Полный текст (491 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
ثم خرج إلى حارم، وأقام بها إلى أن صالحهم في العشر الآواخر من شهر ربيع الأول، ثم سار حتى لحق السلطان، وأما السلطان فإنه سار إلى رأس الماء، واجتمعت إليه العساكر الإسلامية من الموصل، والشرق، ومصر، والشام، بعشترا، بعد أن أتته الأخبار أن البرنس أرناط أيريد الخروج على الحاج، فأقام قريباً من الكرك مشغلاً خاطره، ليلزم مكانه إلى أن وصل الحاج، وتقدم إلى الكرك، وبث سراياه، فنهبوا بلدها وبلد الشوبك، وخربوه.
وأرسل إلى ولده الملك الأفضل، فأخذ قطعة من العسكر، فدخل إلى بلد عكا، فأخربوا ونهبوا، وخرج إليهم جمع من الداوية والاسبتارية، فظفروا بهم، وقتل منهم جماعة، وأسر الباقون، وقتل مقدم الاسبتار.
وعاد السلطان إلى العسكر، وعرض العسكر قلباً وجناحين، وميمنة وميسرة، وجاليشية وساقة، وعرف كلاً منهم موضعه، وسار على تعبئة، فنرل بالأقحوانة بالقرب من طبرية.
وكان القمص صاحبها قد انتمى إلى السلطان، لخلف جرى بينه وبين الفرنج. فأرسل الفرنج إليه البطرك والقسوس والرهبان، وتهددوه بفسخ نكاح زوجته، وتحريمه، فاعتذر، وتنصل، ورجع عن السلطان إليهم. ثم ساروا كلهم بجموعهم إلى صفورية.
стр. 387
فرحل السلطان، يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر، وخلف طبرية وراء ظهره، وصعد جبلها، وتقدم إلى الفرنج، فلم يخرجوا من خيمهم، فنرل، وأمر العسكر بالنزول، فلما جنه اليل، جعل في مقابلة الفرنج من يمنعهم من القتال. ونزل إلى طبرية جريدة، وقاتلها، وأخذها في ساعة من نهار، ونهبوا المدينة وأحرقوها.
فلما سمع الفرنج بذلك، تقدموا إلى عساكر المسلمين، فعاد السلطان إلى عسكره، والتقى الفريقان، وجرى بينهما قتال، وفرق بينهما اليل. وطمع المسلمون فيهم، وباتوا يحرض بعضهم بعضاً.
فلما كان صباح السبت لخمس بقين من الشهر، طلب كل من الفريقين موضعه، وعلم المسلمون أن الأردن من ورائهم، وبلاد القوم بين أيديهم، فحملت العساكر الإسلامية من الجوانب، وحمل القلب، وصاحوا صيحة واحدة، فهرب القمص في أوائل الأمر نحو صور، وتبعه جماعة من المسلمين، فنجا وحده، فلم يزل سقيماً حتى مات في رجب.
حطين وأنهزام الفرنج ونهاية أرناط
وأحاط المسلمون بالباقين من كل جانب، فانهزمت منهم طائفة، فتبعها المسلمون فلم ينج منهم أحد. واعتصمت الطائفة الأخرى بتل حطين، وحطين: قرية عندها قبر شعيب ﵇ فضايقهم المسلمون على التل، وأوقدوا النيران حولهم، فقتلهم العطش. وضاق الأمر بهم حتى استسلموا للأسر، فأسر مقدموهم وهم الملك جفري، والبرنس أرناط صاحب الكرك وأخو الملك، وابن الهنفري، وأولاد الست، وصاحب جبيل، ومقدم الداوية، ومقدم
стр. 388
الاسبتار، وأمم لا يقع عليها الإحصاء، حتى كان الرجل المسلم يقتاد منهم عشرين فرنجياً، في حلقهم حبل.
وأسروا من المصاف، ومن بلاد الفرنج أكثر من ثلاثين ألفاً من الفرنج، ما بين رجل، وامرأة، وصبي. وقتل من المقدمين وغيرهم خلق لا يحصى. ولم يجر على الفرنج منذ خرجوا إلى الساحل مثل هذه الوقعة.
وكان من جملة الغنيمة في يوم المصاف صليب الصلبوت، وهو قطعة خشب مغلفة بالذهب، مرصعة بالجوهر، يزعمون أن ربهم صلب عليها، وضربت في يديه المسامير، أحضروه معهم يوم المصاف تبركاً به، ورفعوه على رمح عال. فأما مقدم الدواية والأسبتار، فاختار السلطان قتلهم فقتلوا، وأما الملك جفري، فإنه أكرمه، وجلس له في دهليز الخيمة، واستحضره، وأحضر معه البرنس أرناط، وناول الملك جفري شربة من جلاب بثلج، فشرب منها، وكان على أشد حال من العطش. ثم ناول الملك بعضها برنس أرناط، فقال السطان للترجمان: قل للملك: أنت الذي سقيته، وإلاما سقيته أنا. وأراد بذلك عادة العرب أن الأسير إذ أكل أو أشرب ممن أسره أمن.
وكان السلطان قد نذر مرتين إن أظفره الله به أن يقتله. إحداهما لما أراد المسير إلى مكة والمدينة، وبعثرة قبر النبي ﷺ .
والمرة الأخرى أن السلطان كان قد هادنه، وتحالفا على أمن القوافل المترددة من الشام إلى مصر. فاجتاز به قافلة عظيمة، غزيرة الأموال، كثيرة الرجال، ومعها جماعة من الأجناد، فغدر بهم الملعون، وأخذهم وأموالهم وقال لهم: قولوا لمحمد يجيء ينصركم. فبلغ ذلك السلطان سير إليه، وهدده،
стр. 389
ولامه، وطلب منه ردها فلم يجب، فنذر أن يقتله متى ظفر به.
فالتفت السلطان إلى أرناط، ووافقه على ما قال، وقال له: هل أنا أنتصر لمحمد. ثم عرض عليه الإسلام، فلم يفعل. فسل السيف، وضربه به، فحل كتفه، وتمم عليه من حضر. وأخذ ورمي على باب الخيمة.
فلما رآه الملك على تلك الصورة لم يشد في أنه يثني به، فاستحضره، وطيب قلبه، وقال: لم تجر عادة الملوك أنهم يقتلون الملوك. ولكن هذا طغى، وتجاوز حده فجرى ما جرى.
فتح طبرية وعكا وبيروت وغيرها
ثم إن السلطان أصبح يوم الأحد، الخامس والعشرين، فنزل على طبرية، وتسلم قلعتها بالأمان من صاحبتها ثم رحل منها يوم الثلاثاء إلى عكا، فنرل عليها يوم الأربعاء سلخ الشهر. وقاتلها يوم الخميس مستهل جمادى الأولى، فأخذها، واستنقذ منها أربعة آلاف أسير من المسلمين، وأخذ جميع ما فيها، وتفرق العسكر.
وفتح بعده قيسارية ويالس، وحيفا، وصفورية، والناصرة، والشقيف، والفولة، فأخذوها، واستولوا على سكانها، وأموالها.
ورحل السلطان من عكا إلى تبنين، وقاتلها، منها إلى صيدا فتسلمها يوم الأربعاء العشرين منه. ثم سار إلى بيروت، ففتحها في التاسع والعشرين منه. ثم سلمت جبيل، إلى أصحابه وهو على بيروت.
стр. 390
ثم سار إلى عسقلان، ونازلها يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة، وتسلمها يوم السبت سلخ جمادى الآخرة، بعد أن تسلم في طريقه مواضع كالرملة وينبا والداروم. وأقام على عسقلان، وتسلم أصحابه غزة، وبيت جبرين، والنطرون، وبيت لحم، ومسجد الخليل ﵇.
تسلم القدس من الفرنج
وسار إلى بيت المقدس، فنزل عليه يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب من سنة ثلاث وثمانين، فنزل بالجانب الغربي، وكان مشحوناً بالمقاتلة من الخيالة والرجالة. وكان عليه من المقاتلة ما يريد على ستين ألفاً غير النساء والصبيان. ثم انتقل إلى الجانب الشمالي، يوم الجمعة العشرين من شهر رجب ونصب عليه المنجنيقات، وضايقه بالزحف، والقتال، وكثرة الرماة، حتى أخذ النقب في السور، مما يلي وادي جهنم، في قرنة شمالية.
ولما رأوا ذلك وعلموا أن لا ناصر لهم، وأن جميع البلاد التي افتتحها السلطان صار من بقي من أهلها إلى القدس، خرج عند ذلك إليه ابن بارزان، ملقياً بيده، ومتوسطاً لأمر قومه، حتى استقر مع السلطان خزوج الفرنج عنها بأموالهم وعيالهم، وأن يؤدوا عن كل رجل منهم عشرة دنانير، وعن كل امرأة خمسة دنانير، وعن كل طفل لم يبلغ الحلم دينارين. ومن عجز عن ذلك استرق، فبلغ الحاصل من ذلك عن من خرج منهم مائتين وستين ألف دينار صورية، واسترق بعد ذلك منهم نحو ستة عشر ألفا.
وكان السلطان قد رتب في كل باب أميراً أميناً لأخذ ما استقر عليهم، فخانوا، ولم يؤدوا الأمانة، فإنه كان فيه، على التحقيق، العدة التي ذكرناها. وأطلق ابن
стр. 391
بارزان ثمانية عشر ألف رجل من الفقراء، وزن عنهم ثلاثين ألف دينار.
وتسلم القدس في يوم الجمعة السابع والعشرين، من شهر رجب، وأقيمت صلاة الجمعة فيه، في الجمعة التي تلي هذه، وهي رابع شعبان.
وخطب بالناس محيي الدين بن زكي الدين، وهو يومئذ قاضي حلب وأزيلت الصلبان من قبة الصخرة، ومحراب داود، وأزيل ما كان بالمسجد الأقصى من حوانيت الخمارين، وهدمت كنائسهم والمعابد، وبنيت المحاريب والمساجد. وأقام السلطان على القدس، ثم رحل عنه، في الخامس والعشرين من شعبان، فنرل على صور بعد أن قدم عليه ولده الملك الظاهر، من حلب في ثامن عشر شهر رمضان، قبل وصوله إليها.
وكان نروله على صور في ثاني عشرين من شهر رمضان، وضايقها، وقاتلها. واستدعى أسطول مصر، فكانت منه غزة في بعض الليالي، وظنوا أنه ليس في البحر من يخافونه، فما راعهم إلا ومراكب الفرنج من صور قد كبستهم، وأخذوا منهم جماعة، وقتلوا جماعة، فانكسر نشاط السلطان، ورحل عنها في ثاني ذي القعدة، وأعطى العساكر دستوراً، وساروا إلى بلادهم.
هونين وطرطوس وجبلة واللاذقية وصهيون
وأقام هو بعكا، إلى أن دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وكان من بهونين قد أرسلوا إلى السلطان، وهو بصور، فأمنهم، وسير من تسلمها. وسار السلطان، فنرل على حصن كوكب في أوائل المحرم من السنة. وكان قد جعل حولها جماعة يحفظونها من دخول قوة، فأخذ الفرنج عزتهم ليلاً، وكبسوهم
стр. 392
بعفربلا، وقتلوا مقدمهم سيف الدين أخا الجاولي. فسار السلطان، ونزل عليها بمن كان قد بقي من خواصه بعكا، وكان ولده الملك الظاهر قد عاد عنه إلى حلب، وعاد أخوه الملك العادل إلى مصر، فحصره، ثم رأى أنه حصن منيع، فرحل عنه وجعل عليه قايماز النجمي محاصراً.
وسار إلى دمشق، ثم سار من دمشق في النصف من ربيع الأول إلى حمص، فنرل على بحيرة قدس، ووصل إليه عماد الدين زنكي صاحب سنجار، وتلاحقت به العساكر، واجتمعت عنده، فنرل على تل قبالة حصن الأكراد، في مستهل ربيع الآخر، وسير إلى الملك الظاهر إلى حلب وإلى الملك المظفر، بأن يجتمعا وينرلا بتيزين قبالة إنطاكية لحفظ ذلك الجانب، فسارا حتى نرلا تيزين في شهر ربيع الآخر وتواصلت إليه العساكر في هذه المنزلة.
ثم رحل يوم الجمعة رابع جماى الأولى، على تعبئة لقاء العدو، ودخل إلى بلاد العدو، وأغار على صافيتا والعريمة وغير ذلك من ولاياتهم. ووصل إلى انطرسوس في سادس جمادى الأولى فوقف قبالتها، ونظر إليها، وسير من رد الميمنة، وأمرها بالنزول على جانب البحر، وأمر الميسرة بالنزول على البحر، من الجانب الآخر، ونزل في موضعه، وأحدقت العساكر بها من البحر إلى البحر، وزحف عليها، فما استتم نصب الخيم حتى صعد الناس السور، وأخذها بالسيف، وغنم العسكر جميع ما بها، وخرب سور البلد.
وسار إلى حلب، فوصل إليه ولده الملك الظاهر في أثناء الطريق، بالعساكر
стр. 393
التي كانت بتيزين. ووصل إلى جبلة في ثامن عشر يوم الجمعة، فما استتم نزول العسكر حتى تسلم البلد، سلمها إليه قاضيها وأهلها، وكانوا مسلمين تحت يد الفرنج، فعملوا عليها وسلموها وبقيت القلعة ممتنعة. وقاتل القلعة، فسلمت بالأمان يوم السبت تاسع عشر الشهر.
وسار عنها إلى اللاذقية، فنرل عليها يوم الخميس رابع عشري جمادى الأولى، ولها قلعتان، فقاتلها، وأخذ البلد، وغنموا منه غنيمة، وفرق الليل بين الناس. وأصبح المسلمون يوم السبت، واجتهدوا في قتال القلعتين، ونقبوا في السور مقدار ستين ذراعاً. فأيقن الفرنج بالعطب، فطلبوا الأمان، يوم الجمعة الخامس والعشرين من جمادى الأولى، وسلموها يوم السبت.
ورحل عن اللاذقية، يوم الأحد، فنرل على صهيون، ونزل عليها يوم الثلاثاء تاسع عشري جمادى الأولى، واستدار العسكر حولها، واشتد القتال عليها من جميع الجوانب، فضربها منجنيق ولده الملك الظاهر، حتى هدم قطعة من سورها تمكن الصاعد الصعود منها. وزحف عليها السلطان بكرة الجمعة، ثاني جمادى الآخرة، فما كان إلا ساعة حتى ارتقى المسلمون على أسوار الربض، فهجموه، فانضم أهله إلى القلعة، فاتلهم المسلمون فصاحوا الأمان. وسلموها على صلح القدس.
وأقام السلطان بها حتى تسلم عدة قلاع، كالغيد وقلعة الجماهريين وحصن بلاطنش. ثم رحل ونزل على بكاس، وهي قلعة حصينة، من أعمال حلب على جانب العاصي، ولها نثر يخرج من تحتها يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة على شاطىء العاصي.
стр. 394
بكاس والشغر وسرمانية وبرزية
وصعد السلطان جريدة إلى القلعة، وهي على جبل مطل على العاصي، فأحدق بها من كل جانب، وقاتلها قتالاً شديداً بالمنجنيقات والزحف. وفتحها يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة عنوة، وأسر من كان بقي فيها، وغنم جميع ما كان فيها. وكان لها قلعة تسمى الشغر قريباً منها يعبر من إحداهما إلى الأخرى بجسر، فضربها بالمنجنيقات إلى أن طلبوا الأمان، ثم سلمها أهلها بعد ثلاثة أيام، يوم الجمعة سادس عشر الشهر.
ثم عاد السلطان إلى الثقل، وسير ولده الملك الظاهر إلى قلعة تسمى سرمانية يوم السبت، فقاتلها قتالاً شديداً، وتسلمها يوم الجمعة ثالث عشري الشهر المذكور.
واتفق له هذه الفتوحات المتتابعة كلها في أيام الجمع. وكذلك القدس يوم الجمعة. ثم سار السلطان جريدة إلى حصن برزية وهو الذي يضرب به المثل في الحصانة، ويحيط به أودية من سائر جوانبه، وعلوها خمسمائة ذراع ونيف وسبعون ذراعاً، فتأمله وقوى عزمه على حصاره، واستدعى الثقل وبقية العسكر، يوم السبت رابع عشري جمادى الآخرة. فنزل الثقل تحت الجبل.
وفي بكرة الأحد صعد السلطان جريدة، مع المقاتلة، والمنجنيقات، وآلات الحصار إلى الجبل، فأحدق بالقلعة، وركب المنجنيقات عليها فقاتلها ليلاً ونهاراً. ثم قسم العسكر على ثلاثة أقسام، يوم الثلاثاء. ورتب كل قسم يقاتل شطراً من النهار، بحيث لا يفتر القتال عليها.
وحضرت نوبة السلطان، فتسلمها بنفسه، وركب، وصاح في الناس، فحملوا حملة الرجل الواحد، وطلعوا إلى الأسوار، وهجموها عنوة، ونهبوا جميع ما فيها،
стр. 395
وأسروا من كان فيها. وعاد السلطان إلى الثقل. وأحضر صاحبها ومعه من أهله سبعة عشر نفراً، فرق له السلطان، وأطلقه مع جماعته، وأنفذهم إلى صاحب انطاكية، إستمالة له. فإنهم كانوا من أهله.
درب ساك وبغراس وصفد والكرك
ثم سار السلطان حتى نزل على درب ساك، يوم الجمعة ثامن شهر رجب من السنة، فقاتلها قتالاً شديداً بالمنجنيقات. وأخذ النقب تحت برج منها، فوقع، وحماه الفرنج بالرجال، ووقفوا فيه يحمونه على كل من يروم الصعود فيه، وجعلوا كلما قتل منهم واحد أقاموا غيره مقامه، عوضاً عن السور.
ثم طلبوا الأمان على أن ينزلوا بأنفسهم وثيابهم لا غير، بعد مراجعتهم أنطاكية، وتسلمها السلطان، يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رجب، وأعطاها علم الدين سليمان بن جندر.
وسار عنها بكرة السبت، ثالث عشري الشهر، ونزل في مرج بغراس، وأحدق بعض العسكر ببغراس، وأقام يزكا على باب أنطاكية بحيث لا يشد عنه من يخرج منها. وقاتل البلد مقاتلة شديدة حتى طلبوا الأمان، وشرطوا إستئذان أنطاكية. وتسلمها في ثاني شعبان من السنة.
وفي ذلك اليوم عاد إلى الخيم، وراسله أهل أنطاكية في طلب الصلح فصالحهم، لشدة ضجر العسكر، وقلق عماد الدين صاحب سنجار لطلب العود إلى بلاده. واستقر الصلح بينه وبين صاحب أنطاكية على أنطاكية لا غير، دون غيرها من بلاد الفرنج، على أن يطلقوا جميع أسرى المسلمين الدين عندهم. وأن يكون ذلك إلى سبعة أشهر، فإن جاءهم من ينصرهم وإلا سلموا البلد إلى السلطان.
стр. 396
وطلبه ولده الملك الظاهر أن يتوجه معه إلى حلب، فسار معه إليها، ودخلها في حادي عشر شعبان، وأقام بقلعتها ثلاثة أيام في ضيافة الملك الظاهر، وأنعم الملك الظاهر على جماعة كثيرة من عسكره، فأشفق السلطان عليه. وسار من حلب في رابع عشر شعبان، فوصل دمشق قبل دخول شهر رمضان.
فسار في أوائل شهر رمضان حتى نزل صفد، ونصب عليها المناجيق، وداومها بالقتال حتى تسلمها بالأمان في رابع عشر شوال. وكان أصحابه الدين جعلهم على حصار الكرك لازموا الحصار هذه المدة العظيمة، وصابرهم من بها من الفرنج، حتى فنيت أزوادهم وذخائرهم، وأكلوا دوابهم. فراسلوا أخا السلطان الملك العادل وكان قريباً منهم، منارلاً بعض القلاع فطلبوا منه الأمان فأمنهم، وتسلمها. وتسلم أيضاً الشوبك، وغيرها من القلاع التي تجاورها.
فتح كوكب وشقيف أرنون
ثم سار السلطان من صفد إلى كوكب، ف نزل على سطح الجبل، وأحدق العسكر بالقلعة، وضايقها بالقتال، حتى تمكن النقب من سورها، فطلب أهلها الأمان فتسلمها في النصف من ذي القعدة. وسار بعد ذلك بمدة إلى بيت المقدس فدخله يوم الجمعة ثامن ذي الحجة، وسار إلى عسقلان مودعاً أخاه الملك العادل وكان متوجها إلى مصر، فأخذ من أخيه عسقلان، وأعطاه الكرك. وتوجه لتفقد البلاد الساحلية ودخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة وهو بعكا. وتوجه إلى دمشق فدخلها مستهل صفر.
ثم توجه في الثالث من شهر ربيع الأول، إلى مرج فلوس محاصراً لشقيف أرنون، ورحل من مرج فلوس، فأتى مرج عيون، وهو قريب من شقيف أرنون في سابع عشر ربيع الأول.
стр. 397
وضاق على الفرنج المجال، وقلت أزوادهم. فنزل أرناط صاحب الشقيف إليه وكان عظيماً فيهم ذا رأي ودهاء، فأظهر الطاعة والمودة للسلطان، ووعده بتسليم المكان وقال: أريد أن تمهلني حتى أخلص أولادي وأهلي من الفرنج، وأسلم إليك الحصن، وتعطيني موضعاً أسكن فيه بدمشق، وأقطاعاً تقوم بي وبأهلي وتمكنني الآن من الإقامة بالشقيف، حتى أخلص أولادي.
فأجابه السلطان إلى ذلك. وجعل يتردد إلى خدمته. وكانت الهدنة بين أنطاكية وبينه قد قرب وقتها، وخاطره مشغول بذلك. وقد سير إلى تقي الدين أن يجمع من يقارب تلك الناحية من العساكر، ويكون بإزاء أنطاكية.
وبلغه أيضاً أن الفرنج قد تجمعوا بصور في جموع عظيمة، وكان الأمر قد استقر مع أرناط أن يسلم إليه الشقيف، في جمادى الآخرة، وهو مقيم بمرج عيون ينتظر الميعاد، وأرناط في هذه المدة يشتري الأقوات من سوق المسلمين، ويقوي الشقيف، والسلطان يحسن الظن به، ولا يسمع فيه قول من يعلمه بغدره ومكره.
فلما بقي من المدة ثلاثة أيام وحضر عنده أرناط قال له في معنى تسليم الشقيف، فاعتذر بأولاده وأهله، وأن المركيس لم يمكنهم من المجيء إليه، وطلب التأخير مدة أخرى.
فعلم السلطان مكره، فأخذه وحبسه، فأجاب إلى التسليم، فسير مع جماعة من العسكر إلى تحت الشقيف، فأمرهم بالتسليم، فامتنعوا، وطلب قسيساً حدثه بلسانه وعاد بما قال إليهم، فاشتدوا في المنع.
فعلم حينئذ أن ذلك كان تأكيداً مع القسيس، فأعادوه إلى السلطان، وسيره إلى بانياس، وتقدم إلى الشقيف فحصره، وضيق عليه، وجعل عليه من يحفظه،
стр. 398
إلى أن سلمها من بها بعد أن عذب صاحبها أشد العذاب، واشترطوا إطلاق صاحبها، في يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الأول من سنة ست وثمانين.
وأما بقية الفرنج، فإن ملكهم كان وعده السلطان أنه متى سلم عسقلان أطلقه، فاتفق أنه أطلقه بأنطرسوس، حين فتح تلك الناحية، واشترط عليه أن لا يشهر في وجهه سيفاً أبداً، فنكث، واتفق مع المركيس صاحب صور وعسكراً مع جموع الفرنج على باب صور. واتفق بينهم وبين المسلمين حروب وغارات كانت النكاية فيها سجالاً بين الفريقين، بحيث تحاجز الفريقان في آخر تلك الأيام من جمادى الآخرة من هذه السنة.
القتال حول عكا
وسار الفرنج إلى حصار عكا، فنزلوا عليها في يوم الأربعاء ثامن شهر رجب. وسار السلطان فنزل عليهم بظاهر عكا، ومنعهم من الإحاطة بسورها فكان نازلاً على قطعة منها تلي الشمال، ومعه الباب الشمالي من عكا مفتوحاً والمسلمون يدخلون إليها ويخرجون، والفرنج على الجانب الجنوبي، وقد أغلق في وجوههم الباب المعروف بباب عين البقر، وكان الفرنج يقومون بمحارب المسلمين، من جانب المدينة ومن جانب العسكر.
وجرت بينهم وبين الفرنج وقعات متعددة، من أعظمها وقعة اتفقت يوم الجمعة الثالث والعشرين من شعبان، خرج الفرنج واصطفوا على تعبئة القتال، والملك في القلب وبين يديه الإنجيل، فوقف المسلمون أيضاً على تعبئة، وتحركت ميسرة الفرنج على ميمنة المسلمين، وفيها الملك المظفر، فتراجع عنهم، وأمده السلطان بأطلاب عدة من القلب، فخف القلب، وعادت ميسرة الفرنج فطمعت فيه فحملوا على القلب، فانكسر، وانكسر معه معظم الميمنة، وبلغت هزيمتهم إلى الأقحوانة، ومنهم من دخل دمشق.
ووصل الفرنج إلى خيم السلطان، فقتلوا ذلك اليوم أبا علي الحسين بن عبد الله بن رواحة. وكان قد مدح النبي ﷺ ووقف بإزاء قبره، وأنشد قصيدته.
стр. 399
وقال: يا رسول الله إن لكل شاعر جائزة وقرى، وإني أطلب جائزتي الشهادة، فاستجاب الله دعاءه.
وقتل ذلك اليوم مكبس السلطان وطشت داره، وثبتت ميسرة المسلمين، وصاح السلطان فيمن بقي من المسلمين: يال الإسلام. وعادت ميسرة الفرنج إلى عسكره، فتكاثر الناس وراءهم، وحملوا عليهم، فانهزموا، وتبعهم المسلمون، فقتلوا منهم زهاء سبعة آلاف. ولم يقتل من المسلمين غير مائة وخمسين نفراً.
ثم إن الحرب إتصلت بينهم ليلاً ونهاراً، وكثر القتل بينهم، وأقبل الشتاء، فلقي المسلمون منه شدة. وحضروا إلى السلطان، وأشاروا عليه بالرحيل عن عكا إلى الخروبة، لينفسخ ما بين العسكرين. وكان ذلك للضجر من تلك المواقفة، وملازمة القتال، حتى أوهم السلطان وقالوا له: إنك قد ضيقت على الفرنج مجال الهرب، وحلت بينهم وبين صور، وطرابلس، ولو أفرجت لهم عن الطريق لما وقفوا بين يديك. فرحل السلطان إلى الخروبة.
فأصبح الفرنج وقد انبسطوا على عكا، وأحاطوا بها من سائر جهاتها، واتصل ما بينهم وبين صور، وجاءت مراكبهم منها، فحصرت عكا من جانب البحر، وضعفت قلوب المسلمين بعكا، وعادوا يقتاتون من الحواصل المدخورة، بعد أن كان من المير المجلوبة.
وتوفر الفرنج على قتال أهل عكا بعد أن كانوا مشغولين بالعسكر، وشرع الفرنج في إدارة خندق على عساكرهم، كاستدارتهم بعكا، وجعلوه شكلاً هلالياً: طرفاه متصلان بالبحر، وأقاموا عليه سوراً مما يليهم، وشرفوه بالجنويات والطوارف، والتراس.
واتصلت الأمداد إليهم من البحر، بالأقوات والرجال والأسلحة، حتى كان
стр. 400
ينقل إليهم البقول الرطبة، والخضراوات من جزيرة قبرس فتصبح عندهم في اليوم الثاني.
تحرك الصليبيين الألمان
وسير السلطان إلى الخليفة، وإلى ملوك الإسلام، يستنفر ويستصرخ، واتصلت الأخبار بوصول ملك الألمان إلى القسطنطينية، في ستمائة ألف رجل، منهم ثلاثمائة ألف مقاتل، وثلاثمائة ألف سوقة، وأتباع وصناع.
وحكي أنه كان في عسكره خمسة وعشرون ألف عجلة تنقل الأسلحة والعلوفات، فأسقط في أيدي المسلمين، واستولى اليأس عليهم، وتعلقت آمالهم أنه ربما مانعه من في طريقه من الأرج ومن قلج أرسلان، فلم يتفق شيء من ذلك، بل سار، وقطع البلاد، حتى وصل إلى قونية.
وأرسل الله عليهم وباء عظيماً وحراً عظيماً، ومجاعة أحوجتهم إلى نحر دوابهم، وذبح البقر الذي يجر العجل، فكان يموت في كل يوم ألوف من الرجال، ويسابقون الموتان إلى ما معهم من الدواب الحاملة للأثقال، حتى وصلوا إلى أنطاكية ولم يبق منهم إلا دون العشر.
وكان في جملة من مات منهم ملكهم الذي غزا الشام، في سنة أربع وأربعين، وحاصر دمشق، مات غريقاً في نهر بطرسوس يقال له الفاتر، نزل، وسبح فيه فغرق. وقيل بأنه سبح فيه وكان الماء بارداً، فمرض ومات. وأخذ وسلق في خل، وجمعت عظامه، ليدفن في البيت المقدس.
وأوصى بالملك لابنه مكانه، واتفقت الكلمة عليه، فمرض بالثنيات، وأقام بها، وسير كند أكرا على عسكره، ووصل إلى أنطاكية، فمات ذلك الكند بها. وخرج البرنس إلى الملك، واستدعاه إلى أنطاكية طمعاً في أنه يموت ويأخذ
стр. 401
ماله. وكان قد فرق عسكره ثلاث فرق لكثرته، فالفرقة الأولى: اختارت تحت بغراس مع الكند المذكور. فوقع عليه عسكر حلب فأخذ منهم مائتي رجل، ووقع أيضاً على جمع عظيم خرجوا للعلوفة، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأسروا زهاء خمسمائة نفر.
ولما وصل ملك الألمان إلى أنطاكية أخذها من صاحبها، وأودع فيها خزائنه، وسار منها يوم الأربعاء خامس وعشرين من شهر رجب، سنة ست وثمانين وخمسمائة، متوجهاً إلى عكا، وفشا فيهم الوباء حتى لم يسلم من كل عشرة واحد. ولم يخرجوا من أنطاكية حتى ملؤوها قبوراً.
ووصل الملك إلى طرابلس، في نحو ألفي فارس، لو صادفهم مائة من المسلمين لأخذوهم، ووصلوا إلى عكا رجالة ضعفاء، لا ينفعون. ومات ابن ملك الألمان على عكا في ذي الحجة، من سنة ست.
الأساطيل البحرية
ووصل إلى المسلمين بعكا الأسطول المصري في خمسين شينياً غنم في طريقه إليها بطس ومراكب فرنجيه، أسر رجالها وغنم أموالها. وجرى له مصادمات مع مراكب الفرنج المحاصرة لعكا، كانت الغلبة فيها للمسلمين، فدخلوا إلى عكا، وتماسكت بما دخل فيها من الأقوات والسلاح، وكان دخولها في يوم الإثنين رابع عشر شعبان، من سنة ست وثمانين.
وفي هذا الشهر، جهز الفرنج بطساً متعددة، لمحاصرة برج الذبان وهو على باب ميناء عكا فجعلوا على صواري البطس برجاً، وملؤوه حطباً ونفطاً، على أنهم يسيرون بالبطس، فإذا قاربت برج الذبان ولاصقته، أحرقوا البرج الذي على الصاري، وألصقوه ببرج الذبان، ليلقوه على سطحه، ويقتل من عليه من المقاتلة ويأخذونه.
стр. 402
جعلوا في البطسة وقوداً كثيراً، ليلقوه في البرج إذا اشتعلت النار فيه. وعبؤوا بطساً ملؤوها حطباً، على أنهم يدفعونها لتدخل بين بطس المسلمين، ثم يلهبونها لتحرق بطس المسلمين.
وجعلوا في بطسة ثالثة مقاتلة، تحت قبو، بحيث لا يصل إليهم نشاب، ويكونون تحت القبو، ويقدمون البطسة إلى البرج، فأوقدوا النار، وضربوا النفط، فانعكس الهواء عليهم، فاحترقت البطسة، وهلك من فيها، واحترقت البطسة الثانية، وأخذها المسلمون، وانقلبت الثالثة التي فيها القبو بمن فيها.
وفي هذه السنة، في ربيع الأول، أحرق المسلمون ما كان صنعه الفرنج من آلات الحرب والزحف إليهم، وهي أبرجة عظيمة المقدار، يزحف بها على عجل، وفيها المقاتلة، والجروخ، والمجانيق، فعمد لها رجل دمشقي يعرف بعلي بن النحاس، فرماها من السور، بقدور نفط متتابعة، وصار فيها ريح غريبة، كانت سبباً لإحراق تلك الآلات وما فيها ومن فيها.
واشتد حصار الفرنج على عكا، ومل من بها من الأجناد المقام، ووصل إليهم من مصر مراكب فيها غلة، فأتلفوها بالإضاعة وبالتغريق، تبرماً بالمقام.
وفي ربيع الأول، وصلت من بلاد الفرنج مراكب كثيرة، فيها ألوف من مقاتلة الفرنج من أكبرهم ملكان: يعرف أحدهما بملك الفرنسيس والآخر بملك انكتير، فاشتدت وطأتهما على عكا، وعظمت نكايتهما، في سورها. وقل ما بها من الميرة والسلاح.
فأمر السلطان بأن أوسق مركب عظيم من بيروت، واستكثر فيه من السلاح والأقوات والمقاتلة، وأظهر عليه زي الفرنج وشعارهم، وأخذ قوم من أساري الفرنج الذين في قبضة المسلمين، فتركوا على ظاهر المركب، وأنزل معهم في المركب جماعة من المسلمين ممن يعرف لغة الفرنج، وتزيوا بزي الفرنج، وحلقوا شعورهم، وأخذوا معهم خنازير، ورفعوا على قلع المركب صليباً. وأوهموا الفرنج
стр. 403
أنهم واصلون إليهم نجدة من بلادهم، وأقلعوا داخلين إلى مرسى عكا، مسلمين على الفرنج بلغتهم، مبشرين لهم بأن وراءهم من المدد، من تثدد به منتهم وتعز به نصرتهم، فلم يرتب المحاصرون بذلك، وأفرجوا لهم عن المرسى.
فدخلوا إلى عكا، وأوصلوا إلى المسلمين بها، ما كان معهم من الميرة والسلاح والرجال، وتمت هذه الحيلة. وكانت من الفرص التي لا ينبغي أن تعاود فركن المسلمون إليها، وطمعوا في أخرى مثلها، فجهزوا مركباً عظيماً من بيروت أيضاً، وأودعوه مثل ما كان قبله من الآلات والسلاح والأقوات بما مبلغ قيمته خمسة آلاف دينار. وجعل فيه سبعمائة من مقاتلة المسلمين.
وكان خبرهم قد وصل إلى الفرنج، فأخذوا عليهم الأرصاد، فمكثوا أياماً يلججون في البحر، ويقاربون عكا، فلا يجدون في الدخول مطمعاً، حتى صادفتهم مراكب الإنكتير في حال قدومه من بلاده، في إحدى وعشرين مركباً فقاتلوا ذلك المركب الإسلامي يومين، وثبت لهم مع قلته، فغرق المسلمون من مراكب الفرنج ثلاثة.
ولما رأوا أنهم قد يئسوا من النجاة، وأن الفرنج إن ظفروا بالمركب حصل لهم به قوة عظيمة، وحصلوا في الأسر والذلة، عمد رجل حلبي حجار من أهل باب الأربعين، يقال له يعقوب وكان مقدم الجماعة إلى سفل المركب وأخذ قطاعته، وخسف المركب، ودخل فيه الماء، وغرق. ولم يظفر الكفار منه بشيء، سوى رجلين تخطفهما الفرنج من رأس الماء، واحتملوهما في مراكبهم، فأخبرا بهذه الكائنة.
ولما وصل هذا الخبر إلى عكا قطع قلوب من بها، وأسقط في أيديهم، وهرب جماعة من الأمراء منها، فألقوا أنفسهم في شخاتير صغار، فأضعف ذلك قلوب من بقي بها. وعظمت النكاية في سور المدينة، وفشلوا، وكاتبوا السلطان، فأذن لهم في مصالحة الفرنج عن أنفسهم بالبلد.
стр. 404
عودة الفرنج إلى عكا وهدم عسقلان
فصالحوا الفرنج على تسليم البلد، وجميع ما فيه من الآلات، والعدد والأسلحة، والمراكب، وغير ذلك، وعلى مائتي ألف دينار، وألف وخمسمائة أسير، مجاهيل الأحوال، ومائة أسير معينين من جانبهم يختارونهم، وصليب الصلبوت، على أن يخرجوا سالمين بأنفسهم، وذراريهم، وأموا لهم، وقماشهم، وضمنوا للمركيس، عشرة آلاف دينار، لأنه كان الواسطة، ولأصحابه أربعة آلاف.
وحلف الفرنج لهم على ذلك، وتسلموا عكا، في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة، سنة سبع وثمانين وخمسمائة. ونكثوا ذلك العهد، وأسروا كل من كان بها من المسلمين، وفرقوا بنيهم، واستصفوا أموالهم، وسلبوهم ثيابهم وأسلحتهم، ثم قتلوا منهم ألفين ومائتين صبراً، على دم واحد، في يوم واحد، حيث توهموا فيهم أنهم فقراء، ليس لهم مفاد، وأسروا من رجوا منه أن يفتدى بمال، أو يكون من السلطان على بال.
وأقاموا بعكا نحو أربعين يوماً، والملك الناصر على حصارهم، ثم خرجوا منها متوجهين إلى عسقلان، فسار في عراضهم، ليمنعهم أن يخرجوا من ساحل البحر، فساروا من عكا إلى يافا، وهي مسيرة يوم واحد، في شهر كامل، لمضايقة السلطان لهم، وجرى بينهم وبين المسلمين مناضلة ومطاردة، فلما أشفق السلطان من أخذهم عسقلان سبق إليها فهدمها، وأخرج أهله منها، في شهر رمضان من سنة سبع. فأقام الفرنج بيافا، وانتقل السلطان إلى الرملة، وشرع الفرنج في بناء يافا وتحصينها، ثم ساروا عنها، فنزلوا بعسقلان، وشرعوا في عمارتها. ثم ساروا إلى الداروم، فحصروها ثلاث مرات، أخذوها في المرة الثالثة بالأمان.
وعاد السلطان، في ثالث ذي الحجة، بالعساكر، إلى البيت المقدس
стр. 405
وعمره، وحصنه، ووعر طريقه، وعمق خندقه. وجعل الملك العادل، بإزاء الفرنج بالرملة.
وتوفي الملك المظفر تقي الدين، على منازكرد، وهو محاصر لها، بعد أن جرى له مصاف مع بكتمر صاحب خلاط، وكسره تقي الدين.
ودخلت سنة ثمان وثمانين والسلطان بالبيت المقدس، والملك العادل في الرملة، وقد صار بيد الفرنج مما كان بيد المسلمين من الفتوح، ما بين عكا والداروم، ولم يمكنهم مفارقة الساحل، خوفاً من أن يحول المسلمون بينهم وبين مراكبهم، فتنقطع مادتهم.
وعصى فيها الملك المنصور بن تقي الدين على السلطان بميافارقين، وحني، وحران، والرها، وسميساط، والموزر، فسير إليه ابنه الملك الأفضل وأقطعه تلك البلاد الشرقية، فسار إلى حلب ومعه أخوه الملك الظافر، ووصلا إلى حلب. فأرسل السلطان أخاه الملك العادل، جريدة، في عشرين فارساً من مماليكه، وأمره أن يرد الملك الأفضل، ويطيب قلب الملك المنصور، ويعطيه ما يريد، فوصل الملك العادل، واجتمع بالملك المنصور، وقرر أمره.
الصلح مع الفرنج
ثم أن السلطان جرت له أحوال مع الفرنج، ووقعات، ومراسلات، يطول الكتاب بتعدادها، إلى أن انتظم الصلح بينه وبين الفرنج، في حادي وعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين، لمدة ثلاث سنين وخمسة أشهر، على أن سلموا إلى المسلمين عسقلان، وغزة، والداروم. واقتصروا من البلاد الساحلية على ما بين صور، ويافا بعد أن فتح السلطان يافا،، وبقي القلعة.
اتفق ملوك الجزائر من الفرنج على تمليك الساحل رجلاً منهم يعرف
стр. 406
بالكندهري، وزوجوه بنت ملكهم القديم، التي قد استقر عندهم أن يجعلوها على كل من ملكوه.
وسار السلطان من القدس إلى بيروت في شوال، ووصل إلى خدمته صاحب أنطاكية الابرنس وولده قومص طرابلس خلع عليهم، وجدد بينه وبينهما الهدنة والعقد.
وفي سادس عشري ذي القعدة، دخل إلى دمشق، بعد مدة تقارب أربع سنين. وكان الملك الظاهر قد ودعه من القدس، ورحل إلى حلب في شهر رمضان. وأخبرني القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم: أنه ودعه، ثم سير إليه، واستأذنه في مراجعته في أشياء فأدخله عليه وكنت، حاضراً ثم قال للملك الظاهر: أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل خير: وأمرك بما أمرك الله به، فإنه سبب نجاتك. وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد لها، فإن الدم لا ينام. وأوصيك بحفظ قلوب الرعية، والنظر في أحوالهم، فأنت أميني وأمين الله عليهم. وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء، وأرباب الدولة والأكابر. فما بلغت ما بلغت إلا بمداراة الناس. ولا تحقد على أحد، فإن الموت لا يبقي على أحد، واحذر ما بينك وبين الناس، فإنه لا يغفر إلا برضاهم، وما بينك وبين الله يغفره بتوبتك إليه، فإنه كريم وفي شهر ذي القعدة، سلم إلى الملك المنصور ما كان لأبيه بالشام، وهو منبج، وحماة، وسلمية، ومعرة النعمان وانقضت سنة ثمان وثمانين.
والهدنة مع الفرنج مستمرة، والملك الناصر بدمشق، والملك الظاهر بحلب، والملك العزيز بمصر، والملك الأفضل، وهو أكبر ولد السلطان، معه بدمشق.
فمرض السلطان، في اليوم الخامس عشر، من صفر، بحمى حادة، واختلط ذهنه في السابع، وحبس كلامه، وانجذبت مادة المرض إلى دماغه. وتوفي ﵀ في الثالث عشر من مرضه، في وقت الفجر، من يوم الأربعاء، السابع والعشرين من صفر، في سنة تسع وثمانين وخمسمائة.
стр. 407
ليس في خزانته من المال يوم وفاته سوى دينار واحد صوري، وسبعة وأربعين درهماً نقرة. ودعوته على المنابر من أقصى حضرموت في الجنوب إلى أوائل بلاد أراينه في الشمال عرضاً، ومن طرابلس الغرب إلى باب همذان طولاً. ونقودها من الدراهم والدنانير مضروبة باسمه، وعساكرها مطيعة لأمره، سائرة تحت لوائه. ومن جملة ملكه ديار مصر، والشام جميعه، والجزيرة وديار بكر، واليمن.
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وكان وزيره القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني، صاحب البلاغة في الكتابة.
واستقر ملك ابنه السلطان الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر يوسف بن أيوب لحلب، والبيرة، وكفر طاب، وعزاز، وحارم، وشيزر، وبارين، وتل باشر. واستقل بملك حلب، وأنعم على رعيته، واستمال قلوبهم بالإحسان، وعمل بوصية أبيه في الأفعال الحسان. وشارك أهل حلب في سرورهم والحزن، وقلد أعناقهم أطواق الأنعام والمنن، وجالس الكبير منهم والصغير. واستمال الجليل والحقير. وكان ﵀ مع طلاقة وجهه، من أعظم الملوك هيبة، وأشدهم سطوة، وأسدهم رأياً، وأكثرهم عطاء. وكانت الوفود في كل عام تزدحم ببابه من الشعراء، والقراء، والفقراء، وغيرهم. وكان يوسعهم فضلاً وإنعاماً. ويوليهم مبرة وإكراماً.
ولم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد سيف الدولة بن حمدان ما اجتمع ببابه ﵀ وزاد على سيف الدولة في الحباء والفضل والعطاء.
стр. 408
القسم الثامن والعشرون
التنافر والاتفاق
وخرج صاحب الموصل عز الدين،، باتفاق عماد الدين وصاحب ماردين لاستنقاذ حران والرها، من يد الملك العادل، في شهر ربيع الآخر من هذ السنة، ونزل بدنيسر.
ونزل الملك العادل بحران، واستنجد بعساكر الملك الظاهر والملك الأفضل، فسير الملك الظاهر عسكره ومقدمه الملك المنصور بن تقي الدين، ونزل الملك العادل على سروج فافتتحها. ومرض عز الدين، وعاد إلى الموصل عن غير لقاء.
ثم نرل الملك العادل على الرقة، فأخذها، وأعطاها ابن أخيه الملك الظاهر وسار بالعساكر إلى نصيبين، وأقطع الخابور وبلد القنا، ثم اصطلحوا في شهر شعبان. وكان الياروقية ومقدمهم دلدرم صاحب تل باشر، قد تكبروا وتحامقو على الملك الظاهر، وقصروا في خدمته، في حياة أبيه. وكانوا يعالمون بدر الدين دلدرم، ويركبون كلهم في خدمته حتى كأنه السلطان، وكان بأيديهم من الأقطاع خيم ضياع جبل السماق وغيرها وملك الملك الظاهر حلب، فسلكوا معه من الحماقة، ما كانوا يسلكونه من قبل، فاعتقل مقدمهم دلدرم في قلعة حلب، وقيده، وأخرج الباقين عن حلب، وقبض أقطاعهم، وطلب من دلدرم تسليم تل باشر فامتنع، وذلك في سنة تسعين وخمسمائة.
стр. 409
واتفق أن وقع خلف بين الأفضل والملك العزيز، بسبب أميرين من الناصرية، أحدهما ميمون القصري، والآخر سنقر الكبير، وكان بأيديهما عدة من القلاع، فاستشعرا من الملك الأفضل أن يقبضهما، فسارا إلى مصر، وكاشفا الأفضل بالعصيان.
وطلبا من العزيز الكون في خدمته على أن يذب عما في أيديهما، فأقطع الملك الأفضل بلادهما، وأقطعهما الملك العزيز نابلس وكانت مقطعة مع ابن المشطوب فامتنع من تسليمها إليهما، وسار إلى الملك الأفضل فوقع الشر بينهما بسبب ذلك. ونزل الملك العزيز إلى دمشق، في جمادى الآخرة، وأقطع بلدها، وقاتلها، فسير الملك الأفضل إلى عمه، وأعلمه بذلك، فسار الملك العادل من بلاده شرقي الفرات جريدة، واجتمع بالملك الظاهر غازي بحلب، وأصعده إلى قلعة حلب، وأنزله في الدار، التي فيها ابنة الملك العادل غازية خاتون، زوجة السلطان الملك الظاهر. وطلب من الملك الظاهر موافقته على المسير إلى نصرة الملك الأفضل، وإصلاح ما في قلوب الملكين من المضاغنة، فوافقه على ذلك. ثم قال له الملك العادل: أنا ضيفك، ولا بد للضيف من قرى، وأطلب أن تكون ضيافتي منك دلدرم. فأجابه إلى ذلك وأطلقه.
وكان العلم بن ماهان في خدمة السلطان الملك الظاهر، في محل الوزارة، فأشار عليه بقبض عمه الملك العادل، فامتنع، وقال: هذا عمي، ومحله محل الوالد. ونزل الملك بدلدرم من القلعة، فمضى في يومه إلى تل باشر.
وصعد الملك العادل والملك الظاهر، إلى نصرة الملك الأفضل، بعد أن سلم الملك الأفضل إلى الملك الظاهر جبلة، واللاذقية، وبلاطنش وأعمال ذلك كله، لينصره على أخيه. واجتمع الملك العادل والملك الظاهر بالملك الأفضل، وتأخر الملك العزيز عن دمشق.
وجرت بين الملوك الثلاثة مراسلات أفضت إلى الاتفاق والصلح، على أن
стр. 410
تكون بلاد الملك الأفضل بحالها، وما كان بيد ميمون وسنقر، على حاله، ويكونان في خدمة الملك العزيز. ووقعت الأيمان والعهود على ذلك. في شعبان من سنة تسعين وخمسمائة.
وعاد الملك العزيز إلى مصر والملك الظاهر إلى حلب، والملك العادل إلى الشرق.
وفي سنة إحدى وتسعين اتصل القاضي بهاء الدين أبو المحاسن، يوسف بن رافع بن تميم بخدمة الملك الظاهر، وقدم إليه إلى حلب، وولاه قضاء حلب ووقوفها، وعزل عن قضائها، زين الدين أبا البيان بنا نائب محيي الدين بن الزكي، وحل عنده بهاء الدين في رتبة الوزارة والمشورة.
التنافر الثاني وخروج الأفضل عن دمشق
ثم إن الملك الأفضل استشعر من أخيه الملك العزيز أن ينزل إلى دمشق، ويحاصرها، في سنة إحدى وتسعين، كما فعل في السنة الخالية، فسار إلى قلعة جعبر، واجتمع بعمه الملك العادل بها، وفاوضه في الوصول إليه إلى دمشق، لينصره على الملك العزيز إن وصل إلى دمشق، إما بصلح أو بغيره، فوافقه على ذلك.
وتوجه الملك العادل إلى دمشق، ثم عدل الملك الأفضل إلى حلب، إلى أخيه الملك الظاهر، ووصل إليه إلى حلب، وفاوضه في إنجاده على الملك العزيز، فلم يجد عنده نية صادقة في الحركة معه إلى دمشق. واشترط عليه شرائط من جملتها أن صاحب حماة الملك المنصور محمد بن تقي الدين، وعز الدين بن المقدم صاحب بارين، وبدر الدين دلدرم بن ياروق، صاحب تل باشر، كانوا كلهم في طاعته، ومضافين إليه، وبلادهم من جملة بلاد الملك الظاهر، وأنهم كانوا من جملة أصحابه، فانحرفوا عنه، وانضافوا إلى عمه الملك العادل.
وكان الملك العادل قد شفع إليه في دلدرم، وأطلقه لأجله، وضمن له عنه الطاعة والقيام بما يجب، فانضات إلى عمه.
стр. 411
وطلب الملك الظاهر أن الملك العادل يقوم له، بما جرى بينه وبينه من الشرط، وأن لا يعرض لأتباعه المذكورين.
وسار الملك الأفضل إلى دمشق، على أن يقرر مع عمه ما التمسه الملك الظاهر. فلم يتفق للملك الظاهر شيء مما التمسه. فعاد بالكلية عنهما، وأرسل إلى الملك العزيز، يحضه، ويحرضه على قصدهما لأن الملك الأفضل مال إلى الملك العادل، وألقى أموره كلها إليه.
ووصلت رسل الملك العزيز إلى الملك الظاهر، بموافقته معه، ومعاضدته. وحلف له الملك الظاهر، في شهررجب من السنة.
ونزل الملك العزيز، من مصر، في شهر رمضان، والأسدية والأكراد مخامرون عليه، والملك العادل والملك الأفضل، قد كاتباهم، فمالوا إليهما لتقدمة الملك العزيز الناصرية عليهم.
وخرج الملك الظاهز، فنزل بقنسرين، وعيد بها عيد الفطر، وعيد الملك العزيز بالفوار، وعزم الملك العزيز على الرحيل إلى دمشق، والنزول عليها، ورحل أبو الهيجاء السمين والمهرانية، والأسدية في رابع شوال. وساروا إلى دمشق. ورحل الملك الظاهر من قنسرين إلى قراحصار قاصداً حصار منبج وهي في يد الملك المنصور صاحب حماة فلما وصل الملك الظاهر إلى بزاعا، وصله الخبر بأن العسكر خامر على الملك العزيز، وأنه رجع عن دمشق، وسار الملك العادل والأفضل خلفه إلى مصر، فعاد الملك الظاهر إلى قرا حصار حتى انسلخ شوال، ودخل حلب.
ووصله الخبر بأن الملك العادل والأفضل، سارا خلف الملك العزيز إلى مصر، ونزلا على بلبيس، ودخل الملك العزيز إلى مصر، واسقر أمره بها، وعلم الملك العادل بأنه لا يتمشى أمرهما مع الملك العزيز، فكتب إلى القاضي الفاضل، وطلب الاجتماع به، فألزمه الملك العزيز بالخروج إليه، فاجتمع به،
стр. 412
وأصلح حاله مع الملك العزيز، وشرط عليه أن يعفو عن الأسدية. وقال للملك الأفضل: أنا كان مقصودي الإصلاح بينكم، وأن لا يقع على دولتكم خلل، وقد حصل ذلك.
وتحالفوا، وعاد الملك الأفضل، ومعه أبو الهيجاء السمين، وبقي السلك العادل مع الملك العزيز بمصر، ووافقه، فانحرف الملك الظاهر عن الملك العزيز بذلك السبب، ومال إلى الملك الأفضل وكان الملك العادل قد احتوى على الملك العزيز، وأوقع في نفسه أن السلطنة تكون له في بلاد الإسلام، والخطبة والسكة. وكان يبلغه عن الملك الأفضل كلمات توجب الحنق عليه، فاتفق مع الملك العزيز على أن ينزلا جميعاً إلى الشام، لتقرير هذه القاعدة في جميع بلاد الإسلام.
فسير الملك الظاهر أخاه الملك الزاهر داود، والقاضي بهاء الدين قاضي حلب، وسابق الدين عثمان، صاحب شيزر في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة إلى الملك العزيز، لتسكين الفتنة، والرجوع إلى ما فيه صلاح النية والموافقة بين الأهل. فوصلوا والملك العادل، والملك العزيز، قد خرجا مبرزين إلى البركة في ربيع الأول من السنة. وعادوا الرسل بغير زبدة، فعرفوا الملك الأفضل في احتيازهم عليه، بما قد عزم الملك العزيز، والملك العادل عليه، من إقامة الخطبة والسكة للملك العزيز، وتعجب من نقضهما الهدنة معه.
ولما وصلوا إلى حلب، راسل الملك الظاهر أخاه الأفضل، في تجديد الصلح بينهما، وتحالفا على المعاضدة والمناصرة. ووصل إلى الملك الظاهر من الأمراء: علم الدين قيصر الناصري، أمير جاندار أبيه الملك الناصر، فأقطعه اللاذقية، وأخذها من ابن السلار. وسير العلم بن ماهان، ليعتبر ما في قلعتها ويسلمها إلى قيصر، ويجعل الأجناد فيها على حالهم، ويحلفهم للسلطان الملك الظاهر.
وكان العلم بن ماهان، إذ ذاك عند الملك الظاهر في محل الوزارة، فلما وصل
стр. 413
إليها، ودخل قلعتها طمع باللاذقية، وحدثته نفسه بالعصيان، واستحلف الأجناد لنفسه، وخالفه بعضهم، وامتنعوا، وكتبوا إلى الملك الظاهر، وقبضوا على ابن ماهان. فسارع الملك الظاهر، وخرج إلى اللاذقية، وصعد إلى القلعة، وأحضر ابن ماهان، وقطع يده، وقلع عينه، وقتل غلاماً من خواصه، وقطع لسان البدر بن ماهان قرابته وأذنيه، وسلخ العامل النصراني الذي كان بها.
واحتوى على جميع ما كان لابن هامان، وفرقه، ودخل إلى حلب وهو معه، فأركبه حماراً مقلوباً، وعلى رأسه خف امرأة، ويده معلقة في عنقه. وطيف به على تلك الحال، ولطم بالدرة. ثم صعدوا به إلى القلعة، فالتقاه ابن منيفة بوابها، وقال له: أريد حقي منك. وأخذ نعله من رجله، ولطمه به لطماً كثيراً. وحبس في القلعة. وتحدث بعض الناس أن الملك الظاهر أراد أن يرجع عن إقطاع قيصر اللاذقية، فكتب إلى ابن ماهان يأمره بالعصيان، ثم التزم بما فعل، ولم يظهر صحة ذلك.
ولما دخل السلطان الملك الظاهر من اللاذقية، سير عسكراً من عسكر حلب، نجدة لأخيه الملك الأفضل، ووصل الملك العزيز والملك العادل، فنزلا على دمشق، وحصراها، وتسلمها الملك العزيز بمخامرة أوجبت دخول الملك العادل! من باب توما والملك العزيز من باب الفرج.
وخرج الملك الأفضل من القلعة، وعوض عن دمشق بصرخد، فسار إليها ووصل الملك الظاهر إلى أخيه الملك الظاهر إلى حلب، فأكرمه، واحتفل به، وذلك في شعبان من سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.
وشرع الملك الظاهر في حفر الخنادق بحلب وتحصينها، وسير القاضي بهاء الدين، وغرس الدين قلج، إلى الملك. العزيز، يطلب موافقته. وكان قد رحل إلى مصر، وأبقى الملك العادل بدمشق.
تحرك الظاهر غازي حول حلب
وخرج الملك الظاهر إلى مرج دابق وأقام بها، وأظهر أن صاحب
стр. 414
مرعش عاث في بلد رعبان، وسير يقدمه عسكره إلى عين تاب فخاف صاحبها حسام الدين بن ناصر الدين، وحفظ القلعة. ونزل العسكر في الربض مظهرين أن لاغرض لهم في حصار القلعة، بل لشدة البرد والثلج. ثم أظهر أن صاحب مرعش سير إلى الملك الظاهر، واعتذر، وانقاد إلى طاعته، وحلف له. فرحل السلطان إلى الراوندان، وأقام بها ثلاثة أيام، ورحل إلى عزاز ليلاً، وهي في أيدي نواب الأمير سيف الدين بن علم الدين علي بن سليمان بن جندر، وكان مريضاً بحلب، فأراد السلطان أن يصعد إلى القلعة من شدة المطر، فمنعه من في القلعة أن يطلع إلا بإذن سيف الدين، فسار إلى دربساك وبها ركن الدين الياس ابن عم سيف الدين، فقبض عليه.
وعاد إلى حلب مغضباً، ودخل إلى دار سيف الدين بنفسه، وأخذه في محفة، وسيره إلى عزاز ليسلمها، ووكل به حسام الدين عثمان بن طمان، فوصل معه إليها وسلمها إلى نواب السلطان الملك الظاهر، وعادوا به إلى حلب.
ولما جرى على سيف الدين ذلك، وكانت دربساك معه، وفيها ماله ونوابه، وبها جماعة من أسرى الفرنج، فأعملوا الحيله، وكسروا القيود، وفتحوا خزانة السلاح، ولبسوا العدد، وقاموا في القلعة، فاحتمى الوالي في القلعة مع جماعة من الأجناد، والقتال عليهم. فعلم الملك الظاهر، بذلك، فخرج مجداً في السير حتى وصل درب ساك، فوجد الوالي قد انتصر على الأسرى، وقتلهم.
وعاد السلطان إلى حارم، ثم دخل إلى حلب، فأقام حتى تقضت سنة اثنتين وتسعين. ووصله القاضي وقلج بجواب الملك العزيز بانتظام الصلح بينه وبينه.
ورحل الملك العادل إلى بلاده الشرقية، ووصل ابنه الملك الكامل محمد إلى حلب، زائراً ابن عمه الملك الظاهر، وكان قد طلبه من أبيه ليزوره، فالتقاه الملك الظاهر، وأحسن ضيافته ثم سار إلى أبيه.
وعصي سربك برعبان على الملك الظاهر، وقد كانت في يده، عوضه بهما عن حارم وكان من مماليك أبيه الشجعان، فأظهر الملك الظاهر أنه يخرج إلى الغزاة، وخرج إلى قنسرين، ثم عطف من غير أن يعلم أحد حتى وصل إلى رعبان، فنزل
стр. 415
عليها، وأقام أياماً لا يقاتلها، في شهر رمضان، في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. واستغل بلدها، فلبس سربك سلاحه، وركب وحوله جماعة، قد لبسوا، وفتح باب القلعة، ونزل إلى السلطان، والتمس منه العفو فعفا عنه. ورد رعبان إليه، وسار إلى حلب، فأقام بها إلى أول ذي الحجة من سنة ثلاث وتسعين.
الخوف من الفرنج
وكان الملك العادل قد سار إلى الغور لحركة الفرنج، واستصحب معه نجدة من الملك الظاهر، فوصلت رسله إلى السلطان الملك الظاهر، يخبره أن الفرنج قد عزموا على قصد جبلة واللاذقية فخرج الملك الظاهر إلى الأثارب، وسير الحجارين والزراقين. لهدم، حصني جبلة واللاذقية. وسار المبارز أقجا لهدم جبلة، فهدموا سورها ودورها، وأجلى أهلها منها.
وسارغرس الدين قلج، وابن طمان، لهدم اللاذقية، فنقبوا القلعة، وعلقوها، ورفعوا ذخائرها، وهدموا المدينة، وذهب أهلها، وبقي العسكر منتظراً وصول العدو، ليلقوا النار في الأخشاب المحشوة في الأنقاب، فلم يصل أحد منهم.
وجاء البرنس في البحر تحت المرقب وطلب غرس الدين وابن طمان فوصلا إليه، وكلماه على جانب البحر، فأشار عليهما بأن لا تهدم اللاذقية، وأخبرهما أن الفرنج فتحوا صيدا وبيروت وعادوا إلى صور.
فسيرا وأعلما السلطان وهو بريحا، فأمر ببناء ما استهدم منها، وسار إلى حارم، فوصلها في محرم سنة أربع وتسعين. وأقام بها مدة، ثم رحل إلى اللاذقية، فعمرها وعمر ضياعها، وتوجه إلى حلب.
وتوفي غرس الدين قلج، فعصى أولاده بالقلاع التي كانت بيده، وهي: دركوش، والشغر، وبكاس، وشقيف الزوج، وامتنعوا من تسليمها
стр. 416
إلى الملك الظاهر. فخرج إليها، ونازلها، وأخذ عليها النقوب، واستنزلهم منها، وصفح عن جرمهم، وأجرى لهم المعيشة السنية، وتقدم عنده منهم: سيف الدين علي بن قلج.
من نتائج موت العزيز بمصر
ومات الملك العزيز بمصر، واختلف أمراؤها، فمال الأسدية إلى الملك الأفضل. والناصرية إلى الملك العادل.
وانقاد الناصرية على نيات غير موافقة، واستدعوا الملك الأفضل، فسار من صرخد إلى مصر ودخلها. وتلقاه إخوته على مرحلتين منها، واستوثقوا منه بالأيمان، على أن يكون كافلاً للملك المنصور محمد ابن الملك العزيز ومربياً له.
وخرج الجحاف، وجهاركس، إلى ميمون، إلى القدس، فقيد الملك الأفضل أخاه الملك المؤيد وجماعة من الأمراء كاتبوا الملك العادل، وأرسل الملك الظاهر وزيره نظام الدين أبا المؤيد محمد بن الحسين، إلى أخيه الملك الأفضل، مهنئاً له بولاية مصر، فأقام عنده مدة، والرسل تترد إليه من الملك الظاهر في الاتفاق على الملك.
وكان الملك العادل، إذ ذاك محاصراً ماردين، وقد أشرف على أخذها، فسار الملك الأفضل إلى دمشق، وخرج الملك الظاهر إلى حارم، لغدر وقع من الفرنج بناحية العمق، أغاروا على التركمان، في تلك الناحية. وسير بعض العسكر إلى خناصرة ليقطع الطريق على الملك العادل إن توجه إلى دمشق.
وصالح الملك الظاهر الفرنج ورحل إلى مرج قراحصار في سلخ رجب من سنة خمس وتسعين
стр. 417
حصار دمشق وفشل الحصار
وسار الملك العادل حتى بلغ إلى تدمر، وسار في البرية إلى دمشق، ونزل الملك الأفضل على دمشق، في نصف شعبان من السنة. ونزل بعض عسكره في الميدان، وهجم بعض العسكر المدينة بمخامرة من أهلها، ونادوا بشعار الملك الأفضل.
وكان مجد الدين أخو الفقيه عيسى هو الذي دخل منها حتى بلغ السوق، وشربوا الفقاع، فخرج الملك العادل، من القلعة، وأخرجهم في البلد.
وخامر بعض العسكر على الملك الأفضل، ودخلوا في الليل إلى دمشق، فاختل الأمر عند ذلك، وتأخر الملك الأفضل إلى جسر الخشب.
وسار الملك الظاهر إلى حماة، فالتقى سيف الدين طغرل الظاهري قطعة من عسكر حماة سائرة إلى منبج فظفر بها طغرل وأسر رجالها، وأحضرهم إلى الملك الظاهر، فأطلقهم بعدتهم ودوابهم.
ولما وصل الملك الظاهر إلى حماة، منعه عسكرها من العبور على الجسر فعبر قهراً، ونزل عليها، وقاتلها، فهادنه الملك المنصور صاحبها، وأخرج إليه تقدمة سنية، وسير عسكره في خدمته، فأقطعه الملك الظاهر بارين وكانت في يد ابن المقدم، فخرج صاحب حماة إليها محاصراً لها.
وسير الملك الظاهر إلى الموصل رسولاً يأمر صاحبها بإنجاد ماردين، وترحيل الملك الكامل والملك العادل عنها، ووصل الملك الظاهر إلى دمشق، واجتمع بالملك الأفضل في منزلته، وخيموا بأرض داريا ثم إنهم زحفوا على المدينة، وقاتلوها.
стр. 418
وبلغ الملك الظاهر أن جهاركس وأسامة وسراسنقر وغيرهم، قد عزموا على الدخول إلى دمشق، نجدة للملك العادل، فسير الملك الظاهر عسكراً مقدمه سيف الدين بن علم الدين، ليمنعوهم من الدخول، فاختلفوا في الطريق، ودخل المذكورون إلى الملك العادل، فاشتد بهم أزره، ولم يكن ينصح في القتال، وقت الحصار غير العسكر الحلبي، فأما المصري فأكثره منافق.
ووصل المواصلة إلى ماردين، ورحلوا الملك الكامل عنها، ونهبوا ما كان لعسكره بها، فضربت البشائر خارج دمشق في العسكر.
وسير الملك الظاهر عسكراً، مقدمه سيف الدين المذكور إلى الشرق ليجتمعوا مع المواصلة، ويحصروا بلاد الملك العادل بالشرق، وأقطع سيف الدين سروج، وكان الأمر قد استقر مع المواصلة، أن يرد إليهم سروج والرقة. فلما علموا بأن السلطان أقطع سيف الدين سروج انحرفوا عنه، وعادوا، وخرج عسكر الرها، فوقعوا على سيف الدين فانهزم عن سروج.
وفتح الملك المنصور صاحب حماة بارين في ذي القعدة من ابن المقدم وعوضه عنها بمنبج، بعد ذلك على ما سنذكره فيما بعد.
ووصلت رسل الشرق إلى الملك الظاهر وهو على دمشق واتفقوا على أن يكون لصاحب الموصل حران، والرها، والرقة، وسروج، وأن يكونوا يداً واحدة على من خالفهم، وتحالفوا على ذلك، في ذي الحجة من سنة خمس وتسعه وخمسمائة.
ودخلت سنة ست وتسعين، والحصار على دمشق على حاله، وأكثر الأجناد يحملون الأزواد في الليل، ويبيعونه على أهل البلد، فأخرج الملك العادل خزائته جميعها، ثم اقترض من التجار جملة كبيرة، وأمر بعمل الروايا والقرب، للصعود إلى مصر، واستدعى ابنه الملك الكامل من البلاد الشرقية، فجمع وحشد.
وسير الملك الظاهر إلى سيف الدين بن علم الدين، وإلى الملك المنصور صاحب حماة، فاجتمعوا على سلمية ليمنعوا الملك الكامل من العبور، فعبر في جيش عظيم، لم يكن لهما به طاقة، فانحازوا إلى حماة وساق سيف الدين بن علم الدين، وأعلم السلطان الملك الظاهر بذلك.
стр. 419
ووصل الملك الكامل إلى دمشق، فرحل الملك الظاهر، والملك الأفضل، إلى مرج الصفر، ثم إلى رأس الماء.
ورحل الملك الظاهر، وأخفى نفسه جريدة إلى ناحية صرخد ومعه الملك المجاهد صاحب حمص، وسار إلى طرف السماوة، وخرجوا إلى تدمر. وسار الملك الظاهر إلى حلب، ووصل بعده بغال الثقل، دون الحمال على البرية، حتى وصلوا إلى القريتين، ولحقهم الملك الكامل بالقريتين، وهو مسرع إلى الشرق، ووقع عسكر حلب على قطعة من أصحابه، فظفروا بهم.
فلما وصل الملك الكامل، وقد دخل ثقل السلطان إلى القريتين، سير إلى مقدم عسكر حلب علم الدين قيصر الناصري، واستدعاه، وقال له: ما بيننا وبينكم إلا الخير، وما جئنا لنتبعكم، فردوا علينا ما أخذتم لنا. ففعل ذلك، وسار الملك الكامل إلى الشرق، ووصلت البغال إلى حلب، في تاسع عشر شهر ربيع الأول.
وأما الملك الأفضل، فإنه توجه من رأس الماء إلى مصر وتوجه ثقل الملك وخزانته معه إلى مصر. وخرج الملك العادل من دمشق، وسار خلفه إلى مصر، فدخلها، وهرب الملك إلى صرخد.
الملك العادل في مصر
واستولى الملك العادل على الديار المصرية، في صورة الكافل، والمربي، للملك المنصور محمد بن العزيز، وسير خزانة الملك الظاهر، وبقية ثقله جميعه إليه، وخفر أصحابه حتى وصلوا إلى حلب، في نصف جمادى الأولى، والسلطان بتل السلطان، فدخل إلى حلب.
стр. 420
ووصلته رسل الملك العادل تطلب منه الموافقة، فلم يجبهم إلى ذلك، وخرج إلى بكاس وحارم فمرض. ودخل حلب، واشتد مرضه، وطلب إليه القلعة الزهاد الذين كانوا بحلب، مثل أبي الحسن الفاسي، وعمي أبي غانم، وعبد الرحمن ابن الأستاذ، وسألهم الدعاء، وتبرك بهم، وأزال مظالم كثيرة. ثم أبل من مرضه ذلك، في ذي الحجة من سنة ست وتسعين.
وانفصل عنه صاحب حمص وصاحب حماة، وصارا مع عمه الملك العادل، وعوض صاحب حماة عز الدين بن المقدم بمنبج عن بارين، بإشارة الملك العادل. ومات ابن المقدم بأفامية، وصار فيها أخ له صغير.
واستقل الملك العادل بملك مصر، وقطع الخطبة والسكة للملك المنصور بن العزيز، واختلف جندها، فمنهم من مال إلى تمليك الملك العادل، وأقام في خدمته، ومنهم من كان يريد ابن العزيز، فانفصل منهم جهاركس، والجحاف، وغيرهما، فإنهم انفصلوا عن مصر، واتفقوا مع الملك الأفضل.
الملكان الأفضل والظاهر يحاصران دمشق
فوصل الملك الأفضل إلى أخيه السلطان الملك الظاهر إلى حلب، في عاشر جمادى الأولى من سنة سبع وتسعين وخمسمائة. ووصل معه الجحاف، وأخبرا أأن جهاركس بالغور، مع العسكر. واتفقوا على محاصرة دمشق.
وسير الملك الظاهر إلى الموصل بطلب نجدة تصله، وبرز مع أخيه الأفضل، وقصدا منبج، ففتحها الملك الظاهر، وقبض على ابن المقدم وحبسه، وأقطعها الجحاف، بعد أن خرب حصنها. وكان ابن فاخر سعد الدين مسعود بقلعة نجم، نائباً عن ابن المقدم، وأخته معه، فسلمها إلى الملك الظاهر، وعوضه، بمائز قرية من بلد عزاز وسلمها الملك الظاهر إلى الأفضل.
وسار إلى أفامية، ومعه ابن المقدم، فعاقبه تحتها ليسلموا إليه، فلم يسلموا
стр. 421
فسيره، وحبسه بحلب، وأقام بكفر طاب، واستولى على بلدها، ونزل بمعرة النعمان، ونهب بلدها، وأخذ ما فيها لبيت المال، وسار إلى حماة، فنزل عليها، في شعبان، وقاتلها إلى أن صالحه الملك المنصور صاحبها، ووزن له ثلاثين ألف دينار، ووافقه.
وسار إلى حمص، فصالح الملك المجاهد صاحبها، ووافقه، وسار إلى دمشق فنازلها، واستدعى جهاركس وقراجا من الغور، فدافعا عن الوصول، فسار السلطان الملك الظاهر إليهما بنفسه، ولاطفهما حتى رحلا معه، بعد أن أعطى الملك الأفضل قراجا صرخد، وأخرج أمه وعياله منها، ونزلوا على دمشق، وعزموا على قتالها، ففند جهاركس عن ذلك، وكان قد صار في الباقين مع الملك العادل، وقال: المصلحة أننا نلقى الملك العادل، فإذا كسرناه تم لنا ما نريد.
وكان الملك العادل قد نزل من مصر إلى الكرك، ثم توجه إلى نابلس، فلما رأى جهاركس جد الملك الظاهر على حصار دمشق، هرب من العسكر إلى الملك العادل إلى نابلس، وهرب قراجا إلى صرخد، وعصى بها، وتركا خيامهما على حالها وبركتهما، فأنهب السلطان الملك الظاهر ذلك جميعه، ثم زحف بالعساكر على دمشق، وقاتلوها قتالاً شديداً، وأحرقوا العقيبة ونهبوا الخانات.
وراسل الملك العادل صاحب الموصل، فاتفق معه، ورجع عن الملك الظاهر، بعد أن وصل إلى رأس عين.
وسار الملك الفائز بن العادل من البلاد الشرقية، طالباً تشعيث بلاد
стр. 422
السلطان الملك الظاهر، وشغل خاطره عن حصار دمشق، فسير الملك الظاهر المبارز أقجا وكان من أكبر أمراء حلب ومعه بعض العسكر، فنزل على بالس ونهبها، وسار إلى منبج فنزلها، فوصل الملك الفائز إليها، فانهزم بمن كان معه من العسكر إلى بزاعا، ودخلها الفائز، وبنى قلعتها وحصنها، وسار منها طالباً عسكر حلب إلى بزاعا، فاندفعوا بين يديه إلى حلب، وأقام على بزاعا أياماً، وجفل بلد حلب خوفاً منه، وهرب فلاحوه.
ورحل إلى أبيه إلى نابلس، فسير الملك العادل نجدة تدخل إلى دمشق، فبلغ حديثها الملك الظاهر، وقد أحدقت العساكر بدمشق، فكمن لهم كميناً، فوقعوا عليهم، وقتلوا منهم جمعاً كثيراً، وانهزم بعضهم، ولم يدخل إلى المدينة إلا القليل. ونكث صاحب حماة، وخرج إلى ناحية الروج، وأغار عليه، ونهب رستاق شيزر.
وسار عسكر حلب إلى منبج، فلم يجد فيها مطمعاً، واستدعاهم الملك الظاهر، فمضوا إليه إلى دمشق، وطال الحصار، وضجر العسكر، وهرب شقير، والجحاف، بعد استيلاء الفائز على منبج، وكان خير الجحاف.
الأفضل والظاهر يختلفان
ووقع الخلف بين الملك الأفضل والملك الظاهر على دمشق، فالملك الظاهر يريدها لنفسه، لأنه أخرج الخزائن، وبذل الأموال، وحصرها بعسكره، والملك الأفضل يريدها لنفسه لأنها بلده، وأنه أخرج صرخد من يده بسببها. وحصل بينهما منافرة أوجبت رحيل الملك الظاهر، ومعه ميمون القصري، وسراسنقر، وأيبك فطيس، والبكي الفارس، والقبيسي.
ورحل الملك الأفضل فنزل حمص، عند صاحبها الملك المجاهد، وزوج ابنه الملك المنصور إبراهيم بابنة الملك الأفضل.
وسار الملك الظاهر إلى حماة، فأغار عليها، وشعث بلدها، وصانع صاحبها
стр. 423
الملك المنصور، على مال أخذه منه، وسار إلى منبج، وعزم على أن يهجمها بالسيف، ويقتل جميع من بها، لأنهم قاموا مع الملك الفائز، فشفع إليه الأمراء في أن يسلموها طائعين، ويعفو عنهم، فتسلمها، وأقطعها ابن المشطوب، في المحرم من سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
ثم دخل إلى حلب، وأقطع ميمون القصري عزاز، وشيح، وبلد الخوار، وأقطع أيبك فطيس أقطاعاً أرضاه، وعاد عنه سراسنقر، وتسلم السلطان أفامية من ابن المقدم، وعوضه عنها بالراوندان.
وتوفي وزير السلطان الملك الظاهر جمال الدين أبو غالب عبد الواحد بن الحصين البغدادي في شعبان سنة سبع وتسعين، وكان في خدمة أبيه الملك الناصر، فانتقل بعد موته إلى حلب، ووزر له، وصار وزيره بعده نظام الدين أبو المؤيد محمد ابن الحسين.
ووصل الملك العادل إلى دمشق، فتوجه إليه الملك المجاهد صاحب حمص، ومعه الملك الأفضل، وترقق إليه، فأعطى الملك الأفضل شيحتان وجملين والموزر وقلعة السن وسميساط. وسار إليها الملك الأفضل، ونزل الملك العادل إلى حماة، وراسل الملك الظاهر، حتى استقر الصلح بينه وبينه، على أن خطب له الملك الظاهر بحلب، وضرب السكة باسمه مع اسمه، في شهر جمادى الآخرة، من سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
وصعد الرسول شمس الدين بن التنبي إلى المنبر، وقت إقامة الدعوة له، يوم الجمعة، ونثر ذهباً كثيراً على الناس. وبلغ الملك الظاهر، عن ابن المشطوب، أنه كان قد عزم على المخامرة، فسير إلى منبج العسكر، وأخذها منه، وعفا عنه، وهدم قلعتها وسورها، فمضى ابن المشطوب إلى الشرق.
وجمع الملك الظاهر العرب في دابق، لأخذ العداد منهم، وخاف ابن المقدم منه، فهرب إلى الراوندان، ليعصي بها، فسار الملك الظاهر خلفه، ولم يمهله،
стр. 424
فلم يبت في قلعتها غير ليلة واحدة. ومضى إلى بدر الدين دلدرم، بتل باشر، منهزماً من السلطان. فوصل السلطان إليها ونزل عليها محاصرا لها، فسلمها من كان بها إليه، وحار جميع ما كان فيها من الذخائر والأموال، ورتب أمورها.
وسار منها إلى منبج وسير نجدة للملك الكامل ابن عمه العادل، وكان نازلاً على ماردين لأن صاحبها صار مع ركن الدين بن قلج رسلان، ونزل السلطان في بدايا، واتفق الأمر بينه وبين صاحب ماردين وابن الملك على الصلح، فعاد إلى حلب بعد أن توجه إلى البيرة.
وخرج من البحر جمع كبير من الفرنج، في سنة تسع وتسعين وخمسمائة. ووصلت طائفة منهم إلى جهة انطاكية، مجتازة على اللاذقية في البر، وكان مقطع اللاذقية إذ ذاك، سيف الدين بن علم الدين. وعبروا في أرض اللاذقية، على كره من المسلمين، وفي عزمهم إن رأوا لهم طمعاً في اللاذقية يأخذوها.
فخرج سيف الدين بعسكره، والتقوا، ونصره الله عليهم، وأسر ملوكهم ومقدميهم وكان ملكهم أعور وقتل منهم جمعاً كثيراً، ووصل الأسرى، والملك، والرؤوس، والخيل والسلاح، إلى حلب وكانت غنيمة عظيمة.
وعصى الملك الأفضل على عمه الملك العادل، في البلاد التي كان أعطاه إيا ها، فسير، واستعاد منه شيحتان، وجملين، والموزر، وسروج، والسن، وسار الملك الظاهر إلى قلعة نجم فأخذها من الملك الأفضل، خوفاً أن يستولي عليها عمه، وكان الملك الظاهر قد سلمها إلى الأفضل، فوصلت أم الملك الأفضل إلى حلب، تسأل الملك الظاهر، سؤال عمه فيه، وفي رد البلاد عليه، فسير معها إلى دمشق سيف الدين بن علم الدين في ذلك، فلم يجب إلى ترك شيء من البلاد عليه، سوى سميساط. وشرط عليه أن لا تكون له حركة بعد ذلك.
من حوادث سنة ٦٠٠ هجرية
ووصلت الأخبار بحركة الفرنج إلى جبلة واللاذقية، فسير السلطان إليها العساكر، وأمرهم بخراب جبلة واللاذقية فلم يكن للفرنج حركة. وخربت قلعة
стр. 425
اللاذقية والعتيقة وكانت من جهة الشمال وذلك بعد أن أخذت اللاذقية من ابن جند، وسيف الدين بن علم الدين.
وولد للسلطان الملك الظاهر ولده، الملك الصالح أحمد في صفر، وسر به سروراً عظيماً، وزين البلد والقلعة، ولبس العسكر في أجمل هيئة وزي. ولبس السلطان، ولعب العسكر معه في ميدان باب الصغير.
وفي محرم سنة إحدى وستمائة، هجم ملك الأرمن ابن لاون، وهو من ولد بردس الفقاس، الذي كان في زمن سيف الدولة صاحب أنطاكية فسير الملك الظاهر عسكراً من حلب، لنجدة البرنس صاحبها.
فلما وصلوا إلى العاصي، ضعف أمر ابن لاون عندهم، وقاموا عليه، وأخرجوه منها، وقتلوا جماعة كبيرة من أصحابه، فعاد عسكر حلب إليها، ففسخ ابن لاون الهدنة، وأغار على بلد العمق، واستاق مواشيها، وشرع في عمارة حصن داثر في الجبل، بالقرب من دربساك، ليضيق به عليها. وأرسل إلى السلطان، وسأله أن يخلي بينه وبين أنطاكية. وأن يعيد جميع ما أخذه من العمق، فأجابه إلى ذلك، وهادنه على هذا الأمر. ونزل على أنطاكية، وخرب رستاقها، ووقع فيها غلاء عظيم، فكان الملك الظاهر يمد أهل أنطاكية بالغلال، حتى قويت.
غارات ابن ليون الأرمني
فجرد ابن لاون في جمادى الأولى، في الليل، عسكراً في ليلة الميلاد، وجاء على غفلة إلى ربض دربساك، فلم ينكروا وقود النار في ليلة الميلاد، فقاتلهم أهل الربض ومن به من الأجناد، في بيوت الربض، فلم يظفروا منهم بطائل، وطلع الفجر، فانتشروا في أرض العمق، ونهبوا من كان فيه من التركمان، وداموا إلى صحوة ذلك النهار، ورجعوا.
وابتدرت عساكر تلك الناحية من المسلمين فلم يدركوهم، ودخل الأرمن إلى جبل اللكام، فجاءهم في الليل ثلج عظيم، وهلك ما معهم من الخيل والمواشي،
следующие страницы →