← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9878

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

عبد الله البسام

Полный текст (741 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الضار النافع. وإن لم نكن حالفين بالله فَلْنَصْمُتْ وَلنسكتْ عن الحلف بغيره، فإنه شرك كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، والحاكم، من حديث ابن عمر: (من حلف بغير الله كفر) ولما علم الصحابة ﵃ بالنهي عن ذلك، انتهوا عنه واجتنبوه. فكانوا لا يحلفون إلا بالله، أو بصفاته العلية. ولذا قال عمر رضى الله عنه: (فو الله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها، لا عامدا، ولا حاكيا، أي ناقلا كلام غيري) . كل هذا احتراز من الوقوع في المحظور وابتعاد عنه. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم الحلف بالآباء، لأنه الأصل في النهي. والنهي عن الحلف بالآَباء عام لكل شيء. فلا يحل لمخلوق- كائنا ً من كان- أن يقسم ويحلف بغير الله جل وعلا. أما الله فله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته. ولهذا، فلا يحلْ الحلف بغير الله تعالى وصفاته، مهما كان عظم المحلوف به، كالنبي ﷺ ، والكعبة المشرفة، وغيرها. ٢- أن من أراد الحلف بغير اللَه فليلزم الصمت، فإنه أسلم له. ٣- وعلة النهى: أن الحلف يراد به التأكيد بذكر أعظم شيء في نفس الحالة وأشد عقاب وانتقام. وهذا لا يكون إلا لله تعالى وحده. وصرفه لغيره كفر كما جاء في حديث ابن عمر. ولكنه كفر لا يخرج من الملة، فإن الكفر أنواع وأقسام. ٤- وأما ما وقع مما يخالف هذا النهى من قوله ﷺ : "أفلح وأبوه إن صدق) فقيل بعدم صحتها. قال ابن عبد البر: هذه اللفظة غير محفوظة. وقيل: إن " وأبيه " مصحفة عن (والله) قال ابن حجر: هو محتمل. وقيل إن هذا اللفظ مما يجرى على الألسنة بغير قصد القسم به وذكر النووي أنه ربما كان جائزا ثم نسخ. ٥- فضيلة عمر ﵁، بسرعة امتثاله وحسن فهمه وتورعِه. فلم يحلف بغير الله بنفسه، ولم يحك قَسَمَ غيره بغير الله، امتثالا وابتعاداً، لئلا يتعود لسانه عليه، فيخف عليه ويعتاده.

стр. 667

٦- إنما خصَّ النهي عن الحلف بالآباء، مع أنه عامُّ في كل ما سوى الله تعالى، لأن هذه عادة جاهلية، فنص عليها بعينها، مع فهم المراد العام منها. فقد أدرك النبي ﷺ عمر بن الخطاب مع رَكب فسمعه يحلف بأبيه، فذكر الحديث. الحديث الرابع عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ عَنِ النَبي ﷺ قَالَ: " قَالَ سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ ﵉: لأطُوفَنَّ الّليلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأةً تَلِدُ كُلُّ امْرَأةٍ مِنْهُنً غلاماً يُقَاتِلُ في سَبِيلِ الله. فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ الله. فَلَمْ يَقُلْ. فَطَافَ بِهنَّ فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُن إلا. امْرَأة وَاحِدَة نِصْفَ إنْسَانٍ. قَالَ: فَقَال رَسُولُ الله ﷺ " لَوْ قَالَ: إنْ شَاء الله لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ ذلِكَ دَرَكاً لِحَاجَتِهِ ". قوله: " قيل له: قُلْ: إنْ شَاءَ الله " يَعْني قال لَهُ المَلَكُ. الغريب: لأطوفن: اللام واقعة في جواب قسم مقّدر محذوف، كأنه قال: (والله لأطوفن) والنون للتأكيد. وطاف بنسائه: ألَم بِهنَّ وقاربهن، والمراد به المجامعة. دَرَكاً لحاجته: بفتح الدال المهملة والراء، اسم مصدر لـ (أدرك) والمراد به: اللحاق والوصول إلى الشيء. والملك: بفتح الميم واللام، أحد الملائكْة. المعنى الإجمالي: سليمان ﵇ نبي من أنبياء الله تعالى إلى بنى إسرائيل، وقد أعطاه الله من الملكً ما لم يعطه أحدا. وكان من حرصه ورغبته في الخير وإعلاء كلمة الله بجهاد أعدائه، أن أقسم بالله تعالى أن يجامع تسعين امرأة، تلد كل واحدة منهن غلاما يشب ويقوى، حتى يجاهد في سبيل الله وأتى إلى شهوته بهذه النية الصالحة، لتكون عبادةً تقربه من ربه ﵎، جاء واثقاً بربه، مخلصاً في مقصده، جازماً في تحقق مراده فأذهله ذلك، وأنساه عن الاستثناء بيمينه بأن يقول: (إن شاء الله) مع تذكير الملك له ذلك. فطاف بهن، فلم تلد له منهن إلا واحدة جاءت بنصف إنسان، تأديبا من الله تعالى، وعظة لأوليائه وأصفيائه، وليرجعهم إلى كمالهم بالتعلق به وإدامةْ ذكره ومراقبته، فيما يأتون وما يذرون، وليعلم الناس أن الأمر لله وحده، وأنه المدبر المتصرف بالأمور. فليس لنبي ولا لملك ولا لغيرهما مشاركة معه في ملكه وتصرفه، فهو القادر على كل شيء

стр. 668

والمدبر لكل شيء. فلو أن سليمان ﵇، استثنى في يمينه بمشيئة الله تعالى، لأدرك حاجته، ونال مطلوبه. ولكن الله قدر هذا، ليكون تشريعاً لخلقه، وعِظَة وعبرة للناس أجمعين. ما يستفاد من الحديث: ١- أن الاستثناء في اليمين، وهو قول الحالف (إن شاء الله) نافع ومفيد جداً لتحقيق المطلوب، ونَيْلِ المرغوب، فاٍن مشيئة الله تعالى نافذة على كل شيء، وبركة ويمن. ٢- أن المستثنى لا يحنث في يمينه، إذا علقه على مشيئة الله تعالى. ٣- في هذا الحديث، عبرة وعظة وقعت لنبي من أنبياء الله تعالى، صمم في أمره بلا مشيئة الله، فلم يشفع له قربه من الله جلا وعلا أن يحقق طلبه إلا أن يذكره فلا ينساه، فكيف بمن هو دون الأنبياء رتبة ومنزلة؟! فسبحانك من مرب حكيم. ٤- أن عادات أنبياء الله وأوليائه، تكون بسبب نيا تهم الصالحة عبادات. فهم يجامعون- مثلا- ليحصنوا فروجهم وأعينهم عن الحرام، وليحصنوا زوجاتهم أو ليرزقوا أولاداً صالحين، أو ليحصل كل هذا. فتكون العادة عبادة بسبب هذه النية الصالحة، والمقاصد السامية. أما الغافلون فعباداتهم كعاداتهم. فهم يأتون المساجد للصلاة، جَرْياً على العادة المتبعة عند المسلمين، وليس لذكر الله في قلوبهم مقام. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ٥- يُجْرِى الله تعالى ويُقدر مثل هذه الأمور على الكَمَلَةِ من عباده لِيرىَ الناس أن الأمر له وحده، وأنه المتفرد بالتدبير والتصريف، وأن ليس له مشارك في حكمه وأمره. ٦- قال ابن دقيق العيد: وقد يؤخذ من الحديث جواز الإخبار عن وقوع الشيء بناء على الظن، فإن هذا الإخبار من سليمان لم يكن عن وحي، وإلا لوجب أن يقع ما أخبر به. الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللَه بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمينِ صَبْرٍ، يَقتَطِعُ بها مال امرئٍ مسلم، هُوَ فِيها فاجر، لقي الله وٍهُوَ عَلَيْهِ غضبانُ " و َنَزَلَت ﴿إنَّ الَذِيَنَ يَشتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمنا قلِيلا﴾ إلى آخر الآية.

стр. 669

الغريب: يمين صبر: بإضافة يمين إلى صبر، و (صَبْر) هو بفتح الصاد وسكون الباء الموحدة، والصبر: الحبس. وصفت اليمين بالصبر تجوُّزاً، لأنَّ الحبس وقع على الحالف المصبور عليها، الملزَم بها. المعنى الإجمالي: في هذا الحديث وعيد شديد لمن اقتطع مال امرئ بغير حق. وإنما اقتطعه وأخذه بخصومته الفاجرة، ويمينه الكاذبة الآثمة. فهذا يلقي الله وهو عليه غضبان، ومن غضب اللَه عليه فهو هالك. ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية الكريمة، مصداقاً لهذا الوعيد الأكيد الشديد من القرآن الكريم. وبيانها: أن الذين يعتاضون ويستبدلون بعهد الله عليهم وبأيمانِهم الكاذبة الآثمة، أعراض الحياة الدنيا، ليس لهم نصيب من الآخرة، وليس لهم من لطف الله ورحمته في ذلك اليوم العظيم، حظ ولا نصيب، ولا يطهرهم من ذنوبهم وأدر انهم، ولا يذكرهم في الملأ الأعلى بما يَسُرهم، ومع هذا، فلهم عذاب أليم لما في عملهم من مخادعة اللًه ورسوله وإيثارهم الحياة الدنيا على الآخرة، وأكلهم أموال الناس بالباطل، والتضليل في الخصومات والدعاوى. وهذه صفات اليهود، الذين يتهالكون على المادة بكل طريق ولو بالسفالة والمهانة والنذالة. فمن أحب أن يتصف بصفاتهم، ويتلطخ بأخلاقهم، ويسلك مسلكهم، ليحشر معهم، فَلْيَعْمَلْ عملهم، فليس عند الله محاباة. فالناس مراتبهم عنده بأعمالهم. نسأل الله تعالى سلوك الطريق السَّوِيِّ إلى مرضاته. ما يستفاد هن الحديث: ١-تحريم أخذ أموال الناس بالدعاوى الفاجرة والأيمان الكاذبة، وهو من كبائر الذنوب، لأن ما ترتب عليه غضب الحليم- جل وعلا- كبيرة. ٢- التقييد (بالمسلم) من باب التعبير بالغالب، وإلا فمثله الذّميُّ والمعاهد. ٣- شرط العقاب على مرتكب هذه اليمين، ما لم يتب ويتحلل من الإثم. فإن تاب، فالتوبة تَجُبُّ ما قبلها، وهو إجماع العلماء. ٤- قوله: - (هو فيها فاجر) ليخرج الناسي والجاهل، فإن الإثم والجزاء لا يستحقهما إلا العامد. ٥- إثبات صفة الغضب لله تعالى على وجه يليق بجلاله تعالى ﴿ليْس كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَمِيعُ البصير﴾ .

стр. 670

٦- تفسير هذه الآية الكريمة بهذه القضية، وهو تفسير مرفوع، فيكون الحديث مبينا لمعناها، موضحاً للمراد منها. ٧- ملخص معنى الآية الكريمة: أن من استبدل بأيمانه- بالله ورسوله ونكث بما أخذ عليه من الإيمان الوثيقة- الحياة الدنيا وأعراضها، فقد خاب وخسرت صفقته. لأن عوضه ولو كان الدنيا كلها، هو قليل فجزاء هذا الحرمان من الآخرة والهجران من كلام اللطف والعطف ونظر الرحمة والحنان من الكريم الحنان وسيبقى في آثامه وأرجاسه فلن يطهر. ومع هذا فلن يترك. فإن له عذاباً أليماً أعاذنا الله من ذلك ووالدينا وأقاربنا ومشايخنا وٍ إخواننا المسلمين. آمين. الحديث السادس عَنِ الأشْعَثِ بْن قَيْس قَالَ: كَانَ بيني وَبَيْنَ رَجُل خُصُومَةٌ في بِئر، فاخْتَصَمْنَا إلى رَسُولَ الله ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ ". قُلْتُ: إذن يَحْلِفَ ولا يُبَالي. فَقاَلَ رَسُولُ الله ﷺ : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يِمِيِنِ صبْرٍ يقتطع بِهَا مَالَ امْرِئ مسلم هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. ما يستفاد من الحديث: المعنى المقصود في هذا الحديث، تقدم شرحه في الحديث السابق، ويبقى استخراج الفوائد والأحكام، ونجملها هنا: ١- أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، هي القاعدة الإسلامية في الخصومات، وهي من فصل الخطاب المشار إليه في قوله تعالى ﴿وآتيناه الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ . ٢- ثبوت الحق بالشاهدين. فإن لم توجد البينة عند المدعِي، فعلى المدعى عليه باليمين. ٣- تحريم اليمين (الغموس) وهي الكاذبة، التي تقتطع بها حق غيره، وأنها من الكبائر، التي تعرض صاحبها لغضب الله وعقابه. ٤- أن حكم الحاكم يرفع الخلاف الظاهر فقط، أما الباطن، فلا يزال باقياً فعلى هذا لا يحل المحكوم به، ما لم يكن مباحا للمحكوم له.

стр. 671

٥- أن يمين الفاجر تُسقطُ عنه الدعوى وأن فجوره في دينه، لا يوجب الحجر عليه ولا إبطال إقراره، ولولا ذلك، لم يكن لليمين معنى. ٦- البداءة بسماع الحاكم من المدعى، ثم من المدعى عليه: هل يقر أو ينكر؟ ثم طلب لمبينة من المدعى إن أنكر المدعى عليه، ثم توجيه اليمين على المدعى عليه إن لم يجد بينة. ٧- فيه موعظة الحاكم للخصوم، خصوصاً عند إرادة الحلف. ٨- تغليظ حقوق المسلمين، في قليل الحق وكثيره. ٩- أن اليمين الغموس ونقض العهد، لا كفارة فيهما لأنهما أعظم وأخطر من أن تحلهما الكفارة. فلا بد من التوبة النصوح والتخلص من حقوق العباد. الحديث السابع عَنْ ثَابِتِ بن الضَّحَّاكِ الأنصَارِي ِّ: أنهُ بايَعَ رَسولَ الله ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَاًنَّ رَسُولَ الله قالَ: "مَنْ حَلف عَلَى يِمِين بمِلَّةٍ غَيْرِ الإسلام، كَاذِباً، مُتَعمِّداً، فَهُوَ كَما قَالَ، وَمن قَتَلَ نفسَه بشيء عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَليسَ عَلَى رجل نذر فِيمَا لا يملُك". وفِى رواية " وَلَعْنُ الْمُؤمِنِ كَقَتْلِهِ ". وفي رواية " مَن ادَّعَى دَعْوَى كَذِبةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ الله إلا قِلَّةً". المعنى الإجمالي: روى ثابت بن الضحاك الأنصاري- أحد المبايعين تحت الشجرة (بيعة الرضوان) يوم " الحديبيِة "، عن النبي ﷺ أنه قال ما معناه: من حلف على يمين بغير شريعة الإسلام: كأن يقول: هو يهودي (١) أو نصرانيّ، أو هو مجوسي، أو هو كافر أو برئ من الله ورسوله متعمداً كاذباً في يمينه، فهو كما نسب نفسه إليه من إحدى هذه الملل الكافرة. ومن قتل نفسه بشيء، كسيف، أو سكين، أو رصاص، أو غير ذلك من آلات القتل، عُذب به يوم القيامة. وذلك لأن نفسه ليست ملكا له، وإنما هي ملك للَه تعالى، وهو المتصرف بها، فهي عنده وديعة وأمانة خان فيها بانتحاره. فالجزاء من جنس العمل، فاستحق العذاب والقصاص، بمثل ما فعل. ومن لعن مؤمنا،

стр. 672

فكأنما قتله، لاشتراك اللاعن والقاتل، بانتهاك حرم الله تعالى، واكتساب الإثم، واستحقاق العذاب. ومن تكبر وتكثر بالدعاوى الكاذبة، التي ليست فيه، من مال أو علم، أو نسب، أو شرف، أو منصب، مريداً بذلك التطاول، لم يزده الله إلا ذلَّةً وحقارة، لأنه أراد رفع نفسه بما ليس فيه، فجزاؤه من جنس مقصده. وأعظمها أن يقصْد بدعاويه الحيلة لأكل أموال الناس بالباطل، أو تضليلهم ومخادعتهم. ومن نذر شيئاً لم يملكه- كأن ينذر عتق عبد فلان، أو التصدق بشيء من مال فلان، فإن نذره لاغ لم ينعقد، لأنه لم يقع موقعه، ولم يحل محله. ما يستفاد من الحديث: ١- تغليظ التحريم على من حلف بشريعة غير الإسلام. وقد اختلف العلماء. هل لها كفارة أم لا؟. فالمشهور من مذهبنا أن فيها الكفارة، وهو مذهب الحنفية وغيرهم. ومذهب مالك، والشافعي: ليس فيها كفارة، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها (ابن قدامه) و (ابن دقيق العيد) وغيرهما، وهي أصح. ٢- تحريم قتل الإنسان نفسه، فإن إثمه كإثم القاتل لغيره، ويعذًب بما قتل به نفسه، فإن الجزاء من جنس العمل. ٣- وأن لعن الإنسان كقتله في المشاركة في الإثم، وإن لم يستويا في قدره. ٤- تحريم ادعاء الإنسان ما ليس فيه، من علم، أو نسب، أو شجاعة، أو غير ذلك. خصوصاً لمن غَر بها الناس، أو يدعي معرفته لعمل، ليتولى وظيفته. كل هذا حرام. ومن فعله رياء وتكبرا، لم يزده الله تعالى إلا ذِلة، فالجزاء من جنس القصد الدنيء. ٥- أن النذر لا ينعقد فيما لا يملكه الناذر، فإن النذر طاعة وقربة. ولا يتقرب فيما لا يتصرف فيه، وإذا نذر، فليس عليه في نذره شيء. ٦- ظاهر قوله في الحديث: (فهو كما قال) أن الحالف بغير ملة الإسلام يخرج من الإسلام، وأن قوله (لعن المؤمن كقتله) أن إثم اللاعن والقاتل سواء. وتقدم الكلام على مثل هذه النصوص. ولشيخ الإسلام " ابن تيميه " في مثل هذه الأحاديث مسلك، وهو: أنه لابد في وقوع الوعيد من وجود أسبابه وانتفاء موانعه. فإذا رتب الوعيد على فعل شيء، كان فعله سبباً من أسباب الوعيد الموجب لحصوله. فإن انتفت الموانع من ذلك وقع، وإن عارض السبب مانع اندفع موجب السبب بحسب قوة المانع وضعفه، وهذه قاعدة نافعة.

стр. 673

بَابُ النَّذر النذر لغة: الإيجاب. وشرعا: إلزام المكلف نفسه عبادة لم تكن لازمة بأصل الشرع. والأصل فيه، الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بالنَّذرِ﴾ ﴿وَليُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ . وأما السنة: فقوله ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ الله فيطعه وَمَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصىَ الله فَلاَ يَعْصِهِ" رواه البخاري. وقد أجمع المسلمون على صحته في الجملة. وقرن العلماء بين اليمين والنذر، لأنهما متقاربان في الأحكام، فكل منهما يقصد به التأكيد. لكن موجب اليمين البِر بيمينه أو الكفارة. وأما موجب النذر، فهو الوفاء بما نذره، ما لم يقصد بالنَذر الحثَّ أو المنع، فيكون حكمه ومجراه مجرى اليمين، تحله كفارة اليمين. وأما الفروق التي بينهما، فمجملها ما يأتي: ١- ما تقدم من أن النذر الشرعي لابد من الوفاء به ولا يقوم غيره مقامه. وأما اليمين فتحله الكفارة. ٢- أن النذر يقصد به مجرد التقرب وقد يكون الحاملُ حصولَ مطلوبٍ أو زوال مكروه. وأما اليمين فيقصد به الحث على فعل شيء، أو المنع منه. ٣- أن عقد النذر مكروه، وأما اليمين فمباح، وقد يشرع إذا دعت إليه الأسباب. ٤- أن النذر يجب الوفاء به، وأما اليمين ففيه تفصيل يرجع إلى ما يترتب عليه. فقد يكون التحلل منه مباحا، أو مكروها، أو مستحبا، أو واجباً، أومحرماً، حسب المصالح أو المفاسد المترتبة عليه. الحديث الأول عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله إني كُنْتُ نَذرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَةً. وفي رواية: يَوْماً- في الْمَسْجِدِ الْحَرَام؟ قالَ: " فَأوْفِ بِنَذْرِكَ ". ما يستفاد من الحديث: تّقدم شرح هذا الحديث في (باب الاعتكاف) .

стр. 674

ونجمل- هنا- ما فيه من الأحكام بما يأتي: - ١- أن الاعتكاف عبادة لله تعالى، ولذا وجبت بالنذر. ٢- أنه لا يشترط في الاعتكاف الصيام، إذ أمره أن يوفي بنذره اعتكاف ليلة، والليل ليس محلا للصوم، الجمع بينهما أكمل. ٣- وجوب الوفاء بالنذر المطلق، وهو نذر الطاعة الذي لم يعلَّق على شيء. بل قصد به مجرد التبرر. ٤- أن النذر من الكافر صحيح منعقد، يجب عليه الوفاء به. الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ اللَه بْنِ عمر ﵄ عَنِ النَبي ﷺ : أنه نهَى عَنِ النَذْرِ وَقَالَ: " إنَ النَذْرَ لا يأتي بِخَيْر، وإنما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ". المعنى الإجمالي: نهى النبي ﷺ عن النذر، وعلل نهيه بأنه لا يأتي بخير، وذلك لما يترتب عليه من إيجاب الإنسان على نفسه شيئاً، هو في سعة منه، فيخشى أن يقصر في أدائه، فيتعرض للإثم، ولما فيه من إرادة المعاوضة مع اللَه تعالى في التزام العبادة معلقة على حصول المطلوب، أو زوال المكروه. وربما ظن- والعياذ بالله- أن الله تعالى أجاب طلبه، ليقوم بعبادته. لهذه المحاذير وغيرها، نهى عنه النبي ﷺ ، إيثاراً للسلامة، وطمعاً في جود الله تعالى بلا دالَّةٍ ولا مشارطة، وإنما بالرجاء والدعاء. وليس بالنذر فائدة، إلا أنه يستخرج به من البخيل، الذي لا يقوم إلا بما وجب عليه فعله وتحتم عليه أداؤه، فيأتي به مكرها، متثاقلا، فارغاً من أساس العمل، وهي النية الصالحة، والرغبة فيما عند الله تعالى. ما يستفاد من الحديث: ١- النهى عن النذر، وأصل النهْى للتحريم، والذي صرفه عن التحريم، مدح الموفين به. ٢- العلة في النهي (أنه لا يأتي بخير) لأنه لا يَرُد من قضاء الله شيئاً، ولئلا يظن الناذر أنه عوض حصول مطالبة. والله تعالى غنيُّ عن الأعواض، وعن الخلق أجمعِن، فهم الفقراء، وطاعتهم لا تزيد في ملكه شيئا. ٣- والله ﵎ قدًر الواجبات على العباد، بقدر طاقَتهم، وجعل لزائد نوافل، لأنها

стр. 675

خارجة عما يحتملونه من العبادات. والناذر خافت هذه الحكمة والتقدير، ولعله يعجز عن القيام بما نذر، فيكون آثماً مسَبباً في الإثم. ٤- فائدة النذر، أنه يستخرج به من البخيل، الذي غايته القيام بالواجب ويثقل عليه ما عداه. فالنذر وسيلة لقيامه بما لم يجب عليه بأصل الشرع. ٥- هذا الباب من غرائب العلم. فالأصل أن الوسائل لها أحكام المقاصد إلا النذر، فالوفاء به واجب، وعقده مكروه، فيكون مخالفاً لغيره. والحكمة ظاهرة كما تقدم. ٦- يكره النذر إذا كان طاعة لله تعالى. فأما النذر الذي يقدم للموتى والقبور، ويوفي به عند الأضرحة والقباب، أو يرضى به ويستخدم الشياطين، فهذا هو الشرك الذي كان يفعله المشركون لأصنامهم، ويقربونه لأوثانهم. وحكمه معروف. نعوذ بالله من غضبه وعقابه. ٧- ذكر الصنعاني أن هذا باب واسع، من تتبعه عرف أن العبد إذا أولج نفسه فيما لم يوجبه الله عليه كان معرضا لعدم الوفاء بتقصيره وتثبيط الشيطان له، وأنه لا يفي به إلا القليل، وهم المشار إليهم بقوله: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ . الحديث الثالث عَنْ عقبة بْنِ عامر قَالَ: " نَذَرَتْ أخْتِي أنْ تَمْشىَ إلى بَيْتِ الله الْحَرَام حَافِيَةً (١) فأمرتني أن استفتي لَهَا رَسولَ الله ﷺ فاستفتيته فَقالَ " لتمَشي وَلْتَرْكَبْ ". ما يستفاد من الحديث: ١- أن من نذر المَشْيَ إلى المسجد الحرام، أو أحد المسجدين ماشياً، لا يجب عليه الوفاء به، لأن هذا ليس نذر عبادة مقصودة، وإنما هو نذر مباح، ونذر المباح، إن لم يَفِ به فعليه الكفارة. ٢- أنه إذا اشتمل النذر في أمر مباح وعبادة، فلكل حكمه، فيؤمر بالعبادة، لأنها التي يجب الوفاء بها، إذ قد اشتمل أداؤها على المصلحة.

стр. 676

٣- ومنها: - أنه لا يتعبد بما إلا شرعه الله تعالى من الطاعات. فالأصل في العبادات الحظر، فلا يشرع إلا ما شرعه الله ورسوله. ومن زاد في الشرع، فقد أراد الاستدراك على الله تعالى ورسوله، ﷺ . ٤- في الحديث بيان لبعض العلل في كراهية الشارع للنذر، وهو العجز عن القيام بالمنذور. فالظاهر أن هذه المرأة لما نذرت المشي، علمت من نفسها عدم القدرة، فاضطرت إلى الخروج من هذا المأزق. الحديث الرابع عَنْ عَبدِ اللَه بن عباس ﵄: أنَّهُ قالَ: "اسْتَفْتى سَعْدُ ابْنُ عبادَةَ رَسُولَ الله ﷺ في نَذْر كان عَلَى أمه، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أنْ تَقضِيَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَه ﷺ : " فاقضه عَنْهَا ". ما يستفاد من الحديث: ١- أن النذر عبادة، يجب الوفاء بها، وأداؤها. ٢- أن من مات وعليه ننر، قضاه عنه وارثه. ٣- لم يذكر في هذا الحديث نوع النذر: هل هو بدنيٌ أو مالٌي؟. فأما المالي- ومنه الحج- فتدخله النيابة عند جمهور العلماء. وقد تقدم أن الصحيح في الصيام أن النيابة تدخل البدني أيضاً، لحديث عائشة في الصحيحين مرفوعا: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه". ونذر أم سعد قيل، كان صوما. وقيل: عتقا، وقيل: صدقة، وقيل: نذراً مطلقاً. وكل من هذه الأقوال استدل أصحابها عليها بأحاديث. وحديث الصوم والعتق، قد تكلم فيهما العلماء. وأما حديث الصدقة، فليس صريحاً أنها نذرت ذلك. وقال القاضي عياض: (والذي يظهر، أنه كان نذرها في المال أو مبهما) . وقال ابن حجر: (بل ظاهر حديث الباب أنه كان معينا عن سعد) . ٤- وفي الحديث بر الوالدين بعد وفاتهما. وأعظم برهما وفاء ما عليهما من الديون أو الحقوق والواجبات، سواء كانت لله تعالى أو للآدميين.

стр. 677

الحديث الخامس عَنْ كَعْبِ بْن مَالِكٍ قالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله، إنَّ مِنْ تَوبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالي صَدَقَةً إلَى الله وَإلَى رَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أمْسِكْ عَلَيكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَير لَكَ" المعنى الإجمالي: كان كعب بن مالك الأنصاري ﵁ أحد الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن " غزوة تبوك " بلا نفاق ولا عذر. فلما رجع النبي ﷺ من تلك الغزوة، هجرهم، وأمر أصحابه بهجرهم. ومازالوا مهجورين، حتى نزلت توبتهم ورضي الله عنهم، فرضي الرسول والصحابة. فكان من شدة فرح كعب برضا الله عنه وقبول توبته، أن أراد أن ينخلع من كل ماله، ويخرج منه صدقة لوجه الله تعالى، فيكون إنفاقه فيما يرضى الله ورسوله. فقال له النبي ﷺ : أمسك عليك، فالله تعالى لما علم صدق نيتك وحسن توبتك، غفر لك ذنبك، وتجاوز عنك. ولو لم تفعل هذا، فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها. وقد أنفق بعض ماله، فرحا برضا الله تعالى، وليجد ثوابه مُدَّخراً عنده وأبقى بعضه، ليقوم بمصالحه ونفقاته الواجبة من مؤونة نفسه، ومؤونة من يعول. والله رؤوف بعباده. ما يستفاد من الحديث: ١- أن من نذر الصدقة بماله كله، أبقى منه ما يكفيه ويكفي من يعول، وأخرج الباقي. والمذهب عند الحنابلة، يخرج الثلث، ويمسك الباقي. واستدلوا بأبي لبابة حين انخلع من ماله كله، فقد أمره النبي ﷺ أن يسمك الثلث. رواه أحمد. والقول الأول: أولى وأقرب إلى مفهوم الشارع في قصة كعب. ولأنه لما نذر كل ماله، صار الذي بقدر نفقاته الواجبة، كالمستثنى شرعا، فلا يجوز التصرف فيه، كما لو نذر صيام سنة، فلن يدخل في نذره ما يجب فطره كالعيدين. ٢- أن الأولى والأحسن، أن لا ينهك الإنسان ماله بالصدقات، لأن عليه نفقات واجبة، والني ﷺ يقول " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول". ٣- أن النفقة على النفس والزوجة والقريب، عبادة جليلة، وصدقة عظيمة مع النية الحسنة. فالأحسن أن يتصدق بنية التقرب، وأن لا تطغى نية قضاء الشهرة والشفقة المجردة والمحبة، على نية العمل. ٤- أن الصدقة سبب في مَحْوِ الذنوب، لما فيها من رضا الرب ﵎ والإحسان إلى الفقراء والمساكين، واستجلاب دعائهم.

стр. 678

كِتَابُ القَضَاء القضاء بالمد لغة: إحكام الأمر والفراغ منه. قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سبْعَ سَموَات فى يَوْمَيْن﴾ يعنى أحكمهن وفرغ منهن. وفى الشرع: تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات. وا لأصل في القضاء ومشروعيته، الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. فأما الكتاب: فمثل قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ الناس بِالْحَق ولا تَتَّبع الْهَوَى﴾ وقوله: ﴿وأنِ احكم بَيْنَهُمْ بما أنزل الله﴾ وغيرهما. وأما السنة، فكثيرة، ومنها: - ما جاء في الصحيحين عن عمرو ابن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فاخطأ فله أجر". وأجمع المسلمون على مشروعيته. ويقتضيه القياس، فلا تستقيم ًالأحوال إلا به، وهو فرض كفاية. قال في (المعنى) : [وفيه فضل عظيم لِمن قَوِىَ على القيام به، وأداء الحق فيه، ولذلك جعل الله فيه أجراً مع الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ، ولأن فيه أمرا بالمعروف، ونصرة للمظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه وردعاً للظالم عن ظلمه، وإصلاحا بين الناس، وتخليصا لبعضهم من بعض، وذلك من أبواب القرب. ولذلك تولاه النبي ﷺ والأنبياء قبله، فكانوا يحكمون لأممهم. وبعث ﷺ عَلِيا إلى اليمن قاضيا، وبعث مُعَاذاً قاضيا. وقد روى عن ابن مسعود أنه قال: لأنْ أجلس قاضيا بين اثنين، أحب. إلى من عبادة سبعين سنة.

стр. 679

وفيه خطر عظيم ووزر كبير، لمن لم يؤدِّ الحق فيه. ولذلك كان السلف رحمة الله عليهم يمتنعون منه أشد الامتناع، ويخشون على أنفسهم خطره] . أما حكمته التشريعية: فيكفيك منها ما ذكره (صاحب المغنى) . ولا يمكن حصر ما فيه من حِكَمٍ وأسرار. وقال الإمام أحمد: [لابد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟] . ولولا القضاء وفصل الخصومات، ورد المظالم، وتبيين الحق، لصارت الحياة فوضى. فيكفى أنه ضرورة من ضرورات الحياة: الحديث الأول عَنْ عائشَةَ ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "مَنْ أحدَثَ فِي أمْرِنَا هذا ما ليسَ مِنْهُ فهُوَ رَدٌّ". وفي لفظ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيسَ عليه أمْرُنَا فَهوَ رَدٌّ ". المعنى الإجمالي: هذا حديث جليل، وأصل عظيم في الشريعة، وقاعدة من قواعد الإسلام العظمى. فقد أبان أن كل أمر ليس من شرع اللَه تعالى، وكل عمل لا يقوم على أمر الله، فهو مردود باطل، لا يعتد به ولا بما يترتب عليه، فهذا من جوامع كلمِهِ ﷺ ، جعله مقياساً لجميع الأمور والأعمال فما كان منها على مراد اللَه وشرعه، فهي المقبولة. وما كان على غيرِ أمره ولا شرعه، فهي المردودة. ما يستفاد من الحديث: ١- قال النووي: " وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، ومن جوامع كلمه ﷺ . ٢-وقال أيضاً: فإنه (أي: الحديث) صريح في رد كل البدع والمخترعات (١) . ٣- وقال أيضاً: " وفي هذا الحديث دليل لمن يقول من الأصوليين إن النهي يقتضي الفساد ". ٤- وقال أيضا: "وهذا الحديث ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به ".

стр. 680

٥- وفيه دليل على أن الأصل في العبادات الحظر، فلا يشرع منها ولا يزاد فيها إلا ما شرعه الله ورسوله. ٦- قال النووي أيضاً: (فيه دليل على أن المأخوذ بالعقد الفاسد يجب رده على صاحبه ولا يملك) . ويدل عليه أيضا حديث (وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة) . فقال ﵊: " الوليدة والغنم رَدُّ عليك ". ٧- قال النووي أيضا: " وفيه دليل على من ابتدع في الدين بدعة لا توافق الشرع فإثمها عليه، وعمله مردود عليه، وأنه يستحق الوعيد ". ٨- قال شيخنا "عبد الرحمن بن سعدي": [ووجه مناسبة هذا الحديث لهذا الباب: أنه لو تبين أن حكم القاضي مخالف لأمر الرسول فإنه يرد، وأن القضاء يترتب على أحكام الشرع، فلا يلتفت إلى ما يحدثه القضاة] . ٩- قال الصنعاني: يفيد أن كل عمل ليس عليه أمره ﷺ مردود، والذي عليه هو كل ما دل عليه الكتاب والسنة، وليس محدثاً مبدعا في الدين، فإنه مردود على فاعله وكل أمر كان عليه أمره ﷺ فإنه مقبول. فإن هذا الحديث نصف العلم، بل العلم كله، إذ منطوقه دال على رد كل عمل لم يكن عليه أمره ﷺ ، ومفهومه أفاد أن كل عمل كان عليه أمره ﷺ مقبول. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: دعاوى التهم مثل القتل أو قطع الطريق أو السرقة والعدوان على الخلق بالضرب وغيره (تنقسم) إلى ثلاثة أقسام: ١- إن كان المتهم برا لم تجز عقوبته بالاتفاق. ٢- أن يكون مجهول الحال لا يعرف ببر أو فجور، فهذا يحبس حتى تنكشف حاله عند عامة علماء الإسلام والحبس ليس هو السجن، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء في بيت أو بتوكيل نفس الخصم عليه. ٣- أن يكون المتهم معروفا بالفجور، فإذا جاز حبس المجهول فحبس المعروف بالفجور أولى، وما علمت أحدا من أئمة المسلمين قال: إن المدعى عليه في جميع هذه الدعاوى يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره. ومن زعم أن هذا على إطلاقه وعمومه هو الشرع فهو غالط غلطاً فاحشاً مخالفاً لنصوص رسول الله ﷺ ولإجماع الأمة، وبمثل هذا الغلط

стр. 681

الفاحش استجرأ الولاة على مخالفة الشرع واعتدوا حدود الله في ذلك، وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج الناس عنه إلى أنواع من البدع السياسية. الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْت عتْبَةَ امرأة أبي سُفْيَانَ، عَلى رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَتْ: يا رسول الله، إنَ أبَا سُفيَانَ رجل شَحِيح، لا يعطيني مِنَ النفَقَةِ مَا يكفيني وَيَكْفِى بَنىَّ، إلا ما أخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذلكَ مِن جُنَاح؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " خُذِي منْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ ويَكْفي بَنِيكِ ". ما يستفاد من الحديث: يؤخذ من هذا الحديث فوائد وأحكام، سألخصها من شرح الإمام النووي على صحيح مسلم وأزيد عليها ما تيسر نقله أو فهمه، وبالله التوفيق: ١- وجوب نفقة الزوجة والأولاد الفقراء والصغار. ٢- أن النفقة تقدر بكفاية المنفق عليه وحاله. ٣- جواز سماع كلام الأجنبية للحاجة. والله المستعان. ٤ جواز ذكر الإنسان بما يكره للشكوى والفتيا، إذا لم يقصد الغيبة. ٥- فيه [مسألة الظفر] وهى أن من كان له على إنسان حق فمنعه منه وتمكن من أخذه منه بغير علمه فهل له ذلك أو لا؟ المذاهب فيها ثلاثة: ١- المنع مطلقاً. ٢- والجواز مطلقاً. ٣- والتفصيل: وهو أنه من كان حقه ظاهرا كالنفقة جاز أن يأخذ بقدر حقه وإن كان سبب حقه خفيا، كوديعة، لم يجز له أن يأخذ شيئا لقوله ﵊: "ولا تخن من خانك" وفيه فتح باب للشر، وسد الذرائع مطلوب. وهذا التفصيل هو الصحيح من الأقوال. ٦- اختلف العلماء: هل هذا الحكم من الني ﷺ لهند قضاء أو فتوى؟ فيترتب عليهما ما يأتي؟:

стр. 682

إن كان قضاء، ففيه الحكم على الغائب، وإن كانت فتوى فليس فيه دليل. إن كان قَضاء، ففيه أنه لا يجوز لغير هند أن تستقل بنفقة أولادها إلا بإذن القاضي، وإن كانت فتوى فيجوز الإنفاق لكل امرأة أشبهتها. والصحيح أنها فتيا من النبي ﷺ لا قضاء، ومذهبنا أنه قضاء. ٧- وفيه اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي، فقد جعل لها من النفقة الكفاية، وهذا راجع إلى ما كان متعارفا في نفقة مثلها وأولادها. الحديث الثالث عَنْ أم سَلَمةَ ﵂: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهمْ فَقَالَ: "ألا إنَّمَا أنَا بَشَرٌ مِثْلكُمْ وَإنَّمَا يَأتيني الْخَصْمُ، فَلَعَلِّ بَعْضَكُم أن يَكُونَ أبْلَغَ مِنْ بَعْض، فَأحْسَبُ أنهُ صَادِقٌ فَأقْضي لَهُ، فمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَق مسلم، فَإنَّمَا هِي قِطْعَةٌ مِنَ النًارِ فَلْيَحْمِلْهَا أوْ يَذرْهَا". الغريب: جلبة: بفتح الجيم واللام والباء الموحدة، وهي اختلاط الأصوات. لِيَذرْهَا: ليتركها، و [أو] ليست للتخيير، بل للتهديد والوعيد. المعنى الإجمالي: سمع النبي ﷺ أصوات خصوم مختلطة، لما بينهم من المنازعة والمشاجرة عند بابه فخرج إليهم ليقضي بينهم فقال: إنما أنا بشر مثلكم، لا أعلم الغيب، ولا أخبر ببواطن الأمور، لأعلم الصادق منكم من الكاذب، وإنما يأتنيي الخصم لأحكم بينهم، وحكمي مبني على ما أسمعه من حجج الطرفين وبيِّناتهم وأيْمَانِهِم، فلعل بعضكم يكون أبلغ وأفصح وأبينَ من بعض فأحسب أنه صادق مُحِق، فأقضي له. مع أن الحق- في الباطن- بجانب خصمه، فأعلموا أن حكمي في ظواهر الأمور لا بواطنها، فلن يحل حراما، ولذا فإن من قضيت له بحق غيره وهو يعلم أنه مبطل، فإنما أقطع له قطعة من النار، فليحملها إِن شاء، أو ليتركها. فعقاب ذلك راجع عليه، والله بالمرصاد للظالمين. ما يستفاد من الحديث ١- فيه أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب والأمور الباطنة إلا بتعليم الله له، ونبه على ذلك بقوله: [إنما أنا بشر] . فلا يجوز أن يرفع فوق قدره الرفيع، الذي جعله الله له، ﷺ .

стр. 683

٢- أنه يجوز عليه ﷺ في أمور الأحكام، ما يجوز على غيره. فإنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر، والله يتولى السرائر، فهو يحكم بالبينة واليمين ونحو ذلك من أحكام الظاهر، مع إمكان كونه في الباطن خلاف ذلك. ٣- إنما كلف بالحكم بالظاهر، مع إمكان إطلاع الله إياه على الباطن، فيحكم بيقين نفسه من غير حجة أو يمين، ليكون قدوة وتشريعا لأمته. ٤- فيه تسلية وعزاء للحكام. فإنه إذا كان النبي ﷺ قد يظن غير الصواب لقوة حجة الخصم فيحكم له، فإن غيره من باب أولى وأحرى. ٥- اتفق الأصوليون على أنه ﷺ لا يُقَر على خطأ. في الأحكام. فكيف التوفيق بين هذا الإجماع وهذا الحديث؟ قال النووي: والجواب: أنه لا تعارض، لأن مراد الأصوليين فيما حكم فيه باجتهاده. وأما الذي في الحديث، فمعناه إذا حكم بغير اجتهاد كالبينة، فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح بناء على ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بالشاهدين مثلا، فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك، فالتقصير منهما، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإن هذا الذي حكم به ليس هو حكم الشرع. ٦- أن حكم الحاكم لا يحيل ما في الباطن، ولا يحل حراما، وهو مذهب جماهير علماء المسلمين، وفقهاء الأمصار، ومنهم الأئمة الثلاثة، مالك، والشافعي، وأحمد. فإذا حكم له الحاكم بالزوجة التي يعلم أنه ليست له زوجة، فلا تحل له، أو بالمال الذي يعلم أنه مبطل في دعواه، فلا يحل له، ونحو ذلك. ٧- التقييد ب (المسلم) خرج مخرج الغالب، وإلا فمثله الذمي والمعاهد. ٨- قوله: "فليحملها أو ليذرها" فيه تهديد شديد ووعيد أكيد على من أخذ أموال الناس بالدعاوى الكاذبة والحيل المحرمة، فهذا التعبير شبيه بقوله تعالى ﴿اعملوا ما شئتم﴾ . ٩- قال شيخ الإسلام: الصحابة إذا تكلموا باجتهادهم ينزهون شرع الرسول ﷺ عن خطئهم وخطأ غيرهم كما قال ابن مسعود في المفوضة: أقول فيها برأي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله. ورسوله بريئان منه وكذلك روي عن الصديق في الكلالة، وكذلك عن عمر.

стр. 684

الحديث الرابع عَنْ عَبْد الرَّحْمنِ بن أبي بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أبي وَكَتَبْتُ لهُ إلى ابنه عُبْد الله أبى بَكْرَةَ- وَهُوَ قَاض بِسِجِسْتَانَ-: أن لا تَحْكُمْ بَيْنَ اثْنَينِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإني سَمعْتُ رسوُلَ الله ﷺ يَقُولُ: "لا يحَكُمْ أحد بَيْنَ اثْنَيْن وَهُوَ غَضْبَانُ". وفي رواية: "لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْن وَهُوَ غَضْبَانُ". ما يستفاد من الحديث: ١- فيه أنه يحرم على القاضي أن يحكم بين الخصمين وهو غضبان. قال في [العدة شرح العمدة] : لا نعلم بين أهل العلم خلافا في ذلك. ٢- علة النهي أن الغضب يشوش على القاضي فيمنعه من سداد النظر في الدعوى، واستقامة الحال. ٣- ألحق العلماء- لهذا المعنى- كل ما يمنع القاضي من حسن النظر في القضية ويشوش فكره من جوع مُقلِق، أو شبع مُفْرِط، أو هم مزعج، أو برد، أو حر شديدين، أو نحو ذلك مما يشغل الخاطر. ٤- أنه إذا حكم في بعض هذه الأحوال فأصاب الحق، صح حكمه ونفذ. ٥- في الحديث، النصح للمسلمين، لاسيما ولاة الأمر الذين- بصلاحهم واستقامة أحوالهم- يصلح المسلمون. فنصحهم بالطرق الحسنة من أفضل القرَبِ والطاعات، ومن أرجى الوسائل لإصلاحهم. الحديث الخامس عَنْ أبى بَكرْ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "ألا أنبِّئُكُمْ بأكبرِ الْكبائِرِ"؟ ثَلاثاً: قُلْنَا: بَلَى يا رسول الله. قَال: " الإشْرَاكُ بالله، وَعُقُوق الْوَالِدَيْنِ " وَكَانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فقال: " ألا وَقَوْلُ الَزُورِ؛ وشهادة الزُّورِ " فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. المعنى الإجمالي: يعظ النبي ﷺ أصحابه، مبينا لهم مهلكات الذنوب وموبقات المعاصي بطريق التنبيه، ليستعدوا لتلقي العلم وتتفتح أسماعهم لقبوله فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ يكرر ذلك عليهم ثلاثا، ليشتاقوا إليه فيعلق بأذهانهم

стр. 685

قلنا: بلى يا رسول الله. فابتدأ بأعظم الذنوب وأشدها خطرا، وهو الشرك بمن أسبغ عليك أنواع النعَم ودفع عنك أصناف النقَم. فهل جزاؤه أن يشرك معه في عبادته غيره؟ فمن أشرك فجزاؤه الخلود في النار وبئس القرار. ثم يُثَنَّى بحق أعظم الناس عليك مِنَةً. وأكبرهم حقاً، وهما الوالدان اللذان جعلهما الله السبب في وجودك في هذه الحياة، وأولياك من البر والعطف واللطف في ضعفك وصغرك، مالا تقدر على مكافأته. فمن أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب، جحد حقهما، وتناسى فضلهما، ومقابلة هذا الإحسان الكبير بالعقوق والكفران. يحدث النبي ﷺ أصحابه بهذه المواعظ وهو متكئ. فلما أراد أن يحذرهم من شهادة الزور، اهتم وتحفز، فاعتدل في جلسته لعظم الأمر وجلل الخطب فقال: "ألا وقول الزور، وشهادة، الزور". فما زال يكررها ويحذر منها حتى اشتد به الأمر وتمنى الصحابة أن يسكت، لما حصل عنده من التأثر والتحمس عند ذكرها، لما في هذه الشهادة [الآثمة] من الأضرار الكثيرة والمفاسد الكبيرة، من تضليل الحكام عن صواب الحكم، ومن قطع حق المحق، ومن إدخال الظلم على المبطل، ومن الكذب عند القضاة وفي مقام الحكم، إلى غير ذلك من المفاسد التي يطول عدها، ولا يمكن حصرها. نسأل الله العافية منها. ما يستفاد من الحديث: ١- تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر، ويدل له أيضاً قوله تعالى: ﴿إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَونَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنْكُم سيِّئاتكم﴾ . ٢- اختلف العلماء في تمييز الكبيرة من الصغيرة. وأحسن ما حدت به الكبيرة ما قاله شيخ الإسلام (ابن تيميه) : (إنها مافية حَد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو ختم بلعنة، أو غضب، أو نفي إيمان، أو دخول جنة) فهو الكبيرة. ٣- أن أعظم الذنوب الشرك بالله، لأنه جعله صدر الكبائر وقد قال تعالى ﴿إن الله لا يَغْفِرُ أن يشرَكَ به وَيَغْفِرُ مَادونَ ذلِكَ لِمَنْ يشَاء﴾ وهل هنا أشد من جحد نعم الرب ﵎، بصرف شيء من عبادته إلى غيره؟! ٤- عظم حقوق الوالدين، إذ قرن حقهما بحق الله تعالى. وقد ذكر الله تعالى حقهما مع حقه في كثير من مواضع القرآن الكريم ﴿أن اشكر لي وَلِوَاِلدَيْكَ﴾ ﴿وَقَضَى ربكَ أن لا تَعْبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 686

٥- خطر شهادة الزور وقول الزور وتحريمه، فقد اهتم بهما النبي ﷺ باعتدال هيئته، وتكرير التحذير منهما، لما فيهما من المفاسد العظيمة، من قطع حق صاحب الحق، وإدخال الظلم على المشهود له، والكذب، والبهتان، وتضليل القضاة، فيحكموا بما هو خلاف الحق في الباطن، إلى غير ذلك من المفاسد العظمى. ٦- اهتم (١) النبي ﷺ لشهادة الزور، لأن الناس يتساهلون فيها فيجترئون عليها أكثر مما يجترئون على غيرها من المعاصي. ٧- نصح النبي ﷺ وتبليغه لأمته كل ما ينفعهم، وتحذيره مما يضرهم. فصلوات الله وسلامه عليه. ٨- حسن تعليمه ﷺ حينما ألقى عليهم هذه المسائل المهمة بطريق التنبيه، ليكون أعلق في أذهانهم، وأرسخ في قلوبهم. ٩- يراد بعقوق الوالدين، كل ما يكرهان من الأقوال والأفعال. والنهىُ عن عقوقهما، يستلزم برهما، وهو القيام بما يحبانه- غير معصية الله- والبر بهما في الحياة وبعد وفاتهما. وجاء النَهيُ عن عقوقهما بأقل مراتبه- وهو التأفف- إشارة إلى ما فوقه من أنواع الأذى. الحديث السادس عَنْ ابْنِ عباس ﵄: أنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: لو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رجال وأموالهم وَلكِنَّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ". المعنى الإجمالي: يبيِّن النبي ﷺ أن من ادَّعى (٢) على أحد، فعليه البينة لإثبات دعواه. فإن لم يكن لديه بينة، فعلى المدَّعَى عليه اليمين لنفي ما ادُّعِىَ عليه من حق الدعوى، وصارت اليمين في جانبه، لأنها تكون مع الأقوى جانباً. وقوى جانبه، لأن الأصل براءته مما وُجه إليه من الدعوى. ثم ذكر النبي ﷺ الحكمة في- كون البينة على المدعى واليمين على من أنكر، وهى أنه لو أعطي كل من ادعى دعوى ما ادعاه، لادَّعى من لا يراقب الله ولا يخشى عقابه- وما أكثرهم-

стр. 687

على الأبرياء، دماء وأموالا يبهتونهم فيها. ولكن الحكيم العليم جعل حدودا وأحكاماً لتخف وطأة الشر، ويقل الظلم وا لفساد. ما يستفاد من الحديث: ١-قال ابن دقيق العيد: (الحديث دليل على أنه لا يجوز الحكم إلا بالقانون الشرعي، الذي رتب، وإن غلب على الظن صدق المدعى. ٢- أن اليمين على المدعى عليه. وفي رواية البيهقى: أن البينة على المدَّعى. ٣- كون اليمين في جانب المدعى عليه لأنه أقوى، لأن الأصل براءة ذمته، فاكتفى منه باليمين. ٤- الحكمة في عدم قبول دعوى المدعى إِلا بالبينة والاكتفاء من المدعى عليه باليمين ما نبه عليه النبي ﷺ بقوله: (لو يعطى الناس بدعواهم لادًعَى رجال دماء رجال وأموالهم ". ٥- بهذا تعلم أن هذا الحديث قاعدة عظمى من قواعد القضاء، فعليها يدور غالب الأحكام. ٦- البينة: اسم لكل ما أبان الحق وأظهره، من الشهود وقرائن الحال، ووصف المدَعَى في نحو اللقطة. قال ابن رجب: (كل عين لم يدً عِهَا صاحب اليد، فمن جاء فوصفها بأوصافها الخفية فهي له) . وفي هذه البيِّنات حيازة اليد. فإن نازعه أحد ما في يده، فهي لصاحب اليد بيمينه، ما لم يأت المدعِى ببينة أقَوى من اليد.

стр. 688

كِتَابُ الأطعمة الأصل في الطعام والشراب واللباس، الحل. فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله لأنها داخلة في عموم العادات المبنية على الحل، والمحرم منها معدود مما يدل على بقاء المتروك على أصله وهو العفو. الحديث الأول عَنِ النُعْمَانِ بْنِ بَشِير ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول- وَأشارَ (وفي رواية- وأهوى) النُّعْمَانُ بإصبعيه إلَى أذنيه: - "إنَّ الْحَلالَ بيِّن، وإنَّ الْحَرَامَ بَيِّن. وبينهما أمور مُشْتَبهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ الناس". فَمَنِ اتَقى الشبهات استبرأ لِدِينهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشبهَاتِ وَقَعَ في الْحَرام، كَالرَّاعي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ. ألا وَإنً لِكلٌ مَلِكٍ حِمىً، ألا وإن حِمَى الله مَحَارِمُهِ. ألا وَإنَّ في الجسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُه ألا وَهِي القلب". الغريب: مُشْتبهات: بضم الميم وسكون الشين. استبرأ: بكسر الهمزة- من البراءة، أي حصل له البراءة من الذم الشرعي، وصان عرضه عن ذم الناس. الحمى: بكسر الحاء وفتح الميم المخففة مقصور، أطلق المصدر على اسم المفعول. يوشك: بضم الياء وكسر الشين، بمعنى: يسرع ويقرب. يرتع: رتعت الماشية، أكلت وشربت ما شاءت في خصب وسعة. توسع به، فأطلق على المتدرج من المشتبه إلى المحرم. مضغة: بضم الميم وسكون الضاد المعجمة، بعدها غين معجمة، بعدها تاء، هي القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ الماضغ، والمضغ: العلك. المعنى الإجمالي: سمع النعمان بن بشي ﵄ النبي ﷺ يقول وأكد سماعه منه بإشارته إلى أذنيه: إن

стр. 689

الحلال بين حكمه، واضح أمه، لا يخفى حِلهُ، وذلك كالخبز، والفواكه، والعسل، واللبن، وغير ذلك من المأكولات، والمشروبات، والملابس، وغير ذلك من الكلام، والمعاملات، والتصرفات. وأن الحرام بين حكمه، واضح تحريمه، من أكل الخنزير، وشرب الخمر، ولبس الحرير والذهب للرجل، والزنا، والغيبة، والنميمة، والحقد، والحسد وغر ذلك. فهذان القسمان بينا الحكم، لما ورد فيهما من النصوص الواضحة القاطعة، وإن هناك قسما ثالثا مشتبه الحكم، غير واضح الحل أو الحرمة، وهذا الاشتباه راجع إِلى أمور. منها: تعارض الأدلة، بحيث لا يظهر الجمع لا الترجيح بينها، فهذا مشتبه في حق المجتهد الذي يطلب الأحكام من أدلتها. فمن انبهم عليه الحكم الراجح، فهو في حقه مشتبه، فالورع اتقاء الشبهة ومنها تعارض أقوال العلماء وتضاربها، وهذا في حق المقلد الذي لا ينظر في الأدلة. فالورع في حق هذا، اتقاء المشتبه. ومنها: ما جاء في النهى عنها حديث ضعيف، يوقع الشك في مدلوله. ومنها: المكروهات جميعها، فهي رقية (أي: سُلَّم يوصل) إلى فعل المحرمات والإقدام عليها. فإن النفس إذا عصمت عن المكروه، هابت الإقدام عليه ورأته معصية فيكون حاجزا منيعا عن المحرمات. ومنها: المباح الذي يخشى أن يكون ذريعة إلى المحرم، أو يجر- في بعض الأحول- إلى المحرم، ومثله الإفراط في المباحات فتسبب مجاوزته إلى الحرام، إما عند فقده، أو للإفراط فيما هو فيه. وقد كان السلف ﵃، يتركون المباحات اليسيرة، خوفاً من المكروه والحرام. ثم ضرب ﷺ مثلا للمحرمات، بالحمى الذي يتخذه الخلفاء والملوك مرعى لدوابهم. ومثَّل المُلمَّ بالمشتبهات، بالراعي الذي يسيم ماشيته حول الحمى، فيوشك ويقرب أن ترعى ماشيته فيه، لقربه منه، كذلك الملم في المشتبهات، يوشك أن يقع في المحرمات، وهو تصوير بديع، ومثال قريب. ثم ذكر ﷺ أن في الجسد لحمة صغيرة لطيفة، بقدر ما يمضغ، وأن هذه القطعة من اللحم، هي القلب، وأن هذا القلب، هو السلطان المدبر لمملكة الأعضاء وما تأتي من أعمال، كما أن عليه مدار فسادها وما تجره من شر. فإن صلح هذا القلب، فإنه لن يأمر إلا بما فيه الخير وسيصلح الجسد كله. وإن فسد، فسيأمر بالفساد والشر، وتكون الأعمال معكوسة منكوسة والله ولى التوفيق. وبالجملة، فهذا حديث عظيم جليل، وقاعدة من قواعد الإسلام، وأصل من أصول الشريعة، عليه لوائح أنوار النبوة ساطعة، ومشكاة الرسالة مضيئة، فهو من جوامع كلم النبي ﷺ .

стр. 690

ويحتاج استيفاء الكلام عليه إلى مصنف مستقل طويل. وهذه نبذة تفتح الباب أمام طالب العلم، ليراجع ويتدبر، ويفكر، وسيجد فيه من كنوز المعرفة، الخير الوفير. والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. فوائد: قال القحطاني: كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه، والذي شككت فيه هو محل الريبة، فإن الريبة الشك والتردد، وحديث "دع ما يريبك" أفاد أنك إذا شككت في شيء فدعه، واترك ما تشك فيه. قال الغزالي: الورع أقسام: ورع الصديقين: وهو ترك ما يتناول لغير نية القوة على العبادة. وورع المتقين: وهو ترك مالا شبهة فيه، ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام. وورع الصالحين: وهو ترك مالا يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع فإن لم يكن له موقع فهو ورع الموسوسين. وقال شيخ الإسلام ابن تيميه: الفرق بين الزهد والورع أن الزهد ترك مالا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخاف ضرره في الآخرة. قال ابن القيم: إن هذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها. وقال أيضاً: التحقيق أنها (أي النعم) وإن شغلته عن الله تعالى فالزهد فيها أفضل، وإن لم تشغله عن الله بل كان شاكراً فيها فحاله أفضل، والزهد فيهِا تجريد القلب عن التعلق بها والطمأنينة إليها. قال الصنعاني: واعلم أنه يجمع الورع كله قوله ﷺ " من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه والحديث يعم الترك لما لا يعنى من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي وسائر الحركات الباطنة والظاهرة فهذه الحكمة النبوية شافية، في الورع كافية. الحديث الثاني عَنْ انس بن مَالِكٍ رضيَ الله عَنْة قَالَ: أنفَجْنَا أرنباً بمر الظَّهران فَسَعَى القَوْمُ فَلغَبُوا، وَأدركتُهَا فَأخَذْتُهَا، فَأتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ إلَى رَسُولِ الله ﷺ بِوَرِكِهَا أو فَخِذِهَا فَقَبِلَهُ.

стр. 691

الغريب: أنفجنا أرنباً: بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الفاء، وسكون الجيم، أي أثرناها. بمر الظهران: بفتح الميم والظاء المعجمة، موضع شمال مكة، على طريق المدينة حين كان السفر على الدواب، ويبعد عن مكة بنحو ٢ كيلو، ويسمى الآن [وادي فاطمة] . فلغبوا: قال الزركشي: بفتح الغين المعجمة، وفي لغة ضعيفة كسرها، حكاه ابن سيده، والجوهري، ومعناه: أعيوا، والمصدر: اللغوب، بضم اللام. ما يستفاد من الحديث: ١- فيه حل الأرنب، وأنها من الطيبات، وعلى حلها أجمعت الأمة. ٢- قبول النبي ﷺ للهدية، قليلة كانت أو كثيرة. ٣- أن التهادي من أخلاق النبي ﷺ وهديه، لما فيه من التوادد والتواصل. فينبغي أن يشيع هذا بين المؤمنين، خصوصا الأقارب والجيران. الحديث الثالث عَنْ أسْماء بنْتِ آبي بَكر ﵄ قالت: نَحَرنا عَلَى عَهْدِ رَسُول الله ﷺ فَرَساً فأكلناه". وفي رواية: "وَنَحْنُ في المَدِينَةِ". ما يستفاد من الحديث: ١- الحديث دليل على حل أكل لحوم الخيل، إذ أكل على عهد النبي ﷺ وأقر عليه. وقد جاء الحديث في الصحيحين وغيرهما بلفظ "ذبحنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه، نحن وأهل بيتهط ويأتي ذكر من خالف في حِله. ٢- جاء في بعض الألفاظ "الذبح" وفي بعضها "النحر" والنحر: هو الضرب بالحديدة في اللبة حتى يفرى أوداجها وهو الإبل. والذبح- هو قطع الأوداج، وهو لغير الإبل من الحيوانات، ولعله حمل النحر على الذبح توسعا ومجازا. ٣- قولها. "ونحن في المدينة" يرد على من قال: إن حلها نسخ بغرض الجهاد، بسبب الاحتياج إليها.

стр. 692

الحديث الرابع عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁: أنَّ النَبي ﷺ نَهَى عَنْ لُحُوم الْحُمُرِ الأهلية وأذِنَ في لحوم الخيل. ولـ"مسلم" وحده قال: أكَلْنَا زَمَنَ خيبر الخيل وَحُمُرَ الْوَحْش، وَنَهَى النَّبي ﷺ لا عَنِ الْحِمَارِ الأهْلي. الحديث الخامس عَنْ عبد الله بن أبي أوفَي قَال: أصابتنا مَجَاعَةَ ليالي خيبرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيبرَ وقعنا في الحُمُر الأهَلِيَّةِ فَانتحَرناهَا، فلَما غَلَتْ بهَا الْقُدُورُ نادى مُنَادِى رسول الله ﷺ : (أن أكفئوا القدور- وَربَّمَا قَالَ: (وَلا تَأكُلُوا مِنْ لُحُوم الحمر الأهلية شَيْئا) . الحديث السادس عَنْ أبي ثَعْلَبَةَ ﵁ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ الله ﷺ لُحُومَ الحمر الأهليةِ. الغريب: الحمر الأهلية: بضم الحاء والميم، نسبت إلى الأهل لكونها مستأنسة مع الناس. حمر الوحش. سميت وحشا لكونها متوحشة مبتعدة عن الناس، وهي صيد، وفيه من صفات الحمار الأهلي، إلا أنه أقل منه خلقة ويسمى الآن [الوضيحي] . أكفئوا القدور: بهمزة القطع (من أكفأ) الرباعي. وبعضهم رواه بهمزة الوصل من (كفأت) الثلاثي، ومعناه القلب. ما يستفاد من هذه الأحاديث الثلاثة: شرحنا هذه الأحاديث جميعا لكونها متفقة المعاني وهي: ١- النهي عن لحوم الحمر الأهلية وتحريم كلها. قال ابن عبد البر [لا خلاف بين أهل العلم اليوم في تحريمها] وكانت قبل تحريمها والأمر بإراقتها من القدور، باقية على أصل الحل. ٢- أن العلة في تحريمها كونها رجساً نجسة مستخبثة، وقد جاء في الحديث "فإنها رجس" فيكون بولها وروثها ودمها نجساً.

стр. 693

٣- حل لحوم الخيل لأنها مستطابة طيبة، ويأتي- إن شاء الله- ذكر من خالف في حلها. ٤- حِلُّ الحمر الوحشية، لأنها من الصيد الطيب، وهن الوضيحيات. اختلاف العلماء: ذهب أبو حنيفة، ومالك في بعض أقوالهما، إلى تحريم لحوم الخيل، وفِى بعضها الآخر، إلى الكراهة، وذهب بعض أصحابه إلى التحريم وبعضهم إلى الكراهة- واستدلوا على ذلك بما يأتي: ١- قوله تعالى: ﴿والخيل وَالبِغَالَ والحَمِيرَ لتر كَبُوهَا وزينَة﴾ . ووجه الدلالة من الآية أنها قرنت مع البغال، والحمير، وهى محرمة. وأيضاً فإن [اللام] في قوله ﴿لتركبوها﴾ للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك، لأن العلة المنصوص علها تفيد الحصر، فحل أكلها يقتضي خلاف الظاهر من الآية. وأيضا فإن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها في الأكل، لكان الامتنان به أعظم. ٢- ما رواه الطحاوي، وابن حزم عن جابر قال: (نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل والبغال) . وما رواه أصحاب السنن عن خالد بن الوليد: (أن الني ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الخيل) . ٣- ما بين الخيل والحمر من شبه قوي، يوجب إلحاق الخيل بالحمر. وذهب الشافعي، وأحمد، والليث، وحماد، وأبو ثور، إلى حِلها. وروى عن ابن الزبير، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، والأسود، وابن المبارك. واحتجوا بالأحاديث والآثار المتواترة بحلها، فهي داحضة لكل حجة، رادة لكل دليل. واستدلوا بأنه عمل الصحابة جميعاً، فقد نقل الحل بعض التابعين عن الصحابة من غير استثناء أحد. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح على شرط الصحيحين، عن عطاء قال لابن جريح: (لم يزل سلفك يأكلونه، قال ابن جريح: قلت: الصحابة؟ فال: نعم. وأجابوا عن أدلة الحنفية والمالكية بما يأتي: أما الآية الكريمة فليس فيها دليل، لأنها مكية

стр. 694

إجماعا، وهذه الأحاديث مدنية إجماعا، فيكون الإذن بحلها بعد نزول السورة. وهذه المحاولات في الاستدلال لا تكفى دليلا، لأنا لو سلمنا أن [اللام للتعليل] فلن نسلم إفادتها للحصر في الركوب والزينة، فإنه ينتفع بالخيل نمو غيرهما اتفاقا، وإنما ذكر في الآية أغلب المنافع. وأما دلالة العطف والاقتران، فهي ضعيفة لا يحتج بها، خصوصاً وأنها في مقابلة هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة. وأما الامتنان، فقد ذكر باعتبار الغالب عند العرب بحبهم لذلك في السرور بالنظر إلى حسنها في غدوها، ورواحها، وركوبها للصيد، الذي هو أكبر اللذات، وعند الغارات، ومجابهة الأعداء في الكر والفر. ولا يلزم أن تذكر نعم الله تعالى في مقام واحد، فله- ﵎ النِّعَم العظيمة، والآلاء الجسيمة، وهي معروفة. أما قياس الخيل على الحمر، فلا يلتفت إليه مع النص. وأما الحديث الذي رواه الطحاوى، ففيه عكرمة بن عمار عن يحي ابن أبي كثير. قال الطحاوى: وأهل الحديث يضعفونه. قال ابن حجر: لاسيما في يحي بن أبي كثير. وقال يحي بن سعيد القطان: أحاديثه عن يحي بن أبي كثير، ضعيفة. وقال البخاري: حديثه عن يحي، مضطرب وكلام أئمة الحديث فيه كثير. وأما الحديث المنسوب إلى خالد بن الوليد، فقد قال العلماء: إنه شاذ منكر، لأن في سياقه أنه شهد خيبر، وهو خطأ، فإنه لم يسلم إلا بعدها. الحديث السابع عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: دَخَلْتُ أنا وَخَالِدُ بْن الوَلِيدِ مَعَ رَسُولَ الله ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأتي بضب مَحْنُوذٍ، فأهوى إلِيْهِ رسول الله ﷺ بيده. فَقَالَ بَعْضُ النسْوةِ اللاتي في بيت مَيْمُونَةَ: أخْبرُوا رَسُولَ الله ﷺ بِمِا يُرِيدُ أنْ يأكل. فَقلْتُ: تأكُلُهُ؟ هُوَ ضب! فَرَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَهُ فَلَمْ يَأكُلْ، فَقُلتُ: يا رسول الله، أحرام هُوَ؟ قال: "لا. وَلكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْض قَوْمي، فأجدني أعَافُهُ". قَالَ خَالِد: فاجتررته فَأكَلْتُهُ وَالنَّبي ﷺ يَنْظُرُ إلَيَّ. المحنوذ: المشوي بالرضيف (وهي الحجارة المحمَّاة) .

стр. 695

الغريب: بضب: بفتح الضاد وتشديد الباء. هو دابة فيه شبه بالحر بلا. وهو معروف، في الصحراء مسكنه. محنوذ: بفتح الميم وسكون الحاء وضم النون، وبعدها واو، ثم ذال معجمه هو المشوي بالحجارة المحماة، ولا تزال البادية تفعل هذا. ويقال له في الحجاز: [مضبي] وهو استعمال فصيح، قال ابن فارس [ضبته النار إذا شوته] . ما يستفاد من الحديث: ١- فيه دليل على إباحة أكل الضًب من سؤالهم وجوابه: (حرام هو يا رسول الله؟ قال: لا) . ومن تقريره خالد بن الوليد على أكله مع علمه بذلك. ويفهم من حال أهله أن حِلًه متقرر لديهم، لأنهم طبخوه وقدموه للأكل. فإنهم لم يخبروه أنه ضب ليسألوا عن حكم أكله، وإنما لإعلامه، فيجتنبه إن كانت نفسه لا تقبله وأجمع العلماء على حِل أكله. ٢- وفيه دليل على أن الكراهة الطبيعية من النبي ﷺ للشيء لا تحرمه لأن هذا شيء ليس له تعلق بالشرع، ومرده النفوس والطباع. ٣- حسن خلق النبي ﷺ ، إذ لم يعب الطعام. وهذه عادته الكريمة، إن طاب له الطعام أكل منه، وإلا تركه من غر عيبه. ٤- وفيه أن النفس وما اعتادته، فلا ينبغي إكراهها على أكل ما لم تشتهه ولا تستطيبه، فإن الذي لا ترغبه لا يكون مريئا، فيخل بالصحة. الحديث الثامن عَنْ عَبدِ الله بن أبي أوفَى قَالَ: غَزَوناَ مَعَ رَسُول الله ﷺ سَبعَ غَزَوَاتٍ نأكُلُ الجَرَادَ. ما يستفاد من الحديث: ١- فيه دليل على حِل أكل الجراد. قال النووي رحمه الله تعالى: وهو إجماع. ٢- وهو حلال بأي سبب صار موته، لأن النبي ﷺ قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان مما فأما الميتتان، فالجراد والسمك، وأما الدمان، فالكبد والطحال".

стр. 696

الحديث التاسع عَنْ زَهْدَم بْنِ مُضَرِّبٍ الْجَرْمي قالَ: كُنا عِنْدَ أبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ، فَدَعا بِمَائِدَةٍ وَعَلَيها لَحْمُ دجاج، فَدَخَلَ رَجُل مِنْ بَني تَيْم الله أحْمَرُ شبيهٌ بالموالي، فقَالَ لَهُ: هلمَّ! فتلكأ. فَقَالَ لَهُ: هلمَّ! فَإني رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَأكُلُ مِنْهُ. الغريب: زهدم بن مضرب الجرمي: بصري ثقة [زهدم] بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة و [مضرب] بضم الميم، وفتح الضاد المعجمة، وكسر الراء المهملة المشددة و [الجرمي] بفتح الجيم وسكون الراء المهملة، منسوب إلى (جَرَم بن زيان) قبيلة مشهورة من العرب من قضاعة، من القحطانية. تيم الله: بفتح التاء، بعدها ياء، ثم ميم. منسوبة إلى اسم الجلالة، هم بطن من إحدى قبائل العرب. هلم: بفتح الهاء، بعد لام مضمومة، ثم ميم مشددة. هي كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء. فأما الحجازيون فينادون بها بلفظ واحد، المفرد، والمثنى، والجمع. وبهذه اللغة جاء القرآن ﴿وَالقَائِلِينَ لإخوانهم هَلُم إلَيْنَا﴾ وأما النجديون فيلحقونها الضمائر، فيقولون: هلم، للمفرد، وهلما، للمثنى، هلموا للجمع، وهلمي، للمؤنثة. فتلكأ: بمعنى تردد وتوقف. ما يستفاد من الحديث: ١- فيه دليل على حل أكل لحم الدجاج لأنه من الطيبات. ٢- كون أكثر أكلها النجاسة لا يحرمها، وإنما يكون لها حكم الجلالة (١) . ٣- جواز الترف في المأكل والمشرب والملبس، وأن هذا غير مناف للشرع. ومن تركه- تدينا- فليس على حق ﴿قُلْ مَنْ حَرم زِينَةَ الله التي أخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيباتِ مِنَ الرزْقِ؟﴾ . ولا ينبغي اتخاذ الترف عادة دائمة، لئلا يألفه، فلا يصبر عنه. الحديث العاشر عنْ ابْنِ عباس ﵄: أنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: "إذَا كَلَ أحدكم طعَامَاً فَلا يمسح يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا".

стр. 697

ما يستفاد هن الحديث: ١- لعق الأصابع، ومثله الإناء، لما فيه من التماس بركة الطعام التي لا يعلم: هل هي في أوله أو آخره؟ وتعظيم نعم الله، قليلها وكثيرها، وعدم التكبر عنها. ٢- وفيه صون نِعَمِ الله وحفظها، لئلا تقع في موضع قذر نجس، أو تهان فيه. بَابُ الصَّيْد الصيد: يطلق على المصدر، أي التصيد. ويطلق: على اسم المفعول وهو المصيد. قال ابن فارس: وهو ركوب الشيء رأسه ومُضِيُّه، غير ملتفت ولا مائل. واشتقاق الصيد من هذا، وذلك أن يمر مراً لا يعرج. وتعريفه شرعاً: هو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعاً، غير مملوك ولا مقدور عليه. والأصل في إباحة الصيد، الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وإذَا حَلَلْتُم فَاصطادوا﴾ وقوله تعالى: ﴿أحِلَّ لَكُم صَيدُ البحر﴾ . وغيرهما من الآيات. وأما السنة فشهيرة، ومنها الأحاديث الآتية في الباب: وأجمع العلماء عليه. وهو من الهوايات المحببة، وكان العرب مولعين به، ويعدونه من اللذات التي يتنافس عليها ملوكهم وأمراؤهم. ولكن لا ينبغي جعله مَلْهَاةً، لأن طلبه لهذا القصد ضياع لأوقات العمر الثمينة، التي تدرك بها طاعة الله تعالى، وما ينفع الإنسان في حياته، وينفع مجتمعاته. وإزهاق نفس الحيوان لغير قصد كله أيضاً، لا يجوز، لأنه إتلاف له بلا مسوغ، وقد جعل الله تعالى في بقائه فوائد ومنافع كثيرة. الحديث الأول عَنْ أبى ثَعْلَبَةَ الخُشَنيِّ ﵁ قَال: أتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَقُلْتُ: يا رسول الله، إنَّا بأرض قَوْم أهْلِ كِتَاب، أفَنَأكُلُ في آنيتهِمْ؟ وَفي أرْضِ صَيْدٍ، أصِيدُ بِقَوسي وبكلبي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وبكلبي الْمُعَلّمِ، فما يَصْلُحْ لي؟. قَالَ: "أمَّا مَا ذَكَرْتَ- يعني- مِنْ آنية أهْلِ الْكِتَاب فإن وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلا تًأكُلُوا فِيهَا، وَإن لَمْ تَجِدوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْم الله عليه فَكُلْ، وَمَا صدت بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرتَ اسْمَ الله عَلَيْهِ

стр. 698

فَكلْ، وما صدت بِكَلْبِكَ غَيْر المعلم فَأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ". الغريب: الخشني: بضم الخاء المعجمة وفتح الشين، بعدها نون ثم ياء، منسوب إلى خشينه بطن من قضاعة قبيلة قحطا نية. بقوسي: آلة رمي قديمة معروفة، وهي بفتح القاف، وسكون الواو، وكسر السين، بعدها ياء المتكلم. كلبي المعلم: وهو المدرب على الصيد، وتأتي كيفية تعليمه. المعنى الإجمالي: ذكر أبو ثعلبة للنبي ﷺ أنهم مبتلون بمجاورة أهل الكتاب- والمراد بهم، اليهود أو النصارى. فهل يحل لهم أن يأكلوا في أوانيهم مع الظن بنجاستها؟ فأفتاه بجواز الأكل فيها، ومن باب أولى، استعمالها في غير الأكل بشرطين ١- أن لا يجدوا غيرها. ٢- وأن يغسلوها. وذكر له أنهم بأرض صيد، وأنه يصيد بقوسه وبكلبه المعلم على الصيد وآدابه، وبكلبه الذي لم يتعلم. فما يصلح له ويحل من صيد هذه الآلات. فأفتاه بأن ما صاده بقوسه فهو حلال، بشرط أن يذكر اسم الله تعالى عند إرسال السهم. وأما ما تصيده الكلاب، فما كان منها معلماً وذكر اسم الله عند إرساله فهو حلال أيضاً. وأما الذي لم يتعلم، فلا يحل صيده إلا أن يجده الإنسان حياً ويذكيه الذكاة الشرعية. ما يستفاد من الحديث: ١- إباحة استعمال أواني الكفار، ومثلها ثيابهم، عند عدم غيرها، وذلك بعد غسلها. ٢- هنا تعارض الأصل الذي هو [الأصل في الأشياء الطهارة] بغلبة الظن، الذي هو- هنا-[عدم توقيهم النجاسة] فرجح غلبة الظن حيث قويت. ٣- إباحة الصيد بالقوس: وبالكلب المعلم بشرط ذكر اسم الله عند إرسالهما.، فإن تركها عمدا أو سهوا لم يبح، وإن تركها سهوا أو جهلا أبيح. وهذا هو المشهور. من المذاهب. والصواب: أنه إن تركها سهوا أو جهلا أبيح. وهو رواية عن الإمام أحمد. ٤- ظاهر الحديث حِل أكل ما صيد، سواء أقتله الجارح بجرحه أم بصدمه وهو مذهب الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها من أصحابه، ابن حامد، وأبو محمد الجوزي، وهو ظاهر كلام الخرقي لعموم الآية. أما المشهور من المذهب، فلا يحل إذا مات الصيد بخنقه أو صدمه.

стр. 699

٥- أن صيد الكلب الذي لم يعَلم، لا يحل إلا إن أدركه الإنسان فذكاه قبل موته. ٦- صفة تعليم الجارح على مذهب الحنابلة، إن كان الجارح كلباً، أو فهداً ونحوهما من ذوات الناب فبثلاثة أشياء: ١- أن يسترسل إذا أرسل. ٢- وينزجر إذا زجر. ٣- وأن لا يأكل إذا أمسك. وإن كان ذا مخلب، كالصقر، والبازي، فبشيئين. ١- يسترسل إذا أرسل. ٢- وينزجر إذا زجر، ولا يشترط الثالث. وبعض العلماء جعل مرد التعليم وتحديده إلى العرف، فما عده الناس متعلماً عارفاً لآداب الصيد، فهو المتعلم، ويكون حلال الصيد، ومالا، فلا وهو قول جيد لأن الشارع أطلق تعليمه، وما أطلقه،. فالذي يحده، العرف. ٧- فضل العلم على الجهل، إذ أبيح صيد الكلب المعلم دون الكلب الذي لم يعلم فقد آثر العلم حتى في البهائم، قاله (ابن القيم) ﵀. الحديث الثاني عَنْ هَمَّام بْنِ الحارِثِ عَنْ عَدِي بْنِ حاتِمٍ قَال: قُلْتُ، ْ يا رَسُولَ الله: إني أرسل الْكلابَ الْمُعَلًمَةَ فيمْسِكْنَ عَلَىَّ وَأذْكرُ اسْمَ الله. فَقَالَ: "إذَا أرسلتَ كَلْبَكَ المعلم وَذَكَرتَ اسمَ الله عَليهِ فَكُل ما أمسَكَ عَليكَ". قُلتُ: وَإنْ قَتَلنَ؟ قَالَ: "وإنْ قتَلنَ، مَا لَم يشركهَا كَلْب لَيس منها". قلتُ: فَإني أرمِي بالمعراض الصيد فَأصِيبُ؟. فَقَالَ: "إذَا رَمَيْتَ بِالمَعرَاض فَخَرَقَ فَكُلْهُ، وَإنْ أصابه بِعرْضِهِ فَلا تأكُله". الحديث الثالث وَحَدِيثُ الشعْبي عنْ عدي نَحْوَهُ، وفِيهِ: "إلا أنْ يأكل الكَلْبُ، فَإن أكَلَ فَلا تأكل، فَإني أخَافُ أن يَكُونَ إنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ. وإن خَالَطَهَا كلاب مِنْ غيْرِهَا فَلا تَأكُلْ فَإنَّما سَمَّيتَ عَلى كَلْبِكَ وَلَم تسَمِّ عَلى غَيرِهِ". وفيه: " إِذَا أرسَلتَ كَلْبَكَ المكَلَّبَ (الْمُعَلَمَ) فَاذْكرِ اسْمَ الله عَليهِ، فَإن أمْسَكَ عَلَيْكَ فأدركته حَيًّا فاذبحه، وَإن أدركته قدْ قُتِلَ وَلَم يَأكُل مِنْهُ فَكُله، فَإنً أخذَ الكَلْبِ ذَكَاتُهُ". وفيه أيضاً: "إذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فاذكر اسمَ الله عَلَيْهِ". وفيه: "وإنْ غَابَ عَنْكَ يَوْماً أوْ يَوْمين - وفي رواية: اليومَيْنِ وَالثلاثَةَ فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلا أثَر سَهْمِكَ فَكُلْ إن شِئتَ. وَإنْ وَجَدْتَهُ

стр. 700

غريقاً في المَاءِ فَلا تَأكُلْ، فَإنَّكَ لا تدري، الْمَاءُ قَتَلَهُ أوْ سَهمُكَ". الغريب: المعراض: بكسر الميم وسكون العين، وبعد الألف ضاد معجمة. قال الشيخ: عصاً رأسها مَحْنية. والذي ذكره أهل اللغة: أنه سهم لا ريش عليه، وجمعه، معاريض. فخرق: قال ابن فارس: الخاء والراء والقاف أصل، وهو يدل على نفاذ الشيء المرمي به، فالمراد- هنا- أصاب الرمية ونفذ فيها. الشعبي: بفتح الشين وسكون العين، عامر بن شرا حيل المحدث الراوية المشهور. ما يستفاد من الحديث: ١- فيه دليل على حل ما صاده الكلب ونحوه، كالفهد، أو الصقر، ونحوه كالبازي، إذا كان معلما وذكر اسم الله تعالى عند إرساله، ويستوي فيه أن يدرك صاحبه الصيد حياً أو ميتاً. ٢- تحريم الصيد الذي اشترك فيه الكلب المعلَّم وغير المعلم، لأنه اجتمع فيه مبيح- وهو المعلم- وحاظر- وهو غير المعلم- فيترك من (باب ترك الأمور المشتبهة) . ٣- أنه لابد من التسمية عند إرسال السهم، والمراد بالسهم، السلاح الذي صنع للرمي من البنادق بأنواعها وأسمائها، وتسقط التسمية سهوا وجهلا وتقدم. ٤- لكون التسمية مشترطة، فإنه لا يحل الصيد الذي اشترك في قتله المعلم وغيره، لأن غير المعلم لم يُذكَرُْ اسم الله عند إرساله. ٥- لكون النية والتعليم مقصودين في الجارح، فإنه لا يحل الصيد الذي أكل منه، خشية أن يكون صاده لنفسه ولم يصده لصاحبه. ٦- أن ما أدركته من صيد السلاح، أو الجارح حيا، فلا بد من تذكيته، وإن كان ميتاً فرميه أو قتل الجارح إياه، هو ذكاته. ٧- إذا جرحت الصيد فوقع في ماء، واشتبه عليك: هل مات من سهمك أو من الماء؟ فهو حرام، خشية أن يكون مات من الغرق وهذا إذا كان فيه اشتباه قَوِي. أما إذا غلب على الظن أنه مات من السهم، لكون الماء قليلا، والجرح موحيا فهو حلال. وهذا الحكم عام في كل ما اجتمع فيه مبيح وحاظر. ٨- أن المعراض وغيره من السلاح، إن قتل الصيد بحده ونفوذه، فهو مباح، لأنه مما أنهر الدم. وإن قتله بصدمه وثقله، فلا يباح، لأنه من الميتة [الموقوذة]

стр. 701

الحديث الرابع عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عَنْ أبيهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اقْتَنَى كَلْباً- إلا كَلْبَ صَيْد أوْ مَاشِيَةٍ - فإنَّهُ يَنْقصُ مِنْ أجْرِهِ كُلَّ يَومٍ قيراطان". قَالَ سالم: وَكَانَ أبو هريرة يَقُولُ: أوْ كَلْبَ حَرْثٍ وَكَانَ صَاحِبَ حرث. المعنى الإجمالي: الكلب من البهائم الخسيسة القذرة، ولهذا نهى الشرع الشريف الطاهر عن اقتنائه لما فه من المضار والمفاسد، من ابتعاد الملائكة الكرام البررة، عن المكان الذي هو فيه، ولما فيه من الإخافة والترويع والنجاسة والقذارة، ولما في اقتنائه من السفه. ومن اقتناه نقص من أجره كل يوم شيء عظيم [قرب معناه بالقيراطين والله أعلم قدر ذلك] لأن هذا عصى الله باقتنائه وإصراره على ذلك. فإذا دعت الحاجة إليه لبعض ما فيه من منافع ومصالح كحراسة الغنم التي يخشى عليها من الذئب والسارقين، ومثل ذلك اقتناؤه للحرث، وكذلك إذا قصد به الصيد- فلهذه المنافع يسوغ اقتناؤه وتزول اللائمة عن صاحبه. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم اقتناء الكلب، ونقص أجر صاحبه كل يوم قيرِاطين، وهما قدر عظيم، عند الله تعالى علمه ومبلغه. ٢- ومنع اقتناؤه لما فيه من المفاسد والمضار الكثيرة من بُعْدِ الملائكة عن المكان الذي هو فيه، ولما فيه من الإخافة والترويع فقد ثبت عن النبي ﷺ أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، ولما فيه من النجاسة الغليظة التي لا يزيلها إلا تكرير الغسل وغسله بالتراب. ٣- أنه يباح اقتناؤه لمصلحة، وذلك بأن يكون لحراسة غنم، أو حرث، أو لأجل صيد، فهذه منافع، تسوغ اقتناءه. ٤- بهذا تعلم مبلغ ما لدى الغربيين من السفاهة وقلة البصيرة، إذ فتنوا باقتنائها لغير فائدة، ويطعمونها أحسن مأكول، ويعتنون بها بالتغسيل والتنظيف وغير ذلك، ويلابسونها، ويقبلونها، فهل بعد هذا من سفه؟. والعجب أن مثل هذه العادات والأعمال القبيحة سرت إلى المستغربين منا، من الإمًعات المقلدين، الذين عبدوا الغربيات، وتدينوا بأعمالهم، وعشقوا كل سفالة عندهم. فإنا للَه وإنا إليه راجعون.

стр. 702

الحديث الخامس عَنْ رَافِعِ بن خَدِيج قَالَ: كُنَّا معَ رسول الله ﷺ بِذِي الحُليفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأصَاَبَ النَّاسَ جوعٌ فأصابوا إبلا وغنما، وَكَانَ النبي ﷺ في أخريَاتَ القوم،، فَعَجِلوا وَذبَحُوا وَنصَبُوا القدورَ. فَأمَرَ النَّبي ﷺ بِالقُدُورِ فأكفئت-، ثُمَّ قَسمَ، فَعَدَلَ عشرة مِنَ الغنم بِبَعِير، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِير، فطلبوه فَأعْيَاهمْ. وَكَانَ في القوم، خَيل يَسِيرَة، فَأهوَى رَجُل مِنْهُمْ بِسَهْمٍ فَحَبَسَه الله. فَقَالَ: "إنَّ لِهذِهِ البَهَائِم أوَابِدَ كَأوَابِدِ الوَحْش، فَمَا نَدَّ عليكم مِنْهَا فَاصنعُوا بهِ هكَذَا". قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله، إنَّا لا قُو العَدوَّ غَداً، وَليس مَعَنَا مُدً ى، أفنذبح بالقصب؟. قَالَ: "مَا أنهر الدمَ وذكر اسْمُ الله عَلَيْهِ فكُلُوهُ، ليسَ السن وَالظفر". وسأحدثكم عَنْ ذَلِكَ، أما السنُ فعظم، وَأما الظفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ". الغريب: الحُليفة: بضم الحاء المهملة وفتح اللام، بعدها ياء، ثم فاء مفتوحة، ثم تاء تصغير (حلفة) نبت معروف، سميت به، لأنها من منابته. تِهَامة: بكسر التاء المثناة، وهي ما تصوب من جبال الحجاز إلى البحر. نَد: بفتح النون، وتشديد الدال، بمعنى: هرب على وجهه شارداً. فأعياهم: بفتح الهمزة، وسكون العين، بعدها ياء، بمعنى: أعجزهم. أوابد: بفتح الهمزة، بعدها واو، ثم ألف، بعدها باء موحدة مكسورة، ثم دال. جمع (آبدة) بالمد وكسر الباء، وهي: الغريبة المتوحشة. والمراد أن لها توحشا ونفوراً. مدَى الحبشة: بضم الميم جمع (مدية) مثلث الميم (١) ، وهى: السكين. والأصل: أن هذه المادة تدل على الامتداد والغاية، فلعلها سميت بذلك لأن المذبوح بها ينتهي مداه: وهو أجله. أنهر الدم: بمعنى فتح الدم وأساله. ليس السن والظفر: السن والظفر، منصوبان بالاستثناء. ما يستفاد من الحديث: نأتي بفوائد هذا الحديث، مرتبة حسب ما جاء ت فيه: ١- إن من عادة النبي ﷺ الجميلة أن يكون في آخر الجيش، رفقا" بالضعيف والمنقطع.

стр. 703

فكذا ينبغي للقواد والأمراء، وهكذا ينبغي ملاحظة الضعفاء العاجزين في كل الأحوال، في إمامة الصلاة وغيرها. ٢- تأديب الإمام لرعيته وجنده فقد أدبهم النبي ﷺ على هذه العجلة والتصرف، قبل أخذ إذنه، فكان جزاؤهم حرمانهم مما أرادوا. ٣- اختلف في السبب الذي أمر من أجله ﷺ بإكفاء القدور وذكر القاضي عياض أنه ربما كان سبب ذلك أنهم انتهبوها. ونقل ما أخرجه أبو داود عن رجل من الأنصار قال: "أصابت الناس حاجة شديدة وجهد، فأصابوا غنما فانتهبوها، فإن قدرونا لتغلى بها إذ جاء رسول الله ﷺ على فرسه فأكفأ قدورنا بقوسه ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة". ٤- مشروعية التعزيز بالمال إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك وهو رواية عن الإمام أحمد قوية، أخذ بها كثير من أصحابه. منهم شيخ الإسلام (ابن تيميه) وتلميذه (ابن القيم) . والقصد من التعزير، الردع، ولعل التعزير بأخذه يكون لبعض الناس أنكى وأردع من غيره. أما المشهور من المذهب، فإنه لا يعزر بالمال وهو ضعيف، لأنه مخالف لكثير من الأحاديث التي لم يثبت نسخها، لتحريقه متاع الغال وتغريم السارق من غير حرز ضعف ما سرق، وتغريم جانٍ على اللقطة قيمتها مرتين، وغير ذلك. ٥- العدل، لاسيما في موطن جهاد الأعداء والكفار، لأنه من أسباب النصر والظفر بالأعداء. والنبي ﷺ قسم بينهم، فجعل مقام البعير عشرةً من الغنم. وهذا تقدير قيمة، فليس فيه دليل على أن البعير يجزئ عن عشرة من الغنم في الأضحية، لأن ذلك تقدير مرجعه الشارع، وهذا مرجعه القيمة. ٦- أن من هرب ولم يمكن إدراكه من الإبل، أو البقر، أو الغنم أو من الحيوانات المستأنسة فليحبس أو ليقتل برميه، فإن مات، فالرمي ذكاته، لأنه صار حكمه حكم الوحش النافز. ٧- جواز التذكية بكل ما أنهر الدم وأساله، من حديد، أو حجر، أو قصب أو غيرها. ٨- اشتراطْ التسمية، وتقدم أنها تسقط سهواً وجهلا.

стр. 704

٩- أنه لا يجوز الذبح بالسن والظفر. [والحكمة في ذلك ما ذكره النبي ﷺ من أن السن عظم، وأما الظفر فلمخالفة الكفار، لم يجز الذبح به. ١٠- من هذا التعليل يفهم أنه لا يجوز التذكية بجميع العظام وهو الصحيح، وهو رواية عن الإمام أحمد. أما المشهور من المذاهب فيختص بالسن فقط. ويؤخذ منه عدم جواز مشابهة الكفار وتقليدهم، ومتابعتهم بشيء من أعمالهم. وأما العلوم والصناعات، فلا تدخل هنا، لأنه حق مشاع مشترك بين الناس، فالأفضل أن لا يسبقونا إليها. بَابُ الأضاحي الأضاحي جمع أضْحِيَة، بضم الهمزة، وسكون الضاد، وكسر الحاء، بعدها ياء، ثم تاء. ْ مشتقة من اسم الوقت الذي شرع ذبحها فيه. وهى- شرعا-: ما يذبح في أيام النحر بسبب العيد، تقربا إلى الله تعالى. والأصل في مشروعيتها، الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِربِّكَ وَانحَرْ﴾ قال بعض المفسرين: المراد به الأضحية بعد صلاة العيد وأما السنة، فما روى أنس، وسيأتي الحديث والكلام عليه إن شاء الله تعالى. وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية. حكمة مشروعيتها: في الأضحية، التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدماء، لأنها من أفضل الطاعات وأجمل العبادات. وقد قرنها الله تعالى مع الصلاة في آيات من القرآن الكريم. منها قوله تعالى: ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي وَمَمَاتي لله رَبِّ العَالميَن﴾ وقوله سبحانه: ﴿فصل لِرَبكَ وَانحَرْ﴾ والأضحية التي تقع في ذلك اليوم العظيم، يوم النحر الأكبر، فيها الصدقة على الفقراء والتوسعة عليهم. وفيها القيام بشكر الله تعالى على توالى نعمه بسلامة العمر والعقل والدين، واقتداء بأبي الأنبياء إبراهيم ﷺ حين قدَّم ولده قربانا لله تعالى، طاعةً ورضا بأمر الله، ففداه الله تعالى بكبش، فكانت سنة من بقبة أبينا إبراهيم، جددها نبينا محمد ﷺ .

стр. 705

وفيها الفرح والسرور والتوسعة على النفس، والأهل، في هذا العيد الإسلامي الكبير. وفيها حِكَمٌ وأسرار لله تعالى، تدرك منها الأفهام والعقول بقدر طاقتها. والأصل في الأضحية أنها للأحياء. ويجوز أن تجعل صدقة عن الموتى، وفيها ثواب وأجر لهم. لكن يوجد في بعض البلاد، أنهم لا يكادون يجعلونها إلا للموتى فقط. فكأنهم يظنون أن الأضحية خاصة للموتى، ولذا فإن الحي منهم يندر أن يضحي عن نفسه. فإذا كتب وصية، أول ما يجعل فيها أضحية أو ضحايا، على حسب يُسْره وعسره. ويندر أن يوصى الموصى بغير الأضحية وتقسيم الطعام في ليالي الجمع من رمضان. أما غيرها من أنواع البر فقليل. وهذا راجع إلى تقصير أهل العلم الذين يكتبون وصاياهم، لا يذكرونهم، ولا يعلمونهم أن الوصية ينبغي أن تكون في الأنفع من البر والإحسان. والأضحية وإن كانت فضيلة وبرًا وإحساناً، إلا أنه يوجد بعض جهات من البر ربما تكون أحسن منها. والله ولى التوفيق. الحديث الثامن والثمانون بعد الثلاثمائة عَنْ أنس بْنِ مَاِلكٍ ﵁ قَالَ: ضحَّى النبي ﷺ بكبشين امْلَحَيْن أقْرَنينِ، ذَبحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكبَّر وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلى صِفَاحِهِمَا. الغريب: كبشين: الكبش هو الثَنيُّ إذا خرجت رباعيته، وحينئذ يكون عمره سنتين، ودخل في الثالثة. أملحين: الأملح من الكباش، هو الأغبر الذي فيه بياض وسواد، وبياضه أكثر من سواده. صفاحهما: بكسر الصاد والحاء المهملتين. قال في (النهاية) صفحة كل شيء وجهه وجانبه، والمراد هنا صفاح أعناقهما. المعنى الإجمالي: من تأكد الأضحية أن النبي ﷺ مع حثه عليها فعلها هو، ﷺ فقد ضحى بكبشين، في لونهما بياض وسواد ولكل منهما قرنان. فذبحها بيده الشريفة لأنها عبادة جليلة قام بها بنفسه، وذكر اسم الله تعالى عندها استعانة بالله لتحل بها البركة ويشيعها الخير، وكبر الله تعالى لتعظيمه وإجلاله، وإفراده بالعبادة، وإظهار الضعف والخضوع بين يديه ﵎.
следующие страницы →