وذهبت الأمة جمعاء إلى جواز المسح واعتقاده، محتجين بالسنة المتواترة.
والقراءة -على فرض الأخذ بها- تكون مجرورة للمجاورة، أو لتقييد المسح على الخفين وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يعجبهم حديث جرير بن عبد الله في المسح على الخفين لأن إسلامه كان بعد نزول سورة المائدة فيكون في الآية رد على من لم ير المسح أخذا بقراءة الجر في "وأرجلكم" وقال ابن دقيق العيد كلاما مؤداه أن المسح على الخفين اشتهر جوازه حتى صار شعار أهل السنة. وإنكاره شعار أهل البدعة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية المسح على الخفين عند الوضوء، والمسح يكون مرة واحدة باليد ويكون على أعلى الخف دون أسفله كما جاء في الآثار.
٢- اشتراط الطهارة للمسح على الخفين. وذلك بأن تكون الرجلان على طهارة قبل دخولهما في الخف.
٣- استحباب خدمة العلماء والفضلاء.
٤- جاء في بعض روايات هذا الحديث أن ذلك في غزوة تبوك لصلاة الفجر.
الحديث الثاني
عن حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَان قال: كَنْتُ مَعَ النبي ﷺ في سَفَرِ، فَبَالَ وَتَوَضَّأ وَمَسَحَ عَلَى خُفَيهِ (١) (مختصر) .
المعنى الإجمالي:
ذكر حذيفة أنه كان مع النبي ﷺ فى أحد أسفاره، فبال وتوضأ ومسح على خفيه.
стр. 37
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية المسح على الخفين في السفر. ومدة المسح على الخفين والعمامة في السفر ثلاثة أيام بلياليها. ومدة المسح للمقيم يوم وليلة أي ٢٤ ساعة يحسب ابتداؤها في السفر أو الحضر- من ساعة المسح على أصح الأقوال.
٢- المسح على الخفين بعد الوضوء من البول وثبت المسح على الخفين وعلى العمامة من كل حدث أصغر، في أحاديث كثيرة. أما الحدث الأكبر الموجب للغسل كالجنابة فلا يكفى فيه المسح على الخفين ولا على العمامة بل لابد من الاغتسال أما الجبيرة والجروح المعصوبة فإنه يمسح عليها من الحدثين الأصغر والأكبر. أما إذا كان المسح يضرها أو يخشى منه الضرر فلا تمسح ويتيمم عنها ولكن مع غسل سائر الأعضاء الصحيحة.
стр. 38
بَاب في المذي وغَيره
المذيُ: هو السائل الذي يخرج من الذكر، عند هيجان الشهوة، ويخرج بلا دفق ولا لذة. ولا يعقبه فتور، وقد لا يحس بخروجه، ويكون ذلك للرجل والمرأة. وقال الأطباء: إنه يخرج من مجرى البول مع إفراز الغدد المبالية عند الملاعبة.
والمراد هنا، بيان أحكامه من حيث النجاسة ونقض الوضوء.
وفى الباب، عدةَ من الأحاديث، تتعلق بنقض الوضوء وإزالة النجاسات.
الحديث
عَنْ عَلِىِّ بْنِ أبى طَالِب ﵁ قَال: كُنْتُ رَجُلا مَذّاءً، فَاسْتَحْيَيتُ أنْ أسْألَ رَسُولَ الله ﷺ لِمَكَان ابنته منِّى، فَأمَرْتُ المِقْدادَ بْنِ الأسْوَد، فَسألهُ، فَقَاَل: " يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ويتوضأ (١) ".
وللبخاري "اغْسِل ذَكَرَكَ وتَوَضأ" ولمسلم (٢) : "تَوَضأ وَاْنضَحْ فَرْجَكَ".
غريب الحديث:
١- "مذَّاء" وزن فعّال من صيغ المبالغة، والمراد كثير المَذي. ْ
٢- "انضح فرجك" يراد بالنضح، الرش وهو الأكثر، وقد يراد به الغسل، وهو المراد هنا، ليوافق الرواية الأخرى المصرّحة بالغسل.
٣- "يغسلُ" برفع اللام. هكذا الرواية على صيغة الخبر، ومعناه الأمر.
٤- "استحييت" بيائين هي اللغة الفصحى، ويأتي بياء واحدة كما في قراءة ﴿إن الله لا يستحى ...﴾ .
المعنى الإجمالي:
يقول على ﵁: كنت رجلا كثير المذْيِ، وكنت أغتسل منه حتى شق علىَّ الغُسل، لأني ظننت حكمه حكم المنى.
فأردت أن أتأكد من حكمه، وأردت أن أسأل النبي ﷺ .
ولكون هذه المسألة تتعلق بالفروج، وابنته تحتي، فاستحييت من سؤاله، فأمرت المقداد أن يسأله، فسأله
стр. 39
فقال: إذا خرج منه المذي فليغسل ذَكَرَهُ حتى يتقلص الخارج الناشئ من الحرارة، برَشَّة بالماء، ويتوضأ لكونه خارجا من أحد السبيلين والخارج من أحدهما هو أحد نواقض الوضوء. فيكون ﷺ قد أرشد السائل بهذا الجواب إلى أمر شرعي وأمر طبي.
اختلاف العلماء:
ذهب الحنابلة، وبعض المالكية: إلى وجوب غسل الذكر كله، مستدلين بهذا الحديث وغيره، حيث صرحت بغسل الذكر، وهو حقيقة يطلق عليه كله. وذهب الجمهور: إلى وجوب غسل المحلى الذي أصابه المذْىُ، لأنه الموجب للغسل فيقتصر عليه.
والقول الأول أرجح لأمور:
الأول: أن غسله هو الحقيقة من الحديث، وغسل بعضه مجاز يحتاج إلى قرينة قوية.
الثاني: أن المذْيَ فيه شبه من المَنيّ، من ناحية سبب خروجهما، وتقارب لونهما، وغير ذلك، فهو أشبه ما يكون بجنابة صغرى، يقتصر فيه عن غسل البدن كله، على غسل الفرج.
الثالث: أنه يتسرب من حرارة الشهوة فنضحه كله مناسب، ليتقلص الخارج بتبريده.
ما يؤخذ من الحديث:
١- نجاسة المَذيِ، وأنه يجب غسله. ولكن يعفى عن يسيره بسبب المشقة كما ذكر بعض العلماء.
٢- أنه من نواقض الوضوء، لأنه خارج من أحد السبيلين.
٣- وجوب غسل الذكر.
وقد ورد في بعض الأحاديث (وغسل الأنثيين) .
٤- أنه لا يوجب غسل البدن كالجنابة، وهو إجماع.
٥- أنه لا يكفى في إزالة المذىِ الاستجمار بالحجارة كالبول بل لابد من الماء.
حكم في حصول الحدث
عن عَبّادٍ بنِ تَميمٍ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ زَيد بنِ عَاصِمٍ المَازِني قال: شُكِيَ (١) إلى النبي ﷺ الرجُلُ يُخَيلُ إلَيْهِ أنَهُ يَجِدُ الشيء في الصَّلاةِ، فَقَالَ: "لا يَنْصرفْ حَتّى يَسمَعَ صَوتاً أو يَجِدَ رِيحاً.
стр. 40
المعنى الإجمالي:
هذا الحديث- كما ذكر النووي ﵀ من قواعد الإسلام العامة وأصوله التي تبنى عليها الأحكام الكثيرة الجليلة.
وهى أن الأصل بقاء الأشياء المتيقنة على حكمها، فلا يعدل عنها لمجرد الشكوك والظنون، سواء قويت الشكوك، أو ضعفت، مادامت لم تصل إلى درجة اليقين، وأمثلة ذلك كثيرة لا تخفى. ومنها هذا الحديث.
فما دام الإنسان متيقنا للطهارة، ثم شك في الحدث فالأصل بقاء طهارته، وبالعكس فمن تيقن الحدث، وشك في الطهارة فالأصل بقاء الحدث، ومن هذا الثياب والأمكنة، فالأصل فيها الطهارة، إلا بيقين نجاستها.
ومن ذلك عدد الركعات في الصلاة، فمن تيقن ثلاثا مثلا، وشك في الرابعة، فالأصل عدمها.
ومن ذلك، من شك في طلاق زوجته. فالأصل بقاء النكاح. وهكذا من المسائل الكثيرة التي لا تخفى.
ما يؤخذ من الحديث:
١- القاعدة العامة وهي" أن" الأصل بقاء ما كان على ما كان.
٢- أن مجرد الشك في الحدث، لا يبطل الوضوء، ولا الصلاة.
٣- تحريم الانصراف من الصلاة لغير سبب بين.
٤- أن الريح الخارجة من الدبر، بصوت أو بغير صوت، ناقضة للوضوء.
٥- يراد من سماع الصوت ووجدان الريح في الحديث، التيقن من ذلك.
فلو كان لا يسمع ولا يشتم، وتيقن بغير هذين الطريقين، انتقض وضوءه.
حكم بول الصبي والصبية
عَنْ أُم قَيْسِ بِنْتَ مِحْصَنِ اْلأسديَة أنها أتَتْ بِابْنِ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأكُلِ الطّعَامَ، إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فأجلَسَهُ رسول الله ﷺ في حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاء فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
وفي حديث عائشةَ أًم المؤمنين: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ أُتِيَ بِصبيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ
стр. 41
فَدَعَا بِمَاء فَأتْبَعَهُ إِيَّاه. ولمسلم " فَأتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ ".
المعنى الإجمالي:
كان الصحابة ﵃ يأتون النبي ﷺ بأطفالهم. لينالوا من بركته وبركة دعائه لهم.
وكان ﷺ من لطافته، وكرم أخلاقه، يستقبلهم بما جبله الله عليه، من البشر والسماحة.
فجاءت "أم قيس" بابن لها صغير، يتقوت اللبن، ولم يصل إلى سن التقوت بغير اللبن.
فمن رحمته أجلسه في حجره الكريم، فبال الصبي على ثوب النبي ﷺ ، فطلب ماء فرش مكان البول من ثوبه رشاً، ولم يغسله غسلا.
اختلاف العلماء:
يرى طائفة من العلماء أن الذكر والأنثى سواء في الاكتفاء بالنضح، قياسا للأنثى على الذكر.
وترى طائفة أخرى: أنهما سواء في وجوب الغسل وعدم الاكتفاء بالنضح.
وكلا الطائفتين لم تستندا إلى دليل.
و"النضح" للذكر و"الغسل" للأنثى، هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة وهو مذهب الأئمة "الشافعي" "وأحمد" و"إسحاق" و"الأوزاعي" و"ابن حزم" و"ابن تيمية" و "ابن القيم" واختاره شيخنا "السعدي" وكثير من المحققين.
ما يؤخذ من الحديث:
١- نجاسة بول الغلام وإن لم يأكل الطعام لشهوة..
٢- كفاية الرش، الذي لا يبلغ درجة الجريان، لتطهير بول الغلام.
٣- أخلاق النبي ﷺ الكريمة، وتواضعه الجم.
فائدة: اختلف العلماء في السبب الذي أوجب التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، وتلمس كل منهم حكمة، صارت- في نظره- الفارقة المناسبة.
стр. 42
وأحسن هذه التلمسات، أحد أمرين.
الأول: أن الغلام عنده حرارة غريزية زائدة على حرارة الجارية، تطبخ الطعام، وتلطف الفضلات الخارجة. ومع هذه الحرارة الزائدة كون الطعام الطفل لطيفاً، لأنه لبن.
والجارية ليس لديها الحرارة الملطفة، ويؤيد هذا تقييد نضح النجاسة بعدم أكل الطعام، إلا اللبن.
والثاني: أن الغلام- عادة- أرغب إلى الناس من الجارية فيكثر حمله ونقله، وتباشر نجاسته، مما يسبب المشقة والحرج، فسومح بتخفيف نجاسته، ويؤيده ما يعرف عن الشريعة من السماح واليسير.
والقاعد العامة تقول: "المشقة تجلب التيسير".
على أن بعض العلماء جعلوه من المسائل التعبدية، التي لا تعقل حكمتها والله أعلم بمراده.
كيفية تطهير الأرض التي أصابها بول
عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قال: جَاءَ أعْرَابيّ فَبَاَلَ في طَائِفَةِ المسْجدِ فَزَجَرَهُ الناس، فَنَهَاهُمُ النبي ﷺ ، فلَما قَضَى بَولَه، أمَرَ النبي ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فأهْرِيقَ عَلَيْهِ.
غريب الحديث:
١- "أعرابي" بفتح الهمزة، نسبة إلى الأعراب، وهم سكان البادية وقد جاءت النسبة فيه إلى الجمع دون الواحد.
٢- "في طائفة المسجد" في ناحية المسجد.
٣- "فزجره الناس" نهروه.
٤- "بذنوب من ماء" بفتح الذال المعجمة، الدلو الملأى ماءً ولا تسمى ذنوبا إلا إذا كان فيها ماء. "فأهريق عليه" أصله "أريق عليه" أبدلت الهمزة هاء، فصار "فهريق" ثم زيدت همزة أخرى، فصار "فأهريق" هو بسكون الهاء، مبنى للمجهول.
المعنى الإجمالي:
من عادة الأعراب، الجفاء والجهل، لبعدهم عن تعلم ما أنزل الله على رسوله.
стр. 43
فبينما كان النبي ﷺ في أصحابه في المسجد النبوي، إذ جاء أعرابي وبال في أحد جوانب المسجد، ظناً منه أنه كالفلاة، فعظم فعله على الصحابة لعظم حرمة المساجد، فنهروه أثناء بوله.
ولكن صاحب الخلق الكريم، الذي بعث بالتبشير والتيسير، ولما يعلمه من حال الأعراب، نهاهم عن زجره، لئلا يُلوث بقعاً كثيرة من المسجد، ولئلا يصيبه الضرر بقطع بوله عليه، وليكون أدعى لقبول النصيحة والتعليم حينما يعلمه النبي ﷺ ، وأمرهم أن يطهروا مكان بوله، بصب دلو من ماء عليه.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن البول على الأرض يطهر بغمره بالماء، ولا يشترط نقل التراب من المكان بعد ذلك ولا قبله.
٢- احترام المساجد وتطهيرها.
٣- سماحة خلق النبي ﷺ . فقد أرشد الأعرابي برفق ولين بعد ما بال مما جعله يقول: "اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحداً " كما جاء في صحيح البخاري.
٤- بُعْدُ نظره ﷺ ومعرفته لطبائع الناس.
٥- عند تزاحم المفاسد، يرتكب أخفها، فقد تركه يكمل بوله، لأجل ما يترتب من الأضرار بقطعه عليه.
٦- إن البعد عن الناس والمدن، يسبب الجفاء والجهل.
٧- الرفق بتعليم الجاهل.
بيان أحكام الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر
عَن أبيِ هُرَيرة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " الفطرة خمس: الْخِتَانُ، والاستِحْدَادُ، وَقَصُ الشَّارب، وَتَقلِيمُ الأظَافِرِ، وَنَتْف الإبْطِ ".
المعنى الإجمالي: يذكر أبو هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول: خمس خصال من دين الإسلام،
стр. 44
الذي فطر اللَه الناس عليه، فمن أتى بها، فقد قام بخصال عظام من الدين الحنيف.
وهذه الخمس المذكرة في هذا الحديث، من جملة النظافة، التي أتى بها الإسلام.
أولها- قطع قُلْفة الذكر، التي يسبب بقاؤها تراكم النجاسات والأوساخ فتحدث الأمراض والجروح.
وثانيها- حلق الشعور التي حول الفرج، سواء أكان قبلا أم دبرا، لأن بقاءها في مكانها يجعلها معرضة للتلوث بالنجاسات، وربما أخلت بالطهارة الشرعية.
وثالثها- قص الشارب، الذي بقاؤه، يسبب تشويه الخلقة، ويكره الشراب بعد صاحبه، وهو من التشبه بالمجوس.
ورابعها- تقليم الأظافر، التي يسبب بقاؤها تجمع الأوساخ فيها، فتخالط الطعام، فيحدث المرض.
وأيضا ربما منعت كمال الطهارة لسترها بعض الفرض.
وخامسها- نتف الإبط، الذي يجلب بقاؤه الرائحة الكريهة.
وبالجملة فإزالة هذه الأشياء من محاسن الإِسلام، الذي جاء بالنظافة والطهارة، والتأديب والتهذيب، ليكون المسلم على أحسن حال وأجمل صورة، فإن النظافة من الإِيمان.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن فطرة الله تعالى تدعو إلى كل خير، وتبعد عن كل شر.
٢- أن هذه الخصال الخمس الكَريمة، من فطرة الله، التي يحبها ويأمر بها.
وجبل أصحاب الأذواق السليمة عليها ونفرهم من ضدها.
٣- أن الدين الإسلامي جاء بالنظافة والجمال والكمال.
٤- مشروعية تعاهد هذه الأشياء، وعدم الغفلة عنها.
٥- العدد خمسة هنا ليس حصراً، فإن مفهوم العدد ليس بحجة، وقد جاء في صحيح مسلم: وقد كان النبي ﷺ يذكر من أنواع الفطرة في كل موضوع ما يناسبه.
٦- قال ابن حجر: يتعلق بهذه الخصال فوائد دينية ودنيوية منها
стр. 45
تحسين الهيئة وتنظيف البدن والاحتياط للطهارة، ومخالفة شعار الكفار، وامتثال أمر الشارع. ا. هـ.
٧- أن ما يفعله الآن الشبان والشابات من تطويل الأظافر، وما يفعله الذكور من إعفاء الشوارب، من الأمور الممنوعة شرعا، المستقبحة عقلا وذوقا. وأن الدين الإسلامي لا يأمر إلا بكل جميل ولا ينهى إلا عن كل قبيح، غير أن التقلَيد الأعمى للفرنجة قد قلب الحقائق وحسن القبيح، ونفر من الحسن ذوقا وعقلا وشرعا.
اختلاف العلماء:
اتفقت العلماء على استحباب فعل الأشياء المذكورة عدا الختان، فقد اختلفوا هل هو مستحب أو واجب، ومتى وقت وجوبه من عمر الإنسان؟
وهل هو واجب على الرجال والنساء، أو على الرجال فقط؟
والصحيح من هذه الخلافات، أنه واجب، وأن وجوبه على الرجال دون النساء، وأن وقت وجوبه عند البلوغ، حينما تجب عليه الطهارة والصلاة.
فائدة: الختان الشرعي هو قطع القلفة الساترة لحشفة الذكر.
ويوجد في البلاد المتوحشة من يسلخون - والعياذ بالله- الجلد الذي يحيط بِالْقبُلِ كله، ويزعمون- جهلا- أن هذا ختان، وما هذا إلا تعذيب وتمثيل ومخالفة للسنة المحمدية، وهو محرم وفاعله آثم.
وفقنا الله جميعا لاتباع شرعه الطاهر.
стр. 46
بَاب الغُسْل مِنَ الجنَابة
الغسل -بضم الغين- اسم الاغتسال، الذي هو تعميم البدن بالماء.
وأصل "الجنابة" البعد، وإنما قيل لمن جامع أو خرج منه المنىُ: جنب لأن ماءه باعد محله.
ويراد بهذا الباب، الأحكام التي تتعلق بالغسل وتبين أسبابه وآدابه، وغير ذلك.
وهو من جملة الطهارة المشروعة للصلاة، ومن النظافة المرغب فيهِا.
﴿وَإنْ كُنْتُم جُنُباً فَاطًهرُوا﴾ عدا ما فيه من فوائد صحية وقلبية.
فإن المجامع حينما تخرج منه النطفة التي تعتبر سلالة بدنه، وجوهره، يحصل له بعد خروجها شيء من الإجهاد والتعب،، ويحصل له فتور وكسل وتَبَلُّدُ ذهن، وركود في حركة الدم.
ومن رحمة الحكيم الخبير، شرع هذا الغسل، الذي يعيد إلى الجسد قوته، وينشط دورة الدم في جسمه، فيعود إلى نشاطه.
وكم في شرع الله من حِكم وأسرار!! وفقنا الله تعالى لفهمها، والإيمان بها.
الحديث الأول
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أن النبي ﷺ لقيه في (١) بعض طرق المدينة وهُوَ جُنُبٌ، قالَ: فَاْنخَنَسْتُ مِنْهُ. فَذَهبْتُ- فاغتسلت، ثمً جِئت، فقال: " أيْنَ كُنْتَ يَا أبا هريرة؟ " قال: كُنْتُ جُنُباً، فَكَرِهتُ أنْ أجالسك وَأنَا عَلَى غَيْرِ طَهَاَرةٍ. فقَالَ: " سُبْحَانَ الله إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ ".
غريب الحديث:
١- "انخنست": بالنون ثم بالخاء المعجمة والسين المهملة،. من الخنوس، وهو التأخر والاختفاء. يعنى انسللت واختفيت.
قال ابن فارس: "الخنس" الذهاب بخفية، "خنس" الرجال، تأخر.
٢- "منه": أي من أجله، حيث رأيت نفسي نجساً بالنسبة إلى طهارته وجلالته ﷺ .
٣- "كنت جنبا": أي كنت ذا جنابة، وتقع هذه اللفظة على الواحد والجمع المذكر والمؤنث،
стр. 47
كما ورد في القرآن والحديث.
قال سبحانه: ﴿إن كنتم جنبا فاطهروا﴾ وقالت إحدى أمهات المؤمنين: "كنت جنبا".
٤- "لا ينجُس": بضم الجيم وفتحها.
٥- "سبحان الله": تعجب من اعتقاد أبي هريرة التنجس من الجنابة.
المعنى الإجمالي:
لقي أبو هريرة النبي ﷺ في بعض طرق المدينة، وصادف أنه جنب فكان من تعظيمه للنبي ﷺ وتكريمه إياه، أن كره مجالسته ومحادثته وهو على تلك الحال.
فانسل في خفية من النبي ﷺ واغتسل، ثم جاء إليه.
فسأله النبي ﷺ أين ذهب؟ فأخبره بحاله، وأنه كره مجالسته على غير طهارة.
فتعجب النبي ﷺ من حال أبي هريرة حين ظن نجاسة الجنب. وذهب ليغتسل وأخبره: أن المؤمن لا ينجس على أية حال.
ما يؤخذ من الحديث:
١- كون الجنابة ليست نجاسة تحل البدن.
٢- كون الإنسان لا تنجس ذاته، لا حيا، ولا ميتا. وليس معناه أن بدنه لا تصيبه النجاسة أو تحل به، فقد تكون عينه -أي ذاته- متنجسة إذا أصابته النجاسة.
٣- جواز تأخير الغسل من الجنابة.
٤- تعظيم أهل الفضل، والعلم، والصلاح، ومجالستهم على أحسن الهيئات.
٥- مشروعية استئذان التابع للمتبوع في الانصراف، فقد أنكر النبي ﷺ على أبي هريرة ذهابه من غير علمه، وذاك أن الاستئذان من حسن الأدب.
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كان رَسولُ الله ﷺ إذا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَل يَدَيْهِ، ثُمَ تَوَضَّأ وضُوءهُ للصلاةِ، ثم يُخَلِّلُ بيَدْيَهِ شَعْره حَتَّى إِذَا ظَنَّ أنَّهُ قَدْ أرْوَى بَشَرَتَهُ أفَاضَ عَلَيْهِ الماءَ ثَلاثَ مَرَاتٍ، ثُم غَسل سَائِرَ جَسَدِهِ.
وقالت: كُنْت أغْتَسل أنَا وَرَسُول الله ﷺ مِنْ إِنَاء وَاحِدٍ، نَغْتَرِف مِنْهُ جَمِيعاً.
стр. 48
غريب الحديث:
١- "إذا اغتسل من الجنابة": يعنى أراد ذلك. قال الزمخشرى: عبر عن إرادة الفعل بالفعل، لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له. والقصد الإِيجاز في الكلام.
٢- "ثم يخلل بيديه شعره": التخليل إدخال الأصابع بين أجزاء الشعر.
٣- قد أروى بشرته- أوصل الماء إلى أصول الشعر، والبشرة المرادة هنا، ظاهر الجلد المستور بالشعر.
٤- "إذا ظن": الظن يراد به هنا معنى الرجحان، إذ لا دليل على أنه لابد من اليقين، والظن قد صح التعبد به في الأحكام.
٥- "أفاض عليه": أسال الماء على شعره.
المعنى الإجمالي:
تصف عائشة غسل النبي ﷺ بأنه إذا أراد الغسل من الجنابة، بدأ بغسل يديه، لتكونا نظيفتين حينما يتناول بهما الماء للطهارة، وتوضأ كما يتوضأ للصلاة.
ولكونه ﷺ ذا شعر كثيف، فإنه يخلله بيديه وفيهما الماء.
حتى إذا وصل الماء إلى أصول الشعر، وأروى البشرة، أفاض الماء على رأسه ثلاث مرات ثم غسل باقي جسده.
ومع هذا الغسل الكامل، فإنه يكفيه هو وعائشة، إناء واحد، يغترفان منه جميعا.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية الغسل من الجنابة. سواء أكان ذلك لإنزال المنى أم لمجرد الإيلاج. كما سيأتي صريحا في حديث أبي هريرة.
٢- أن الغسل الكامل، ما ذكر في هذا الحديث، من تقديم غسل اليدين، ثم الوضوء، ثم تخليل الشعر الكثيف، وترويته، ثم غسل بقية البدن.
٣- قولها: " كان إذا اغتسل ": يدل على تكرار هذا الفعل منه عند الغسل من الجنابة.
٤- جواز نظر أحد الزوجين لعورة الآخر، وغسلهما من إناء واحد.
٥- تقديم غسل أعضاء الوضوء في ابتداء الغسل على الغسل منْ الجنابة، عدا غسل الرجلين فإنه مؤخر إلى بعد الانتهاء من غسل البدن كله، كما سيأتي.
стр. 49
٦- قولها: " ثم توضأ وضوءه للصلاة ... ثم غسل سائر جسده": يدل على أن غسل أعضاء الوضوء رافع للحدثين الأكبر والأصغر، فإن الأمر الذي يوجب غسل هذه الأعضاء للجنابة ولرفع الحدث الأصغر واحد.
٧- سائر الجسد: بقيته.
الحديث الثالث
عَنْ مَيْمُونَةَ بنْتِ الْحَارثِ زَوْج النبي ﷺ أنَّهَا قَالَتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ الله ﷺ وَضُوءَ الجَنَابَة فأَكفَأ بِيِمِينِهِ علَى يساره مَرًّتيْنِ أوْ ثَلاثَا، ثم غَسَلَ فرْجَهُ، ثُمٌ ضَرَبَ يدَهُ بِالأرْضِ أوْ ااْلحَائِطِ مرًّتينَ أوْ ثَلاثَاً ثمَّ مَضْمَضَ وَاَسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وجْهَهُ وَذِراعَيْهِ، ثمَّ أفَاضَ عَلى رَأسهِ الْمَاءَ، ثمَّ غَسَلَ سَائرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَل رِجْليْهِ فأتيتهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْها، فَجَعَل يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ.
غريب الحديث:
١- "أكفأ الإناء": قلبه على وجهه. وكفأه: أماله، والحديث يفيد الإمالة بلا شك، وهذا ما يوافق رواية البخاري وهى " كفأ " وأنكر بعضهم أَن يكون "أكفأ" بمعنى قلب.
٢- "ضرب يده في الأرض أو الحائط": المراد منه مسح يده بأحدهما لإزالة اللزوجة بعد الاستنجاء.
٣- "إفاضة الماء": على الشيء وإفراغه عليه وإسالته فوقه.
٤- "فلم يُرِدْها": بضم الياء وكسر الراء وإسكان الدال، من الإرادة لا من الردّ- كما غلط بعضهم.
ما يؤخذ من الحديث:
هذا الحديث نحو الحديث السابق، وفيه فوائد نجملها فيما يلي.
стр. 50
١- الحديث الأول ذكر فيه غسل يديه مجملا، وفي هذا الحديث ذكر أن غسلهما مرتين أو ثلاثا.
٢- في هذا الحديث أنه بعد غسل اليدين غسل فرجه ثم مسح يديه بالأرض مرتين أو ثلاثا وقد ذكر العلماء أنه يعفى عن بقية الرائحة بعد دلكها بالأرض أو غسلها بمطهر آخر.
٣- يتعين أن ينوي بغسل فرجه ابتداء الجنابة لئلا يحتاج إلى غسله مرة أخرى.
٤- في الحديث الأول ذكر أنه توضأ وضوء الصلاة، ويقتضي أنه غسل رجليه. وهذا الحديث صرح أنه غسل رجليه بعد غسل الجسد.
ولعل أحسن ما يجمع بينهما أن يقال: إنه توضأ في حديث ميمونة وضوءاً كاملا، ولكنه غسل رجليه مرة ثانية بعد غسل الجسد في مكان آخر لكون المكان المغتسل فيه متلوثا.
٥- في هذا الحديث أن ميمونة جاءته بخرقة لينشف بها أعضاءه، فلم يقبلها وإنما نفض يديه من الماء.
٦- أنه لا يجب دَلكُ الجسد في الغُسل. وهو كالدلك في الوضوء سنة.
٧- أنه لا يغسل أعضاء الوضوء للجنابة بعد غسلها في الوضوء. فقد صحح النووي أنه يجزئ غسلة واحدة عن الوضوء وعن الجنابة.
٨- أن غسل الجسد مرة واحدة وبعضهم يجعله ثلاثا، قياساً على الوضوء، ولا قياس مع النص هذا اختيار شيخ الإسلام " ابن تيمية " وشيخنا- " عبد الرحمن السعدي " وأحد الوجهين في مذهب أحمد.
حكم من ينام جنب
عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ أن عمر بن الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ الله أيَرْقُدُ أحدنا وَهُوَ جُنُب؟ قالَ: " نعم " إذَا تَوَضَأ أحَدُكُم فَلْيَرْقُد.
المعنى الإجمالي:
كان الحدث من الجنابة عندهم كبيراً، لذا أشكل عليهم هل يجوز النوم بعده أو لا؟.
стр. 51
فسأل عمر بن الخطاب ﵁ النبي ﷺ : إن أصابت أحدهم الجنابة من أول الليل، فهل يرقد وهو جنب؟
فأذن لهم ﷺ بذلك، على أن يخفف هذا الحدث الأكبر بالوضوء الشرعي، وحينئذ لا بأس من النوم مع الجنابة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز نوم الجنب قبل الغسل إذا توضأ.
٢- أن الكمال أن لا ينام الجنب حتى يغتسل، لأن الاكتفاء بالوضوء رخصة.
٣- مشروعيهَ الوضوء قبل النوم للجنب، إذ لم يغتسل.
٤- كراهة نوم الجنب بلا غسل ولا وضوء.
حكم احتلام المرأة
عَنْ أم سَلَمَةَ زَوْج النبي ﷺ قَالتْ: جَاءَتْ أم سُلَيْمٍ- امْرَأةُ أبي طَلحَةَ- إلَى رَسُول الله ﷺ فَقَاَلَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِن الله لا يستحي مِنَ الْحَق هَل عَلى المَرأةِ مِنْ غُسْل إِذَا هي احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : "نَعَمْ، إِذاَ هِيَ رَأتِ اْلمَاءَ ".
المعنى الإجمالي:
جاءت أم سليم الأنصارية إلى النبي ﷺ لتسأله.
ولما كان سؤالها مما يتعلق بالفروج، وهى مما يستحيا من ذكره عادة قدمت بين يدي سؤالها تمهيداً لالقاء سؤالها حتى يخف موقعه على السامعين، فقالت: إن الله جل وعَلا وهو الحق، لا يمتنع من ذكر الحق الذي يستحيا من ذِكره من أجل الحياء، مادام في ذكره فائدة.
فلما ذكرت أم سليم هذه المقدمة التي لطفت بها سؤالها، دخلت في صميم الموضوع، فقالت: هل على المرأة غسل إذا هي تخيلت في المنام أنها تجامع؟.
فقال النبي ﷺ : نعم، عليها الغسل، إذا هي رأت نزول ماء الشهوة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن المرأة عليها الغسل حين تحتلم، إذا أنزلت ورأت الماء.
стр. 52
٢- أن المرأة تُنْزِل كما يُنْزِلُ الرجل، ومن ذاك يكون الشبه في الولد، كما أشار إلى هذا بقية الحديث.
٣- إثبات صفة الحياء لله جلّ وعلا، إثباتا يليق بجلاله، على أنه لا يمتنع تعالى من قول الحق لأجل الحياء. قَال ابن القيم في البدائع: إن صفات السلب المحض لا تدخل في أوصافه تعالى، إلا إذا تضمنت ثبوتا، وكذلك الإخبار عنه بالسلب، كقوله تعالى: "لا تأخذه سنة ولا نوم" فإنه يتضمن كمال حياته وقيوميته. ا. هـ.
٤- أن الحياء لا ينبغي أن يمنع من تعلُّم العلم، حتى في المسائل التي يستحيا مهنا.
٥- أن من الأدب وحسن المخاطبة، أن يقدم أمام الكلام الذي يستحيا منه مقدمة تناسب المقام، تمهيدا للكلام، ليخف وقعه، ولئلا ينسب صاحبه إلى الجفاء.
بيان حكم المني
عن عَائِشَة قَالَتْ: كنتُ أغْسِل الْجَنَابةَ مَنْ ثَوبِ رَسولِ الله ﷺ فيخرج إلى الصلاةِ وإن بُقَعَ الْمَاءِ في ثَوْبِهِ. وفِي لفظ مسلم "لقد كُنْتُ أفرُكهُ مِن ثَوْبِ رَسولَ الله ﷺ فَركاً فيصَلي فِيهِ ".
المعنى الإجمالي:
تذكر عائشة ﵂: أنه كان يصيب ثوب رسول الله ﷺ الْمَنِى من الجنابة.
فتارة يكون رَطْباً فتغسله من الثوب بالماء، فيخرج إلى الصلاة، والماء لم يجف من الثوب.
وتارة أخرى، يكون المَنِىُّ يابساً، وحينئذ تفركه من ثوبه فَركاً، فيصلى فيه.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في نجاسة المني.
فذهبت الحنفية، والمالكية إلى نجاسته. مستدلين بأحاديث غسله من ثوب رسول الله ﷺ ، ومنها هذا الحديث الذي معنا.
стр. 53
وذهب الشافعي، وأحمد، وأهل الحديث، وابن حزم، وشيخ الإسلام " ابن تيمية " وغيرهم من المحققين، إلى طهارته، مستدلين بأدلة كثيرة منها ما يأتي:
١- صحة أحاديث فرك عائشة المنى من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابساً، بظفرها، فلو كان نجسا، لما كفى إلا الماء، كسائر النجاسات.
٢- أن المني هو أصل الإنسان ومعدنه، فلا ينبغي أن يكون أصله نجساً خبيثاً، والله كرمه وطهره.
٣- لم يأمر النبي ﷺ بغسله والتحرز منه، كالبول.
٤- أجابوا عن أحاديث غسله، بأن الغسل لا يدل على النجاسة، كما أن غسل المخاط ونحوه، لا يدل على نجاسته.
والنظافة من النجاسات والمستقذرات، مطلوبة شرعا.
فكيف لا يقر غسله ﷺ .
ما يؤخذ من الحديث:
١- طهارة المني، وعدم وجوب غسله من البدن والثياب وغيرها.
٢- استحباب إزالته عن الثوب والبدن فيغسل رطباً، ويفرك يابساً.
بيان أن الجماع يوجب الغسل سواء حصل معه إنزال أم لم ينزل
عَنْ أبى هُريرة ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ " إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِها الأرْبَعِ، ثم جَهَدَهَا وَجَبَ الغُسْلُ " وفي لفظ لمسلم " وَإِن لَمْ يُنْزل ".
غريب الحديث:
١- "شعبها الأربع": يريد بذلك يديها ورجليها، وهو كناية عن الجماع.
٢- "ثم جهدها": بفتح الجيم والهاء، معناه: بلغ المشقة بكدها، وهو كناية عن الإيلاج.
المعنى الإجمالي:
يقول النبي ﷺ ما معناه: إذا جلس الرجل بين شعب المرأة الأربع اللائي هن اليدان
стр. 54
والرجلان، ثم أولج ذَكَره في فرج المرأة، فقد وجب عليهما الغسل من الجنابة وإن لم يحصل إنزال مَنِىٍّ، لأن الإيلاج وحده، أحد موجبات الغسل.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب الغسل من إيلاج الذَّكَرِ في الفرج، وإن لم يحصل إنزال.
٢- يكون هذا الحديث ناسخاً لحديث أبي سعيد (الماء من الماء) المفهوم منه بطريق الحصر، أنه لا غسل إلا من إنزال المَنى.
بيان مقدار الماء الذي يكفي للغسل من الجنابة
عَنْ أبي جَعْفَر مُحَمَدِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ الْحُسيْنِ بْنِ عَلِي بْنِ أبيِ طَالِب رَضِىَ الله عَنْهُمْ أنَّهُ كَانَ هُوَ وَأبُوهُ عنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله وَعِنْدَهُ قَوْمٌ، فسألوه عَنْ الْغُسْلِ فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعة (١)
فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِيني. فَقَال جَابر: كَانَ يَكْفِى مَنْ هُوِ أوْفَرُ مِنْكَ شَعَراً وَخَير مِنْكَ- يُريدُ رَسُولَ اللهَ ﷺ ثُمَّ أمَّنَا في ثوْبٍ. وفي لفظ " كَانَ النبي ﷺ يُفرِغ المَاءَ عَلى رَأسِهِ ثَلاثَا ".
قال المصنف: الرجل الذي قال: " مَا يَكفينِي" هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵁، أبوه محمد بن الحنفية.
المعنى الإجمالي: كان أبو جعفر وأبوه عند الصحابي الجليل جابر بن عبد الله وعنده قوم، فسأل القوم جابرا عما يكفى من الماء في غُسل الجنابة فقال: يكفيك صاع.
وكان الحسن بن محمد بن الحنفية مع القوم عند جابر، فقال: إن هذا القدر لا
стр. 55
يكفيني للغسل من الجنابة.
فقال جابر: كان يكفى من هو أوفر وأكثف منك شعراً، وخير منك، فيكون أحرص منك على طهارته ودينه- يعنى النبي ﷺ .
ثم بعد أن اغتسل بهذا الصاع أمَّنَا في الصلاة، مما يدل على أنه تطهر بهذا الصاع الطهارة الكافية.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب الغسل من الجنابة، وذلك بإفاضة الماء على العضو، وسيلانه عليه. فمتى حصل ذلك تأدى الواجب.
٢- قال في بداية المجتهد، لا يستدل به على لزوم الدلك ولا على عدمه.
٣- أن الصاع الذي هو أربعة أمداد، يكفى للغسل من الجنابة. قال ابن دقيق العيد: وليس ذلك على سبيل التحديد، فقد دلت الأحاديث على مقادير مختلفة، وذلك والله أعلم- لاختلاف الأوقات أو الحالات، كقلة الماء وكثرته، والسفر والحضر.
٤- استحباب التخفيف في ماء الطهارة.
٥- الإنكار على من يخالف سنة النبي ﷺ .
стр. 56
بَابُ التيمّم
التيمم في اللغة: القصد، قال تعالى: ﴿وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ .
ثم نقل -في عرف الفقهاء- إلى مسح الوجه واليدين، بشيء من الصعيد، لأن الماسح. قصد إلى الصعيد. وقد عرفه بعض العلماء بقوله: طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله.
وهو من خصائص هذه الأمة المحمدية التي يسر الله أمورها، وسهَّل عليها شريعتها، وجعل لها من الحرج فرجا، ومن الضيق مخرجا، وطهر باطنها وظاهرها، بركة هذا النبي الكريم ﷺ .
فإن من عدم الماء -الذي هو أحد أصلي الحياة- تعوض عنه بالأصل الثاني الذي هو التراب، لئلا يفقد الطهارة إطلاقا، فإن طهارة الماء تطهر الظاهر والباطن.
فإذا عدمت هذه الأداة الكاملة، رجعنا إلى صورة الطهارة بأداة التراب، لتحصل الطهارة الباطنة.
فلا شك في حكمته، ولا ريب في فائدته، لمن رُزق السعادة في الفهم.
وهو ثابت في الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة المحمدية المهدِيَّةِ ويقتضيه القياس الصحيح.
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ رَأى رَجُلا مُعْتَزِلا لَمْ يُصَلِّ في القَوْم فقالَ: "يَافُلان مَا مَنَعَك أنْ تُصَلِّىَ في الْقَوْم؟ " فقال يَا رَسُولَ الله أصابتني جَنَابة وَلا مَاءَ، فقال: عَلَيْكَ بالصعِيِدِ فًإنَّهُ يَكْفِيكَ " رواه البخاري (١) .
غريب الحديث:
١- "معتزلا": منفرداً عن القوم، متنحيا عنهم، وهو خلاد بن رافع رضى الله عنه، وكان ممن شهد بدراً.
٢- "الصعيد": وجه الأرض وما علا منها.
المعنى الإجمالي:
صلّى النبي ﷺ بالصحابة صلاة الصبح، فلما فرغ من صلاته رأى رجلا لم يصل معهم.
فكان من كمال لطف النبي ﷺ ، وحسن دعوته إلى الله، أنه لم يعنفْهُ على تخلفِه
стр. 57
عن الجماعة، حتى يعلم السبب في ذلك.
فقال: يافلان، ما منعك أن تصلى مع القوم؟.
فشرح عذره- في ظنه- للنبي ﷺ بأنه قد أصابته جنابة ولا ماء عنده، فأخر الصلاة حتى يجد الماء ويتطهر.
فقال ﷺ إن الله تعالى قد جعل لك- من لطفه- ما يقوم مقام الماء في التطهر، وهو الصعيد، فعليك به، فإنه يكفيك عن الماء.
ما يؤخذ من الحديث:
١- التيمم ينوب مناب الغسل في التطهير من الجنابة.
٢- أن التيمم لا يكون إلا لعادم الماء أو المتضرر باستعماله وقد بسط الرجل عذره وهو عدم الماء، فأقره النبي ﷺ على ذلك.
٣- لا ينبغي لمن رأى مقصرا في عمل، أن يبادره بالتعنيف أو اللوم، حتى يستوضح عن السبب في ذلك، فلعل له عذراً، وأنت تلوم.
٤- جواز الاجتهاد في مسائل العلم بحضرة النبي ﷺ ، فقد ظن الصحابي أن من أصابته الجنابة لا يصلى حتى يجد الماء، وانصرف ذهنه إلى أن آية التيمم خاصة بالحدث الأصغر.
كيفية التيمم
عَنْ عمار بن يَاسِر ﵄ قَال: بَعَثنِي رَسُولُ اللَه ﷺ في حَاجَةٍ فَأجْنَبْتُ فَلَمْ أجدِ الْمَاءَ فَتَمَرغْتُ في الصعِيدِ كمَا تَمَرَغُ الدَّابة ثمً أتيْتُ النًبيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ فَقَالَ: " إنَّما كان يَكْفِيكَ أن تَقولَ بِيَدَيْكَ هكَذَا " ثمَّ ضَرَبَ بيَدَيْهِ الأرْض ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُم مَسَح الشِّمَالَ عَلى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَيهِ ووَجهَهُ.
غريب الحديث:
١- "فتمرغت في الصعيد": تقلب في الأرض حتى عمَّ بدنه التراب.
٢- "أن تقول بيديك": يراد بالقول الفعل، وهو كثير في لسان الشرع ولغة العرب.
المعنى الإجمالي:
بعث النبي ﷺ "عمار بن ياسر" في سفر لبعض حاجاته، فأصابته جنابة، فلم
стр. 58
يجد الماء ليغتسل منه، وكان لا يعلم حكم التيمم للجنابة، وإنما يعلم حكمه للحدث الأصغر. فاجتهد وظن أنه كما مسح بالصعيد بعض أعضاء الوضوء عن الحدث الأصغر، فلابد أن يكون التيمم من الجنابة بتعميم البدن بالصعيد، قياسا على الماء، فتقلَّب في الصعيد حتى عمه البدن وصلَّى.
فلما جاء إلى النبي ﷺ ، وكان في نفسه مما عمله شيء، لأنه عن اجتهاد منه، ذكر له ذلك، ليرى، هل هو على صواب أو لا؟.
فقال النبي ﷺ : يكفيك عن تعميم بدنك كله بالتراب أن تضرب بيديك الأرض، ضربة واحدة، ثم تمسح شمالك على يمينك، وظاهر كفيك ووجهك.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل يجزئ في التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين أو لابد من ضربتين؟ وهل لابد من المسح على اليدين إلى المرفقين.
فذهب بعضهم ومنهم الشافعي - إلى أنه لابد من ضربتين.، واحدة للوجه والأخرى لليدين إلى المرفقين، محتجين بأحاديث.
منها ما رواه الدارقطني عن ابن عمر "التيمم مرتان، ضَرْبَة للوجه وَضَربة لليَدَيْن إِلَى المِرفَقَيْنِ".
وذهب الجمهور، ومنهم الإمام أحمد، والأوزاعى، وإسحاق، وأهل الحديث: إلى أن التيمم ضربة واحدة، وأنه لا يمسح بها إلا الوجه والكفان مستدلين بأحاديث صحيحة، منها حديث. عمار هذا. قال ابن حجر: وكان عمار يفتي به بعد زمن النبي ﷺ والراوي للحديث أعرف بمراده.
وأجابوا عن أحاديث الضربتين والمرفقين، بما فيها من المقال المشهور.
ولا نجعل تلك الأحاديث في صف الأحاديث الصحاح الواضحة. قال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمار ضربة واحدة. وما روي من ضربتين فكلها مضطربة. وقال ابن دقيق العيد: ورد في حديث التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين، إلا أنه لا يقاوم هذا الحديث في الصحة، ولا يعارض مثله بمثله.
стр. 59
وقال الخطابي: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهذا المذهب أصح في الرواية.
... ما يؤخذ من الحديث:
١- التيمم للغسل من الجنابة.
٢- أنه لابد من طلب الماء قبل التيمم.
٣- صفة التيمم، وهو ضرب الأرض مرة واحدة، ثم مسح الوجه واليدين إلى المرفقين وتعميمها بالمسح. قال ابن رشد: إطلاق اسم اليد على الكف أظهر من إطلاقه على الكف والساعد.
٤- ذكر الصنعانى أن العطف في روايات هذا الحديث قد جاء بالواو وتفيد العطف مطلق وجاء بالفاء وثم وتفيدان الترتيب- والترتيب زيادة، والزيادة من العدل مقبولة فيحمل مجموع ما في الصحيحين على الترتيب. ولم يرد عن النبي ﷺ تقديم اليدين على الوجه لا قولا ولا فعلا.
٥- أن التيمم للحدث الأكبر، كالتيمم للحدث الأصغر، في الصفة والأحكام.
٦- الاجتهاد في مسائل العبادات.
٧- أن المجتهد إذا أدَّاه اجتهاده إلى غير الصواب، وفعل العبادة، ثم تبين له الصواب بعد ذلك فإنه لا يعيد تلك العبادة.
بيان الأمور الخمسة التي خص بها النبي ﷺ
عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله ﵄: أنَّ النبي ﷺ قَالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسَا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنبياء، قبلي:
(١) نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْر
(٢) وَجُعِلَت لي الأرض مسجدا وطَهُوراً فَأيُمَا رَجُل مِنْ أمتِي أدْرَكَتْهُ الصلاةُ فَلْيُصَل.
(٣) وأحِلَّتْ لي الغنائمُ، َ لَمْ تَحلَّ لأحَد قَبلي.
(٤) وَأعْطيتُ الشفَاعَةَ.
(٥) وَكَانَ النبيُّ يُبْعَثُ (١) إِلى قَوْمِه خَاصَّةً: بُعِثْتُ إِلى النَاس كَافّةً ".
стр. 60
غريب الحديث:
١- "لم تحل": يجوز ضم التاء وفتح الحاء، على البناء للمفعول، ويجوز فتح التاء وكسر الحاء على البناء للفاعل، وهو أكثر، قاله الشيخ نور الدين الهاشمي.
المعنى الإجمالي:
خص نبينا ﷺ عن سائر الأنبياء بخصال شرف، ومُيّزَ بمحامد لم تكن لمن قبله من الأنبياء ﵈، فنال هذه الأمة المحمدية - ببركة هذا النبي الكريم الميمون- شيء من هذه الفضائل والمكارم.
فمن ذلك: ما ثبت في هذا الحديث من هذه الخصال الخمس الكريمة:
أولها: أن الله سبحانه تعالى نصره، وأيده على أعدائه، بالرعب، الذي يحل بأعدائه، فيوهن قواهم، ويضعضع كيانهم، ويفرق صفوفهم، ويقل جمعهم،
ولو كان النبي ﷺ على مسيرة شهر منهم، تأييداً من الله ونصراً لنبيه وخذلانا وهزيمة لأعداء دينه، ولا شك أنها إعانة كبيرة من الله تعالى.
ثانيها: أن الله سبحانه تعالى وسّع على هذا النبي الكريم، وأمته المرحومة بأن جعل لها الأرض مسجداً.
فأينما تدركهم الصلاة فليصلوا، فلا تتقيد بأمكنة مخصوصة، كما كان من قبلهم لا يؤدون عباداتهم إلا في الكنائس، أو البِيَع، وهكذا فإن الله رفع الحرج والضيق عن هذه الأمة، فضلا منه وإحسانا، وكرما وامتنانا.
وكذاك كان من قبل هذه الأمة، لا يطهرهم إلا الماء، وهذه الأمة جعل التراب لمن لم يجد الماء طهورا. ومثله العاجز عن استعماله لضرره.
ثالثها: أن الغنائم التي تؤخذ من الكفار والمقاتلين، حلال لهذا النبي ﷺ وأمته، يقتسمونها على ما بين الله تعالى، بعد أن كانت محرمة على الأنبياء السابقين وأممهم، حيث كانوا يجمعونها، فإن قبلت، نزلت عليها نار من السماء فأحرقتها.
رابعها: أن الله ، خصه بالمقام المحمود، والشفاعة العظمى، يوم يتأخر عنها أولو العزم من الرسل في عرصات القيامة، فيقول: أنا لها، ويسجد تحت العرش، ويمجد الله تعالى بما هو أهله، فيقال: اشفع تُشفع، وسل تعطَه.
حينئذ يسأل الله الشفاعة للخلائق بالفصل بينهم في هذا المقام الطويل.
فهذا هو المَقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون.
стр. 61
خامسها: أن كل نبي من الأنبياء السابقين تختص دعوتهم بقومهم.
وقد جعل اللهْ تعالى في هذا النبي العظيم، وفى رسالته السامية الصلاحية والشمول، لأن تكون الدستور الخالد، والقانون الباقي لجميع البشر، على اختلاف أجناسهم، وتبايُن أصنافهم، وتباعد أقطارهم، فهي الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان، ولما كانت بهذه الصلاحية والسمُوَ، كانت هي الأخيرة،، لأنها لا تحتاج إلى زيادة ولا فيها نقص.
وجعلت شاملة، لما فيها من عناصر البقاء والخلود.
ما يؤخذ من الحديث:
هذا حديث عظيم، وفيه فوائد جمة، ونقتصر على البارزة منها:
١- تفضيل نبينا ﷺ على سائر الأنبياء، وتفضيل أمته على سائر الأمم.
٢- تعديد نِعَم الله على العبد، وإن ذكرها- على وجه الشكر لله، وذكر آلائه- يُعَدُّ عبادة، شكرًا لله.
٣- كونه ﷺ نُصِرَ بالرعب، وأحلت له الغنائم، وبعث إلى الناس عامة، وأعطي الشفاعة، وجعلت الأرض له ولأمته مسجداً وطهوراً، كل هذا من خصائصه. وقد عدت خصائصه فكانت سبع عشرة خصلة، وهى عند الصنعاني إحدى وعشرون ومن تتبع الجامعين الصغير والكبير وجد زيادة على هذا العدد ...
٤- أن صحة الصلاة لا تختص ببقعة دون أخرى.
٥- أن الأصل في الأرض الطهارة للصلاة والتيمم.
٦- أن كل أرض صالحة ليتيمم منها.
٧- سعة هذه الشريعة وعظمتها، لذا جعلت لتنظيم العالم كله في عباداته ومعاملاته، على اختلاف أمصاره، وتباعد أقطاره.
٨- قوله: " أيما رجل " لا يراد به جنس الرجال وحده، وإنما يراد أمثاله من النساء أيضا، لأن النساء شقائق الرجال.
٩- قال الصنعاني: إنما خص مسافة الشهر، دون مسافة أبعد منه، لأنه لم يكن بينه وبين من أظهر العداوة له أكثر من ذلك.
стр. 62
بَابُ الحَيْض
الحيض: دم، جعله الله تعالى -من رحمته وحكمته- في رحم المرأة، غذاءً لجنينها فإذا وضعت، تحوّل إلى لبن، لغذاء طفلها.
فإذا كانت غير حامل ولا مرضع، برز الزائد منه في أوقات معلومة. لهذا يندر أن تحيض الحامل، أو المرضع.
ويتعلق بخروجه أحكام في العبادات وغيرها.
عَن عَائِشَةَ ﵂: أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أبي حُبَيْش سَألتِ النَّبيَّ ﷺ ، فقالت: إِني أُسْتَحَاضُ فلا أطْهُرُ، أفَأدَعُ الصَّلاةَ؟
قالَ: لا، إنَّ ذَلِك عِرْق، وَلَكن دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأيام، الَّتي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغتَسِلي وَصَلي.
وفي رواية " وَلَيْسَتْ بِالْحيْضَةِ، فإذا أقْبَلَت الْحيْضَةُ فاتركي الصَلاةَ، فإذا ذَهب قَدْرُهَا فاغسلي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي" (١)
غريب الحديث:
١- "ذلكِ ": بكسر الكاف، خطاباً للمرأة السائلة.
٢- " عِرْق ": أي عرق انفجر، كما جاء في إحدى الروايات. ويقال لهذا
العرق: العاذل. وهو في أدنى الرحم دون قعره، ودم الحيض يخرج من قعر الرحم.
٣- " إذا أقبلت الحيضة ": قال الخطابي: بكسر الحاء، وغلط من فتحها، لأن المراد الحالة.
وجوز القاضي "عياض" وغيره، الفتح، وهو أقوى، لأن المراد الحيض.
٤- ذكر الصنعانى أن " فدعي الصلاة " أولى من " فاتركي الصلاة " لأنه مما اتفقا عليه.
المعنى الإجمالي:
ذكرت " فاطمة " بنت أبي حُبَيْش (٢) للنبي ﷺ أن دم الاستحاضة يصيبها، فلا ينقطع عنها، وسألته هل تترك الصلاة لذلك؟
فقال النبي ﷺ : لا تتركي الصلاة، لأن الدم الذي تُترك لأجله الصلاة، هو دم الحيض.
стр. 63
وهذا الدم الذي يصيبك، ليس دم حيض، إنما هو دم عرق منفجر.
وإذا كان الأمر، كما ذكرت من استمرار خروج الدم في أيام حيضتك المعتادة، وفي غيرها، فاتركي الصلاة أيام حيضك المعتادة فقط.
فإذا انقضت، فاغتسلي واغسلي عنك الدم، ثم صلّى، ولو كان دم الاستحاضة معك.
ما يؤخذ من الحديث:
١- الفرق بين دم الاستحاضة وبين دم الحيض فدم الاستحاضة هو المطبق وأما دم اْلحيض فله وقت خاص.
٢- أن دم الاستحاضة لا يمنع من الصلاة، وسائر العبادات.
٣- أن دم الحيض، يمنع من الصلاة من غير قضاء لها، وذكر ابن دقيق العيد أن ذلك كالمجمع عليه من الخلف والسلف إلا الخوارج.
٤- أن المستحاضة التي تعرف قدر عادة حيضها تحسبها، ثم تغتسل بعد انقضائها، لتقوم أيام طهرها بالعبادات التي تتجنبها الحائض.
٥- أن الدم نجس يجب غسله.
٦- أنه لا يجب على المستحاضة تكرار الغسل لكل دخول وقت صلاة.
٧- ذكر ابن دقيق العيد أن قوله " فاغسلي عنك الدم وصلى " مشكل في ظاهره، لأنه لم يذكر الغسل، ولابد فيه بعد انقضاء أيام الحيض من الغسل - والجواب الصحيح أن هذه الرواية وإن لم يذكر فيها الغسل فهي متضمنة له لوروده في الرواية الأخرى الصحيحة التي قال فيها: "واغتسلي".
باب حكم المستحاضة
عَنْ عَائِشَة ﵂ أنَ أمَّ حَبيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنَينَ، فَسَألتْ رَسُولَ الله ﷺ عن ذلكَ فأمًرَهَا أنْ تَغْتَسِل فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ (١) لكل صَلاةٍ.
стр. 64
المعنى الإجمالي:
أصابت الاستحاضة " أم حبيبة بنت جحش"، سبع سنين، فسألت النبي ﷺ عن كيفية الطهر من ذلك، فأمرها أن تغتسل فكانت تفعل ذلك لكل صلاة.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في غسل المستحاضة لكل صلاة، هل يجب أو لا؟.
فذهب بعضهم إلى وجوبه، عملا بأحاديث وردت بذلك في بعض السنن.
وذهب الجمهور من السلف ومنهم علي وابن عباس وعائشة والخلف، ومنهم الأئمة أبو حنيفة، ومالك، وأحمد إلى عدم وجوبه، مستدلين بالبراءة الأصلية، وهو أن الأصل عدم الوجوب، وأجابوا عن أحاديث الأمر بالغسل أنه ليس فيها شيء ثابت.
وغسل أم حبيبة لكل صلاة، إنما هو من عندها، ليس أمراً من النبي ﷺ لها في كل صلاة، وإنما أمرها بالغسل فقط، كما هو في الروايات الثابتة. وذكر ابن دقيق العيد أنه ليس في الصحيحين ولا أحدهما أنه أمرها بالاغتسال لكل صلاة.
ما يؤخذ من الحديث:
وجوب الغسل على المستحاضة عند انتهاء عدة أيام حيضها.
حكم مباشرة المرأة الحائض
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كُنْتُ أغْتَسِل أنَا ورَسُول الله ﷺ من إنَاء واحِدٍ، كِلانَا جُنُب فَكَانَ يَأمرُني فَأتزرُ (١) فيباشرني وَأنَا حَائِض، وَكَانَ يُخرِجُ رأسه إلي وَهُوَ معْتَكِفٌ فَأغْسِلُهُ وأنا حَائِضٌ.
المعنى الإجمالي: اشتمل هذا الحديث على ثلاث مسائل:
стр. 65
الأولى: أن النبي ﷺ وزوجته، كانا يغتسلان من الجنابة من إناء واحد، لأن الماء طاهر لا يضره غَرْفُ الجنب منه، إذا كان قد غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء.
والثانية: أن النبي ﷺ أراد أن يشرّع لأمته في القرب من الحائض بعد أن كان اليهود لا يؤاكلونها، ولا يضاجعونها.
فكان ﷺ يأمر عائشة أن تتَّزر، فيباشرها بما دون الجماع، وهي حائض.
الثالثة: أن الحائض لا تدخل المسجد، لئلا تلوثه.
ولهذا كان النبي ﷺ يخرج إليها في بيتها رأسه، وهو في المسجد فتغسله، مما يدل على أن قرب الحائض، لا مانع منه لمثل هذه الأعمال وقد شرع توسعة بعد حرج اليهود.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز اغتسال الجنبين من إناء واحد.
٢- جواز مباشرة الحائض فيما دون الفرج. وأن بدنها طاهر لم تحل فيه نجاسة بحيضها.
٣- استحباب لبسها الإزار وقت المباشرة.
٤- اتخاذ الأسباب المانعة من الوقوع في المحرم.
٥- منع دخول الحائض المسجد.
٦- إباحة مباشرتها الأشياء رطبة أو يابسة، ومن ذلك غسل الشعر وترجيله.
٧- أن المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد لا يعد خارجا منه يقاس عليه غيره من الأعضاء، إذا لم يخرج جميع بدنه.
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَّكِئُ في حِجْري وَأنَا حَائِض فَيَقْرأ القرآن.
غريب الحديث:
"يتكئ في حجري" "يتكئ" مهموز.
ويجوز الفتح والكسر في الحاء من "حجري": هما لغتان.
стр. 66
المعنى الإجمالي:
ذكرت عائشة أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن في حجرها وهي حائض، مما يدل على أن بدن الحائض طاهر، لم ينجس بالحيض.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز قراءة القرآن في حجر الحائض، لأنها طاهرة البدن والثياب.
٢- تحريم قراءة القرآن على الحائض، أخذاً من توهّم امتناع القراءة في حجر الحائض. قاله ابن دقيق العيد.
الحائض لا تقضي الصلاة ولكن تقضي الصوم
عَنْ مُعَاذَةَ قالت: سَألْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْتُ: مَا بالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلا تَقْضِى الصلاةَ؟
فقالت: أحَرُورِيَّةٌ أنْتِ؟ فَقُلْتُ: لسْتُ بِحَرُورِيَّة. وَلكِنْ أسْألُ.
فَقَالَتْ: كَانَ يُصيبُنَا ذلكَ فنؤمَر بِقَضَاءِ الصَّوْم وَلا نُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ (١)
غريب الحديث:
"أحرورية أنت" نسبة إلى بلدة قرب الْكوفة، اسمها "حروراء" خرجت منها أول فرقة من الخوارج على عليّ بن أبي طالب، فصار الخوارج يعرفون بالحرورية.
المعنى الإجمالي:
سألت معاذة عائشة عن السبب الذي من أجله جعل الشارع أن الحائض تقضى أيام حيضها التي أفطرتها، ولا تقضى صلواتها زمن الحيض، مع اشتراك العبادتين في الفرضية، بل إن الصلاة أعظم من الصيام.
стр. 67
وكان عدم التفريق بينهما في القضاء، هو مذهب الخوارج المبنى على الشدة الحرج.
فقالت لها عائشة- رضي الله عليها-: أحرورية أنتِ تعتقدين مثل ما يعتقدون، وتشددِين كما يُشدون؟ (١)
فقالت: لست حرورية، ولكنى أسأل سؤال متعلم مسترشد.
فقالت عائشة: كان الحيض يصيبنا زمن النبي ﷺ ، وكنا نترك الصيام والصلاة زمنه، فيأمرنا ﷺ بقضاء الصوم ولا يأمرنا بقضاء الصلاة، ولو كان القضاء واجباً، لأمر به ولم يسكت عنه.
فكأنها تقول: كفى بامتثال أوامر الشارع والوقوف عند حدوده حكمة ورشداً.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن الحائض تقضى الصيام ولا تقضي الصلاة، لأن الصلاة تتكرر كل يوم خمس مرات، فهي عبادة مستمرة ويحصل من إعادتها وقضائها مشقة أيضاً.
٢- أن تقرير النبي ﷺ أمته على شيء يعد من السنة.
٣- الإنكار على كل من سأل سؤال تعنت ومجادلة.
٤- تبيين المعلم لمن طلبه للتعلم والاسترشاد.
٥- كون الحائض لا تقضي الصلاة لأجل المشقة، من الأدلة التي تقرر القاعدة الإسلامية العامة وهى (إن المشقة تجلب التيسر) .
стр. 68
كِتَابُ الصلاة
مقدمة
الصلاة -في اللغة- الدعاء. قال القاضي عياض: هو قول أكثر أهل العربية والفقهاء. وتسمية الدعاء صلاة معروف في كلام العرب. والعلاقة بين الدعاء والصلاة الجزئية. فإن الدعاء جزء من الصلاة، لأنها قد اشتملت عليه.
وفي الشرع: " أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم مع النية". والصلوات الخمس أحد أركان الإسلام الخمسة، بل أعظمها بعد الشهادتين.
وثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع، فمن جحدها فقد كفر.
وفي مشروعيتها من الفوائد ما يفوت الحصر من الوجهة الدينية والدنيوية، والصحية، والاجتماعية، والسياسية والنظامية.
ولو ذهب الكاتب يَعُدُّها عدًا، لطال عليه الكلام.
والله أحكم الحاكمين، حين فرضها، فبقيامها قيام الدنيا والآخرة.
ولها فروض، وشروط، ومكملات، كما أن لها مبطلات ومنقصات.
تقدم أحد شروطها، وهو الطهارة، وتأتي بقية أحكامها في الأحاديث التالية إن شاء الله تعالى.
بَابُ المَواقِيت
المواقيت: جمع " ميقات " والمراد هنا- المواقيت الزمانية التي هي المقدار المحدد لفعل الصلوات المفروضات وغيرها.
ودخول وقت المفروضة، هو الشرط الثاني، من شروط الصلاة.
الحديث الأول
عَن أبِى عَمْرو الشَّيْباني -واسمه " سعد بن إياس "- قال: حدثني صَاحِبُ هذا الدَّار -وَأشَار بيده إلى دار عبد بن مسعود- قال: سَألْتُ رَسُولَ الله ﷺ أُيّ
стр. 69
الأعمالِ أحبُّ إِلى الله قال: " الصَّلاة عَلَى وَقْتِها ". قلت: ثم أيٌّ؟ قال " بِر الوالِدَين ". قلت: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: " الْجِهَادُ في سبِيلِ الله ".
قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ ، ولو استزدته لزادني.
غريب الحديث:
"الصلاة على وقتها": يريد بها الصلاة المفروضة، لأنها هي المرادة عند الإطلاق.
"أيّ": استفهامية معربة. وقيل: إنها غير منونة مع إعرابها وذلك لتقدير الإضافة.
المعنى الإجمالي:
سأل ابن مسعود ﵁ النبي ﷺ عن الطاعات لله، أيها أحب إلى الله تعالى؟ فكلما كان العمل أحب إلى الله، كان ثوابه أكثر.
فقال ﷺ مبيناً-: إن أحبها إلى الله تعالى، الصلاة المفروضة في وقتها، الذي حدده الشارع لأن فيه المبادرة إلى نداء اللَه تعالى وامتثال لأمره، والاعتناء بهذا الفرض العظيم.
ومن رغبته ﵁ في الخير، لم يقف عند هذا، بل سأله عن الدرجة الثانية، من محبوبات الله تعالى قال: بر الوالدين.
فإن الأول محْض حق الله، وهذا محض حق الوالدين.
وحق الوالدين يأتي بعد حق الله، بل إنه سبحانه من تعظيمه له يقرن حقهما وبرهما مع توحيده في مواضع من القرآن الكريم، لما لهما من الحق الواجب، مقابِلَ ما بذلاه من التسبب في إيجادك وتربيتك، وتغذيتك، وشفقتهما وعطفهما عليك.
فالبر بهما، وفاء لبعض حقهما.
ثم إنه ﵁ استزاد من لا يبخل، عن الدرجة الثانية من سلسلة هذه الأعمال الفاضلة، فقال: الجهاد في سبيل الله، فإنه ذروة سنام الإسلام وعموده، الذي لا يقوم إلا به، وبه تعلو كلمة اللَه وينشر دينه.
وبتركه -والعياذ بالله- هدم الإسلام، وانحطاط أهله، وذهاب عزهم، وسلب ملكهم، وزوال سلطانهم ودولتهم.
وهو الفرض الأكيد على كل مسلم، فإن من لم يغْزُ، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق.
стр. 70
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن أحب الأعمال إلى الله تعالى، الصلاة في أوقاتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله، وذلك بعد وجود أصل الإيمان. فإن العبادات فروعه وهو أساسها.
٢- يقصد- بهذا السؤال الأعمال البدنية، بقرينة تخصيص الجواب بالصلاة وبر الوالدين والجهاد ولم يدخل في السؤال ولا جوابه شيء من أعمال القلوب التي أعلاها الإيمان.
٣- أن الأعمال ليست في درجة واحدة في الأفضلية، وإنما تتفاوت حسب تقريبها من الله تعالى، ونفعها، ومصلحتها. فسأل، عما ينبغي تقديمه منها.
٤- أن الأعمال تفضل عن غيرها من أجل محبة الله لها.
٥- إثبات صفة المحبة لله تعالى، إثباتا يليق بجلاله.
٦- فضل السؤال عن العلم، خصوصاً الأشياء الهامة. فقد أفاد هذا السؤال نفعاً عظيماً.
٧- ترك بعض السؤال عن العلم لبعض الأسباب كمخافة الإضجار والهيبة من المسؤول.
فائدة:
سئل النبي ﷺ عن المفاضلة في الأعمال عدة مرات.
وكان ﷺ يجيب على ذلك بما يناسب المقام، ويصلح لحال السائل
ولذا فإنه، تارة يقول: الصلاة في أول وقتها. وتارة يقول: الجهاد في سبيل الله. وتارة الصدقة، وذلك على حسب حال المخاطب وما يليق به.
ولا شك أن هذه أجوبة الحكمة والسداد، وفتاوى من يريد العمل والصالح العام، فإن الدين الإسلامي دين الواقع في أحكامه وأعماله.
لذا ينبغي أن تكون المفاضلة بين الأعمال، مبنية على هذا الأساس.
فإن لكل إنسان عملا يصلح له ولا ينجح إِلا به، فينبغي توجيهه إليه كذلك الوقت يختلف.
فحينا تكون الصدقة أفضل من غيرها، كوقت المجاعات والحاجة.
وتارة يكون طلب العلم الشرعي أنفع للحاجة إليه، والانصراف عنه.
وكذلك وظائف اليوم والليلة، فساعة يكون الاستغفار والدعاء أولى من القراءة. وساعة أخرى تكون الصلاة، وهكذا.
стр. 71
الحديث الثاني
عن عَائشَةَ قالت: لقَدْ كَانَ النبي ﷺ يصلَيِ الْفجر فَتَشْهَد مَعَهُ نسَاء من الْمُؤْمنَات متَلَفعاتٍ بِمُروطِهِن، ثمَ يرجعن إِلَى بُيُوتِهنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ من الْغَلَسِ.
قال: المروط، أكسية معلمة تكون من خَزٍّ، وتكون من صوف.
"ومتلفعات" ملتحفات. و "الغلس" اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل.
غريب الحديث:
١- "معلمة": بفتح اللام وتشديدها.
٢- "الغَلَس": بفَتح الغين المعْجمة واللام.
٣- "بمروطهن": المرط -بكسر الميم- كساء مخطط بألوان. وزاد بعضهم أنها مربعة.
٤- "متلفعات": متلففات، أي غطين أبدانهن ورؤوسهن.
المعنى الإجمالي:
تذكر عائشة ﵂، أن نساء الصحابة، كن يلتحفن بأكسيتهن ويشهدن صلاة الفجر مع النبي ﷺ ، ويرجعن بعد الصلاة إلى بيوتهن، وقد اختلط الضياء بالظلام، إِلا أن الناظر إليهن لا يعرفهن، لوجود بقية الظلام المانعة من ذلك.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في الأفضل في وقت صلاة الفجر.
فذهب الحنفية إلى أن الإسفار فيها أفضل، لحديث " أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر ". قال الترمذي: حسن صحيح.
وذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أن التغليس بها أفضل، لأحاديث كثيرة منها حديث الباب.
وأجابوا عن حديث " أسفروا بالفجر ... إلخ " بأجوبة كثيرة، وأحسنها جوابان:
стр. 72
١-. فإما أن يراد بالأمر بالإسفار تحقق طلوع الفجر حتى لا يتعجلوا، فيوقعونها في أعقاب الليل، ويكون " أفعل التفضيل " الذي هو " أعظم " جاء على غير بابه، وهو يأتي لغير التفضيل كثيراً.
٢- وإما أن يراد بالإسفار إطالة القراءة في الصلاة، فإنها مستحبة، وبإطالة القراءة، لا يفرغون من الصلاة، إلا وقت الإسفار.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب المبادرة إلى صلاة الصبح في أول وقتها.
٢- جواز إتيان النساء إلى المساجد لشهود الصلاة مع الرجال، مع عدم خوف الفتنة، ومع تحفظهن من إشهار أنفسهن بالزينة.
الحديث الثالث
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قال: كَان النَّبيُ صَلَى الله عَلَيْةِ وسَلَمَ يُصَلى الظهْرَ بالْهَاجرَةِ، وَالعَصْرَ، والشمس نَقِية، وَالمغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالعشَاءَ أحياناً وأحْيَاناً. إِذا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عجَّلَ وَإذا رآهُم أبْطَئُوا أخَرَ، والصبْحُ كَانَ النبي ﷺ يُصَليهَا بِغَلَس.
غريب الحديث:
١- " الهاجرة ": هي شدة الحر بعد الزوال. مأخوذة من هجر الناس أعمالهم لشدة الحر.
٢- " نقية ": صافية، لم تدخلها صفرة ولا تغير.
٣- " إذا وجبَت ": سقطت وغابت، يعنى الشمس.
٤- " الغلس ": بفتح الغين واللام، ظلام آخر الليل مع ضياء الصبح، وتقدم.
المعنى الإجمالي:
في هذا الحديث بيان الأفضل في الوقت، لأداء الصلوات الخمس.
فصلاة الظهر: حين تميل الشمس عن كبد السماء.
والعصر: تصلى، والشمس ما تزال بيضاء نقية، لم تخالطها صفرة المغيب وقدرها: أن يكون ظل كل شيء مثله، بعد ظل الزوال.
стр. 73
المغرب: تصلى وقت سقوط الشمس في مغيبها.
وأن العشاء: يراعى فيها حال المؤتمين، فإن حضروا في أول وقتها، وهو زوال الشفق الأحمر صلوا وإن لم يحضروا أخرها إلى ما يقرب من النصف الأول من الليل، فإنه وقتها الأفضل لولا المشقة.
وأن صلاة الصبح: تكون عند أول اختلاط الضياء بالظلام.
فائدة:
يفهم من هذا الحديث أفضلية المبادرة بصلاة الظهر مطلقا، ولكنه مخصص بحديث أبي هريرة " إِذَا اشتَدَّ الْحَرُّ فَأبرِدُوا بِالصلاة فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ من فَيْح جَهَنمَ " متفق عليه. وفي حديث خباب عند مسلم قال: " شكونا إلى رسول الله ﷺ في الرمضاء فلم يشكنا " يريد أنهم طلبوا تأخير الظهر عن وقت الإبراد فلم يجبهم. وذلك لخشية خروج الوقت.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أفضلية المبادرة بالصلاة في أول وقتها ماعدا العشاء.
٢- أن الأفضل في العشاء، التأخير، ويكون إلى نصفَ الليل، كما صحت به الأحاديث، إلا إذا اجتمع المصلون فتصلى خشية المشقة عليهم بالانتظار.
٣- أن الأفضل للإمام مراعاة حال المؤتمين من التخفيف مع الإتمام والإطالة مع عدم الإضجار.
٤- في الحديث دليل على التغليس في الفجر، وهو حجة على من يرى الإسفار كما تقدم.
٥- في الحديث دليل على أن الصلاة في جماعة أولى من الإتيان بالصلاة في أول وقتها. وذلك لمراعاة الجماعة في صلاة العشاء.
الحديث الرابع
عَنْ أبي الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ قالَ: " دَخَلْتُ أنَا وَأبي عَلَى أبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ فَقَالَ لَهُ أبي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلي الْمَكْتُوبَةَ؟
فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّى الهاجرة الَّتي تَدْعُونَهَا الأوَلى، حِينَ تَدْحَضُ الشًمْسُ، وَيُصَلى الْعَصْرَ، ثُمّ يَرْجِعُ أحَدُنَا إِلى رَحْلِهِ في
стр. 74
أقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشًمْسُ حَيّة. وَنَسِيت مَا قَال في الْمَغْرِبِ وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أنْ يُؤَخرَ مِنَ العشَاءِ التي تَدعُونَهَا الْعَتَمَةَ. وَكَانَ يَكْرَهُ النَوْمَ قبلَهَا وَاْلحدِيث بَعْدَهَا. وَكَان يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ اْلَغدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَجُلُ جَلِيسَهُ. وَكَانَ يَقْرأ بالستينَ إِلى الْمائَةِ ".
غريب الحديث:
١- "المكتوبة": هي الصلوات الخمس. ويريد المفروضة.
٢- "الأولى": هي الظهر، لأنها أول صلاة أقامها جبريل للنبي ﵊.
٣- "تَدْحَض الشمس": تزول عن وسط السماء. إلى جهة الغرب. ويقال: دحض برجله: إذا فحص بها.
٤- "والشمس حية": مجاز عبر به عن نقاء بياضها والمراد بحياتها: قوة أثر حرارتها وإنارتها.
٥- "العَتَمة": محركة، ظلمة الليل حين يغيب الشفق، ويمضى من الليل ثلثه، ويراد هنا، صلاة العشاء.
٦- "ينفتل من صلاة الغداة": ينصرف من صلاة الصبح.
المعنى الإجمالي:
ذكر أبو برزة أوقات الصلاة المكتوبة، فابتدأ بأنه كان ﷺ يصلى الهاجرة، وهى صلاة الظهر، حين تزول الشمس نحو الغروب، وهذا أول وقتها.
ويصلى العصر، ثم يرجع أحد المصلين إلى رحله في أقصى المدينة والشمس ما تزال حية، وهذا أول وقتها.
أما " المغرب " فقد نسي الراوي ما ورد في. وتقدم أن دخول وقتها بغروب الشمس.
وكان ﷺ يستحب أن يؤخر العشاء، لأن وقتها الفاضل هو أن تصلى في آخر وقتها المختار، وكان يكره النوم قبلها خشية أن يؤخرها عن وقتها المختار أو يفوت الجماعة فيها، ومخافة الاستغراق في النوم وترك صلاة الليل وكان يكره الحديث بعدها خشية التأخر عن صلاة الفجر في وقتها. أو عن صلاتها جماعة. كما ينصرف من صلاة الفجر، والرجل يعرف من جلس بجانبه، مِع أنه يقرأ في صلاتها من ستين آية إلى المائة، مما دل على أنه كان يصليها بغَلس.
стр. 75
ما يؤخذ من الحديث:
١- بيان أول أوقات الصلوات الخمس وأن آخر جزء من وقت أية صلاة هو أول جزء من وقت الصلاة التي بعدها. فليس بين وقتيهما وقت فاصل.
٢- بيان أن النبي ﷺ كان يصليها في أول وقتها، عدا العشاء.
٣- إن الأفضل في العشاء التأخير إلى آخر وقتها المختار، وهو نصف الليل لكن تقيد أفضلية تأخير العشاء بعدم المشقة على المصلين كما تقدم.
٤- كراهة النوم قبل صلاة العشاء، لئلا يضيع الجماعة، أو يوقعها بعد وقتها المختار.
٥- كراهة الحديث بعدها لئلا ينام عن صلاة الليل، أو عن صلاة الفجر جماعة، لكن كراهة الحديث بعد العشاء لا تنسحب على مذاكرة العلم النافع أو الاشتغال بمصالح المسلمين.
٦- قوله: التي تدعونها العتمة: دليل على كراهة تسمية صلاة العشاء بالعتمة، وقد جاء في صحيح مسلم مرفرعاً "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، فإنها في كتاب الله العشاء " وكان ابن عمر يغضب من هذه التسمية.
وورد ما يدل على الجواز، وأن الغضب من التسمية للكراهة فقط، ففي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً " لو تعلمون ما في العتمة والفجر ".
٧- أن يوقع صلاة الفجر في غلس، حيث ينصرف منها، الرجل لا يعرف إلا من بجانبه مع أنه يقرأ في صلاتها من ستين آية إلى المائة.
٨- فضيلة تطويل القراءة في صلاة الصبح.
٩- وفيه أنه ينبغي لمن سئل عن علم وهو لا يعلم، أن لا يستنكف من قول " لا أعلم " لأن الإفتاء عن جهل قول على الله بلا علم.
والتوقف من العالم عما لا يعلم ليس نقصا في حقه، بل شرف عظيم، حيث تورّع عن الخبط بلا علم، وحيث تواضع فوقف عند حده من العلم.