← Сира

Сира · id 9873

السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

نور الدين الحلبي

Полный текст (1 574 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وهل يشبع محمد وأصحابه من الطعام؟ فانطلق مع أبي جهل حتى أتى مجلس بني مخزوم فقال: هل تزعمون أن محمدا كذاب فهل رأيتموه كذبكم قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: فتزعمون أنه مجنون فهل رأيتموه خرفكم قط؟ أي أتى بالخرافات من القول؟ قالوا: لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل سمعتموه يخبر بما تخبر به الكهنة؟ قالوا لا، فعند ذلك قالت له قريش، فما هو يا أبا المغيرة؟ فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر. وقد سمع أعرابي رجلا يقرأ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: الآية ٩٤] فسجد، فقيل له في ذلك؟ فقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام. وسمع آخر رجلا يقرأ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف: الآية ٨٠] فقال: أشهد أن مخلوقا لن يقدر على مثل هذا الكلام. أي ولما سمع الأصمعي من جارية خماسية أو سداسية فصاحة فعجب منها، فقالت له: أو تعدّ هذا فصاحة بعد قوله تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: الآية ٧] الآية فجمع فيها بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين؟ ولما أراد بعضهم معارضة بعض سوره وقد أوتي من الفصاحة والبلاغة الحظ الأوفى، فسمع صبيا في المكتب يقرأ وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ [هود: الآية ٤٤] رجع عن المعارضة ومحا ما كتبه. وقال والله ما هذا من كلام البشر. قال بعضهم: ولم يتحدّ ﷺ بشيء من معجزاته إلا بالقرآن. قال بعضهم: كل جملة من القرآن معجزة، وحفظ من التبديل والتحريف على ممر الدهور، وقارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه، بل لا يزال مع تكريره وترديده غضا طريا، تتزايد حلاوته، وتتعاظم محبته، وغيره من الكلام ولو بلغ الغاية يمل من الترداد ويعادي، إذا أعيد يؤنس به في الخلوات ويستراح بتلاوته من شدائد الأزمات، واشتمل على جميع ما اشتملت عليه جميع الكتب الإلهية وزيادة. وقد قال بعض بطارقة الروم لما أسلم لعمر رضي الله تعالى عنه: إن آية وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [النور: الآية ٥٢] جمعت جميع ما أنزل على عيسى ﵊ من أحوال الدنيا والآخرة. قال الحليمي في منهاجه: ومن عظم قدر القرآن أن الله خصه بأنه دعوة وحجة، ولم يكن هذا النبي قط، إنما يكون لكل منهم دعوة، ثم يكون له حجة غيرها، وقد جمعهما الله تعالى لرسوله ﷺ في القرآن، فهو دعوة وحجة، دعوة بمعانيه، حجة بألفاظه. وكفى الدعوة شرفا أن تكون حجتها معها، وكفى حجتها شرفا أن لا تنفصل دعوتها عنها. وجمع كل شيء أي خصوصا الإخبار بالمغيبات، وتوجد على طبق ما

стр. 1437

أخبر به، والإخبار عن القرون السالفة، كقصة موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام، وقصة أهل الكهف، وقصة ذي القرنين. والأمم الماضية كقصص الأنبياء مع أممهم، وتيسره للحفظ، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، ولا تزيغ به الأهواء. ومنها شق صدره الشريف ﷺ ، أي والتآمه من غير حصول أدنى ضرر ولا مشقة مع تكرر ذلك أربعا أو خمسا كما تقدم. ومنها إخباره ﷺ عن صفة بيت المقدس: أي لما أخبر قريشا بأنه أسري به إلى بيت المقدس كما تقدم. ومنها إخباره ﷺ بموت النجاشي يوم موته، وصلاته عليه مع أصحابه، فقال المنافقون: انظروا هذا يصلي على علج نصراني: أي لم يره قط، فأنزل الله تعالى وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [آل عمران: الآية ١٩٩] الآية. ومنها انشقاق القمر كما تقدم. ومنها أن الملأ من قريش لما تعاقدوا على قتلة ﷺ في دار الندوة، جاؤوا إلى منزله ﷺ ، وقعدوا إلى بابه، فخرج عليهم وقد خفضوا أبصارهم، وسقطت ذقونهم في صدورهم، وأقبل ﷺ حتى قام على رؤوسهم فقبض قبضة من تراب، والقبضة بضم القاف: الشيء المقبوض، وبفتحها: المرة الواحدة، وقال «شاهت الوجوه» أي قبحت، وألقاها على رؤوسهم، فكل من أصابه شيء من ذلك قتل يوم بدر كما تقدم. ومنها أنه ﷺ هزم القوم يوم حنين بقبضة من تراب رمى بها في وجوههم كما تقدم له في بدر مثل ذلك. ومنها نسج العنكبوت عليه ﷺ في الغار، أي وعلى بعض أتباعه كما تقدم. ومنها ما وقع لسراقة رضي الله تعالى عنه، من غوض قوائم فرسه في الأرض الجلد كما تقدم في خبر الهجرة. ومنها در الشاة التي لم ينز الفحل عليها كما تقدم في قصة شاة أم معبد. وفي قصة أخرى عن أبي العالية قال: «بعث النبي ﷺ إلى أبياته التسعة يطلب طعاما وعنده ناس من أصحابه فلم يجد، فنظر إلى عناق في الدار ما نتجت قط، فمسح مكان ضرعها، فدفقت بضرع مدلى بين رجليها، فدعا بقعب فحلب فيه، فبعث إلى أبياته قعبا، ثم قعبا، ثم حلب فشرب وشربوا» . ومنها دعوته ﷺ لعمر رضي الله تعالى عنه أن يعز الله به الإسلام فكان كذلك كما تقدم.

стр. 1438

ومنها دعوته ﷺ لعليّ أن يذهب عنه الحر والبرد فلم يشك واحدا منهما وكان كرم الله وجهه يلبس ثياب الشتاء في الصيف وثياب الصيف في الشتاء ولا يتأثر كما تقدم. أي ومن ذلك ما حدّث به بلال رضي الله تعالى عنه قال: «أذنت في غداة باردة فخرج النبي ﷺ فلم ير في المسجد أحدا، فقال: أين الناس؟ فقلت: حبسهم البرد. فقال: اللهم أذهب عنهم البرد، قال: فلقد رأيتهم يتروّحون في الصلاة» . ومنها دعاؤه ﷺ لعلي كرم الله وجهه وقد أصابه مرض واشتد به وسمعه يقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرا فاشفني، وإن كان بلاء فصبرني، فقال له النبي ﷺ : كيف قلت؟ فأعاد ذلك عليه، فمسح ﷺ بيده المباركة الشريفة، ثم قال: اللهم اشفه، فما عاد ذلك المرض إليه. أي ومنها دعاؤه ﷺ لحذيفة رضي الله تعالى عنه في الخندق ليلة انهزام الأحزاب، بأن الله يذهب عنه البرد، فكان كأنه يمشي في حمام كما تقدم. ومنها أنه ﷺ تفل في عيني علي كرم الله وجهه وهو أرمد، فعوفي من ساعته كما تقدم في خيبر. أي ومنها أنه ﷺ بصق في نحر كلثوم بن الحصين وقد رمي فيه بسهم يوم أحد فبرأ كما تقدم. ومنها ﷺ تفل على أثر سهم في وجه أبي قتادة في غزاة ذي قرد، فما ضرب عليه ولا قاح كما تقدم. ومنها أنه ﷺ تفل على شجة عبد الله بن أنيس فلم تؤلمه كما تقدم. ومنها أنه ﷺ نفث على ضربة بساق سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه يوم خيبر فبرئت كما تقدم. أي ومنها أنه ﷺ نفث على رجل ورأس زيد بن معاذ رضي الله تعالى عنه حين أصابهما السيف عند قتل كعب بن الأشرف فبرئا كما تقدم. ومنها أنه ﷺ نفث على ساق ابن الحكم يوم الخندق وقد انكسرت، فبرأ مكانه ولم ينزل عن فرسه كما تقدم. ومنها أنه ﷺ نفث على يد معوذ ابن عفراء وقد قطعها عكرمة بن أبي جهل يوم بدر، وجاء يحملها فألصقها رسول الله فالتصقت كما تقدم. ومنها أن محمد بن حاطب يحدث عن أمه أنها ولدته بأرض الحبشة وأنها خرجت به، قالت: حتى إذا كنت من المدينة على ليلة أو ليلتين طبخت لك طعاما ففني الحطب، فذهبت أطلب، فتناولت القدر فانكفأت على ذراعك، فقدمت

стр. 1439

المدينة، فأتيت بك رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله هذا محمد بن حاطب، وهو أول من سمي بك: أي بعد الإسلام قالت: فتفل رسول الله ﷺ في فيك ومسح على ذراعك ودعا لك ثم تفل على يدك، ثم قال: «أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما» قالت: فما قمت من عنده ﷺ حتى برئت يدك. ومنها أنه ﷺ نفث على عاتق خبيب وقد أصيبت يوم بدر بضربة على عاتقه حتى مال شقه فرده رسول الله ﷺ مكانه، فالتصق كما تقدم. ومنها رد عين قتادة بعد أن سالت على خده، فكانت أحسن عينيه كما تقدم. ومنها أن ضريرا شكا إليه ﷺ ذهاب بصره وأنه لا قائد له، فقال له ﷺ : توضأ وصلّ ركعتين ولقنه دعاء فدعا به فأبصر لوقته. أي ومنها أن رجلا ابيضت عيناه، فكان لا يبصر بهما شيئا، فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر. قال بعضهم: رأيته وهو ابن ثمانين يدخل الخيط في الإبرة. ومنها أن عتبة بن فرقد السلمي كان يشم منه رائحة الطيب ولا يمس طيبا، لكونه ﷺ نفث في يده الشريفة ومرّ بها ﷺ على جسده. قال بعض نساء عتبة: كنا أربع نسوة ما منا امرأة إلا وهي تجتهد في الطيب لتكون أطيب من صاحبتها وما يمس عتبة الطيب، وإذا خرج إلى الناس، قالوا: ما شممنا ريحا أطيب من ريح عتبة، فقلن له يوما: إنا لنجهد في الطيب ولأنت أطيب ريحا منا فممّ ذلك؟ فقال: أخذني الشرا على عهد رسول الله ﷺ ، فشكوت إليه ذلك، فأمرني أن أتجرد فتجردت وقعدت بين يديه ﷺ ، وألقيت ثوبي على فرجي، فنفث ﷺ في يده الشريفة ودلك بها الأخرى ثم مسح ظهري وبطني بيديه فعبق هذا الطيب من يديه يومئذ، وإلى ذلك أشار صاحب الأصل بقوله ﵀ ورحمنا به: وعتبة لما مسه راح عاطرا ... يضوع الشذا منه بأعطر ما يحوي ومنها دعوته ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄ بأن الله يعلمه التأويل والفقه في الدين، فعن ابن عباس ﵄ «ضمني رسول الله ﷺ إلى صدره، وقال: اللهم علمه الكتاب» ، وفي لفظ «الحكمة» وعنه ﵁، قال: «أتى النبي ﷺ الخلاء فوضعت له وضوآ، فلما خرج قال: من وضع هذا؟ فأخبر، فقال: اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل» . وعن عبد الله بن عمر ﵄، قال: «دعا رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس، قال: اللهم بارك فيه، وانشر منه فكان كما دعا» . ومنها دعاؤه ﷺ لجمل جابر ﵄، فصار سابقا بعد أن كان مسبوقا كما تقدم.

стр. 1440

ومنها دعاؤه ﷺ لأنس بطول العمر وكثرة المال والولد فكان كما دعا. فقد ذكر أنه عاش فوق المائة، وأخبر عن نفسه أنه أكثر الأنصار مالا، ولم يمت حتى رأى مائة ولد من صلبه، وقد كان دفن مائة وعشرين من أولاده حين قدم الحجاج البصرة، وولد له بعد ذلك. أي ومنها دعاؤه ﷺ لأم أبي هريرة ﵄ بالإسلام فأسلمت. فعن أبي هريرة ﵁ قال «كنت أدعو أمي للإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله قد كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أمّ أبي هريرة، فقال رسول الله ﷺ : اللهم اهد أم أبي هريرة للإسلام، فخرجت مستبشرا بدعوة النبي ﷺ ، فلما جئت قصدت إلى الباب فإذا هو مجاف: أي مردود، فسمعت أمي حسّ قدمي، فقالت: على رسلك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فخرجت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعوتك، وهدى أمّ أبي هريرة، فحمد الله وقال خيرا. ومنها دعاؤه ﷺ في تمر حائط جابر ﵁ بالبركة، فأوفى منه ما عليه وهو ثلاثون وسقا بسبب دين استدانه والده من يهودي، وفضل بعد ذلك ثلاثة عشر وسقا. وفي رواية: سبعة عشر وسقا، أي مع قلة ما كان فيه من التمر حتى قال جابر ﵁: كنت أود أن يؤدي الله دين والدي ولا أرجع إلى إخوتي بتمرة واحدة فإن النخل في ذلك العام لم يحمل إلا القليل، وصار رسول الله ﷺ يكلم اليهودي في أن يصبر إلى عام قابل وهو يأبى ويقول: يا أبا القاسم لا أنظره، فقام رسول الله ﷺ فطاف في النخيل، ثم قال: يا جابر جذّ، أي اقطع واقض، فأخذت في الجذاذ ووفيته ثلاثين وسقا وفضل سبعة عشر وسقا، فجئته ﷺ فأخبرته فضحك، وقال: أخبر بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فذهبت فأخبرته فقال: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله ﷺ ليباركنّ فيها. وفي لفظ آخر عن جابر: توفي أبي وعليه دين فعرضت على غرمائه أن يأخذوا النخل بما عليه. فأبوا ولم يروا أن فيه وفاء، فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: إذا جذذته ووضعته في المربد فأعلمني فجذذته، فلما وضعته في المربد آذنت رسول الله ﷺ ، فجاء ومعه أبو بكر وعمر فجلس عليه ودعا بالبركة، أي وهذا محمل رواية: ودعا ﷺ في تمر جابر بحذف حائط.

стр. 1441

وقد يقال: يجوز أن يكون ﷺ طاف في النخل أوّلا ودعا، ثم لما قطع التمر ووضع في المربد جاء وجلس عليه ودعا فلا مخالفة، ثم قال ﷺ : ادع غرماءك فأوفهم، فما تركت أحدا له دين إلا قضيته وفضل مثله، فجئت رسول الله ﷺ فبشرته، فقال: أشهد أني رسول الله. ومنها استسقاؤه ﷺ فأمطرت السماء أسبوعا، ثم شكي له من كثرة المطر فاستصحى لهم فانجاب السحاب كما تقدم. ومنها أنه ﷺ دعا على عتيبة بالتصغير ابن أبي لهب بأن يسلط عليه كلب فافترسه الأسد من بين القوم كما تقدم، أي والأسد إنما يسمى كلبا لأنه يشبه الكلب في أنه إذا بال رفع رجله، ومن ثم قيل: إن كلب أهل الكهف كان أسدا. وحكي أنه كان رجلا يسمى بالكلب لملازمته للحراسة. ويرده ما جاء ليس في الجنة من الدواب إلا كلب أهل الكهف، وحمار العزير، وناقة صالح، وتقدم ذلك مع زيادة. وأما عتبة مكبرا فقد أسلم يوم فتح مكة هو وأخوه معتب هذا هو المشهور وبعضهم عكس، فقال: عتبة المكبر هو عقير الأسد، وعتيبة المصغر هو الذي أسلم يوم الفتح. ومنها شهادة الشجرة له ﷺ بالرسالة في خبر الأعرابي الذي دعاه إلى الإسلام، فقال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال: نعم هذه الشجرة ادعها، فدعاها فأقبلت فاستشهدها فشهدت أنه كما قال ثلاثا ثم رجعت إلى منبتها. ومنها أمره ﷺ للشجرتين اللتين كانتا بشاطىء الوادي أن يجتمعا ليستتر بهما عند قضاء الحاجة، فاجتمعا ثم افترقتا وذهبتا إلى محلهما كما تقدم في غزاة خيبر. ومنها أمره ﷺ أنسا أن يتلطف إلى نخلاته يقول لهن، أمركن رسول الله ﷺ أن تجتمعن ليقضي حاجته بينكن، فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهن بالعود إلى أماكنهن فعدن كما تقدم. ومنها مجيء الشجرة إليه ﷺ لتظله وتسلم عليه. فقد جاء أنه ﷺ نام: أي في الشمس فجاءت شجرة تشق الأرض حتى قامت عليه، فلما استيقظ ذكر له ذلك. فقال: هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلم عليّ فأذن لها. ومنها حنين الجذع إليه ﷺ كما تقدم. ومنها تسبيح الحصا في كفه ﷺ كما تقدم. أي ومنها تأمين أسكفة الباب وحوائط البيت على دعائه ﷺ آمين آمين آمين كما تقدم. ومنها تسبيح الطعام بين أصابعه الشريفة ﷺ . ومنها إعلام الشاة المسمومة له ﷺ بأنها مسمومة كما تقدم. ومنها شكوى البعير له ﷺ قلة العلف وكثرة العمل كما تقدم.

стр. 1442

أي ومنها شكوى بعض الطيور له ﷺ بسبب أخذ بيضة أو فراخه. فقد جاء: «أن حمرة جاءت فوق رأسه، فقال ﷺ : أيكم فجع هذه؟ فقال رجل من القوم: أنا أخذت بيضها، فقال: رده رده رحمة لها» . وفي لفظ: «من فجع هذه بفرخيها؟ فقلن: نحن، فقال ﷺ : ردوهما إلى موضعهما» ولا مانع من وجود البيض مع الفراخ. ومنها سجود البعير له ﷺ الذي استصعب على أهله وصار كالكلب الكلب لا يقدر أن يقرب إليه كما تقدم. ومنها سجود الغنم له ﷺ في بعض حوائط الأنصار كما تقدم. ومنها تكليم الجمل له ﷺ كما تقدم. ومنها تكليم الحمار له ﷺ في خيبر، وهو اليعفور كما تقدم. ومنها شهادة الجمل عنده ﷺ أنه لصاحبه الأعرابي دون من ادعاه. ففي المعجم الكبير للطبراني عن زيد بن ثابت ﵁، قال: «كنا مع رسول الله ﷺ فبصرنا بأعرابي أخذ بخطام بعيره حتى وقف على النبي ﷺ ونحن حوله، فقال: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، فرد عليه النبي ﷺ السلام. وجاء رجل آخر كأنه حرسي، فقال الحرسي: يا رسول الله هذا الأعرابي سرق سرب البعير، فرغا البعير ساعة وحنّ فأنصت له رسول الله ﷺ ساعة فسمع رغاءه وحنينه، فلما هدأ البعير أقبل على النبي ﷺ فقال للرجل: انصرف عنه فإن البعير شهد عليك أنك كاذب فانصرف، وأقبل النبي ﷺ على الأعرابي؟ فقال: أي شيء، قلت حين جئت لي، قال: قلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ﷺ صلّ على محمد حتى لا تبقى صلاة، وبارك على محمد حتى لا تبقى بركة، اللهم سلم على محمد حتى لا يبقى سلام، اللهم وارحم محمدا حتى لا يبقى رحمة، فقال رسول الله ﷺ : إن الله أبداها لي والبعير ينطق بعذرك وإن الملائكة قد سدوا الأفق. أي ومنها سؤال الظبية له ﷺ ، أن يخلصها لترضع ولدها وتعود، فخلصها، وعادت وتلطفت بالشهادتين. فعن أبي سعيد الخدري ﵁: «مرّ رسول الله ﷺ على ظبية مربوطة إلى خباء، فقالت: يا رسول الله خلصني حتى أذهب فأرضع خشفي ثم أرجع فتربطني، فقال لها: صيد قوم وربيطة قوم، ثم استحلفها أن ترجع، فحلفت له، فحلها فمكثت قليلا ثم جاءت وقد نفضت ضرعها، فربطها رسول الله ﷺ ، ثم أتى خباء أصحابها فاستوهبها منهم فوهبوها له فحلّها. وعن زيد بن أرقم نحو هذا، وزاد فأنا والله رأيتها لتسبيح في البرية وتقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وذكر بعضهم أن حديث الغزالة موضوع:

стр. 1443

أي ومنها شهادة الذئب له ﷺ بالرسالة كما تقدم. ومنها شهادة الضبّ له ﷺ بالرسالة كما تقدم. ومنها إخباره ﷺ عن مصارع المشركين ببدر، فلم يعد أحد منهم من مصرعه كما تقدم. ومنها إخباره ﷺ بأن طائفة من أمته يغزون البحر، وأن أم حرام بالراء المهملة بنت ملحان منهم، فكان كذلك كما تقدم. ومنها إخباره ﷺ لعثمان بن عفان ﵁ بأنه تصيبه بلوى شديدة فأصابته وقتل فيها. ومنها قوله ﷺ للأنصار: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني» والأثرة: بضم الهمزة وسكون الثاء المثلثة: أي يستأسر عليكم غيركم بأمور الدنيا، فكان ما وقع في زمن معاوية في وقعة الجمل وصفين، وفي زمن ولده يزيد في وقعة الحرة كما تقدم. ومنها إخباره ﷺ بأنه لا يبقى أحد من أصحابه بعد المائة: أي من الهجرة. والذي ينبغي أن تكون المائة من حين وفاته ﷺ ، لأن أبا الطفيل ﵁ آخر من مات من الصحابة فكان موته بعد المائة من الوفاة. وعن أبي الطفيل ﵁ قال: «وضع رسول الله ﷺ يده على رأسي، وقال: يعيش هذا الغلام قرنا فعاش مائة سنة» . ومنها إخباره ﷺ بالمغيبات وهو باب واسع جدا. فمن ذلك أنه جيء إليه ﷺ برجل سرق، فقال: اقتلوه، فقيل له أنه سرق. فقال: اقطعوه، ثم أتي به بعد إلى أبي بكر ﵁ وقد سرق فقطع، ثم ثالثة ورابعة إلى أن قطعت قوائمه، ثم جيء به إلى أبي بكر وقد سرق، فقال له أبو بكر ﵁: لا أجد لك شيئا إلا ما قضى به فيك رسول الله ﷺ يوم أمر بقتلك، فإنه كان أعلم بذلك، ثم أمر بقتله. ومنها قوله ﷺ لقيس بن خرشة العبسي ﵁ وقد قال له: «يا رسول الله أبايعك على ما جاء من الله، وعلى أن أقول الحق: يا قيس عسى إن مرّ بك الدهر أن يليك ولاة لا تستطيع أن تقول معهم الحق، فقال قيس: لا والله لا أبايعك على شيء إلا وفيت به، فقال له رسول الله ﷺ : إذن لا يضرك شيء» وكان قيس ﵁ يعيب زيادا وابنه عبيد الله بن زياد ومن بعده، فبلغ ذلك عبيد الله بن زياد، فأرسل إليه فقال له: أنت الذي تفتري على الله وعلى رسوله؟ فقال: لا والله ولكن إن شئت أخبرتك بمن يفتري على الله ورسوله؟ قال: ومن هو؟ قال: من ترك

стр. 1444

العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال: ومن ذلك؟ قال: أنت وأبوك ومن أمركما. قال: وأنت الذي تزعم أنك لا يضرك بشر؟ قال نعم. قال: لتعلمنّ اليوم أنك كاذب، ائتوني بصاحب العذاب، فمال قيس عند ذلك فمات. ومن ذلك قوله ﷺ لزوجاته: «أيتكن تنبحها كلاب الحوأب؟ وأيتكن صاحبة الجمل الأديب» بالدال المهملة والفك لغة في الأدب بالإدغام: وهو كثير الشعر «يقتل حولها قتلى كثير وتنجو بعد ما كادت» فكانت تلك عائشة ﵂، فإنه لما قتل عثمان بن عفان ﵁ كانت عائشة بمكة، لأنها خرجت إلى مكة وهو محاصر وكلمها مروان بن الحكم في عدم الخروج، وقال لها: لا تخرجي يا أماه، فجاء إليها طلحة والزبير ﵄ بعد أن بايعا عليا على كره، واستأذنا عليا كرم الله وجهه في العمرة فأذن لهما فقدما مكة، وخرجت بنو أمية من المدينة ولحقت بمكة قبل المبايعة لعليّ، فخرج مروان وغيره من أهل المدينة، وجاء إلى عائشة ﵂ يعلى بن أمية ﵁ وكان عاملا لعثمان باليمن. فلما بلغه حصار عثمان قدم لنصرته فسقط من على بعيره في أثناء الطريق فكسر فخذه، وبلغه قتل عثمان، فلا زالوا بعائشة حتى وافقت على الخروج إلى العراق في طلب دم عثمان ﵁، ودفع لها ذلك الجمل يعلى بن أمية اشتراه بمائتي دينار، وأعان الزبير بأربعمائة ألف دينار، وصار يقول: من خرج في طلب دم عثمان فعليّ جهازه، فحمل سبعين رجلا من قريش، وطلبت عائشة ﵂ عبد الله بن عمر ﵄ أن يكون معها. فقال: معاذ الله أن أدخل في الفتنة، ويقال إن طلحة والزبير دعوا عبد الله بن عمر ﵃ إلى الخروج معهم، فقال لهم: أما تخافون الله أيها القوم، وتدعوا هذا الأباطيل عنكم؟ وكيف أضرب في وجه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالسيف وقد عرفت فضله وسابقته ومكانته من رسول الله ﷺ ، وإنكما بايعتماه وسألتماه القيام بهذا الأمر ثم نكثتما بعد أن جعل الله عليكما شهيدا، وإنه ما بدل ولا غير. والقاتل لعثمان رضي الله تعالى عنه أخو زعيمتكم ورئيستكم يعني بعائشة وأخوها محمد بن أبي بكر ﵃، فإنه أخذ بلحيته فضربها حتى تقلقلت أضراسه وضربه بالمشقص، فلما كانت عائشة ﵂ في أثناء الطريق سمعت كلابا تنبح، فسألت عن ذلك المحل، فقيل لها: هذا الحوأب، فأرادت الرجوع لما تذكرت ما قال لها رسول الله ﷺ . أي فإنها صرخت وأناخت بعيرها، وقالت: والله أنا صاحبة الحوأب، ردوني ردوني ردوني. فعند ذلك يقال إن طلحة والزبير أحضرا خمسين رجلا شهدوا أن هذا ليس بماء الحوأب، وأن المخبر لها كذاب. قال الشعبي: وهي أول شهادة زورت في الإسلام، وقال لها الزبير رضي الله

стр. 1445

عنه: ولعل الله أن يصلح بك بين الناس، فلما بلغ عليا كرم الله وجهه توجه عائشة ومن ذكر معها إلى العراق توجه إلى العراق بعد أن كان أراد الذهاب إلى الشام وقام في الناس، وقال: ألا إن طلحة والزبير وأم المؤمنين قد تمالؤوا على سخط إمارتي، وإني خارج إليهم، ثم جاءه الخبر أن ستين ألف شيخ تبكي تحت قميص عثمان، وهو منصوب على منبر دمشق ومعلق فيه أصابع زوجة عثمان، فقال: أمني يطلبون دم عثمان؟. ولما أراد الخروج جاءه عبد الله بن سلام ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين لا تخرج منها: أي المدينة، فو الله لئن خرجت منها لا يرجع إليها سلطان المسلمين فسبوه، وقالوا له: يا بن اليهودية ما لك ولهذا الأمر؟ فقال لهم علي كرم الله وجهه: دعوا الرجل، فنعم الرجل من أصحاب محمد ﷺ . ثم إن طلحة والزبير وأم المؤمنين وصلوا إلى البصرة ووقع بينهم وبين أهل البصرة مقتلة كبيرة، بعد أن افترقوا فرقتين إحداهما تقول صدقت وبرت، يعني عائشة وجاءت بالمعروف. وقالت الأخرى كذبت. ثم انحازت الأخرى إلى عسكر أم المؤمنين وقهروا أهل البصرة، ونادى منادي الزبير وطلحة: ألا من كان عنده أحد ممن غزا المدينة فليأت به، فجيء بهم كما يجاء بالكلاب وكانوا ستمائة فقتلوا فما أفلت منهم من أهل البصرة إلا حرقوص بن زهير. وكتب طلحة والزبير إلى أهل الشام: إنا خرجنا لوضع الحرب وإقامة كتاب الله، فوافقنا خيار أهل البصرة وخالفنا شرارهم، ولم يفلت من قتلة أمير المؤمنين عثمان من أهل البصرة إلا حرقوص بن زهير، والله مقيده إن شاء الله. وكتبوا لأهل الكوفة بمثله وكتبوا إلى أهل اليمامة بمثل ذلك، وكتبوا إلى أهل المدينة بمثل ذلك. ثم سار علي كرم الله وجهه إلى البصرة، ثم أرسل إلى أهل الكوفة يستنفرهم إليه فنفروا إليه بعد أمور يطول ذكرها، وكانوا سبعة آلاف. والتقى الجيشان جيش علي كرم الله وجهه وجيش عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، بعد أن كتب لطلحة والزبير: أما بعد، فقد علمتما أني لم أرد البيعة حتى أكرهت عليها، وأنتما ممن رضي ببيعتي وألزمني إياها، فإن كنتما بايعتما طائعين فتوبا إلى الله وارجعا عما أنتما عليه فإنك يا طلحة شيخ المهاجرين، وأنت يا زبير فارس قريش، لو دفعتما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه لكان أوسع لكما من خروجكما منه والسلام. وكتب لعائشة ﵂: أما بعد، فإنك قد خرجت من بيتك تزعمين أنك تريدين الإصلاح بين المسلمين، وطلبت بزعمك دم عثمان وأنت بالأمس تؤلبين عليه فتقولين في ملأ من أصحاب رسول الله ﷺ اقتلوا نعثلا فقد كفر، قتله الله، واليوم تطلبين بثأره، فاتقي الله وارجعي إلى بيتك وأسبلي عليك سترك قبل أن يفضحك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فلما قرؤوا الكتابين عرفوا أنه على الحق.

стр. 1446

وعند ذلك خرج طلحة والزبير ﵄ على فرسين وخرج إليهما علي كرم الله وجهه، ودنا كل واحد من الآخر. فقال لهما عليّ: لعمري لقد أعددتما خيلا ورجالا وسلاحا، فاتقيا الله ولا تكونا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً [النحل: الآية ٩٢] ألم تكونا: أخويّ في الله تحرمان دمي وأحرم دمكما؟ فقال له طلحة ﵁: ألبت الناس على عثمان، فقال له علي كرم الله وجهه: أنتما خذلتما، حتى قتل، فسلط الله اليوم على أشرنا على عثمان ما يكره، ثم توافقوا على الصلح، وقتل من كان له دخل في قتل عثمان ﵁. وبات الفريقان على ذلك. وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة وباتوا يتشاورون. ثم اتفقوا على إنشاب الحرب، فلما كان وقت الغلس ثاروا ووضعوا السلاح، فثار الناس، فخرج طلحة والزبير في وجوه الناس. وقالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا جيش عليّ فقالا: علمنا أن عليا غير سيفه حتى يسفك الدماء، ويستحل الحرمة: فقام علي كرم الله وجهه في وجوه الناس. وقال: ما هذا، قالوا: طرقنا جيش عائشة. فقال: لقد علمت أن طلحة والزبير غير سفيهين حتى يسفكا الدماء ويستحلا الحرمة، ونشبت الحرب فألبسوا هودج عائشة ﵂ الدروع، ووقفت على الجمل، وصار كل من أخذ زمامه قتل، وقتل طلحة ﵁ جاءه سهم غرب يقال أرسله له مروان بن الحكم وهو كان في جيش أم المؤمنين. وفر الزبير ﵁ لما قال له علي كرم الله وجهه: يا زبير أتذكر لما قال لك رسول الله ﷺ : إنك تقاتلني وأنت ظالم لي؟ فقال: والله لو ذكرت ذلك ما قاتلتك ولا سرت سيري هذا، ولكن رجوعي عين العار فقال له علي كرم الله وجهه: ترجع بالعار ولا ترجع بالنار، فترك وذهب، وصار الهودج مثل القنفذ من كثرة النشاب. فعند ذلك عقروا الجمل، ووقع الهودج على الأرض، وجعلت تقول عائشة ﵂: يا بني اتبعنه اتبعنه. وعند ذلك قال علي كرم الله وجهه لمحمد بن أبي بكر ﵄، انظر أختك هل أصابها شيء؟ فلما جاءها وأدخل يده، قالت: من أنت؟ قال: ابن الخثعمية، قالت: محمد؟ قال نعم. قالت: بأبي أنت وأمي، الحمد لله الذي عافاك. وفي رواية قال لها: أخوك محمد البار، فقالت: بل مذمم العاق فضرب عليها فسطاطا، فلما كان من آخر الليل خرج بها، وأدخلها البصرة وأنزلها في دار صفية بنت الحارث أم طلحة الطلحات، وبكت عائشة ﵂ بكاء كثيرا وقالت: وددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وقد قال علي كرم الله وجهه مثل ذلك لما رأى من كثرة القتلى، فقد قيل: إن القتلى بلغت عشرة آلاف، وقيل ثلاثة عشر ألفا.

стр. 1447

ثم إن عليا كرم الله وجهه صلى على القتلى من الفريقين، ثم دخل البصرة على بغلته متوجها لعائشة ﵂، فلما دخل عليها سلم عليها وقعد عندها ثم جهزها بكل شيء ينبغي لها، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وأمرهن بلبس العمائم وتقليد السيوف، ثم قال لهن: لا تعلمنها بأنكن نسوة وتلثمن مثل الرجال وكن حولها من بعيد ولا تقربنها، وقال لأخيها محمد: تجهز معها. وفي رواية جهز معها أخاها عبد الرحمن في جماعة من شيوخ الصحابة. فلما كان يوم خروجها جاء إليها علي كرم الله وجهه ووقف الناس وخرجت فودعها وودعتهم، وقالت: يا بني والله ما كان بيني وبين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي عليه عندي لمن الأخيار، فقال علي: أيها الناس صدقت والله وبرت، ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، وذهب معها نحو سبعة أميال: ثم ذهبت إلى مكة حتى حجت، ثم رجعت إلى المدينة وعلمت عند وصولها إلى مكة أن هؤلاء الرجال حولها نساء فإنهن كشفن عن وجوههن وعرفنها الحال فشكرت وقالت: والله لا يزداد ابن أبي طالب إلا كرما. وقيل إن كعب بن سعد أتى عائشة رضي الله تعالى عنها وقال: لعل الله أن يصلح بك، والأولى الصلح والسكون والنظر في قتلة عثمان بعد ذلك، فوافقت وركبت هودجها وقد ألبسوه الأدراع ثم بعثوا جملها وذهب إلى علي كرم الله وجهه وقال له مثل ذلك، فقال له: قد أحسنت، وأشرف القوم على الصلح، فخافت قتلة عثمان ﵁ فأشار عليهم ابن السوداء الذي هو السبائي الذي هو أصل الفتنة أن يفترقوا فرقتين تكون كل فرقة في عسكر من العسكرين، فإذا جاء وقت السحر ضربت كل فرقة منهما إلى العسكر الذي فيه الفرقة الأخرى فنادت كل فرقة في العسكر الذي هي فيه غررنا، ففعلوا ذلك، فنشبت الحرب وحصل ما تقدم. ومن ذلك قوله ﷺ في الحسن ﵁: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فصالح معاوية ﵄، وحقن دماء الفئتين من المسلمين. أي فإن الحسن ﵁ لما بويع له بالخلافة يوم مات أبوه كان في الخلافة سبعة أشهر، وقيل ستة أشهر. ولما سار إلى قتال معاوية كان معه أكثر من أربعين ألفا، فلما سار عدا عليه شخص وضربه بخنجر في فخذه ليقتله، فقال الحسن: قتلتم أبي بالأمس، ووثبتم عليّ اليوم، تريدون قتلي، زهدا في العادلين، ورغبة في القاسطين، لتعلمن نبأه بعد حين. أي ويذكر أنه بينما هو يصلي إذ وثب عليه شخص فطعنه بخنجر وهو ساجد، ثم خطب الناس، فقال: يا أهل العراق اتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم ونحن أهل البيت الذين قال الله فيهم: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ

стр. 1448

تَطْهِيراً [الأحزاب: الآية ٣٣] فما زال يقولها حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إلا وهو يبكي. ثم كتب إلى معاوية ﵄ بتسليم الأمر: أي بعد أن أرسل إليه معاوية ﵁ رجلين يكلمانه في الإصلاح، فإن عمرو بن العاص لما رأى الكتائب مع الحسن أمثال الجبال، قال لمعاوية: إني لأرى هذه الكتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فخلع الحسن ﵁ نفسه وسلم الأمر إلى معاوية، تورعا وزهدا، وقطعا للشر، وإطفاء لثائرة الفتنة، وتصديقا لرسول الله ﷺ في قوله المتقدم، وغض منه شيعته حتى قال له بعضهم: يا عار المؤمنين سوّدت وجوه المؤمنين، فقال: العار خير من النار. وقال له بعضهم: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال له: لا تقل ذلك كرهت أن أقتلكم في طلب الملك، وعند ذلك: أي لما انبرم الصلح طلب منه معاوية ﵄ أن يتكلم بجمع من الناس ويعلمهم أنه سلم الأمر إلى معاوية، فأجابه إلى ذلك وصعد المنبر وحمد الله إلى أن قال في خطبته: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، إلا أن أكيس الكيس التقى، وأعجز العجز الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت أنا ومعاوية فيه إما أن يكون أحق به مني أو يكون حقي، فإن كان حقي فقد تركته لله ولصلاح أمة محمد ﷺ وحقن دمائهم، ثم التفت ﵁ إلى معاوية وقال وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) [الأنبياء: الآية ١١١] ، أي ثم انتقل من الكوفة إلى المدينة وأقام بها، وكان من جملة ما اشترطه على معاوية ﵁ أن يكون الأمر شورى بين المسلمين بعده، ولا يعهد إلى أحد من بعده عهدا. وقيل على أن يكون الأمر للحسن بعده فلما سم الحسن اتهم بذلك زوجته بنت الأشعث بن قيس، وأن ذلك بدسيسة من يزيد ولد معاوية، ووعدها أن يتزوجها، وبذل لها مائة ألف درهم حرصا على أن يكون الأمر له، فإن معاوية عرّض بذلك في حياة الحسن ولم يكشفه إلا بعد موته. ولما جاء الخبر لمعاوية بموته ﵁ قال: يا عجبا من الحسن بن علي شرب شربة مع عسل بماء رومة، يعني بئر رومة فقضى نحبه. وأتى ابن عباس ﵄ معاوية وهو لا يعلم الخبر، فقال له معاوية: هل عندك خبر المدينة؟ قال لا، فقال معاوية: يا بن عباس احتسب الحسن، لا يحزنك الله ولا يسوؤك، فأظهر عدم التشوش وقال: أما ما أبقاك الله لي يا أمير المؤمنين فلا يحزنني الله ولا يسوؤني، فأعطاه على تلك الكلمة ألف ألف. وذكر بعضهم قال: كنا عند الحسن ﵁ ومعنا الحسين ﵁، فقال الحسن: لقد سقيت السم مرارا وما سقيته مثل هذه المرة، ولقد لفظت

стр. 1449

طائفة من كبدي، فقال له الحسين: أي أخي ومن سقاك؟ قال: وما تريد؟ أتريد أن تقتله؟ قال نعم: قال لئن كان الذي أظن فالله أشد نقمة، ولئن كان غيره ما أحب أن يقتل بي بريئا. وكان الحسن ﵁ رجلا حليما لم يسمع منه كلمة فحش، وكان مروان وهو وال على المدينة يسبه ويسب عليا كرم الله وجهه كل جمعة على المنبر، فقيل له في ذلك؟ فقال: لا أمحو عنه شيئا بأن أسبه، ولكن موعدي وموعده الله، فإن كان صادقا جازاه الله بصدقه، وإن كان كاذبا فالله أشد نقمة. وأغلظ عليه رضي الله تعالى عنه مروان يوما وهو ساكت، ثم امتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن رضي الله تعالى عنه: أف لك، لك علمت أن اليمين لها شرف، فخجل مروان. وبكى مروان في جنازته، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه؟ فقال: إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا وأشار إلى الجبل. ومن ثم لما وقع بين الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما بعض الشحناء فتهاجرا، ثم أقبل الحسن على الحسين فأكب على رأسه يقبله، فقال له الحسين: إن الذي منعني من ابتدائك بهذا أنك أحق بالفضل مني، وكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به مني، وقد تقدم ذلك. ومن شعر الحسن رضي الله تعالى عنه: من ظن أن الناس يغنونه ... فليس بالرحمن بالواثق ومن ذلك إخباره ﷺ بقتل الأسود العنسي الكذاب: أي الذي ادعى النبوة ليلة قتله بصنعاء وبمن قتله كما تقدم. أي ومنها إخباره ﷺ بأن رجلا من أمته يتكلم بعد الموت، فكان كذلك وهو زيد بن حارثة. وتكلم غيره أيضا، فعن ابن المسيب أن رجلا من الأنصار توفي، فلما كفن أتاه القوم يحملونه تكلم، فقال: محمد رسول الله، فلعل المراد بالرجل جنس الرجل. ومنها إخباره ﷺ بأن أمته تتخذ الخصيان، وأمرهم ﷺ أن يستوصوا بهم خيرا، فقال: «سيكون قوم ينالهم الخصاء، فاستوصوا بهم خيرا» وهو يقتضي أن الخصاء لم يكن في غير هذه الأمة. ومن ذلك إخباره ﷺ بذهاب الأمانة والعلم والخشوع وعلم الفرائض أي قرب قيام الساعة. ومن ذلك قوله ﷺ لثابت بن قيس: «تعيش حميدا، وتقتل شهيدا» ، فقتل رضي الله تعالى عنه يوم القيامة في قتال مسيلمة الكذاب لعنه الله.

стр. 1450

وإخباره ﷺ بالمغيبات باب واسع. منه الإخبار بالحوادث الكائنة بعده إلى آخر الزمان. والإخبار عن أحوال يوم القيامة من القضاء والحشر والحساب، والإخبار عن الجنة والنار. فعن حذيفة رضي الله تعالى عنه: «لقد حدثني رسول الله ﷺ بما يكون حتى تقوم الساعة» وصلى رسول الله ﷺ الصبح يوما وصعد المنبر فخطب حتى حضرت الظهر فنزل فصلى الظهر، ثم صعد المنبر فخطب حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر فخطب حتى غربت الشمس فأخبر بما كان وبما هو كائن. ومن ذلك أيضا قوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن في جماعة من المهاجرين والأنصار: «يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي غدا وقبري» وكان كذلك، توفي رسول الله ﷺ ومعاذ باليمن، ولم يتقدم إلا في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه. ومن ذلك قوله ﷺ : «سنفتح عليكم مصر، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم رحما وصهرا، والمراد بالرحم، أم إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام جده ﷺ فإنها كانت قبطية، والمراد بالصهر أم ولده إبراهيم ﵊ لأنها كانت قبطية كما علمت. ومنها إجابة دعائه ﷺ غير ما تقدم: فمن ذلك دعاؤه ﷺ لثعلبة بن حاطب الأنصاري أي غير البدري، لأن ذاك قتل بأحد، وهذا تأخر إلى زمن عثمان رضي الله تعالى عنه كما سيأتي خلافا لمن وهم في ذلك، لأن من شهد بدرا لا يدخل النار: وكثيرا ما يقع الاشتراك في الاسم واسم الأب كما قال بعض الصحابة، وهو طلحة بن عبيد الله: لئن مات محمد ﷺ لأتزوجن عائشة من بعده، فأنزل الله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: الآية ٥٣] الآية، ظن بعضهم أن المراد بطلحة هذا أحد العشرة المبشرين بالجنة، وحشاة من ذلك، وهو أجلّ مقاما من أن يصدر منه مثل ذلك. ولما قال ثعلبة بن حاطب له: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال له ﷺ : ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال له ﷺ : ويحك يا ثعلبة أما ترضى أن تكون مثل رسول الله ﷺ ، فو الذي نفسي بيده، لو سألت ربي أن يسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت، فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالا لأوتين كل ذي حق حقه، فقال النبي ﷺ : اللهم ارزق ثعلبة مالا، فاتخذ غما فصارت تنمى كما ينمى الدود، وضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من

стр. 1451

أوديتها، فكان يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك الجماعة فيما سواهما، ثم نمت وكثرت حتى ترك الجماعة فيما سوىّ الجمعة فإنه كان يشهدها مع النبي ﷺ ، ثم ترك الجمعة فقال النبي ﷺ : ما فعل ثعلبة؟ فأخبروه بخبره، فقال ﷺ : يا ويح ثعلبة قالها ثلاثا، فلما نزل قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [التّوبة: الآية ١٠٣] الآية بعث النبي ﷺ رجلين على الصدقة وكتب لهما فرائض الصدقة وأسنانها وقال لهما مرا بثعلبة، فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب النبي ﷺ ، فقال: انطلقا حتى تفرغا، ثم تعودا إليّ فانطلقا ثم مرّا عليه، فقال: أرياني كتابكما أنظر فيه، فنظر فيه، فقال: ما هذه إلا أخية الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى أتيا النبي ﷺ ، فلما رآهما قال قبل أن يكلماه: يا ويح ثعلبة، فلما أخبراه بالذي صنع ثعلبة، أنزل الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ [التّوبة: الآية ٧٥] الآيات، وكان عند النبي ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فأرسل إليه بأن الله قد أنزل فيك قرآنا وهو كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ﷺ فسأله أن يقبل منه الصدقة فقال: إن الله منعني أن أقبل صدقتك، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له النبي ﷺ : هذا عملك وقد أمرتك فلم تطعني، وأبي أن يقبل منه شيئا، فأتى أبا بكر رضي الله تعالى عنه حين استخلف فسأله قبول صدقته، فقال له: لم يقبلها رسول الله ﷺ فأنا لا أقبلها، ثم فعل كذلك مع عمر رضي الله تعالى عنه، ثم مع عثمان رضي الله تعالى عنه، وكل يأبى أن يقبل صدقته، ومات في خلافة عثمان. ومن ذلك قوله ﷺ في رجل ارتد ولحق بالمشركين: اللهم اجعله آية. فعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رجل من بني النجار حفظ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي ﷺ ، فارتد ولحق بأهل الكتاب، وكان يقول ما يدري محمد إلا ما كتب له، فقال ﷺ اللهم اجعله آية، فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوه وألقوه فحفروا له وأعمقوا ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا مثل الأول، فحفروا وأعمقوا، فلفظته الأرض في المرة الثالثة، فعلموا أنه ليس من فعل الناس. ومن ذلك قوله ﷺ لرجل يأكل بشماله: «كل بيمينك، فقال: لا أستطيع» أي قال ذلك تكبرا وعنادا «فقال له ﷺ : لا استطعت، فلم يطق أن يرفعها إلى فيه بعد» . أي ومن ذلك المرأة التي خطبها ﷺ فقال له أبوها إن بها برصا ولم يكن بها برص، وإنما قال ذلك امتناعا من خطبته ﷺ ، فقال ﷺ : فلتكن كذلك، فبرصت. ومن ذلك «أن فاطمة رضي الله تعالى عنها جاءت إليه ﷺ فنظر إليها وقد ذهب الدم من وجهها وغلبت الصفرة على وجهها من شدة الجوع، فقال لها ﷺ : ادن مني يا فاطمة، فدنت منه، فرفع يده فوضعها على صدرها وفرج بين أصابعه، وقال: اللهم مشبع الجاعة، ورافع الوضيعة، ارفع فاطمة بنت محمد، فذهبت الصفرة عنها

стр. 1452

حالا، ولم تشك بعد ذلك جوعا» . ومن ذلك ما حدّث به وائلة بن الأسقع قال: «حضر رمضان ونحن في أهل الصفّة فصمنا. فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجلا من أهل الصفة فأخذه فانطلق به فعشاه فأتت علينا ليلة فلم يأتنا أحد، فأصبحنا صياما، ثم أتت علينا الليلة القابلة فلم يأتنا أحد، فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فأخبرناه بالذي كان من أمرنا، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه يسألها هل عندها شيء؟ فما بقيت امرأة إلا أرسلت تقسم ما أمسى في بيتها ما يأكل ذو كبد، فقال لهم رسول الله ﷺ : اجتمعوا فدعا رسول الله ﷺ ، وقال: اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك فإنهما بيدك لا يملكهما أحد غيرك، فلم يكن إلا مستأذن يستأذن، فإذا بشاة مصلية ورطب، فأمر بها رسول الله ﷺ فوضعت بين أيدينا فأكلنا حتى شبعنا» . ومنها تساقط الأصنام حول الكعبة بإشارته ﷺ إليها، أو طعنة فيها بقضيب كان في يده قائلا: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [الإسراء: الآية ٨١] كما تقدم. ومنها تكثير الطعام، وقد وقع له ذلك في مواطن كثيرة. فمن ذلك إطعام ألف من صاع شعير في حفر الخندق فشبعوا والطعام أكثر مما كان كما تقدم. ومن ذلك إطعام أهل الخندق من تمر يسير كما تقدم. ومن ذلك جمع ما فضل من الأزواد ودعاؤه ﷺ فيها بالبركة وقسمتها في العسكر، فقامت بهم كما تقدم في الحديبية وتبوك. ومن ذلك دعاؤه ﷺ لأبي هريرة في تمرات قد صفهن في يده، وقال ادع لي فيهن بالبركة، أي فدعا له ﷺ بذلك، قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فأخرجت من ذلك التمر كذا وكذا وسقا في سبيل الله، وكنا نأكل منه ونطعم حتى انقطع في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، أي بانقطاع المزود الذي أمره ﷺ أن يكون به التمر. والمزود: وعاء من جلد يوضع فيه الزاد وقال له: إذا أردت شيئا فأدخل يدك ولا تكفأ فيكفأ عليك، قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وكان لا يفارق حقوي، فلما قتل عثمان انقطع حقوي فسقط. وفي رواية: كان معلقا خلف رحلي فوقع في زمن عثمان: أي في زمن محاصرته وقتله فذهب. وفي رواية: فلما قتل عثمان انتهب بيتي وانتهب المزود: أي بعد سقوطه من حقوه فلا يخالف ما سبق. وقد جاء في بعض الروايات عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أتيت النبي ﷺ بتمرات، فقلت: يا رسول الله ادع لي فيهن بالبركة، فصفهن ثم دعا فيهن بالبركة وقال: خذهن واجعل في مزودك ما أردت منهن، أي إذا أردت أخذ شيء منهن

стр. 1453

أدخل يدك فيه فخذه ولا تنثره نثرا. أي وفي لفظ: «غزونا مع رسول الله ﷺ فأصاب الناس مجاعة، فقال النبي ﷺ : يا أبا هريرة هل من شيء؟ قلت: نعم شيء من تمر في المزود، فقال: ائتني به فأتيته به فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها، ثم قال لي: ادع لي عشرة، فدعوت عشرة فأكلوا حتى شبعوا، فما زال يصنع ذلك حتى أطعم الجيش كلهم، ثم قال ﷺ : خذ ما جئت به أدخل يدك فاقبض ولا تكفأه، قال: فقبضت على أكثر ما جئت به، ثم أكلت منه حياة رسول الله ﷺ وحياة أبي بكر وأطعمت، وحياة عمر وأطعمت، وحياة عثمان وأطعمت فلما قتل عثمان انتهب مني. ومن ذلك تكثير الطعام الذي وضعه رسول الله ﷺ على أصابعه، فقد جاء: «أنه ﷺ دعا أهل الصفة لقصعة ثريد، فأكلوا حتى لم يبق إلا اليسير في نواحيها، فجمعه ﷺ فصار لقمة، فوضعها على أصابعه وقال لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه» أي لأنه كان من أهل الصفة «كل بسم الله. قال أبو هريرة: فو الذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت كما تقدم» قيل وكان أصحاب الصفة حينئذ تسعين، وقيل مائة ونيفا، وقيل أربعمائة. ومن ذلك تكثير الطعام الذي جاء به أنس رضي الله تعالى عنه للنبي ﷺ . فعنه رضي الله تعالى عنه قال «تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله. فصنعت أمي أم سليم حيسا فجعلته في تور، فقالت: يا أنس اذهب به إلى رسول الله ﷺ ، فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام، وتقول لك: إن هذا لك منا قليل، قال: فذهبت به إلى رسول الله ﷺ وقلت له: إن أمي تقرئك السلام وتقول لك: إن هذا منا لك قليل، فقال: ضعه، ثم قال: اذهب فادع لي فلانا وفلانا وفلانا ومن لقيت، فدعوت من سمى ومن لقيت. قيل لأنس: كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، وقال لي رسول الله ﷺ : يا أنس هات التور، ثم قال رسول الله ﷺ : ليحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه، فأكلوا حتى شبعوا كلهم، ثم قال: يا أنس ارفع فما أدري حين وضعت كان أكثر أو حين رفعت» . ومن ذلك تكثير الطعام الذي صنعه أبو أيوب الأنصاري، فعنه رضي الله تعالى عنه قال: «صنعت لرسول الله ﷺ وأبي بكر رضي الله تعالى عنه طعاما قدر ما يكفيهما فأتيتهما به، فقال رسول الله ﷺ : اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الأنصار، قال فشق ذلك عليّ، ما عندي ما أزيده، فقال: اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الأنصار. قال أبو أيوب رضي الله تعالى عنه: فدعوتهم فقال لهم رسول الله ﷺ اطعموا، فأكلوا حتى صدروا، ثم شهدوا أنه رسول الله قبل أن يخرجوا، ثم قال: اذهب فادع لي ستين من أشراف الأنصار، فدعوتهم فأكلوا حتى صدروا، ثم شهدوا أنه رسول الله قبل أن يخرجوا، ثم قال: اذهب فادع لي تسعين من الأنصار،

стр. 1454

فدعوتهم فأكلوا حتى صدروا، ثم شهدوا أنه رسول الله ﷺ قبل أن يخرجوا، فأكل من طعامي ذلك مائة وثمانون رجلا كلهم من الأنصار. قال: ومنها تكثير اللبن في القدح. فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «أنه اشتد به الجوع يوما، قال: فمر عليّ أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فقمت إليه وسألته عن آية من كتاب الله ليشبعني، فمرّ ولم يفعل، ثم مر عليّ عمر ففعلت معه وفعل معي كذلك، ثم مر ﷺ ، فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي، ثم قال: يا أبا هريرة» وفي لفظ: «يا أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق، فتبعته ﷺ إلى أن دخل بيته وأذن لي، فدخلت فوجدت لبنا في قدح، فقال ﷺ » أي لأهل بيته «من أين هذا اللبن؟ فقيل: أهدي لك، فقال: يا أبا هريرة، قلت لبيك يا رسول الله ﷺ ، قال: ادع لي أهل الصفة، فساءني ذلك، فقلت: ما هذا اللبن في أهل الصفة، وما أظن أن ينالني من هذا اللبن شيء» أي لأنهم كانوا أربعمائة على ما تقدم «فدعوتهم، فأقبلوا وأخذوا مجالسهم من البيت، فقال: يا أبا هريرة، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، حتى لم يبق إلا أنا ورسول الله ﷺ فقال لي: اقعد فاشرب، فشربت فقال لي: اشرب فشربت، فما زال يقول لي اشرب فأشرب، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة» اه أي وتقدم ذلك. وفي لفظ: «حتى إذا لم يبق إلا أنا وهو فأخذ القدح على يده ونظر إليّ وتبسم، فقال: يا أبا هريرة، قلت لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت، قلت صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب» الحديث. وقد جاء: «أنه ﷺ لما قال لأبي هريرة: يا أبا هر، قال إنما أبو هريرة، فقال ﷺ : الذكر خير من الأنثى» . ولما وقع القتال بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يصلي خلف علي كرم الله وجهه، ويحضر طعام معاوية، وعند القتال يصعد على تل فقيل له في ذلك فقال: الصلاة خلف عليّ أقوم، وطعام معاوية أدسم، والقعود على هذا التل أسلم. ومن ذلك ما حدثت به بنت خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنهما قالت: «خرج خباب في سرية فكان رسول الله ﷺ يتعهدنا وكان لنا عنز، فكان يحلبها فيملأ حلابها جفنة لنا، فلما جاء خباب عاد حلابها لما كان عليه أولا. فقلت لأبي: كان رسول الله ﷺ يحلبها فتمتلىء جفنتنا، فلما حلبتها رجع حلابها» . ومن ذلك ما حدث به بعض الصحابة أنه قال: «كنا زهاء أربعمائة رجل فنزلنا في موضع ليس فيه ماء فشق ذلك على أصحابه ﷺ ، فجاءت شويهة لها قرنان فقامت بين يدي رسول الله ﷺ فحلبها، فشرب حتى روي وسقى أصحابه حتى رووا ثم قال

стр. 1455

لي ﷺ : املكها الليلة وما أراك تملكها، فأخذتها فوتدت لها وتدا ثم ربطتها بحبل، ثم قمت في بعض الليل، فلم أر الشاة، ورأيت الحبل مطروحا فجئت إلى النبي ﷺ فأخبرته فقال: ذهب بها الذي جاء بها» . ومنها: «أن امرأة كانت أهدت للنبي ﷺ سمنا في عكة فقبله، وترك في العكة قليلا ونفخ فيه ودعا بالبركة، فكان يأتيها بنوها يسألونها الأدم، فتعمد إلى تلك العكة فتجد فيها سمنا، فما زالت تقيم بها أدم بيتها بقية حياته ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، حتى كان من أمر علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما ما كان» وفي رواية «أنها عصرتها فأتت رسول الله ﷺ فقال لها: عصرتيها؟ قالت نعم قال: لو تركتيها ما زال دائما» ويحتمل أن الواقعة تعددت. وعن أم سليم أم أنس رضي الله تعالى عنهما، قالت: «كان لي شاة، فجمعت من سمنها ما ملأت به عكة وأرسلت بها إلى رسول الله ﷺ فقبلها، وأمر ففرغوها وردوها فارغة وكنت غائبة عن المنزل، فلما جئت رأيت العكة مملوءة سمنا، قالت: فقلت للتي أرسلتها معها: كيف الخبر؟ فأخبرتني الخبر فما صدقتها، وذهبت إلى رسول الله ﷺ فسألته، وقلت له: يا رسول الله وجهت إليك عكة سمن، قال: قد وصلت. فقلت: بالذي بعثك بالهدى ودين الحق لقد وجدتها مملوءة سمنا تقطر، قال: أفتعجبين أن أطعمك الله كما أطعمت نبيه ﷺ : اذهبي فكلي واطعمي» الحديث. أي ومنها دعاؤه ﷺ لفرس جعيل الأشجعي. فعنه رضي الله تعالى عنه قال: «خرجت مع النبي ﷺ في بعض غزواته وأنا على فرس عجفاء ضعيفة فكنت في آخر الناس، فلحقني رسول الله ﷺ فقال: سر يا صاحب الفرس. فقلت: يا رسول الله عجفاء ضعيفة فرفع محقنة كانت معه فضربها بها. وقال: اللهم بارك له فيها، فلقد رأيتني ما أملك رأسها قدام القوم. ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا» . ومنها أن جليبيبا على وزن قنيديل الأنصاري، وكان قصيرا دميما، أراد رسول الله ﷺ أن يزوجه، فقال: يا رسول الله إذا تجدني كاسدا، فقال: إنك عند الله لست بكاسد، فخطب له ﷺ جارية من أولاد الأنصار، فكره أبو الجارية وأمها ذلك، فسمعت الجارية بما أراد رسول الله ﷺ ، فقالت قبلت: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: الآية ٣٦] وقالت: رضيت وسلمت لما رضي لي رسول الله ﷺ به، فدعا لها رسول الله ﷺ ، وقال: اللهم اصبب الخير عليها صبا ولا تجعل عيشها كدا، فكانت من أكثر الأنصار نفقة ومالا مع كونها أيما، فإنه رضي الله تعالى عنه قتل عنها في بعض غزواته معه ﷺ بعد أن قتل سبعة من المشركين، ووقف عليه ﷺ ودعا له، وقال: هذا مني وأنا منه، وحمله ﷺ على ساعديه،

стр. 1456

ماله سرير غير ساعديه ﷺ ، ثم حفروا له فوضعه في قبره ولم يغسله ولم يصل عليه. ومنها نبع الماء من بين أصابعه الشريفة ﷺ ، حتى شرب القوم وتوضؤوا وهم ألف وأربعمائة. قال: وفي رواية ألف وخمسمائة. وفي رواية: فشربوا وسقوا وملؤوا قربهم، وكان في العسكر اثنا عشر ألف بعير، والخيل اثنا عشر ألف فرس، أي وهذه في غزوة تبوك، وقد تكرر ذلك منه ﷺ عدة مواطن عظيمة تقدمت، وتكررت الروايات بحسب تكرر الوقائع، وهو أشرف المياه كما قاله السراج البلقيني ولم يسمع بمثل هذه المعجزة التي هي خروج الماء من بين الأصابع عن غير نبينا ﷺ ، وهي أبلغ من نبع الماء من الحجر الذي ضربه موسى ﵊، لأن خروج الماء من الحجر معهود، بخلاف خروجه من بين اللحم والدم والعظم والعصب كما تقدم اه. ومنها: أن الماء فار بغزر سهم من كنانته ﷺ في محله. وقع له ذلك في الحديبية، وفي تبوك، فقد جاء: «أنه ورد في منصرفه من غزوة تبوك على ماء قليل لا يروي واحدا، وشكوا إليه ﷺ العطش، فأخذ سهما من كنانته وأمر أن يغرز فيه، ففار الماء، وارتوى القوم، وكانوا ثلاثين ألفا» كما تقدم. قال: ومنها ما تقدم له ﷺ مع عمه أبي طالب بذي المجاز من ضربه ﷺ الأرض أو صخرة برجله حين عطش فخرج الماء كما تقدم. ومنها: ركوبه ﷺ الفحل الذي قطع الطريق على من يمر لما سافر ﷺ مع عمه الزبير بن عبد المطلب إلى اليمن كما تقدم. ومنها: انقلاب الماء الملح عذبا ببركة ريقه الشريف. فقد جاء: «أن قوما شكوا إليه ﷺ ملوحة في ماء بئرهم، فجاء ﷺ في نفر من أصحابه حتى وقف على ذلك البئر، فتفل فيه، فتفجر بالماء العذب المعين» . ومنها: «أنه كان باليمن ماء يقال له زعاق من شرب منه مات، فلما بعث ﷺ وجه إليه: أيها الماء أسلم فقد أسلم الناس، فكان بعد ذلك من شرب منه حم ولا يموت» . ومنها: زوال القرّاع بمرور يده الشريفة ﷺ . فقد جاء: «أن امرأة أتته بصبي لها أقرع، فمسح ﷺ رأسه فاستوى شعره وذهب داؤه» . ومنها: إحياء الموتى له ﷺ وسماع كلامهم. فمن ذلك: «أنه ﷺ دعا رجلا للإسلام فقال: لا أومن بك حتى تحيي لي بنتي، فقال ﷺ : أرني قبرها، فأراه قبرها فقال ﷺ : «يا فلانة، فقالت: لبيك وسعديك، فقال ﷺ : أتحبين أن ترجعي إلى الدنيا؟ فقالت: لا والله يا رسول الله، إني وجدت الله خيرا لي من أبويّ، ووجدت الآخرة خيرا من الدنيا» .

стр. 1457

ومنها: إبراء الأبرص، فقد روي: «أن امرأة معاوية ابن عفراء كان بها برص فشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ فمسح عليه بعصا، فأذهبه الله» . ومنها: إبراء الرئة واللقوة والقرحة واللسعة والحرارة والدبيلة والاستسقاء، فإن ابن ملاعب الأسنة أصابه استسقاء، فبعث إلى النبي ﷺ ، فأخذ ﷺ بيده الشريفة حثوة من الأرض فتفل عليها ثم أعطاها رسوله، فأخذها متعجبا يرى أنه قد هزىء به، فأتاه بها وهو على شفا، فشربها فشفاه الله وقد أشار إلى ذلك صاحب الهمزية بقوله: وبكف من تربة الأرض داوي ... من تشكي من مؤلم استسقاء ومنها: أن أخت إسحاق الغنوي هاجرت من مكة تريد المدينة هي وأخوها إسحاق المذكور، حتى إذا كانت في بعض الطريق قال لها أخوها: اجلسي حتى أرجع إلى مكة، فأخذ نفقة أنسيتها، قالت له: إني أخشى عليك الفاسق أن يقتلك: تعني زوجها فذهب أخوها إلى مكة وتركها، فمر عليها راكب جاء من مكة، فقال لها: ما يقعدك ههنا؟ قالت: أنتظر أخي، قال لا أخ لك، قد قتله زوجك بعد ما خرج من مكة، قالت: فقمت وأنا أسترجع وأبكي حتى دخلت المدينة فدخلت على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ في بيت حفصة، فأخبرته الخبر، فأخذ ملء كفه ماء فضربني به، فمن يومئذ لم ينزل من عيني دمعة، وكانت تصيا بني المصائب العظام، غايته أن ينفر الدمع على مقلتي ولا يسيل على وجنتي. ومنها: إبراء الجراحة كما تقدم. ومنها: إبراء الكسر «فقد مسح ﷺ على رجل ابن عتيك رضي الله تعالى عنه وقد انكسرت فكأنها لم تكسر قط» كما تقدم. ومنها: إبراء الجنون. أي ومنها أن امرأة جاءته ﷺ بابن لها لا يتكلم وقد بلغ أوان الكلام، فأتي بماء فمضمض وغسل يديه ثم أعطاها ﷺ إياه وأمرها أن تسقيه وتمسه به، ففعلت ذلك، فبرىء وعقل عقلا يفضل عقول الناس. ومنها: «أن بعض الصحابة ثبتت في كفه سلعة تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة فشكا ذلك له ﷺ ، فما زال ﷺ يطحنها بكفه الشريفة حتى زالت ولم يبق لها أثر. ومنها: «أنه ﷺ أعطى جذلا من الحطب فصار سيفا» وقع ذلك لعكاشة بن محصن رضي الله تعالى عنه يوم بدر كما تقدم. ووقع ذلك لعبد الرحمن بن جحش أيضا يوم أحد كما تقدم. أي ومنها: انقلاب الماء لبنا وزبدا. ومنها: «أنه عرضت كدية بالخندق ولم يقدر أحد على إزالة شيء منها فضربها فصارت كثيبا» كما تقدم.

стр. 1458

أي ومن إجابة دعائه ﷺ ما روي عن النابغة الجعدي رضي الله تعالى عنه قال: أنشدت رسول الله ﷺ أبياتا منها: فلا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فقال النبي ﷺ : «أجدت، لا أفضض الله فاك من هذه إشارة إلى أسنانه» قال النابغة رضي الله تعالى عنه: فلقد أتت علي نيف ومائة سنة وما ذهب لي سن. قيل عاش مائة واثنتي عشرة سنة، وقيل مائة وثمانين سنة، أي كما تقدم. وفي لفظ: كان من أحسن الناس ثغرا، وكان إذا سقطت له سن نبت له أخرى. أي وعلى هذا الأخير فالمراد لا أخلى الله فاك من الأسنان. ومن ذلك: أن امرأة جاءت بابن لها صغير، فقالت: «يا رسول الله إن بابني هذا جنونا، وإنه يأخذه عند غذائنا وعشائنا فيفسد علينا، فمسح رسول الله ﷺ رأسه ودعا له، فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فشفي» . ومنها: إبراء وجع الضرس. فقد جاء: «أن بعض الصحابة شكا إليه ﷺ وجع ضرسه، فقال له ﷺ : ادن مني، فو الذي بعثني بالحق لأدعون لك بدعوة لا يدعو بها مؤمن مكروب إلا كشف الله عنه كربه، فوضع رسول الله يده على الخد الذي فيه الوجع وقال: اللهم أذهب عنه سوء ما يجد وفحشه بدعوة نبيك المبارك المكين عندك سبع مرات، فشفاه الله تعالى قبل أن يبرح» هذا ما يتعلق ببعض معجزاته ﷺ التي يمكن التحدي بها، والحمد لله وحده. باب نبذة من خصائصه ﷺ أي ما اختص به ﷺ عن سائر الناس من الأنبياء وغيرهم، وما اختص به عن غير الأنبياء، وفيما اختصت به أمته ﷺ عن سائر الناس من الأنبياء وغيرهم، وفيما اشتركت فيه مع الأنبياء دون أممهم. لا يخفى أن ذكر خصائصه ﷺ مندوب. قال في الروضة: ولا يبعد القول بوجوب ذلك ليعرف، فلا يتأسى به جاهل في ذلك. ثم لا يخفى أن الذي من خصائصه ﷺ عن سائر الناس إما أن يكون اختص بوجوبه عليه لأن الله علم أنه ﷺ أقوم به وأصبر عليه من غيره، ولأن ثواب الفرض أفضل من ثواب النفل غالبا. وقد جاء: «ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه» أو اختص بتحريمه عليه، لأن الله علم أنه ﷺ أصبر على تركه ولمزيد فضل تركه، أو اختص بإباحته له تسهيلا عليه، أو اختص باتصافه به ولمزيد فضله وشرفه.

стр. 1459

فمن القسم الأول صلاة الضحى: أي بما هو أقلها، وهو ركعتان، وركعتا الفجر وصلاة الوتر. قال ﷺ : «ثلاث علي فرائض ولكم تطوع: الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا الضحى» . أي وفي الإمتاع أن هذا الحديث ضعيف من جميع طرقه ومع ذلك ففي ثبوت خصوصية هذه الثلاثة برسول الله ﷺ نظر. فإن الذي ينبغي ولا يعدل عنه إلى غيره أن لا تثبت خصوصيته إلا بدليل صحيح. وفي البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما سبح رسول الله ﷺ سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها» وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: «كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها» وهذا يدل بظاهره، ويقتضي عدم الوجوب، إذ لو كانت واجبة في حقه ﷺ لكان مداومته عليها أشهر من أن تخفى هذا كلامه. وفيه أنه ﷺ لما صلى الضحى يوم الفتح في بيت أم هانىء واظب عليها إلى أن مات، وأنه ﷺ صلى ثمان ركعات. وجاء في حديث مرسل «كان ﷺ يصلي ركعتين وأربعا وستا وثمانيا» وهل المراد بالوتر أقله أو أكثره أو أدنى كماله؟ والسواك قال في الإمتاع: وهل هو بالنسبة إلى الصلاة المفروضة أو في كل الأحوال المؤكدة في حقنا أو فيما هو أعم من ذلك. وغسل الجمعة والأضحية واستدل لوجوبهما بقوله تعالى: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي [الأنعام: الآية ١٦٢] إلى قوله: وَبِذلِكَ أُمِرْتُ [الأنعام: الآية ١٦٣] قال في الإمتاع: والأمر على الوجوب، هذا كلامه؟ وفيه نظر، لأن أمر للوجوب والندب، والذي للوجوب إنما هو صيغة أفعل. قال في الإمتاع: إن الآمدي وابن الحاجب رحمهما الله عدا ركعتي الفجر من خصائصه ﷺ ولا سلف لهما في ذلك إلا حديث ضعيف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. واعترض كون الوتر واجبا عليه ﷺ ، بأنه ﷺ كما في الصحيحين صلاة على البعير، إذ لو كان واجبا لما صلاة على الراحلة. وأجاب النووي ﵀ بأن جواز هذا الواجب على الراحلة من خصائصه ﷺ وأجاب القرافي المالكي ﵀ بأن الوتر لم يكن واجبا عليه ﷺ إلا في الحضر، ووافقه على ذلك من أئمتنا الحليمي والعز بن عبد السلام. والعقيقة وأنه ﷺ يجب عليه أن يؤدي فرض الصلاة كاملة لا خلل فيها، وأنه يجب عليه ﷺ أن يصلي في كل يوم وليلة خمسين صلاة على وفق ما كان في ليلة الإسراء، كذا في الخصائص الصغرى للسيوطي.

стр. 1460

والمشاورة في أمر الدين والدنيا لذوي من الأحلام من الأمور الاجتهادية. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما نزلت هذه الآية: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: الآية ١٥٩] قال النبي ﷺ : «إن الله ورسوله غنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة في أمتي، فمن شاور منهم لم يعدم رشدا، ومن ترك المشورة منهم لم يعدم غيا» وقد وقيل: الاستشارة حصن من الندامة ومصابرة العدو وإن كثر. وفي الحاوي للماوردي: «أنه ﷺ كان إذا بارز رجلا لا ينفك عنه قبل قتله» هذا كلامه، ولم أقف على أنه ﷺ بارز أحدا. وقضاء دين من مات معسرا من المسلمين، وأداء الجنايات والكفارات عن من لزمته وهو معسر، وتخيير نسائه ﷺ بين الدنيا والآخرة أي بين زينة الدنيا ومفارقته، بين اختيار الآخرة والبقاء في عصمته، وأن من اختارت الدنيا يفارقها ومن اختارت الآخرة يمسكها ولا يفارقها: أي لأن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) [الأحزاب: الآية ٢٨، ٢٩] . قيل اختلف سلف هذه الأمة في سبب نزول هذه الآية على تسعة أقوال: فقد قيل نزلت لما طلبن منه ﷺ زيادة في النفقة، فاعتزلهن شهرا، ثم أمر بتخييرهن فيما ذكر كما تقدم. عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: جاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه يستأذن على النبي ﷺ فوجد الناس جلوسا ببابه ليأذن لهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجدا النبي ﷺ جالسا حوله نساؤه، أي قد سألنه النفقة وهو حاجم ساكت لا يتكلم، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لأقولن شيئا أضحك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لو رأيت فلانة يعني زوجته سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ وقال: هن حولي كما ترى يسألتني النفقة، فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى عائشة فوجأ عنقها وقام عمر رضي الله تعالى عنه إلى حفصة فوجأ عنقها، وكل يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده، ثم أقسم رسول الله ﷺ أن لا يجتمع بهن شهرا. فعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ذكر أن بعض أصدقائه من الأنصار جاء إليه ليلا ودق عليه بابه وناداه، قال عمر: فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم. فقلت ماذا؟ أجاءت غسان، لأنا كنا حدثنا أن غسان تنعل الخيل لغزونا، فقال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول، طلق رسول الله ﷺ نساءه، فقلت: خابت حفصة وخسرت،

стр. 1461

كنت أظن هذا كائنا، حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي ودخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري هو هذا معتزلا في هذه المشربة، أي لأن نساءه ﷺ لما اجتمعن عليه في طلب النفقة أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهنّ، قال عمر رضي الله تعالى عنه: لأقولنّ من الكلام شيئا أضحك به النبي ﷺ فأتيت غلاما له أسود، فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج، فقال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المسجد فجلست قليلا ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت استأذن لعمر فدخل ثم خرج إليّ، فقال: قد ذكرتك له فصمت، فلما كان في المرة الرابعة وقال لي مثل ذلك وليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني، فقال: أدخل، قد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول الله ﷺ فإذا هو متكىء على زمل حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟ قال: فرفع رأسه إليّ وقال لا فقلت: الله أكبر، ثم قلت: كنا معاشر قريش بمكة نغلب على النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساءهم، فطفق نساؤنا يتعلمن منهن، فكلمت فلانة يعني زوجته فراجعتني فأنكرت عليها، فقالت تنكر عليّ أن أراجعك؟ فو الله إن أزواج النبي ﷺ لتراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك وخسر، أفتأمن إحداهنّ أن يغضب الله عليها بغضب زوجها، فتبسم رسول الله ﷺ ، فذهبت إلى حفصة فقلت: أتراجعن رسول الله ﷺ ؟ فقالت: نعم، وتهجره إحدانا اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها بغضب رسول الله ﷺ ؟ لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تسألينه شيئا، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك إن كانت جارتك أحب إلى رسول الله ﷺ منك؟ يعني عائشة، فتبسم أخرى، فقلت، استأنس يا رسول الله قال نعم، فجلست وقلت: يا رسول الله قد أثر في جنبك زمل هذا الحصير وفارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا وقال: أفي شك أنت يا بن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، فقلت: أستغفر الله يا رسول الله فلما مضى تسع وعشرون يوما أنزل الله تعالى عليه أن يخبر نساءه في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الأحزاب: الآية ٢٨] الآية، فنزل ودخل على عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت له: يا رسول الله أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وقد دخلت وقد مضى تسع وعشرون يوما أعددهن، قال: إن الشهر تسع وعشرون، وفي رواية: يكون هكذا وهكذا وهكذا، يشير بأصابع يديه، وفي الثالثة حبس إبهامه ثم قال: يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك. فقالت: وما هو يا رسول الله، فقرأ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [الأحزاب: الآية ٢٨] الآية. قلت، أفي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله، ورسوله والدار الآخرة. وفي رواية «أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟» بل أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم قلت له: لا تخبر امرأة من

стр. 1462

نساءك بالذي قلت. فقال رسول الله ﷺ : لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني متعنتا ولكن بعثني معلما بشيرا. ثم فعل أزواجه ﷺ مثل ما فعلت عائشة رضي الله تعالى عنهن. وقد ذكر الأقوال التسعة في الإمتاع وذكر فيه أن التخيير كان بعد فتح مكة، لأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لم يقدم المدينة إلا بعد الفتح مع أبيه العباس رضي الله تعالى عنهما، وذكر أنه حضر الواقعة. ومن القسم الثاني تحريم أكل الصدقة واجبة أو مندوبة، وكذا الكفارة والمنذورة والموقوف عليه إلا على جهة عامة كالآبار الموقوفة على المسلمين، ويشاركه في الصدقة الواجبة آلة دون صدقة التطوع على الجهة الخاصة دون الجهة العامة، والصدقة الواجبة هي المعنية بقوله ﷺ : «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» ولما سأله عمه العباس رضي الله تعالى عنه أن يستعمله على الصدقات قال ﷺ : «ما كنت لأستعملك على غسلات ذنوب الناس» ولما أخذ الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما تمرة من تمر الصدقة ووضعها في فيه قال له النبي ﷺ : كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة» وفي رواية: «إن آل محمد لا يأكلون الصدقة» . واختلف علماء السلف هل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تشارك النبي ﷺ في ذلك؟ فذهب الحسن رحمه الله تعالى إلى أن الأنبياء تشاركه في ذلك. وذهب سفيان بن عيينة إلى اختصاصه بذلك دونهم، وأن يعطي شيئا لأجل أن يأخذ شيئا أكثر منه، وأن يتعلم الكتابة أو الشعر وإنشاءه وروايته لا التمثل به، وأنه إذا لبس لامته للقتال لا يدعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، وهذا الأخير مما شاركه فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وخائنة الأعين، وهي الإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب على خلاف ما يظهر كما تقدم. وإمساك من كرهته، ونكاح الكتابية، قيل والتسري بها والراجح خلافه. ونكاح الأمة المسلمة لأنه لا يخشى العنت، أي الزنا. ومن القسم الثالث القبلة في الصوم مع وجود الشهوة. فقد كان ﷺ يقبل عائشة رضي الله تعالى عنها وهو صائم ويمص لسانها، ولعله ﷺ لم يكن يبلع ريقه المختلط بريقها. والخلوة بالأجنبية، وأنه ﷺ إذا رغب في امرأة خلية كان له أن يدخل بها من غير لفظ نكاح أو هبة ومن غير ولي ولا شهود، كما وقع له ﷺ في زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها كما تقدم، ومن غير رضاها، وأنه إذا رغب في امرأة متزوجة يجب على زوجها أن يطلقها له ﷺ ، وأنه إذا رغب في أمة وجب على سيدها أن يهبها له. وله أن يتزوج المرأة لمن يشاء بغير رضاها، وله أن يتزوج في حال إحرامه، ومن ذلك نكاح ميمونة على ما تقدم. وأن يصطفي من الغنيمة ما شاء قبل القسمة من جارية أو غيرها.

стр. 1463

ومن صفاياه ﷺ صفية وذو الفقار كما تقدم، وأن يتزوج من غير مهر كما وقع لصفية رضي الله تعالى عنها. وقد قال المحققون: معنى ما في البخاري وغيره أنه ﷺ جعل عتقها صداقها أنه ﷺ أعتقها بلا عوض وتزوّجها بلا مهر، فقول أنس رضي الله تعالى عنه أمهرها نفسها معناه أنه لما لم يصدقها شيئا كان العتق كأنه المهر وإن لم يكن في الحقيقة كذلك، وأن يدخل مكة بغير إحرام اتفاقا، وأن يقضي بعلمه ولو في حدود الله تعالى. قال القرطبي في تفسيره: أجمع العلماء على أنه ليس لأحد أن يقضي بعلمه إلا النبي ﷺ . قال الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى: وجمع له ﷺ بين الحكم بالظاهر والباطن معا وجمعت له الشريعة والحقيقة، ولم يكن للأنبياء إلا إحداهما بدليل قصة موسى مع الخضر عليهما الصلاة والسلام، وقوله: إني على علم لا ينبغي لك أن تعلمه وأنت على علم لا ينبغي لي أن أعلمه هذا كلامه. وكتب عليه الشهاب القسطلاني ﵀: هذه غفلة كبيرة وجراءة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذ يلزم منه خلو بعض أهل العزم عليهم الصلاة والسلام من علم الحقيقة الذي لا يجوز خلو بعض آحاد الأولياء عنه وإخلاء الخضر بل بقية بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن علم الشريعة. وأعجب من ذلك أنه بين له وجه الخطأ، فأجاب بقوله: مرادي الجمع بين الحكم والقضاء هذا كلامه. وأقول: ذكر السيوطي في كتابه «الباهر في حكم النبي بالباطن والظاهر» هل يقول مسلم إن الذي خص به نبينا ﷺ ، أي عن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يورث نقصا في حق سائر الأنبياء؟ معاذ الله، وكل مسلم يعتقد أن نبينا ﷺ أفضل من سائر الأنبياء على الإطلاق، وذلك لا يورث نقصا في حق أحد منهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهذا الاعتراض كان لا يحتاج إلى جواب عنه، لكن خشيت أن يسمعه جاهل فيؤديه ذلك إلى إنكار خصائص النبي ﷺ التي فضل بها على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، توهما منه أن ذلك يورث نقصا فيهم، فيقع والعياذ بالله في الكفر والزندقة هذا كلامه. ومما حكم فيه بالظاهر والباطن معا، قوله ﷺ في ولد وليدة زمعة والد سودة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها لما اختصم فيه سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وعبد بن زمعة، فقال سعد: يا رسول الله هذا ابن أخي، عهد إلى أنه ابنه، انظر إلى شبهه به، وقال عبد بن زمعة، هذا أخي ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر

стр. 1464

رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، ثم قال: «هو لك يا عبد الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة» زاد في رواية: «فليس بأخ لك» فقد جعله ﷺ أخا لسودة عملا بظاهر الشرع، ونفى أخوته عنها بمقتضى الباطن. فقد حكم في هذه القصة بالظاهر والباطن معا. وأما حكمه ﷺ بالباطن فقد جاء في أمور متكثرة. من ذلك قتله الحارث بن سويد بقتله المجذر بن زياد غيلة من غير دعوى وارث ولا قيام بينة ولا قبل الدية كما تقدم. ومن ذلك أنه ﷺ قال لرجل مات أخوه: «إن أخاك محبوس بدينه فاقض عنه، فقال يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة، قال أعطها فإنها محقة» . ومن ذلك أن امرأة جاءت إلى أخرى وقالت لها: فلانة تستعيرك حليك وهي كاذبة فأعارتها إياه، فبعد مدة جاءت للمرأة تطلب حليها فقالت: لم أطلب حليك فجاءت للمرأة التي أخذته فأنكرت أخذه، فجاءت النبي ﷺ وأخبرته القصة فدعاها، فقالت: والذي بعثك بالحق ما استعرت منها شيئا، فقال ﷺ : «اذهبوا فخذوه من تحت فراشها فأخذ وأمر بها فقطعت» . وأن يقضي لنفسه ولولده، وأن يشهد لنفسه ولولده وأن يقبل الهدية ممن يريد الحكومة عنده، وأن يقضي في حال غضبه، وأن يقطع الأرض قبل أن يفتحها. ومما شاركه فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في هذا القسم أن له ﷺ أن يصلي بعد نومه غير متمكن، أي في النوم الذي تنام فيه عينه وقلبه، بناء على أنه ﷺ كان له نومان، وحينئذ يكون قوله: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» والمراد به غالبا، إذ يبعد أن يكون بقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس لهم إلا نوم واحد وله ﷺ نومان. وإباحة ترك إخراج زكاة المال، لأنه كبقية الأنبياء لا ملك لهم مع الله، وما في أيديهم من المال وديعة لله عندهم يبذلونه في محله ويمنعونه في غير محله، ولأن الزكاة طهرة وهم مبرؤون من الدنس كذا في الخصائص الصغرى نقلا عن سيدي الشيخ تاج الدين بن عطاء الله. وفيها بعد ذلك أنه ﷺ اختص بأن ماله باق بعد موته على ملكه ينفق منه على أهله في أحد الوجهين، وصححه إمام الحرمين، والذي صححه النووي الوجه الآخر، وهو خروجه عن ملكه، لكنه صدقة على المسلمين، لا يختص به الورثة، وما قاله ابن عطاء الله بناء مذهب إمامه سيدنا مالك، ومذهب الشافعي رحمه الله

стр. 1465

تعالى خلافه. ففي الخصائص الصغرى قبل هذا: وذكر مالك رضي الله تعالى عنه، من خصائصه ﷺ أنه كان لا يملك الأموال، إنما كان له التصرف وأخذ قدر كفايته. وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه وغيره أنه يملك هذا كلام الخصائص. ومن القسم الرابع أنه ﷺ أول من أخذ عليه الميثاق يوم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: الآية ١٧٢] وأنه أول من قال بلى، أي وأنه خص بالبسملة: وفيه ما تقدم أن ذلك على وجه وأن الأصح خلافه لما في القرآن في سورة النمل وفي المرفوع: «أنزل على آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) [الفاتحة: الآية ١] وجاء: «بسم الله فاتحة كل كتاب» وفيه أن الإنجيل من جملتها وهو كتاب عيسى ابن مريم وهو بعد سليمان ﵉، وقد قدمنا ذلك عند الكلام على أوائل البعث وبفاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة آمَنَ الرَّسُولُ [البقرة: الآية ٢٨٥] إلى ختامها وآية الكرسي أعطيها من كنز تحت العرش وكذا الفاتحة والكوثر. فقد جاء: «أربع نزلت من كنز تحت العرش لم ينزل منه شيء غيرهن أم الكتاب، وآية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة والكوثر» . وذكر الجلال السيوطي ﵀ في الخصائص الصغرى، أن مما خص به أعطى من كنز تحت العرش ولم يعط منه أحد غيره والسبع الطوال والمفصل. وأن دار هجرته التي هي المدينة آخر الدنيا خرابا، وأن جميع ما في الكون خلق لأجله، وأنه تعالى كتب اسمه على العرش وعلى كل سماء، وما فيها كما تقدم وعلى بعض الأحجار وورق الأشجار وبعض الحيوانات كما تقدم، قال بعضهم: بل وعلى سائر ما في الملكوت وذكر الملائكة له ﷺ في كل ساعة، وذكر اسمه ﷺ في الأذان في عهد آدم والملكوت الأعلى كما تقدم. ومما اختص به ﷺ عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه يحرم نكاح أزواجه ﷺ بعد موته حتى على الأنبياء بخلاف زوجات الأنبياء بعد موتهم لا يحرم نكاحهن على المؤمنين. قال شيخنا الشمس الرملي والأقرب عدم حرمتهن على الأتقياء من أممهم. وفيه أنه إذا لم يحرمن على آحاد المؤمنين فعلى الأتقياء بطريق الأولى، إلا أن يقال الفرق ممكن، يدل عليه قوله: والأقرب وإلا فهذا مما يتوقف فيه على النقل. وقيل ومن ذلك أنه يجب على أزواجه ﷺ من بعده الجلوس في بيوتهن ويحرم عليهن الخروج منها ولو لحج أو عمرة والراجح خلاف ذلك، فقد حججن مع عمر رضي الله تعالى عنه وعنهن إلا سودة وزينب فخرجن في الهوداج عليهن الطيالسة الخضر وعثمان رضي الله تعالى عنه يسير أمامهن يقول لمن أراد أن يمر عليهن إليك

стр. 1466

إليك. وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه خلفهن يقول لمن أراد أن يمر عليهن مثل ذلك، ولا ترى هوادجهن إلا مد البصر، ولما ولي عثمان رضي الله تعالى عنه حج بهن أيضا إلا سودة وزينب. وأنه يحرم أيضا رؤية أشخاص زوجاته ﷺ في الأزر، وسؤالهن مشافهة أي من غير حجاب. ولا يجوز كشف وجوههن لشهادة بلا خلاف، وأن الله أخذ الميثاق على سائر النبيين آدم فمن بعده أن يؤمنوا به ﷺ وينصروه إن أدركوه وأن يأخذوا العهد على أممهم بذلك كما تقدم، وأنه ﷺ يحشر على البراق، فقد جاء: «تبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الدواب ويبعث صالح على ناقته، ويحشر ابنا فاطمة رضي الله تعالى عنهم على ناقته العضباء والقصوى، ويبعث بلال رضي الله تعالى عنه على ناقة من نوق الجنة، وأن في كل يوم ينزل على قبره الشريف ﷺ سبعون ألف ملك يضربونه بأجنحتهم ويحفون به، ويستغفرون له، ويصلون عليه إلى أن يمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك كذلك حتى يصبحون لا يعودون إلى أن تقوم الساعة» وأنه شق صدره الشريف ﷺ عند ابتداء الوحي، وأنه تكرر له ذلك خمس مرات على ما تقدم، وأن خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه حيث يدخل الشيطان لغيره. وخاتم الأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام كان في يمينهم كما تقدم، وتقدم ما فيه، وأن له ﷺ ألف اسم، ونقل عن تفسير الفخر الرازي أن له ﷺ أربعة آلاف اسم، وأنه ﷺ تسمى من أسماء الله تعالى بنحو سبعين اسما، وأنه ﷺ رأى جبريل ﵇ على الصورة التي خلق عليها مرتين كما تقدم، وغيره لم يره كذلك، وأنه ﵊ يحكم بالظاهر والباطن كما تقدم، وأنه ﷺ أحلت له مكة ساعة من نهار وأنه حرّم ما بين لابتي المدينة كما تقدم، وأنه لم تر عورته قط، وأن من رآها طمست عيناه كما تقدم، وأنه إذا مشى في الشمس أو في القمر لا يكون ﷺ ظل لأنه كان نورا وأنه إذا وقع شيء من شعره في النار لا يحترق، وأن وطأة أثر في الصخر على ما تقدم، وأن الذباب لا يقع على ثيابه فضلا عن جسده الشريف، ولا يمتص نحو البعوض والقمل دمه كما تقدم، وهذا لا ينافي كون القمل يكون في ثوبه، ومن ثم جاء: «كان ﷺ يفلي ثوبه» وأن عرقه أطيب من ريح المسك كما تقدم. وكان ﷺ إذا ركب دابة لا تبول ولا تروث وهو راكبها، ولو بنى مسجده إلى صنعاء اليمن كان مسجده أي في المضاعفة خلافا لجمع منهم ابن حجر الهيتمي. وقد قال الحافظ السيوطي: نص العلماء على أن المسجدين: أي المكي والمدني، ولو وسعا لم تختلف أحكامهما الثابتة لهما.

стр. 1467

وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لو مدّ مسجد رسول الله ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه، فهذا الأثر مصرح بأن أحكام مسجد رسول الله ﷺ ثابتة له، فالتوسعة لا تمنع استمرار الحكم، وتقدم ما في ذلك، وأنه يجب على أمته ﷺ أن تصلي وتسلم عليه في التشهد الأخير وعند كل ما يذكر عند بعضهم، وأن القمر شق له ﷺ كما تقدم، وأن الحجر والشجر سلما عليه ﷺ ، وشهادة الشجر له ﷺ بالنبوة وإجابتها دعوته، وكلام الصبيان المراضع، وشهادتهم له بالنبوة كما تقدم، وأن الجذع اليابس حن إليه ﷺ كما تقدم، وأنه ﷺ أرسل للناس كافة الإنس والجن إجماعا معلوما من الدين بالضرورة فيكفر جاحد ذلك، وقد يتوقف في كفر العامي بجحد إرساله ﷺ للجن وإلى الملائكة على ما هو الراجح كما تقدم. قال بعضهم والقول بمقابلة مبني على تفضيل الملائكة على الأنبياء، وهو قول مرجوح ذهب إليه المعتزلة والفلاسفة وجماعة من أهل السنة الأشاعرة. واستدلوا بأمور كلها مردودة وتقدم عن البارزي ﵀ أنه ﷺ أرسل إلى الحيوانات والجمادات، لكن استدل له بشهادة الضب والشجر له بالرسالة ﷺ . وقد يتوقف في الاستدلال بذلك. وتقدم عن الحافظ السيوطي ﵀ أنه ﷺ أرسل لنفسه، وتقدم الفرق بين عموم رسالته ﵊ وعموم رسالة نوح ﷺ ، وأنه ﷺ بعث رحمة للبر والفاجر، ورحمة للكفار بتأخير العذاب، وعدم معالجتهم بالعقوبة بنحو الخسف والمسخ والغرق كسائر الأمم المكذبة كما تقدم، وأن الله تعالى لم يخاطبه باسمه كما خاطب غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل خاطبه ﷺ : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال: الآية ٦٤] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ [المائدة: الآية ٤١] يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثّر: الآية ١] يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) [المزمّل: الآية ١] وقال: يا آدَمُ [البقرة: الآية ٣٣] يا نُوحُ [هود: الآية ٣٢] يا إِبْراهِيمُ [هود: الآية ٧٦] يا داوُدُ [ص: الآية ٢٦] يا زَكَرِيَّا [مريم: الآية ٧] يا يَحْيى [مريم: الآية ١٢] يا عِيسى [آل عمران: الآية ٥٥] وأن الله أقسم بحياته ﷺ ، قال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) [الحجر: الآية ٧٢] . وروى ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة محمد ﷺ » وأقسم الله على رسالته بقوله: يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) [يس: الآية ١- ٣] وأن إسرافيل ﵇ أهبط إليه ﷺ ولم يهبط إلى نبي قبله كما تقدم، وأنه ﷺ أكرم الخلق على الله، وأنه يحرم نكاح موطوآته ﷺ من الزوجات والسراري إلا من باعه أو وهبه من السراري في حياته إن فرض ذلك، وذهب الماوردي إلى تحريمها. وفي كلام بعضهم: وتحرم زوجاته ﷺ على غيره ولو قبل الدخول ولو مختارة

стр. 1468

للفراق، خلافا لما في الشرح الصغير للرافعي من حل المختارة للفراق، وأنه يحرم التزوّج على بناته ﷺ ، وقيل على فاطمة خاصة رضي الله تعالى عنها. وأما التسري إلا عليهنّ فلم أقف على حكمه، وما علل به منع التزويج عليهنّ حاصل في التسري إلا أن يفرق. وأوتي ﷺ قوة أربعين رجلا من أهل الجنة في الجماع، وقوة الرجل من أهل الجنة كمائة من أهل الدنيا، فيكون أعطي ﷺ قوة أربعة آلاف رجل، وسليمان صلوات الله وسلامه عليه أعطى قوة مائة رجل. وقيل ألف رجل أي من رجال الدنيا، وأن فضلاته ﷺ طاهرة كما تقدم، وأنه كان له ﷺ أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام كجعله شهادة خزيمة بشهادة رجلين، لأن النبي ﷺ ابتاع فرسا من أعرابي فاستبقه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ وتباطا الأعرابي والفرس معه فساومه في الفرس رجال لا يعرفون أن النبي ﷺ اشتراه بزيادة عما اشتراه به ﷺ فقال الأعرابي للنبي ﷺ : إن كنت مبتاعا لهذا الفرس فابتعه وإلا بعته، فقال النبي ﷺ وقد سمع نداء الأعرابي: أو ليس قد ابتعته منك، فقال الأعرابي: لا، فقال النبي ﷺ : بلى قد ابتعته منك، فقال الأعرابي: شاهدان يشهدان أني بعتك، فلما سمع خزيمة رضي الله تعالى عنه ذلك، قال: أنا أشهد أنك بعته، فقال النبي ﷺ لخزيمة: كيف تشهد ولم تكن معنا؟ فقال: يا رسول الله إنا نصدقك بخبر السماء أفلا نصدقك بما تقول، فجعل ﷺ شهادته رضي الله تعالى عنه في القضايا بشهادة رجلين. ومنه أخذ جواز الشهادة له ﷺ بما ادعاه. وترخيصه ﷺ لأم عطية رضي الله تعالى عنها، ولخولة بنت حكيم رضي الله تعالى عنها في النياحة لجماعة مخصوصين. وترخيصه ﷺ لأسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها في عدم الإحداد لما قتل زوجها سيدنا جعفر بن أبي طالب حيث قال لها تسلي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت. وتجويز التضحية بالعناق لأبي بردة ولعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهما. وزاد بعضهم ثلاثة آخرين. وتزويجه ﷺ لشخص امرأة على سورة من القرآن وقال: لا تكون لأحد غيرك مهرا ولعل المراد سورة مجهولة، فلا يخالفه ذلك ما عند أئمتنا من جواز ذلك على معين من السور القرآنية. وتزويجه ﷺ أم سليم أبا طلحة رضي الله تعالى عنهما على إسلامه كما تقدم وإعادة امرأة أبي ركانة إليه بعد أن طلقها ثلاثا من غير محلل. وتخصيصه ﷺ نساء المهاجرين بأن يرثن دور أزواجهن دون بقية الورثة وقد

стр. 1469

ألغز في ذلك بعضهم بقوله: سلم على مفتي الأنام وقل به ... هذا سؤال في الفرائض مبهم قوم إذا ماتوا تحوز ديارهم ... زوجاتهم فلغيرها لا تقسم وبقية المال الذي قد خلفوا ... يجري على أهل التوارث منهم وأنه ﷺ أول من ينشق عنه القبر، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ ، قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم أهل البقيع فيخرجون معي ثم أنتظر أهل مكة» ، أي وفي رواية: «وأنا أول من تنشق عنه الأرض فأكون أول من رفع رأسه فإذا أنا بموسى ﵊ آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله» . وفيه أن الاستثناء إنما هو من نفخة الفزع التي هي النفخة الأولى التي يفزع بسببها أهل السموات والأرض، وتمر الجبال مر السحاب، وترتج الأرض بأهلها رجا فتكون كالسفينة في البحر تضربها الأمواج المعنية بقوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) [النازعات: الآية ٦ و ٧] والمعنية بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) [الحج: الآية ١] الآية. قال ﷺ : «والأموات يومئذ لا يعلمون بشيء من ذلك، قلنا يا رسول الله فمن استثنى الله في قوله: إلا من شاء الله: قال: أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: الآية ١٦٩] ، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه» . وفيه أن هذا يقتضي أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يفزعون لأنهم أحياء، ولم يذكرهم ﷺ مع الشهداء، والقياس قد يمنع لأنه يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل. وأنه من يكسى في الموقف أعظم الحلل من الجنة، وأنه ﷺ يقوم في المقام المحمود على يمين العرش، وأنه الذي يشفع في فصل القضاء بين أهل الموقف، وأنه له ﷺ شفاعات في ذلك اليوم وهي إحدى عشرة شفاعة ذكرها في «مزيل الخفاء» وأنه ﷺ صاحب لواء الحمد في ذلك اليوم، آدم فمن دونه تحت لوائه ﷺ ، وأنه خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإمامهم في ذلك اليوم كما تقدم. وأول من يؤذن له في السجود. وأول من ينظر إلى الرب ، وأنه يسجد أوّلا فيقول له الرب ﷻ ، ارفع رأسك يا محمد، قل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، ثم ثانيا، ثم ثالثا كذلك فيشفع. وأنه أول من يفيق من الصعقة. وفيه أن نفخة الصعقة، وهي النفخة الثانية التي هي نفخة الموت لأهل السموات والأرض، إلا أن يقال المراد بالصعقة هنا نفخة رابعة أثبتها ابن حزم.

стр. 1470

فقد قال الحافظ الجلال السيوطي ﵀: وأغرب ابن حزم رحمه الله تعالى، فادعى أن النفخ في الصور يقع أربع مرات، فعليه تكون هذه النفخة ليست هي المذكورة في القرآن، وأنها تكون في الموقف بعد النفخة الثالثة التي هي نفخة البعث التي بسببها يكون القيام من القبور إلى المحشر المعنية بقوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: الآية ٦٨] وهذه النفخة الرابعة تسمى نفخة الصعق أيضا، لأن بها يحصل لجميع أهل السموات والأرض في ذلك الوقت غشي وهو شبيه بالموت، ويكون أول من يفيق من تلك الصعقة هو ﷺ ، وحينئذ يجد موسى ﵊ آخذا بقائمة من قوائم العرش، ويكون قوله: «أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكون أنا أول من رفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش» من تخليط بعض الرواة. وحينئذ لا يحتاج إلى الجواب بأنه ﷺ أخبر بقوله لا أدري قبل أن أعلمه الله تعالى بأنه أول من تنشق عنه الأرض على الإطلاق، وأن موسى ﵊ سبقه إلى العرش لأنه ﷺ بعد خروجه من الأرض ينتظر خروج أهل البقيع، ومجيء أهل مكة فليتأمل ذلك. وأول من يمر على الصراط، وأول من يدخل الجنة ومعه فقراء المسلمين، وأن له الوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة. وقيل إنه في الجنة لا يصل لأحد شيء إلا بواسطته ﷺ ، وأنه لا يقرأ في الجنة إلا كتابه، ولا يتكلم في الجنة إلا بلسانه. ومما شارك فيه الأنبياء في هذا القسم، أن من دعاه ﷺ ، في الصلاة تجب عليه الإجابة قولا وفعلا ولو كثيرا، ولا تبطل صلاته بالنسبة لنبينا ﷺ بخلاف غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنها تبطل. ومنه أيضا العصمة من الذنب مطلقا كبيرا أو صغيرا عمدا أو سهوا، وعدم التثاؤب والاحتلام، لأن كلا من الشيطان، ولم ير أثر لقضاء حاجته ﷺ ، بل كانت الأرض تبتلعه ويشم من مكانه رائحة المسك. قال: وأنه ﷺ كان ينظر بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء. واستشكل بما جاء: «أنه ﷺ لما ابتنى بأم سلمة ﵂ دخل عليها في الظلمة، فوطىء ﷺ على ابنتها زينب فبكت، فلما كانت الليلة القابلة دخل ﷺ في ظلمة أيضا فقال: «انظروا ربائبكم لا أطأ عليها» وزينب هذه ولدتها من أبي سلمة بالحبشة، ودخلت على رسول الله ﷺ وهو يغتسل وهي إذ ذاك طفلة فنضح ﷺ وجهها بالماء، فلم يزل ماء الشباب بوجهها حتى عجزت وقاربت المائة سنة. وكان ﷺ ينظر من خلفه كما ينظر أمامه، أي وعن يمينه وعن شماله، فقد جاء: «إني لأنظر إلى ما وراء ظهري كما أنظر إلى أمامي» فقيل كان له ﷺ بين كتفيه

стр. 1471

عينان كسم الخياط يبصر بهما لا تحجبهما الثياب، وقيل كانت تنطبع صورة المحسوسات التي خلفه في حائط قبلته كما تنطبع الصور في المرآة. وهذا يدل على أن ذلك خاص بالصلاة، وهو ظاهر أكثر الروايات أي وكانت تلك الصلاة إلى حائط فليتأمل. وكان ﷺ يرى الثريا اثنا عشر نجما وغيره لا يزيد على تسعة ولو أمعن النظر. واختصت هذه الأمة المحمدية بأمور لم يشاركها فيه من قبلهم من الأمم، وهي أنها خير الأمم، وأكرم الخلق على الله. قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: الآية ١١٠] . وفي الحديث: «إن الله اختار أمتي على سائر الأمم. وإن الله ينظر إليها في أول ليلة من رمضان» وأعطيت الاجتهاد في الأحكام، وأظهر الله ذكرها في الكتب القديمة كالتوراة والإنجيل، وأثنى عليها، وأعطيت الصلوات الخمس: أي جمعت لهم على ما تقدم، وأعطيت صلاة العشاء. فقد أخرج أبو داود والبيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه ﷺ قال: «إنكم فضلتم بها» أي بصلاة العشاء «على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم» وفيه ما تقدم. وأعطيت افتتاح الصلاة بالتكبير. وأعطيت التأمين: أي قول آمين عقب الدعاء، فقد جاء: «أعطيت آمين ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلا أن يكون الله أعطاها هارون فإن موسى كان يدعو ويؤمن هارون عليهما الصلاة والسلام» وتقدم أن آمين عقب الفاتحة ليس من القرآن اتفاقا. وأعطيت الاستنجاء بالحجر. وأعطيت الأذان والإقامة والركوع في الصلاة، وأما قوله تعالى لمريم: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: الآية ٤٣] فالمراد بالركوع الخضوع كما تقدم، ويلزمه أنها أعطيت في الرفع منه «سمع الله لمن حمده» . وفي الاعتدال «اللهم ربنا لك الحمد» إلى آخره. وأعطيت تحريم الكلام في الصلاة دون الصوم عكس من قبلهم. وأعطيت الجماعة في الصلاة. وأعطيت الاصطفاف فيها كصفوف الملائكة. وأعطيت صلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء والوتر. وأعطيت قصر الصلاة في السفر، والجمع بين الصلاتين فيه على ما تقدم وفي المطر والمرض على قول اختاره جمع من العلماء ومنهم والدي ﵀. وأعطيت صلاة الخوف وصلاة شدته. وأعطيت شهر رمضان على ما تقدم. وأعطيت فيه أمورا منها تصفيد الشياطين. وقد سئلت: ما فائدة تصفيد الشياطين في رمضان مع وجود الفساد والشر وقتل الأنفس فيه؟ وقد أجبت عنه أربعة أجوبة، حاصلها أن فائدة ذلك قلة الشر لا نفيه بالكلية، وقد ذكرت ذلك في كتابي «إسعاف الإخوان في شرح غاية الإحسان» وهو

стр. 1472

كتاب ألفته في الصوم وما يتعلق به. ومنها صلاة الملائكة عليهم حين يفطروا. ومنها أن ريح فمهم بعد الزوال أطيب عند الله من ريح المسك، وفيه أن هذا لا يختص بصوم رمضان. ومنها أن الجنة تزين فيه من رأس الحول إلى رأس الحول، وتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النيران، وتفتح أبواب السماء في أول ليلة منه. ومنها أنه يغفر لهم في آخر ليلة منه. وأعطيت العقيقة عن الأنثي. وأعطيت العذبة في العمامة. وأعطيت الوقف، والوصية بالثلث عند الموت. وأعطيت غفران الذنوب بالاستغفار، وجعل الندم توبة. وأعطيت صلاة الجمعة. وأعطيت ساعة الإجابة في يومها. وأعطيت ليلة القدر. وأعطيت السحور وتعجيل الفطر. وأعطيت الاسترجاع عند المصيبة. وأعطيت الحوقلة: أي لا حول ولا قوة إلا بالله. وأعطيت رفع الإصر عنها، ومنه وجوب القصاص في الخطأ والمؤاخذة بحديث النفس والنسيان وما وقع عليه الإكراه، وأن إجماعها حجة لأنها لا تجتمع على ضلالة: أي محرم. وأعطيت أن اختلاف علمائها رحمة، وكان اختلاف من قبلهم عذابا، والمراد بعلماء الأمة المجتهدون، كما أن المراد ذلك كما رواه البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال قال رسول الله ﷺ «اختلاف أصحابي رحمة» أي ويقاس بأصحابه غيرهم ممن بلغ رتبة الاجتهاد. قال بعضهم: وما ذكره بعض الأصوليين والفقهاء أنه ﷺ قال: «اختلاف أمتي رحمة» لا يعرف من خرّجه بعد البحث الشديد، وإنما يعرف عن القاسم بن محمد بلفظ: «اختلاف أمة محمد رحمة» قال الحافظ السيوطي: ولعله خرّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا، وأن الطاعون لهم رحمة وكان على من قبلهم عذابا. وأعطيت الإسناد للحديث. قال أبو حاتم الرازي ﵀: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم ﵊ من يحفظون آثار الرسل، أي ويأخذها واحد عن الآخر إلا في هذه الأمة، أي حتى إن الواحد منهم يكتب الحديث الواحد من ثلاثين طريقا أو أكثر، وأن فيها الأقطاب والأنجاب والأوتاد، ويقال لهم العمد والأبدال والأخيار والعصب، فالأبدال بالشام، واختلفت الروايات في عددهم: فأكثر الروايات أنهم أربعون رجلا، وفي بعض الروايات أربعون رجلا، وأربعون امرأة كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا، وكلما ماتت امرأة أبدل الله مكانها امرأة، فإذا جاء الأمر قبضوا كلهم، فعند ذلك تقوم الساعة. وعن الفضل بن فضالة قال: الأبدال بالشام في حمص خمسة وعشرون رجلا، وفي دمشق ثلاثة عشر، وفي بيسان اثنان. وفي رواية عن حذيفة بن اليمان: «الأبدال بالشام ثلاثون رجلا على منهاج إبراهيم ﵊» .

стр. 1473

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال أربعون رجلا قلوبهم على قلب إبراهيم ﵊، يدفع الله بهم عن أهل الأرض، يقال لهم الأبدال. وعن الحسن البصري ﵀: لن تخلو الأرض من سبعين صدّيقا وهم الأبدال: أربعون بالشام، وثلاثون في سائر الأرض. وعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه فهو من الأبدال الذين بهم قوام الدنيا وأهلها: الرضا بالقضاء، والصبر عن محارم الله، والغضب في ذات الله» . وجاء في وصف الأبدال: «إنهم لم ينالوا ما نالوا بكثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكن بسخاء النفس، وسلامة القلوب، والنصيحة لأئمتهم» وفي لفظ: «لجميع المسلمين» . وعن أبي سليمان: الأبدال بالشام والنجباء بمصر. وفي لفظ: الأبدال من الشام والنجباء من أهل مصر. وفي رواية عن علي كرم الله وجهه أيضا: والنجباء بالكوفة، والعصب باليمن، والأخيار بالعراق. وفي لفظ: والعصب بالعراق. وعن بعضهم: النقباء ثلاثمائة وسبعون، والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة، والغوث: أي الذي هو القطب واحد، فمسكن النقباء الغرب، ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام، والأخيار سائحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء ثم النجباء، ثم الأبدال، ثم الأخيار، ثم العمد، فإن أجيبوا وإلا ابتهل الغوث، فما تتم مسألته حتى يجاب. وجاء عن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ : «لم يكن نبي قط إلا أعطي سبعة نجباء وزراء رفقاء، وإني أعطيت خمسة عشر: حمزة، وجعفر، وأبو بكر، وعمر، وعلي، والحسن، والحسين، وعبد الله بن مسعود، وسلمان، وعمار بن ياسر، وحذيفة، وأبو ذر، والمقداد، وبلال، ومصعب» وأسقط الترمذي حذيفة وأبا ذر والمقداد. وأنهم: أي أمته ﷺ يخرجون من قبورهم بلا ذنوب يمحصها الله عنهم باستغفار المؤمنين لهم، وأنها أول من يحاسب، وأنها أول من تنشق عنها الأرض، وأنها في الموقف تكون على مكان عال مشرف على الأمم، وأنها أول من يدخل الجنة من الأمم، وأن لكل منها نورين كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنها تمر على الصراط كالبرق الخاطف وأنها تشفع في بعضها، وأن لها ما وسعت وما سعى

стр. 1474

لها، وأنها اختصت عن الأمم ما عدا الأنبياء بوصف الإسلام على الراجح كما تقدم لأنه لم يوصف بالإسلام أحد الأمم السالفة سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقد شرفت بأن توصف بالوصف الذي توصف به الأنبياء تشريفا لها وتكريما لها، فقد قال زيد بن أسلم أحد أئمة السلف العالمين بالقرآن والتفسير: لم يذكر الله بالسلام غير هذه الأمة، أي وما ورد مما يوهم خلاف ذلك مؤول. وقد خصت هذه الأمة بخصائص لم تكن لأحد سواها إلا للأنبياء فقط، فمن ذلك الوضوء، فإنه لم يكن أحد يتوضأ إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعا، في التوراة والإنجيل وصف هذه الأمة أنهم يوضؤون أطرافهم. وفي بعض الآثار: افترضت عليهم أن يتطهروا في كل صلاة كما افترضت على الأنبياء لكن تقدم في الحديث: «أنه ﷺ توضأ مرة مرة، فقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين فقال: هذا وضوء الأمم من قبلكم، من توضأ مرة آتاه الله أجره مرتين، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء خليلي إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» وهذا الحديث كما ترى يقتضي مشاركة الأمم مع هذه الأمة في أصل الوضوء، والاختصاص إنما هو بالتثليث، وتقدم الكلام على ذلك، أي والغسل من الجنابة. ففيما أوحى الله إلى داود ﵊ في وصف هذه الأمة: «وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأن منها سبعين ألفا، مع كل واحد من هؤلاء السبعين ألفا سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، أي وبإجلال الله تعالى توقير المشايخ منهم، وأنهم اذا حضروا القتال في سبيل الله حضرتهم الملائكة لنصرة الدين، وأن الملائكة عليهم تنزل عليهم في كل سنة ليلة القدر تسلم عليهم، وأكل صدقاتهم في بطونهم، وإثابتهم عليها، وتعجيل الثواب في الدنيا مع ادخاره في الآخرة، كصلة الرحم فإنها تزيد في العمر ويثاب عليها في الآخرة وما دعوا به استجيب لهم. روى الترمذي ﵀: «أعطيت هذه الأمة ما لم يعط أحد بقوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: الآية ٦٠] » وإنما يقال هذا للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وأوحى الله تعالى إلى داود ﵊ في وصف هذه الأمة «إن دعوني استجيب لهم، فإما أن يكون عاجلا، وإما أن أصرف عنهم سوآ، وإما أن أدخر لهم في الآخرة» ومخالطة الحائض سوى الوطء وما ألحق به، وهو مباشرة ما بين سرتها وركبتها، وتقدم وصفهم في الكتب القديمة بما لا ينبغي إعادته هنا لطوله.

стр. 1475

باب ذكر أولاده ﷺ ولد له ﷺ من خديجة رضي الله تعالى عنها قبل البعثة: القاسم، وهو أول أولاده ﷺ ، وبه كان يكنى، قيل عاش سنتين، وقيل سنة ونصفا، وقيل حتى مشى، وقيل بلغ ركوب الدابة، وقيل عاش سبع ليال. وهو أول من مات من ولده قبل البعثة، ثم ولدت قبل البعثة أيضا زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم رضي الله تعالى عنهن. وقيل أول بناته ﷺ رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم رضي الله تعالى عنهن. وقيل أكبر بناته ﷺ رقية، ثم زينب، ثم أم كلثوم ثم فاطمة. وقيل أول بناته ﷺ زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. وبعض الناس ذكر رقية بعد فاطمة. وبعد البعثة ولد له ﷺ عبد الله، ويسمى الطيب الطاهر. وقيل الطيب والطاهر غير عبد الله المذكور ولدا في بطن واحدة قبل البعثة. أي وقيل اللذان ولدا في بطن واحدة قبل البعثة الطاهر والمطهر. وقيل ولد له أيضا قبل البعثة في بطن واحد الطيب والمطيب. وقيل ولد له قبل البعثة عبد مناف، مات هؤلاء قبل البعثة وهم يرضعون، أما عبد الله الذي ولد له بعد بعثته ﷺ فكان آخر الأولاد من خديجة رضي الله تعالى عنها. وبهذا يظهر التوقف في قول السهيلي ﵀ كلهم ولدوا بعد النبوة. وأجاب بعضهم بأن المراد بعد ظهور دلائل النبوة. وفيه أن دلائل النبوة وجدت قبل تزويجه بخديجة رضي الله تعالى عنها. وعند موت عبد الله هذا قال العاص بن وائل والد عمرو بن العاص. وقيل أبو لهب قد انقطع ولده: أي لا ولد له ذكر لأن ما عدا الذكر عند العرب لا يذكر فهو أبتر، فأنزل الله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) [الكوثر: الآية ٣] . أقول: في مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذا أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله، فقال: أنزل عليّ آنفا سورة فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) [الكوثر: الآيات ١- ٣] ولا يخفى أن هذا يقتضي أن السورة المذكورة مدنية، ثم رأيت الإمام النووي رجح ذلك لما ذكر. وقد يقال: يجوز أن يكون إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) [الكوثر: الآية ٣] نزل بمكة وما عداه نزل بالمدينة وقد يعبر عن معظم السورة بالسورة. ثم رأيته في الإتقان ذكر أن مما نزل دفعة واحدة سورا منها الفاتحة والإخلاص والكوثر. ثم رأيت الإمام
следующие страницы →