← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9879

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير

القرافي

Полный текст (780 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(١) الوضع الاجتماعي للمرأة ما رأي القرافي في موضوع المرأة؟ وما نظرته حيالها في ظل الموروثات والتقاليد الاجتماعية؟ والجواب: نجده في الفصل السادس من باب المجمل والمبين حيث قال: ((يجب البيان لمن أُريد إفهامه، ثم المطلوب قد يكون عِلْماً فقط كالعلماء بالنسبة إلى الحيض، أو عملاً فقط كالنساء بالنسبة إلى أحكام الحيض وفقهه. . .)) (١) . ثم عقَّب في الشرح فقال: ((وقولهم: إن النساء أُردْن للعمل فقط غير مُتَّجِهٍ؛ بسبب أن النساء أيضاً مأمورات بتحصيل العلم، فكذلك مِنْ سَلَفِ هذه الأمة عائشةُ ﵂، التي قال فيها ﵊ ((خذوا شطر دينكم عن هذه الحُميراء)) (٢) ، وكانت من سادات الفقهاء، وكذلك جماعة من نساء التابعين وغيرهم. غاية ما في الباب أن التقصير عن رتبة العلم ظهر في النساء أكثر، وذلك لا يبعثنا على أن نقول: المطلوب منهنَّ العمل فقط، بل الواقع اليوم ذلك، أمَّا أنه حكم الله فغير ظاهر)) (٣) . فالمرأة المسلمة مطالبة بالتعلُّم ورفع الجهل عن نفسها؛ لأنها مربية الأجيال. ولكن تعلمها وعملها يجب أن ينضبط وفق أحكام الشريعة، لا كما يهوى دعاة تحرير المرأة على طريقة التحلُّل والتفسُّخ. (٢) الرقائق والزهد مع تصحيح المفاهيم أ - قال في فصل الحَصْر ((ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ. . .﴾ [الحديد: ٢٠] ، وحصرها في اللعب مع أنها مزرعة الآخرة، وفيها تُحصَّل الولاية والصدِّيقية، وتُكتسب المراتب العليَّة، والدرجات الرفيعة، وكل خيرٍ مكتسب في الآخرة فهو في هذه الدار، وهذه خيراتٌ حِسانٌ، وفضائل علميَّة للدنيا، فكيف تُحصر في اللَّعب؟! وإنما ذلك باعتبار من آثَرَها، فإنها في حقِّه لَعِبٌ صِرْف،

стр. 142

وتلك المحاسن لا ينال هذا منها شيئاً، فهو حصر بحسب بعض الاعتبارات، وهو كثير في القرآن الكريم)) (١) . ب - قال: ((فائدة: ما ضابط الإصرار الذي يُصيِّر الصغيرة كبيرة؟ قال بعض العلماء: حدُّ ذلك أن يتكرر منه تكراراً يخلُّ بالثقة بصدقه، كما تخلُّ به ملابسة الكبيرة، فمتى وصل إلى هذه الغاية، صارت الصغيرة كبيرة، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، واختلاف الأحوال، والنظر في ذلك لأهل الاعتبار، والنظر الصحيح من الحكَّام وعلماء الأحكام الناظرين في التجريح والتعديل - ثم قال - فائدة: ما تقدَّم من أن الكبيرة تتبع عظم المفسدة، فما لا تعظم مفسدته لا يكون كبيرة، استثنى صاحب الشرع من ذلك أشياء حقيرة المفسدة، وجعلها مسْقِطةً للعدالة، موجبة للفسوق لقبح ذلك الباب في نفسه، لا لعظم المفسدة، وذلك كشهادة الزور، فإنه فسوق مطلقاً، وإن كان لم يُتلِفْ بها على المشهود عليه إلا فَلْساً واحداً، ومقتضى القاعدة أنها لا تكون كبيرة إلا إذا عظمت مفسدتها، وكذلك السرقة والغصْب لقبح هذه الأبواب في أنفسها)) (٢) . (٣) توضيح معاني الأحاديث المشتبهة يقع في بعض الأحاديث إشكال في التوفيق بينها، وقد وقفت على بعض المواضع المفيدة التي أجاب فيها القرافي عن هذا الاشتباه والإشكال. منها: أ - قوله: ((فائدة: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) (٣) فقد جمع بينهما في الضمير كما جمع الخطيب (٤) ، فما الفرق وما الجواب؟ الجواب من وجهين، أحدهما: ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام قدس الله روحه، فقال: إن منصب الخطيب حقير قابل للزلل، فإذا نطق

стр. 143

بهذه العبارة قد يتوهَّم فيه - لنقصه - أنه إنما جمع بينهما في الضمير؛ لأنه أهمل الفصل بينهما في الضمير والفرق، فلذلك امتنع لما فيه من إيهام التسوية. ومنصب رسول الله ﷺ في غاية الجلالة والبعد عن الوهم والتوهم، فلا يقع بسبب جمعه ﵊ إيهام التسوية. وثانيهما: ذكره بعض الفضلاء، فقال: كلام رسول الله ﷺ جملة واحدة، وتقدم الظاهر من الجملة الواحدة يُبْعد استعمال الظاهر في موضع الضمير، بل الضمير هو الحسن. وكلام الخطيب جملتان، إحداهما مدح، والأخرى ذم، فلذلك حَسُن منه استعمال الظواهر مكان المضمرات)) (١) . ب - قال في معرض ردّه على الذين يكتفون بالظواهر عن أحوال الناس في أمر العدالة: ((وأما الاكتفاء بالظاهر فهو شأن الجهلة الأغبياء الضعفاء الحزم والعزم، ومثل هؤلاء لا ينبغي للحاكم الاعتماد على قولهم في التزكية. وكلُّ من كان يغلب عليه حسن الظن بالناس لا ينبغي أن يكون مزكِّياً ولا حاكماً لبُعْده من الحزم، وقد قال ﷺ ((الحزم سوء الظن)) ، فمن ضيَّع سوء الظن، فقد ضيع الحزم. نعم لا ينبغي أن يبني على سوء ظنه شيئاً إلا لمستندٍ شرعي، وهو معنى قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] أي: اجتنبوا العمل به حتى يثبت بطريقٍ شرعي)) (٢) . (٤) الدراية بالواقع مع وقائع تاريخية: يمكن تصيُّد بعض المواقف في الكتاب التي تدلُّ على معايشة القرافي لواقعه وفهمه وفقهه له، مع ما في ذلك من تسجيلها في صفحات التاريخ. من ذلك درايته الدقيقة بما حواه كتاب التوراة (العهد القديم) ، مما مكَّنه من تفنيد دعواهم الباطلة بإنكار النسخ (٣) . ومن الأمثلة أيضاً، قوله: ((قال: تقلَّد محاريب البلاد العامرة التي تتكرر الصلاة فيها، ويُعلم أن إمام المسلمين بناها ونصبها أو اجتمع أهل البلدة على بنائها. . .)) ثم قال في الشرح: ((قلت: هذا بشرط أن لا يشتهر الطعن فيها كمحاريب القرى

стр. 144

وغيرها بالديار المصرية، فإن أكثرها ما زال العلماء قديماً وحديثاً ينبِّهون على فسادها، وللزين الدمياطي في ذلك كتابٌ ولغيره. وقد قصد الشيخ عز الدين بن عبد السلام تغيير محراب قبة الشافعي والمدرسة، ومصلَّى خولان، فعاجله ما منعه من ذلك، وهو قضيته مع بني الشيخ وإسقاطه معين الدين، وعَزَل نفسه عقيب ذلك. وكذلك محاريب المحلَّة مدينة الغربية، والفيوم، ومنية ابن خصيب، وهي لا تعدُّ ولا تُحصى، لا يجوز أن يقلِّدها عالم ولا عامي)) (١) . (٥) واقع الرافضة وشبهاتهم نبَّه القرافي إلى بعض ألاعيبهم واحتيالهم إزاء النصوص بما يتوافق مع عقيدتهم. من ذلك: أ - قال في اشتراط معرفة النحو للمجتهد: ((وأما النحو والتصريف واللغة، فلأن الحكم يتبع الإعراب، كما قال ﵊ ((ما تركنا صدقةٌ)) بالرَّفْع، فرواه الرافضة بالنَّصْب، أي: لا يورث ما تركناه وقْفاً، ومفهومه: أنهم يورثون في غيره. وكذلك قوله ﵊: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) رواه الشيعة ((أبا بكر وعمر)) فانعكس المعنى، أي: يا أبا بكرٍ وعمر، فيكونان مقتدِيَيْن لا مقتدىً بهما، وهو كثير)) (٢) . ب - قال: ((وقال القاضي: فتح هذا الباب يحصِّل غرض الشيعة من الطعن على الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم يكفرون الصحابة، فإذا قيل لهم: إن الله تعالى وعد المؤمنين بالجنة، وهم قد آمنوا، يقولون: إن الإيمان الذي هو التصديق صدر منهم، ولكن الشرع نقل هذا اللفظ إلى الطاعات، وهم صدَّقوا وما أطاعوا في أمر الخلافة، فإذا قلنا: إن الشرع لم ينقل استدّ هذا الباب الرديء)) (٣) . (٦) إعلاء شأن الجهاد مع شدة الوطأة على الكفار يمكن أن نلمح في تعبيرات القرافي في كتابه هذا اهتمامه بأمر الجهاد وبِغْضَته للكفر وأهله وضرورة إجبارهم على الإسلام، من هذه المواقف:

стр. 145

أ - قوله بأن آية السيف نسخت آيات الموادعة (١) . ب - قال: ((حجة الجمهور: أن أصول الديانات مهمة عظيمة، فلذلك شرع الله تعالى فيها الإكراه دون غيرها، فيكره على الإسلام بالسيف والقتال والقتل وأخذ الأموال والذراري، وذلك أعظم الإكراه. . .)) (٢) . جـ - قال في معنى الإتلاف وأنه يكون لتعظيم الله تعالى: ((أو لتعظيم الله تعالى كقتل الكفار لمحو الكفر من قلوبهم، وإفساد الصُّلْبان، أو لتعظيم الكلمة كقتل البغاة. . .)) ثم قال في الشرح ((من ذلك - أعني القتال للإتلاف - قتال الظلمة؛ لدفع ظلمهم، وحسم مادة فسادهم، وتخريب ديارهم، وقطع أشجارهم، وقتل دوابهم إذا لم يمكن دفعهم إلا بذلك - ثم قال - وكذلك إتلاف ما يُعصى الله تعالى به من الأوثان والملاهي)) (٣) . د - تكلم عن مدى ارتباط مراعاة المصلحة في مسألة تترُّس الكفار بجماعةٍ من المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا واستولوا علينا وقتلوا كافة المسلمين، ولو رميناهم لقتلنا الترس معهم (٤) . هـ - قال: ((ومرَّ بي في بعض الكتب - لست أذكره الآن - أن الكفار وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة، فالجهاد خاصٌ بالمؤمنين، لم يخاطب الله تعالى بوجوب الجهاد كافراً، وهو متَّجه أن يكون وجوب الجهاد مستثنىً من الفروع لعدم حصول مصلحته من الكافر. . .)) (٥) . وقال: ((إن التبليغ يقتضي المصلحة، فقد تكون في التعجيل، وقد تكون في التأخير، ألا ترى أنه ﵊ لو أوحي إليه بقتل أهل مكة بعد سنة كانت المصلحة تتقاضى تأخير ذلك إلى وقته لئلا يستعدَّ العدو للقتال، ويعظم الفساد، ولذلك أنه ﵊ لمَّا أراد قتالهم قطع الأخبار عنهم، وسد الطرق حتى

стр. 146

دهمهم، وكان ذلك أيسر لأخذهم وقهرهم، فكذلك يجوز تأخير الإبلاغ في بعض الصور بل يجب)) (١) . ز - قال: ((نقل صاحب الطراز وغيره أن اللاحق بالمجاهدين، وقد كان سقط الفرض عنه يقع فعله فرضاً بعد ما لم يكن واجباً عليه، وطرد غيره من العلماء في سائر فروض الكفاية)) (٢) . ح - قال: ((وينبِّه على اعتبار الوسائل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِح﴾ [التوبة: ١٢٠] ، فأثابهم الله على الظمأ والنَّصَب وإن لم يكونا من فعلهم؛ لأنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين، وصون المسلمين، فالاستعداد وسيلة الوسيلة)) (٣) . (٧) التربية والتأديب وفي أمور تربية الأسرة وتأديبها قال: ((يلحق بالتأديب تأديب الآباء والأمهات للبنين والبنات، والسادات للعبيد والإماء، بحسب جناياتهم واستصلاحهم على القوانين الشرعية من غير إفراطٍ، وكذلك تأديب الأزواج للزوجات على نحو ذلك، وكذلك تأديب الدواب بالرياضات، ومهما حصل ذلك بالأخف من القول لم يجز العدول إلى ما هو أشد منه لحصول المقصود بذلك، فالزيادة مفسدة بغير مصلحة فتحرم، حتى قال إمام الحرمين: إذا كانت العقوبة المناسبة لتلك الجناية لا تؤثر في استصلاحه عن تلك المفسدة، فلا يحلُّ أن يُزجر أصلاً، أما بالمرتبة المناسبة فلعدم الفائدة، وأما ما هو أعلى منها فلعدم المبيح له، فيحرم الجميع حتى يتأتَّى استصلاحه بما أن يُرتَّب على تلك الجناية)) (٤) . سابعاً: عظيم أثر هذا الكتاب على الكتب التالية له . ويمكنني أن أقول في ثقةٍ: إنه ليس يوجد أصوليٌّ نابِهٌ لم يسمع بهذا الكتاب، أو لم يُفِدْ منه، وقلَّما تجد باحثاً معاصراً لم يجعله مصدراً من جملة مصادره الأصولية.

стр. 147

كما أن الكتاب وكتب القرافي الأصولية عامةً تعتبر مادة غزيرة استمدَّها كبار الأصوليين من بعده في مؤلفاتهم، من هؤلاء: ١ - نجم الدين الطوفي، في كتابه " شرح مختصر الروضة " صرَّح قائلاً: ((فاعلم أن مادَّته (أي مادة كتاب شرح مختصر الروضة) ، وهي الكتب التي جمع منها هي. . .، والتنقيح وشرحه للشيخ شهاب الدين القرافي)) (١) . وقد أفاد منه في مواضع كثيرة منها: ١ / ٢١٤، ٢٥١، ٤٤٠، ٢ / ٢٥٧، ٣١٨، ٤٦١، ٥٠٢، ٣ / ٧، ٩٣، ١١٥، ٢١٢، ٣٤٠، ٤١٢، ٥٧٦، ٦٢٣. ٢ - ابن جزي الكلبي الغرناطي (٢) ، في كتابه: تقريب الوصول إلى علم الأصول. وهو يكاد يكون مختصراً لكتاب القرافي " شرح التنقيح ". انظر مثلاً الصفحات: ٩٧، ١٠٣، ١٠٧، ١٢٩، ١٤٧، ١٦٧، ١٧٥، ١٩١، ٢٣١، ٢٥٠، ٢٥٧، ٢٧٧، ٢٨٧، ٤٠٤، ٤١٨، ٤٥١. ٣ - تقي الدين السبكي (٣) ، وابنه تاج الدين، في: الإبهاج في شرح المنهاج. انظر: ١ / ١٥٢، ٢٠٥، ٣٧٢، ٢ / ١٠٥، ٢٧٧، ٣١٤، ٣٨١، ٣ / ٢٤٨. ٤ - صلاح الدين العلائي الكيكلدي، في ثلاثةٍ من كتبه، " تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم "، انظر الصفحات: ١٠٠، ١٥٠، ٢٠٥، ٢٥٠، ٢٧٣، ٣٠٥، ٣٦٣، ٤٠٠، ٤٢٣، وفي: " تحقيق المراد بأن النهي يقتضي الفساد ".

стр. 148

انظر الصفحات: ٨١، ١٣٨، ٢٠٢. وفي: " تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال " انظر: ص ١٣٢، ١٤٦. ٥ - تاج الدين السبكي، في كتابيه: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، انظر: ١ / ٥٣٨، ٢ / ٤٥، ٢٩١، ٣٨٣، ٤٥٠، ٣، ٧٢، ٨٣، ٢٧٩، ٣٧٦، ٤ / ١٧. وفي: منع الموانع عن جمع الجوامع ص ١٤٧. ٦ - جمال الدين الإسنوي (١) في كتابيه: نهاية السول في شرح منهاج الوصول، انظر: ١ / ٩٨، ١٣٠، ٣٧٦، ٢ / ٥٣، ٩٣، ١٣٥، ٢٤٠، ٣٧٠، ٤٩٦، ٣ / ٢٤٧، ٢٦٤، ٤ / ٥٣٢، ٦٢٦. وفي: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، انظر الصفحات: ٩٥، ١٢٧، ٢٠١، ٢٨٠، ٣١٨. ٧ - يحيى الرهوني (٢) ، في: تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (رسالة دكتوراه بأم القرى) القسم ٢ / ٣٣٣. ٨ - بدر الدين الزركشي (٣) ، في ثلاثة من كتبه: البحر المحيط، انظر: ١ / ٣٢، ٢ / ٣٥١، ٣ / ١٠٨، ٤ / ٥٢٠، ٥ / ٢٨٥، ٦ / ٤٣٣، ٧ / ١٨٨، ٨ / ٢٨١. وفي: تشنيف المسامع بجمع الجوامع، انظر: ١ / ٣٣٦، ٢ / ٧٩١، ٣ / ٢٧. وفي: سلاسل الذهب، انظر: الصفحات: ٩٢، ١١٩، ٢٣١، ٤٠٤.

стр. 149

٩ - ابن اللَّحام البعلي (١) ، في كتابيه: المختصر في أصول الفقه، انظر الصفحات: ٩٧، ١٠٦، ١٦٧. والقواعد والفوائد الأصولية، انظر: الصفحات: ١٠٤، ١٢٠، ١٢٢، ١٦٦، ٢٣٢. ١٠ - ابن أمير الحاج (٢) في: التقرير والتحبير، انظر: ١ / ١٢١، ٢ / ٤١٢، ٣ / ٦٢. ١١ - أبو بكر الجراعي (٣) ، في: شرح مختصر أصول الفقه (رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية) القسم: ١ / ١٢٩. ١٢ - علاء الدين المرداوي الحنبلي (٤) ، في التحبير شرح التحرير (رسالة دكتوراه بجامعة الإمام) القسم: ٢ / ١٩٤، ٦٠١، ٦٦٤، ٩٩٠، والقسم: ٣ / ٢٤٠، ٢٦٤، ٥٥٢، ٦٦٦، ٧٥٧. ١٣ - حلولو المالكي، في: الضياء اللامع شرح جمع الجوامع، انظر: ١ / ١٤١، ١٨٧، ٢٢١، ٢٨٣، ٣١٧، ٣٣٣.

стр. 150

١٤ - ابن زكري التلمساني المالكي (١) ، في: غاية المرام في شرح مقدمة الإمام (شرح ورقات إمام الحرمين، رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية) ، انظر الصفحات: ٢٧، ٥١، ٦٢، ١٢١، ١٣٩. ١٥ - خالد بن عبد الله الأزهري (٢) ، في: الثمار اليوانع على أصول جمع الجوامع (رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى) القسم: ١ / ٣٢٧، ٣٤٥، ٣٦٧، ٥٠٣، ٥٥٧، ٥٧٨. ١٦ - زكريا الأنصاري (٣) ، في غاية الوصول شرح لب الأصول، انظر: ص ١٩، ٤٥. ١٧ - ابن النجار الفتوحي (٤) ، في: شرح الكوكب المنير، انظر: ١ / ٩٥، ٣٤٤، ٢ / ٢٨٤، ٣٨٩، ٣ / ١٧، ٢٩٣، ٣٣٧، ٤ / ٩١، ٥٣٥. ١٨ - أمير باد شاه (٥) ، في: تيسير التحرير، انظر: ٣ / ٤٤، ٤ / ١٩٧، ٢٥٥.

стр. 151

١٩ - محمد بن أبي بكر الأشخر الزبيدي (١) ، في: شرح ذريعة الوصول إلى اقتباس زبدة الأصول (رسالة ماجستير بأم القرى) . انظر: ص ٢٤١. ٢٠ - ابن قاسم العبادي (٢) ، في كتابيه: الشرح الكبير على الورقات انظر: ١ / ٢٤٤، ٤١٩، ٢ / ١٥١، ١٨٧، ٥٣١، ٥٤١. وفي: الآيات البينات ٣ / ١٧٨ وغيرها. ٢١ - محمد التمرتاشي الغزي الحنفي (٣) ، في كتابه: الوصول إلى قواعد الأصول. انظر ص ١١٠، ٢٢٠. ٢٢ - محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (٤) ، في: إجابة السائل شرح بغية الآمل. انظر: ص ٢٩٨. ٢٣ - سيدي عبد الله العلوي الشنقيطي (٥) ، في: نشر البنود على مراقي السعود، انظر: ١ / ٢٢، ٢٨، ٩٨، ١٢٨، ٢ / ٥٤، ٨١، ١٠٠، ١٤٠.

стр. 152

٢٤ - محمد بن علي الشوكاني (١) ، في: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، انظر: ١ / ١٧٤، ٥٧٤، ٢ / ٥٧، ٨٣، ٢٦٥، ٣٥١. ٢٥ - محمد الأمين الجكني المعروف بالمرابط (٢) ، في: مراقي السعود إلى مراقي السعود. انظر الصفحات: ٦٣، ١٢٤، ١٨٣، ٣٢٨، ٤٠٢. ٢٦ - محمد بن يحيى الولاتي (٣) ، في: نيل السول على مرتقى الوصول، انظر الصفحات: ٣٥، ٥٦، ١٣٨، ٢٠٠. ٢٧ - محمد الأمين الشنقيطي (٤) ، في: نثر الورود على مراقي السعود. انظر: ١ / ٣٧، ١٩٧، ٢٣٦، ٢ / ٤٤٣، ٥٠٠، ٥٩٩. وهناك كتب كثيرة ليست في علم الأصول لكنها قد أفادت من كتاب الشهاب القرافي، والمقام يضيق عن تعدادها.

стр. 153

وختاماً لهذا المبحث أسرد وجوهاً أخرى لمحاسن الكتاب ومزاياه، التي من شأنها أن ترفع مكانته، وتعلي منزلته إلى مصافِّ الكتب المتميزة، فمن ذلك: (١) حسن التنظيم والتقسيم، وجودة الترتيب والتبويب. هذه السمة البارزة أتت على أغلب موضوعات الكتاب إلاّ ما سبق التنبيه عليه في المبحث الرابع من هذا الفصل (١) . (٢) مما يزيد من جلالة قدر الكتاب، ويفضي حسناً إلى محاسنه قوة المادة العلمية التي حواها الكتاب، مع متانة الأسلوب، ورصانة التعبير، وتأييد أقواله بالحجج القواطع، والبينات النواصع، والأدلة اللوامع، والبراهين السواطع. (٣) كشفه عن المدلولات اللغوية للمصطلحات الأصولية، وشغفه بالتدقيق وراء الألفاظ والعبارات مع إنعامه النظر فيها، كما في لفظ: الإجماع (٢) ، والقياس (٣) ، ولفظ " متعبّد " أهو اسم فاعل أم اسم مفعول (٤) ؟ وأحياناً ينبه على أخطاء وأوهام قد يقع فيها كثير من الكاتبين. مثل تنبيهه على لفظ " المحسوسات "، وأن الصواب هو لفظ " المُحسَّات " (٥) . وكذلك ما نقله عن بعض اللغويين بأن من لحن العوام قولهم: تواترت كتُبك عليَّ، مرادهم: تواصلت (٦) . (٤) اهتمامه الدقيق بإيجاد الفروق بين المسائل التي قد يقع بينها اشتباه، ولا غَرْو في ذلك فهو صاحب كتاب " الفروق " الذي لم يؤلَّف له نظير يضاهيه ويضارعه (٧) . (٥) حرصه على تنبيه طلبة العلم إلى ما قد يغلطون فيه تحاشياً للوقوع فيه، فمن ذلك: أ - قال: ((وكثيراً ما يغلط طلبة العلم في إيراد العكس، فيوردونه كما يوردون النقض، وهو غلط كما بيّنتُ لك، فقد ظهر الفرق بين النقض، والعكس، وعدم التأثير، فتأمل ذلك)) (٨) .

стр. 154

ب - قال: ((وكثير من الفقهاء غلط في تصويرها حتى خرَّج عليها ما ليس من فروعها)) (١) . جـ - قال: ((فتأمل ذلك، فقد غلط فيه جماعة من أكابر الفقهاء المالكية وغيرهم ... )) (٢) . د - قال: ((وقولي: على تقدير ورود الأمر، قصدتُ به التنبيه على أن قول النحاة " لوجود غيره " ليس هو كما يفهمه أكثر الناس. . .)) (٣) . (٦) بحسِّه الأصولي الدقيق كان يتلمَّس الاستشكالات البعيدة، التي قد تنقدح في ذهن القارئ. فقد تعرّض لمباحث شائكة، ومسائل معضلة. والشهاب القرافي مولع بإيرادها، شغوف بكشف غوامضها على طريقته التعليمية الفذة بالأدلة الناطقة والنَّصَفَة الفائقة، فأحسن وأجاد، وأتقن وأفاد (٤) . (٧) توخِّيه الصدق والأمانة، في جميع ما ينقله عن غيره، وبُعْده عن تشويه النص أو التبديل فيه، وقد علّل القرافي إهمال ذكر قائل القول بأنه مؤلمٌ في التصانيف (٥) . وبيَّن لذلك فائدتين (٦) : الأول: الاعتراف بالفضل لأهله. والثانية: التمكن من تصحيح العبارات التي قد يقع فيها تحريف أو تصحيف، وذلك بعرضها على أصولها المنقولة عنها. وخيراً فعل، فقد ساعدت هذه الطريقة على تصحيح نقولاته التي وهم فيها، أو أخطأ النسّاخ في استنساخها. بل لقد أربى على الغاية في توثيق الآراء عندما يخالجه الشك فيها، أو يبعثه باعثٌ إلى ذلك، من الأمثلة على ذلك: أ - عندما نقل عن إمام الحرمين مذهب الحنابلة بجواز التقليد في أصول الدين، قال: ((مع أني سألت الحنابلة فقالوا: مشهور مذهبنا منع التقليد)) (٧) .

стр. 155

ب - وفي مسألة إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح، أيهما يقدَّم؟ نقل فيها خلاف أبي حنيفة وأبي يوسف، ثم قال: ((هذه المسألة مرجعها إلى الحنفية، وقد سألتهم عنها، ورأيتها مسطورة في كتبهم على ما أصف لك، قالوا. . . إلخ)) (١) . جـ - اعترض على الفخر الرازي في نقله مذهب الباقلاني، وقال: ((بل المنقول في كتاب القاضي أنه قال ... إلخ)) (٢) . د - ولمّا استشكل لفظاً أورده الرازي في محصوله أهو " البحث " أم " البخت "، وما مراده به؟ عاد إلى جميع مختصرات المحصول، وطالع كتباً كثيرة حتى وجد هذه اللفظة مضبوطة محررة (٣) . (٨) تصحيح القرافي لأوهام نفسه وأغلاط ذاته، هذه الأخطاء كانت قد وقع فيها عند تأليف المتن " تنقيح الفصول " أول الأمر. فأصبحنا نرى تراجعاً من المصنف في كتابه هذا. ومع ما في هذا التصرف من شجاعةٍ أدبية، وتواضعٍ جمٍّ كريم، فهو مما يزيد من قدر الكتاب وتقديره (٤) . (٩) وشّى كتابه بفوائد مهمة، وحلاَّه بزوائد جمَّة، ووشَّحه بنكت جميلة، ودبَّجه بقواعد جليلة. هذه الأمور وإن جاء بعضها على سبيل الاستطراد إلاّ أنها أضفت إلى الكتاب حُسناً وبهاءً، وكسرتْ من حِدَّة هذا العلم ولأوائه، وكان يضع بعضها تحت عنوانات صغيرة. وإليك إحصاءً تقريبيّاً لكل ما عنون له القرافي في كتابه بعنوانات صغيرة، كقوله: فائدة، قاعدة، فرع، تنبيه، مسألة، سؤال. . . إلخ. العنوان ... فائدة ... سؤال ... فرع ... تنبيه ... قاعدة ... مسألة ... تفريع ... المجموع الكلي عدد التكرار ... ٥٤ ... ١١٤

стр. 156

المبحث الثامن المآخذ على الكتاب غلب على طبع البشر وقوع الخطأ والسهو منهم، وكلما سنحت فرصةٌ لمراجعة ما سوَّده المؤلف، فإنه قطعاً سيكمل ما نقص، ويصلح ما فسد، ويرأب ما انصدع، ويُحسِّن ما استقبح من مقولاته، ويدقِّق النظر في نقولاته، إلى غير ذلك من ضرورة المراجعات، واستيفاء الإصلاحات. ولقد عشتُ مع هذا الكتاب رَدْحاً من الزمن أقلِّبُ صفحاته، وأتفحَّصُ كلماته، وأتأمَّل عبارته، وأتفهَّم مقاصده، وأدرس فروعه وقواعده، فبان لي - إن جاز لي أن ألاحظ على هذا العلاَّمة الذي بلغ الذروة في الإجادة والإفادة، وحسن التأليف، وروعة التصنيف - أقول بان لي: أن فيه عباراتٍ غيرَ محرَّرة، ومسائلَ مكررة، ونقولاتٍ غير مدقَّقة، وآراءٍ غير موثقة، وأساليبَ غير منقَّحة، وأخطاءً غير مصحَّحة وأعْلن باديء ذي بَدْءٍ بأن هذه التعقُّبات والمؤاخذات، لا تحطُّ من قَدْر عمل المؤلف لضآلتها بجانب بحر حسناته الغزيرة، ولورودها مورد التوهُّم والذهول، والسهو والخطأ، التي ما فتئت تلازم البشر، وحَسْبه أن صوابه أكثر من خطئه، وأن المؤاخذات يسيرة مقارنة بمواطن الإبداع والإحسان والإجادة. والإنسان محلُّ النسيان، والقلم ليس بمعصوم من الطغيان، وبالله التوفيق وعليه التكلان. وقد أجْملت المآخذ في النقاط التالية: أولاً: الآيات القرآنية . (١) درج المصنف- ولعلَّه من النسّاخ -على كتابة الآية ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] مجرَّدة من الفاء، ولقد أطبقت النسخ الخطية على كتابتها: اقتلوا المشركين (١) . وهذا التجاوز يتساهل فيه كثير من الأصوليين، وما ينبغي لهم ذلك.

стр. 157

(٢) أورد ما ليس بقرآن على أنه قرآن عندما أراد التمثيل بـ" أو " التخييرية، فقال: ((و" أو " و" إما " للتخيير، نحو قوله تعالى: فتحرير رقبة مؤمنة أو إطعام ستين مسكيناً)) (١) . (٣) مما يسجل على المصنف أنه لم يضطرد قراءة واحدة في ثلاثة مواضع من كتابه، بل انتقل من قراءة إلى أخرى، والأعم الأغلب اتخاذه قراءة واحدة. ففي موضع قرأ قوله تعالى: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] بالتاء في " تكن " وهي قراءة سبعية (٢) ، هذا باستثناء النسخة " ن " ففيها " يكن ". وكذلك أطبقت النسخ الخطية على إثبات القراءة بقوله تعالى: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ﴾ [الحجرات: ٦] وهي أيضاً قراءة سبعية (٣) . وربما كان دافعه إلى ذلك ما يستدعيه مقام الاستدلال. أما الموضع الأول فلعله تصرُّفٌ من النسَّاخ (٤) . ثانياً: الأحاديث والآثار لم يُعْنَ المؤلف - عفا الله عنه - بتخريج الأحاديث بتاتاً، ولا ببيان درجتها، وفي الأعم الأغلب يرويها بالمعنى دون ألفاظها، ويبدو أن القرافي - فيما يظهر لي - بضاعته في الحديث مزجاة، وليس من أهل هذه الصنعة. وإليك أمثلةً تثبت ذلك. (١) إيراده في استشهاداته أحاديث ضعيفة أو ضعيفة جداً أو لا أصل لها، مثل: - حديث: ((أمرت أن أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر)) . لا أصل له، وكثيراً ما يلهج به الأصوليون وربما كان من كلام الإمام الشافعي ﵀ (٥) . - حديث: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) . جلُّ المحققين والنقَّاد من أهل الحديث على تضعيفه أو تكذيبه (٦) .

стр. 158

- حديث: ((الحزم سوء الظن)) . لا يصح مرفوعاً، ولا موقوفاً، وإنما صحَّ مقطوعاً (١) . - حديث: ((عليكم بالسواد الأعظم)) . ضعيف (٢) . - حديث: ((إذا رُوي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه)) . هذا الحديث وضعته الزنادقة، وقد عرضناه على كتاب الله فخالفه، فهو مردودٌ بحمد الله (٣) . - حديث: ((تعمل هذه الأمة برهةً بالكتاب، وبرهةً بالسنة، وبرهةً بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا)) . وهو حديث ضعيف، لا تقوم به حجة (٤) . (٢) قلة العناية بألفاظ الأحاديث، مع أن تقييدها بألفاظها أمر لا يُعْجز من أراده فمثلاً: - روى حديث عائشة ﵂ في نسخ عشر رضعات بالمعنى، وهو في صحيح مسلم (٥) . - حديث: ((لا تقتلوا الصبيان)) . لم أجده بهذا اللفظ على كثرة ما وقفت عليه (٦) . - حديث: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) . ليس هكذا في دواوين السنة بل فيها لفظ ((ضلالة)) (٧) . - حديث: ((أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء ثم مجَجْته، أكنتَ شاربه؟!)) لم أجده بهذا اللفظ فيما وقفت عليه (٨) .

стр. 159

- حديث: ((لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)) . لم أجده بهذا اللفظ، وإنما بلفظ ((مثل أحُدٍ ذهباً)) (١) . (٣) وقوع التلفيق بين بعض الأحاديث، ولعلها كُتبتْ من ذاكرة المؤلف ومحفوظاته من غير مراجعة أو تدقيق. من ذلك: - أورد حديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) (٢) وهو مُلفَّق من حديثين كليهما من حديث أنس بن مالك ﵁: الأول: قال ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)) [البخاري برقم (١٥) ] . والثاني: قال ﷺ : ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. . .)) [البخاري برقم (١٦) ] . - أورد حديث الرجل الذي وَقَصتْه دابته في أخاقيق جرذان، ووصفه بأنه كان مُحْرماً، والواقع أنهما حديثان مختلفان، ووقعتان متغايرتان، وإن اشترك كلاهما في وَقْص الدابة لكل منهما (٣) . (٤) تبديل ألفاظ الحديث بألفاظ أخرى، مع ما يترتب على ذلك من استدلال بالحديث المُغيَّر. مثال ذلك: - حديث: ((الرضاع لحمة كلحمة النسب)) . لا يوجد بهذا اللفظ في دواوين السنة بحسب الإطلاع، وقد فرَّع عليه معنى استنبطه منه، وإنما هو ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) (٤) . - حديث: ((نضَّر الله امْرءاً سمع مقالتي فأدَّاها كما سمعها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من ليس بفقيه)) . لم تَرِدْ رواية في جميع ما وقفت عليه بلفظ: ((ورُبَّ حامل فقه إلى من ليس بفقيه)) ، بل كل الذي وجدته ((فرُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه)) . والمصنف استدل بما ذكره من حديث على اشتراط

стр. 160

الفقه في رواية الحديث، وجماهير العلماء على عدم اشتراط الفقه في الراوي ويستدلون لهذا بالحديث نفسه، لكنْ بألفاظه المعهودة المحفوظة (١) . (٥) مما يدل على خِفَّة ذات يده في الحديث، وَهْمه في نسبة بعض الأحاديث والآثار لغير أصحابها فمن ذلك: - أسند لرسول الله ﷺ حديثاً بينما هو من كلام غيره، وهو: ((نعم العبد صهيب، لو لم يَخَف الله لم يعصه)) (٢) . - نسبته أثراً لابن عباس ﵄: ((كنا نأخذ بالأحاديث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ )) . وإنما هو مدرج من كلام ابن شهاب الزهري بلفظ: ((وإنما يؤخذ من أمر النبي ﷺ الآخر فالآخر)) وهي رواية البخاري. أو بلفظ: ((وكان صحابة رسول الله يتبعون الأحدث. . .)) (٣) وهي رواية مسلم. - زعم أن البخاري وغيره رَوَوْا لعَمْرو بن عُبيد مع أنه لم يقبله أحد، بل جرَّحوه لكونه رأساً في البدعة ومن الدعاة إليها (٤) . ثالثاً: دعاوى الإجماع والاتفاق جازف القرافي عليه الرحمة والمغفرة على ادعاء الإجماع في بعض المسائل، وحكى الاتفاق عليها سواء في مسائل العقائد أو الأصول أو الفروع، ولو أنه قال: لا أعلم فيها خلافاً لكان أولى، فما يدريه لعلهم اختلفوا ولم يطلع على اختلافهم. ومن الأمثلة على ذلك: (١) في العقائد. أ - قال: ((فإن قواعد العقائد كان الناس في الجاهلية مكلفين بها إجماعاً، ولذلك انعقد الإجماع على أن أمواتهم في النار يعذبون على كفرهم)) . مع أن بعض أهل العلم جعلهم من أهل الفترة (٥) .

стр. 161

ب - حكى الاتفاق على تخطئة الاجتهاد في مسائل أصول الدين. لكن دعوى الاتفاق محل نظر، فإن طائفة من العلماء ترى عدم تأثيم أو تكفير المجتهد المخطيء في المسائل العلمية (١) . جـ - قال: ((ولذلك لم يعذر الله بالجهل في أصول الدين إجماعاً)) ودعوى الإجماع منقوضة بما ذكره بنفسه في كتابه الفروق (٢ / ١٤٩ - ١٥١) (٢) . (٢) وفي الأصول. أ - قال في الفصل الثالث من باب النسخ (المتن) : ((يجوز عندنا نسخ الكتاب بالكتاب وعند الأكثرين، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بمثلها وبالكتاب والسنة المتواترة إجماعاً)) (٣) . أما مسألة نسخ الآحاد بالآحاد، والآحاد بالمتواتر فالإجماع فيهما مسلَّم، وأما مسألة نسخ الآحاد بالكتاب فالمصنف نفسه قرَّر فيها خلاف الشافعي وبعض أصحابه، فليست مسألة إجماعية (٤) . ب - تابع القرافي الإمام الرازي والآمدي في حكايتهما الاتفاق على جواز النسخ بالفحوى. لكن قال ابن السبكي عن ادعاء هذا الاتفاق بأنه ليس بجيد، وتعجب منه الزركشي (٥) . جـ - حكى الاتفاق على عدم جواز التعليل بالاسم، وحكاية الاتفاق منقوضة بمذهب أكثر المالكية وغيرهم (٦) . (٣) في الفروع واللغة. أ - قال: ((وإن المسكرات حرام في جميع الملل، وإن وقع الخلاف في اليسير الذي لا يسكر، ففي الإسلام هو حرام، وفي الشرائع المتقدمة حلال. أما القدر المسكر فحرام إجماعاً من الملل)) . لكن من العلماء من نازع في ادعاء تحريم المسكرات في الملل السابقة (٧) .

стр. 162

ب - نقل الإجماع على ثبوت المجاز. ومعلوم أن في ثبوت المجاز خلافاً عريضاً قديماً وحديثاً (١) . رابعاً: النقول ونسبة الآراء وقع من المصنف جملةٌ من المؤخذات تتعلق بنسبة الأقوال والآراء إلى أصحابها، وتتعلق بالنقولات والتصرف فيها، أو يكون النقل على خلاف واقع المنقول عنه ونحو ذلك، وكل ذلك مردُّه إلى السهو والوهم الملازم لطبيعة البشر. ومن الأمثلة على ذلك: (١) خطأ في النقل والعزو. أ - نقل بأن مذهب أبي إسحاق في مسألة انعقاد الإجماع في عصر النبي ﷺ جواز انعقاده. وصواب النقل عنه: أنه لا تنعقد، وهكذا فعل مع مذهب ابن برهان (٢) . ب - نقل كلاماً للشيرازي وعزاه إلى " اللمع " (٣) والصواب: " شرح اللمع " والمؤلف لم يُبْعد النُّجْعة، فاللمع وشرحه كلاهما لأبي إسحاق، وربما أراد الاختصار في الاسم. (٢) خطأ في نسبة الآراء إلى أصحابهما ومذاهبها. من ذلك: أ - نسب للشافعية القول بأن جواز تقليد الصبي والأنثى والكافر الواحد في الهدية والاستئذان لاحتفاف القرائن بها، بينما الصحيح عندهم عدم اشتراط احتفاف القرائن (٤) . ب - لم يُصِبْ في نسبة جواز القياس في الرخص للشافعي، فما في رسالة الشافعي على خلاف هذه النسبة (٥) . جـ - أخطأ في حكاية خلاف أبي حنيفة مع الجمهور في مسألة شهادة الذمي على المسلم في الوصية في السفر (٦) .

стр. 163

د - وهم المصنف في حكاية رأي القاضي عبد الجبار في مسألة حكم الزيادة غير المستقلة على النص أهي نسخ أم لا؟ (١) (٣) التساهل في النقل. تختلف طرائق العلماء في الاقتباس من الكتب والنقل منها. فمنهم من يحافظ على ما ينقله بنصِّه وفصِّه، ومنهم من ينقل بالمعنى والفحوى، ولا تَثْريب على كلا المسلكين، بَيْدَ أن المعاتبة والملامة تتجه نحو من ينقل من الكتب فيحيل المعنى أو يُغْمضه أو يُبْهمه أو يُشْكله. وقد وقع القرافي ﵀ في شيء من ذلك بحسب ما ظهر لفهمي القاصر، فمن ذلك: أ - أورد نقلاً عن الرازي في محصوله (٣ / ٢٦٦) لكن فيه تصرُّف ليس كما هو (٢) . ب - نقل عبارةً عن الإمام الرازي ثم أردفها بجُمَلٍ وعباراتٍ أخرى ليست عنده، وعقَّب عليها بقوله: ((قاله الإمام)) وليس للإمام منها سوى الأولى (٣) . جـ - ساق حجة أبي علي الجبائي في الإجماع السكوتي على غير طريقته (٤) ، وهكذا فعل في سياق حجة أبي هاشم (٥) . د - نقل عن ابن القصار بأن ابن القاسم لا يقبل قول القاسم. وهذا النقل فيه تسمُّح فإن ابن القصار ذكر رواية ابن القاسم عن مالك بعدم قبول قول القاسم (٦) . هـ - قال بأن الآمدي رجَّح الحظر على الإباحة عند التعارض بثلاثة أوجه. والصواب: أنه بوجهٍ واحد، وأما تقديم الحظر على الوجوب رجحه الآمدي بوجهين، فالمصنف دمج المسألتين معاً، وجعل الترجيح فيها من ثلاثة أوجه (٧) .

стр. 164

(٤) يُعْرِض عن سَرْد الأقوال كلها في المسألة الواحدة، ولا يستوفيها، بل يقتصر على قولين ونحوهما، ويعرض عن بقيتها، وربما كان باعثه على ذلك الاقتصار على الأقوال القوية دون الضعيفة بحسب ما بدا له، مع الأخذ بطبيعة كتابه المختصر في الحسبان. ومن ذلك: أ - مسألة دلالة فعل النبي ﷺ المجرد ذكر فيها ثلاثة أقوال، بينما فيها قولان آخران لم يذكرهما المصنف (١) . ب - مسألة اعتبار أهل البدع من أهل الإجماع ذكر فيها قولاً واحداً، وفي المسألة أقوال أخرى أبرز مما ذكره المصنف (٢) . جـ - مسألة رواية الحديث بالمعنى ذكر فيها مذهبين، بينما صاحب كتاب " توجيه النظر إلى علم الأثر " عدَّ ثمانية أقوال بل تسعة (٣) . د - اقتصر المصنف في مسألة حكم اجتهاد غير النبي ﷺ في حياته على قول واحد، وفي المسألة ستة أقوال (٤) . هـ - لم يحك مذهب الوقف في مسألة تعبد النبي ﷺ بشرع من قبله قبل البعثة مع كونه الأرجح عند بعض الأصوليين (٥) . وأضْرب صَفْحاً عن ذكر رأي جمهور الأصوليين في مسألة إثبات أصول العبادات بالقياس (٦) . (٥) نسبة القول إلى مجاهيل ومبهمين، كقوله: قال بعضهم (٧) ، وخلافاً

стр. 165

لقوم (١) ، وجوَّزه الأقلون (٢) ، قال غيره (٣) ، خلافاً لبعض الفقهاء (٤) . (٦) عدم فصل القرافي بين كلامه وكلام غيره، فيَحْدث تداخُلٌ بين ما له وما لغيره. وهذا أوقعني في عُسْرٍ شديدٍ للتمييز بينهما ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولاسيما إذا كان المنقول عنه مفقوداً كأقوال القاضي عبد الوهاب وغيره (٥) . (٧) إغفاله إظهار المذهب المالكي في بعض المسائل. إن الشهاب القرافي حرص على إجلاء المذهب المالكي، بل صرَّح بأن منهجه في الكتاب هو: إبراز مذهب الإمام مالك الأصولي ليظهر شرفه فيه كما ظهر في الفروع (٦) . وقد بيَّنتُ طَرَفاً من هذا الاهتمام عند الحديث عن القيمة العلمية للكتاب (٧) . لكن من المآخذ الكبيرة على الإمام القرافي ﵀ أنه لم يحرِّر الأقوال كثيراً في مسالة إجماع المدينة، ولم يُطل النفس فيها، حتى إن العالم المحقِّق حلولو دهش من ذلك فقال: ((هذه المسألة من أمَّهات مسائل المذهب وقواعده، والعجب من المصنف كيف لم يَهْتبل بها، ولم يحرِّر النقل فيها مع كثرة تدقيقه وتحريره واهتباله بقواعد المذهب، وقد اشتهر بين النظار أن إجماع أهل المدينة عند مالك ﵀ تعالى)) (٨) . كما أن الإمام القرافي أورد بعض مسائل أصولية مع بيان مذاهب القائلين فيها، وتجده في الوقت نفسه يُعْرض عن إبداء رأي المالكية فيها، مع أن الكتاب برُمَّته تأسَّس لبيان أصول المالكية.

стр. 166

من أمثلة ذلك: مسألة الإجماع السكوتي (١) ، حتى قال صاحب نشر البنود: ((ولا أدري لِمَ لمْ يَعْزُ قولاً من تلك الأقوال لأهل المذهب، مع أن كتابه موضوع بالذات لبيان أصول مالك، ومع أن أهل المذهب لابد أن يقولوا ببعض هذه الأقوال اتفاقاً أو اختلافاً، والخلاف في ذلك معروف في المذهب. . .)) (٢) . ومن الأمثلة أيضاً: مسألة نقل الخبر بالمعنى (٣) . وربما كان السبب في عدم التصريح برأي المذهب في بعض المسائل موافقة المالكية لتلك الأصول، فإن التقارب المنهجي ظاهر وواضح فيما بينها. خامساً: الترتيب والتسلسل . جاء الكتاب في الجملة منتظم الفصول والأبواب، مرتب المسائل والأبحاث، وقد سبق الكلام عن هذه الميزة في المبحث الرابع من هذا الفصل (٤) . لكن في مواطن قليلة ربما اعترى الكتابَ اختلالٌ في تنظيم مادته، ولم يراعِ المصنف التسلسل المنطقي في التقاسيم والتراتيب. فمن ذلك: (١) في الفصل الثالث: الناسخ والمنسوخ، قَسَّم النسخ إلى: نسخ الكتاب بالكتاب والمتواتر بالمتواتر، والآحاد بالآحاد، ثم ذكر نسخ الآحاد بالكتاب والآحاد بالمتواتر ثم انتقل إلى نسخ الكتاب بالآحاد، وعاد مرة أخرى إلى نسخ السنة بالكتاب ثم تكلم عن نسخ الكتاب بالسنة المتواترة (٥) . . . إلخ، فأنت تجد تشويشاً في الترتيب والتقسيم. ولكني وقفْتُ على تقسيمٍ بديعٍ، وترتيبٍ رائعٍ لهذه الأقسام عند الطوفي في شرح مختصر الروضة (٢ / ٣٢٩) ، فليُطالَعْ ثمَّة. (٢) بحث مسألة حكم انعقاد الإجماع في عصر النبي ﷺ في باب النسخ، عند مسألة " الإجماع لا يُنسخ ولا يُنسخ به " (٦) ، مع أن موطنها الطبيعي أن تكون في باب الإجماع، كما أن المصنف لم يُشِرْ إليها هناك.

стр. 167

(٣) بحث مسألة وقوع الإجماع في العقليات عند شرحه لحدِّ الإجماع (١) ، مع أن محلّها في الفصل الخامس: في المجمع عليه (٢) . (٤) ذكر قاعدة في التعارضات في الباب العشرين: أدلة المجتهدين (٣) ، بينما مكانها اللائق بها في باب التعارض والترجيح (٤) ؟. (٥) بحث مسألة التعليل بالمحلِّ (٥) قبل مسألة التعليل بالعلة القاصرة (٦) ، مع أن الأُولى فرع الثانية، فكيف يُقدَّم الفرع ويؤخَّر الأصل؟! وهذا اضطرَّ المصنف أن يُحيْل استيفاء بحث الأولى في اللاحق لها. (٦) خرج عن الترتيب المعهود عند الأصوليين في: " تعريف النظر ". إذ عرَّفه في باب الاجتهاد (٧) ، بينما مألوف الأصوليين جَعْله في افتتاحيَّات كتبهم. (٧) ينتقل المصنف في شرحه للمتن من مسألة إلى أخرى دون أن يشعر القاريء بانتقاله إلى مسألة جديدة (٨) ، مما اضطرَّني إلى وضع عناوين فاصلة بين ما سبق شرحه، وما سيشرحه بعد ذلك. سادساً: الشرح والعبارات بالرغم من وضوح عبارات الكتاب، واستقامة تعبيراته، في الأعم الأغلب لكن لمست بعض الملاحظات في هذا الصدد. فمن ذلك: (١) الغموض والإخلال. أ - في مبحث كيفية رواية غير الصحابي ومراتبها، ذكر سابعها: وهي المناولة المقرونة بالإجازة (٩) . لكنه أتى بهذه العبارة مجتزأة من المحصول (٤ / ٤٥٣) مع أنها

стр. 168

أصلٌ لعبارة المصنف، وعبارة المصنف فرع لها. وكذلك فعل في المرتبة الثامنة: وهي الإجازة (١) . فذِكْرُ التفريع والترتيب على الأصل دون سابق معرفة بالعبارة الأساس أو الأصل يوقع القاريء في ارتباكٍ واضطرابٍ. ب - نتيجة لشدة الاختصار وقع في إخلالٍ بالمعاني المتضمنة، كما في قوله في باب الخبر ((وإن كان المباشر، فيكون المخبر عنه محسوساً)) (٢) . وكذلك صارت العبارة مختلَّةً بسبب شدة الاختصار من المحصول (٥ / ٤١٠ - ٤١٢) في مسألة تعارض الدليلين، إذا كان أحدهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه، والآخر عكسه (٣) . جـ - قال في الفصل الثالث من باب النسخ (المتن فقط) : ((يجوز عندنا نسخ الكتاب بالكتاب وعند الأكثرين. والسنة المتواترة بمثلها. والآحاد بمثلها، وبالكتاب والسنة المتواترة إجماعاً)) فقوله: ((إجماعاً)) لم يشرحْه المصنف مبيِّناً إلامَ يرجع؟! مما حَيَّر الشرَّاح الآخرين، فحُلُولو أرجعه إلى نسخ الآحاد بالكتاب والآحاد بالمتواتر، والشوشاوي أرجعه إلى نسخ الآحاد بالآحاد، والآحاد بالكتاب، والآحاد بالمتواتر (٤) . (٢) الركاكة في التعبير. ظهرت لي ركاكةٌ في بعض تعبيرات الكتاب، ربَّما كان الأولى أن يُعبَّر عنها بعباراتٍ أخرى. وقد تبدو هذه العبارات والتراكيب مستقيمة من وجهة نظر قاريءٍ آخر، لكني هنا أُعبِّر عن رؤيتي ووجهة نظري. فمن ذلك: أ - قال: ((فلا تأمنه في الشهادة على الكذب فيها)) (٥) . والأحسن لو قال: ((فلا تأمنه على الكذب في الشهادة)) . والله أعلم. ب - قال: ((حجة الفريق الآخر: أنا نعلم بالضرورة أن المخبرين إذا توهَّم السامع أنهم متَّهَمون فيما أخبروا به لا يحصل له العلم. . .)) (٦) . والأفضل لو

стр. 169

قال: ((حجة الفريق الآخر: أنا نعلم بالضرورة أن السامع إذا توهم أن المخبرين متَّهمون. . .)) . جـ - قال: ((وقال القاضي أبو بكر ﵀: العقليات قسمان: ما يخلُّ الجهلُ به بصحة الإجماع، والعلم به كالتوحيد والنبوة ونحوهما، فلا يثبت بالإجماع، وإلا جاز ثبوته بالإجماع، كجواز رؤية الله تعالى. . .)) (١) . قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بإزاء هذه العبارة ((والظاهر أن العبارة حُرِّفت)) (٢) . د - قال: ((قال جماهير الفقهاء والمعتزلة: يجب اتباعه ﷺ في فعله، إذا علم وجهه وجب اتباعه في ذلك الوجه. . .)) (٣) . والعبارة الأسدُّ هي: ((قال جماهير الفقهاء والمعتزلة: يجب اتباعه ﷺ في فعله إذا علم وجهه)) مع حذف ما بعده؛ لأنه تكرار مَحْض أوْرَثَ ركاكةً في الجملة. (٣) الاستطرادات البعيدة. وقع المصنف في استطرادات عما هو بصدد الكلام فيه، وهي وإن كانت خارجة عن جادة الموضوع إلا أنها تحوي فوائد عظيمة، وما كثرة هذه الاستطرادات المبثوثة في الكتاب إلا دليلٌ على الرُّكَام المَعْرفيِّ الهائل عند القرافي الذي وجد طريقه للتنفيس فيها، والحال أنها ظاهرة عَمَّتْ عصره. من هذه الاستطرادات: أ - سؤال بعض الفضلاء له عن إشكالٍ حول التخيير يقتضي التسوية، بينما الخمر واللَّبَن لا يستويان وقد خُيِّر النبي ﷺ بينهما يوم الإسراء، ثم جوابه عن هذا السؤال، وهذا الاستطراد نبع من كلامه عن مسألةِ طريقةِ معرفةِ وَجْهِ فعله ﷺ ، إما بالنص أو بالتخيير بينه وبين غيره. . . إلخ (٤) . ب - لما تحدث القرافي عن سد الذرائع باعتباره أحد أدلة المجتهدين، استطرد فقال: ((تنبيه: ينقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العوائد، والمصلحة المرسلة،

стр. 170

وسد الذرائع، وليس كذلك. . .)) (١) . وهذا الاستطراد مقبول؛ لأنه في محله. لكنه استرسل فتكلَّم عما شُنِّع على الإمام مالك ﵀ في مخالفته للحديث، وأنه خالفه لمعارضٍ أرجح (٢) ، وهذا لا تعلُّق له بموضوع المسألة، ولا جامع بينهما إلا ذِكْر التشْنيع على الإمام مالك رحمه الله تعالى. جـ - لما سَجَّل مذهب أبي مسلم الأصفهاني في إنكاره نسخ القرآن (٣) استطرد فذكر فائدةً عن اسمه وكنيته، وهذا الاستطراد خارج عن جادَّة الموضوع (٤) . د - لما بحث في العدالة - وهي شرط في صحة الرواية - استطرد فبحث حَدَّ الكبيرة والصغيرة. وليس بحثهما من متعلِّقات البحث الأصولي، ولكن اشتدَّ استطراده بدرجةٍ بعيدةٍ حينما أخذ يبحث عن ضابطِ الإصرار الذي يُصِّير الصغيرةَ كبيرة (٥) . (٤) التكرار والإعادة. وقع في الكتاب تكرار لبعض مباحثه ومسائله وقواعده، وهذا المأخذ وإن كان يَشِين التآليف، لكن يبدو أنه هدف مقصود للمصنف، فإن مما اتَّسم به منهجه التكرارُ في بعض مواضع الكتاب. وهذه الظاهرة فاشية في أغلب تآليفه عليه رحمة الله، ولهذا نجده يعلِّل هذا المسلك بأن المقام الذي ورد فيه تكرار محتاجٌ إلى ذلك؛ ليرتِّب عليه أحكاماً معينة، كما أن في التكرار مزيدَ توضيحٍ للواقف عليه؛ بسبب تغيير العبارة أو زيادة الألفاظ (٦) . وإليك تمثيلاً لبعض ما تكرر في الكتاب: أ - مسألة الإجماع في العقليات، تكررت في: ص ١٢٠ - ١٢١، ١٨٢. ب - مسألة إحداث قول ثالث إذا أجمعت الأمة على قولين، جاءت في: ص ١٢٩، وفي: ص ١٣٤.

стр. 171

جـ - مسألة إجماع أهل الكوفة، وردت في باب الإجماع، ص ١٥٥، وفي باب: أدلة المجتهدين ص ٥١٩. د - مسألة وقوع النسخ في القرآن عند أبي مسلم الأصفهاني، ذكرها في: ص ٥٠، ٦١، ٨٢. هـ - مسألة القياس في الدنيويات ذكرها في الشرح، ص ٣١١، ثم ذكرها بعد ذلك في المتن ص ٣١٢. ومسألة تنقيح المناط، بحثها في: ص ٣١٤، وكذلك في ص ٣٤٨. ز - مسألة التقليد في أصول الدين، بحثها في: ص ٤٤١، وفي ص ٤٨٧. حـ - مسألة حكم الأشياء قبل ورود السمع، تكررت في: ص ٨٨ (المطبوع) ، ٩٢ (المطبوع) ، ٤٠٣، ٥٠٠. ط - قاعدة نقض قضاء الحاكم إذا خالف الإجماع أو النص الصريح أو القياس الجلي أو القواعد، جاءت في: ص ٢٣٨، ٤٤٧، ٤٧٩. (٥) عدم إيضاح ما ذكر أنه " ظاهر " يشير القرافي أحياناً في كتابه إلى ظهور القول، أو أن كذا وكذا ظاهر، أو أنه ضعيف دون أن يبين للقاريء وجه ظهوره أو تضعيفه. فمن ذلك: أ - قال: ((وأما وجه الفرق بين الجلية والخفية فظاهر مما تقدم)) (١) . ب - قال: ((وضعَّفه الإمام)) (٢) . جـ - قال: ((لأنا إن قلنا: كل مجتهد مصيب فظاهر)) (٣) . د - قال عند تعداد مسالك العلة: ((فالأول: النص على العلة، وهو ظاهر)) (٤) . (٦) صور من التناقض والتضارب. وقع المصنف فيما يبدو أنه تناقض في بعض المسائل. من ذلك:

стр. 172

أ - مسالة تفاوت العلوم: مرةً يذكر عدم التفاوت بينها (١) ، وفي موضع آخر يفيد كلامُه حصولَ التفاوت (٢) . ب - حكى الإجماع على أن العامي له أن يقلد من شاء بغير حَجْر في موضع (٣) ، وفي موضع آخر حكى خلافاً بين العلماء في العامي من يقلد إذا اختلف العلماء عليه أيقلِّد أيهما شاء أم يتحرَّى (٤) ؟ سابعاً: مآخذ لغوية . وقع المصنف ﵀ على جلالة قدره وغزارة علمه في بعض أخطاء نحوية ولغوية، وهي وإن كانت قليلة لكنها لا تليق بمكانة القرافي الرفيعة، ولاسيما أن له اهتماماً كبيراً ومشاركة واضحة في اللغة هذا إن صحتْ نسبتها إليه، ولعل هذه المؤاخذات لها أوجهٌ أخرى من اللغة لم أقفْ عليها، فيكون الصواب معه فيها، أو تكون من خطأ النسَّاخ، أو لم يتمكَّن المصنف من مراجعة كتابه بعد تسويده، والله أعلم. فمن الأمثلة على ذلك: (١) حذف الفاء في جواب " أما " الشرطية، والواجب اقتران جوابها بها، ولا يكاد يعرى عنها إلا لضرورة أو نُدْرة. قال ابن مالك في ألفيته: أمَّا كَمَهْمَا يَكُ مِنْ شيءٍ وفَا لِتِلْو تِلْوِها وُجُوباً أُلِفَا (٥) وكتاب القرافي جاء فيه خلاف هذه القاعدة ولا ضرورة مُلْجئة إلى ذلك، مثال ذلك: أ - قال في المتن: ((وأما ترجيح المتن قال الباجي. . .)) (٦) . والصواب: فقال الباجي.

стр. 173

ب - قال: ((أما الستة ثلاثة وثلاثة)) (١) . والصواب: فثلاثة وثلاثة. جـ - قال: ((أما الموقوف على بعض الصحابة يقوله من قبل نفسه ... )) (٢) . والصواب: فيقوله ... إلخ. (٢) عبَّر القرافي بقوله: ((ويقال: إنها نيِّفٌ وعشرون آية)) (٣) . والصواب: ألا يقال " نيِّف " إلا بعد عَقْدٍ، فيقال: عشرون ونيِّف، مائة ونيِّف. والله أعلم. (٣) قال ((حجة الجمهور: أنَّا نجد العلم التواتري [حاصل] للصبيان والنسوان ومن ليس له أهلية النظر)) (٤) . ومحلُّ النظر كلمة " حاصل " فإن رسمها على هذه الصورة لستُ أعلم له وجهاً سليماً، فالصواب أن تكون " حاصلاً " على أنها مفعول ثانٍ للفعل " نجد ". قال الحريري في ملحة الإعراب (٥) : لكنَّ فِعْلَ الشَّكِ واليَقِينِ يَنْصِبُ مَفْعولين في التَّلْقِينِ تقولُ: قدْ خِلْتُ الهِلالَ لائِحا وقدْ وَجدْتُ المُسْتَشَارَ ناصِحَا ولا أظنُّها تُحمل على لغة ربيعة في حذف الألف من المُنَوَّن المنصوب حملاً له على صورة المنوَّن المرفوع والمجرور؛ فيقولون: رأيتُ زيدْ، والسبب في عدم هذا الحَمْل أن حذف ألف التنوين إنما يكون عند الوقف، ولا وقْف هنا (٦) . قال ابن مالك في الألفية (٧) : تَنْويناً اثرَ فَتْحٍ اجْعَلْ ألِفَا وَقْفَاً وَتِلْوَ غَيْرِ فَتْحٍ احْذِفَا ثامناً: أوهام علمية . وقع المصنف عليه الرحمة والمغفرة في أوهامٍ علمية متنوعة، منها ما يتصل بالعقيدة وبالأسماء، وبالتمثيل، وبغير ذلك، وقد تمَّ التنبيه عليها في مواضعها. بعض

стр. 174

هذه الملاحظات قابل للأخذ والردِّ، وقد يكون الصواب فيها مع القرافي، وبعضها يُعدُّ هفوةً أو زلةً صدرتْ بسبب وَهْمٍ بشري أو غفلةٍ إنسانية. ويمكن تلخيص هذه الأوهام فيما يلي: (١) قوله في كلام الله تعالى بالكلام النفسي تمشِّياً مع معتقده الأشعري، وهذا مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة السلف الصالح (١) . (٢) تجويزه خُلوَّ حكمِ الله عن علَّةٍ بحجة أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهذا التجويز ناشيء عن اعتقاد الأشاعرة بأن الله خَلَق الخَلْق وأمر ونهى لا لعلةٍ ولا باعث، بل فعل ذلك لمحْضِ المشيئة، وصِرْف الإرادة. وأهل السنة والجماعة يثبتون الحكمة والتعليل في خلقه ، وفي أمره (٢) . (٣) قوله بأن أول واجب على المكلف هو النظر، وهذا مذهب الأشعرية في الجملة، أما أهل السنة والجماعة فيقرِّرون بأن الواجب الأول على المكلف هو الشهادتان (٣) . (٤) يؤاخذ القرافي على تعبيره بأهل السنة في مقابلة رأي غيرهم، وهم: أحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، وهؤلاء هم أساطين أهل السنة (٤) . (٥) قوله بأن الكافر يُكْره على الإسلام بالسيف إن لم يقبل دعوة الإسلام مختاراً، مع أن الله تعالى يقول: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . (٦) قال: ((كقتل الكفار لمحو الكفر من قلوبهم)) (٥) . ولست أدري كيف يُمْحى الكفر من القلب بالقتل؟! إلا أن يكون قتل بعضهم سبباً في إسلام غيرهم. (٧) قوله بنسخ آيات الموادعة بآية السيف، وهو قولٌ لبعض العلماء، والصواب أنها محكمة؛ لأن من شرط النسخ التعارض، ولا تعارض (٦) .

стр. 175

(٨) قوله بأن الذبيح هو إسحاق ﵇، وهو رأي لبعض العلماء، لكن الذي عليه الأكثر من الصحابة والتابعين والعلماء أنه إسماعيل ﵇، ولعل الرأي القائل بأنه إسحاق ﵇ تسلَّل من الإسرائيليات. والله أعلم (١) . (٩) قوله بأن لقاء أبي حازم سلمة بن دينار لابن شهاب الزهري كان في مجلس هارون الرشيد. وهذا خطأ لا يصححه التاريخ، فإن كلا العالمين ماتا قبل مولد هارون الرشيد ﵏. ولعلَّ المصنف قلَّد غيره من المؤرخين أو وقع منه ذلك سهواً (٢) . (١٠) فسَّر حُسْن النَّسَق بفصاحة اللفظ، وهذا وهم، وغير مراد، ومخالف لتفسير الباجي الذي نقله عنه. وهذا التفسير أوقع المصنف في تكرارٍ خاطيء (٣) . (١١) أخطأ في التمثيل لما ينافي الدليل القاطع بمن يقول: الشمس ليست طالعة، وهي طالعة. وهذا مخالف لتمثيل الغزالي الذي اختصر المصنف كلامه في هذا الموضع (٤) . (١٢) مع دقته المعهودة، لكن كانت تغيب عنه هذه الدقة أحياناً، مثل تعبيره عن مسألة " الأخذ بأقل ما قيل " بقوله: ((الأخذ بالأخف)) (٥) ، إلا أن يكون هذا اصطلاحاً خاصاً به. (١٣) ادعاؤه بأن قول الشافعي: ((إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي)) ليس من خصوصيات الإمام الشافعي ﵀، ولكن تقي الدين السبكي عارضه في ذلك، ودلَّل على أنها من خصوصياته (٦) . (١٤) وقع منه خَلْط بين المرتبة الثالثة والمرتبة الرابعة من مراتب رواية الصحابي لحديث النبي ﷺ (٧) .

стр. 176

(١٥) وَهْمه في نسبة بيت الشعر: بلادٌ بها نِيْطَتْ عَليَّ تَمَائِمي وأولُ أرضٍ مسَّ جِلْدِي تُرَابُها لأبي تمَّام، والواقع أنه ليس له (١) . (١٦) انقلب عليه مذهب ابن عُلَيَّة في الشرح، إذ قال عنه بأنه أوجب جلسة التشهد الأولى قياساً على الثانية، وحقيقة مذهبه ما قرره المصنف نفسه في المتن برد حكم الجلسة الثانية إلى الأولى (٢) . (١٧) وقع تحريف في بعض أسماء الأعلام في الكتاب، كقوله عن " الحَصْكَفي " بأنه " الحَسْكَفي " (٣) . ونقل عن الشيرازي أن اسم أبي مسلم الأصفهاني: " عمرو بن يحيى "، والصواب أنه " محمد بن بحر " (٤) . تلكم هي أهم المؤاخذات على الكتاب، وهي مجرد سَنَحاتٍ وخواطر تراءت لي في تضاعيف تحقيق الكتاب، اقتضت طبيعة البحث مني تسجيلَها وتقييدَها، عائذاً بالله من التعاظم والتطاول، وهي ليست أحكاماً نهائية، فإن إصدار الأحكام على كتب العلماء الأفذاذ المهرة ذي الشهرة يستلزم مؤهلاتٍ خاصة، وكفاءاتٍ نادرة، لا يحظى بها سوى العلماء. ((ولا يمكن جعل هذه المآخذ ذريعةً إلى ترك الصواب الجمِّ، ولا أستحل وَصْم المصنف بارتكاب الذمِّ، والذَّنْب الواحد لا يُهْجر له الحبيب، والروضة الحسناء لا تُتْرك لموضع قَبْرٍ جديب، والحسنات يذهبن السيئات، ولو ذهبنا نترك كل كتاب وقع فيه غَلَط، أو فَرَط من مصنفه سَهْو أو سَقَط، لضاق علينا المجال، وجَحَدْنا فضائل الرجال. ولقد نفع الله الأمة بكتب طارت كل المطار، وجازتْ أجواز (٥) الفلوات وأثْبَاج (٦) البحار، وما فيها إلا ما وقع فيه عَيْب، وعُرِف منه غَلَطٌ بغير شكٍّ ولا رَيْب، لكن لم يجعله الناس سبباً لرَفْضها وهَجْرها، ولا توقفوا عن الاستضاءة بأنوار الهدية من أفق فَجْرها)) (٧) .

стр. 177

المبحث التاسع مقارنة الكتاب بكتب الشروح الأخرى ينبغي باديء ذي بدء عند عقد مقارنة بين شروحات " تنقيح الفصول " أن نستصحب في أذهاننا البَوْن الشاسع، والفرق الواسع بين المستوى العلمي للقرافي ومستويات بقية الشراح العلمية كحلولو، والشوشاوي، ومحمد الطاهر بن عاشور، ومحمد جعيط. هذا الفارق الرئيس يُكْسب كتاب القرافي قوة ومتانة، فيزيد من ثقة الناس به، وكلُّ الشروح موضع ثقة إن شاء الله تعالى ولكن بنسبٍ متفاوتة. وإذا كان الماتن شارحاً لكتابه، فسيكون أدرى بخفاياه، وأعلم بمقاصده من غيره، فأهل مكة أدرى بشعابها، ولهذا قال القرافي بنفسه في مقدمة شرح التنقيح: ((فلما كثر المشتغلون به (أي المتن) ، رأيت أن أضع لهم شرحاً يكون عوناً لهم على فهمه وتحصيله، وأبيِّن فيه مقاصد لا تكاد تُعلم إلا من جهتي، لأني لم أنقلها عن غيري، وفيها غموض)) (١) . وفي هذا المبحث سأتطرق لعقد مقارنات سريعة بين شروحات التنقيح المطبوعة. ولكن أرى من المفيد أن أمهِّد قبل ذلك بمقارنات مهمة تتعلق بالكتاب، مثل: مقارنة شرح التنقيح بالمتن نفسه، ومقارنة شرح التنقيح بشرح المحصول (نفائس الأصول) ، ومقارنة شرح التنقيح بالمحصول للرازي. لهذا انتظم هذا المبحث المقارنات التالية: المقارنة الأولى: مقارنة شرح التنقيح بالمتن " تنقيح الفصول " ربما كان من المناسب أن تُعْقد هذه المقارنة في المبحث الأول من هذا الفصل عند الكلام عن المتن. لكن رأيت إرجاء الحديث عنها هنا؛ لتنتظم تحت مبحث المقارنات. وأؤكِّد هنا - عند عقد المقارنة - ما سجلته في بداية المبحث الأول من هذا الفصل (٢) من أن هذا الكتاب (متناً وشرحاً) يعتبر وحدة واحدة لا يمكن فصل الشرح عن المتن، لهذا لن نكون دقيقين إذا قلنا بأن شرح تنقيح الفصول كسائر شروحات متون الكتب الأخرى، فالقرافي لما رغب في شرح متنه، فإنه قرَّر المتن كما هو، وأَتْبَعه بمزيد

стр. 178

توضيحات لغموض أو إشكال، كما أنه دلَّل على المسائل الواردة فيه، وناقش ورجَّح أحياناً. . . وهكذا (١) . ففي المتن " تنقيح الفصول ": ذكر المصنف المسائل الأصولية، وآراء المذاهب والعلماء فيها، والتعاريف والحدود، وعرضاً سريعاً للأدلة على وجه الاختصار. وفي الشرح " شرح تنقيح الفصول ": تابع المصنف شرح بعض الحدود، واستكمل بقية الأدلة، ووجه الاستدلال بها، مع الاعتراضات والأجوبة، وزاد في النقولات الداعمة للآراء في المسألة الأصولية. إن المختصرين عادةً يضطرُّون - بحكم طبيعة الاختصار - إلى إيجاز العبارة، وإلغازها في إشارة، مما قد ينتج عنه عدم الوفاء بالفكرة المراد إيضاحها، وحصول غموض وإشكال في المختصر. لهذا قال الطوفي مشيراً إلى هذا المعنى ((قد حصل في " المختصر " في هذه المسائل تداخلٌ بموجب الاختصار، وقد فصَّلْتُه في الشرح كما رأيت. والله أعلم)) (٢) . وانطلاقاً مما سلف ذكره آنفاً، نلحظ - ونحن نقلب صفحات الكتاب - تسجيل القرافي تراجعاته عما ذكره في المتن، فبعد أن أورد في المتن بعض أمورٍ تابعاً فيها الرازي في محصوله، أو مقرِّراً لها من تلقاء نفسه ابتداءً، نجده عند تأليف الشرح لا يرتضيها، ولا يُسلِّم بها، بل يسعى لتفنيدها ونقدها. ويجب ألا ننسى - في ظل عقد هذه المقارنة بين المتن والشرح - أن القرافي صنَّف المتن في باكورة حياته العلمية (٣) ، وربما كانت العجلة تدفعه إلى سرعة تأليفه ليخوض غمار موسوعته " الذخيرة "، ويمخر عباب بحارها. هذا الاستعجال خلَّف وراءه نوعَ أخطاءٍ وهفواتٍ كشفتْ الممارسةُ بعد ذلك، وطولُ باعِ القرافي في التأليف، أنَّها لم تكن في محلِّها. فبعدما يربو على عشر سنواتٍ، وبعد ما يقارب عشر مؤلفات (٤) تكشَّفتْ للمصنف هذه الملاحظات، فأراد التنبيه عليها في الشرح.

стр. 179

وإليك تمثيلاً لهذه التراجعات والتصحيحات التي جاءت في الشرح خلافاً لما ذكره في المتن: أولاً: استدراكات القرافي على نفسه لما قرَّره في المتن من تلقاء نفسه. (١) قال في الشرح: ((وقولي في الكتاب (المتن) : الحقيقة: استعمال اللفظ في موضوعه، صوابه: اللفظة المستعملة، أو اللفظ المستعمل. . . فالحقُّ أنها موضوعة للَّفظ المستعمل، لا لنفس استعمال اللفظ. . .)) (١) . وهكذا أيضاً صوَّب حدّ المجاز بنفس الطريقة (٢) . (٢) لمّا عرَّف التخصيص وذكر محترزاته في المتن، ثم شرحها في الشرح، قال أخيراً: ((وهذا الحد باطل، مع هذا التحرير العظيم، الذي لم أَرَ أحداً جمع ما جَمعْتُ فيه - ثم قال - فينبغي أن يؤتى بعبارة تجمع هذه النقوض، وتُخرج الاستثناء، وفيها عُسْر)) (٣) . (٣) قال في الشرح: ((وقولي: كما يترادف مفهوم المخالفة ودليل الخطاب وتنبيهه، صوابه: الاقتصار على الأوَّلَين، ونترك تنبيه الخطاب؛ لأنه لم يتقدم له ذكر في مفهوم المخالفة)) (٤) . (٤) قال في المتن: ((الفصل الحادي عشر: خمس حقائق لا تتعلق إلاّ بالمستقبل من الزمان وبالمعدوم)) ثم قال في الشرح: ((صوابه أن يقول: بالمعدوم وبالمستقبل. . . ولو قلت: بالمستقبل، لأجزأ، لكن التصريح بالمعدوم أحسن؛ لأنه أنَصُّ على اعتبار المعدوم في ذلك. وألحقتُ بعد وضع هذا الكتاب (المتن) لهذه الخمسة خمسةً أخرى، فصارت عشرةً. . .)) (٥) . (٥) قال في المتن - حسب النسخ الخطيَّة وخلافاً للمطبوع الذي تصرَّف فيه محققه - قال ((يجوز عند المالكية والشافعي ﵁ وجماعة من أصحابه استعمال

стр. 180

اللفظ في حقائق. .)) (١) . . ثم قال في الشرح: ((وقولي أول المسألة: وجماعة من أصحابه، أريد أصحاب مالك، وسبق القلم في الأصل (المتن) إلى: المالكية، وصوابه: ويجوز عند مالك والشافعي وجماعة من أصحاب مالك. . .)) (٢) . (٦) قال في الشرح: ((ولذلك اخترتُ طريق سيف الدين (الآمدي) على طريق الإمام فخر الدين الرازي - ثم قال - غير أني بعد وضع هذا الكتاب (المتن) رأيتُ كلام أبي الحسين في كتابه " المعتمد في أصول الفقه "، وقد حكى عن شيعة المعتزلة الخلاف مطلقاً من غير تقييد، كما حكى الإمام، فرجعتُ إلى طريقة الإمام. . .)) (٣) . (٧) قال في المتن فيما يدل عليه الأمر: ((وعلى النهي عن أضداد المأمور به عند أكثر أصحابه. . .)) ثم قال في الشرح: ((أريد بالضمير في قولي: ((وأصحابه)) مالكاً ﵁) (٤) . وقال في المتن: ((وهو عنده للتكرار. . .)) ثم قال في الشرح: ((وقولي في أصل الكتاب (المتن) : ((عنده)) أريد مالكاً)) (٥) . (٨) لمَّا أورد في بحث ترجيح الأقيسة في المتن كلام الباجي بأن أحد القياسين ترجَّح على الآخر لكون علة أحدهما متعدِّية (٦) . قال في الشرح: ((العلة المتعدِّية أولى من القاصرة، غير أن هذا لا يستقيم من جهة أن القاصرة لا قياس فيها، والكلام إنما هو في ترجيح الأقيسة، فإن كان في ترجيح العلل من غير قياس صحّ)) (٧) . (٩) يناقش نفسه ويُنْصِفها، فهو يقول عمّا كتبه أولاً في المتن بأنه وقع منه سهو. قال: ((والذي في الأصل (المتن) ما أرى نقله إلاّ سهواً)) (٨) .
следующие страницы →