← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9878

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

عبد الله البسام

Полный текст (741 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الحديث الثاني عن عَائشَةَ قالت: لقَدْ كَانَ النبي ﷺ يصلَيِ الْفجر فَتَشْهَد مَعَهُ نسَاء من الْمُؤْمنَات متَلَفعاتٍ بِمُروطِهِن، ثمَ يرجعن إِلَى بُيُوتِهنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ من الْغَلَسِ. قال: المروط، أكسية معلمة تكون من خَزٍّ، وتكون من صوف. "ومتلفعات" ملتحفات. و "الغلس" اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل. غريب الحديث: ١- "معلمة": بفتح اللام وتشديدها. ٢- "الغَلَس": بفَتح الغين المعْجمة واللام. ٣- "بمروطهن": المرط -بكسر الميم- كساء مخطط بألوان. وزاد بعضهم أنها مربعة. ٤- "متلفعات": متلففات، أي غطين أبدانهن ورؤوسهن. المعنى الإجمالي: تذكر عائشة ﵂، أن نساء الصحابة، كن يلتحفن بأكسيتهن ويشهدن صلاة الفجر مع النبي ﷺ ، ويرجعن بعد الصلاة إلى بيوتهن، وقد اختلط الضياء بالظلام، إِلا أن الناظر إليهن لا يعرفهن، لوجود بقية الظلام المانعة من ذلك. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في الأفضل في وقت صلاة الفجر. فذهب الحنفية إلى أن الإسفار فيها أفضل، لحديث " أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر ". قال الترمذي: حسن صحيح. وذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أن التغليس بها أفضل، لأحاديث كثيرة منها حديث الباب. وأجابوا عن حديث " أسفروا بالفجر ... إلخ " بأجوبة كثيرة، وأحسنها جوابان:

стр. 72

١-. فإما أن يراد بالأمر بالإسفار تحقق طلوع الفجر حتى لا يتعجلوا، فيوقعونها في أعقاب الليل، ويكون " أفعل التفضيل " الذي هو " أعظم " جاء على غير بابه، وهو يأتي لغير التفضيل كثيراً. ٢- وإما أن يراد بالإسفار إطالة القراءة في الصلاة، فإنها مستحبة، وبإطالة القراءة، لا يفرغون من الصلاة، إلا وقت الإسفار. ما يؤخذ من الحديث: ١- استحباب المبادرة إلى صلاة الصبح في أول وقتها. ٢- جواز إتيان النساء إلى المساجد لشهود الصلاة مع الرجال، مع عدم خوف الفتنة، ومع تحفظهن من إشهار أنفسهن بالزينة. الحديث الثالث عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قال: كَان النَّبيُ صَلَى الله عَلَيْةِ وسَلَمَ يُصَلى الظهْرَ بالْهَاجرَةِ، وَالعَصْرَ، والشمس نَقِية، وَالمغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالعشَاءَ أحياناً وأحْيَاناً. إِذا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عجَّلَ وَإذا رآهُم أبْطَئُوا أخَرَ، والصبْحُ كَانَ النبي ﷺ يُصَليهَا بِغَلَس. غريب الحديث: ١- " الهاجرة ": هي شدة الحر بعد الزوال. مأخوذة من هجر الناس أعمالهم لشدة الحر. ٢- " نقية ": صافية، لم تدخلها صفرة ولا تغير. ٣- " إذا وجبَت ": سقطت وغابت، يعنى الشمس. ٤- " الغلس ": بفتح الغين واللام، ظلام آخر الليل مع ضياء الصبح، وتقدم. المعنى الإجمالي: في هذا الحديث بيان الأفضل في الوقت، لأداء الصلوات الخمس. فصلاة الظهر: حين تميل الشمس عن كبد السماء. والعصر: تصلى، والشمس ما تزال بيضاء نقية، لم تخالطها صفرة المغيب وقدرها: أن يكون ظل كل شيء مثله، بعد ظل الزوال.

стр. 73

المغرب: تصلى وقت سقوط الشمس في مغيبها. وأن العشاء: يراعى فيها حال المؤتمين، فإن حضروا في أول وقتها، وهو زوال الشفق الأحمر صلوا وإن لم يحضروا أخرها إلى ما يقرب من النصف الأول من الليل، فإنه وقتها الأفضل لولا المشقة. وأن صلاة الصبح: تكون عند أول اختلاط الضياء بالظلام. فائدة: يفهم من هذا الحديث أفضلية المبادرة بصلاة الظهر مطلقا، ولكنه مخصص بحديث أبي هريرة " إِذَا اشتَدَّ الْحَرُّ فَأبرِدُوا بِالصلاة فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ من فَيْح جَهَنمَ " متفق عليه. وفي حديث خباب عند مسلم قال: " شكونا إلى رسول الله ﷺ في الرمضاء فلم يشكنا " يريد أنهم طلبوا تأخير الظهر عن وقت الإبراد فلم يجبهم. وذلك لخشية خروج الوقت. ما يؤخذ من الحديث: ١- أفضلية المبادرة بالصلاة في أول وقتها ماعدا العشاء. ٢- أن الأفضل في العشاء، التأخير، ويكون إلى نصفَ الليل، كما صحت به الأحاديث، إلا إذا اجتمع المصلون فتصلى خشية المشقة عليهم بالانتظار. ٣- أن الأفضل للإمام مراعاة حال المؤتمين من التخفيف مع الإتمام والإطالة مع عدم الإضجار. ٤- في الحديث دليل على التغليس في الفجر، وهو حجة على من يرى الإسفار كما تقدم. ٥- في الحديث دليل على أن الصلاة في جماعة أولى من الإتيان بالصلاة في أول وقتها. وذلك لمراعاة الجماعة في صلاة العشاء. الحديث الرابع عَنْ أبي الْمِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ قالَ: " دَخَلْتُ أنَا وَأبي عَلَى أبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ فَقَالَ لَهُ أبي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّى الهاجرة الَّتي تَدْعُونَهَا الأوَلى، حِينَ تَدْحَضُ الشًمْسُ، وَيُصَلى الْعَصْرَ، ثُمّ يَرْجِعُ أحَدُنَا إِلى رَحْلِهِ في

стр. 74

أقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشًمْسُ حَيّة. وَنَسِيت مَا قَال في الْمَغْرِبِ وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أنْ يُؤَخرَ مِنَ العشَاءِ التي تَدعُونَهَا الْعَتَمَةَ. وَكَانَ يَكْرَهُ النَوْمَ قبلَهَا وَاْلحدِيث بَعْدَهَا. وَكَان يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ اْلَغدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَجُلُ جَلِيسَهُ. وَكَانَ يَقْرأ بالستينَ إِلى الْمائَةِ ". غريب الحديث: ١- "المكتوبة": هي الصلوات الخمس. ويريد المفروضة. ٢- "الأولى": هي الظهر، لأنها أول صلاة أقامها جبريل للنبي ﵊. ٣- "تَدْحَض الشمس": تزول عن وسط السماء. إلى جهة الغرب. ويقال: دحض برجله: إذا فحص بها. ٤- "والشمس حية": مجاز عبر به عن نقاء بياضها والمراد بحياتها: قوة أثر حرارتها وإنارتها. ٥- "العَتَمة": محركة، ظلمة الليل حين يغيب الشفق، ويمضى من الليل ثلثه، ويراد هنا، صلاة العشاء. ٦- "ينفتل من صلاة الغداة": ينصرف من صلاة الصبح. المعنى الإجمالي: ذكر أبو برزة أوقات الصلاة المكتوبة، فابتدأ بأنه كان ﷺ يصلى الهاجرة، وهى صلاة الظهر، حين تزول الشمس نحو الغروب، وهذا أول وقتها. ويصلى العصر، ثم يرجع أحد المصلين إلى رحله في أقصى المدينة والشمس ما تزال حية، وهذا أول وقتها. أما " المغرب " فقد نسي الراوي ما ورد في. وتقدم أن دخول وقتها بغروب الشمس. وكان ﷺ يستحب أن يؤخر العشاء، لأن وقتها الفاضل هو أن تصلى في آخر وقتها المختار، وكان يكره النوم قبلها خشية أن يؤخرها عن وقتها المختار أو يفوت الجماعة فيها، ومخافة الاستغراق في النوم وترك صلاة الليل وكان يكره الحديث بعدها خشية التأخر عن صلاة الفجر في وقتها. أو عن صلاتها جماعة. كما ينصرف من صلاة الفجر، والرجل يعرف من جلس بجانبه، مِع أنه يقرأ في صلاتها من ستين آية إلى المائة، مما دل على أنه كان يصليها بغَلس.

стр. 75

ما يؤخذ من الحديث: ١- بيان أول أوقات الصلوات الخمس وأن آخر جزء من وقت أية صلاة هو أول جزء من وقت الصلاة التي بعدها. فليس بين وقتيهما وقت فاصل. ٢- بيان أن النبي ﷺ كان يصليها في أول وقتها، عدا العشاء. ٣- إن الأفضل في العشاء التأخير إلى آخر وقتها المختار، وهو نصف الليل لكن تقيد أفضلية تأخير العشاء بعدم المشقة على المصلين كما تقدم. ٤- كراهة النوم قبل صلاة العشاء، لئلا يضيع الجماعة، أو يوقعها بعد وقتها المختار. ٥- كراهة الحديث بعدها لئلا ينام عن صلاة الليل، أو عن صلاة الفجر جماعة، لكن كراهة الحديث بعد العشاء لا تنسحب على مذاكرة العلم النافع أو الاشتغال بمصالح المسلمين. ٦- قوله: التي تدعونها العتمة: دليل على كراهة تسمية صلاة العشاء بالعتمة، وقد جاء في صحيح مسلم مرفرعاً "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، فإنها في كتاب الله العشاء " وكان ابن عمر يغضب من هذه التسمية. وورد ما يدل على الجواز، وأن الغضب من التسمية للكراهة فقط، ففي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً " لو تعلمون ما في العتمة والفجر ". ٧- أن يوقع صلاة الفجر في غلس، حيث ينصرف منها، الرجل لا يعرف إلا من بجانبه مع أنه يقرأ في صلاتها من ستين آية إلى المائة. ٨- فضيلة تطويل القراءة في صلاة الصبح. ٩- وفيه أنه ينبغي لمن سئل عن علم وهو لا يعلم، أن لا يستنكف من قول " لا أعلم " لأن الإفتاء عن جهل قول على الله بلا علم. والتوقف من العالم عما لا يعلم ليس نقصا في حقه، بل شرف عظيم، حيث تورّع عن الخبط بلا علم، وحيث تواضع فوقف عند حده من العلم.

стр. 76

فائدة: إذا كان الحديث مكروهاً بعد العشاء وهو في الكلام المباح والسمر البريء، فكيف حال من يحيون الليل في سماع الأغاني الخليعة، ومطالعة الصحف والروايات الفاتنة الماجنة، ومن فتنوا بالمناظر المخجلة والأفلام الآثمة، والألعاب الملهية، الصادَّة عن ذكر الله وعن الصلاة حتى إذا قرب الفجر، وحان وقت تنزل الرحمات هجعوا، فما يوقظهم من مضاجعها إلا حر الشمس وأصوات الباعة وحركة الحياة، وقد تركوا صلاة الفجر جماعة، بل ربما أضاعوها عن وقتها. أسف شديد وغم قاتل، على أناس سارت بهم الحياة على هذا المنوال البشع ولعب بهم الشيطان فصدهم عما ينفعهم إلى ما يضرهم فهؤلاء يخشى عليهم أن يكونوا ممن نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فضرب عليهم حجاب الغفلة، فلا يتذكرون إلا حين لا تنفعهم الذكرى. الحديث الخامس عَنْ عَلِىٍّ ﵁ أنَ النَبيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ الخَنْدَق: " مَلأ الله قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نارا، كَمَا شَغلُونَا عن الصلاةِ الوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ ". وفي لفظ لمسلم: "شَغَلُونَا عَنِ الصلاةِ الوُسْطَى - صَلاةِ الْعصْرِ- ثم صلاها بين المغرب والعشاء". وله عن عبد الله بن مسعود قال: حَبَس اْلمُشركُون رسول الله ﷺ عن صَلاةِ العصْرِ حتَى احْمَرَّتِ الشمس أو اصْفَرَّت فَقال رسول الله ﷺ : " شَغَلُونَا عن الصَّلاةِ الوُسْطَى - صَلاةِ العصَر- مَلأ الله أجْوَافَهُمْ وقبُورَهُمْ نَارا" أو "حَشا الله أجْوَافَهُمْ وقُبُورهُمْ نَارا ". غريب الحديث: ١- "الخندق": أخدود حفره الرسول ﷺ وصحابته أحاط بشمالي المدينة المنورة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، حيث كانت جموع العدو تحاصره سنة خمس من الهجرة، الوسطى: مؤنث أوسط. وأوسط الشيء: خياره ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ أي خياراً.

стр. 77

المعنى الإجمالي: شغل المشركون النبي ﷺ وأصحابه بالمرابطة وحراسة المدينة وأنفسهم عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. فلم يصلها النبي ﷺ وأصحابُه إلا بعد الغروب. فدعا عليهم النبي ﷺ أن يملأ أجوافهم وقبورهم ناراً، جزاء ما آذوه وصحبه، وشغلوهم عن صلاة العصر، التي هي أفضل الصلوات. وشغلوهم عن صلاة العصر، التي هي أفضل الصلوات. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في المراد بـ " الوسطى " التي حث الله على المحافظة عليها بقوله ﴿حَافِظُوا عَلَى الصلوات والصلاة اْلوُسْطَى﴾ على أقوال كثيرة ذكرها " الشوكاني " على سبعة عشر قولاً، وذكر أدلتهم وليس بنا حاجة إلى ذكر شيء من ذلك خشية الإطالة وقلة الفائدة المطلوبة. والذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وإليه ذهب جمهور السلف والخلف. أن المراد بها "صلاة العصر" وما عدا هذا القول فهو ضعيف الدلالة وساقط الحجة ما يؤخذ من الحديث: ١- أن المراد بالصلاة الوسطى، صلاة العصر لما جاء في الصحيحين عن علي قال: كنا نراها الفجر حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " وقال ابن الأثير: سميت الصلاة الوسطى، لأنها أفضل الصلاة وأعظمها أْجرا، ولذلك خصت بالمحافظة عليها. ٢- جواز تأخير الصلاة عن وقتها، لعدم التمكن من أدائها. ولعل هذا قبل أن تشرع صلاة الخوف، فإنهم أمروا بعد ذلك بالصلاة رجالا وركبانا، قال القاضي عياض: أخرها قصدا، وصلاة الخوف ناسخة لهذا. . قال ابن حجر: هذا أقرب ولا سيما وقد وقع عند أحمد والنسائي في حديث أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف " فرجالا أو ركباناً ". ٣- أن من ذهل عن الصلاة في وقتها يصليها إذا ذكرها.

стр. 78

٤- جواز الدعاء على الظالم بقدر ظلمه، لأنه قصاص. ٥- قال العلماء: فيه دليل على عدم رواية الحديث بالمعنى، بل لابد من النص الوارد، فإن ابن مسعود تردد بين قوله " ملأ الله " أو " حشا الله " ولم يقتصر على أحد اللفظين، مع اتحادهما في المعنى. الحديث السادس عن عَبدِ الله بْنِ عَبَّاس ﵄ قال: أعْتَمَ النبي ﷺ ، فَخَرَجَ عُمَرُ فَقَالَ: الصَّلاةَ يَا رَسولَ اللَه، رَقَدَ النسَاءُ وَالصبْيَانُ. فَخَرَجَ وَرَأسُه يَقْطُرُ يَقُول: لولا أنْ أشُقَّ عَلَى أمتي -أوْ عَلَي النّاس- لأمَرْتُهُمْ بِهذِه الصّلاةِ هذِهِ السّاعَةَ ". غريب الحديث: "أعتم": دخل في العَتَمَةِ، وهى ظلمة الليل، المراد أنه أخر صلاة العشاء بعد ذهاب الشفق، فصلاها في ظلمة الليل. المعنى الإجمالي: تأخر النبي ﷺ بصلاة العشاء، حتى ذهب كثير من الليل، ورقد النساء والصبيان، من ليس لهم طاقة ولا احتمال على طول الانتظار. فجاء إليه عمر بن الخطاب ﵁ وقال: الصلاَة، فقد رقد النساء والصبيان. فخرج ﷺ من بيته إلى المسجد ورأسه يقطر ماء من الاغتسال وقال مبينا أن الأفضل في العشاء التأخير، لولا المشقة التي تنال منتظري الصلاة-لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بهذه الصلاة في هذه الساعة المتأخرة. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في صلاة العشاء: هل الأفضل التقديم أو التأخير؟. فذهب إلى الأول جماعة من العلماء، مستدلين بأن العادة الغالبة لرسول الله ﷺ التقديم، ولم يؤخرها إلا في أوقات قليلة، لبيان الجواز، أو للعذر، ولو كان تأخيرها أفضل لواظب عليه. وذهب الجمهور إلى أن الأفضل التأخير، مستدلين بهذه الأحاديث الصحيحة الكثيرة.

стр. 79

أما كونه لم يداوم على تأخيرها، فلم يمنعه من ذلك إلا خشية المشقة على المأمومين، وقد أخرها ذات ليلة فقال: " إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي ". ما يؤخذ من الحديث: ١- أن الأفضل في العشاء التأخير، ويمنع من ذلك المشقة. ٢- أن المشقة تسبب اليسر والسهولة في هذه الشريعة السمحة. ٣- أنه قد يكون ارتكاب العمل المفضول أولى من الفاضل، إذا اقترن به أحوال وملابسات. ٤- كمال شفقة النبي ﷺ ورحمته بأمته. ٥- كون بعض النساء والصبيان يشهدون الجماعة مع النبي ﷺ . ٦- صراحة عمر ﵁ مع النبي ﷺ ، لإدلاله وثقته من خلق النبي ﷺ . ٧- فيه دليل على تنبيه الأكابر لاحتمال غفلة أو تحصيل فائدة.

стр. 80

بَاب في شيء مِن مَكرُوهَات الصَّلاة (١) المكروه عند الأصوليين، هو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله. ومكروهات الصلاة أشياء تخل بكمالها ولا تبطلها، وهي كثيرة ذكر المؤلف منها ما يتضمنه هذان الحديثان. الحديث الأول عن عَائِشَةَ ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا أقيمت الصلاة وَحَضَرَ العشَاءُ فَابْدَأوا بِالعشَاءِ" وعن ابن عمر، نحوه. المعنى الإجمالي: يطلب في الصلاة الخشوع والخضوع وحضور القلب، لأن ذلك هو روح الصلاة، وبحسب وجود هذا المعنى، يكون تمام الصلاة أو نقصها. فإذا أقيمت الصلاة، والطعام أو الشراب حاضر، فينبغي البداءة بالأكل والشرب حتى تنكسر نهمة المصلي، ولا يتعلق ذهنه به، وكيلا ينصرف قلبه عن الخشوع الذي هو لبُّ الصلاة، هذا ما لم يضق عليه الوقت. فإن ضاق، فحينئذ يقدم الصلاة في وقتها على كل شيء، لأن المستحب لا يزاحم الواجب. ما يؤخذ من الحديث: ١- أن الطعام والشراب إذا حضرا وقت الصلاة، قدما عليها مالم يضق وقتها فتقدم على أية حال. ٢- ظاهر الحديث: سواء أكان محتاجا للطعام أم غير محتاج. لكن قيده كثير من العلماء بالحاجة، وأخذا من العلة التي فهموها من مقصد الشارع. ٣- أن حضور الطعام للمحتاج إليه عذر في ترك الجماعة، على أن لا يجعل وقت الطعام هو وقت الصلاة دائما وعادة مستمرة. ٤- أن الخشوع وترك الشواغل مطلوب في الصلاة ليحضر القلب للمناجاة.

стр. 81

الحديث الثاني ولمُسلِمٍ عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالتْ: سَمِعتُ رَسول الله صلى الله عليه يَقولُ: "لا صَلاة بِحَضْرَةِ الطعَام، ولا وَهُوَ يدَافِعُهُ الأخبَثَان " المعنى الإجمالي: تقدم في الحديث السابق ذكر رغبة الشارع الأكيدة في حضور القلب في الصلاة بين يدي ربه، ولا يكون ذلك إلا بقطع الشواغل، التي يسبب وجودها عدم الطمأنينة والخشوع. لهذا، فإن الشارع ينهي عن الصلاة بحضور الطعام الذي نفس المصلي تتوق إليه، وقلبه متعلق به. وكذلك ينهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، اللذين هما البول والغائط، لأن صلاة الحاقن أو الحاقب (١) غير تامة، لانشغال خاطره بمدافعة الأذى. اختلاف العلماء: أخذ بظاهر الحديث " الظاهرية " وشيخ الإسلام " ابن تيمية ". فلم يصححوا الصلاة مع وجود الطعام، ولا مع مدافعة أحد الأخبثين، وَعَدوا الصلاة باطلة. إلا أن شيخ الإسلام لم يصححها مع الحاجة إلى الطعام. " الظاهرية " شذوا، فلم يصححوها مطلقاً. وذهب جمهور العلماء إلى صحة الصلاة مع كراهتها على هذه الحال. وقالوا: إن نَفْى الصلاة في هذا الحديث، نَفيٌ لكمالها، لا لصحتها. ما يؤخذ من الحديث: ١- كراهة الصلاة عند حضور الطعام المحتاج إليه، وفي حال مدافعة الأخبثين، ما لم يضق الوقت فتقدم مطلقاً. ٢- أن حضور القلب والخضوع مطلوبان في الصلاة. ٣- ينبغي للمصلى إبعاد كل ما يشغله في صلاته. ٤- أن الحاجة إلى الطعام أو الشراب أو التبول أو التغوط كل أولئك عذر في ترك الجمعة والجماعة، بشرط ألا يجعل أوقات الصلوات مواعيد لما ذكر ما هو في مقدور الإنسان منها.

стр. 82

٥- قال الصنعاني واعلم أن هذا ليس في باب تقديم حق العبد على حق الله تعالى، بل هو صيانة لحق البارئ، لئلا يدخل في عبادته بقلب غير مقبل على مناجاته. ٦- فسر بعضهم الخشوع بأنه مجموع من الخوف والسكون، فهو معنى يقوم في النفس يظهر منه سكون في الأعضاء يلائم مقصود العبادة. فائدة: قال العلماء: الصلاة مناجاة الله تعالى، فكيف تكون مع الغفلة! وقد أجمع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل منها، لقوله تعالى: " وأقم الصلاة لذكري " وقوله " ولا تكن من الغافلين" ولما رواه أبو داود والنسائي وابن حبان مرفرعا: " إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له، عشرها ولا سدسها " فالصلاة إنما فرضت لإقامة ذكر الله، فإن لم يكن في قلب المصلي تعظيم وهيبة له نقصت قيمة الصلاة. وحضور القلب هو تفريغه من كل ما هو ملابس له، فيقترن إذ ذلك العلم والعمل، ولا يجري الفكر في غيرهِما. وغفلة القلب في الصلاة عن المناجاة مالها سبب إلا الخواطر الناشئة عن حب الدنيا.

стр. 83

بَاب أوقات (١) النَّهي حظرت الصلاة في أوقات معينة لِحكَمٍ يعلمها الشارع، كالابتعاد عن مشابهة الكفار في وقت عبادتهم. وأوقات النهي ثلاثة: الأول: من صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس عن الأرض قَيد رمح. الثاني: حين تبلغ الشمس نهايتها في الارتِفاع، حتى تبدأ في الزوال. الثالث: من صلاة العصر إلى الغروب. الحديث الأول عن عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس ﵄ قَال " شَهدَ عِنْدي رِجَال مَرْضيونَ وأرْضَاهُمْا عِنْدِي عُمَرُ: أن رَسُوَل الله ﷺ نَهَى عن الصلاةِ بَعْدَ الصبحِ حَتى تَطْلُع الشمس، وبَعْدَ العصر حَتًى تَغْرُبَ ". وما في معناه من الحديث. الحديث الثاني عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِي ﵁ عن رَسُول الله ﷺ قَاَل: " لا صَلاةَ بَعدَ الصّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشمس، وَلا صلاَةَ (٢) بَعْدَ العصْرِ حَتَى تَغِيبَ الشمسُ". قال المصنف: وفى الباب عن على بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وكعب بن مرة، وأبي أمامة الباهلي، وعمرو بن عَبَسَةَ السُلمِّي، وعائشة ﵃ والصُّنابحى، ولم يسمع من النبي ﷺ فحديثه مُرْسل.

стр. 84

المعنى الإجمالي: في هذين الحديثين، النهي من النبي ﷺ عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تشرق الشمس وترتفع في نظر العين قدر طول رمح. (أي ما يقرب من ثلاثة أمتار) . ونهى أيضا عن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس لأن في الصلاة في هذين الوقتين تشبهاً بالمشركين الذين يعبدونها عند طلوعها وغروبها وقد نهينا عن مشابهتهم في عباداتهم، لأن من تشبه بقوم فهو منهم. اختلاف العلماء: اختلفت العلماء في الصلاة في هذه الأوقات: فذهب جمهور العلماء: إلى أنها مكروهة، مستدلين بهذه الأحاديث الصحيحة وغيرها. وذهبت الظاهرية إلى إباحة الصلاة فيها. أجابوا عن أحاديث النهي بأنها منسوخة. وكل الأحاديث التي زعموها ناسخة جعلهما العلماء من باب حمْل المطلق على المقيد، أو بناء الخاص على العام. ولا يعدل إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، وهو- هنا- ممكن بسهولة. ثم اختلفوا: ما هي الصلاة المنهي عنها في هذه الأوقات؟. فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنها جميع التطوعات، ماعدا ركعتي الطواف، مستدلين بعموم النهى الوارد في الأحاديث. ومذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام "ابن تيمية" وجماعة من أصحابنا، إلى أنها النوافل المطلقة عن الأسباب أما الصلوات ذوات الأسباب كتحية المسجد لداخله، وركعتي الوضوء فجائزة عند وجود سببها في أي وقت. ودليلهم على ذلك الأحاديث الخاصة لهذه الصلوات فإنها مخصصة لأحاديث النهي العامة. وبهذا القول تجَتمع الأدلة كلها، ويعمل بكل من أحاديث الجانبين. ثم اختلفوا: هل يبدأ النَّهْيُ في الصبح، من طلوع الفجر الثاني أو صلاة الصبح؟. فذهب الحنفية إلى أنه يبدأ من طلوع الفجر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، مستدلين على ذلك بأحاديث: منها: ما رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: " لا

стр. 85

صلاة بعد الفجر إلا سجدتين". فإنه يدل على تحريم النافلة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، لأن المراد من النفي، النَّهْىُ. وذهب كثير من العلماء إلى أن النهى يبتدئ من صلاة الفجر، لا من طلوع الفجر. واستدلوا على ذلك بأحاديث. منها ما رواه البخاريِ عن أبي سعيد " لا صَلاةَ بَعْدَ صلاةِ اْلفَجْرِ حَتَّى تَطْلُع الشمس". وبما رواه البخاري أيضاً عن عمر بن الخطاب: " أن النبي ﷺ قال: " لا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الصبح حَتَّى تَطْلُعَ الشمس " وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة الصحيحة. وما استدل به الأولون، فيه مقال، وهو لا يقاوم مثل هذه الأحاديث. ما يؤخذ من الحديثين: ١- النهي عن نوافل الصلاة المطلقة، بعد صلاة الصبح، حتى تشرق الشمس وترتفع ما يقرب من ثلاثة أمتار. ٢- النهى عن نوافل الصلاة المطلقة بعد صلاة العصر، حتى تغيب الشمس. ٣- يؤخذ من حديث أبي سعيد " لا صلاة بعد صلاة الفجر " أن النفي هنا للجنس وهذا مقتضى اللغة، لكن صيغة النفي إذا دخلت على الفعل في ألفاظ الشارع فالأولى حملها على نفي الفعل الشرعي، لأن جنس الصلاة لا يمكن نفيه، فالشارع يطلق ألفاظه على عرفه وهو الشرعي. ٤- فهم من بعض الأحاديث أن علة الِنهي هي خشية مشابهة الكفار، فيؤخذ من هذا تحريم التشبه بهم وتقليدهم في عباداتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم. فائدة: المؤلف لم يتعرض للثالث من أوقات النهي مع ثبوته في الأحاديث وهو وقت ضئيل قليل، يبتدئ حين تنتهي الشمس بالارتفاع، حتى تزول. وقد ثبت تحريم الصلاة فيه بأحاديث. منها ما رواه مسلم عن عقبة بن عامر " ثَلاثُ سَاعَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ الله ﷺ أنْ نُصَلّىَ فِيهنَّ، وَأن نَقبُرَ فِيهنَّ مَوْتَانَا- إحداها: حِينَ يَقُومُ قائِمُ الظَّهِيرَةِ ". ومنها: ما رواه مسلم أيضاً عن عمرو بن عَبَسَة، ومنه "ثُمَّ صَلّ

стр. 86

حَتى يَستقل الظل بِالرمْح، ثم أقصِرْ عَنِ الصّلاة، فَإنَه حينَئِذِ تُسْجَرُ جَهَنم". فائدة ثانية: كثير من أحكام الشريعة، بنيت على البعد عن مشابهة المشركين لأن في تقليدهم والتشبه بهم تأثيرًا على النفس، يتدرج ويمتد حتى يصل إلى استحسان أعمالهم، واحتذائهم فيها، حتى يزول ما للمسلمين من عزة، ووحدة، واستقلال، ويصبحوا تبعا لهم، قد ذابت شخصيتهم ومعنويتهم فيهم، وبهذا يدالون على المسلمين. والإسلام يريد من المسلمين العزة والوحدة، في عباداتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وأحوالهم: ويريد منهم أن يكونوا أمة مستقلة، لها صفتها الخاصة، وميزتها المعروفة. ومع الأسف الشديد، نجد المسلين في عصرنا يجرون خلفهم بلا روية ولا بصيرة. وكل ما ورد من الغرب فهو الحسن، وكل عمل يأتونه فهو الجميل، ولو خالف الدين، والخلق. فإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أيقظ المسلمين من رقدتهم ونبههم من غفلتهم، واجمع على الحق والهدى كلمتهم. إنك سميع مجيب. وليس المراد أن لا نتعلم ما علموه من صناعة واختراع، فهذه علوم مشاعة لكل أحد، ونحن أولى بها منهم، لأننا- حين نتعلمها- نستعملها فيما يأمر به ديننا من استتباب الأمن والسلام، وإسعاد البشرية. أما كونها بأيدي طغاة مستعمرين، فستكون أداة تخريب ودمار للعالم.

стр. 87

بَابُ قضَاء الفوائت (١) وترتيبها عَن جَابر بْنِ عَبْدِ الله ﵄: أنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشمس فَجَعَل يَسُبّ كُفَّارَ قُرَيْش، وَقَالَ: يَا رسول الله، مَا كِدتُ أصَلي العَصر حَتَّى كَادَتِ الشمسْ تَغْرُبُ. فَقَاَل النَبيُّ ﷺ : " والله مَا صَليْتُهَا ". قَالَ: فَقُمْنَا إِلى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأ للصّلاةَ وتوضأنا لَهَا، فصَلّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمس، ثُم صَلّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ. غريب الحديث: ١- "يوم الخندق": هو غزوة الأحزاب التي قدم فيها كفار قريش مع قبائل من نجد فحاصروا المدينة. ٢- "ما كدت": بكسر الكاف و " كاد " من أفعال المقاربة، ومعناها، قرب حصول الشيء الذي لم يحصل. ٣- "غربت": قال الزركشي بفتح الراء. وعدّ ضمها خطأ. والمعنى -هنا- ما صليت العصر حتى قربت الشمس من الغروب. ٤- "بُطْحان": بضم الباء وسكون الطاء، وادٍ بالمدينة. المعنى الإجمالي: جاء عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى النبي ﷺ يوم " الخندق " بعد أن غربت الشمس وهو يسب كفار قريشا، لأنهم شغلوه عن صلاة العصر فلم يصلها حتى قربت الشمس من الغروب. فأقسم النبي ﷺ وهو الصادق- أنه لم يصلها حتى الآن تطميناً لـ ". عمر " الذي شقَّ عليه الأمر. ثم قام النبي ﷺ ، فتوضأ وتوضأ معه الصحابة، فصلى العصر بعد أن غربت الشمس، وبعد صلاة العصر، صلى المغرب.

стр. 88

ما يؤخذ من الحديث: ١- وجوب قضاء الفوائت من الصلوات الخمس. ٢- الظاهر أن تأخيرها في هذه القضية ليس نسيانا، وإنما هو عمد، ولكن هذا قبل أن تشرع صلاة الخوف كما رجحه العلماء. ٣- فيه دليل على تقديم الغائبة على الحاضرة في القضاء ما لم يضق وقت الحاضر فعند ذلك تقدم كيلا تكثر الفوائت. ٤- جوز الدعاء على الظالم، لأن النبي ﷺ لم ينكر ذلك. ٥- مشروعية تهوين المصائب على المصابين.

стр. 89

باب فضْل صَلاة الجماعَةِ وَوجوبها من سُمُوّ هذه الشريعة: أنها تشرع في كثير من عباداتها الاجتماعات التي هي عبارة عن مؤتمرات إسلامية، يجتمع فيها المسلمون ليتواصلوا ويتعارفوا ويتشاوروا في أمورهم، ويتعاونوا على حل مشاكلها، وتداول الرأي فيها. وهذه الاجتماعات فيها من المنافع العظيمة، والفوائد الجسيمة، ما يفوت الحصر، من تعليم الجاهل، ومساعدة العاجز، وتليين القلوب، وإظهار عِز الإسلام، والقيام بشعائره. وأول هذه المؤتمرات، صلاة الجماعة في المسجد، فهو مؤتمر صغير بين أهل المحلة الواحدة، يجتمعون كل يوم وليلة، خمس مرات في مسجدهم، فيتواصلون ويتعارفون ويحققون نواة الوحدة الإسلامية الكبرى. الحديث الأول عَن عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أفضَل مِنْ صَلاةِ الفذ بِسَبْع وعِشرِيِنَ دَرَجَةً " غريب الحديث: ١- "الفذّ": بالفاء والذال المعجمة، الفرد. ٢- "درجة": قال ابن الأثير: لم يقل جزءاً ولا نصيباً ولا نحو ذلك، لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع فالدرجات إلى جهة فوق. المعنى الإجمالي: يشير هذا الحديث إلى بيان فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفردِ، بأن الجماعة- لما فيها من الفوائد العظيمة والمصالح الجسيمة - تفضل وتزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة من الثواب، لما بين العملين من التفاوت الكبير في القيام بالمقصود، وتحقيق المصالح. ولاشك أن من ضيع هذا الربح الكبير محروم وأي محروم. ما يؤخذ من الحديث: ١- فيه بيان فضل الصلاة مع الجماعة. ٢- فيه بيان قلة ثواب صلاة المنفرد بالنسبة لصلاة الجماعة. ٣- الفرق الكبير في الثواب، بين صلاتي الجماعة والانفراد. ٤- صحة صلاة المنفرد وإجزاؤها عنه، لأن لفظ " أفضل في الحديث " يدل عن أن كلا

стр. 90

الصلاتين فيه فضل ولكن تزيد إحداهما على الأخرى، وهذا في حق غير المعذور. أما المعذور فقد دلت النصوص على أن أجره تام. الحديث الثاني عَنْ أبى هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صَلاةُ الرجل في الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ في بَيْتهِ وَفي سُوقِهِ خَمْسَة (١) وَعِشرِينَ ضِعْفاً، وَذلِكَ أنَهُ إذا تَوَضَّأ فأحْسَنَ الوضوء. ثم خَرَجَ إِلى اْلمَسْجدِ لا يُخْرِجُهُ إِلاّ الصلاةُ. لم يَخْطُ خُطْوَةً إلاَّ رُفِعَتْ لَهُ دَرَجَةٌ، وَحُط عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة، فَإذا صَلى لَمْ تَزَلِ اْلمَلائِكَةُ تُصَلِّى عَلَيْهِ مَا دَام في مُصلاّهُ: اللهُمَّ صَلّ عَلَيهِ، اللهم اغْفِرْ له، اللهُمَّ ارحَمْهُ، وَلا يَزَال في صَلاةٍ مَا انْتَظر الصلاةَ " متفق عليه واللفظ للبخاري.

стр. 91

غريب الحديث: ١- "فأحرق": بتشديد الراء، ويروى تخفيفها، والتشديد أبلغ في المعنى. ٢- "حبوا": قال ابن الأثير: الحبو أن يمشى على يديه وركبتيه وهو منصوب لأنه خبر كان المقدرة، أي: ولو يكون الإتيان حبوا.

стр. 92

المعنى الإجمالي: لما كان المنافقون يراؤون الناس، ولا يذكرون الله إلا قليلا، كانت صلاة العشاء وصلاة الفجر بوقت ظلام فما يراهم الناس الذين يصلون لأجلهم نجدهم يقصرون في هاتين الصلاتين اللتين تقعان في وقت الراحة ولذة النوم ولا ينشط لأدائهما مع الجماعة إلا من حداه داعي الإيمان بالله تعالى، ورجاء ثواب الآخرة. ولما كان الأمر على ما ذكر كانت هاتان الصلاتان أشق وأثقل على المنافقين. ولو يعلمون ما في فعلهما مع جماعة المسلمين في المسجد من الأجر والثواب- لأتوهما ولو حَبْواً كَحَبْوِ الطفل. وأقسم ﷺ أنه قد هَم بمعاقبة المتخلفين المتكاسلين عن أدائهما مع الجماعة، وذلك بأن يأمر بالصلاة فتقام جماعة، ثم يأمر رجلا فيؤم الناس مكانه، ثم ينطلق معه برجال، معهم حُزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فيحرق عليهم بيوتهم بالنار، لشدة ما ارتكبوه في تخلفهم عن صلاة الجماعة، لولا ما في البيوت من النساء والصبيان الأبرياء، الذين لا ذنب لهم، كما ورد في بعض طرق الحديث. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم صلاة الجماعة. فذهبت طائفة من الحنفية والمالكية والشافعية: إلى أنها سنة مؤكدة. وذهبت طائفة أخرى من هؤلاء إلى أنها فرض كفاية، إذا قام بها من يكفى، سقطت عن الباقين. وذهب الإمام أحمد وأتباعه، وأهل الحديث، إلى أنها فرض عين. وبالغت الظاهرية، فذهبوا إلى أنها شرط لصحة الصلاة. واختار هذا القول أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي، وشيخ الإسلام "ابن تيمية". أدلة هذه المذاهب: استدل الذاهبون إلى أنها سنة بحديث "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". ووجه استدلالهم: أن كلا من صلاة الجماعة وصلاة الانفراد، اشتركا في الأفضلية. وتأولوا حديث الباب بتأويلات بعيدة متكلفة، مذكورة في فتح الباري، ونيل الأوطار، وغيرهما.

стр. 93

أما أدلة من ذهبوا إلى أنها فرض كفاية، فهي أدلة من يرونها فرض عين، وذلك لمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية. وليس هذا دليلا مستقيماً، لأن هؤلاء هم بقتلهم، والقتل غير المقاتلة. ولو كانت فرض كفاية، لكان وجوبها ساقطاً من هؤلاء المتخلفين بصلاة النبي، ومن معه، فلم يكونوا تركوا واجباً يعاقبون عليه إذاً. أما أدلة الموجبين لها على الأعيان، فهي صحيحة صريحة. فمنها: حديث أبي هريرة هذا الذي معنا، فإنه ﷺ لا يهم بتعذيبهم إلا على كبيرة من كبائر الذنوب. ومنها: حديث الأعمى الذي استأذن النبي ﷺ أن يصلي في بيته لوعورة الطريق، وعدم القائد له، فلم يرخص له. ومنها: مشروعيتها في أشد الحالات، وهى وقت القتال. وغير ذلك من أدلة ناصعة، لا تقبل التأويل. أما أحاديث المفاضلة، فلا دلالة فيها على عدم الوجوب، لأننا لم نقل: إنها لا تصح بلا جماعة، ولكن نقول: إنها صحيحة ناقصة الثواب آثم فاعلها مع عدم العذر. أما دليل الغالين في ذلك، وهم من يرون أنها شرط لصحة الصلاة، فهو ما رواه ابن ماجة، والدارقطنى عن ابن عباس: " من سَمِعَ الندَاءَ فَلَمْ يأتِ، فَلا صَلاةَ لَهُ إِلا مِن عُذْر". والراجح أن الحديث موقوف لا مرفوع، وقد تكلم العلماء في بعض رجاله. وعلى فرض صحته، فيمكن تأويله بـ "لا صلاة كاملة إلا في المسجد"، ليوافق الأحاديث التي هي أصح منه. وهذا التعبير كثير في لسان الشارع، يريد بنفي الشيء نَفْيَ كماله. وحديث: " صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " صريح في صحة صلاة المنفرد، حيث جعل الشارع فيها شيئا من الثواب.

стр. 94

بعد أن ذكر " ابن القيم " في كتاب الصلاة " مذاهب العلماء وأدلتهم قال: " ومن تأمل السنة حق التأمُّل، تبيَّن له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة، وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار.. فالذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر. ما يؤخذ من الحديث: ١- أن صلاة الجماعة فرض عين، على الرجال البالغين. ٢- أن من ترك الجماعة بلا عذر، آثم يستحق العقوبة. ٣- أن درء المفاسد، مقدم على جلب المصالح-، فإنه لم يمنعه من تعذيبهم بهذه الطريق إلا خوف تعذيب من لا يستحق العذاب. ٤- أن المنافقين لم يقصدوا بعبادتهم إلا الرياء والسمعة، لأنهم لم يأتوا إلى الصلاة إلا حين يشاهدهم الناس. ٥- فضل صلاتي العشاء والفجر. ٦- ثقل صلاتي الفجر والعشاء: محمول على أدائهما في جماعة، وهذا ما يدل عليه السياق وإنما ثقلتا لقوة الداعي إلى التخلف عنهما وقوة الصارف عن حضورهما.

стр. 95

بَابُ حضُور النساء المسْجِد (١) عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا استَأذَنت أحَدكُمُ امرأته إلى المسجد فَلا يَمْنَعْهَا " قال: فقال بلال بْنُ عَبْدِ الله: والله لَنَمْنَعُهُنَ. قالَ: فأقبل عَلَيْهِ عَبْدُ الله فَسَبَهُ سَبّاً سَيّئاً، ما سَمِعْتُهُ سَبهُ مِثْلَهُ قَط، وَقال: أخْبِرُكَ عن رَسُول الله ﷺ وتقول: والله لَنمنَعُهُن؟!. وفي لفظ لـ " لمسلم ": " لا تَمْنَعُوا إمَاءَ الله مَسَاجِدَ الله ". المعنى الإجمالي: روي ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال- مبيناً حكم خروج المرأة إلى المسجد للصلاة-: إذا استأذنت أحدَكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها، لئلا يحرمها فضيلة الجماعة في المسجد. وكان أحد (٢) أبناء عبد الله بن عمر حاضراً حين حدث بهذا الحديث، وكان قد رأى الزمان قد تغير عن زمن النبي ﷺ بتوسع النساء في الزينة حملته الغيرة على صون النساء، على أن قال- من غير قصد الاعتراض على المشرع-: والله لنمنعهن. ففهم أبوه من كلامه أنه يعترض- برده هذا- على سنة النبي ﷺ فحمله الغضب لله ورسوله، على أن سبه سباً شديداً. وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: والله لنمنعهن. ما يؤخذ من الحديث: ١- استحباب الإذن للمرأة بالصلاة في المسجد إذا طلبت ذلك. ٢- أن جواز الإذن لها، مع عدم الزينة والأمن من الفتنة، كما صحت بذلك الأحاديث (٣) .

стр. 96

٣- ويظهر أن جواز الإذن لمجرد الصلاة. أما لسماع المواعظ وخطب الأعياد فيجب حضورهن، كما يأتي في حديث أم عطية: " أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور ". ٤- شدة الإنكار على من اعترض على سنة النبي ﷺ . ٥- أنه ينبغي لمن أراد أن يوجه كلام الشارع إلى معنى يراه، أن يكون ذلك بأدب واحترام، وحسن توجيه.

стр. 97

بَابُ سنَن الراتبة (١) وتأكيد ركعتي سنة الفجر وفضلها للصلوات المكتوبة سنن راتبة، صحت فيها السنة المطهرة حثّاً وفعلاً، وتقريراً من الشارع. ولها فوائد عظيمة، وعوائد جسيمة، من زيادة الحسنات ورفعة الدرجات وتكفير السيئات، وترقيع خلل الفرائض، وجبر نقصها. لذا ينبغي الاعتناء بها والمحافظة الشديدة عليها. هذا في الحضر. أما في السفر، فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلي شيئا من هذه الرواتب إلا ركعتي الفجر، فكان لا يدعهما، لا حضراً، ولا سفراً. الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄ قال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُول الله ﷺ رَكعَتَين قَبلَ الظهر، وَرَكعَتَين بَعدَهَا، وَرَكَعَتينِ بَعدَ الجُمعَة، وَرَكعتَين بَعْدَ المغرب وَرَكَعَتَين بَعْدَ العِشَاء. وفي لفظ: فأما المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ وَالفَجْرُ وَالجُمعَةُ فَفي بَيْتهِ. وفي لفظ للبخاري: " أن ابن عمر قال: حَدثَتْنِي حَفْصَةُ: أنَّ النَّبي ﷺ كَانَ يُصَلى سَجْدَتَيْن خَفِيفتَيْن بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الفَجْرُ وكَانتْ سَاعَةً لا أدْخُلُ عَلى النبي ﷺ فيها. المعنى الإجمالي: في هذا الحديث بيان للسنن الراتبة للصلوات الخمس. وذلك أن لصلاة الظهر أربع ركعات، ركعتين قبلها، وركعتين بعدها، وأن لصلاة الجمعة ركعتين بعدها، وأن للمغرب ركعتين بعدها، وأن لصلاة للعشاء ركعتين بعدها وأن راتبتي صلاتي الليل، المغرب والعشاء، وراتبة الفجر والجمعة كان يصليها الرسول ﷺ في بيته. وكان لابن عمر ﵁ اتصال ببيت النبي ﷺ ، لمكان أخته "حفصة" من النبي ﷺ فكان يدخل عليه وقت عباداته، ولكنه يتأدب فلا يدخل في بعض الساعات، التي لا يدخل على النبي ﷺ فيها، امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَا أيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأذِنْكُمُ الذِينَ مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ وَالذينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُم ثَلاثَ مَرات مِنْ قَبْل صَلاهَ الْفَجْرِ﴾ الآية. فكان لا يدخل عليه في الساعة التي قبل صلاة الفجر، ليرى كيف كان النبي يصلى.

стр. 98

ولكن -من حرصه على العلم- كان يسأل أخته " حفصة " عن ذلك، فتخبره أن النبي ﷺ ، كان يصلى سجدتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر، وهما سنة صلاة الصبح. ما يؤخذ من الحديث: ١- استحباب هذه الرواتب المذكورة، والمواظبة عليها. ٢- أن " العصر" ليس لها راتبة من هذه المؤكدات. ٣- أن راتب " المغرب " و " العشاء " و " الفجر" والجمعة الأفضل أن تكون في البيت. ٤- التخفيف في ركعتي الفجر. ٥-ورد في بعض الأحاديث الصحيحة، أن للظهر سِتا، أربعا قبلها وركعتين بعدها. فقد جاء في الترمذي حديث أم حبيبة مرفوعا " أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها " ٦- بعض هذه الرواتب تكون قبل الفريضة لتهيئة نفس المصلي للعبادة قبل الدخول في الفريضة. وبعض الرواتب تكون بعدها لتجبر ما وقع فيها من نقصان. الحديث الثاني عن عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ يَكن النبي ﷺ عَلَى شيء مِنَ النَّوَافِلِ أشَدَّ تعَاهُداً مِنْهُ عَلى رَكعَتي الفجْرِ. وفي لفظ لـ "مسلم ": "رَكْعتَا الْفجْرِ خَير من الدنيَا ومَا فِيها ". المعنى الإجمالي: في هذا الحديث بيان لما لركعتي الفجر من الأهمية والتأكيد، فقد ذكرت عائشة رضى الله عنها أن النبي ﷺ أكدهما وعظم شأنهما، بفعله. وقوله، حيث قالت: لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهدا ومواظبة منه على ركعتي الفجر، وأنه ﷺ قال: إنهما خير من الدنيا وما فيها. ما يؤخذ من الحديث: ١- الاستحباب المؤكد في ركعتي الفجر. فلا ينبغي إهمالهما. ٢- فضلهما العظيم، حيث جعلا خيراً من الدنيا وما فيها. ٣- كون النبي ﷺ يتعاهدهما أكثر من غيرهما. ٤- أن إهمال من أهملهما -على سهولتهما وعظم أجرهما وحث الشارع عليهما- يدل على ضعف دينه، وحرمانه من الخير العظيم.

стр. 99

بَابُ الآذَان والإقامة (١) الأذان- لغة: الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأذَاَن مِنَ الله وَرَسُوله﴾ أي إعلام منهما. وهو- شرعاً-: الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة. وهو- على اختصاره- مشتمل على مسائل العقيدة، لأن التكبير يتضمن وجود الله وإثبات صفات الجلال والعظمة له، والشهادتان تثبتان التوحيد الخالص، ورسالة، محمد ﷺ ، وتنفيان الشرك. والدعاء إلى الفلاح يشير إلى المعاد والجزاء. وذكر العلماء له حكماً عظيمة، منها إظهار شعار الإسلام، وإظهار كلمة التوحيد، وإثبات الرسالة، والإعلام بدخول وقت الصلاة. ومنها الدعوة إلى الجماعة. وفي القيام به فضل عظيم لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال: " لو يَعْلَمُ الناسُ مَا في النّدَاءِ والصف الأوٌل ثم لَمْ يَجدُوا إِلا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا" وغيره من الأحاديث الكثيرة. و" الأذان " و " الإقامة " كل واحد منهما فرض كفاية على الرجال للصلوات الخمس. وهما من شعائر الإسلام الظاهرة. يقاتل أهل بلد تركوهما. كان ﷺ إذا أتى قوماً لا يعرفهم يستدل على إسلامهم بالأذان، وعلى كفرهم بتركه، فكان يأمر من يتسمع إليهم في أوقات الصلوات. وقد شُرع في المدينة، حينما استشار النبي ﷺ أصحابه في طلب طريق يعرفون بها دخول الوقت، ليأتوا إلى الصلاة. في المسجد. فرأى عبد الله بن زيد الأنصاري في المنام من أعلمه صفة الأذان، فأخبر النبي ﷺ برؤياه فقال: إنها رؤيا حق فألقه على بلال، لأنه رفيع الصوت. فكان أفضل وسيلة لمعرفة أوقات الصلاة. الحديث الأول عَنْ أنس بْنِ مَالِك ﵁ قَالَ: أُمِر بلال أنْ يَشْفَعَ الأذَانَ وَيُوترَ الإقَامَةَ.

стр. 100

غريب الحديث: ١- "أمر بلال": مبنى للمجهول. والآمر هو النبي ﷺ فله حكم المرفوع. وأختلف أهل الأصول: هل تقتضي هذه الصيغة وأمثالها، الرفع أو لا؟. والصحيح أنها تقضيه، لأن الظاهر أن الآمر من له الأمر الشرعي وهو الرسول ﵊. ٢- "أن يشفع الآذان": يعني، يأتي بألفاظه شفعاً. أي مثنى والمثنى مرتان. ٣- "ويوتر الإقامة": يعنى، يأتي بألفاظها وتراً، وهو نقيض الشفع. المعنى الإجمالي: أمر النبي ﷺ مؤذنه "بلالاً" أن يشفع الآذان لأنه لإعلام الغائبين، فيأتي بألفاظه مثنى. وهذا عدا (التكبير) فى أوله، فقد ثبت تربيعه و (كلمة التوحيد) في آخره. فقد ثبت إفرادها. كما أمر بلالاً أيضاً أن يوتر الإقامة، لأنها لتنبيه الحاضرين. وذلك بأن يأتي بجملها مرة مرة، وهذا عدا (التكبير) و " قد قامت الصلاة " فقد ثبت تثنيتهما فيها. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم الأذان والإقامة. فذهب الإمام "أحمد" وبعض المالكية، وبعض الشافعية، وعطاء إلى أنهما واجبان على الكفاية، للرجال البالغين، مستدلين على ذلك بأحاديث كثيرة. منها حديث الباب. لأن الأمر يقتضي الوجوب. ومنها ما في الصحيحين عن مالك بن الحويرث: " فَاليُؤَذنْ لكم أحَدُكُمْ " وغير ذلك من الأحاديث. ولأنه من شعائر الإسلام الظاهرة يقاتل من تركها. وقد خص بعض هؤلاء الوجوب بالرجال دون النساء، لما روى البيهقي عن ابن عمر بإسناد صحيح: " لَيس عَلَى النسَاءِ أذَان وَلا إقامَة ". ولأنه مطلوب منهن خفض الصوت والتستر، وَلسنَ من أهل الجماعة المطلوب لها الاجتماع. وذهبت الحنفية والشافعية إلى أنهما سنتان وليسا بواجبين. مستدلين بما صحح كثير من الأئمة من أن النبي ﷺ ليلة مزدلفة لم يؤذنْ، وإنما أقام فقط.

стр. 101

ويعارض ما نقل عن تركه الأذان بما روى البخاري عن ابن مسعود " أنه ﷺ صلاها في جمع بأذانين وإقامتين ". على أن شيخ الإسلام " ابن تيمية " ذكر في " الاختيارات " أن طوائف من القائلين بسنية الأذان يقولون: إذا اتفق أهل بلد على تركه، قوتلوا. فالنزاع مع هؤلاء قريب من اللفظي، لأن كثيراً من العلماء يطلقون القول بالسنة على. ما يذم ويعاقب تاركه شرعاً. أما من زعم أنه سنة لا إثم على تاركه فقد أخطأ. ا. هـ كلامه. واختلفوا أيضاً في صفة الأذان والإقامة. فذهب الإمام " أحمد " إلى جواز كل ما ورد في صفات الأذان والإقامة. لكنه اختار أذان " بلال " وإقامته، وأذان " بلال " المشار إليه خمس عشرة جملة، أربع تكبيرات، ثم أربع تشهدات، ثم أربع حيعلات، ثم تكبيرتان، ثم يختمه بـ " لا إله إلا الله ". والإقامة المشار إليها إحدى عشرة جملة، تكبيرتان، ثم تشهدان، ثم حيعلتان، ثم (قد قامت الصلاة) مرتين، ثم تكبيرتان، ثم يختم بـ "لا إله إلا الله". والى هذه الصفة، ذهبت الحنفية والشافعية، وجمهور العلماء. واحتجوا بحديث عبد الله بن زيد في صفة الأذان والإقامة، وبأن هذه الصفة هي عمل أهل مكة بجمع المسلمين في المواسم وغيرها، ولم ينكره أحد. وذهب مالك، وأبو يوسف، وبعض العلماء: إلى تثنية تكبير الأذان. محتجين ببعض روايات حديث عبد الله بن زيد، وبأذان أبى محذورة وبحَديث أنس [أمِرَ بِلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذَانَ] . والأولى الأخذ بالزائد، لأن الزيادة التي لا تنافي، إذا كانت من ثقة فهي مقبولة. قال ابن حزم، إنما اخترنا أذان أهل مكة: لأن فيه زيادة ذكر الله. واختلفوا في ترجيع الأذان، ومعنى " الترجيع " أن يقول المؤذن. التشهد خافضاً به صوته، ثم يعيده، رافعاً صوته. فذهبت المالكية والشافعية: إلى استحبابه،

стр. 102

وهو عمل أهل الحجاز، أخذاً بحديث أبي محذورة، فإن النبي ﷺ لقَّنه إياه في مكة. وذهبت الحنفية إلى عدم الاستحباب، احتجاجاً بالظاهر من حديث عبد الله بن زيد. والإمام " أحمد " يجيز الأمرين، ولكنه يختار أذان بلال. قال ابن عبد البر: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح فإن رَبع أو رَجع أو ثنى الأذان مع إفراد الإقامة أو ثناها معه أو ثنى الألفاظ كلها فإنه جائز. ما يؤخذ من الحديث من الأحكام: ١- وجوب الأذان والإقامة، أخذاً من صيغة الأمر الصادر من النبي ﷺ فإن الصيغة تقتضي رفع الحديث. قال ابن حجر: هو قول محققي الطائفتين، من المحدثين والأصوليين. ٢- استحباب شفع الأذان وإيتار الإقامة، لأن الوجوب معارض بصفات للأذان والإقامة ثابتة، يؤخذ من مجموع الأدلة جواز جميع الوارد. ٣- شدة الاهتمام بالأذان على الإقامة، لكونه نداء للبعيد. ٤- المراد بشفع الأذان ماعدا التكبيرات الأربع في أوله، وكلمة التوحيد في آخره، فإنها مخصصة بأدلة أخرى. ٥- المراد بوتر الإقامة ماعدا التكبيرتين في أولها و [قد قامت الصلاة] ، فإنهما مشفوعتان لتخصيصهما بأدلة أخر. الحديث الثاني عَنْ أبي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ الله السُوَائي قالَ: أتيتُ النَّبيَ ﷺ وهوَ في قُبّةٍ لَه حَمرَاءَ مِنْ أدَم، قَالَ: فخَرَج بِلالٌ بوَضُوءٍ، فَمِنْ نَاضِح وَنائِل فَخَرَجَ النَّبيُّ ﷺ وَعَلَيهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ كَأنّي أنْظرُ إلَى بياضِ سَاقَيهِ، قَالَ: فَتوَضأ وَأذّنَ بِلال. قال: فَجَعَلْتُ أتَتَبَّع فَاهُ ههُنَا ههُنَا، يَقُولُ يَميناً وشِمَالاً. حَي عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاح. ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَة فَتَقَدَّم وَصَلّى الظهْرَ رَكعَتَينِ. ثُم لم يزَل يُصلي رَكْعَتَين حَتَّى رَجَعَ إلَى المَدِينَةِ.

стр. 103

غريب الحديث: ١- "في قبة من أدَم": جمع أديم، والأدم، بضم الهمزة وفتحها الجلد المدبوغ، القبة هي الخيمة. ٢- "وضوء": يعني الماء. ٣- "حلة": لا تكون إلا من ثوبين، إزار ورداء أو غيرهما وتكون ثوبا له بطانة. ٤- "فمن ناضح ونائل": النضح، الرش، والمراد هنا الأخذ من الماء الذي توضأ به النبي ﷺ للتبرك، والنائل: - الآخذ ممن أخذ من وضُوئِه ﵊. ٥- "أتتبع فاه ههنا ههنا": ظرفا مكان، والمراد يلتفت جهة اليمين وجهة الشمال ليبلغ من حوله. ٦- "عَنَزَة": رمح قصير، في طرفه حديدة دقيقة الرأس يقال لها: زُجّ و (العنزة) بفتح العين والنون والزاي، آخره تاء مربوطة. المعنى الإجمالي: كان النبي ﷺ نازلاً في الأبطح في أعلىٍ مكة، فخرج بلال بفضل وَضُوءِ النبي ﷺ ، وجعَلَ الناس يتبركون به، وَأذَّن بلال. قال أبو جحيفة: فجعلت أتتبع فم بلال، وهو يلتفت يمناً وشمالا عند قوله "حي على الفلاح" ليسمع الناس حيث إن الصيغتين حث على المجيء إلى الصلاة. ثم ركزت له رمح قصيرة لتكون سترة له في صلاته، فصلى الظهر ركعتين. ثم لم يزل يصلى الرباعية ركعتين حتى رجع إلى المدينة، لكونه مسافراً. ما يؤخذ من الحديث من الأحكام: ١- مشروعية التفات المؤذن يميناً وشمالا عند قوله: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) والحكمة في هذا تبليغ الناس ليأتوا إلى الصلاة. ٢- مشروعية قصر الرباعية إلى ركعتين في السفر، ويأتي إن شاء الله. ٣- مشروعية السترة أمام المصلى ولو في مكة، ويأتي إن شاء الله. ٤- شدة محبة الصحابة للنبي ﷺ وتبركهم بآثاره. ولكن لا يلحقه في ذلك العلماء والصالحون، فإن له خصوصيات ينفرد بها عن غيره. ومن قاس غيره عليه، في هذا وأمثاله فقد أخطأ.

стр. 104

٥- ورد في أحاديث كثيرة النهي عن لبس الأحمر للرجال. فمنها ما في البخاري (أن النبي ﷺ نهى عن المياثر (١) الحمر) . فكيف ذكر هنا، أن عليه حلة حمراء؟ ذكر " ابن القيم " في " الهَدْىِ النبوي " أي (زاد المعاد) أن الحلة هنا، ليست حمراء خالصة، وإنما فيها خطوط حمر، وسود، وغلط من ظن أنها حمراء بحت، لا يخالطها غيره. والتي أكثر أعلامها حمر يقال لها: حمراء. ورأيت نقلاً عن شيخنا "عبد الرحمن السعدي " أنه لبسها لبيان الجواز. وعندي أن جمع " ابن القيم " أحسن، لأن النهي عن الأحمر الخالص، شديد فكيف يلبسه لبيان الجواز؟ والله أعلم. ذكر القاضي عياض أن في الكلام تقديماً وتأخيراً "فتوضأ رسول الله ﷺ فخرج بلال بوضوء" ويؤيد قوله رواية البخاري: "خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأتى بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به". الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: " إِنَّ بِلالا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ. فَكُلُوا حَتى يُؤَذن ابْنُ أم مَكْتُوم". المعنى الإجمالي: كان للنبي ﷺ مؤذنان، بلال بن رباح، وعبد الله بن أم مكتوم وكان ضريراً. فكان بلال يؤذن لصلاة الفجر قبل طلوع الفجر، لأنها تقع وقت نوم ويحتاج الناس إلى الاستعداد لها قبل دخول وقتها. فكان ﷺ ينبه أصحابه إلى أن بلالا يؤذن بليل، فيأمرهم بالأكل والشرب حتى يطلع الفجر، ويؤذن المؤذن الثاني وهو ابن أم مكتوم لأنه كان يؤذن مع طلوع الفجر الثاني. وذلك لمن أراد الصيام، فحينئذ يكف عن الطعام والشراب ويدخل

стр. 105

وقت الصلاة. وهو خاص بها، ولا يجوز فيما عداها أذان قبل دخول الوقت. واختلف في الأذان الأول لصلاة الصبح، هل يكتفي به أو لابد من أذان ثان لدخول الوقت؟ وجمهور العلماء على أنه مشروع ولا يكتفي به. ما يؤخذ من الحديث من أحكام: ١- جواز الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها. ٢- جواز اتخاذ مؤذنين لمسجد واحد، ويكون لأذان كل منهما وقت معلوم. ٣- جواز اتخاذ المؤذن الأعمى وتقليده لأن ابن أم مكتوم، رجل أعمى. ٤- وفيه استحباب تنبيه أهل البلد أو المحلة على إرادة الأذان قبل طلوع الفجر حتى يكونوا على بصيرة. ٥- اتخاذ مؤذن ثان يؤذن مع طلوع الفجر. ٦- وفيه استحباب عدم الكَف عن الأكل والشرب لمن أراد الصيام حتى يتحقق طلوع الفجر، وأن لا يمسك قبل ذلك والأمر في قوله: " فكلوا واشربوا " هو للإباحة، والإعلام بامتداد وقت السحور إلى هذا الوقت. وسيأتي إن شاء الله. ٧- فيه جواز العمل بخبر الواحد إذا كان ثقة معروفا. الحديث الرابع عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدرِي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ الله ﷺ : " إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذنَْ فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُولُ ". المعنى الإجمالي: قال رسول الله ﷺ : إذا سمعتم المؤذن للصلاة فأجيبوه، بأن تقولوا مثل ما يقول. فحينما يكبر فكبروا بعده، وحينما يأتي بالشهادتين، فأتوا بهما بعده، فإنه يحصل لكم من الثواب ما فاتكم من ثواب التأذين الذي حازه المؤذن، والله واسع العطاء، مجيب الدعاء. ما يؤخذ من الحديث من الأحكام: ١- مشروعية إجابة المؤذن بمثل ما يقول. وذلك بإجماع العلماء. ٢- أن تكون إجابة المجيب بعد انتهاء المؤذن من الجملة لقوله: (فقولوا) . لأن

стр. 106

الفاء للترتيب. وقد صرح. بذلك في بعض الأحاديث. منها ما رواه النسائي عن أم سلمة أن النبي ﷺ " كان يقول كما يقول المؤذن حين يسكت " ٣- أن يجيب المؤذن في كل أحواله، إن لم يكن في خلاء أو على حاجته، لأن كل ذكر له سبب لا ينبغي إهماله، حتى لا يفوت بفوات سببه. ٤- ظاهر الحديث أن السامع يجيب المؤذن بمثل ما يقول في كل جمل الأذان. والذي عند جمهور العلماء أن المجيب يقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله " عند قول المؤذن: " حي على الصلاة " و" حي على الفلاح " كما ورد في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ومنه " ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ". ولأن الحيعلة (١) لا تناسب السامع: إنما الذي يناسبه الحوقلة (٢) فحينما دعاهم المؤذن أجابوه بقولهم: " لا حول ولا قوة إلا بالله " أي بمعونته وتأييده يكون مجيئنا للصلاة وقيامنا بها. فائدة: روى البخاري في صحيحه، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: من قال حين يسمع النداء: " اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة ".

стр. 107

بَاب استقبال القبْلَة قبلة المسلمين هي الكعبة المشرفة، التي هي عنوان توحيدهم ووحدتهم ومتجه أنظارهم، وملتقى قلوبهم وأرواحهم. وقد جعل الله هذه الكعبة قياماً للناس، في أحوال دينهم ودنياهم، وأمْناً لهم عند الشدائد، يجدون في ظلها الطمأنينة والأمن والإيمان. وبقاؤها تُحَجُ وتزَارُ هو علامة بقاء الدين وقيامه. وكان النبي ﵊ قبل الهجرة يستقبل الكعبة وبيت المقدس معاً على المشهور. فلما هاجر إلى المدينة وفيها اليهود، اقتصر على استقبال بيت المقدس ستة عشر شهراً، وكان يتشوق إلى استقبال الكعبة، أشرف بقعة على الأرض، وأثر أبي الأنبياء وإمام الحنفاء "إبراهيم الخليل" ﵇، فصرفت القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية للهجرة. واستقبال القبلة في الصلاة، ثابت في الكتاب والسنة والإجماع. وهو شرط للصلاة، لا تصح بدونه إلا عند العجز أو للنافلة على الدابة، كما سيأتي في هذه الأحاديث، إن شاء الله تعالى. الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْث كَانَ وجْهُهُ، يومئ برأسه، وَكَانَ ابن عُمَرَ يَفعَلُهُ. وفي رواية: كَانَ يُوتِرُ عَلى بَعِيرِهِ. ولـ " مسلم ": غَيْر أنّهُ لا يُصَلى عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ. وللبخاري " إلا الْفَرَائِضَ ". غريب الحديث: ١- "يسبح على ظهر راحلته": التسبيح هنا، يراد به صلاة النافلة، من تسمية الكل باسم البعض. وقد خصت النافلة باسم التسبيح، قال ابن حجر: وذلك عرف شرعي. ٢- "المكتوبة": يعنى الصلوات الخمس المفروضات. ٣- "الراحلة": الناقة التي تصلح لأن ترحل.

стр. 108

المعنى الإجمالي: الغالب في الشريعة أن صلاة الفريضة وصلاة النافلة تشتركان في الأحكام، وهذا هو الأصل فيهما. فما ورد في إحداهما من حكم، فهو لهما سواء. ولكنه يوجد بعض الأدلة التي تخص إحداهما بحكم دون الأخرى. والغالب على هذه االفروق بينهما، تخفيف الأحكام في النافلة دون الفريضة، ومن ذلك، هذا الحديث الذي معنا. فإنه لما كان المطلوب تكثير نوافل الصلاة والاشتغال بها خفف فيها. فكان ﷺ يصليها في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به ولو لم تكن تجاه القبلة ويومىء برأسه إشارة إلى الركوع والسجود. ولا فرق بين أن تكون نفلا مطلقاً، أو من الرواتب أو من الصلوات ذوات الأسباب. لهذا كان يصلى على الراحلة آكد النوافل وهو الوتر. أما الصلوات الخمس المكتوبات فوقوعها قليل لا يشغل المسافر فيها، ويجب الاعتناء بها وتكميلها، فلذا لا تصح على الراحلة إلا عند الضرورة. أحكام الحديث: ١- جواز صلاة النافلة في السفر على الراحلة وفعل ابن عمر له أقوى من مجرد الرواية. ٢- ذهب الإمام أحمد وأبو ثور إلى استقبال القبلة حال ابتداء الصلاة، وذلك لحديث أنس من أنه كان ﷺ إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث وجهه ركابه وظاهر الحديث العموم. ٣- عدم جواز الفريضة على الراحلة بلا ضرورة. قال العلماء: لئلا يفوته الاستقبال، فإنه يفوته ذلك وهو راكب. أما عند الضرورة من خوف أو سَيْل، فيصح، كما صحت به الأحاديث. ٤- أن الإيماء هنا، يقوم مقام الركوع والسجود. ٥- أن قبلة المتنفل على الراحلة، هي الوجهة التي هو متوجه إليها.

стр. 109

٦- أن الوتر ليس بواجب، حيث صلاه ﵊، على الراحلة. ٧- أنه كلما احتيجت إلى شيء دخله التيسير والتسهيل. وهذا من بعض ألطاف الله المتوالية على عباده. ٨- سماحة هذه الشريعة، وترغيب العباد في الازدياد من الطاعات، بتسهيل سبلها. ولله الحمد والمنة. ٩- ذكر الصنعاني أن ألفاظ هذا الحديث مجموعة من عدة روايات في البخاري ومسلم، وأنه ليس في الصحيحين رواية هكذا لفظها. ١٠- لا يستدل بهذا الحديث على أن الخفض في السجود أكثر من الركوع، وإنما ذلك في حديث جابر حيث يقول: " جئت وهو يصلى على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع " وقد أخرجه الترمذى وأبو داود. ١١- ذهب جمهور العلماء إلى جواز ترك الاستقبال في السفر الطويل والقصير إلا مالكا فقد خصه بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة ولم يوافقه أحد على ذلك. الحديث الثاني عَبْد الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بقُبَاءَ (١) في صَلاَةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُم آتٍ فقَالَ: إنَّ النّبِيّ ﷺ قدْ أنْزلَ عَلَيْهِ اللَّيلَة قُرْآنٌ، وقدْ أمر أنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبةِ" فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. المعنى الإجمالي: تقدم أنه لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وفيها كثير من اليهود، اقتضت الحكمة الرشيدة أن تكون قبلة النبي ﷺ قبلة الأنبياء السابقين " بيت المقدس " فصلوا إلى تلك القبلة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً (٢) .

стр. 110

وكان النبي ﷺ يشوق إلى صَرْفِهِ إلى استقبال الكعبة المشرفة. فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلّبَ وَجْهِكَ في السمَاء فَلَنُوَليَنكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَ فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسجِد الْحَرَاَم﴾ . فخرج أحدُ الصحابة إلى مسجد " قُباء " بظاهر المدينة، فوجد أهله لم يبلغهم نسخ القبلة، ويصلون إلى القبلة الأولى، فأخبرهم بصرف القبلة إلى الكعبة، وأن النبي ﷺ قد أنزل إليه قرآن في ذلك. يشير إلى الآية السابقة وأنه ﷺ استقبل الكعبة في الصلاة. فمن فقههم وسرعة فهمهم وصحته استداروا عن جهة بيت المقدس- قبلتهم الأولى- إلى قبلتهم الثانية، الكعبة المشرفة. أحكام الحديث: ١- القبلة: أول الهجرة كانت إلى بيت المقدس، ثم صرفت إلى الكعبة. ٢- أن قبلة المسلمين، استقرت على الكعبة المشرفة. فالواجب استقبال عينها عند مشاهدتها واستقبال جهتها عند البعد عنها. ٣- أن أفضل البقاع، هو بيت الله، لأن القبلة أقرت عليه، ولا يقر هذا النبي العظيم وهذه الأمة المختارة إلا على أفضل الأشياء. ٤- جواز النسخ في الشريعة، خلافا لليهود ومن شايعهم من منكري النسخ. ٥- أن من استقبل جهة في الصلاة، ثم تبين له الخطأ أثناء الصلاة، استدار ولم يقطعها، وما مضى من صلاته صحيح. ٦- أن الحكم لا يلزم المكلف إلا بعد بلوغه، فإن القبلة حُولت، فبعد التحويل وقبل أن يبلغ أهل " قباء " الخبر، صلوا إلى بيت المقدس، فلم يعيدوا صلاتهم. ٧- أن خبر الواحد الثقة -إذا حفتْ به قرائن القبول- يصدق ويعمل به، وإن أبطل ما هو متقرر بطريق العلم. ٨- وفيه أن العمل ولو كثيراً في الصلاة، إذا كان لمصلحتها، مشروع. ٩- وفيه دليل على قبول خبر " الهاتف " و " اللاسلكى " في دخول شهر رمضان أو خروجه، وغير ذلك من الأخبار المتعلقة بالأحكام الشرعية، لأنه وإن كان نقل الخبر من فرد إلى فرد، إلا أنه قد حَفَ به من قرائن الصدق، ما يجعل النفس تطمئن ولا ترتاب في صدق الخبر، ولتجربة المتكررة أيدت ذلك.
следующие страницы →