← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9878

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

عبد الله البسام

Полный текст (741 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الحديث الرابع عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عَنْ أبيهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اقْتَنَى كَلْباً- إلا كَلْبَ صَيْد أوْ مَاشِيَةٍ - فإنَّهُ يَنْقصُ مِنْ أجْرِهِ كُلَّ يَومٍ قيراطان". قَالَ سالم: وَكَانَ أبو هريرة يَقُولُ: أوْ كَلْبَ حَرْثٍ وَكَانَ صَاحِبَ حرث. المعنى الإجمالي: الكلب من البهائم الخسيسة القذرة، ولهذا نهى الشرع الشريف الطاهر عن اقتنائه لما فه من المضار والمفاسد، من ابتعاد الملائكة الكرام البررة، عن المكان الذي هو فيه، ولما فيه من الإخافة والترويع والنجاسة والقذارة، ولما في اقتنائه من السفه. ومن اقتناه نقص من أجره كل يوم شيء عظيم [قرب معناه بالقيراطين والله أعلم قدر ذلك] لأن هذا عصى الله باقتنائه وإصراره على ذلك. فإذا دعت الحاجة إليه لبعض ما فيه من منافع ومصالح كحراسة الغنم التي يخشى عليها من الذئب والسارقين، ومثل ذلك اقتناؤه للحرث، وكذلك إذا قصد به الصيد- فلهذه المنافع يسوغ اقتناؤه وتزول اللائمة عن صاحبه. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم اقتناء الكلب، ونقص أجر صاحبه كل يوم قيرِاطين، وهما قدر عظيم، عند الله تعالى علمه ومبلغه. ٢- ومنع اقتناؤه لما فيه من المفاسد والمضار الكثيرة من بُعْدِ الملائكة عن المكان الذي هو فيه، ولما فيه من الإخافة والترويع فقد ثبت عن النبي ﷺ أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، ولما فيه من النجاسة الغليظة التي لا يزيلها إلا تكرير الغسل وغسله بالتراب. ٣- أنه يباح اقتناؤه لمصلحة، وذلك بأن يكون لحراسة غنم، أو حرث، أو لأجل صيد، فهذه منافع، تسوغ اقتناءه. ٤- بهذا تعلم مبلغ ما لدى الغربيين من السفاهة وقلة البصيرة، إذ فتنوا باقتنائها لغير فائدة، ويطعمونها أحسن مأكول، ويعتنون بها بالتغسيل والتنظيف وغير ذلك، ويلابسونها، ويقبلونها، فهل بعد هذا من سفه؟. والعجب أن مثل هذه العادات والأعمال القبيحة سرت إلى المستغربين منا، من الإمًعات المقلدين، الذين عبدوا الغربيات، وتدينوا بأعمالهم، وعشقوا كل سفالة عندهم. فإنا للَه وإنا إليه راجعون.

стр. 702

الحديث الخامس عَنْ رَافِعِ بن خَدِيج قَالَ: كُنَّا معَ رسول الله ﷺ بِذِي الحُليفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأصَاَبَ النَّاسَ جوعٌ فأصابوا إبلا وغنما، وَكَانَ النبي ﷺ في أخريَاتَ القوم،، فَعَجِلوا وَذبَحُوا وَنصَبُوا القدورَ. فَأمَرَ النَّبي ﷺ بِالقُدُورِ فأكفئت-، ثُمَّ قَسمَ، فَعَدَلَ عشرة مِنَ الغنم بِبَعِير، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِير، فطلبوه فَأعْيَاهمْ. وَكَانَ في القوم، خَيل يَسِيرَة، فَأهوَى رَجُل مِنْهُمْ بِسَهْمٍ فَحَبَسَه الله. فَقَالَ: "إنَّ لِهذِهِ البَهَائِم أوَابِدَ كَأوَابِدِ الوَحْش، فَمَا نَدَّ عليكم مِنْهَا فَاصنعُوا بهِ هكَذَا". قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله، إنَّا لا قُو العَدوَّ غَداً، وَليس مَعَنَا مُدً ى، أفنذبح بالقصب؟. قَالَ: "مَا أنهر الدمَ وذكر اسْمُ الله عَلَيْهِ فكُلُوهُ، ليسَ السن وَالظفر". وسأحدثكم عَنْ ذَلِكَ، أما السنُ فعظم، وَأما الظفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ". الغريب: الحُليفة: بضم الحاء المهملة وفتح اللام، بعدها ياء، ثم فاء مفتوحة، ثم تاء تصغير (حلفة) نبت معروف، سميت به، لأنها من منابته. تِهَامة: بكسر التاء المثناة، وهي ما تصوب من جبال الحجاز إلى البحر. نَد: بفتح النون، وتشديد الدال، بمعنى: هرب على وجهه شارداً. فأعياهم: بفتح الهمزة، وسكون العين، بعدها ياء، بمعنى: أعجزهم. أوابد: بفتح الهمزة، بعدها واو، ثم ألف، بعدها باء موحدة مكسورة، ثم دال. جمع (آبدة) بالمد وكسر الباء، وهي: الغريبة المتوحشة. والمراد أن لها توحشا ونفوراً. مدَى الحبشة: بضم الميم جمع (مدية) مثلث الميم (١) ، وهى: السكين. والأصل: أن هذه المادة تدل على الامتداد والغاية، فلعلها سميت بذلك لأن المذبوح بها ينتهي مداه: وهو أجله. أنهر الدم: بمعنى فتح الدم وأساله. ليس السن والظفر: السن والظفر، منصوبان بالاستثناء. ما يستفاد من الحديث: نأتي بفوائد هذا الحديث، مرتبة حسب ما جاء ت فيه: ١- إن من عادة النبي ﷺ الجميلة أن يكون في آخر الجيش، رفقا" بالضعيف والمنقطع.

стр. 703

فكذا ينبغي للقواد والأمراء، وهكذا ينبغي ملاحظة الضعفاء العاجزين في كل الأحوال، في إمامة الصلاة وغيرها. ٢- تأديب الإمام لرعيته وجنده فقد أدبهم النبي ﷺ على هذه العجلة والتصرف، قبل أخذ إذنه، فكان جزاؤهم حرمانهم مما أرادوا. ٣- اختلف في السبب الذي أمر من أجله ﷺ بإكفاء القدور وذكر القاضي عياض أنه ربما كان سبب ذلك أنهم انتهبوها. ونقل ما أخرجه أبو داود عن رجل من الأنصار قال: "أصابت الناس حاجة شديدة وجهد، فأصابوا غنما فانتهبوها، فإن قدرونا لتغلى بها إذ جاء رسول الله ﷺ على فرسه فأكفأ قدورنا بقوسه ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة". ٤- مشروعية التعزيز بالمال إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك وهو رواية عن الإمام أحمد قوية، أخذ بها كثير من أصحابه. منهم شيخ الإسلام (ابن تيميه) وتلميذه (ابن القيم) . والقصد من التعزير، الردع، ولعل التعزير بأخذه يكون لبعض الناس أنكى وأردع من غيره. أما المشهور من المذهب، فإنه لا يعزر بالمال وهو ضعيف، لأنه مخالف لكثير من الأحاديث التي لم يثبت نسخها، لتحريقه متاع الغال وتغريم السارق من غير حرز ضعف ما سرق، وتغريم جانٍ على اللقطة قيمتها مرتين، وغير ذلك. ٥- العدل، لاسيما في موطن جهاد الأعداء والكفار، لأنه من أسباب النصر والظفر بالأعداء. والنبي ﷺ قسم بينهم، فجعل مقام البعير عشرةً من الغنم. وهذا تقدير قيمة، فليس فيه دليل على أن البعير يجزئ عن عشرة من الغنم في الأضحية، لأن ذلك تقدير مرجعه الشارع، وهذا مرجعه القيمة. ٦- أن من هرب ولم يمكن إدراكه من الإبل، أو البقر، أو الغنم أو من الحيوانات المستأنسة فليحبس أو ليقتل برميه، فإن مات، فالرمي ذكاته، لأنه صار حكمه حكم الوحش النافز. ٧- جواز التذكية بكل ما أنهر الدم وأساله، من حديد، أو حجر، أو قصب أو غيرها. ٨- اشتراطْ التسمية، وتقدم أنها تسقط سهواً وجهلا.

стр. 704

٩- أنه لا يجوز الذبح بالسن والظفر. [والحكمة في ذلك ما ذكره النبي ﷺ من أن السن عظم، وأما الظفر فلمخالفة الكفار، لم يجز الذبح به. ١٠- من هذا التعليل يفهم أنه لا يجوز التذكية بجميع العظام وهو الصحيح، وهو رواية عن الإمام أحمد. أما المشهور من المذاهب فيختص بالسن فقط. ويؤخذ منه عدم جواز مشابهة الكفار وتقليدهم، ومتابعتهم بشيء من أعمالهم. وأما العلوم والصناعات، فلا تدخل هنا، لأنه حق مشاع مشترك بين الناس، فالأفضل أن لا يسبقونا إليها. بَابُ الأضاحي الأضاحي جمع أضْحِيَة، بضم الهمزة، وسكون الضاد، وكسر الحاء، بعدها ياء، ثم تاء. ْ مشتقة من اسم الوقت الذي شرع ذبحها فيه. وهى- شرعا-: ما يذبح في أيام النحر بسبب العيد، تقربا إلى الله تعالى. والأصل في مشروعيتها، الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِربِّكَ وَانحَرْ﴾ قال بعض المفسرين: المراد به الأضحية بعد صلاة العيد وأما السنة، فما روى أنس، وسيأتي الحديث والكلام عليه إن شاء الله تعالى. وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية. حكمة مشروعيتها: في الأضحية، التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدماء، لأنها من أفضل الطاعات وأجمل العبادات. وقد قرنها الله تعالى مع الصلاة في آيات من القرآن الكريم. منها قوله تعالى: ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي وَمَمَاتي لله رَبِّ العَالميَن﴾ وقوله سبحانه: ﴿فصل لِرَبكَ وَانحَرْ﴾ والأضحية التي تقع في ذلك اليوم العظيم، يوم النحر الأكبر، فيها الصدقة على الفقراء والتوسعة عليهم. وفيها القيام بشكر الله تعالى على توالى نعمه بسلامة العمر والعقل والدين، واقتداء بأبي الأنبياء إبراهيم ﷺ حين قدَّم ولده قربانا لله تعالى، طاعةً ورضا بأمر الله، ففداه الله تعالى بكبش، فكانت سنة من بقبة أبينا إبراهيم، جددها نبينا محمد ﷺ .

стр. 705

وفيها الفرح والسرور والتوسعة على النفس، والأهل، في هذا العيد الإسلامي الكبير. وفيها حِكَمٌ وأسرار لله تعالى، تدرك منها الأفهام والعقول بقدر طاقتها. والأصل في الأضحية أنها للأحياء. ويجوز أن تجعل صدقة عن الموتى، وفيها ثواب وأجر لهم. لكن يوجد في بعض البلاد، أنهم لا يكادون يجعلونها إلا للموتى فقط. فكأنهم يظنون أن الأضحية خاصة للموتى، ولذا فإن الحي منهم يندر أن يضحي عن نفسه. فإذا كتب وصية، أول ما يجعل فيها أضحية أو ضحايا، على حسب يُسْره وعسره. ويندر أن يوصى الموصى بغير الأضحية وتقسيم الطعام في ليالي الجمع من رمضان. أما غيرها من أنواع البر فقليل. وهذا راجع إلى تقصير أهل العلم الذين يكتبون وصاياهم، لا يذكرونهم، ولا يعلمونهم أن الوصية ينبغي أن تكون في الأنفع من البر والإحسان. والأضحية وإن كانت فضيلة وبرًا وإحساناً، إلا أنه يوجد بعض جهات من البر ربما تكون أحسن منها. والله ولى التوفيق. الحديث الثامن والثمانون بعد الثلاثمائة عَنْ أنس بْنِ مَاِلكٍ ﵁ قَالَ: ضحَّى النبي ﷺ بكبشين امْلَحَيْن أقْرَنينِ، ذَبحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكبَّر وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلى صِفَاحِهِمَا. الغريب: كبشين: الكبش هو الثَنيُّ إذا خرجت رباعيته، وحينئذ يكون عمره سنتين، ودخل في الثالثة. أملحين: الأملح من الكباش، هو الأغبر الذي فيه بياض وسواد، وبياضه أكثر من سواده. صفاحهما: بكسر الصاد والحاء المهملتين. قال في (النهاية) صفحة كل شيء وجهه وجانبه، والمراد هنا صفاح أعناقهما. المعنى الإجمالي: من تأكد الأضحية أن النبي ﷺ مع حثه عليها فعلها هو، ﷺ فقد ضحى بكبشين، في لونهما بياض وسواد ولكل منهما قرنان. فذبحها بيده الشريفة لأنها عبادة جليلة قام بها بنفسه، وذكر اسم الله تعالى عندها استعانة بالله لتحل بها البركة ويشيعها الخير، وكبر الله تعالى لتعظيمه وإجلاله، وإفراده بالعبادة، وإظهار الضعف والخضوع بين يديه ﵎.

стр. 706

بما أن إحسان الذبحة مطلوب- رحمة بالذبيحة، بسرعة إزهاق روحها- وضع رجله الكريمة على صفاحهما، لئلا يضطربا عند الذبح، فتطول مدة ذبحهما، فيكون تعذيباً لهما، والله رحيم بخلقه. ما يستفاد من الحديث: ١- مشروعية التضحية وقد أجمع عليها المسلمون. قال شيخ الإسلام: والأضحية أفضل من الصدقة بثمنها، فإذا كان له مال يريد التقرب به إلى الله كان له أن يضحي. ٢- أن الأفضل أن تكون الأضحية من هذا النوع الذي ضحى به النبي صلى الله عليه فلعله قصد هذا الوصف لمعنى فيه والله أعلم. ٣- أن الأفضل لمن يحسن الذبح، أن يتولاه بنفسه، لأن ذبح ما قصد به القرب عبادة جليلة. ٤- أن يقول عند الذبح: [باسم الله والله أكب] ومناسبتها هنا ظاهرة. ٥- أن يضع رجله على صفحة المذبوح لئلا يضطرب، وليتمكن من إرهاق روحه بسرعة فيريحه. ٦- أن الأفضل في ذبح الغنم، إضجاعها، ويكون على الجانب الأيسر لأنه أسهل. فوائد من كلام شيخ الإسلام ابن تنمية: الأولى: تجوز الأضحية عن الميت كما يجوز الحج عنه والصدقة عنه الثانية: يتصدق بثلث الأضحية، ويهدي ثلثها، وإن أكل أكثرها أو أهداه أو طبخه ودعا الناس إ ليه جاز. الثالثة: إن ضحى بشاة واحدة عنه وعن أهل بيته أجزأ ذلك في أظهر قولي العلماء، وهو مذهب مالك وأحمد، فإن الصحابة كانوا يفعلون ذلك.

стр. 707

كتاب الأشربة الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ عُمَرَ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ الله ﷺ : أمَّا بَعْدُ أيُهَا النَّاسُ، إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ، ١- مِنَ الْعِنَبِ، ٢- وَالتَمْرِ، ٣- وَالْعَسَلِ، ٤- وَالْحِنْطَةِ، ٥- وَالشَعِيرِ- وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. ثلاث وَدِدْتُ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ عَهِدَ إلَيْنَا فِيهِنَّ عهدا نَنْتَهِي إلَيْهِ: ١- الْجَدُّ، ٢- والكلالةُ. ٣_ وأبواب مِنْ أبوَابِ الرِّبَا. ما يستفاد من الحديث: تقدم الكلام عن الخمر، وتعريفه، واختلاف العلماء في حده. وتقدمت الإشارة- أيضاً- إلى هذا الأثر عن عمر ﵁. وأن الصحيح: أن الخمر كل ما خامر العقل من أي شراب، وأن ما أسكر كثيره، فقليله حرام، وفيه فوائد زائدة نجملها فيما يأتي: ١- أن الخمر التي أنزل تحريمها وفهمها الصحابة عند النزول، هي كل ما خامر العقل، وأنه يوجد منها في ذلك الوقت أنواع من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. وكلها من مسمى الخمر، وما حدث بعدها فهو خمر، وإن تعددت أسماؤه. ٢- أن العالم مهما بلغ من العلم، فإنه لا يحيط به، ويخفى عليه أشياء. وليس في الصحابة أعلم من عمر بعد أبي بكر، ومع هذا أشكلت عليه هذه المسائل الثلاث وتمنى أنه استوثق في علمه بهن من النبي ﷺ . وليس معنى هذا أن النبي ﷺ لم يبينهن، فقد أتم الرسالة، وأدى الأمانة، وبلغ عن الله ما هو أخفى وأقل شأنا منهن. ولكن ليس أحد يحيط بجميع ما جاء به الرسول ﷺ . ٣- المسألة الأولى توريث الجد مع الإخوة الأشقاء أو لأب.

стр. 708

فزيد بن ثابت، وجمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، يشركونه مع الإخوة بتفصيل مذكور في بابه. وأبو بكر الصديق، وتبعه أبو حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام وأتباعه يسقطون الإخوة به ويجعلونه بمنزلة الأب. ٤- الثانية الكلالة ومعناها، الذي يموت، وليس له ولد ولا والد، وهذا هو نص الآية التي في آخر سورةْ النساء في انتفاء الولد. ويظهر منها عند التأمل، انتفاء الوالد، لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد قال تعالى في الآية: ﴿إنِ امرؤ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ ولَهُ أخْتٌ فلَهَا نِصْفُ ما ترك﴾ . وهذا التفسير للكلالة، وهو تفسير أبي بكر الصديق، وعليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة، في قديم الزمن وحديثه، والفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة رضي الله عن الجميع. ٥- الثالثة أبواب من الربا، ولعل هذا من المسائل التي اختلف العلماء فيها. فحرمها بعضهم، لاعتقاده أنها من الربا، وأحلها بعضهم، لاعتقاده أنها ليست منه. وبالجملة فالنبي ﷺ توفي وقد تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها. ولكن أفهام العلماء تختلف، ويبلغ بعضهم من السنة مالا يبلغ الآخر. فمن هنا وأشباهه من الأعذار، ينشأ الخلاف بينهم، وكل منهم ذو مقصد حسن. رحمهم الله تعالى أجمعين. الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ النبي ﷺ سُئِلَ عَن البِتْعِ فقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أسكر فَهُوَ حرام". قَالَ ﵁: البتعُ: نَبِيذُ العَسَلِ. المعنى الإجمالي: سئل النبي ﷺ عن شرب البتع (١) الذي هو نبيذ العسل، فأتى ﷺ بجوانب عام شامل. مفاده أنه لا عبرة باختلاف الأسماء، ما دام المعنى واحداً، والحقيقة واحدة. فكل شراب أسكر، فهو خمر محرَّم، من أي نوع أخذ. وهو من جوامع كلمه ﷺ ، وحسن بيانه عن ربه. وبهذا جاء من العلم في مدة بعثته بما يسعد البشرية في الدنيا والآخرة.

стр. 709

الحديث الحادي والتسعون بعد الثلاثمائة عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس ﵄ قَال: بَلَغَ عُمَرَ أنَّ فُلاناً بَاعَ خَمْراً، فَقَالَ: قاتَلَ الله فلاناً، ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: قَاتَلَ الله الْيَهُودَ، حُرمت عَلَيْهِمُ الشحموم فَجَمِلُوهَا فَبَاعُوهَا ". المعنى الإجمالي: بلغ عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلا أراد التحيُّل على الانتفاع بالخمر من غير شربها فباعها. وهذه حيلة مكشوفة محرمة، ولذا فإن عمر ﵁ دعا عليه دعاء كدعاء النبي ﷺ على اليهود المتحيلين فقال: قاتله الله، ألم يعلم أن التحيل حرام؟ لأنه مخادعة اللَه ورسوله، فقد قال النبي ﷺ : "قاتل الله اليهود، لما حرم الله عليهم الشحوم، عمدوا إلى الانتفاع بها بالحيلة، إذ غَيَّروا الشحم عن صفته، فأذابوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه وقالوا- تحيلا وخداعا-: "لم نأكل الشحم المحرم علينا" وهم يخادعون الله وهو خادعهم. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم المعاملة بالخمر، ببيع، أو شراء، أو عمل، أو إعانة، بأي نوع كان. ٢- تحريم الحيل، فإن الله تعالى لما حرم الخمر، حرم ثمنه الذي هو وسيلة إليه. ٣- من باعه فقد شابه اليهود الذين- لما حرمت عليم الشحوم- أذابوها وباعوها، وكلوا ثمنها، حيلةً ومخادعة. ٤- أن كل محرم ثمنه حرام، لأنه لا يباح التوصل إليه بأي طريق. فالوسائل، لها، أحكام المقاصد، وهي قاعدة نافعة.

стр. 710

كِتابُ اللبَاس الحديث الأول عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطابِ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "لا تَلْبَسُوا الحريرَ، فَإنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ في الدُّنيا لَم يلبسه فِي الآخِرَةِ". الحديث الثاني عَنْ حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ ﵁ قَالَ: سمعتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لا تَلْبَسُوا الحَرير، وَلا الديباج، وَلا تَشربُوا في آنيَة الذَّهَب وَالفِضةِ، وَلا تَأكلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإنهَا لهم في الدنيا ولكم في الآخرة". المعنى الإجمالي: نهى النبي ﷺ الرجال عن لُبس الحرير والديباج، لما في لبسهما- للذكَر- من الميوعة والتأنث، والتشبه بالنساء الناعمات المترفات. والرجل يطلب منه الخشونة، والقوة، والفتوة. كما نهى كُلا من الرجال والنساء عن الأكل والشرب في صِحَاف الذهب والفضة وآنيتهما، لما في ذلك من السرف، والفخر، والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء الذين لا يجدون رخيص النقد لقضاء الضروري من حاجاتهم، ولما فيه من تضييق النقدين على المتعاملين. وكما قال ﷺ : إن الأكل فيهما في الدنيا للكفار الذين تعجلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا. واستمتعوا بها. وهي لكم- أيها المسلمون خالصة- يوم القيامة إذا اجتنبتموها خوفاً من الله تعالى وطمعا فيما عنده. كما أن من لبس الحرير من الرجال في الدنيا، فقد تعجل متعته، ولذا فإنه لن يلبسه في الآخرة. (ومن تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه) والله شديد العقاب. ما يستفاد من الحديثين: ١- تحريم لبس الحرير والديباج على الذكور، والوعيد الشديد على من لبسه.

стр. 711

٢- يباح للنساء لبسُه، لكونهن في حاجة إلى الزينة للأزواج. وحِله للنساء، وتحريمه على الرجال، بإجماع العلماء. ٣- تحريم الأكل والشرب في صحاف الذهب والفضة وآنيتهما، للذكور والإناث، لكونهما للكفار في الدنيا، وللمسلمين في الآخرة، ولما ذكرنا من العلل في الشرح. ٤- الحق العلماء بالأكل والشرب سائر الاستعمالات، وجعلوا ذكر الأكل والشرب في باب التعبير بالغالب، كقوله تعالى: ﴿إن الذِين يَأكُلُون أمْوَالَ اليَتَامَى ظُلماً إنما يأكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَارا﴾ وهو عام لجميع الاستعمالات والاستيلاء. ٥- يجرى في هذا الوعيد ما تقدم من كلام شيخ الإسلام (ابن تيميه) من أن الأشياء لا تتم إلا باجتماع شروطها وانتفاء موانعها، وإلا فإن ظاهر الحديث الخلود في النار للابس الحرير. الحديث الثالث (١) عَنْ عُمَرَ بن الْخَطاب ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ لُبس الحَرِيرِ إلا هَكَذَا. (وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَه ﷺ إصْبَعَيْهِ السبابةَ وَالوسطَى) . ولـ (مسلم) : نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ لُبس الْحَرِير، إلا مَوضِعَ إصبعَينِ أو ثَلاثٍ أو أربع. ما يستفاد من الحديث: ١- فيه تحريم لبس الحرير، على الرجال دون النساء. ٢- فيه استثناء قدر الإصبعين أو الثلاث أو الأربع، إذا كان تابعا لغيره. أما المنفرد، فلا يحل منه، قليله ولا كثيره كخيط مسبحة، أو ساعة أو نحو ذلك. الحديث الرابع عَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: مَا رَأيْتُ مِنِ ذِي لِمَّةِ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أحَسَنَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، له شَعَرٌ يَضْرِبُ إلَى مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالْقَصِيِرِ وَلا بِالطَّوِيلِ.

стр. 712

الغريب: اللمة: بكسر اللام قال في الصحاح: اللمة- بالكسر- الشعر يتجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغ المنكبين فهو (جُمة) سميت (لمة) لأنها ألمت بالمنكبين. ما يستفاد من الحديثين: ١- فيه جواز لبس الأحمر، وقد ورد النهي عنه، فحمله العلماء على محامل. أحسنها ما قاله (شمس الدين بن القيم) : [إن المراد بالأحمر الذي لبسه النبي ﷺ ، الحبرة. وهو الذي فيه أعلام حمر، وأعلام بيض، وليس المراد الأحمر الخالص الذي نهى عنه] . ٢- وفيه دليل على حسن توفير الرأس حتى يبلغ المنكبين أو فوقهما أو تحتهما قليلا، ففيه جمال واقتداء، وليس منه ما يفعله بعض الشباب اليوم برؤوسهم بقص بعضه وترك البعض الآخر، تلك المثلة التي يسمونها [التواليت] فهذه بدعة مستقبحة ومثله مستبشعة، وهو القزع المكروه. ولكنه عمل الفرنج والمتفرنجة، وكفى بهم قدوة عندهم عن النبي ﷺ في خَلْقِه وخُلُقِه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ٣- في الحديث بيان خلْقِ النبي ﷺ الظاهر من حسن الشعر ورحابة الصدر، وحسن القامة. وحسن الْخَلْقِ عنوان حسن الْخلُق، وقد كمله الله تعالى بهما، ﷺ تسليماً كثيراً. الحديث الخامس عَن البَرَاءِ بن عَازِبٍ ﵁ قَالَ: أمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ بِسَبْع، ونَهَانَا عَنْ سَبْع: ١- أمَرَنَا بعِيَادَةِ المَرِيض، ٢- واتباعِ الْجَنَازَةِ، ٣- وَتَشمِيتِ العَاطِس، ٤- وَإبرارِالقسم (أوالمُقسم) ، ٥- وَنَصْرِ المَظْلُوم، ٦- وَإجَابَةِ الداعِي، ٧- وَإفشَاءِ السلام. وَنَهَانا: ١- عَنْ خَوَاتِمِ (أوْ عَنْ التَّخَتَّم) بِالذهَب، ٢- وَعَنْ الشربِ بِالفِضةِ، ٣- وَعَن المَيَاِثرِ، ٤- وَعَن القسِّيِّ، ٥- وَعَنْ لبس الحَرِيرِ، ٦- والإستبرق، ٧- والدِّيباج.

стр. 713

الغريب: تشميت العاطس: بالشين المعجمة. قال ابن فارس في (مقاييس اللغة) [الشين والميم والتاء] أصل صحيح، ويشذ عنه بعض ما فيه إشكال وغموض. فالأصل فرح عدو ببلية تصيب من يعاديه. والذي فيه إشكال وغموض، تسميتهم تشميت العاطس، وهو ما يقال عند عطاسه (يرحمك اللَه) تشميتا. قال الخليل: تشميت العاطس، دعاء له. وكل داع لأحد بخير فهو مشمت له. هذا أكثر ما بلغنا في هذه الكلمة، وهو- عندي- من الشيء الذي خفي علمه. ولعله كان يعلم قديماً، ثم ذهب بذهاب أهله. اهـ. كلام ابن فارس. وقال ثعلب: [معناه- بالمعجمة- أبعد الله عنك الشماتة] . المياثر: بفتح الميم بعدها ياء، ثم ثاء مثلثة، جمع (مثيرة) بكسر الميم، مأخوذ من الوثار، قلبت الواو- لسكونها وانكسار ما قبلها- ياء. وهي مراكب تتخذ من الحرير والديباج. وسميت (مياثر) لوثارتها ولينها. القَسى: بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة، ثياب خز، تنسب إلى (القس) قرية في مصر. وبعض المحدثين، يكسر القاف، ويخفف السين. قال الخطابي: وهو غلط لأنه جمع قوس، وإنما هي ثياب مضلعة، يؤتى بها من مصر والشام. الإستبرق: بكسر الهمزة: ما غلظ من الديباج، كلمة فارسية نقلت إلى العربية. المعنى الإجمالي: بعث النبي ﷺ ليتم مكارم الأخلاق، ولذا فإنه يحث على كل خلق وعمل كريمين، وينهى عن كل قبيح. ومنْ ذلك ما في هذا الحديث من الأشياء التي أمر بها وهي، عيادة المريض التي فيها قيام بحق المسلم، وترويح عنه، ودعاء له. واتباع الجنازة، لما في ذلك من الأجر للتابع والدعاء للمتبوع، والسلام على أهل المقابر، والعظة والاعتبار. وتشميت العاطس، إذا حمد الله فيقال له: يرحمك الله. وإبرار قسم المقسم، إذا دعاك لشيء وليس عليك ضرر، فتبر قسمه، لئلا تحوجه إلى التكفير عن يمينه، ولتجيب دعوته، وتجبر خاطره، وتتم دالته عليك. ونصر المظلوم من ظالمه، لما فيه من رد الظلم، ودفع المعتدى، وكفه عن الشر، والنهي عن المنكر. وإجابة من دعاك لأن في ذلك تقريبا بين القلوب، وتصفية النفوس، وفي الامتناع، الوحشة، والتنافر. فإن كانت الدعوة لزواج، فالإجابة واجبة، وإن كانت لغيره، فمستحبة.

стр. 714

وإفشاء السلام، وهو إعلانه وإظهاره لكل أحد، وهو أداء للسنة، ودعاء للمسلمين من بعضهم لبعض، وسبب لجلب المودة. فقد جاء في الحديث "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام ببينكم". أما الأشياء التي نهى عنها في هذا الحديث، فالتختم بخواتم الذهب للرجال، لما فيه من التأنث والميوعة، وانتفاء الرجولة التي سيماها الخشونة. وعن الشرب بآنية الفضة، لما فيه من السرف والبطر، وإذا منع الشرب مع الحاجة إليه فسائر الاستعمالات أولى بالمنع والتحريم. وعن المياثر، والقسي، والحرير، والديباج، والإستبرق، وأنواع الحرير على الرجال. فإنها تدعو إلى اللين والترف اللذين هما سبب العطالة والدعة. والرجل يطلب منه النشاط والصلابة والفتوة، ليكون دائماً مستعداً للقيام بواجب الدفاع عن دينه وحرمه ووطنه. ما يستفاد من الحديث: ١- استحباب عيادة المريض وتجب إذا كان يجب بره. كالوالدين، أو كان يترتب على تركه مفسدة. ٢- استحباب اتباع الجنائز للصلاة عليها ودفنها، وهو فرض كفاية: يسقط مع قيام من يكفى، وإلا أثم من علم بحاله وقدر عليه فتركه. ومن تبعها حتى يصلى عليها فله قيراط من الأجر، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان. ْتشميت العاطس إذا حمد الله بقوله: (ورحمك الله) وهو واجب إلى نهاية ثلاث مرات، وبعدهن يدعو له بالشفاء. ٤- إبرار قسم المقسم، وهو من مستحب، لما فيه من جبر القلب وإجابة طلبه في غير إثم. ٥- وفيه وجوب نصر المظلوم بقدر استطاعته، لأنه من النهي عن المنكر. وفيه رد للشر، وإعانة المظلوم، وكف الظالم. ٦- إجابة الدعوة. فإن كانت لعرس وجبت الإجابة إن لم يكن ثَمَّ منكر لا يقدر على إزالته وإن كانت لغيره من الدعوات المباحة استحبت. وتتأكد بما يترتب عليها من إزالة ضغينة، أو دفع شر. ٧- إفشاء السلام بين المسلمين، لأنه دعاء بالسلامة، وعنوان على المحبة والإخاء. ٨- النهي عن تختم الرجال بخواتم الذهب، فهو محرم. وقد ابتلى به كثير من الشباب المائع.

стр. 715

٩- النهي عن الشرب بآنية الفضة، وأعظم منه الذهب، وألحق به سائر الاستعمالات، إلا للسلاح. ١٠- النهي عن لبس القسي والحرير، والإستبرق، والديباج للرجال. ومثله جعل المياثر للجلوس، وكذلك جعلها ستورا للأبواب أو الحيطان ونحو ذلك. فهو محرم. وكذا ما فيه صور الحيوانات والصلاة باطلة بلبس الحرير للرجل وبلبس ما فيه صور، للرجال والنساء. الحديث السادس عَنِ ابْن عُمَرَ ﵄: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ اصْطَنَعَ خَاتِماً مِن ذهب، فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ في بَاطِنِ كَفِّهِ إذَا لَبِسَه، فَصَنَعَ النَاسُ مِثْلَ ذلِكَ. ثُم إَّنهُ جَلَس عَلَى المِنبرِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ: "إني كُنْتُ ألبِس هَذَا الْخَاتِمَ وَأجْعَلُ فصه مِن داخِل" فرَمَى بِهِ ثُمَّ قَالَ: "والله لا ألْبَسُهُ أبَداً". فَنَبَذَ النَّاسُ خَواتِيمَهُمْ؛ وفي لفظ "جَعَلَهُ في يَدِهِ اليمنَى". ما يستفاد من الحديث: ١- فيه دليل على استحباب التختم، وأنه من زينة النبي ﷺ . ٢- أن يجعل فصه من قبل الراحة ليقبض عليه في المحال القذرة، إذا كان فيه اسم الله تعالى. ٣- أن التختم بخاتم الذهب كان مباحاً للرجال أولا، ثم نسخ. ٤- تحريم التختم بخاتم الذهب للرجال، ونزع النبي ﷺ الخاتم الذهبي ورميه به وقسمه ألا يلبسه أبداً. ٥- فضل الصحابة، وسرعة اقتدائهم بالنبي ﷺ ، إذ نزعوا خواتيمهم ساعة نزع خاتمه ﷺ . ٦- أن يكون التختم باليد اليمنى، لأن اليمين لكل طيب، والشمال معدة لمباشرة الأشياء غير المسَتطابة. ٧- في هذا وأمثاله من الأحاديث المتقدمة وغيرها، الزجر عن لبس خواتم الذهب، وبيان أن عمل كثير من الناس اليوم بتختمهم بالذهب مناف للشرع.

стр. 716

كِتابُ الجِهَاد الجهاد: بكسر اليم، أصله- لغة- المشقة، يقال: جاهدت جهاداً، أي بلغت المشقة. وشرعاً: بذل الجهد في قتال الكفار والبغاة، وقطَّاع الطريق. ومشروعيته بالكتاب، والسنة، والإجماع. وقد تكاثرت النصوص في الأمر به، والحث عليه، والترغيب فيه. وسيأتي شيء منها إن شاء الله تعالى. وهو فرض كفاية، إذا قام به من يكفي، سقط عن الباقين، وإلا أثموا جميعا مع العلم والقدرة، إلا في ثلاثة مواضع فيكون فرض عين. الأول: إذا تقابل الفريقان، تعين يحرم الانصراف. الثاني: إذا نزل العدو البلد وحاصرها، تعينت مقاومته. الثالث: إذا استنفر الإمام الناس استنفارا عاماً، أو خص واحدا بعينه، لقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الذين آمَنُوا مَا لكم إذَا قِيلَ لَكُمُ انْفروا في سَبِيلِ الله اثَّاقلتم إلَى الأرض﴾ . ولقوله ﷺ : "وإذا استنفرتم فانفروا". قال العلماء: ويطلق الجهاد على مجاهدة النفس والشيطان والفساق، فأما مجاهدة النفس، فعلى تعلم أمور الدين، ثم على العمل بها، ثم على تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات، وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد واللسان والمال والبدن وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم بالقلب. طبيعة الحرب في الإسلام: ذهب بعض الغربيين المبشرين: إلى أن الإسلام قام على العنف والعسفِ، وانتشر بالسيف وإراقة الدماء، واعتمد على القسر والإكرا٥ في الدخول فيه. والجواب: أن نقول: هذا زعم خاطئ، وهو ناشئ، إما من جهل في الدين الإسلامي وفتوحاته وغزواته ونصوصه، وإما ناشئ عن عصبية وعداء لهذا الدين. فهم يريدون تبشيعه والتنفير منه.

стр. 717

والحق أنه ناشئ من الأمرين جميعاً، لاًن الدين الإسلامي قام على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونادى بالسلام، ودعا إليه، فإن السلام مشتق من الإسلام. ومن تتبع نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة، التي منها وصايا النبي ﷺ لأمراء جيوشه، ومنها سيرته ﷺ في الغزوات، علم أن الإسلام جاء بالحكمة، وللرحمة، والسلام، والوئام، وأنه جاء بالإصلاح لا بالإفساد. اقرأ قوله تعالى: ﴿لا إكْرَاهَ في الدينِ قَدْ تبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغيِّ﴾ وقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَو شَاء ربُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأرْض كُلهم جَمِيعاَ. أفأنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتىَّ يَكُونُوا مُؤمِنِينَ﴾ ؟. واقرأ قوله تعالى: ﴿لا ينهَاكُمُ الله عَنِ الَذِينَ لَمْ يقاتلوكم فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دياركم أن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ الله يُحِب الْمُقْسِطِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا في سَبِيلِ الله الَذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تعتدوا﴾ . والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة. وأما السنة فكل أعمال النبي ﷺ في الحرب، ووصاياه لقواده، ناطقة بذلك. قال ﷺ في حديث بريده الذي في (مسلم) كان إذا أمَّر أميرا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا. ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، من كفر بالله ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا ". ونهى ﷺ : " عن قتل النساء والصبيان " متفق عليه. وقال ﷺ : " اخرجوا باسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع ". وقال: "ولا تقتلوا شيخاً فانياً". وأوصى أبو بكر الصديق يزيد بن أبي سفيان، حين بعثه أميرا على ربع من أرباع الشام بقوله: " إنِّي موصيك بعشر خلال:١- لا تقتلوا امرأة. ٢- ولا صبياً. ٣- ولا كبيراً هرماً. ٤_ ولا تقطع شجرا مثمرا. ٥_ ولا تخرب عامراً. ٦- ولا تعقرن شاة.

стр. 718

٧- ولا بعيراً إلا لمأكله. ٨- ولا تغرقن نخلا ولا تحرقه. ٩- ولا تغلل. ١٠- ولا تجبن " رواه مالك في الموطأ. وقال ابن الأنبارى- عند قوله تعالى: ﴿لا إكْرَاهَ في الدينِ﴾ معنى الآية: ليس الدين ما يدين به من الظاهر على جهة الإكراه عليه، ولم يشهد به القلب، فتنطوي عليه الضمائر، إنما الدين هو المعتقد في القلب. ومن تأمل سيرة النبي ﷺ ، تبين له أنه لم يكره أحداً على دينه قط. وأنه إنما قاتل من قاتله. وأما من هادنه فلم يقاتله مادام مقيماً على هدنته، لم ينقض عهده. بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له، كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكم فاستقيموا لَهُم﴾ . ولما قدم المدينة، صالح اليهود وأقرهم على دينهم. فلما حاربوه، ونقضوا عهده، غزاهم في ديارهم، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك، كما قصدوه يوم (أحد) ويوم (الخندق) ويوم (بدر) أيضاً هم جاءوا لقتاله، ولو انصرفوا عنه، لم يقاتلهم. والمقصود أنه ﷺ لم يكره أحداً على الدخول في دينه البتة. وإنما دخل الناس في دينه اختيارا وطوعاَ. فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته لما تبين لهم الهدى، وأنه رسول الله حقا. وقال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بَين واضح جلية دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه. بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه على بينة. ومن أعمى اللَه قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسوراً. وكلام العلماء المحققين في هذا الباب كثير، وهو الذي يفهم من روح الإسلام ومبادئه ومقاصده. ولكن أعداء الإسلام يأبون إلا أن يصفوه بما يشوهه ويشينه، للتضليل والتنفير. وغزواته ﷺ ، التي فتحت القلوب والعقول، وحمل عليها الدفاع عن العقيدة المهددة، ومعاملاته، ومعاهداته، ودعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، تدحض تلك المزاعم فإن ربك أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين. وقد بين ذلك ابن القيم في كتاب زاد المعاد حيث قال: فصل: في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي ربه .

стр. 719

أول ما أوحى إليه ربه ﵎ أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بالتبليغ. ثم نزل عليه ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ فنبأه بقوله: ﴿اقرأ﴾ وأرسله بـ ﴿يا أيها المدثر﴾ ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حوله من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ... ويؤمر بالكف والصبر والصفح. ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله. اهـ. قلت: ويعلم من المرحلة الأخيرة في القتال وجوب قتال الكفار ومهاجمتهم بعد دعوتهم والأعذار إليهم حتى تكون كلمه الله هي العليا، وإن قتال الكفار في الإسلام ليس مدافعة فقط، بل هو حركة جهادية حتى يكون الدين كله للَه. نسأل الله أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، إنه قوي عزيز. الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أبى أوْفَى ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ في أيامه الَّتي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، انتظَرَ حَتَّى إذَا مَالتِ الشَّمس قَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: ﴿يا أيها النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، واسألوا الله الْعَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِروُا وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السيوفِ﴾ . ثُمَّ قَالَ النَّبِي ﷺ : "اللهم مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأحْزَابِ، اِهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ ". المعنى الإجمالي: ينهى النبي ﷺ أمته عن تَمَنى لقاء العَدُوِّ، لما في ذلك من العجب والغرور واحتقار الأعداء وازدرائهم، الذي هو انتفاء للحيطة والحزم المطلوبين. وأمرهم أن يسألوا الله تعالى العافية، وهي السلامة من مكروهات الدنيا والآخرة، ومنها لقاء الأعداء. ثم بيَّن أسباب النصر- إذا ابتلوا بعدوهم- وهي الثبات والصبر وتَحرى القتال في أوقات البرد بعد الزوال، فإنَِّّه وقت هبوب الرياح وفي ذلك تنشط الأجسام ويحين وقت النصر، وأن لا يتكلوا على قُوَّتِهم وعدتهم، بل يسألوا الله تعالى العون والنصر وَخَذلَ الأعداء. ثم ذكر دعاء مناسباً لذلك الموطن، فتوسل إلى الله تعالى بكونه مُنْزِلَ الكتاب الذي سن القتال، لإظهار شعائره وأحكامه، وهو توسل بنعم الدِّين،

стр. 720

وإجرائه السحاب الذي هو نعمة الدنيا فيها شاملا به لنعم الدنيا والآخرة، وكما أنعمت بنصرنا وَهَزْم أعدائنا يوم الأحزاب، فانصرنا، فنحن نقاتل اليوم على ما نقاتل عليه في ذلك اليوم، فاهزمهم وانصرنا عليهم. فهذه أسباب النصر- ببيان الوقت المناسب، والدعاء المناسب، ودفع الشر، بتركه والصبر عند حلوله- أرشد إليها القائد الأعظم ﷺ . ثم بين فضيلة من فضائل الجهاد، وهى أنه من أقرب الأسباب لدخول الجنة، لأنه إرخاص للنفس والنفيس في سبيل الله تعالى. ما يستفاد من الحديث: ١- تحين مناسبة الوقت للقتال. والأولى أن يكون في أول النهار، فإن لم يمكن، فبعد الزوال. كما جاء في حديث آخر (كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تهب الرياح وتحضر الصلاة) . ٢- كراهة تَمنِّى القتال ومصادمة الأعداء، لأنَّ المتمنِّي ما يدرى ما عاقبة الأمر، وأيضاً دليل الغرور والعجب، وهو عنوان الخذلان، ودليل احتقار العدو وهو عنوان قلة الحزم والاحتياط، ٣- سؤال العافية، وهي شاملة لعافية الدين والدنيا والأبدان. ٤- الصبر عند لقاء العدو، لأنه السبب الأكبر في الظفر والانتصار. ٥- فضيلة الجهاد، وأنه سبب قريب في دخول الجنة. وفي قوله: [ظلال السيوف] إشارة إلى الإقدام والدنو من العدو، حتى تظلله سيوفهم ولا يُوَلًى عنهم. قال القرطبي: هو من الكلام النفيس الجامع الموجز المشتمل على ضروب من المبالغة مع الو جازة وعذوبة اللفظ. ٦- الدعاء بهذه الدعوات المناسبات، عند لقاء الأعداء، كما كان النبي ﷺ يفعله. الحديث الثاني عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " رِبَاطُ يَوْم، في سَبِيلِ الله خير مِنَ الدُّنيا وَمَا عَلَيْهَا، وموضع سَوْطِ أحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وَمَا عَلَيْهَا، والروحة يروحها العَبْدُ في سَبِيلِ الله أوِ الغدوة، خير مِنْ الدنيا وَمَا فِيهَا ".

стр. 721

الغريب. رباط يوم في سبيل الله: الرباط: بكسر الراء، وفتح الباء الموحدة الخفيفة، هو ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار، لحراسة المسلمين منهم. سَوْط: بفتح السين وسكون الواو، أداة ضرب، فوق القضيب،: ودون العصا. الروحة: بفتح الراء، السير من الزوال إلى الليل. ويراد بها المرة الواحدة. الغَدْوَة: بفتح الغين، السير في أول النهار إلى الزوال، ويراد بها المرة الواحدة. المعنى الإجمالي: يبيِّن النبي ﷺ فضل المرابطة في سبيل الله، بأن ثواب مرابطة يوم، خير من الدنيا وما فيها، لما في ذلك من حراسة المسلمين والإقامة في وجوه الأعداء، الذين يتربصون الدوائر والفرص بالمسلمين، فيهجمون عليهم،: لما فيها من المخاطرة بالنفس لحفظ المسلمين وصيانتهم من عدوهم. ثم يبين ﷺ حقارة الدنيا بالنسبة للآخرة ليزهدهم فيها، رغبهَ فيما عنده، فيرخصوا أنفسهم في سبيله وفي سبيل إعزاز دينه. فموضع السوط فيها، خير من الدنيا وما فيها، لأن هذه فانية، وتلك باقية، ولأن هذه منغِّصة، وتلك منعِّمة، ولأن ما في المتاع والنعيم، لا يقارن بنعيم تلك الدار، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وثواب الروحة أو الغدوة في سبيل الله مرة واحدة، خير من الدنيا وما فيها، لما للمجاهد من عظيم الأجر وجزيل الثواب، لأن المجاهدين باعوا أنفسهم الغاليةْ لله تعالى بثواب الجنة، وأرخصوها في ابتغاء مرضاته، إعلاءً لكلمته، وإظهاراً لدينه، ليغفر لهم ذنوبهم، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم. ما يستفاد من الحديث: ١- فضل الرباط في سبيل الله، لما فيه من المخاطرة بالنفس، بصيانة الإسلام والمسلمين. لذا فإن ثواب يوم واحد، خير من الدنيا وما فيها. ٢- حقارة الدنيا بالنسبة للآخرة، لأن موضع السوط من الجنة، خير من الدنيا وما فيها. ولو لم يكن بينهما إلا أن هذه فانية، وتلك باقية، فإن الرغبة في الباقي، وإن كان خزفاً، خير منْ الفاني، وإن كان صدفاً. كيف والفاني هو الخزف، والباقي هو الصدف.

стр. 722

٣- فضل الجهاد في سبيل الله، وعظم ثوابه، لأن ثواب الروحة الواحدة أو الغدوة، خير من الدنيا وما فيها. ٤- رتب هذا الثواب العظيم على الجهاد لما فيه من الخاطرة بالنفور، طلباً لرضا الله تعالى، ولما يترتب عليه من إعلاء كلمة الله ونصر دينه، ونشر شريعته، لهداية البشر، فهو ذرْوَةُ سنام الإسلام، كما في حديث (مُعاذ بن جبل) . الحديث الثالث عَنْ أبي هريرة ﵁ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "انتدَبَ الله (ومسلم: تَضمَّنَ الله) لِمَنْ خرج في سَبِيلهِ، لا يُخْرِجُهُ إلا جهاد في سَبِيله، وَإيمَان بي، وَتَصْدِيق بٍرَسُولي، فَهُوَ عَلَىَّ ضَامِن أنْ ادْخِلَهُ الْجنَّة أوْ أرْجِعَهُ إلَى مَسْكَنِه الَذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلا مَا نَالَ مِنْ أجْر أو غَنِيمَةٍ. الغريب: إلا جهاد: مرفوع، هو وما بعده. وقد جاء منصوباً في (صحيح مسلم) على أنه مفعول لأجله، أي لا يخرجه الخروج إلا للجهاد. وأما كونه منصوباَ، فلأنه معطوف على قوله (أن أدخله الجنة) من أجر أو غنيمة: (أو) بمعنى (الواو) . وقد رواها أبو داود (بالواو) وفي بعض طرق (مسلم) أيضاً. ضامن: بمعنى مضمون، نحو عيشة راضية، أي مرضية، فهو فاعل بمعنى مفعول. أو أرجعه: بفتح الهمزة، وكسر الجيم، ونصب العين. لأن ماضيه ثلاثي، بدليل ﴿رب ارجعوني﴾ بوصل الهمزة. وعليه فيكون الغازي القائم، يرجع بالأجر أيضاً. انتدب الله: قال ابن الأثير: ندبته فانتدب، أي بعثته فانبعث، ودعوته فأجاب. المعنى الإجمالي: ضمن الله تعالى والتزم- كرماً منه وفضلا- أن من خرج يقاتل في سبيله مخلصاً نيته عن الأغراض الدنيوية، من غنيمة، أو عصبية، أو شجاعة، أو حُب للشهرة، أو الذكر. بل لمجرد الإيمان بالله تعالى الذي وعد المجاهدين بالمثوبة، وتصديقا برسله الذين بلغوا عنه وعده الكريم،

стр. 723

فاللَه ضامن له دخول الجنة، إن قتل أو مات في سبيله. أو يرجعه إلى مسكنه وأهله نائلا الأجر العظيم، أو حاصلا له الحسنيان، الأجر والغنيمة. والله لا يخلف الميعاد. ما يستفاد من الحديث: ١- جود الله تعالى وكرب، إذ ألزم نفسه بهذا الجزاء الكبر للمجاهدين. ٢-. فضل الجهاد في سبيل الله، إذ تحقق ربحه العظيم. فإما الشهادة العظمى التي تنيل صاحبها المقامات العالية مع النبيين والصد يقين. وإما الرجوع إلى مسكنه بجزيل الحسنات، وتكفير السيئات. وإن كان معه غنيمة، فذلك فضل الله، يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ٣- قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أنه لا يحصل هذا الثواب إلا لمن صحت نيته وخلصت من شوائب إرادة الأغراض الدنيوية. وقال الطبري-: إذا كان أصل الباعث هو إعلاء كلمة الله فلا يفره ما عرض له بعد ذلك. الحديث الرابع ولـ (مسلم (١) مَثَلُ المجاهدين في سَبِيل الله- والله أعْلمُ بَمنْ يُجَاهِدُ في سبِيله- كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ. وَتوَكَّلَ الله لِلْمُجَاهِدِ في سَبِيِلهِ- إن تَوَفَّاهُ- أنْ يدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أو يَرجِعَهُ سَالِماً مَعَ أجْرٍ أو غَنيمَةٍ ". المعنى الإجمالي: بيَّن ﷺ فضل الجهاد الخالص لوجه الله تعالى، بأن من جاهد في سبيله لقصد الجهاد وإعلاء كلمة الله تعالى- والله مطلع على سرائره فيعلم المخلص من غيره- فأجره كأجر الذي أحيا ليله بالقيام، ونهاره بالصيام، لأن المجاهد لا يزال في عبادة في قيامه وقعوده، وسره وإقامته، ويقظته ونومه. فهو في عبادة مستمرة، لا يدركه إلا الذي شغل وقته كله بالعبادة، مع فرق ما بين العبادة القاصرة، كالصلاة، والصيام، والعبادة المتعدى نفعها، كالجهاد. فهذا الذي خرج مجاهداً في سبيل الله بإخلاص، قد كفل الله له الجنة، إن قتل أو مات في سبيله، أو الرجوع بالأجر والغنيمة.

стр. 724

الحديث الخامس عَنْ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "مَا مِن مَكْلُوم يُكلَمُ في سبيل الله إلا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلمُهُ يَدْمَى، الَلونُ لونُ الدم، وَالريحُ ريحُ المِسكِ". الغريب: مَكْلُوم: بفتح الميم وسكون الكاف، اسم مفعول من (كَلَمَ) و (الكلم) الجرح. فمعناه: مجروح. المعنى الإجمالي: يُبَينُ النبي ﷺ فضل الجهاد في سبيل الله تعالى وما ينال صاحبه، من حسن المثوبة، بأن الذي يجرح في سبيل الله فيقْتَلُ أو يبرأ، يأتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق بِوِسَام الجهاد والبلاء فيه، إذ يجيء بجرحه طَريّاً، فيه لون الدم، وتتضوع منه رائحة المسك، فقد أبدله الله تعالى بِهَوانِ أذَى الأعداء شرف الفخر والعزة على أنظار الأولين والآخرين، وبإراقة دمه أن أبدله مسكا، يتأرَّج شذاه، وتفوح ريحه الزكية. والله ذو الفضل العظيم. ما يستفاد من الحديث: ١- فيه فضل الجهاد، وقد كثرت فضائله، وتعدد ثوابه، لما فيه من عز الإسلام. ٢- فضل الشهادة في سبيل الله، وكيف يجازي صاحبها، وفيه فضل الجراحة في سبيل الله، فهي أثر من طاعته ومجاهدة أعدائه. ٣- هذا الفضل والفخر، الذي يتميز به المجروح يوم القيامة. الحديث السادس عَنْ أبي أيوب الأنصاري ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ الله أوْ رَوْحَة خَير مِما طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمسُ وَغرَبَتْ". الحديث السابع عَنْ أنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "غَدْوَةٌ في سبيل الله أوْ رَوْحَة خَيرٌ منَ الدُّنيا وَمَا فِيهَا".

стр. 725

المعنى الإجمالي: تقدم معنى هذين الحدثين اللذين أبانا فضل الجهاد القليل في سبيل الله، فكيف بالكثير، ومصابرة الأعداء؟!. وينبغي أن يعلم أن طلب العلم الشَّرعي نوع عظيم من الجهاد في سبيل الله، وأن الانتصار للحق، ودحض حجج الزنادقة والملحدين والغربيين المبشرين الذين يحاربون الإسلام، ويريدون القضاء عليه، هو من أعظم الجهاد في سبيل الله. فالقصد من الجهاد، إظهار الإسلام ونصره، فكَبتُ هؤلاء، من الجهاد الكبير العظيم. اللهم وفق المسلمين لنصر دينهم، وإعلاء كلمتك. إنك قريب مجيب. الحديث الثامن عَنْ أبي قَتَادَة الأنصاري ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله ﷺ إلى حُنَيْن (ويذكر قصة) فَقَالَ رَسُولُ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتيلاً- لَهُ عَلَيْهِ بينة- فَلَهُ سَلَبهُ" قالها ثلاثاً. الحديث التاسع عَنْ سَلَمَةَ بْن الأكْوَعِ ﵁ قَالَ: أتىَ النَّبي ﷺ عَين مِنْ المشرِكِين- وَهُوَ في سَفر- فَجَلَسَ عِنْدَ أصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انفَتَلَ. فَقَالَ النَّبي ﷺ : "اُطلْبوهُ، واقْتلوهُ" فَقَتَلْتُهُ، فَنَفلَني سَلَبَهُ. وفِى روايِة فَقَالَ: "مَنْ قَتَلَ الرَجُلَ؟ " فَقَالُوا: ابنُ الأكْوَعِ. فَقَالَ: "لَهُ سَلبه أجْمَع". الغريب: سَلَبَهُ: بفتح السين واللام والباء، وهي ثياب المقتول، وسلاحه، ودابته التي، قاتل عليها. ما يستفاد من الحديث: ١- فيه أن من قتل قتيلاً وأقام على قتله إياه بَينةً، فله سبله الذي تقدم تعريفه ٢- أن السلب للقاتل، سواء قاله قائد الجيش قبل القتال أو بعده. ٣- إعطاء القاتل سلب قتيله من باب التشجيع والتحمس على قتال الأعداء. ٤- قتل العن الذي يبعثه الأعداء ليخبر المسلمين، ويتعرف على أحوالهم، لأن في تركه ضرراً على المسلمين بالإخبار عن حالهم، ومكان الضعف منهم، والدلالة على

стр. 726

ثغراتهم بخلاف الرسل، فإنهم لا يُؤذوْن، لأنهم دعاة سلام وصلة التئام، وهذا من محاسن الإسلام. الحديث العاشر عَنْ عَبْد الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَ رَسُول الله ﷺ سَرِيةً إلى نَجْدٍ، فخَرَجْتُ فِيهَا، فَأصبْنَا إبلا وَغَنَماً، فَبَلَغَتْ سهماننا اثني عَشَرَ بَعِيراً وَنَفَّلَنَا رَسُولُ الله ﷺ بعيِراً بَعِيراً) . الغريب: سَريَّةً: بفتح السن المهملة، وكسر الراء، وتشديد الياء: هي القطعة من الجيش. قال في (القاموس) من خمسة إلى أربعمائة. سُهمَانُنَا: بضم السين المهملة، جمع (سهم) وهو النصيب. نَفلنا: النفل، بفتح النون والفاء: هو الزياة يعطاها الغازي، زيادة عن سهمه. ما يستفاد من الحديث: ١- بعث السرايا لإضعاف العدو، ومفاجأته إذا رأى الإمام ذلك مصلحة. ٢- حل الغنيمة للغازين الغانمين، وهذا مما خصت به هذه الأمة المحمدية. ٣- أن السرية إذا كانت مستقلة، ليست تابعة للجيش، فغنيمتها لها وحدها. ٤- جواز تنفيل الغانمين زيادة على أسهمهم، إذا رأى الإمام ذلك مصلحة. ويكون النفل من الخمس، وبعضهم يرى أنه من أصل الغنيمة. الحديث الحادي عشر عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبي ﷺ قَالَ: "إذَا جَمَعِ الله الأولين والآخرين، يُرْفَعُ لِكل غَادِر لِوَاء، فيقَالُ: هذِهِ غَدرة فُلانِ بن فلانٍ". المعنى الإجمالي: من ائتمنك على دم، أو عرض، أو سر، أو مال، فخنته فيه فقد غدرته. وأعظم الغدر أن يقع من قائد الجيش حي يؤمن عدواً، ثم يأخذه على غِرَّة وغفلة. ولذا فإن على الغادر الخائن، الذي أخفى خيانته، هذا الوعيد الشديد، إذ يجاء به يوم القيامة، وقد رفع له لواء غدرته، فينادى

стр. 727

عليه: هذه غدرة فلان، فينشر خزيه، وفضيحته على رءوس الخلائق جزاء ما أخفى من غدر، ومن خيانة. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم الغدر بالمهادَن والمعاهَد. وأعظم الغدر أن يقع من قائد الجيش، لأن غدرته تنسب إلى الإسلام، فتشَوهُهُ، وَتُنَفر عَنه. بخلاف غدر الأفراد، فهي منسوبة إليهم. فإن كان بينه وبين الكفار عهد فخاف نَكْثهم، أنذرهم بأنه لا عهد لهم، كما قال تعالى: ﴿وَإما تخافن مِنْ قَوْم خيانة فَانْبِذْ إليهم عَلَى سَوَاءٍ إن الله لا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ . ٢- ويشمل الغدر المتوعَّد عليه، كل من ائتُمنك على دمٍ، أو عِرْضٍ، أو سِرٍّ، أو مالي فخنته، وأخلفت ظنه في أمانتك. ٣- هذا الخزي الشنيع والفضيحة الكبرى للغادر يوم القيامة، لأنه أخفى غدرته وخيانته، فجوزي بنقيض قصده، وعوقب بتشهيره، وهو أعظم من خيانة من ائتمنك. وقد قال النبي ﷺ "لا تخن من خانك". الحديث الثاني عشر عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ امْرَأةً وُجِدَتْ فِي بَعْض مَغَازِي النَّبي ﷺ َمقْتوُلَةً، فَأنْكَرَ النَّبي ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبيَانِ. ما يستفاد من الحديث: ١- أن الذي عليه القتل والمقاتلة، هم الرجال المقاتلون من الكفار. ٢- أن من لم يقاتل من النساء، والصبيان، والشيوخ الفانين، والرهبان، لا يقتلون، لأن القتل والقتال لدفع أذى الكفار ووقوفهم في وجه الدعوة إلى الإسلام، ما لم يكن هؤلاء النساء والشيوخ، أصحاب رأي ومساعدة على قتال المسلمين فإذا كانوا كذلك فإنهم يقتلون. وما لم يقتض الرأي رميَ الكفار بما يهلكهم عامة، كالمدافع، وفيهم نساؤهم وصبيانهم، ولا يمكن تمييزهم عنهم، فيرْمَوْنَ وَلو انقتل منهم هؤلاء الضعفاء.

стр. 728

الحديث الثالث عشر عَنْ أنس بْن مالك ﵁: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمن بنَ عَوفٍ وِالزُّبير بْن العَوام شَكَيَا الْقَمْلَ إلى رَسُولِ الله ﷺ في غزاةٍ لَهُمَا، فرَخَّصَ لهما في قَمِيص الْحَرِيرِ، فَرَأيتهُ عَلَيْهِمَا. ما يستفاد من الحديث: ١- يؤخذ من قوله: [فرخص] ما تقدم من تحريم الحرير على الذكور. ٢- جواز لبسه للحاجة، كالتداوى به عن الحِكَّة أو القمل. وكذلك للتعاظم على الكفار، وإظهار الخيلاء، والعزة والقوة أمامهم، لما فيه من مصلحة توهينهم، فيكون مستثنى مما تقدم من التحريم في الأحاديث السابقة. الحديث الرابع عشر عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: كَانَتْ أمْوَالُ بَنيِ النَّضِيرِ مِمَّا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِمَّا لَم يُوجِفِ المسلمون عَلَيْهِ بِخَيْل وَلا رِكَابٍ، وَكَانَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ خَالِصاً. فَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أهلِهِ سَنَةً، ثم يَجْعَلُ مَا بقِي فِي الكُرَاع والسِّلاح عدة في سَبِيلِ الله . الغريب بني النضير: بفتح النون وكسر الراء المعجمة، بعدها مثناة تحتية: إحدى طوائف اليهود الذين سكنوا قرب المدينة، فوادَعَهم النبي ﷺ بعد قدومه، على أن لا يحاربوه، ولا يعينوا عليه. فنكثوا العهد كما هي عادة اليهود، فحاصرهم حتى نزلوا على الجلاء، على أن لهم ما حملت إبلهم غير السلاح. مما أفاء الله: الفيء: الرجوع، سمى به المال الذي أخذ من الكفار بغير قتال، لأنه رُدَّ لمصالح المسلمين. لم يوجف: الإيجاف: الإسراع في السير. رِكاب: بكسر الراء: هي الإبل. الكُراع: بضم الكاف، وفتح الراء، بعدها ألف، ثم عين: اسم للخيل. قال ابن فارس: فأما تسميتهم الخيل كُرَاعاً فلأن العرب تعبر عن الجسم ببعض أعضائه. المعنى الإجمالي: لما قدم النبي ﷺ المدينة مهاجراً، وجد حولها طوائف من اليهود، فوادعهم وهادنهم، على أن يبقيهم على دينهم، ولا يحاربوه، ولا يعينوا عليه عَدُوا. فقتل رجل من الصحابة يقال له

стр. 729

(عمرو بن أمية الضمرى) رجلين من بنى عامر، يظنهما من أعداء المسلمين. فتحمل النبي ﷺ دية الرجلين، وخرج إلى قرية بنى النضير يستعينهم على الديتين. فبينما هو جالس في أحد أسواقهم ينتظر إعانتهم، إذ نكثوا العهد وأرادوا اهتبال فرصة قتله. فجاءه الوحي من السماء بغدرهم، فخرج من قريتهم مُوهِماً لهم وللحاضرين من أصحابه أنه قام لقضاء حاجته، وتوجه إلى المدينة. فلما أبطأ على أصحابه، خرجوا في أثره فأخبرهم بغدر اليهود- قبحَهُمُ الله تعالى- وحاصرهم في قريتهم ستة أيام، حتى تم الاتفاق على أن يخرجوا إلى الشام والحِيرَة وخَيبَرَ. فكانت أموالهم فَيْئاً بارداً، حصل بلا مشقة تلحق المسلمين، إذ لم يُوجِفُوا عليه بخيل ولا ركاب. فكانت أموالهم لله ولرسوله، يَدَخِّرُ منها قوت أهله سنة، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين العامة. وأولاها في ذلك الوقت عُدةُ الجهاد من الخيل والسلاح، ولكل وقت ما يناسبه من المصارف للمصالح العامة. ما يستفاد من الحديث: ١- أن أموال بنى النضير صارت فيئا لمصالح المسلمين العامة، إذ حصلت بلا كلفة ولا مشقة تلحق المسلمين المجاهدين. فكل ما كان مثلها مما تركه الكفار فزعا من المسلمين، أو صولحوا على أنها لنا، والجزية والخراج، فهو لمصالح المسلمين العامة. ٢- يكون للإمام منه ما يكفيه ويكفي من يمون. والله المستعان. ٣- وأن يتحرى الإمام في صرف الفيء وبيت مال المسلمين المصالح النافعة. ويبدأ بالأهم فالأهم، ولكل وقت ما يناسبه. ٤- جواز ادّخار القوت، وأنه لا ينافى التوكل على الله تعالى فإن النبي ﷺ أعلى المتوكلين، وقد ادخر قوت أهله. الحديث الخامس عشر عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أجْرَي النَّبي ﷺ مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيل مِنَ الْحَفيَاءِ إلى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَأجْرَى مَا لمْ يُضَمرْ مِنَ الثنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَني زُريقٍ. قَالَ ابنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أجْرَى. قَالَ سُفْيَان (١) : مِنَ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنيةِ الْوَدَاعِ خَمْسَة أمْيَالٍ أوْ سِتَّة، وَمِنْ ثَنِيه الوَدَاعِ إلَى مَسْجِدِ بني زُريقٍ، مِيل.

стр. 730

الغريب: ما ضُمِّر: بضم الضاد وكسر الميم المشددة، مبنى للمجهول. و (المضمرة) هي التي أعطيت العلف، حتى سمنت وقويت، ثم قلل لها تدريجيا، لتخف وتضمر، فتسرع في العدو، وتقوى على الحركة. الحفْيَاء: بفتح الحاء، وسكون الفاء، ثم ياء، فألف ممدودة: مكان خارج المدينة. ثنية الوداع: سميت بذلك لأن المسافر من المدينة، يخرج معه إليها المودعون و (الثنية) هي: الطريق في الجبل. زُرَيْق: بضم الزاي المعجمة، ثم راء مهملة، فياء، ثم قاف: هم بطن من الأنصار. خمسة أميال: الميل نحو (كيلو مترين) إلا سدساً، وتقدم في مواقيت الإحرام. المعنى الإجمالي: كان النبي ﷺ مستعداً للجهاد، قائماً بأسبابه، عملا بقوله تعالى: ﴿وَأعِدوا لهم مَا استطعتم مِنْ قوةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيلِ ترْهِبُونَ بِهِ عَدُو الله وعدوكم﴾ فكان يضمر الخيل ويمرن أصحابه على المسابقة عليها ليتعلموا ركوبها، والكرّ والفَرّ عليها، ويقدر لهم الغايات التي يبلغها جَرْيُهَا مُضَمرَة وغير مضمرة، لتكون مُدَرَّبة مُعَلَمة، وليكون الصحابة على الأهبة مُدَرَّيِينَ. ولذا فإنه أجرى المضمرة ما يقرب من ستة أميال، وغير المضمرة، وهي التي أثقلها السمَنُ ميلا. وكان عبد الله بن عمر ﵁ أحد شباب الصحابة المتعلمين على فنون الحرب. ما يستفاد من الحديث: ١- مشروعية التمرن وتعلم الفنون العسكرية، والعلوم الحربية، استعدادا لمجابهة العدو. وهو يختلف باختلاف الأزمنة، فلكل زمن سلاحه وأدوات قتاله. وآلاته وتعالميه. ٢- يحتمل أن تكون المسابقة بِعِوَض أو بغيره، وهى جائزة على كلا الأمرين، وإن كانت مع العوض نوعا من القمار، ولكن لما كانت مصلحتها عظيمة أبيحت، فإن القاعدة الشرعية تقول: إذا ترجحت المصلحة على المفسدة وغمرتها، اغتفرت المفسدة لذلك. ٣- لا يتقيد هذا بإجراء الخيل، فكل ما أعان على قتال الأعداء من الأسلحة والمراكب، فالمغالبة عليه بِعَوَض جائزة، لحديث (َلا سَبَقَ- أخذ عوض- إلا في نصل أو خف أو حافر) وهذا مذهب جمهور العلماء. وألحق شيخ الإسلام (ابن تيميه) بها مسائل العلم، فتجوز المراهنة عليها وأخذ العوض، لأنه من الجهاد، ولقصة أبي بكر مع المشركين. ٤- أن مثل هذه المسابقة من الرياضة المحمودة التي تنشط الجسم وتقويه، وتعين على الجهاد والقتال، مشروعة محبوبة، لأنها نوع عبادة مع النية الصالحة، لا ما فتِنَ به

стр. 731

الشباب اليوم من هذه الرياضات العديمة النفع، العقيمة الخير من [ألعاب الكرة] ونحوها، من التي لا يجنى منها مرونة ولا علم، مع ما فيها من إضاعة للوقت، وترك للواجبات، وأكل لأموال الناس بالباطل. ٥- أن يُجعل للمسابقة على الخيل والرمي بالبنادق وغيرهما، أمد مناسب لهما. ولذا فإن النبي ﷺ جعل للخيل المضمرة الخفيفة القويهَ، نحو ستة أميال، وللخيل السمان الثقال، ميلا. الحديث السادس عشر عَن عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ (أحُد) ٍ وَأنا ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَة فَلَمْ يُجِزْني في المقاتلة، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأنا ابْنُ خَمس عَشْرَةَ، فَأجازَني. ما يستفاد من الحديث: ١- غزوة (أحد) سنة ثلاث من الهجرة، و (غزوة الخندق) سنة خمس فكان ابن عمر في (غزوة أحد) ابن أربع عشرة سنة، صغيراً لم يبلغ، فلم يره يطيق القتال، وفي الخندق ابن ست عشرة سنة، فهو كبير مطيق، فرده في الأولى، وقبله في الثانيَة. ٢- أن البلوغ يحصل في تمام الخامسة عشر، أو بإنزال المَني، أو بنبات عانته، وهو الشعر الخشن حول القبل. هذا للذكر. وتزيد الأنثى بالحيض، فهو علامة البلوغ أيضا، عندها. ٣- أنه ينبغي للقائد والأمير، تفقُّدُ رجال جيشه وسلاحهم، لأنه أكمل للأهبة والاستعداد، وهو من الحزم المطلوب في القائد. فيرد من لا يصلح من الرجال، كالضعفاء والمرجفين، وما لا يصلح من أدوات القتال، كالأسلحة الفاسدة، ويقبل الصالح من ذلك، ويقيم استعراضا لهذا القصد. الحديث السابع عشر وَعَنْهُ (يَعْنى ابْنَ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قسم ني النَّفَلِ لِلْفَرَس. سَهْمَيْنِ وَلِلرجُلِ سَهْمَاً.

стр. 732

ما يستفاد من الحديث: ١- النَّفَل: بفتح النون والفاء- يطلق على الغنيمة- كما في قوله تعالى: ﴿يسألونك عَنِ الأنفال، قُلِ الأنفَالُ لله والرسول﴾ والمراد به الغنيمة. ويطلق على ما يزيده الإمام بعض الغزاة على سُهْمَانِهم. والمراد به، في هذا الحديث، الغنيمة. ٢- أن يجعل للفارس من الغنيمة ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه. ويجعل سهم واحد لغير الفارس، وهو الماشي، أو الراكب على غير فرس، من بعير، وبغل وغيرهما. ٣- هذا التقسيم بعد إخراج ما يلحق الغنيمة من رَضْخ لغير ذوى الأسهم ونوائبها، وبعد إخراج الخمس منها. الحديث الثامن عشر وَعَنْهُ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يبْعَثُ مِنَ السََّراَيَا لأنفُسِهِمْ خاصة، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْش. ما يستفاد من الحديث: ١- هذا التنفيل هو غير أسهم المجاهدين، بل زيادة يعطونها نافلة لهم على أسهمهم، حسب ما يرى الإمام والقائد من المصلحة. قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دلالة على أن لنظر الإمام مدخلا في المصالح المتعلقة بالمال أصلا وتقديرا على حسب المصلحة. ٢- إعطاء بعض الجيش زيادة على أسهمهم أو تخصيص بعض السرايا بزيادة على غيرهم، لقصد المصلحة والترغيب والتشجيع. ٣- أن هذا فعل النبي ﷺ ، فهو دليل على أنه لا يخل في إخلاصهم، ولا ينقص من أجرهم، مادام أن المقصد الأول من الجهاد والمخاطرة، هو إعلاء كلمة الله تعالى. ٤- قال ابن دقيق العيد: وللحديث تعلق بمسائل الإخلاص في الأعمال وما يضر من المقاصد الداخلة فيها ومالا يضر، وهو موضع دقيق المأخذ، ووجه تعلقه به أن التنفيل للترغيب في زيادة العمل والمخاطرة والمجاهدة، ومن ذلك مداخلة لقصد الجهاد لله تعالى، إلا أن ذلك لم يضرهم قطعاً لفعل الرسول ﷺ ذلك لهم، ففي ذلك دلالة لا شك فيها على أن بعض المقاصد الخارجة عن محض التعبد لا تقدح في الإخلاص، وإنما الإشكال في ضبط قانونها، وتمييز ما يقر مداخلته من المقاصد، وتقتضي الشركة فيه المنافاة للإخلاص، وما لا تقتضيه ويكون تبعا لا أثر له ويتفرغ عنه غير ما مسألة.

стр. 733

وقال الصنعانيى: وقد أجمع العلماء على جواز الجمع بين الحج والتجارة، والجمع بين إرادتهما، ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ . وذكر أن أصرح من ذلك قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةْ﴾ وبين أنه إذا أراد بذلك الثناء فهو مما يقبح، إلا أن يكون العمل في أصله لله، ثم أحب بعد ذلك أن يثني عليه، فأظهر الاحتمالين أنه لا بأس بذلك ولا حرج فيه. الحديث التاسع عشر عَن أبى مُوسَى (عَبْدِ الله بْنِ قيْس) عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "مَنْ حَمَل علينا السلاح فَلَيْسَ مِنَّا". المعنى الإجمالي: يبين النبي ﷺ أن المؤمنين إخوة يتألم بعضهم لألم بعضهم الآخر ويفرح لفرحه، وأن كلمتهم واحدة فهم يد على من عاداهم. فيلزمهم الاجتماع والطاعة لإمامهم، وإعانته على من بغى وخرج عليه، لأن هذا الخارج. شق عصا المسلمين، وحمل عليهم السلاح، وأخافهم. فيجب قتاله، حتى يرجع ويفئ إلى أمر الله تعالى. لأن الخارج عليهم والباغي عليهم، ليس في قلبه، لهم الرحمة الإنسانية، ولا المحبة الإسلامية، فهو خارج عن سبيلهم فليس منهم، فيجب قتاله وتأديبه. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم الخروج على الأئمة، وهم الحكام، ولو حصل منهم بعض المنكر، ما لم يصل إلى الكفر، فإن ما يترتب على الخروج عليهم من إزهاق الأرواح، وقتل الأبرياء، وإخافة المسلمين، وذهاب الأمن، واختلال الِنظام، أعظم من مفسدة بقائهم. ٢- إذا كان محرما في حق من يحدث منهم بعض المنكرات، فكيف بحال المستقيمين العادلين؟. ٣- تحريم إخافة المسلمين بالسلاح وغيره، ولو على وجه المزاح. الحديث العشرون عَن أبى مُوسَى قَالٍ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَة، وَيُقَاتِلُ حمِيَّة، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً: أي ذلِكَ فِي سَبِيل الله؟.

стр. 734

فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَة الله هِي الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله . المعنى الإجمالي: سأل رجل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل اًعداء الدين، ولكن الحامل له على القتال هو إظهار الشجاعة والإقدام أمام الناس. ويقاتل الآخر حمية لقومه، أو لوطنه. ويقاتل الرجل رياء أمام أنظار الناس أنه من المجاهدين في سبيل الله المستحقين للثناء والتعظيم. فأي هؤلاء الذي في سبيل الله قتاله؟. فأجاب ﷺ بأوجز عبارة وأجمع معنى، وهي: "أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو الذي في سبيل الله، وما عدا هذا، فليس في سبيل الله، لأنه قاتل لغرض آخر". والأعمال مترتبة على النيات، في صلاحها وفسادها، وهذا عام في جميع الأعمال فالأثر فيها للنية، صلاحاً وفسادا، وأدلة هذا المعنى كثيرة. ما يستفاد من الحديث: ١- أن الأصل في صلاح الأعمال وفسادها، النية. فهي مدار ذلك. ٢- لذا فإن من قاتل الكفار لقصد الرياء، أو الحمية، أو لإظهار الشجاعة، أو لغير ذلك من مقاصد دنيوية، فليس في سبيل الله تعالى. ٣- أن الذي قتاله في سبيل الله، هو من قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى. ٤- إذا انضم إلى قصد إعلاء كلمة الله قصد المغنم، فهل يكون في سبيل الله؟. قال الطبري: لا يضر، وبذا قال الجمهور، مادام قَصْد المغنم قد جاء ضمن النية الصالحة الأولى، وهذا جار في جميع أعمال القرب والعبادات. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عليكم جناح أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ ربكم﴾ يعنى التجارة في سفر الحج. والصحابة ﵃، خرجوا يوم بدر ورغبتهم في عير قريش ﴿وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوكَةِ تَكُونُ لَكم﴾ . ٥- مدافعة الأعداء عن الأوطان والحرمات، من القتال المقدس. ومن قتل فيه، فهو شهيد، كما قال ﷺ : "من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد.. الخ".

стр. 735

كِتابُ العِتق العِتق- لغة-: بكسر العين، وسكون القاف. قال الأزهري: هو مشتق من قولهم: عَتَق الفرس إذا سبق ونجا، وعتق الفرخ طار واستقل، لأن العبد يتخلص بالعتق ويذهب حيث شاء. وشرعاً: تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، وتثبيت الحرية لها. والأصل فيه، الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. فأما الكتاب، فمثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرير رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ﴾ . وأما السنة، فكثيرة جداً، ومنها ما في الصحيحين عن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ﴿من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل عضو منه عُضْواً من النار، حتى فرجه بِفَرْجه﴾ وأحاديث الباب الآتية. وأجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به. وهنا مبحثان أحدهما- في فضله، والثاني: - في موقف الإسلام من الرق والعتق. أما فضله، فيكفيك فيه هذا الحديث الصحيح، وما رواه الترمذي عن أبي أمامه وغيره من الصحابة عن النبي ﷺ قال: "أيما امرئ مسلم أعتق امرءاً مسلما كان فكاكه من النار". والأحاديث والآثار الحاثة على العتق والمُرَغبة فيه كثيرة. وقد جعله الله تعالى أول الكفارات لما فيه من مَحْوِ الذنوب، وتكفير الخطايا والآثام، والأجر العظيم، بقدر ما يترتب عليه من الإحسان. وليس إحسان أعظم من فكاك المسلم من غلِّ الرق، وقيد الملك فبعتقه تكمل إنسانيته بعد أن كان كالبهيمة في تصريفها وتدبيرها. فمن أعتق رقبة، فقد فاز بثواب اللهْ، والله عنده حسن الثواب. المبحث الثاني: نعى بعض أعداء الدين الإسلامي إقرار الشريعة الإسلامية الرق الذي هو- في نظرهم- من الأعمال الهمجية جملة. لذا نحب أن نُبين حال الرق في الإسلام وغيره، ونبين موقف الإسلام منه بشيء من الاختصار، لأن المقام لن يخصص لهذه البحوث. فالإسلام لم يختص بالرق، بل كان منتشرا في جميع أقطار الأرض. فهو عند الفرس والروم والبابليين واليونان، وأقره أساطينهم من أمثال (أفلاطون)

стр. 736

و (أرسطو) . وللرق- عندهم- أسباب متعددة في الحرب، والسبي، والخطف، واللصوصية. بل يبيع أحدهم مَنْ تحت يده من الأولاد، وبعضهم يعدون الفلاحين أرِقاء. وكانوا ينظرون إلى الأرقاء بعين الاحتقار والازدراء، فكانوا يمتهنونهم في الأعمال القذرة، والأعمال الشاقة. فـ (أرسطو) من الأقدمين، يرى أنهم غير مخلدين، لا في عذاب، ولا في نعيم، بل هم كالحيوانات. والفراعنة استعبدوا بني إسرائيل أشع استعباد، حتى قتلوا أبناءهم، واستحيوا نساءهم. والأوربيون- بعد أن اكتشفوا أمريكا- عاملوا الأمريكيين أسوأ معاملة. هذا هو الرق بأسبابه وآثاره، وكثرته في غير الإسلام. ولم نأت إلا على القليل من شنائعه عندهم. فلننظر الرق في الإسلام. أولاً: إن الإسلام ضيَّق مورد الرِّق، إذ جعل الناس كلهم أحراراً لا يطرأ عليهم الرق إلا بسبب واحد: (وهو أن يؤسروا وهم كفار مقاتلون مع أن الواجب على القائد أن يختار الأصلح من الرق، أو الفداء، أو الإطلاق بلا فداء، حسب المصلحة العامة. فهذا هو السبب وحده في الرق، وهو سبب؟ جاء في النقل الصحيح، فإنه يوافق العقل الصحيح أيضاً. فإن من وقف في سبيل عقيدتي ودعوتي، وأراد الحدَّ من حريتي، وألب عليَّ وحاربني، فجزاؤه أن أمسكه عندي، ليفسح المجال أمامي وأمام دعوتي. هذا هو سبب الرق في الإسلام، لا النهب، والسلب، وبيع الأحرار واستعبادهم كما هو عند الأمم الأخرى. ثانياً: أن الإسلام رفق بالرقيق، وعطف عليه، وتوعد على تكليفه. وإرهاقه: فقال ﷺ "اتقوا الله وما ملكت أيمانكم"؟. وقال ﷺ أيضاً: "للمملوك طعامه وقوته؛ ولا يكلف من العمل ما لا يطيق " رواه مسلم. بل إن الإسلام رفع من قدر الرقيق حتى جعلهم إخوان أسيادهم. فقد قال ﷺ : "هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ولْيُلْبِسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم"، متفق عليه. ورفع من مقامهم عند مخاطبتهم حتى لا يشعروا بالضَّعَة. ولذا قال ﷺ : "لا يقل أحدكم عبدي وأمتي

стр. 737

وليقل فتاي وفتاتي". كما أن المقياس في الإسلام لكرامة الإنسان في الدنيا والآخرة، لاِ يرجع إلى الأنساب والأعراق، وإنما يرجع إلى الكفاءات والقيم المعنوية ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أتْقَاكُمْ﴾ . وقد بلغ شخصيات من الموالى- لفضل علمهم، وقدرتهم- ما لم تبلغه ساداتهم، إذ قادوا الجيوش، وساسوا الأم، وتولوا القضاء والأعمال الجليلة بكفاءتهم التي هي أصل مجدهم. ومع ما رفعه الشارع من مقام المملوك، فإن له تشوفا وتطلعا إلى تحرير الرقاب، وفك أغلالهم. فقد حث على ذلك، ووعد عليه النجاة من النار، والفوز بالجنة، وقد تقدم بعض من ذلك. ثم إنه جعل لتحريرهم عدة أسباب، بعضها قهرية وبعضها اختيارية. فمن القهرية، أن من جرح مملوكة عتق عليه. فقد جاء في الحديث: أن رجلاً جدع أنف غلامه، فقال ﷺ . "اذهب فأنت حُر". فقال: يا رسول الله فمولى من أنا؟ قال: "مولى الله ورسوله". ومن أعتقْ نصيبه من مملوك مشترك، عتق نصيب شريكه قهراً، في الحديث "من اعتق شركا له في مملوك، وجب عليه أن يعتق" رواه البخاري على تفصيل فيه يأتي. ومن ملك ذا رحم مَحْرم عليه عق عليه قهراً حديث "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" رواه أهل السنن. فهذه أسباب قهرية تُزِيل ملك السيد عن رقيقه خاصة في هذا الباب، لما له من السراية الشرعية، والنفوذ القوِي الذي لم يجعل في عنقه خيارا ولا رجعة. ثم إن المشرع- مع حثه على الإعتاق- جعله أول الكفارات في التخلص من الآثام، والتحلل من الأيْمان. فالعتق هو الكفارة الأولى في الوطء في نهار رمضان، وفي الظهار، وفي الأيمان، وفي القتل. دين العزة والكرامة والمساواة: فكيف- بعد هذا- يأتي الغربيُّون. المستغربون فيعيبون على الإسلام إقراره الرق، ويتشدقون بالحرية والمناداة بحقوق الإنسان، وهم الذين استعبدوا الشعوب، وأذلوا الأمم، واسترقوهم في عقرِ دارهم؟ وأكلوا أموالهم، واستحلوا ديارهم؟! أفيرفعون رؤوسهم، وهم

стр. 738

الذين يعاملون بعض الطبقات في بلادهم أدني من معاملة العبيد؟ فأين مساواة الإسلام مما تفعله أمريكا بالزنوج، الذين لا يباح لهم دخول المدارس، ولا تحل لهم الوظائف، ويجعلونهم والحيوانات سواسية؟! وأين رفق الإسلام وإحسانه، مما يفعله الغرب بأسارى الحرب الذين لا يزالون في المجاهل: المتاهات والسجون المظلمة؟ وأين دولة الإسلام الرحيمة، التي جعلت الناس على اختلاف طبقاتهم وأديانهم وأجناسهم- أمة واحدة في مالَهَا وما عَليها، مما فعلته (فرنسا) المجرمة بأحرار الجزائر، في بلادهم وبين ذويهم؟! إنها دعاوى باطلة. بعد هذا، ألم يَأنِ للمصلحين ومُحِبِّي السلام أن يبعدوا عن أعينهم الغشاوة، فيراجعوا تعاليم الإسلام بتدبر وإنصاف، ليجدوا ما فيه من سعادة الإنسانية في حاضرها ومستقبلها؟! اللهم انصر دينك، ووفِّق له الدعاة المصلحين. الحديث الأول عن عَبْدِ الله بْنِ عُمَرُ ﵄ أنَّ رَسولَ الله ﷺ قَالَ: مَنْ أعْتَقَ شِركاً لَهُ في عَبْدٍ - فَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَن الْعَبْدِ- قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَليْهِ الْعَبْدُ، وإلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ". الغريب: شِرْكاً له: بكسر الشين، وسكون الراء: أي جزءاً ونصيباً. عَدْل: بفتح العين، وسكون الدال: أي من غير زيادة في قيمته، ولا نقصان. المعنى الإجمالي: للشارع الحكيم الرحيم تشوُّف إلى عتق الرقاب من الرق، فقد حث عليه، ورغَب فيه، وجعله أجل الكفارات وأعظم الإحسان، وجعل له من السِّرَايَة والنفوذ، ما يفوت على مالك الرقيق رقة بغير اختياره في بعض الأحوال، التي منها ما ذكر في هذا الحديث، وهي أن من كان له شراكة، ولو قليلة، في عبد، أو أمة، ثم أعتق جزءاً منه، عتق نصيبه بنفس الإعتاق. فإن كان المعتق موسرا- بحيث يستطيع دفع قيمة نصيب شريكه عتق العبد كله، نصيبه ونصيب شريكه، وقوم عليه نصيب شريكه بقيمته التي يساويها وأعطى شريكه القيمة. وإن لم يكن موسرا- بحيث لا يملك قيمة نصيب صاحبه- فلا إضرار على صاحبه، فيعتق نصيبه فقط، ويبقى نصيب شريكه رقيقا كما كان. ما يستفاد من الحديث: ١- جواز الاشتراك في العبد والأمة في الملك.

стр. 739

٢- أن من أعتق نصيبه عتق عليه، وعتق عليه أيضاً نصيب شريكه إن كان موسراً، وقُومت عليه حصة شريكه بما يساوى، ودفع له القيمة. ٣- إن لم يكن الشريك المعتق موسراً، فلا يعتق نصيب شريكه. وبعضهم يرى أنه يعتق، وينسعى العبد بالقيمة، ويأتي الخلاف فيه. ٤- أنه إن ملك بعض قيمه نصيب شريكه، عتق عَليه بقدر ما عنده من القيمة. ٥- تشوُفُ الشارع إلى عتق الرقاب، إذ جعل للعتق هذه السراية والنفوذ. الحديث الثاني عَن أبي هُرَيرةَ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: " مَنْ اعتَقَ شِقْصاً مِنْ مَمْلوكٍ فَعَلَيْهِ خَلاَصُهُ كُلّهُ فِي مَالِهِ، فَإن لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ استُسْعِىَ العَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ". ما يستفاد من الحديث: معنى هذا الحديث تقدم في الذي قبله، إلا أنه زاد تسعية العبد عند إعسار المعتق، وإجمال معناه ما يأتي: ١- أن من أعتق شركا له في عبد، وكان له ما يبلغ ثمن العبد عتق عليه كله وقُومَ عليه حصة شريكه بقدر قيمته. ٢- فإن لم يكن له مال، عتق العبد أيضاً- وطُلِبَ من العبد السعيُ ليحصل للذي لم يعتق نصيبه مباشرة، قيمة حصته، ولا يشق عليه في التحصيل، بل يقدر عليه أصحاب الخبرة قدر طاقته. ٣- ظاهر الحديثين، هذا والذي قبله، الاختلاف في عتق العبد كله، مع إعسار مباشر العتق واستسعاء العبد. الجمع بين الحديثين: دل الحديث الأول- في ظاهره- على أن من أعتق نصيبه من عبد مشترك، عتق نصيبه. فإن كان موسراً عتق باقيه- وغرم لشريكه قيمة نصيبه. وإن كان معسراً لم يعتق نصيب شريكه، وصار العبد، مُبَعَّضاً، بعضه حر، وبعضه رقيق. ودل الحديث الثاني على أن المباشر لعتق نصيبه، إن كان معسراً عتق العبد كله أيضاً، ولكن يستسعى العبد بقدر قيمة نصيب الذي لم يعتق وتعطى له. ذهب إلى الأخذ بظاهر الحديث الأول، الأئمة، مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبه، وأهل الظاهر. ودليلهم، ظاهر- الحديث وجعلوا الزيادة في الحديث مدرجة، وهي قوله: "فإن لم يكن له مال قوِّم المملوك قيمة عدل ثم استسعى العبد غير مشقوق عليه".

стр. 740

قال ابن حجر في "بلوغ المرام": [وقيل: إن السعاية مدرجة] . قال النسائى: [بلغني أن هماماً رواه، فجعل هذا الكلام- أعنى الاستسعاء- من قول قتادة] وكذا قال الإسماعيلي [إنما هو من قول قتادة، مدرج على ما روى همام] . وجزم ابن المنذر، والخطابي بأنه من فتيا قتادة. ولكن قال صاحب شرح البلوغ: [وقد رد جميع ما ذكر من إدراج السعاية باتفاق الشيخين على رفعه، فإنهما في أعلى درجات الصحيح] . ولذا فإنه ذهب إلى الأخذ بهذه الزيادة الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، واختارها بعض أصحابه، ومنهم شيخ الإسلام (ابن تيميه) و (ابن القيم) وشيخنا (عبد الرحمن آل سعدي) رحمهم الله تعالى، وجع بين الحديثين. وصفة الجمع ما قاله شارح بلوغ المرام: [أن معنى قوله في الحديث الأول (وإلا فقد عتق منه ما عتق) أي بإعتاق مالك الحصة حصته، وحصة شريكه تعتق بالسعاية، فيعتق العبد بعد تسليم ما عليه، ويكون كالمكاتب وهذا هو الذي جزم به البخاري. ويظهر أن ذلك يكون باختيار العبد لقوله: (غير مشقوق عليه) . فلو كان ذلك على جهة الإلزام، بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك، لحصل له بذلك غاية المشقة، وهو لا يلزم في الكتابة ذلك عند الجمهور، ولأنها غير واجبة، فهذا مثلها. وإلى هذا الجمع ذهب البيهقي، وقال: لا تبقى معارضة بين الحديثين أصلاً. وهو كما قال، إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرقُّ في حصة الشريك إذا لم يختر العبد السعاية اهـ. بَابُ بَيْع المدبَّر المدبَّر: - اسم مفعول، وهو الرقيق الذي علق عتقه بموت مالكه. سمي بذلك، لأن عتقه جعل دُبُرَ حياة سيده. أو يكون مشتقا من التدبير وهو في اللغة النظر في عواقب الأمور. الحديث العشرون بعد الأربعمائة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: دَبَّر رَجُلٌ مِنَ الأنصَارِ غُلاَماً لَهُ. وفي لفظ: بَلَغَ النَّبيّ ﷺ أنَّ رَجُلاً مِنْ أصْحَابهِ أعْتَقَ غُلاَماً لَهُ عَنْ دُبُرٍ- لَمْ يَكنْ لَهُ مَالٌ غَيرهُ، فَبَاعَهُ رَسُولُ الله ﷺ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ، ثُم أرْسَلَ بِثَمَنهِ إلَيهِ. الغريب: دُبُر: بضم الدال المهملة، وضم الباء الموحدة، وهو نقيض القبُل، من كل شيء، والمراد- هنا- بعد موته.
следующие страницы →