Полный текст (1 574 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
جنود فارس، وأظهر الله تعالى الروم على فارس، ففرشوا له بسطا ونثروا عليها الرياحين وهو يمشي عليها حتى بلغ بيت المقدس فجاء إليه كتاب قيصر: أي والذي فيه أنه يلهو عنه ولا يذكره وأنا مقيم فدعاني وقال متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟
قلت: غدا، فأمر لي بمائة مثقال ذهبا، ووصلني حاجبه بنفقة وكسوة، وقال لي ذلك الحاجب: اقرأ على رسول الله ﷺ مني السلام وأخبره أني متبع دينه.
قال شجاع: فقدمت على النبي ﷺ فأخبرته بما كان من الحارث، قال باد: أي هلك ملكه، وأقرأته السلام من الحاجب وأخبرته بما قال، فقال رسول الله ﷺ صدق.
وفي كلام بعضهم وبعض أهل السير على أن الحارث أسلم، ولكن قال:
أخاف أن أظهر إسلامي فيقتلني قيصر. وذكر ابن هشام وغيره أن شجاع بن وهب إنما توجه إلى جبلة بن الأيهم.
ويقال إن شجاع بن وهب أرسل إلى الحارث وإلى جبلة بن الأيهم، وإن شجاعا قال له: يا جبلة إن قومك نقلوا هذا النبي من داره إلى دارهم، يعني الأنصار، فآووه ومنعوه ونصروه، وإن هذا الدين الذي أنت عليه ليس بدين آبائك ولكنك ملكت الشام وجاورت الروم، ولو جاورت كسرى دنت بدين الفرس، فإن أسلمت أطاعتك الشام وهابتك الروم وإن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا وكانت لك الآخرة، وقد كنت استبدلت المساجد بالبيع، والأذان بالناقوس، والجمع بالشعانين، وكان ما عند الله خير وأبقى. قال جبلة: إني والله لوددت أن الناس اجتمعوا على هذا النبي اجتماعهم على من خلق السموات والأرض، وقد سرّني اجتماع قومي له، وقد دعاني قيصر إلى قتال أصحابه يوم مؤتة فأبيت عليه، ولكني لست أرى حقا ولا باطلا وسأنظر.
وفي كلام بعضهم أنه أسلم ورد جواب كتاب رسول الله ﷺ ، وأعلمه بإسلامه، وأرسل الهدية، وكان ثابتا على إسلامه لزمن عمر ﵁ فإنه حج في خلافته.
أي وفي كلام بعضهم: لما أسلم جبلة بن الأيهم في أيام عمر ﵁ كتب إليه يخبره بإسلامه ويستأذنه في القدوم عليه، فسرّ عمر بذلك، وأذن له، فخرج في خمسين ومائتين من أهل بيته، حتى إذا قارب المدينة عمد إلى أصحابه فحملهم على الخيل، وقلدها بقلائد الذهب والفضة، وألبسها الديباج وسرف الحرير، ووضع تاجه على رأسه، فلم تبق بكر ولا عانس إلا خرجت تنظر إليه وإلى زيه وزينته. فلما دخل على عمر رضي الله تعالى عنه رحب به وأدنى مجلسه، وأقام بالمدينة مكرما، فخرج عمر رضي الله تعالى عنه حاجا فخرج معه وحين تطوف بالبيت وطىء رجل من فزارة إزاره فانحل، فلطم الفزاري لطمة هشم بها أنفه وكسر ثناياه، أي ويقال فقأ عينه، فشكا الفزاري ذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فاستدعاه وقال له: لم
стр. 1402
هشمت أنفه، أو قال لم فقأت عينه؟ فقال: يا أمير المؤمنين تعمد حلّ إزاري، ولولا حرمة البيت، لضربت عنقه بالسيف، فقال له عمر: إما أنت فقد أقررت، أما أن ترضيه وإلا أقدته منك. وفي رواية: وحكم إما بالعفو أو بالقصاص، فقال جبلة فتصنع بي ماذا؟ قال: مثل ما صنعت به. وفي رواية: أتقتص له مني سواء وأنا ملك وهذا سوقي؟ فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: الإسلام سوى بينكما، ولا فضل لك عليه إلا بالتقوى، فقال: إن كنت أنا وهذا الرجل سواء في الدين فأنا أتنصر، فإني كنت أظن يا أمير المؤمنين أني أكون في الإسلام أعزمني في الجاهلية، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: إذا أضرب عنقك، فقال فأمهلني الليلة حتى أنظر في أمري، قال: ذلك إلى خصمك فقال الرجل: أمهلته يا أمير المؤمنين، فأذن له عمر رضي الله تعالى عنه في الانصراف، ثم ركب في بني عمه وهرب إلى القسطنطينية أي فدخل على هرقل وتنصر هناك ومات على ذلك. وقيل عاد إلى الإسلام ومات مسلما.
وكان جبلة رجلا طوالا طوله اثنا عشر شبرا، وكان يمسح الأرض برجليه وهو راكب، فسرّ هرقل به، وزوجه ابنته، وقاسمه ملكه، وجعله من سماره، وبنى له مدينة بين طرابلس واللاذقية سماها جبلة باسمه يقال إن فيها قبر إبراهيم بن أدهم.
وقيل المحاكمة كانت عند أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه. أي فقد ذكر بعضهم أن جبلة لم يزل مسلما حتى كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فبينما هو في سوق دمشق إذ وطىء رجلا من مزينة فوثب المزني فلطم خدّ جبلة، فأرسله مع جماعة من قومه إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقالوا: هذا لطم جبلة، قال: فليلطمه، قالوا: ما يقبل، قال: لا، يقبل، قالوا: إنما تقطع يده، قال:
لا، إنما أمر الله بالقود، فلما بلغ جبلة ذلك، قال: أترون أني جاعل وجهي ندا لوجه؟ بئس الدين هذا، ثم ارتد نصرانيا وترحل بقومه حتى دخل أرض الروم على هرقل.
стр. 1403
حجة الوداع
ويقال لها حجة البلاغ، وحجة الإسلام، لأنه ﷺ ودّع الناس فيها ولم يحج بعدها، ولأنه ذكر لهم ما يحل وما يحرم. وقال لهم: هل بلغت، ولأنه ﷺ لم يحج من المدينة غيرها، قيل لإخراج الكفار الحج عن وقته، لأن أهل الجاهلية كانوا يؤخرون الحج في كل عام أحد عشر يوما حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة فيعود إلى وقته، ولذلك قال ﵊ في هذه الحجة: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» فإن هذه الحجة كانت في السنة التي عاد فيها الحج إلى وقته وكانت سنة عشر.
قال الجمهور: فرض الحج وكان سنة ست من الهجرة أي وصححه الرافعي في باب السير وتبعه النووي.
وقيل فرض سنة تسع. وقيل سنة عشر انتهى، وبه قال أبو حنيفة، ومن ثم قال إنه على الفور. وقيل فرض قبل الهجرة واستغرب.
خرج رسول الله ﷺ يريد الحج وأعلم الناس بذلك، ولم يحج منذ هاجر إلى المدينة غير هذه الحجة، قال: وأما بعد النبوة قبل الهجرة فحج ثلاث حجات، أي وقيل حجتين: أي وهما اللتان بايع فيهما الأنصار عند العقبة.
وفي كلام ابن الأثير: كان ﷺ يحج كل سنة قبل أن يهاجر. وفي كلام ابن الجوزي: حج ﷺ قبل النبوة وبعدها حججا لا يعلم عددها، أي وكان ﷺ قبل النبوة يقف بعرفات ويفيض منها إلى مزدلفة، مخالفا لقريش توفيقا له من الله، فإنهم كانوا لا يخرجون من الحرم، فإنهم قالوا: نحن بنو إبراهيم ﵊، وأهل الحرم، وولاة البيت وعاكفو مكة فليس لأحد من العرب منزلتنا فلا تعظموا شيئا من الحل أي كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم وقالوا قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم، فليس لنا أن نخرج من الحرم نحن الحمس، فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منه إلى المزدلفة، ويرون ذلك لسائر العرب: قال بعض الصحابة: لقد رأيت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي وإنه واقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها توفيقا له من الله .
وعند خروجه ﷺ للحج أصاب الناس بالمدينة جدري بضم الجيم وفتح الدال
стр. 1404
وبفتحهما أو حصبة، منعت كثيرا من الناس من الحج معه ﷺ ، ومع ذلك كان معه جموع لا يعلمها إلا الله تعالى، قيل كانوا أربعين ألفا، وقيل كانوا سبعين ألفا وقيل كانوا تسعين ألفا وقيل كانوا مائة ألف وأربعة عشر ألفا وقيل وعشرين ألفا، وقيل كانوا أكثر من ذلك. وقد قال ﷺ : أي عند ذهابه: عمرة في رمضان تعدل حجة، أو قال حجة معي، أي قال ذلك تطبيبا لخواطر من تخلف. وصوب بعضهم أن هذا إنما قاله ﷺ بعد رجوعه أي إلى المدينة، قاله لأم سنان الأنصارية لما قال لها: ما منعك أن تكوني حججت معنا؟ وقالت: لنا ناضحان حج أبو فلان: تعني زوجها وولدها على أحدهما، وكان الآخر نسقي عليه أرضنا لنا. وقال ذلك أيضا لغيرها من النسوة، قاله لأم سليم ولأم طلق ولأم الهيثم. ولا مانع أن يكون قال ذلك مرتين: مرة عند ذهابه لما ذكر، ومرة عند رجوعه لمن ذكر.
وكان خروجه ﷺ يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة أي وقيل يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة ورجحه بعضهم وأطال في الاستدلال له وذلك سنة عشر نهارا بعد أن ترجل وادهن، وبعد أن صلى الظهر بالمدينة، وصلى عصر ذلك اليوم بذي الحليفة ركعتين، وطاف تلك الليلة على نسائه، أي فإنهن كن معه ﷺ في الهوداج وكن تسعة، ثم اغتسل، ثم صلى الصبح أي والظهر، ثم طيبته عائشة رضي الله تعالى عنها بذريرة: هي نوع من الطيب مجموع من أخلاط الطيب وبطيب فيه مسك، ثم أحرم ﷺ أي وذلك بعد أن اغتسل لإحرامه غير غسله الأول، وتجرد في إزاره وردائه، أي فقد روى الشيخان أنه ﷺ أحرم في رداءه وإزار، ولم يغسل الطيب بل كان يرى وبيص المسك في مفارقه ولحيته الشريفة، أي فإنه ﷺ لبد شعر رأسه بما يلزق بعضه ببعض فلا يشعت.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: «طيبته ﷺ لحرمه وحله» وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، رواه الشيخان. وعنها قالت: «كنت أطيب رسول الله ﷺ ثم يطوف على نسائه، ثم يصبح محرما ينضح طيبا» وبه ردّ على ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قوله: لأن أصبح مطيبا بقطران أحب إليّ من أن أصبح محرما أنضح طيبا.
ويؤيد ما قاله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ما تقدم في الحديبية: من أمره ﷺ من تطيب قبل إحرامه بغسل الطيب وتقدم ما فيه، أي وصلى كما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ركعتين أي قبل أن يحرم، وبه يردّ قول ابن القيم رحمه الله تعالى: لم ينقل عنه ﷺ أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر وأهل حيث انبعثت به راحلته أي وهي القصواء أي وهو يردّ ما روي عن ابن سعد رحمه الله تعالى، حج النبي ﷺ وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة قد ربطوا أوساطهم، ومن
стр. 1405
ثم قال ابن كثير رحمه الله تعالى: إنه حديث منكر ضعيف الإسناد، وإنما كان ﷺ راكبا وبعض أصحابه مشاة: ولم يعتمر ﷺ في عمره ماشيا، وأحواله ﷺ أشهر من أن تخفى على الناس، بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله وكان على راحلته ﷺ رحل رث يساوي أربعة دراهم وفي رواية: «حج ﷺ على رحل وقطيفة تساوي أو لا تساوي أربعة دراهم، وقال: اللهم اجعله حجا مبرورا لا رياء فيه ولا سمعة وذلك عند مسجد ذي الحليفة، وأحرم بالحج والعمرة معا فكان قارنا.
قال: وقيل أحرم بالحج فقط فكان مفردا، وقيل بالعمرة فقط، أي ثم أحرم بالحج بعد فراغه من أعمال العمرة فكان متمتعا، أخذا من قول بعض الصحابة إنه ﷺ أحرم متمتعا، وقيل أطلق إحرامه.
وفي كلام السهيلي ﵀: واختلفت الروايات في إحرامه ﷺ ، هل كان مفردا، أو قارنا، أو متمتعا وكلها صحاح إلا من قال كان متمتعا وأراد أنه أهل بعمرة.
قال الإمام النووي: وطريق الجمع أي بين من يقول إنه أحرم قارنا، ومن يقول إنه أحرم مفردا، ومن يقول إنه أحرم متمتعا أنه أحرم أولا مفردا: أي بالحج ثم أدخل العمرة، أي وذلك: أي دخول الأضعف وهي العمرة على الأقوى الذي هو الحج من خصائصه ﷺ فصار قارنا، ويدل لذلك حديث البخاري «أنه ﷺ أهلّ بالحج، فلما كان بالعقيق أتاه آت من ربه فقال له: صل بهذا الوادي المبارك، وقل لبيك بحجة وعمرة معا فصار قارنا بعد أن كان مفردا.
فمن روى القرآن اعتمد آخر الأمر، أي ومنه سيدنا أنس ﵁:
«سمعت رسول الله ﷺ يقول لبيك عمرة وحجا» .
ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي، وهو الانتفاع والارتفاق بالقرآن انتهى:
أي بالقرآن المذكور الذي هو إدخال العمرة على الحج، لأنه يكفي فيه الاقتصار على عمل واحد في النسكين، أي فلا يأتي بطوافين ولا بسعيين، أي وليس مراده التمتع الحقيقي، بأن أحرم بعمرة فقط، ثم بعد فراغه من أعمالها أحرم بالحج كما هو حقيقة التمتع. ومن ثم قال بعضهم: أكثر السلف يطلقون المتعة على القرآن.
ومن روى الإفراد اعتمد أول الأمر، ومنه قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقد سئل عن ذلك «لبى بالحج وحده» أو أن ابن عمر سمعه يقول: لبيك بحج ولم يسمع قوله وعمرة فلم يحك إلا ما سمع، وأنس ﵁ سمع ذلك: أي سمع الحج والعمرة، أي فإن ابن عمر ﵁ قيل له عن أنس بن مالك «أنه سمع النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة فقال ابن عمر لبى بالحج وحده، فقيل لأنس عن ابن
стр. 1406
عمر ذلك، فقال أنس ﵁: ما يعدونا إلا صبيانا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك لبيك عمرة وحجا» أي يصرح بهما جميعا وقال: «إني لرديف لأبي طلحة وإن ركبتي لتمس ركبة رسول الله ﷺ وهو يلبي بالحج والعمرة، وذلك مثبت لما قاله ابن عمر وزائد عليه فليس مناقضا له. أي ودليل من قال إنه أحرم مطلقا ما رواه إمامنا الشافعي ﵁ أنه ﷺ : «خرج هو وأصحابه ﵃ مهلّين: أي محرمين إحراما مطلقا ينتظرون القضاء» أي نزول الوحي لتعيين ما يصرفون إحرامهم المطلق إليه أي بإفراد أو تمتع أو قران» أي فجاءه ﷺ الوحي أن يأمر من لا هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة فيكون متمتعا، ومن معه هدي أن يجعله حجا فيكون مفردا، لأن من معه هدي أفضل ممن لا هدي معه، والحج أفضل من العمرة.
ويدل لكون الصحابة أطلقوا إحرامهم ما رواه الشيخان عن عائشة ﵂: «خرجنا نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة» لكن أجيب عن ذلك بأنهم لا يذكرون ذلك مع التلبية وإن كانوا سموه حال الإحرام.
هذا وفي مسلم عن عائشة ﵂ قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: من أراد منكم أن يهلّ بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليفعل» فلينظر الجمع بين هذا وما قبله.
وجاء أنه ﷺ قال لهم: «من لم يكن معه هدي وأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا» أي فلا يجعلها عمرة بل يجعل إحرامه حجا، ولم يذكر القران. وجاء في بعض الطرق: «أنه أمر من كان معه هدي أن يحرم بالحج والعمرة معا» .
وفي بعض الروايات: «خرج ﷺ من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهلّ بالحج ولم يكن معه هدي أن يجعله عمرة» .
وفي الهدى: الصواب أنه ﷺ أحرم بالحج والعمرة معا من حين أنشأ الإحرام، فهو قارن، ولم يحل حتى حل منهما جميعا وطاف لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترات تواترا يعلمه أهل الحديث. وما ورد أنه ﷺ طاف طوافين وسعى سعيين لم يصح.
قال: وغلط من قال لبى بالحج وحده ثم أدخل عليه العمرة: أي الذي تقدم في الجمع بين الروايات عن النووي رحمه الله تعالى. ومن قال لبى بالعمرة ثم أدخل عليها الحج: أي وهذا لم يتقدم. ومن قال أحرم إحراما مطلقا لم يعين فيه نسكا ثم
стр. 1407
عينه بعد إحرامه أي وهو ما تقدم عن إمامنا الشافعي ﵁. ومن قال أفرد الحج، أراد به أنه أتى بأعمال الحج ولم يفرد للعمرة أعمالا، وهذا محمل ما في بعض الروايات، وأفرد رسول الله ﷺ الحج ولم يعتمر. على أن بعض الحفاظ قال:
إنه حديث غريب جدا، وفيه نكارة شديدة.
ثم لبى ﷺ أي بعد أن استقبل القبلة فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
وروي أنه زاد على ذلك لبيك إله الخلق لبيك: أي وروي أنه زاد: لبيك حقا، تعبدا ورقا على تلبيته المذكورة والناس معه يزيدون فيها وينقصون لم ينكر عليهم، وبه استدل أئمتنا على عدم كراهة الزيادة على تلبيته المشهورة المتقدمة فكان ابن عمر ﵄ يزيد فيها: لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل.
وأتاه ﷺ جبريل ﵊، وأمره أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية من شعائر الحج، فعن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أتاني جبريل ﵊، فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج» .
واستعمل ﷺ على المدينة أبا دجانة ﵁، وقيل سباع بن عرفطة ﵁ وولدت أسماء بنت عميس زوج أبي بكر الصديق ﵄ ولدها محمد بن أبي بكر ﵃ في ذي الحليفة، وأرسلت إليه ﷺ فأمرها أن تغتسل وتستثفر، أي بخرقة عريضة بعد أن تحشو بنحو قطن، وتربط طرفي تلك الخرقة في شيء تشده في وسطها لتمنع بذلك سيلان الدم كما تفعل الحائض وتحرم.
ثم حاضت سيدتنا عائشة ﵂ في أثناء الطريق بمحل يقال له سرف بكسر الراء، وكانت قد أحرمت بعمرة، ففي البخاري: «أنها قالت: وكنت فيمن أهلّ بعمرة فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل وتدخل الحج على العمرة» .
أقول: وقد جاء: «أنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا عائشة؟» وفي لفظ «ما يبكيك يا هنتاه؟ لعلك نفست: أي حضت، قلت:
نعم: والله لوددت أني لم أخرج معكم عامي هذا في هذا السفر، قال: لا تقولين ذلك، فهذا شيء كتبه الله على بنات آدم» .
أي واستدل البخاري ﵀ بهذا على أن الحيض كان في جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال إن الحيض أول ما وقع في بني إسرائيل، وفي لفظ: «قال: ما شأنك؟ قلت: لا أصلي، قال: لا ضير عليك، إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب
стр. 1408
الله عليك ما كتب عليهن، أهلي بالحج» وفي رواية: «ارفضي عمرتك» ، أي لا تشرعي في شيء من أعمالها، «وأحرمي بالحج فإنك تقضين كل ما يقضي الحاج» أي تفعلين كل ما يفعل الحاج وأنت حائض «إلا أنك لا تطوفين بالبيت، ففعلت ذلك؟
أي أدخلت الحج على العمرة، ووقفت المواقف» فوقفت بعرفة وهي حائض حتى إذا طهرت: أي وذلك يوم النحر، وقيل عشية عرفة طافت بالبيت وبالصفا والمروة «فقال رسول الله ﷺ : قد حللت من حجك وعمرتك جميعا» .
وذكر بعضهم أن في هذه الحجة كان جمل عائشة ﵂ سريع المشي مع خفة حمل عائشة، وكان جمل صفية بطيء المشي مع ثقل حملها، فصار يتأخر الركب بسبب ذلك فأمر ﷺ أن يجعل حمل صفية على جمل عائشة، وأن يجعل حمل عائشة على جمل صفية، فجاء ﷺ لعائشة ﵂ يستعطف خاطرها، فقال لها: يا أم عبد الله، حملك خفيف وجملك سريع المشي، وحمل صفية ثقيل وجملها بطيء، فأبطأ ذلك بالركب، فنقلنا حملك على جملها، وحملها على جملك ليسير الركب، فقالت له: إنك تزعم أنك رسول الله، فقال ﷺ : أفي شك أني رسول الله أنت يا أم عبد الله؟ قالت فما لك لا تعدل؟ قالت: فكان أبو بكر ﵁ فيه حدة، فلطمني على وجهي، فلامه رسول الله ﷺ ، فقال: أما سمعت ما قالت؟
فقال: دعها فإن المرأة الغيراء لا تعرف أعلى الوادي من أسفله.
قالوا: ولما نزلوا بمحل يقال له العرج فقد البعير الذي عليه زاملته ﷺ وزامله أبي بكر، أي زادهما، وكان ذلك البعير مع غلام لأبي بكر. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه للغلام: أين بعيرك؟ قال: ضللته البارحة. فقال أبو بكر وقد اعترته حدة:
بعير واحد تضله، وأخذ يضربه بالسوط ورسول الله ﷺ يقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع ويتبسم لا يزيد على ذلك، فلما بلغ بعض الصحابة أن زاملة رسول الله ﷺ ضلت جاء بحيس ووضعه بين يديه ﷺ ، فقال ﷺ لأبي بكر رضي الله تعالى عنه وهو يغتاط على الغلام: هون عليك يا أبا بكر، فإن الأمر ليس لك ولا إلينا.
وقد كان الغلام حريصا على أن لا يضل بعيره، وهذا غذاء طيب قد جاء الله به، وهو خلف عما كان معه، فأكل ﷺ وأبو بكر ومن كان يأكل معهما حتى شبعوا، فأقبل صفوان بن المعطل رضي الله تعالى عنه وكان على ساقة القوم، أي لأن هذا كان شأنه كما تقدم في قصة الإفك والبعير معه وعليه الزاملة حتى أناخه على باب منزله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: انظر هل تفقد شيئا من متاعك؟ فقال: ما فقدت شيئا إلا قعبا كنا نشرب فيه، فقال الغلام: هذا القعب معي. ولما بلغ سعد بن عبادة وابنه قيسا رضي الله تعالى عنهما زاملته ﷺ قد ضلت جاآ بزاملة وقالا: أي كل واحد منهما: يا رسول الله بلغنا أن زاملتك ضلت الغداة، وهذه زاملة مكانها، فقال رسول
стр. 1409
الله ﷺ قد جاء الله بزاملتنا. فارجعا بزاملتكما. بارك الله لكما اه ثم نزل ﷺ بذي طوى فبات بها تلك الليلة وصلى بها الصبح أي بعد أن اغتسل بها. أي ثم سار ﷺ ونزل بالمسلمين ظاهر مكة ودخل مكة نهارا: أي وقت الضحى من الثنية العليا التي هي ثنية كداء بفتح الكاف والمد. قال أبو عبيدة: لا ينصرف، وهي التي ينزل منها إلى المعلاة مقبرة مكة، وهي التي يقال لها الآن الحجون التي دخل منها رسول الله ﷺ يوم فتح مكة كما تقدم، ودخل المسجد الحرام صبحا من باب عبد مناف، وهو باب بني شيبة المعروف الآن بباب السلام. وكان ﷺ إذا أبصر البيت. قال: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا.
وفي مسند إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج أن النبي ﷺ : «كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت» الخ.
وفي رواية: «كان ﷺ إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبر وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام. اللهم زد هذا البيت» الخ.
وعند دخوله ﷺ المسجد طاف بالبيت: أي سبعا ماشيا، فعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الشمس، فأتى النبي ﷺ باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر الأسود فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثا ومشى أربعا، فلما فرغ ﷺ قبل الحجر ووضع يديه عليه ومسح بهما وجهه» رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناد جيد.
وقيل طاف ﷺ على راحلته الجدعاء، أي لأنه ﷺ قدم مكة وهو يشتكي، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رسول الله ﷺ قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته، فلما أتى الركن استلمه بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين» رواه أبو داود، ورد بأن هذا الحديث تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف.
على أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لم يذكر أن ذلك كان في حجة الوداع ولا في الطواف الأول من طوافاتها الثلاثة التي هي: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، فينبغي أن يكون ذلك في غير الطواف الأول، بأن يكون في طواف الإفاضة أو طواف الوداع، فلا ينافي ما تقدم عن جابر ولا ما في مسلم عنه أنه قال: «طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت ليراه الناس فيسألوه» وقوله: «ورمل في ثلاث» منها: أي يسرع المشي مع تقارب الخطأ، ومشى: أي على هينته في أربع يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوفة، وابتداء الرمل كان في عمره القضاء لما قال المشركون: غدا يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم رسول الله ﷺ بذلك ليرى المشركون جلدهم» ومن ثم
стр. 1410
قال بعضهم لبعض: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا كما تقدم، فلما كانت هذه الحجة فعلوا كذلك فصارت سنة.
قال: وثبت أنه ﷺ قبل الحجر الأسود وثبت أنه استلمه بيده ثم قبلها. وثبت أنه استلمه بمحجنه فقبل المحجن، ولم يثبت أنه ﷺ قبل الركن اليماني ولا قبل يده حين استلمه اه.
وعند إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه يستحب أن يقبل ما استلمه به. روى إمامنا الشافعي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «استقبل رسول الله ﷺ الحجر فاستلمه، ثم وضع شفتيه عليه طويلا، وكان ﷺ إذا استلم الحجر قال: بسم الله والله أكبر، وقال بينهما: أي بين الركن اليماني والحجر رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [البقرة: الآية ٢٠١] ولم يثبت عنه ﷺ شيء من الأذكار في غير هذا المحل حول الكعبة، ولم يستلم الركنين المقابلين للحجر، أي لأنهما ليسا على قواعد سيدنا إبراهيم ﵊. وقال ﷺ لعمر رضي الله تعالى عنه: «إنك رجل قويّ لا تزاحم على الحجر» أي الأسود تؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبر» وأخذ منه بعض فقهائنا أن من شق عليه استلام الحجر الأسود يسن له أن يهلل ويكبر.
ثم بعد الطواف رسول الله ﷺ ركعتين عند مقام سيدنا إبراهيم ﵊، جعل المقام بينه وبين الكعبة: أي استقبل جهة باب المحل الذي به المقام الآن، وهو المراد بخلف المقام، قرأ فيهما مع أم القرآن قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) [الكافرون: الآية ١] : وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١] ودخل ﷺ زمزم، فنزع له دلو فشرب منه، ثم مج فيه، ثم أفرغها في زمزم، ثم قال: لولا أن الناس يتخذونه نسكا لنزعت. أي وتقدم في فتح مكة أنه ﷺ قال: «لولا أن تغلب بنو عبد المطلب لا نتزعت منها دلوا، وانتزع له العباس. ثم رجع ﷺ إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، وقرأ: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: الآية ١٥٨] ابدؤوا بما بدأ الله به، فسعى بين الصفا والمروة سبعا راكبا على بعيره» .
وعن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه، أن سعيه الذي طاف لقدومه كان على قدميه لا على بعير، أي فذكر البعير في هذا السعي غلط من بعض الرواة.
ثم رأيت بعضهم قال: بعض الروايات عن جابر وغيره يدل على أنه ﷺ كان ماشيا بين الصفا والمروة. ولعل بين الصفا والمروة مدرجة، أو أنه ﷺ سعى بين الصفا والمروة بعض المرات على قدميه، فلما ازدحم الناس عليه ركب في الباقي.
ويدل لذلك أنه قيل لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن قومك يزعمون السعي بين الصفا والمروة راكبا سنة، فقال: صدقوا وكذبوا، فقيل: كيف صدقوا وكذبوا؟
стр. 1411
فقال: صدقوا في أن أن السعي سنة، وكذبوا في أن الركوب سنة، فإن السنة المشي، فإن رسول الله ﷺ مشى في السعي، فلما كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه الناس ركب، وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث الدالة على أنه ﷺ مشى بين الصفا والمروة، والأحاديث الدالة على أنه ﷺ ركب فيه وصار ﷺ في السعي يخب ثلاثا ويمشي أربعا، ويرقى الصفا، ويستقبل الكعبة، ويوحد الله ويكبره ويقول: لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، أي من غير قتال «ثم يفعل على المروة مثل ذلك» .
واعترض بأن كونه كان يخب ثلاثا ويمشي أربعا كان في الطوف بالبيت لا في السعي بين الصفا والمروة، وهذا السياق يقتضي أنه ﷺ سعى بعد طواف القدوم.
وقد جاء أنه ﷺ حج، فأول شيء بدأ به حين قدم مكة «أنه توضأ ثلاثا ثم طاف بالبيت ولم يذكر السعي» أي وفي مسلم في سبب نزول قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: الآية ١٥٨] أن المهاجرين في الجاهلية كانوا يهلون بصنمين على شط البحر يقال لهما إساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلقون، فلما جاءهم الإسلام كرهوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، يرون أن ذلك من أمر الجاهلية، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: الآية ١٥٨] .
وقيل إن سبب نزولها «أن الأنصار كانوا في الجاهلية يهلون لمناة، وكان من أحرم بمناة لا يطوف بين الصفا والمروة، وأنهم سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك حين أسلموا، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: الآية ١٥٨] الآية، ثم أمر ﷺ من لا هدي معه بالإحلال، أي وإن لم يكن أحرم بالعمرة بأن لم يكن سمع أمره ﷺ بأن من لا هدي معه يحرم بالعمرة، فأحرم بالحج قارنا أو مفردا، قال السهيلي ﵀: ولم يكن ساق الهدي معه من أصحابه رضي الله تعالى عنهم إلا طلحة بن عبد الله، وكذا علي كرم الله وجهه جاء من اليمن وقد ساق الهدي معه، ويأتي ما فيه. أي وأمره ﷺ من ذكر بالإحلال كان بعد الحلق والتقصير، لأنه أتى بعمل العمرة فحل له كل ما حرم على المحرم من وطء النساء والطيب والمخيط، وأن يبقى كذلك إلى يوم التروية الذي هو اليوم الثامن من ذي الحجة فيهل: أي يحرم بالحج.
وقيل له يوم التروية لأنهم كانوا يتروون فيه الماء ويحملونه معهم في ذهابهم من مكة إلى عرفات لعدم وجدان الماء بها ذلك الزمن. وأمر ﷺ من معه الهدي أن يبقى على إحرامه أي بالحج قارنا أو مفردا، حتى قال بعضهم: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي. قال: ويروى أن قائل ذلك هو ﷺ ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنه ﷺ لما تم سعيه قال: «لو أني استقبلت من أمري ما
стр. 1412
استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة» قال ذلك جوابا لقول بلغه عن جمع من الصحابة، ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر. وفي لفظ: وفرجه يقطر منيا، أي قد جامع النساء. أي وفيه أنهم لا ينطلقون إلى منى إلا بعد الإحرام بالحج، لأنهم يحرمون من مكة إلا أن يقال مرادهم أنا كيف نجامع النساء بعد إحرامنا بالحج وكيف نجعلها عمرة بعد الإحرام بالحج كما سيأتي في بعض الروايات.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «دخل عليّ رسول الله ﷺ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار، فقال: أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون؟» .
وقوله ﷺ : «لو استقبلت الخ» تأسف على فوات أمر من أمور الدين ومصالح الشرع، كذا قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، لأنه يرى أن التمتع أفضل. وردّ بأنه لم يتأسف على التمتع لكونه أفضل، وإنما تأسف عليه لكونه أشق على أصحابه في بقائه محرما على إحرامه وأمره لهم بالإحلال. وقوله ﷺ في الحديث الصحيح:
«لو تفتح عمل الشيطان» محمول على التأسف على فوات حظ من حظوظ الدنيا فلا تخالف.
ويروى «أنه ﷺ لما بلغه تلك المقالة قام خطيبا فحمد الله تعالى، فقال: أما بعد، فتعلمون أيها الناس لأنا والله أعلمكم بالله وأتقاكم له، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هديا ولا حللت» وفي رواية: «قالوا: كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج؟ فقال ﷺ : اقبلوا ما أمرتكم به، واجعلوا إهلالكم بالحج عمرة، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به، ففعلوا وأهلوا، ففسحوا الحج إلى العمرة» وكان من جملة من ساق الهدي أبو بكر وعمر وطلحة والزبير وعلى رضي الله تعالى عنهم، فإن عليا كرم الله وجهه قدم إلى مكة من اليمن ومعه هدي. وعن جابر رضي الله تعالى عنه: «لم يكن أحد معه هدي غير النبي ﷺ وطلحة» وفي رواية: «أن رسول الله ﷺ قال لعلي كرم الله وجهه: انطلق وطف بالبيت وحل كما أحل أصحابك، فقال: يا رسول الله أهللت كما أهللت، فقال له: ارجع فأحل كما أحل أصحابك، قال: يا رسول الله إني قلت حين أحرمت: اللهم إن أهل بما أهل به نبيك وعبدك ورسولك محمد، فقال: هل معك من هدي؟ قال لا، فأشركه رسول الله ﷺ في هديه وثبت على إحرامه، وهذا صريح في أن إحرامه ﷺ كان بالحج.
ويمكن الجمع بين رواية أن عليا قدم من اليمن ومعه هدي، وبين رواية أنه لم يكن معه هدي بأن الهدي تأخر مجيئه بعده، لأنه تعجل إلى رسول الله ﷺ واستخلف على الجيش رجلا من أصحابه.
ويؤيد ذلك قول بعضهم: كان الهدي الذي قدم به علي كرم الله وجهه من
стр. 1413
اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة، أي وإلا فالذي أتى به النبي ﷺ ثلاثة وستين بدنة، والذي قدم به من اليمن لعلي كان سبعة وثلاثين بدنة، ولا يخالف ذلك إشراكه له في الهدي لأنه يجوز أن يكون ﷺ فعل ذلك لاحتمال تلف ذلك الهدي وعدم مجيئه، والذي في البخاري لما قدم علي كرم الله وجهه من اليمن قال له النبي ﷺ :
بم أهللت يا علي؟ قال: بما أهل به النبي ﷺ . قال: فأهدوا مكث حراما كما أنت، أي فإنه تقدم أنه ﷺ كان أرسل خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إلى اليمن لهمدان يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء رضي الله تعالى عنه: فكنت ممن خرج مع خالد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا، ثم إن رسول الله ﷺ بعث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فأمره أن يقفل خالد بن الوليد ويكون مكانه، وقال:
مر أصحاب خالد، من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقفل، فكنت ممن أعقب مع علي كرم الله وجهه، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، وصلى بنا علي كرم الله وجهه، ثم صفنا صفا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ بإسلامهم، فأسلمت همدان جميعا، فكتب علي رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خر ساجدا، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان السلام على همدان.
وكان من جملة من لم يسق الهدي أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه:
«فإنه لما قدم من اليمن قال له: بم أهللت؟ قال: أهللت كإهلال النبي ﷺ ، قال له:
هل معك من هدي؟ قال: قلت لا، فأمرني فطفت بالبيت والصفا والمروة» ورواية الشيخين عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: «أنه ﷺ قال: لم بم أهللت؟ فقلت:
لبيت بإهلال كإهلال النبي ﷺ قال: فقد أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة وأحل» أي بعد الحلق أو التقصير.
وفيه أنه ﷺ كان مهلا بالحج فقط أو مع العمرة، إلا أن يقال جوز لأبي موسى الفسخ من الحج إلى العمرة كما فعل ذلك مع غيره من الصحابة الذين أحرموا بالحج ولا هدي معهم. ومن جملة من لم يسق الهدي أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن فأحللن، أي لأنهن أحرمن إحراما مطلقا ثم صرفنه للعمرة، أو أحرمن متمتعات أي بالعمرة، إلا عائشة رضي الله تعالى عنها فإنها لم تحل أي لأنها أدخلت الحج على العمرة كما تقدم.
وممن أحلت سيدتنا فاطمة بنت النبي ﷺ ، أي لأنها لم يكن معها هدي وأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، وشكا عليّ كرم الله وجهه فاطمة رضي الله تعالى عنها للنبي ﷺ إذ أحلت، أي فإنه وجدها لبست صبيغا واكتحلت، فأنكر عليها، فقالت رضي الله تعالى عنها: أمرني أبي بذلك،
стр. 1414
فذهب إلى النبي ﷺ محرشا له عليها رضي الله تعالى عنها، فصدقها ﵊ في أنه أمرها بذلك، أي فإنه ﷺ قال له: صدقت صدقت صدقت، أنا أمرتها بذلك يا علي.
وسأله سراقة بن مالك رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد: فشبك ﷺ أصابعه فقال: بل الأبد «دخلت العمرة في الحج هكذا إلى يوم القيامة» أي وفي رواية: «فشبك بين أصابعه واحدة في أخرى وقال: دخلت العمرة في الحج هكذا مرتين بل لأبد الأبد» بالإضافة أي إلى آخر الدهر، وهذا الجواب بقوله دخلت العمرة في الحج يدل على أن المراد السائل بالتمتع القران لا حقيقته الذي هو الإحرام بالحج بعد الفراغ من عمل العمرة، لكن قول بعضهم: لما كان آخر سعيه ﷺ على المروة قال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، فقام سراقة فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد» الحديث، يدل على أن مراده بالتمتع حقيقته، لكن لا يحسن الجواب بقوله دخلت العمرة في الحج، إلا أن يقال المراد حصلت العمرة مع الإحرام بالحج لقلب الإحرام بالحج إلى العمرة لأن هذا كله يدل على أنه أمر من أحرم بالحج ممن لا هدي معه أن يقلب إحرامه عمرة.
وأجاب عنه أئمتنا بأن ذلك: أي فسخ الحج إلى العمرة كان من خصائص الصحابة في تلك السنة ليخالفوا ما كان عليه الجاهلية: من تحريم العمرة في أشهر الحج ويقولون إن من أفجر الفجور، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وإمامنا الشافعي وجماهير العلماء من السلف والخلف ﵃.
وفي مسلم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: «لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا لأصحاب محمد ﷺ » وخالف الإمام أحمد ﵁ وطائفة من أهل الظاهر فقالوا: بل هذا ليس خاصا بالصحابة في تلك السنة، أي بل باق لكل أحد يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بالحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها.
وبعضهم قال: إن قول سراقة رضي الله تعالى عنه معناه أن جواز العمرة في أشهر الحج خاصة بهذه السنة أو جائزة إلى يوم القيامة، وفيه أنه لا يحسن الجواب عنه بما تقدم من قوله: «دخلت العمرة في الحج» .
ثم نهض ﷺ ونهض معه الناس يوم التروية الذي هو اليوم الثامن إلى منى وأحرم بالحج كل من كان أحل، فصلى رسول الله ﷺ الظهر بمنى، والعصر والمغرب والعشاء، وبات بها تلك الليلة أي وكانت ليلة الجمعة وصلى بها الصبح ثم نهض بعد طلوع الشمس إلى عرفة. وأمر ﷺ أن تضرب له قبة من شعر بنمرة، فأتى
стр. 1415
عليه الصلاة والسلام عرفة ونزل في تلك القبة حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء بفتح القاف والمد، وقيل بضم القاف والقصر، وهو خطأ كما تقدم.
وفي كلام الأصل أن القصواء والعضباء والجدعاء اسم لناقة واحدة وفيه ما لا يخفى. فرحلت ثم أتى بطن الوادي فخطب على راحلته خطبة ذكر فيها تحريم الدماء والأموال والأعراض، ووضع ربا الجاهلية، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس رضي الله تعالى عنه. ووضع الدماء في الجاهلية، وأوّل دم وضعه دم ابن عمه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قتلته هذيل فقال: هو أوّل دم أبدأ به من دماء الجاهلية، موضوع فلا يطالب به في الإسلام وأوصى ﷺ بالنساء خيرا، وأباح ضربهنّ غير المبرح إن أتين بما لا يحل. وقضى لهن بالرزق والكسوة بالمعروف على أزواجهن. وأمر ﷺ بالاعتصام بكتاب الله ، أي وسنة رسول ﷺ ، وأخبر إنه لا يضل من اعتصم به، وأشهد الله على الناس أنه قد بلغهم ما يلزمهم، فاعترف الناس بذلك. وأمر أن يبلغ ذلك الشاهد والغائب.
ومن ذلك قوله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب. فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنكم لتسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدّيت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس، اللهم فاشهد ثلاث مرات» .
وجاء أنه ﷺ أمر مناديا صار ينادي بكل ما قاله من ذلك: أي وهو ربيعة بن أمية بن خلف أخو صفوان بن أمية وكان صّيتا. وصار ﷺ يقول له: يا ربيعة قل: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ يقول كذا كما تقدم، فيصرخ به وهو واقف تحت صدر ناقته ﷺ .
وربيعة هذا ارتد في زمن عمر رضي الله تعالى عنه، فإنه شرب الخمر، فهرب منه إلى الشام، ثم هرب إلى قيصر فتنصر ومات عنده.
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، أنه طاف ليلة هو وعمر رضي الله تعالى عنهما للحرس بالمدينة فرأوا نورا في بيت، فانطلقوا يؤمونه، فإذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر رضي الله تعالى عنه لعبد الرحمن: تدري بيت من هذا؟ قال: لا، قال: هذا بيت ربيعة بن أمية، وهم الآن شرب، فما ترى؟ قال: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه وَلا تَجَسَّسُوا [الحجرات: الآية ١٢] فانصرف عمر. ثم إن عمر رضي الله تعالى عنه غرب ربيعة إلى خيبر فكان ما تقدم.
стр. 1416
وقد رأى ربيعة قبل ذلك في المنام كأنه في أرض معشبة مخصبة وخرج منها إلى أرض مجدبة كالحة. ورأى أبا بكر رضي الله تعالى عنه في جامعة من حديد عند سرير إلى الحشر، فقص ذلك على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال إن صدقت رؤياك تخرج من الإيمان إلى الكفر، وأما أنا فإن ذلك ديني جمع لي في أشد الناس إلى يوم الحشر.
وبعثت إليه ﷺ أم الفضل زوجة العباس أم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم لبنا في قدح شربه أمام الناس، فعلموا أنه ﷺ : لم يكن صائما ذلك اليوم الذي هو التاسع، أي لأنهم تماروا عندها في صيامه ﷺ ذلك اليوم الذي هو يوم عرفة.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ : «أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة» أي وبهذا استدل أئمتنا أنه لا يستحب للحاج صوم يوم عرفة الذي هو التاسع من ذي الحجة.
فلما تم ﷺ خطبته أمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا فصلاهما مجموعتين في وقت الظهر بأذان واحد وإقامتين: أي لأنه ﷺ لم يقم بمكة إقامة تقطع السفر لأنه دخلها في اليوم الرابع وخرج يوم الثامن، فقد صلى بها إحدى وعشرين صلاة من أول ظهر يوم الرابع إلى عصر الثامن يقصر تلك الصلوات، فالجمع للسفر كما يقول إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه كالجمهور لا للنسك كما يقول غيرهم.
أقول: وفيه أن فقهاءنا ذكروا أنه ﷺ لم يصل الجمعة في حجة الوداع مع عزمه على الإقامة أياما: أي تقطع السفر لعدم استيطانه.
ويردّ بأنه من أين أنه ﷺ عزم على الإقامة بمكة المدة التي تقطع السفر هذه دعوى تحتاج إلى دليل. وأيضا عزمه على ذلك إنما هو بعد عوده إلى مكة بعد فراغه من الوقوف والرمي، ولا ينقطع سفره إلا بوصوله إلى مكة.
والأولى استدلال فقهائنا على وجوب الاستيطان في إقامة الجمعة بعد أمره ﷺ لأهل مكة بإقامة الجمعة مع أنهم غير مسافرين لعدم استيطانهم للمحل. فما ذهب إليه إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه من أن الجمع للسفر لا للنسك في محله.
وقد رأيت أن مالكا رضي الله تعالى عنه سأل أبا يوسف وقد كان حج مع هارون الرشيد وذلك بحضرة الرشيد، فقال له: ما تقول في صلاة النبي ﷺ بعرفات يوم الجمعة، أصلى جمعة أم صلى ظهرا مقصورة؟ فقال أبو يوسف: صلى جمعة، لأنه خطب لها قبل الصلاة، فقال مالك: أخطأت، لأنه لو وقف يوم السبت لخطب قبل الصلاة، فقال أبو يوسف: ما الذي صلى؟ فقال مالك: صلى الظهر مقصورة، لأنه أسرّ بالقراءة فصوبه هارون في احتجاجه على أبي يوسف، والله أعلم.
стр. 1417
ثم ركب ﷺ راحلته إلى أن أتى الموقف، فاستقبل القبلة، ولم يزل واقفا للدعاء من الزوال إلى الغروب. وفي الحديث: «أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي، أي في يوم عرفة» كما في بعض الروايات: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» .
وجاء أن من جملة دعائه في ذلك اليوم: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن وسوسة الشيطان، ومن وسوسة الصدر، ومن شتات الأمر، ومن شر كل ذي شر» .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «كان فيما دعا به رسول الله ﷺ في حجة الوداع: اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضريع، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه. اللهم لا تجعلني بدعائك ربي شقيا، وكن بي رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين» واستمر كذلك ﷺ حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة.
أي وخطب ﷺ على ناقته في ذلك اليوم. فعن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة رضي الله تعالى عنهم قال: «بعثني عتاب بن أسيد إلى رسول الله ﷺ في حاجة ورسول الله ﷺ واقف بعرفة فبلغته ثم وقفت تحت ناقة رسول الله ﷺ وإن لعابها ليقع على رأسي، فسمعته يقول: أيها الناس إن الله قد أدى إلى كل ذي حق حقه. وإنه لا تجوز وصية لوارث والولد للفراش، وللعاهر الحجر. ومن ادعى إلى غير أبيه أو مولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا، وجاءه ﷺ جماعة من نجد فسألوه كيف الحج؟ فأمر مناديا ينادي:
الحج عرفة. من جاء ليلة جمع، أي المزدلفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» وجمع بفتح الجيم وسكون الميم أيام منى ثلاثة فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: الآية ٢٠٣] ، أي وقال ﷺ «وقفت ههنا وعرفة كلها موقف» زاد مالك في الموطأ «وارفعوا عن بطن عرنة» .
وفي كلام بعضهم نزلت: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:
الآية ٣] يوم الجمعة بعد العصر والنبي ﷺ واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكاد عضد الناقة يندق من ثقل الوحي.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: اتفق في ذلك اليوم أربعة أعياد: عيد للمسلمين وهو يوم الجمعة. وعيد لليهود. وعيد للنصارى. وعيد للمجوس، ولم
стр. 1418
تجتمع أعياد لأهل الملل في يوم قبله ولا بعده.
ولما نزلت بكى عمر رضي الله تعالى عنه، فقال له النبي ﷺ : «ما يبكيك يا عمر؟ فقال رضي الله تعالى عنه: أبكاني أنا كنا في زيادة، أما إذا كمل فإنه لا يكمل شيء إلا نقص، فقال: صدقت» . فكانت هذه الآية نعي رسول الله ﷺ فإنه لم يعش بعدها إلا ثلاثة أشهر وثلاثة أيام، ولم ينزل بعدها شيء من الأحكام.
ثم أردف رسول الله ﷺ أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه خلفه ودفع إلى مزدلفة وقد ضم زمام راحلته القصواء التي خطب عليها في نمرة حتى أن رأسها ليصيب طرف رجليه، يسير العنق، حتى إذا وجد فسحة سار النص وهو فوق العنق، وهو يأمر الناس بالسكينة في السير، فلما كان في الطريق عند الشعب الأبتر نزل فيه فبال وتوضأ وضوآ خفيفا، ثم ركب حتى أتى المزدلفة التي هي جمع، أي وتقدم أن وقوفه ﷺ بعرفات وإفاضته إلى مزدلفة قبل أن يبعث كان مخالفا في ذلك لقوله:
«وصلى المغرب والعشاء مجموعتين في وقت العشاء» أي مقصورتين بأذان واحد وإقامتين، ثم اضطجع وأذن للنساء والضعفة: أي الصبيان أن يرموا ليلا، أي أن يذهبوا من مزدلفة إلى منى بعد نصف الليل بساعة ليرموا جمرة العقبة قبل الزحمة.
وعن ابن عباس ﵄: «فجعل رسول الله ﷺ يوصيهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس» فليتأمل ذلك. فعن عائشة ﵂ «أن سودة ﵂: أفاضت في النصف الأخير من مزدلفة بإذن النبي ﷺ ولم يأمرها بالدم ولا النفر الذين كانوا معها» وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أنا ممن قدم النبي ﷺ في ضعفه أهله وروى ذلك الشيخان. ولم يأذن ﷺ للرجال في ذلك إلا لضعفائهم ولا لغير ضعفائهم، أي فالمراد بالضعفة الصبيان كما تقدم، وبهذا استدل أئمتنا على أنه يستحب تقديم النساء والضعفة بعد نصف الليل إلى منى أي وأن يبقى غيرهم حتى يصلوا الصبح مغسلين.
وفي البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنه: «أنها قالت: فلأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة أحب إليّ من مفروح به، أي لأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس» وفي لفظ: «قبل حطمة الناس» لأن سودة ﵂ كانت امرأة ضخمة ثقيلة، فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من مزدلفة مع النساء والضعفة.
وفي مسلم: «مضت أم حبيبة من جمع بليل» أي في نصف الليل. وعن ابن عباس ﵄ قال «أرسلني ﷺ مع ضعفة أهله، فصلينا الصبح بمنى ورمينا الجمرة، فلما كان وقت الفجر قام ﷺ وصلى بالناس أي بالمزدلفة الصبح مغلسا ثم أتى المشعر الحرام فوقف به: أي وهو راكب ناقته، واستقبل القبلة، ودعا الله، وكبر، وهلل ووحد، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا» وجاء: «أنه ﷺ دعا بالمغفرة
стр. 1419
لأمته يوم عرفة، فأجيب بأنه يغفر لها ما عدا المظالم، ثم دعا بذلك أي بالمغفرة لأمته بمزدلفة، فأجيب إلى ذلك: أي إلى غفران المظالم، فجعل إبليس لعنه الله يحثو التراب على رأسه، فضحك ﷺ من فعله» وجاء ما بين أن المراد بالأمة من وقف بعرفة.
ثم إنه ﷺ دفع: أي من المشعر الحرام قبل أن تطلع الشمس: أي قال جابر رضي الله تعالى عنه: وكان المشركون لا ينفرون حتى تطلع الشمس، وأردف خلفه الفضل بن العباس، وجاءته امرأة تسأله، فقالت له: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟
قال: نعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. وفي لفظ آخر: «فوضع ﷺ يده على وجه الفضل فحوّل الفضل وجهه إلى الشق الآخر» وفي لفظ آخر: «أنه ﷺ لوى عنق الفضل، فقال له أبوه العباس ﵄: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الشيطان، فلما وصل ﷺ إلى محسر حرّك ناقته قليلا وسلك الطريق التي تسلك على جمرة العقبة، فرمى بها أسفلها سبع حصيات، التقطها له عبد الله بن عباس ﵄ من موقفه الذي رمى فيه مثل حصى الخذف» بفتح الخاء المعجمة وإسكان الذال المعجمة، وهذا لا يخالف ما عليه أئمتنا من أن الأولى أن يلتقط حصى الرمى من مزدلفة.
ويكره أخذه من المرمى لجواز أن يكون التقط له ذلك من مزدلفة ثم سقط منه عند جمرة العقبة، فأمر ابن عباس بالتقاطه.
لكن الذي في مسلم: «أنه ﷺ لما دخل محسرا: أي الوادي المعروف، وهو أول منى قال: عليكم بحصى الخذف الذي ترمى به الجمرة، وهو يدل على أن أخذ الحصى من ذلك أولى، إلا أن يقال يجوز أن يكون قال ذلك لجماعة تركوا أخذ ذلك من مزدلفة، وأمر ﷺ بمثلها ونهى عن أكبر منها، وقطع ﷺ التلبية عند الرمي، وصار يكبر عند رمي كل حصاة وهو راكب ناقته» . وفي رواية «على بغلة» . قال بعضهم: وهو غريب جدا: «وبلال وأسامة أحدهما آخذ بخطامها والآخر يظله بثوبه، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك» .
وفي رواية: «فرأيت بلالا ﵁ يقود براحلته، وأسامة بن زيد ﵁ رافعا عليه ثوبه من الحر حتى رمى جمرة العقبة» وخطب ﷺ على بغلته الشهباء، وقيل على بعير بمنى خطبة قرر فيها تحريم الزنا والأموال والأعراض، وذكر حرمة يوم النحر، وحرمة مكة على جميع البلاد، فقال: «يا أيها الناس أيّ يوم هذا؟ قالوا:
يوم حرام، قال: فأي بلد هذا، قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟ قالوا شهر
стр. 1420
حرام، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا» أعادها مرارا «ثم رفع ﷺ رأسه وقال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» وأمرهم ﷺ بأخذ مناسكهم عنه لعله لا يحج بعد عامه ذلك، وكان وقوفه ﷺ بين الجمرات والناس بين قائم وقاعد.
وجاء: «أنه ﷺ خطب في اليوم الأول واليوم الثاني من أيام التشريق وهو أوسطها، ويقال له يوم النفر الأول لجواز النفر فيه كما يقال لليوم الثالث في أيام التشريق يوم النفر الآخر.
ثم انصرف ﷺ إلى المنحر بمنى فنحر ثلاثا وستين بدنة، أي وهي التي قدم بها من المدينة وذلك بيده الشريفة لكل سنة بدنة. قال بعضهم. وفي ذلك إشارة إلى منتهى عمره ﷺ ، لأن عمره ﷺ كان في ذلك اليوم ثلاثا وستين سنة، فنحر ﷺ بيده الشريفة لكل سنة بدنة، وطبخ له اللحم من لحمها، وأكل منه: أي أخذ من كل بدنة بضعة، فجعل ذلك في قدر وطبخ، فأكل من ذلك اللحم وشرب من مرقته، ثم أمر ﷺ عليا كرّم الله وجهه فنحر ما بقي وهو تمام المائة، أي ولعله الذي أتى به عليّ كرم الله وجهه من اليمن هذا.
وجاء عن ابن عباس ﵄، قال: «أهدى رسول الله ﷺ في هذه حجة الوداع مائة بدنة نحر منها ثلاثين بدنة، ثم أمر ﷺ عليا فنحر ما بقي منها وقال له اقسم لحومها وجلودها وجلالها بين الناس، ولا تعط جزارا منها شيئا، وخذ لنا من كل بعير جذية من لحم واجعلها في قدر واحدة حتى نأكل من لحمها ونحثو من مرقها ففعل، وأخبر ﷺ أن منى كلها منحر، وأن فجاج مكة كلها منحر. ثم حلق رسول الله ﷺ رأسه الشريف: أي حلقه معمر بن عبد الله وقال له: هنا وأشار بيده إلى الجانب الأيمن، فبدأ بشقه الأيمن فحلقه ثم بشقه الأيسر، وقسم شعره فأعطى نصفه لأبي طلحة الأنصاري» : أي شعر نصف رأسه الأيسر «بعد أن قال: ههنا أبو طلحة» وقيل أعطاه لأم سليم زوج أبي طلحة ﵄، وقيل لأبي كريب:
«وأعطى من نصفه الثاني» أي الذي هو الأيمن: «الشعرة والشعرتين للناس» .
وفي رواية: «ناول ﷺ الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري قأعطاه إياه، ثم ناول الحلاق الشق الأيسر فحلقه وأعطاه أبا طلحة، وقال: اقسمه بين الناس» .
قال في النور: والحاصل أن الروايات اختلفت في مسلم. ففي بعضها أنه أعطاه الأيسر، وفي بعضها أنه أعطاه الأيمن. ورجح ابن القيم أن الذي اختص به أبو طلحة هو الشق الأيسر.
стр. 1421
أقول: الذي في مسلم قال للحلاق: «ها وأشار بيده إلى جانبه الأيمن، فقسم شعره بين من يليه» وفي رواية: «فوزعه الشعرة والشعرتين، ثم أشار إلى الحلاق وإلى جانبه الأيسر فحلقه فأعطاه لأم سليم» وفي رواية «هال ههنا أبو طلحة» وفي لفظ: «أين أبا طلحة فدفعه إلى أبي طلحة» .
وفي رواية: «ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر فحلقه وأعطاه أبا طلحة، فقال اقسم بين الناس» والجمع ممكن بين هذه الروايات، والله أعلم.
وعن بعضهم قال: شقت قلنسوة خالد بن الوليد ﵁ يوم اليرموك وهو في الحرب فسقطت فطلبها طلبا حثيثا فعوقب في ذلك، فقال: إن فيها شيئا من شعر ناصية رسول الله ﷺ وإنها ما كانت معي في موقف إلا نصرت بها.
وعن أنس ﵁، قال: «رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه وقد طاف به أصحابه ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل» .
ثم تطيب ﷺ ، طيبته عائشة ﵂ بطيب فيه مسك قبل أن يطوف طواف الإفاضة، ويقال له طواف الركن، ويقال له طواف الصدر، والأشهر أن طواف الصدر طواف الوداع. وحلق بعض أصحابه وقصر بعض آخر. وعند ذلك قال ﷺ «اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين، فأعاد ﷺ : وأعادوا ثلاثا، وقال في الرابعة والمقصرين» .
والصحيح المشهور أنه قال ذلك في هذه الحجة التي هي حجة الوداع كما قال ذلك في الحديبية كما تقدم، وقيل لم يقله إلا في الحديبية، وبه جزم إمام الحرمين في النهاية. وقال النووي: ولا يبعد أن يكون وقع ذلك منه ﷺ في الموضعين. قال في فتح الباري: بل هو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين، أي فإن في مسلم في حجة الوداع عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله وللمقصرين، قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله وللمقصرين. قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله وللمقصرين، قال. وللمقصرين، ثم نهض ﷺ راكبا إلى مكة فطاف في يومه ذلك طواف الإفاضة قبل الظهر وشرب من نبيذ السقاية» .
فعن ابن عباس ﵄: «مر النبي ﷺ على راحلته وخلفه أسامة ﵁ فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ» : أي من سقاية العباس ﵁، فإنهم كانوا يضعون في السقاية التمر والزبيب كما تقدم، فشرب ﷺ وسقى فضله لأسامة رضي الله تعالى عنه، وقال: أحسنتم وأجملتم، كذا فاصنعوا. ثم شرب ﷺ من ماء
стр. 1422
زمزم بالدلو، قيل وهو قائم، وقيل وهو على بعير، والذي نزع له الدلو عمه العباس بن عبد المطلب» أي وفعل ذلك عند فتح مكة أيضا كما تقدم، وقيل لما شرب ﷺ صب منه على رأسه الشريف. وعن ابن جريج: «أنه ﷺ نزع الدلو لنفسه» .
وقيل إن هذا يخالف ما تقدم من قوله: «لولا أن الناس يتخذونه نسكا لنزعت» ومن قوله يوم فتح مكة: «لولا أن تغلب بنو عبد المطلب لنزعت منها، ثم رجع ﷺ إلى منى فصلى بها الظهر» كما اتفق عليه الشيخان، وقيل صلاة بمكة وبه انفرد مسلم ورحج بأمور.
وجمع بينهما بأنه يجوز أن يكون صلى الظهر بمكة أول الوقت ثم رجع إلى منى فصلاها مرة أخرى بأصحابه، أي الذين تخلفوا عنه بمنى، فإنه ﷺ وجدهم ينتظرونه، فهي له ﷺ معادة. قال بعضهم: وهذا مشكل على من لم يجوّز الإعادة.
وعورض هذا بأنه ﷺ في ذلك اليوم رمى جمرة العقبة ونحر ثلاثا وستين بدنة، ونحر علي كرّم الله وجهه بقية المائة، وأخذ من كل بدنة بضعة، ووضعت في قدر وطبخت حتى نضجت، فأكل من ذلك اللحم وشرب من مرقه، وحلق رأسه، ولبس وتطيب وخطب فكيف يمكن أن يكون ﷺ صلى الظهر بمكة أول الوقت، ويعود إلى منى في وقت الظهر.
على أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى» رواه أبو داود.
وأجيب بأن النهار كان طويلا فلا يضر صدور أفعال منه ﷺ كثيرة في صدر ذلك اليوم.
على أن ابن كثير ﵀، قال: لست أدري أن خطبته ﷺ ذلك اليوم أكانت قبل ذهابه أو بعد رجوعه إلى منى؟.
وأما رواية عائشة رضي الله تعالى عنها المقتضية لكونه ﷺ صلى الظهر بمنى قبل أن يذهب إلى البيت. فأجاب بعضهم عنها بأنها ليست نصا في ذلك بل تحتمل فليتأمل.
فإن قيل: روى البخاري وأهل السنن الأربعة: «أن النبي ﷺ أخرّ الزيارة الى الليل» وفي لفظ: «زار ليلا» قلنا المراد بالزيارة زيارة مجيئه، لا طواف الزيارة الذي هو طواف الإفاضة.
فقد روى البيهقي: «أنه ﷺ كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى» وهو قول عروة بن الزبير إن رسول الله ﷺ أخر الطواف يوم النحر إلى الليل، فقد أخذه من
стр. 1423
قول عائشة المتقدم، وقد علمت ما فيه.
وقد قال بعضهم: الصحيح. من الروايات وعليه الجمهور أنه ﷺ طاف يوم النحر بالنهار. والأشبه أنه كان قبل الزوال هذا كلامه.
وطافت أم سلمة ﵂ في ذلك اليوم على بعيرها من وراء الناس.
قالت: «وطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جانب البيت وهو يقرأ ب وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) [الطور: ١- ٢] » .
أي وعورض ذلك «بأنه ﷺ أرسل أم سلمة ﵂ ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت» فكيف يلتئم هذا مع طوافه قبل الظهر؟
لأنه ﷺ لم يكن ذلك الوقت بمكة.
ويجاب بأنه يجوز أن تكون أم سلمة أخرت طوافها لذلك الوقت وإن كانت قدمت مكة قبل الفجر.
وعورض بأنه ﷺ لم يقرأ في ركعتي الطواف بالطور ولا جهر بالقراءة في النهار بحيث تسمعه أم سلمة من وراء الناس، هذا من المحال.
ويجاب بأن كونه ﷺ لم يقرأ في ركعتي الطواف بالطور شهادة نفي على من يثبت. وأم سلمة ﵂ لم تدّع أنها سمعت قراءته ﷺ . ثم رأيت ابن كثير ﵀ قال: والظاهر أنه ﵊ صلى الصبح يومئذ، أي عند قدومه مكة لطواف الوداع عند الكعبة وأصحابه، وقرأ في صلاته وَالطُّورِ (١) بكمالها.
قال: ويؤيد ذلك ما روي عن أم سلمة قالت: «شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، قال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، ومضت ورسول الله ﷺ يصلي حينئذ إلى جنب البيت وهو يقرأ وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) [الطور: ١- ٢] » .
أي وحينئذ يكون ما تقدم من قول الراوي: «وطافت أم سلمة في ذلك اليوم الذي هو يوم النحر» وقوله في الرواية الأخرى: «أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل النحر ثم مضت فأفاضت» أي طافت طواف الافاضة. وما جاء عن أم سلمة: «أن رسول الله ﷺ أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة» قال بعضهم: ذكر يوم النحر غلط من الراوي أو من الناسخ، وإنما هو يوم النفر. ويقال بمثل ذلك فيما قبله فليتأمل، فإنه سيأتي في بعض الروايات أنه طاف طواف الوداع سحرا قبل صلاة الصبح.
إلا أن يقال إنه ﷺ مكث بعد الطواف لصلاة الصبح حتى صلاها وفيه أن بعضهم ذكر أنه ﷺ طاف بالبيت، أي طواف الوداع بعد صلاة الصبح، والله أعلم، وطافت في ذلك اليوم الذي هو يوم النحر عائشة ﵂ بعد أن طهرت من
стр. 1424
حيضها وكانت حائضا يوم عرفة، أي كما تقدم. وطافت أيضا صفية ﵂ في ذلك اليوم.
وسئل ﷺ في ذلك اليوم عما تقدم بعضه على بعض من الرمي والحلق والنحر والطواف، فقال: لا حرج: أي لا إثم.
ففي مسلم عن عمرو بن العاص ﵁ قال: «وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى على راحلته للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر أن التحلل قبل النحر فحلقت قبل أن أنحر، فقال: اذبح ولا حرج، ثم جاءه رجل آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر أن الرمي قبل النحر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: ارم ولا حرج وجاءه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، فقال:
ارم ولا حرج، قال: فما سئل عن شيء قدم ولا آخر إلا قال افعل ولا حرج» ولذلك قال ﷺ أيضا في تقديم السعي بين الصفا والمروة قبل الطواف بالبيت «أي فمن شاء قدم السعي عقب طواف القدوم، ومن شاء أخره عن طواف الإفاضة» وقد تقدم أنه ﷺ أتي بالسعي عقب طواف القدوم.
وأقام ﷺ بمنى ثلاثة أيام يرمي الجمار: أي ماشيا في ذهابه وإيابه وأمر ﷺ شخصا أن ينادي في الناس بمنى إنها أيام أكل وشرب وباءة. ورمى لكل جمرة من الجمرات الثلاث بعد الزوال، أي قبل الصلاة للظهر سبع حصيات، يبدأ بالتي تلي مسجد منى: أي الخيف ويقف عندها للدعاء، ثم التي تليها وهي الوسطى ثم يقف للدعاء ثم جمرة العقبة، ولم يقف عندها للدعاء: أي وكان أزواجه ﷺ يرمين بالليل.
وخطبهم أي الناس في اليوم الأول من أيام منى كما تقدم» ويقال لذلك اليوم يوم القر لأنهم يقرون فيه في منى وهو يوم الرؤوس لأكلهم الرؤوس في ذلك اليوم، وفي اليوم الثاني من أيام منى وهو يوم النفر الأول، أي ويقال له يوم الأكارع: أي لأكلهم الأكارع في ذلك اليوم.
وأوصى بذي الأرحام خيرا. فقد خطب ﷺ في الحج خمس خطب: الأولى يوم السابع من ذي الحجة بمكة. والثانية يوم عرفة. والثالثة يوم النحر بمنى. والرابعة يوم القر بمنى. والخامسة يوم النفر الأول بمنى أيضا.
ثم نهض ﷺ من منى في اليوم الثالث الذي هو يوم النفر الآخر ونفر معه المسلمون بعد الزوال أي وبعد الرمي.
واستأذنه عمه العباس ﵁ في عدم المبيت بمنى في الليالي الثلاث من أجل السقاية فرخص له في ذلك.
وضربت له ﷺ قبة بالمحصب وهو الأبطح، أي ضربها له أبو رافع رضي الله
стр. 1425
عنه، وكان على ثقله ولم يأمره ﷺ بذلك. فعن أبي رافع ﵁: «لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل بالأبطح، ولكني جئت فضربت قبة، فجاء فنزل، وكان ﷺ قال لأسامة ﵁: غدا ننزل بالمحصب إن شاء الله» وهو المحل الذي تحالف فيه قريش وكنانه على منابذه بني هاشم وبني المطلب حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ ليقتلوه، أي وكان ذلك سببا لكتابة الصحيفة.
وفيه أنه تقدم في فتح مكة أنه ﷺ نزل بالحجون عند شعب أبي طالب المكان الذي حصرت فيه بنو هاشم وبنو المطلب وأنه خيف بني كنانة الذي تقاسمت قريش فيه جملتهم.
وفي مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله الخيف حيث تقاسموا على الكفر» .
ولما نزل ﷺ بالمحصب صلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة، ثم إن عائشة ﵂ قالت له: يا رسول الله أأرجع بحجة ليس معها عمرة، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ فقال: اخرج بأختك من الحرم، ثم افرغا من طوافكما حتى تأتياني ههنا بالمحصب، قالت: فقضى الله العمرة، وفي لفظ: «فاعتمرنا من التنعيم مكان عمرتي التي فاتتني، وفرغنا من طوافها في جوف الليل، فأتيناه ﷺ بالمحصب فقال: فرغتما من طوافكما، قلنا نعم، فأذن في الناس بالرحيل» وفي رواية: «فلقيني رسول الله ﷺ وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة إليها، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها» .
واعترض كيف يأتي قولها عمرتي التي فاتتني مع قوله ﷺ : «قد حللت من حجتك وعمرتك» وكيف أقرأها ﷺ على ذلك.
وأجيب بأنها لما رأت صواحبها أتين بعمرة ثم بحج وهي لم تأت إلا بحج أحبت أن تأتي بعمرة أخرى زائدة على الحج وإن كانت العمرة مندرجة فيه، وأقرها ﷺ تطييبا لخاطرها، لأنه ﷺ كان معها إذا هويت الشيء الذي لا مخالفة فيه للشرع تابعها عليه. وبهذا استدل أئمتنا على جواز الإحرام بالعمرة قبل طواف الوداع.
وأمر ﷺ الناس أن لا ينصرفوا: أي إلى بلادهم حتى يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت: أي الذي هو طواف الوداع.
ورخص ﷺ في ترك المؤمنين ذلك للحائض التي قد طافت طواف الإفاضة قبل حيضها كصفية أم المؤمنين ﵂، فإنها حاضت بعد طواف الإفاضة ليلة النفر من منى. أي وقالت: ما أراني إلا حابستكم لانتظار طهري وطواف الوداع، فقال لها ﷺ : أو ما كنت طفت يوم النحر؟ أو في لفظ: «ما كنت طفت طواف
стр. 1426
الإفاضة يوم النحر؟ قالت بلى، قال: لا بأس انفري معنا» وفي رواية: «قال يكفيك ذلك» أي لأنه هو طواف الركن الذي لابد لكل أحد منه، بخلاف طواف الوداع لا يجب على الحائض ولا يلزمها الصبر لتطهر وتأتي به، ولا دم عليها في تركه.
قال الإمام النووي ﵀: وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكي عن بعض السلف وهو شاذ مردود.
ثم إنه ﷺ دخل مكة في تلك الليلة، وطاف طواف الوداع سحرا قبل صلاة الصبح، ثم خرج من الثنية السفلى ثنية كدى بضم الكاف والقصر: وهو عند باب شبيكة متوجها إلى المدينة: أي التي خرج منها لما فتح مكة كما تقدم.
وكان خروجه ﷺ من المسجد من باب الحزورة، ويقال له باب الحناطين.
وجاء عن جابر ﵁: «أن خروجه ﷺ من مكة كان عند غروب الشمس فلم يصلّ حتى أتى سرف» قال بعضهم: لعل هذا كان في غير حجة الوداع، فإنه ﷺ طاف بالبيت بعد صلاة الصبح فماذا أخره إلى وقت الغروب هذا غريب جدا هذا كلامه. وما روي أنه ﷺ رجع بعد طواف الوداع إلى المحصب غير محفوظ.
أقول: هذا جمع به الإمام النووي ﵀ بين الروايات المتقدمة عن عائشة حيث قال: ووجه الجمع أنه ﷺ بعث عائشة مع أخيها بعد نزوله المحصب، وواعدها أن تلحقه بعد اعتمارها، ثم خرج هو ﷺ بعد ذهابها فقصد البيت ليطوف طواف الوداع، ثم رجع بعد فراغه من طواف الوداع فلقيها وهو صادر وهي داخله لطواف عمرتها، ثم لما فرغت لحقته وهو في المحصب.
قال: وأما قولها فأذن في أصحابه فخرج ومر بالبيت وطاف فمتأول بأن في الكلام تقديما وتأخيرا، وإلا فطوافه ﷺ كان بعد خروجها إلى العمرة وقبل رجوعها، وأنه فرغ قبل طوافها للعمرة هذا كلامه فليتأمل، فكانت مدة دخوله ﷺ إلى مكة وخروجه منها عشرة أيام، وهذا السياق يدل على أنه ﷺ لم يأت بعمرة بعد حجه، وهو لا يناسب القول بأنه أحرم مفردا بالحج، بل يدل للقول بأنه أحرم قارنا أو نواهما بعد إطلاق الإحرام، أو أدخل الحج على العمرة.
وفي كلام بعضهم لم يعتمر ﷺ تلك السنة عمرة مفردة لا قبل الحج ولا بعده ولو جعل حجه منفردا لكان خلاف الأفضل، أي لأنه لم يقل أحد إن الحج وحده من غير اعتمار في سنته أفضل من القران.
وفي كلام بعض آخر: أجمعوا على أنه لم يعتمر بعد الحج، فتعين أن يكون متمتعا تمتع قران.
وقد يطلق الإفراد على الإتيان بأعمال الحج فقط وإن كان قد أحرم بهما معا
стр. 1427
كما أن القران قد يطلق على الإتيان بطوافين وسعيين. فمن روى عنه ﷺ أنه أفرد الحج أراد به أنه أتى بأعمال الحج ولم يفرد للعمرة أعمالا.
ولم أقف على أنه ﷺ دخل الكعبة في هذه الحجة التي هي حجة الوداع.
ولما طاف ﷺ سبعا وقف في الملتزم بين ركن الحجر وبين باب الكعبة فدعا الله وألزق جسده: أي صدره الشريف ووجهه بالملتزم.
أي ولما وصل ﷺ إلى محل بين مكة والمدينة يقال له غدير خمّ بقرب رابغ جمع الصحابة وخطبهم خطبة بين فيها فضل علي كرم الله وجهه، وبراءة عرضه مما تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وبخلا، والصواب كان معه كرم الله وجهه في ذلك فقال ﷺ «أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب» أي وفي لفظ في الطبراني «فقال: يا أيها الناس إنه قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا نصف عمر الذي يليه من قبله، وإني لأظن أن يوشك أن أدعى فأجيب، وإني مسؤول، وإنكم مسؤولون فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وجهدت ونصحت، فجزاك الله خيرا، فقال ﷺ : أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن جنته حق وناره حق، وأن البعث حق بعد الموت، وأن السعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: اللهم اشهد» الحديث «ثم حض على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته، أي فقال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن تتفرقا حتى تردا عليّ الحوض» ، وقال في حق علي كرم الله وجهه لما كرر عليهم: ألست أولى بكم من أنفسكم ثلاثا، وهم يجيبونه ﷺ بالتصديق والاعتراف، ورفع ﷺ يد علي كرم الله وجهه وقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وابغض من أبغضه، وانصر من نصره، وأعن من أعانه، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار» وهذا أقوى ما تمسكت به الشيعة والإمامية والرافضة على أن عليا كرم الله وجهه أولى بالإمامة من كل أحد، وقالوا هذا نص صريح على خلافته سمعه ثلاثون صحابيا وشهدوا به، قالوا: فلعلي عليهم من الولاء ما كان له ﷺ عليهم، بدليل قوله ﷺ : «ألست أولى بكم» وهذا حديث صحيح ورد بأسانيد صحاح وحسان، ولا التفات لمن قدح في صحته كأبي داود وأبي حاتم الرازي.
وقول بعضهم إن الزيادة اللهم وال من والاه إلى آخره موضوعة مردود، فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي كثيرا منها.
وقد جاء أن عليا كرم الله وجهه قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أنشد الله من ينشد يوم غدير خمّ إلا قام، ولا يقوم رجل يقول أنبئت أو بلغني إلا
стр. 1428
رجل سمعت أذناه ووعى قلبه، فقام سبعة عشر صحابيا وفي رواية ثلاثون صحابيا، وفي المعجم الكبير ستة عشر. وفي رواية اثنا عشر، فقال: هاتوا ما سمعتم، فذكروا الحديث، ومن جملته «من كنت مولاه فعلي مولاه» وفي رواية «فهذا مولاه» وعن زيد بن أرقم ﵁: وكنت ممن كتم، فذهب الله ببصري، وكان علي كرم الله وجهه دعا على من كتم.
قال بعضهم: ولما شاع قوله ﷺ «من كنت مولاه فعليّ مولاه» في سائر الامصار وطار في جميع الأقطار، بلغ الحارث بن النعمان الفهري، فقدم المدينة فأناخ راحلته عند باب المسجد، فدخل والنبي ﷺ جالس وحوله أصحابه، فجاء حتى جثا بين يديه، ثم قال: يا محمد إنك أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا ذلك منك، وإنك أمرتنا أن نصلي في اليوم والليلة خمس صلوات ونصوم شهر رمضان ونزكي أموالنا ونحج البيت فقبلنا ذلك منك، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته، وقلت: من كنت مولاه، فعلى مولاه، فهذا شيء من الله أو منك؟ فاحمرت عينا رسول الله ﷺ وقال: والله الذي لا إله إلا هو إنه من الله وليس مني، قالها ثلاثا، فقام الحارث وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك» وفي رواية «اللهم إن كان ما يقول محمد حقا «فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) [الأنفال: الآية ٣٢] ، فو الله ما بلغ باب المسجد حتى رماه الله بحجر من السماء فوقع على رأسه فخرج من دبره فمات، وأنزل الله تعالى سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) [المعارج: الآية ١- ٢] الآية، وكان ذلك اليوم الثامن عشر من ذي الحجة» وقد اتخذت الروافض هذا اليوم عيدا فكانت تضرب فيه الطبول ببغداد في حدود الأربعمائة في دولة بني بويه. وما جاء: من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب الله له صيام ستين شهرا. قال بعضهم قال الحافظ الذهبي هذا حديث منكر جدا أي بل كذب.
فقد ثبت في الصحيح ما معناه: «أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر» فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل سني شهرا هذا باطل، هذا كلامه فليتأمل.
وقد رددت عليهم في ذلك بما بسطته في كتابي المسمى بالقول المطاع في الرد على أهل الابتداع لخصت فيه الصواعق للعلامة ابن حجر الهيتمي، وذكرت أن الرد عليهم في ذلك من وجوه:
أحدها: أن هؤلاء الشيعة والرافضة اتفقوا على اعتبار التواتر فيما يستدلون به على الإمامة من الأحاديث، وهذا الحديث مع كونه آحاد طعن في صحته جماعة من أئمة الحديث كأبي داود وأبي حاتم الرازي كما تقدم، فهذا منهم مناقضة، ومن ثم قال بعض أهل السنة: يا سبحان الله من أمر الشيعة والرافضة إذا استدللنا عليهم بشيء
стр. 1429
من الأحاديث الصحيحة قالوا هذا خبر واحد لا يعني، وإذا أرادوا أن يستدلوا على ما زعموا أتوا بأخبار باطلة كاذبة لا تصل إلى درجة الأحاديث الضعيفة التي هي أدنى مراتب الآحاد التي منها أنه قال لعلي أخي ووصي وخليفتي في ديني بكسر الدال وخبر: أنت سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين. وخبر: سلموا على عليّ بإمرة الناس، فإنها أحاديث كاذبة موضوعة مفتراة عليه، عليه أفضل الصلاة والسلام.
ثانيها: أن اسم المولى يطلق على عشرين معنى، منها: أنه السيد الذي ينبغي محبته ويجتنب بغضه، ويؤيد إرادة ذلك «أن سبب إيراد ذلك أن عليا كرم الله وجهه تكلم فيه بعض من كان معه باليمن من الصحابة وهو بريدة، قدم هو وإياه عليه ﷺ في تلك الحجة التي هي حجة الوداع، وجعل يشكوه له ﷺ لأنه حصل له منه جفوة، فجعل يتغير وجه رسول الله ﷺ وقال: يا بريدة لا تقع في علي، فإن عليا مني وأنا منه، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «من كنت مولاه فعليّ مولاه» فقال ذلك لبريدة خاصة. ثم لما وصل ﷺ إلى غدير خم أحب أن يقول ذلك للصحابة عموما أي فكما عليهم أن يحبوني فكذلك ينبغي أن يحبوا عليا. وعلى تسليم أن المراد أنه أولى بالإمامة، فالمراد في المآل لا في الحال قظعا، وإلا لكان هو الإمام مع وجوده ﷺ ، والمآل لم يعين له وقت، فمن أن أنه عقب وفاته ﷺ ، وجاز أن يكون بعد أن يعقد له البيعة ويصير خليفة، ويدل لذلك أنه كرم الله وجهه لم يحتج بذلك إلا بعد أن آلت إليه الخلافة ردا على من نازعه فيها كما تقدم. فسكوته كرم الله وجهه عن الاحتجاج بذلك إلى أيام خلافته، قاض على كل من له أدنى عقل فضلا عن فهم بأنه لا نص في ذلك على إمامته عقب وفاته ﷺ .
ثالثها: أنه تواتر النقل عن علي كرم الله وجهه، أنه ﷺ لم ينص عند موته على خلافة أحد لا هو ولا غيره، فقد قيل له كرم الله وجهه كما يأتي: حدثنا فأنت الموثوق به والمأمون على ما سمعت، فقال: لا والله لئن كنت أول من صدّق به لا أكون أول من كذب عليه، لو كان عندي من النبي ﷺ عهد في ذلك ما تركت القتال على ذلك ولو لم أجد إلا بردتي هذه. وفي رواية: ما تركت أخا نبي تيم وعدي يعني أبا بكر وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ينوبان على منبره ﷺ ولقاتلتهما بيدي.
رابعها: أن لو كان هذا الحديث نصا على إمامته لم يسعه الامتناع من متابعة عمه العباس رضي الله تعالى عنه لما قال له العباس: اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ ، فإن كان هذا الأمر فينا علمنا. وأيضا لو كان الحديث نصا لكان لما قالت الأنصار منا
стр. 1430
أمير ومنكم أمير، واحتج عليهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه بأن الأئمة من قريش قالوا له: قد ورد النص بخلافة علي كرم الله وجهه، ولم يكن بين ذكر الحديث في غدير خم وبين ذلك إلا نحو شهرين، فاحتمال النسيان على عليّ والعباس وعلى جميع الأنصار رضي الله تعالى عنهم من أبعد البعيد. على أنه ورد أنه لما قيل لعلي إن الأنصار قالوا منا أمير ومنكم أمير قال كرم الله وجهه: هلا ذكرت الأنصار قول النبي ﷺ «يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم» فكيف يكون الأمر فيهم مع الوصاية بهم، ودعوى الرافضة والشيعة أن الصحابة رضوان الله عليهم علموا هذا النص ولم يعلموا به عنادا غير مسموعة إذا هي ظاهرة البطلان، لأن في ذلك تضليلا لجميع الصحابة وهم رضي الله تعالى عنهم معصومون عن أن يجتمعوا على ضلالة.
ومن العجب العجيب أن بعض غلاة الرافضة يقول بتكفير الصحابة بسبب ذلك، وأن عليا كرم الله وجهه كفر لأنه أعان الكفار على كفرهم.
وأما دعواهم أن عليا إنما ترك النزاع في أمر الخلافة تقية وامتثالا لوصيته ﷺ أن لا يوقع بعده فتنة ولا يسل سيفا فكذب وافتراء، إذ كيف يجعله إماما على الأمة ويمنعه أن يسل سيفا على من امتنع من قبول الحق؟ وكيف منع سل السيف على أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم مع قلة أتباعهم وكثرة أتباعه، وسله على معاوية رضي الله تعالى عنه مع وجود من معه من الألوف، ولما ساغ له أن يقول كما تقدم، لو كان عندي من النبي ﷺ عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم وعدي ينوبان على منبره ﷺ ، ولما بين سبب تركه لمقاتلة أبي بكر وعمر وعثمان ومقاتلته لمعاوية بأن أبا بكر اختاره ﷺ لديننا فبايعناه فولاها عمر فبايعناه وأعطيت ميثاقي لعثمان، فلما مضوا بايعني أهل الحرمين وأهل المصرين البصرة والكوفة، فوثب فيها من ليس مثلي ولا قرابته كقرابيت ولا علمه كعلمي ولا سابقته كسابقتي وكنت أحق بها منه:
يعني معاوية رضي الله تعالى عنه كما سيأتي. ومن ثم لما قيل للحسن المثنى ابن الحسن السبط إن خبر «من كنت مولاه فعلي مولاه» نص في إمامة علي كرم الله وجهه قال: أما والله لو يعني النبي ﷺ بذلك الإمارة والسلطان لأفصح لهم ولقال لهم: يا أيها الناس هذا وال بعدي والقائم عليكم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، وو الله لو كان رسول الله ﷺ عهد إليه في ذلك ثم تركه كان أعظم خطيئة.
وقد سئل الإمام النووي ﵀: هل يستفاد من قول النبي ﷺ «من كنت مولاه فعليّ مولاه» أنه كرم الله وجهه أولى بالإمامة من أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. فأجاب إنه لا يدل على ذلك، بل معنى ذلك عند العلماء الذين هم أهل هذا الشان وعليهم الاعتماد في تحقيق ذلك «من كنت ناصره ومواليه ومحبه ومصافيه فعليّ كذلك» .
стр. 1431
وقد قيل في سبب ذلك أن أسامة بن زيد رضي الله تعالى قال لعلي كرم الله وجهه: لست مولاي، وإنما مولاي رسول الله ﷺ ، فقال رسول ﷺ ذلك. ولما وصل ﷺ إلى ذي الحليفة بات بها، أي لأنه ﷺ كان كره أن يدخل المدينة ليلا.
ولما رأى المدينة كبر ثلاث مرات وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دخل ﵊ المدينة نهارا من طريق المعرّس بفتح الراء المشددة.
стр. 1432
باب ذكر عمره ﷺ
قد اعتمر ﷺ : أي بعد الهجرة أربع عمر. فقد قال بعضهم: لا خلاف أن عمره ﷺ لم تزد على أربع أي كلهن في ذي القعدة، مخالفا للمشركين، فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج ويقولون هي من أفجر الفجور أي كما تقدم.
وأول تلك الأربعة عمرة الحديبية، أي وكانت في ذي القعدة التي صده فيها المشركون عن البيت.
وثانيها: عمرته ﷺ من العام المقبل، أي وهي عمرة القضاء، وكانت في ذي القعدة كما تقدم. وعن قتادة رضي الله تعالى عنه «كان المشركون فجروا عليه ﷺ حيث ردوه في الحديبية وكان في ذي القعدة، فاقتص الله منهم وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي هو ذو القعدة، وأنزل الله الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ [البقرة: الآية ١٩٤] .
وثالثها: عمرته ﷺ حين قسم غنائم حنين، وكانت من الجعرانة، وكانت في ذي القعدة، ودخل ﷺ مكة ليلا، فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت بها. ومن ثم خفيت على الناس كما تقدم.
ورابعها: عمرته ﷺ مع الحجة الوداع: أي التي دخلت في الحج بناء على أنه أحرم قارنا أو التي أدخلها على الحج بناء على أنه أحرم بالحج خصوصية له، أو عينهما بعد أن أحرم مطلقا على ما تقدم فإنه أحرم لخمس بقين من ذي القعدة. وقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها «اعتمر رسول الله ﷺ ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع» .
وأخرج البخاري ومسلم «أنه ﷺ اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة إلا التي في حجته» أي فإنه لم يوقعها في ذي القعدة، بل أوقعها في ذي الحجة تبعا للحج.
وأما إحرامه بها فكان في ذي القعدة في خمس بقين منه كما تقدم.
وأخرجا أيضا أن عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها وإنا لنسمع صوتها بالسواك تستن، فقلت: يا أبا عبد الرحمن اعتمر رسول الله ﷺ في رجب؟ قال نعم، فقلت لعائشة:
أي أمتاه ألا تسمعني ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول اعتمر رسول الله ﷺ في رجب، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهدها، وفي رواية إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط، أي وإنما اعتمر في ذي القعدة.
стр. 1433
ولكن روى الدارقطني ﵀ عنها رضي الله تعالى عنها أنها قالت «خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت» قال في الهدى إنه غلط عليها وهو الأظهر، فإنه ﷺ ما اعتمر في رمضان قط. أقول: وزاد بعضهم أنه اعتمر أيضا عمرتين عمرة في رجب وعمرة في شوال فيكون اعتمر ستة، إلا أن يقال: يجوز أن يكون مستند القائل اعتمر في رجب قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما المتقدم، وقد تقدم رده وجاز أن يكون قوله اعتمر في شوال أي خرج للعمرة في شوال وهي العمرة التي كانت في ضمن حجة الوداع، والله أعلم.
باب ذكر نبذ من معجزاته ﷺ
التي يمكن التحدي بها، سواء تحدى بها بالفعل كالقرآن وتمنى اليهود الموت أولا. وتلك المعجزة اصطلاحا هي الحاصلة له ﷺ بعد البعثة إلى وفاته. وأما الأمور الحاصلة له بين يدي أيام مولده وبعثته، وقبل ذلك من الأمور الخارقة للعادة الغربية الموهنة للكفر، التي يعجز عن بلوغها قوى البشر، ولا يقدر عليها إلا خالق القوى القدر، لأنها في الاصطلاح يقال لها إرهاصات وتأسيسات للرسالة، ولا تسمى في الاصطلاح معجزات.
وهي إذا تليت على قلب المؤمن زادته إيمانا، وإذا تفكر فيها ذو البصيرة واليقين زادته إيقانا، فإن كل من أرسله الله لم يخله من آية أيده بها مخالفة للعادات، لكون ما يدعيه من الرسالة مخالفا لها، فيستدل بتلك الآية على صدقه فيما يدعيه، لأن اقترانها بدعواه الرسالة تصديق له فيها.
وقد كانت للأنبياء: أي الرسل معجزات مختلفة، أي وهو ﷺ أكثر الرسل معجزة، وأعظمهم آية، وأظهرهم برهانا فقد جاء «ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن عليه البشر» : أي آمنوا بسبب إظهاره «وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إليّ» وهو القرآن لأنه الذي تحداهم به «فأرجو أن أكون أكثرهم تبعا يوم القيامة» .
أي فإنه لما غلب السحر في زمن ﵊ جاءهم بجنسه في معجزاته، فألقى العصا، وفلق البحر. ولما غلب الطب في زمن عيسى ﵊ جاءهم بجنسه، فأحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص. ولما غلبت الفصاحة وقول الشعر في زمن نبينا ﵊ جاءهم بالقرآن. وهذا السياق يدل على أن المعجزة خاصة بالرسل عليهم الصلاة والسلام، ويوافق ذلك قول صاحب المواقف وشرحه، وهي: أي المعجزة بحسب الاصطلاح عبارة عما قصد به إظهار صدق من ادعى أنه رسول الله.
стр. 1434
لكنه قال في شروط المعجزة: الرابع أن يكون أي الأمر الخارق للعادة ظاهرا على يد مدعي النبوة ليعلم أنه تصديق له انتهى. فيحتمل أنه أراد بالنبوة الرسالة.
ويحتمل أنه أراد بها ما يعم الرسالة للشخص لنفسه، فهو رسول إلى نفسه، فتكون المعجزة عامة في حق الرسول والنبي الذي ليس برسول.
ومما يؤيد هذا الثاني قول النسفي ﵀ في عقائده: وأيدهم، قال السعد ﵀: أي الأنبياء بالمعجزات الناقضات للعادات.
ثم قال: وقد روي بيان عددهم في بعض الأحاديث. قال السعد على ما روي «أن النبي ﷺ سئل عن عدد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. وفي رواية، مائتا ألف وأربعة وعشرون الفا» ويؤيده أيضا قول الإمام السنوسي في شرح عقيدته الكبرى: إن معجزة النبي غير الرسول، يجوز أن تتأخر بعد موته، تخلاف معجزة الرسول فإن فيها خلافا إلى آخر ما ذكر. ومما يؤيد هذا الثاني أيضا ما نقله في الخصائص الصغرى عن بعضهم وأقره: فرض الله على الأنبياء إظهار المعجزات ليؤمنوا بها، وفرض على الأولياء كتمان الكرامات لئلا يفتتنوا بها انتهى. فقد قابل بين المعجزة والكرامة. وفيه تصريح بأنه يجب على النبي غير المرسل إظهار المعجزة.
وعن القرافي المالكي ﵀ أنه يجب على النبي أنه يخبر بنبوته، وذكر في الأصل أن الغرض ذكر نبذة من معجزاته ﷺ ، وإلا فمعجزاته ﷺ كالبحر المتدافق بالأمواج.
وقد ذكر بعض العلماء أن معجزاته ﷺ لا تنحصر. وفي كلام بعض آخر أنه ﷺ أعطى ثلاثة آلاف معجزة: أي غير القرآن، فإن فيه ستين، وقيل سبعين ألف معجزة تقريبا.
قال في الخصائص: قال الحليمي: وليس في شيء معجزات غيره ما ينجو نحو اختراع الأجسام، فإن ذلك من معجزات نبينا ﷺ خاصة، هذا كلامه.
وفيه أن هذا معارض بقول الله تعالى حكاية عن عيسى ﵊ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران: الآية ٤٩] الآية. والغرض ذكر تلك النبذة مجموعة وإن كان أكثرها قد سبق لكنه مفرق، أي وأنبه على ما تقدم بقولي أي كما تقدم، وأسكت عن ذلك فيما لم يتقدم.
فمن معجزاته ﷺ وهو أعظمها القرآن، أي لأنه تعالى أتى به مشتملا على أخبار الأمم السالفة وسير الأنبياء الماضية التي عرفها أهل الكتاب، وهو ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا عرف بمجالسة الكهان والأحبار، لأنه ﷺ قد نشأ بين أظهرهم
стр. 1435
في بلد ليس بها عالم يعرف أخبار القرون الماضية والأمم السالفة التي اشتمل عليها، أي ومن كان من العرب يكتب ويقرأ ويجالس الأحبار لم يدرك علم ما أخبر به من القرآن خصوصا عن المغيبات المستقبلة الدالة على صدقه، لوقوعها على ما أخبر به.
وقد أعجز الفصحاء البلغاء، أي لحسن تأليفه والتآم كلماته، بهرت العقول بلاغته، وظهرت على كل قول فصاحته، أحكمت آياته وفصلت كلماته، فحارت فيه عقولهم، وتبلدت فيه أحلامهم، وهم رجال النظم والنثر، وفرسان السجع والشعر.
وقد جاء على وصف مباين لأوصاف كلامهم النثر لأن نظمه لم يكن كنظم الرسائل والخطب ولا الأشعار وأسجاع الكهان وقد تحداهم ودعاهم إلى معارضته والإتيان بأقصر سورة منه، أي وهو دليل قاطع على أنه ﷺ لم يقل له ذلك إلا وهو واثق مستيقن أنهم لا يستطيعون ذلك، لكونه من عند الله، إذا يستحيل أن يقول ﷺ ذلك وهو يعلم أنه الذي تولى نظمه ولم ينزل عليه من عند الله، إذ لا يأمن أن يكون في قومه من يعارضه وهم أهل فصاحة وشعر وخطابة قد بلغوا الدرجة العليا في البلاغة، وهو من جنس كلامهم، فيصير كذابا، ولو كان في استطاعة أحد منهم ذلك لما عدلوا عن ذلك إلى المحاربة التي فيها قتل صناديدهم ونهب أموالهم وسبى ذراريهم، أي لأن النفوس إذا قرعت بمثل هذا استفرغت الوسع في المعارضة، فهو ممتنع في نفسه عن المعارضة، خلافا لمن قال إنما لم تقع المعارضة منهم لأن الله تعالى صرفهم عنها مع وجود قدرتهم عليها، لأنه وإن كان صرفهم عنها فيه إعجاز لكن الإعجاز في الأول أكمل وأتم، وهو اللائق بعظيم فضل القرآن.
ومن ثم لما جاءه الوليد بن المغيرة وكان المقدم في قريش بلاغة وفصاحة، وكان يقال له ريحانة قريش كما تقدم، وقال له ﷺ : اقرأ عليّ، فقرأ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) [النّحل: الآية ٩٠] قال له أعده، فأعاد ذلك قال: والله إن له الحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه. وفي رواية قرأ عليه حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ [غافر: الآيات ١- ٣] الآيات فانطلق حتى أتى منزل أهله بني مخزوم فقال: والله كلام محمد ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن إلى آخر ما تقدم، ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: قد صبأ الوليد، والله لتصبأنّ قريش كلها، فقال أبو جهل لعنه الله: أنا أكفيكموه، فقعد على هيئة الحزين فمر به الوليد، فقال له: ما لي أراك كئيبا؟ قال: وما يمنعني أن أحزن، وهذه قريش قد جمعوا لك نفقة ليعينوك على أمرك، وزعموا أنك إنما زينت قول محمد لتصيب من فضل طعامه، فغضب الوليد وقال: أو ليس قد علمت قريش أني من أكثرهم مالا وولدا،
стр. 1436
وهل يشبع محمد وأصحابه من الطعام؟ فانطلق مع أبي جهل حتى أتى مجلس بني مخزوم فقال: هل تزعمون أن محمدا كذاب فهل رأيتموه كذبكم قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: فتزعمون أنه مجنون فهل رأيتموه خرفكم قط؟ أي أتى بالخرافات من القول؟ قالوا: لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل سمعتموه يخبر بما تخبر به الكهنة؟
قالوا لا، فعند ذلك قالت له قريش، فما هو يا أبا المغيرة؟ فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر.
وقد سمع أعرابي رجلا يقرأ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: الآية ٩٤] فسجد، فقيل له في ذلك؟ فقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام. وسمع آخر رجلا يقرأ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف: الآية ٨٠] فقال: أشهد أن مخلوقا لن يقدر على مثل هذا الكلام.
أي ولما سمع الأصمعي من جارية خماسية أو سداسية فصاحة فعجب منها، فقالت له: أو تعدّ هذا فصاحة بعد قوله تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: الآية ٧] الآية فجمع فيها بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين؟
ولما أراد بعضهم معارضة بعض سوره وقد أوتي من الفصاحة والبلاغة الحظ الأوفى، فسمع صبيا في المكتب يقرأ وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ [هود: الآية ٤٤] رجع عن المعارضة ومحا ما كتبه. وقال والله ما هذا من كلام البشر. قال بعضهم: ولم يتحدّ ﷺ بشيء من معجزاته إلا بالقرآن. قال بعضهم:
كل جملة من القرآن معجزة، وحفظ من التبديل والتحريف على ممر الدهور، وقارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه، بل لا يزال مع تكريره وترديده غضا طريا، تتزايد حلاوته، وتتعاظم محبته، وغيره من الكلام ولو بلغ الغاية يمل من الترداد ويعادي، إذا أعيد يؤنس به في الخلوات ويستراح بتلاوته من شدائد الأزمات، واشتمل على جميع ما اشتملت عليه جميع الكتب الإلهية وزيادة.
وقد قال بعض بطارقة الروم لما أسلم لعمر رضي الله تعالى عنه: إن آية وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [النور: الآية ٥٢] جمعت جميع ما أنزل على عيسى ﵊ من أحوال الدنيا والآخرة.
قال الحليمي في منهاجه: ومن عظم قدر القرآن أن الله خصه بأنه دعوة وحجة، ولم يكن هذا النبي قط، إنما يكون لكل منهم دعوة، ثم يكون له حجة غيرها، وقد جمعهما الله تعالى لرسوله ﷺ في القرآن، فهو دعوة وحجة، دعوة بمعانيه، حجة بألفاظه.
وكفى الدعوة شرفا أن تكون حجتها معها، وكفى حجتها شرفا أن لا تنفصل دعوتها عنها. وجمع كل شيء أي خصوصا الإخبار بالمغيبات، وتوجد على طبق ما
стр. 1437
أخبر به، والإخبار عن القرون السالفة، كقصة موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام، وقصة أهل الكهف، وقصة ذي القرنين. والأمم الماضية كقصص الأنبياء مع أممهم، وتيسره للحفظ، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، ولا تزيغ به الأهواء.
ومنها شق صدره الشريف ﷺ ، أي والتآمه من غير حصول أدنى ضرر ولا مشقة مع تكرر ذلك أربعا أو خمسا كما تقدم.
ومنها إخباره ﷺ عن صفة بيت المقدس: أي لما أخبر قريشا بأنه أسري به إلى بيت المقدس كما تقدم.
ومنها إخباره ﷺ بموت النجاشي يوم موته، وصلاته عليه مع أصحابه، فقال المنافقون: انظروا هذا يصلي على علج نصراني: أي لم يره قط، فأنزل الله تعالى وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [آل عمران: الآية ١٩٩] الآية.
ومنها انشقاق القمر كما تقدم.
ومنها أن الملأ من قريش لما تعاقدوا على قتلة ﷺ في دار الندوة، جاؤوا إلى منزله ﷺ ، وقعدوا إلى بابه، فخرج عليهم وقد خفضوا أبصارهم، وسقطت ذقونهم في صدورهم، وأقبل ﷺ حتى قام على رؤوسهم فقبض قبضة من تراب، والقبضة بضم القاف: الشيء المقبوض، وبفتحها: المرة الواحدة، وقال «شاهت الوجوه» أي قبحت، وألقاها على رؤوسهم، فكل من أصابه شيء من ذلك قتل يوم بدر كما تقدم.
ومنها أنه ﷺ هزم القوم يوم حنين بقبضة من تراب رمى بها في وجوههم كما تقدم له في بدر مثل ذلك.
ومنها نسج العنكبوت عليه ﷺ في الغار، أي وعلى بعض أتباعه كما تقدم.
ومنها ما وقع لسراقة رضي الله تعالى عنه، من غوض قوائم فرسه في الأرض الجلد كما تقدم في خبر الهجرة.
ومنها در الشاة التي لم ينز الفحل عليها كما تقدم في قصة شاة أم معبد. وفي قصة أخرى عن أبي العالية قال: «بعث النبي ﷺ إلى أبياته التسعة يطلب طعاما وعنده ناس من أصحابه فلم يجد، فنظر إلى عناق في الدار ما نتجت قط، فمسح مكان ضرعها، فدفقت بضرع مدلى بين رجليها، فدعا بقعب فحلب فيه، فبعث إلى أبياته قعبا، ثم قعبا، ثم حلب فشرب وشربوا» .
ومنها دعوته ﷺ لعمر رضي الله تعالى عنه أن يعز الله به الإسلام فكان كذلك كما تقدم.
стр. 1438
ومنها دعوته ﷺ لعليّ أن يذهب عنه الحر والبرد فلم يشك واحدا منهما وكان كرم الله وجهه يلبس ثياب الشتاء في الصيف وثياب الصيف في الشتاء ولا يتأثر كما تقدم.
أي ومن ذلك ما حدّث به بلال رضي الله تعالى عنه قال: «أذنت في غداة باردة فخرج النبي ﷺ فلم ير في المسجد أحدا، فقال: أين الناس؟ فقلت: حبسهم البرد.
فقال: اللهم أذهب عنهم البرد، قال: فلقد رأيتهم يتروّحون في الصلاة» .
ومنها دعاؤه ﷺ لعلي كرم الله وجهه وقد أصابه مرض واشتد به وسمعه يقول:
اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرا فاشفني، وإن كان بلاء فصبرني، فقال له النبي ﷺ : كيف قلت؟ فأعاد ذلك عليه، فمسح ﷺ بيده المباركة الشريفة، ثم قال: اللهم اشفه، فما عاد ذلك المرض إليه.
أي ومنها دعاؤه ﷺ لحذيفة رضي الله تعالى عنه في الخندق ليلة انهزام الأحزاب، بأن الله يذهب عنه البرد، فكان كأنه يمشي في حمام كما تقدم.
ومنها أنه ﷺ تفل في عيني علي كرم الله وجهه وهو أرمد، فعوفي من ساعته كما تقدم في خيبر.
أي ومنها أنه ﷺ بصق في نحر كلثوم بن الحصين وقد رمي فيه بسهم يوم أحد فبرأ كما تقدم.
ومنها ﷺ تفل على أثر سهم في وجه أبي قتادة في غزاة ذي قرد، فما ضرب عليه ولا قاح كما تقدم.
ومنها أنه ﷺ تفل على شجة عبد الله بن أنيس فلم تؤلمه كما تقدم.
ومنها أنه ﷺ نفث على ضربة بساق سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه يوم خيبر فبرئت كما تقدم.
أي ومنها أنه ﷺ نفث على رجل ورأس زيد بن معاذ رضي الله تعالى عنه حين أصابهما السيف عند قتل كعب بن الأشرف فبرئا كما تقدم.
ومنها أنه ﷺ نفث على ساق ابن الحكم يوم الخندق وقد انكسرت، فبرأ مكانه ولم ينزل عن فرسه كما تقدم.
ومنها أنه ﷺ نفث على يد معوذ ابن عفراء وقد قطعها عكرمة بن أبي جهل يوم بدر، وجاء يحملها فألصقها رسول الله فالتصقت كما تقدم.
ومنها أن محمد بن حاطب يحدث عن أمه أنها ولدته بأرض الحبشة وأنها خرجت به، قالت: حتى إذا كنت من المدينة على ليلة أو ليلتين طبخت لك طعاما ففني الحطب، فذهبت أطلب، فتناولت القدر فانكفأت على ذراعك، فقدمت
стр. 1439
المدينة، فأتيت بك رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله هذا محمد بن حاطب، وهو أول من سمي بك: أي بعد الإسلام قالت: فتفل رسول الله ﷺ في فيك ومسح على ذراعك ودعا لك ثم تفل على يدك، ثم قال: «أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما» قالت: فما قمت من عنده ﷺ حتى برئت يدك.
ومنها أنه ﷺ نفث على عاتق خبيب وقد أصيبت يوم بدر بضربة على عاتقه حتى مال شقه فرده رسول الله ﷺ مكانه، فالتصق كما تقدم.
ومنها رد عين قتادة بعد أن سالت على خده، فكانت أحسن عينيه كما تقدم.
ومنها أن ضريرا شكا إليه ﷺ ذهاب بصره وأنه لا قائد له، فقال له ﷺ : توضأ وصلّ ركعتين ولقنه دعاء فدعا به فأبصر لوقته.
أي ومنها أن رجلا ابيضت عيناه، فكان لا يبصر بهما شيئا، فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر. قال بعضهم: رأيته وهو ابن ثمانين يدخل الخيط في الإبرة.
ومنها أن عتبة بن فرقد السلمي كان يشم منه رائحة الطيب ولا يمس طيبا، لكونه ﷺ نفث في يده الشريفة ومرّ بها ﷺ على جسده. قال بعض نساء عتبة: كنا أربع نسوة ما منا امرأة إلا وهي تجتهد في الطيب لتكون أطيب من صاحبتها وما يمس عتبة الطيب، وإذا خرج إلى الناس، قالوا: ما شممنا ريحا أطيب من ريح عتبة، فقلن له يوما: إنا لنجهد في الطيب ولأنت أطيب ريحا منا فممّ ذلك؟ فقال:
أخذني الشرا على عهد رسول الله ﷺ ، فشكوت إليه ذلك، فأمرني أن أتجرد فتجردت وقعدت بين يديه ﷺ ، وألقيت ثوبي على فرجي، فنفث ﷺ في يده الشريفة ودلك بها الأخرى ثم مسح ظهري وبطني بيديه فعبق هذا الطيب من يديه يومئذ، وإلى ذلك أشار صاحب الأصل بقوله ﵀ ورحمنا به:
وعتبة لما مسه راح عاطرا ... يضوع الشذا منه بأعطر ما يحوي
ومنها دعوته ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄ بأن الله يعلمه التأويل والفقه في الدين، فعن ابن عباس ﵄ «ضمني رسول الله ﷺ إلى صدره، وقال: اللهم علمه الكتاب» ، وفي لفظ «الحكمة» وعنه ﵁، قال: «أتى النبي ﷺ الخلاء فوضعت له وضوآ، فلما خرج قال: من وضع هذا؟ فأخبر، فقال:
اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل» .
وعن عبد الله بن عمر ﵄، قال: «دعا رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس، قال: اللهم بارك فيه، وانشر منه فكان كما دعا» .
ومنها دعاؤه ﷺ لجمل جابر ﵄، فصار سابقا بعد أن كان مسبوقا كما تقدم.
стр. 1440
ومنها دعاؤه ﷺ لأنس بطول العمر وكثرة المال والولد فكان كما دعا. فقد ذكر أنه عاش فوق المائة، وأخبر عن نفسه أنه أكثر الأنصار مالا، ولم يمت حتى رأى مائة ولد من صلبه، وقد كان دفن مائة وعشرين من أولاده حين قدم الحجاج البصرة، وولد له بعد ذلك.
أي ومنها دعاؤه ﷺ لأم أبي هريرة ﵄ بالإسلام فأسلمت. فعن أبي هريرة ﵁ قال «كنت أدعو أمي للإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله قد كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أمّ أبي هريرة، فقال رسول الله ﷺ : اللهم اهد أم أبي هريرة للإسلام، فخرجت مستبشرا بدعوة النبي ﷺ ، فلما جئت قصدت إلى الباب فإذا هو مجاف: أي مردود، فسمعت أمي حسّ قدمي، فقالت: على رسلك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فخرجت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعوتك، وهدى أمّ أبي هريرة، فحمد الله وقال خيرا.
ومنها دعاؤه ﷺ في تمر حائط جابر ﵁ بالبركة، فأوفى منه ما عليه وهو ثلاثون وسقا بسبب دين استدانه والده من يهودي، وفضل بعد ذلك ثلاثة عشر وسقا. وفي رواية: سبعة عشر وسقا، أي مع قلة ما كان فيه من التمر حتى قال جابر ﵁: كنت أود أن يؤدي الله دين والدي ولا أرجع إلى إخوتي بتمرة واحدة فإن النخل في ذلك العام لم يحمل إلا القليل، وصار رسول الله ﷺ يكلم اليهودي في أن يصبر إلى عام قابل وهو يأبى ويقول: يا أبا القاسم لا أنظره، فقام رسول الله ﷺ فطاف في النخيل، ثم قال: يا جابر جذّ، أي اقطع واقض، فأخذت في الجذاذ ووفيته ثلاثين وسقا وفضل سبعة عشر وسقا، فجئته ﷺ فأخبرته فضحك، وقال:
أخبر بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فذهبت فأخبرته فقال: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله ﷺ ليباركنّ فيها.
وفي لفظ آخر عن جابر: توفي أبي وعليه دين فعرضت على غرمائه أن يأخذوا النخل بما عليه. فأبوا ولم يروا أن فيه وفاء، فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: إذا جذذته ووضعته في المربد فأعلمني فجذذته، فلما وضعته في المربد آذنت رسول الله ﷺ ، فجاء ومعه أبو بكر وعمر فجلس عليه ودعا بالبركة، أي وهذا محمل رواية: ودعا ﷺ في تمر جابر بحذف حائط.
следующие страницы →