصال عنه، وسير العربان إلى بلد حمص وحماة، فعاثوا فيهما، ونهبوا. وخرج عسكر الأنبرور ملك الفرنج إلى عكا، في جموع عظيمة، فطمع صاحب حماة، وصاحب حمص في الملك المعظم حينئذ، وأرسلا إليه يطلبان العوض عما أخذه من بلادهما، فلاطف حينئذ أخاه الملك الأشرف،

стр. 451

وأرسل إليه يطلب موافقته، فعنفه على أفعاله التي عامله بها، وقرعه على ما اعتمد في حقه وحق أهله. ومرض الملك المعظم بدمشق ومات سلخ ذي القعدة. وملك دمشق بعده الملك الناصر ولده. وفي هذه السنة، سلمت عين تاب، والراوندان والزوب، إلى الملك الصالح ابن الملك الظاهر، وأخذ منه الشغر وبكاس، وما كان في يده معها. ودخل الحاجب، في هذه السنة، وجمع من قدر عليه من العساكر، إلى بلد أذربيجان، وافتتح خوي، وسلماس، وأخذ زوجة أربك وكانت في خوى وهي التي سلمت خوى إليه، وكانت قد تزوجت بخوارزمشاه. وخرج الملك الكامل من مصر حين سمع بموت أخيه. وسير الملك الناصر، إلى عمه الملك الأشرف، يعتضد به، ويستمسك بذيله، مع ابن موسك. فوصل إليه إلى سنجار وطلبه ليأتي إلى دمشق، فسار إليه إلى دمشق. ونزل الملك الكامل، فخيم بتل العجول في مقابلة الفرنج، وسير الملك الأشرف إليه، سيف الدين بن تلج يطلب منه ابقاء دمشق على ابن أخيه، ويقول له: إننا كلنا في طاعتك، ولم نخرج عن موافقتك. فخاطبه بما أطمع الملك الأشرف في دمشق.

стр. 452

القسم الثلاثون التنازل عن القدس وأما الملك العزيز، فإنه في هذه السنة، جلس في دار العدل في منصب أبيه، ورفعت إليه الشكاوي، فأجاب عنها، وأمر ونهى، وكان يحضر عنده الفقهاء، في ليالي الجمع ليلاً، ويتكلمون في المسألة بين يديه. وحضر عيد الفطر، فخلع على كافة الأمراء، ومقدمي البلد، وأرباب المناصب، وعمل عيداً عظيماً، احتفل فيه، ولم يعمل بحلب عيد، منذ مات الملك الظاهر،، قبل هذه السنة. ووصل الأنبرور إلى عكا، وخيم الملك الكامل بالعوجا. وتوجه الملك الأشرف، إليه من دمشق، فجدد الأيمان فيما بينهما، وسارت النجدة من حلب، في آخر المحرم سنة ست وعشرين وستمائة، فنزلت في الغور. وصالح الملك الكامل الفرنج على أن أعطاهم مدينة القدس سوى الصخرة والمسجد الأقصى وليس لهم في ظاهرها حكم، وأعطاهم بيت لحم، وضياعاً في طريقهم إلى القدس، من عكا. الأشرف والكامل يقتسمان وعاد الملك الأشرف، واجتمع بعسكر حلب، وبالملك الناصر ابن الملك المعظم، فقال له: إنني قد اجتهدت في أمرك بالملك الكامل، فلم يرجع عن قصد دمشق، وكان آخر ما انتهى إليه أن قال: يعطى الملك الناصر البلاد الشرقية، وتأخذ أنت دمشق.

стр. 453

فعلم الملك الناصر، أئهما قد توافقا على أخذ دمشق، وكال أيبك المعظمي معه فأشار عليه بالرحيل إلى دمشق، فقوض خيامه، وسار، ولم يمكن الملك الأشرف منعه، ومضى إلى دمشق، وشرع في تحصينها. فسار الملك الأشرف بجيوش حلب، ونزل على دمشق، وقطع عنها الماء، فخرج عسكر دمشق، وقاتلوا أشد القتال، حتى أعادوا الماء إليها، ووصل الملك الكامل، في جمادى الأولى، بالعساكر المصرية، وخيموا جميعاً على دمشق. وسار القاضي بهاء الدين، وفي صحبته أكابر حلب وعدولها إلى دمشق، لعقد المصاهرة بين الملك العزيز والملك الكامل. ووصل إلى ظاهر دمشق من ناحية ضمير. وخرج الملك الكامل من المخيم، والتقاه، وأنزله في المخيم، بالقرب من مشهد القدم. وأحضره إلى خيمته، وقدم ما وصل على يده، للملك الكامل. ثم نقله بعد ذلك إلى جوسق الملك العزيز بالمزة. وكان يتردد إليه الملك الكامل، في بعض الأوقات، إلى أن اتفق الأمر، على أن حمل الذهب الواصل، لتقدمة المهر، والجواري، والخدم، والدراهم، والمتاع. وعقد العقد بحضور الملك الأشرف، في مسجد خاتون. وتولى عقد النكاح عماد الدين ابن شيخ الشيوخ عن الملك الكامل، لابنته فاطمه خاتون، على صداق، مبلغه خمسون ألف دينار. وقبل القاضي بهاء الدين العقد عن الملك العزيز، وذلك في سحرة يوم الأحد سادس عشر شهر رجب. وخلع الملك الكامل على القاضي، وعلى جميع أصحابه، وعلى الحاجي بشر أمير لالا الملك العزيز، بعد أن فتحت دمشق. وعاد القاضي ومن كان في صحبته إلى حلب. واستقر أن يأخذ الملك الكامل من الملك الأشرف، عوضاً عن دمشق: حران، والرها، والرقة، وسروج، ورأس عين. وسار الملك الأشرف إلى بعلبك، فحضرها إلى أن أخذها من صاحبها.

стр. 454

وسار العسكر إلى حماة، بأمر الملك الكامل، فحصرها ليسلمها صاحبها إلى الملك المظفر ابن الملك المنصور، فنزل إليه صاحبها الملك الناصر وكان نازلاً بمجمع المروج فحبسه عنده إلى أن سلمها إلى أخيه، وأعطاه بارين. وسار الملك الكامل إلى الرقة. خبر خلاط وتحرك الفرنج ونزل خوارزمشاه على أخلاط ووافقه ابن زين الدين، في الباطن، وصاحب آمد في الظاهر، وخطب له، وضاق الأمر بأهل أخلاط، فطلبوا الأمان فلم يجبهم إلى ذلك. وافتتحها في ثامن وعشرين من جمادى الأولى، من سنة سبع وعشرين وستمائة. ووضع السيف في أهلها، وسبى النساء والصبيان. وفي ثامن جمادى الأولى، ولد للسلطان الملك العزيز، مولود من جارية. وسماه باسم أبيه، ولقبه بلقبه الملك الظاهر غازي. وزين المدينة، وعقد القباب، ولبس العسكر في أتم زينة وهيئة، وعمل الزورق من القلعة إلى المدينة، ونزل الناس فيه، وانقطعت بكرة برجل منهم، فوقع في سفح القلعة، فمات، فبطل الملك العزيز الزورف. وولد له أيضاً في هذه السنة، ولد آخر لقبه بالملك العادل. وولد له أيضاً في هذه السنة، السلطان الملك الناصر وهو الذي أوصى له بالملك، بعد أن مات الولدان المتقدمان. واتفق الملك الكامل، والملك الأشرف، وملك الروم كيقباذ، على خوارزمشاه. وطلب الملك الأشرف نجدة من حلب، فسير الملك العزيز وأتابك، عسكراً يقدمه عز الدين بن مجلي.

стр. 455

فدخل الملك الأشرف، واجتمع بملك الروم، وسار إلى ناحية أرزنكان، واصطفت العساكر للقتال، فكسر الخوارزمي في التاسع والعشرين من شهر رمضان، وهبت ريح عاصفة في وجه عساكره، وانهزموا، وصادفوا شقيفاً، في طريقهم، فوقع فيه أكثر الخوارزمية فهلكوا. وصار الملك الأشرف إلى أخلاط، فاستعادها، وهادن لخوارزمي. وكان للفرنج حركة، وخرج عسكر حلب مع بدر الدين بن الوالي، وأغاروا على ناحية المرقب، ونهبوا حصن بانياس، وخربوه، وسيروا أسرى إلى حلب، ثم تواقع المسلمون والفرنج وقعة أخرى، قتل من الفريقين فيها جماعة، وكان الربح فيها للمسلمين. وسيرت العساكر من حلب في النصف من شهر ربيع الآخر. واحتبس الغيث في حلب، وارتفعت الأسعار فيها، وخرج الناس، واستسقوا على بانقوسا، فجاء مطر يسير، بعد ذلك، وانحطت الأسعار قليلاً. واستقرت الهدنة بين عسكر حلب والداوية، والأسبتار، في العشرين من شعبان من السنة. ممارسة العزيز صلاحياته واستقل السلطان الملك العزيز بملكه، في هذه السنة، وتسلم خزائنه من أتابك شهاب الدين، ورتب الولاة في القلاع، واستحلف الأجناد لنفسه، وخرج بنفسه، ودار القلاع والحصون. وركب أتابك شهاب الدين، في نصف شهر رمضان، من هذه السنة، ونزل من قلعة، وركب الناس في خدمته، ولم ينزل منها، منذ توفي الملك الظاهر،، إلا هذه المرة. ثم عاد إلى القلعة، وكان يركب منها في الأحايين، إلى أن دخل السلطان

стр. 456

الملك العزيز بابنة الملك الكامل، وبقي أتابك مدة في القلعة، ثم نزل منها، وسكن في داره، التي كانت تعرف بصاحب عين تاب، تجاه باب القلعة. واستوزر الملك العزيز، في هذه السنة، خطيب القلعة وابن خطيبها زين الدين عبد المحسن بن محمد بن حرب، ومال إليه بجملته. وسير الملك العزيز القاضي بهاء الدين، في هذه السنة في شوال، إلى مصر، لإحضار زوجته بنت الملك الكامل، فأقام بمصر مدة، إلى أن قدم في صحبتها والدها الملك الكامل، إلى دمشق، وسيرها من دمشق صحبته، وأصحبها من جماعته: فخر الدين البانياسي، والشريف قاضي العسكر. وخرج وزيره، وأعيان دولته، فالتقوها من حماة، وأكابر أهل حلب أيضاً، والتقتها والدة السلطان عمتها من جباب التركمان، والتقاها بقية العساكر، بتل السلطان، والتقاها أخو السلطان الملك الصالح، في عسكره، وتجمله. وعادت العساكر في تجملها، واصطفت أطلاباً طلباً بعد طلب، في الوضيحي. وخرج السلطان إلى الوضيحي، ودخل مع زوجته، ليلاً، إلى القلعة المنصورة، في شهر رمضان، من سنة تسع وعشرين وستمائة. وكانت العامة بحلب، قد ثاروا على محتسبها مجد الدين بن العجمي، لأن السعر كان مرتفعاً، وقد بلغ الرطل من الخبر إلى عشرة قراطيس، ثم انحط السعر كان في تقاديم الغلة، إلى أن بيع الرطل بخمسة ونصف. فركب نائب المحتسب وسعره في البلد بستة قراطيس، فهاجت العامة عليه، وقصدوا دكة المحتسب، وهموا بقتل نائبه، وخربوا الدكة، ومضوا إلى دار المحتسب، لينهبوها. فنزل والي البلد، والأمير علم الدين قيصر، وسكنوا الفتنة، بعد أن صعد جماعة إلى السلطان، واستغاثوا على المحتسب، فظفروا بأخيه نائب الحشر الكمال ابن العجمي، فرجموه بالحجارة، فانهزم، واحتفى في بعض دروب حلب، ثم هرب إلى المسجد الجامع، فهموا به مرة ثانية، في الجامع، فحماه مقدم الأحداث، وكان ذلك، في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان، من سنة تسع وعشرين وستمائة. وداوم الملك العزيزالخروج إلى الصيد، ورمي البندق بنواحي العمق

стр. 457

وغيرها، وحسن له جماعة من أصحابه، أن يسير إلى قلعة تل باشر، ويستولي عليها، وينزعها من نواب أتابكه شهاب الدين طغرل، وأن يبقي عليه رستاقها، وأن لا يكون شيء من القلاع إلا بيده، فنمى الخبر إلى أتابك، فسير إلى الوالي، وأمره أن لا يعارضه في القلعة، وأن يسلمها إليه، وكان له بها خزانة، فاستدعاها. وخرج السلطان إلى عزاز، وكانت في يد والدة أخت الملك الصالح، وأولادها بني ألطنبغا، عوضهم بها أتابك عن بهسنى، بعد قتل الرومي كيكاوس الطنبغا، فصعد إلى قلعتها، وولى بها والياً من قبله، وأبقى عليهم ما كان في أيديهم من بلدها. ثم سار السلطان من عزاز، إلى تل باشر، وصعد إلى القلعة، وولى فيها والياً من جهته، وانترعها من أيدي نواب أتابكه. وبلغه أخذ الخزانة، من تل باشر، فسير من اعترض أصحاب أتابك في الطريق، فأخذ الخزانة منهم، وكان يظن أن بها مالاً طائلاً، فلم يجد الأمر كما ذكر، فأعادها على أتابك، فامتنع من أخذها، وقال: أنا ما ادخرت المال إلا لك. ثم دخل السلطان إلى حلب، وكان ذلك كله، في شهر رمضان، من سنة تسع وعشرين وستمائة. ثم إن السلطان الملك العزيز، خرج في خرجاته، لرمي البندق إلى حارم، وتوجه منها إلى دركوش ثم إلى أفامية، في سنة ثلاثين وستمائة،

стр. 458

فلم يحتفل به صاحب شيزر شهاب الدين يوسف بن مسعود بن سابق الدين، وأنفذ إليه إقامة يسيرة وهي شيء من الشعير على حمير، سخرها من بلد شيزر فشق عليه ذلك. فلما دخل حلب استدعى سيف الدين علي بن قلج الظاهري، وسيره إلى الملك الكامل، ليستأذنه في حصار شيزر، وأخذها، وكانت مضافة إلى حلب، وإنما خاف أن يلقي صاحبها نفسه على الملك الكامل، فيشفع إليه في أمره، فلا يتم له ما يريد. فصعد سيف الدين إلى دمشق، وقرر مع الملك الكامل، الأمر على ما يختاره الملك العزيز، وسير إلى السلطان الملك العزيز، وأعلمه بذلك، فأخرج العسكر، والزردخاناه، ونزل العسكر على شيزر، واحتاط الديوان، على ما في رستاق شيزر من المغلات. ووصل سيف الدين بن قلج من دمشق، وخرج السلطان بنفسه، فنصب عليها المناجيق، من جهة الجبل، وترك المنجنيق المغربي، قبالة بابها. وسير إلى صاحبها، وقال له: والله لئن قتل واحد من أصحابي، لأشنقتك بدله. فقتدم إلى الجرخية بالقلعة، أن لا يرمي أحد بسهم، وتبلد، وأسقط في يده. وأرسل الملك الكامل إلى السلطان نجابين، ومعهما خمسة آلاف دينار مصرية، ليستخدم بها رجالة، يستعين بهم على حصار شيزر. وقدم إليه إلى شيزر الملك المظفر محمود صاحب حماة وأرسل إليه صاحب شيزر، يبذل له تسليمها، على أن يبقي عليه أمواله، التي بها، ويحلف له على أملاكه، بحلب. فأجابه إلى ذلك. ونزل من شيزر إلى خدمة السلطان، وسلمها إليه، ووفى له السلطان بما اشترطه، وصعد السلطان إلى القلعة، وأقام أياماً بشيزر، ثم دخل إلى مدينة حلب.

стр. 459

ومرض أتابك شهاب الدين طغرل بن عبد الله في أواخر هذه السنة، ودام مرضه، إلى أن مات، ليلة الاثنين الحادية عشرة، من محرم سنة إحد وثلاثين وستمائة، وحضر السلطان الملك العزيز، محمد ابن الملك الظاهر، جنازته، صبيحة الليلة المذكورة. ومشى خلف جنازته، من داره إلى أن صلى عليه خارج باب الأربعين. ودفن بتربته، التي أنشأها بتل قيقان، ووقفها مدرسة على أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵁ وبكى السلطان عليه بكاء عظيماً، وحضر عزاءه، يومين بعد موته، بالمدرسة التي أنشأها أتابك، وجعل فيها تربة للسلطان الملك الظاهر ﵏. الحرب ضد كيقباذ وفي هذه السنة: نزل الملك الكامك، من مصر، واتفق مع أخيه الملك الأشرف، على قصد بلاد السلطان كيقباذ بن كيخسرو، للوحشة التي تجددت بينهم، بسبب استيلاء كيقباذ على بلاد أخلاط، وانتزاعها من أيدي نواب الملك الأشرف. وسارا من دمشق، وخرج معهما الملك المجاهد، صاحب حمص، والملك المظفر، صاحب حماة، ووصل معهم الملك الناصر، صاحب الكرك، ووصلوا إلى منبج بإذن السلطان الملك العزيز. وسير الملك العزيز، إليه إلى منبج، الإقامة العظيمة، والزردخاناه، وعسكره، ومقدمه عمه الملك المعظم، وساروا من ناحية تل باشر، فنزل إليه الملك الزاهر داود ابن الملك الناصر. وقدم إليه صاحب سميساط الملك المفضل موسى، وصاحب عين تاب الملك عالح ابن الملك الظاهر، والملك المظفر شهاب الدين ابن الملك العادل، والملك الحافظ أخوه، وغيرهم، من الملوك. حتى اجتمع في عسكره ستة عشر أميراً.

стр. 460

وسير ملك الروم إلى الملك العزيز، وقال له: أنا راض منك بأن تمد بالأجناد والأموال، على أن لا تنرل إليه أبداً. وأعفاه الملك الكامل، من مثل ذلك. ورضي كل واحد من الملكين بفعله. وسار الملك الكامل في جيوشه، في أوائل سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، إلى أن نزل على نهر الأزرق، في طرف بلاد الروم، وجاء عسكر الروم حتى نزل قبلي زلى بينها وبين الدربند والسلطان معهم، وصعد الرجالة إلى فم الدربند، بالقرب من نور كغال، وبنوا عليه سوراً، وقاتلوا منه، ومنعوا من يطلع إليه، وقلت الأقوات على العسكر الشامي. فرجع الملك الكامل، وخرج إلى طرف بلد بهسنى، ونزل على بحير انرنيت، ووصل إليه صاحب خرتبرت، ودخل في طاعته، وأشار عليه بالدخول من جهته، فسار إلى ناحية خرتبرت ووقعت طائفة من عسكر الروم، على طائفة من عسكر الملك الكامل وفيهم الملك المظفر صاحب حماة وشمس الدين صواب، فكسر العسكر الكااملي، واعتصم من نجا منهم بخرتبرت، فحاصرهم ملك الروم إلى أن نزلو بالأمان، وأطلقهم، واستولى كيقباذ على خرتبرت، وعفا عن صاحبها، وعوضه عنها بأقطاع في بلاده. ومرض الملك الزاهر في العسكر، فحمل مريضاً إلى البيرة، وقوي مرضه، وطمع بعض أولاده بملكها، وشرع في تحصينها وتقويتها، وبلغ الملك الزاهر ذلك، فسير إلى السلطان الملك العزيز، واستدعاه إليه، وأصعده إلى
следующие страницы →