← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9879

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير

القرافي

Полный текст (780 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأحياناً يبدأ بقول الجمهور والأكثرين (١) ، وأحياناً يقدّم مذهب مالك وأصحابه، ويلاحظ عليه في عرض مذهب المالكية أنه يبدأ بهم ويعطف عليهم الجمهور، فمثلاً يقول: ((عندنا وعند الكافة)) (٢) ، ((مذهب مالك وجمهور العلماء)) (٣) ، ((والأكثرون من أصحابنا وغيرهم)) (٤) ، وأحياناً نادرة يؤخر مذهب مالك (٥) ، وأحياناً يحكي أقوال أفراد من العلماء في المسائل (٦) ، وفي أحايين يُبهم أصحاب الأقوال، فيقول: ((خلافاً لبعضهم)) (٧) ، ((خلافاً لقوم)) (٨) ، ((وجماعة)) (٩) . وفي مواطن كثيرة كان القرافي يقتصر في المسألة على مذهب الإمام الرازي وأقواله دون غيرها (١٠) . ويلاحظ بصفة عامة أن المصنف كان يترك أقوالاً في المسألة، إما غفلة منه لها، أو لضعفها عنده وعدم انتهاض الدليل عليها، أو لسبب آخر. ٣ - طريقة التقرير للمسألة: سلك القرافي طريقة التقرير في مسائل الاتفاق، أو كان الخلاف فيها غير معتبر عنده، فإنه كان يكتفي بتقرير القول فيها كأنها مسلَّمة لا تقبل الجدل. ومن الأمثلة على ذلك: أ - قال ((كل ما يتوقف العلم بكون الإجماع حجة عليه لا يثبت بالإجماع، كوجود الصانع وقدرته وعلمه، والنبوة. . .)) (١١) .

стр. 107

ب - قال ((وهو (أي الإجماع) مقدَّمٌ على الكتاب والسنة والقياس)) (١) . جـ - قال ((وإذا زادت إحدى الروايتين على الأخرى - والمجلس مختلف - قُبلت، وإن كان واحداً - ويتأتَّى الذهول عن تلك الزيادة - قُبلتْ، وإلا لم تقبل)) (٢) . د - قال ((يجوز التعليل بالأوصاف العرفية كالشرف، والخِسَّة، بشرط اطرادها وتميُّزها عن غيرها)) (٣) . هـ - قال ((ويمتنع الترجيح في العقليات؛ لتعذر التفاوت بين القطعيين)) (٤) . ٤ - العناية بتصوير المسألة عُني القرافي بتصوير بعض المسائل في ثنايا كتابه، من ذلك: أ - قال في تصوير مسألة اتباعه ﷺ ((معنى يجب اتباعه في ذلك الوجه، أي: إنْ فَعَله على وجه الندب وجب علينا أن نفعله على وجه الندب، أو فَعَله ﷺ على وجه الوجوب وجب علينا أن نفعله كذلك، إذ لو خالفناه في النيّة ذهب الاتباع)) (٥) . ب - قال في تصوير مسألة حكم نسخ الشيء قبل وقوعه ((المسائل في هذا المعنى أربع - ثم عدَّها وقال - فأما الثلاثة الأول، فهي في الفعل الواحد غير المتكرر، وأما الرابعة فوافقنا عليها المعتزلة. . .)) (٦) . جـ - قال ((وأما المسألة الثانية فصورتها أن يكون لأهل العصر الأول قولان، ثم يتفق أهل العصر الثاني على أحد ذَيْنك القولين)) (٧) . د - من الطرق المحصِّلة للعلم غير التواتر إخبار الجمع عن الوجدانيات، بيّن المصنف فيها صورة المسألة وقال ((فهذا هو صورة هذه المسألة)) (٨) .

стр. 108

٥ - تلخيص المسألة وتحصيلها: انتهج القرافي هذه الطريقة في مواضع من كتبه، وهذا المنهج مفيد في طرائق التعليم، فبعد بحث المسألة بتشعباتها ومناقشاتها قد يعزب عن ذهن المطالع أصل المسألة ولبُّها، فيعمد المؤلف إلى لملمة فلولها، وتجميع شعثها، وتلخيصها. فمن ذلك: أ - قال في آخر مسألة تعارض فعله ﷺ مع قوله: ((فهذا هو معنى المسألتين الأخيرتين في هذا الفصل)) (١) وبعدها بأسطر قال: ((هذا تلخيص هذا الموضع، ولابد منه)) (٢) . ب - قال في مسألة إحداث قول ثالث: ((فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال. . .)) (٣) . جـ - عرض مسألة إمكان أن تخطيء جميع الأمة في ثلاث حالات، ثم قال: ((فهذا تلخيص هذه المسألة)) (٤) . د - قال في مسألة قادح الفرق في آخرها: ((فهذا تلخيص هذا الموضع)) (٥) . ٦ - سوق الأمثلة على المسألة: يظهر اهتمام القرافي بالتمثيل لبعض المسائل، وتخريج الفروع عليها، فمن ذلك التمثيل على: إقرار النبي ﷺ (٦) ، نفي الزيادة بالشرط (٧) ، نسخ ما لا تتوقف عليه العبادة (٨) ، إحداث قول ثالث (٩) ، المتواتر اللفظي والمعنوي (١٠) ، العلة التي لا تعود على الأصل بالتخصيص (١١) ، والتمثيل عموماً على مسالك العلة (١٢) وقوادحها (١٣) .

стр. 109

رابعاً: عرض مواطن الخلاف: في مسائل عديدة كان المصنف يصرح بوقوع الاختلاف فيها، ويعبّر حيال ذلك بقوله: أ - ((اختلفوا في اشتراط الإرادة في حقيقة كونه خبراً. . .)) (١) . ب - ((اختلفوا في جواز دخول القياس في العدم الأصلي)) (٢) . جـ - ((اختلفوا: هل يجوز تساوي الأمارتين؟)) (٣) . د - ((اختلف الناس في اشتراط العدد في التزكية والتخريج)) (٤) . هـ - ((اخْتُلف في المبتدعة إذا كفرناهم)) (٥) . ولنتعرف على منهج القرافي في عرض الخلافيات من حيث تحرير النزاع، ومنشأ الخلاف، وثمرته. ١ - محل الخلاف: لم يحرِّر القرافي النزاع في جميع المسائل الخلافية إلا في عددٍ قليلٍ منها، التي ربما رأى أنها بحاجةٍ إلى تحرير أمناً من وقوع الالتباس فيها. مثل: مسألة شرائع من قبلنا (٦) ، نقل الخبر بالمعنى (٧) ، الخلاف في حجية القياس في الشرعيات دون الدنيويات (٨) ، القياس في اللغات (٩) . ٢ - تأصيل الخلاف: في بعض الأحايين يبين القرافي منشأ الخلاف ومبناه، ومردَّه وسببه، والأغلب عليه تركه له. ومن الأمثلة على ذلك: مبنى الخلاف في نسخ الإجماع (١٠) ، الخلاف في

стр. 110

تكفير مخالف الإجماع مبنيٌّ على أنه قطعي أم ظنِّي (١) ، منشأ الخلاف في اختلاف العدد الذي يتحقق به التواتر (٢) . ٣ - ثمرة الخلاف: في مواضع قليلة بيّن القرافي نوع الخلاف، وأنه لفظيّ لا ثمرة تترتب عليه. من أمثلة ذلك: أ - قال: ((وقال الجاحظ: يجوز عروُّه عن الصدق والكذب، والخلاف لفظي)) (٣) . ب - نقل عن بعض العلماء قولهم في مسألة تعبده ﷺ بشرع من قبله قبل نبوته: ((هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة في الأصول، ولا في الفروع ألبتة، بل تجري مجرى التواريخ المنقولة، ولا يترتَّب عليها حكم في الشريعة ألبتة)) (٤) . جـ - قال: ((أما من أنكر النسخ من المسلمين فهو معترف بنسخ تحريم الشحوم. . . غير أنه يفسّر النسخ في هذه الصور بالغاية، وأنها انتهت بانتهاء غايتها، فلا خلاف في المعنى)) (٥) . خامساً: الحدود والألفاظ: ١ - يولي القرافي الحدود عنايةً خاصةً، ورعايةً فائقةً. - فهو يستهلُّ المصطلح بتعريفه لغةً، ثم يعقبه بالتعريف الاصطلاحي، كما في تعريفه: للتواتر (٦) ، والاجتهاد (٧) ، والسنة (٨) . - وربَّما عكس فأتى بالتعريف اصطلاحاً أولاً، ثم في الشرح يعرِّفه لغةً، وهذا نوع استدراك منه على ما فاته في المتن. مثل تعريف: الإجماع (٩) ، والقياس (١٠) ، والسبر والتقسيم (١١) .

стр. 111

- في مواضع أخرى خالف القرافي طريقة الازدواج بين التعريفين (اللغوي والاصطلاحي) فيقتصر على إيراد التعريف الاصطلاحي فقط، كما في تعريفه: للنسخ (١) ، الخبر (٢) ، المرسل (٣) ، والاستصحاب (٤) ، والاستحسان (٥) . - وفي حالات نادرة لم يتعرض لتعريف المصطلح لغةً واصطلاحاً، مثل التعارض والترجيح. - يذكر عادة قيود التعريف، ومحترزاته، كما أنه يقوم بشرح ألفاظه، وأحياناً يذكر الاعتراضات ويجيب عنها. - في الأغلب يكتفي بحدٍّ واحدٍ للمحدود، وفي حالات قليلة، يورد حدِّين مثل: النسخ (٦) ، والقياس (٧) ، وأورد للصحابي ثلاثة تعريفات (٨) ، وذكر سبعة أقوال في تعريف النظر (٩) ، ومع ذلك كان يختار من هذه الحدود ما يراه راجحاً. ٢ - يضبط اللفظ الذي يحتاج إلى تحرير، ليرتفع الإشكال، مثل لفظ: " متعبِّد " و" متعبَّد "، أيهما الصواب، أن نقول: أكان النبي ﷺ قبل البعثة متعبِّداً أم متعبَّداً بشرع من قبله؟ (١٠) . كما أنه يحرر الاصطلاحات اللفظية التي توجد عند قوم دون آخرين مثل: " تنقيح المناط " و" تخريج المناط "، ولهذا قال ((فيحصل لنا في تنقيح المناط مذهبان، وفي تخريج المناط قولان)) (١١) .

стр. 112

٣ - يناقش الأصوليين فيما درجوا عليه من تسميات، ويعلِّل وجه التسمية على النحو المشهور، مثل وقفته عند مصطلح " السبر والتقسيم "، فإن التسمية الصحيحة له: التقسيم والسبر؛ لأننا نقسِّم أولاً، ثم نختبر تلك الأوصاف، لكن التقسيم وسيلة، والسبر مقصد، وقاعدة العرب تقديم الأهم والأفضل، فاتفق الاصطلاح على " السبر والتقسيم " (١) . ٤ - يشرح أحياناً الألفاظ الغريبة، مثل: البداء (٢) ، البخت (٣) ، المناط (٤) وغيرها. سادساً: الاستدلال والحجاج والترجيح: نلحظ في منهج القرافي استدلاله بالقرآن والسنة والإجماع والمعقول والقواعد وأقوال أهل العلم، كما نلاحظ ولعه الشديد بالمناقشات والمساجلات، ويتّسم منهجه الاستدلالي بامتزاج العقل بالنقل، والرأي بالأثر. (١) الآيات: يبدأ استدلاله بملك الكلام وكلام الملك: القرآن الكريم، وهو أول ملاذٍ لطالب حجةٍ أو مُعوِز برهانٍ، ونظرة عابرة في فهرس الآيات يتبيَّن مدى اهتمام القرافي بالاستدلال بالقرآن. ويلاحظ في منهجه اجتزاؤه من الآيات بموضع الشاهد فقط، حتى لو كان كلمة واحدة كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٥) ، كما لوحظ عليه متابعته للأصوليين في كتابة الآية ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] مجرَّدة من الفاء (٦) ، كما أن الإمام القرافي لم يلتزم قراءة واحدةٍ في بعض الآيات، فمرةً يختار قراءة أبي عمرو وابن كثير ونافع وابن عامر كما في قوله تعالى: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] ، ومرةً يقرأ بقراءة حمزة والكسائي وخَلَف كما في قوله تعالى: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] ، وفي الأعم الأغلب كانت القراءة متمشِّيةً مع قراءة عاصم (٧) .

стр. 113

(٢) - الأحاديث: يتلو القرآن استدلاله بالسنة الشريفة والآثار المنيفة، فقد بلغ مجموع الأحاديث والآثار المستدل بها في القسم الذي أحققه ما يزيد على التسعين حديثاً وأثراً. والمصنف يحرص على إظهار وجه الدلالة بما يستدلُّ به. والقرافي يروي الأحاديث بمعناها دون التقيد بألفاظها، ولا يُعنى بتخريجها، مكتفياً بجوهر المعنى كما هي عادة كثير من الأصوليين. هذا الأمر أوقعه في الاستشهاد بأحاديث ضعيفة بل موضوعة، كما أن رواية الحديث بالمعنى أدَّت إلى تغيير بعض ألفاظه مما رتَّب عليه استدلالاً به بينما الحديث بلفظه الصحيح لا يستدل به على المدَّعى، مثل حديث ((الرضاع لحمة كلحمة النسب)) لفظه الصحيح ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) (١) ، وحديث ((. . . ربّ حامل فقه إلى من ليس لفقيه. . .)) لفظه الصحيح ((. . . فربّ حامل فقه ليس بفقيه. . .)) (٢) . (٣) - الإجماع: لم يَفُت القرافي استدلاله بالإجماع، وما اتفق عليه العلماء في عدة مواضع من كتابه، لكن المصنف أطلق حكاية الاتفاق والإجماع في بعض المسائل، وفي هذا الإطلاق نظر، وقد نبهتُ عليه في مواضعه (٣) . (٤) - المعقول: أما استدلاله بالمعقول فما أولعه به! وما أبرعه فيه! فهو فارس هذا الميدان، ولا تكاد تخلو مسألة من حجة عقلية أو برهان منطقي. ولهذا يكثر في حجاجة من الفنقلة (فإن قيل، فإن قلت) لدفع اعتراضٍ موهوم، أو شبهة حائمة. (٥) - الأشعار: لم يتجلَّ منهج القرافي في استشهاده بالأشعار في هذا القسم الذي أحققه، فإنه لم يورد شعراً سوى ثلاثة أبيات. ولكن لا يُحكم عليه بقلة مراعاة استشهاده بالشعر، بل لقد نيَّفت استشهاداته بالشعر بما يزيد على خمسة وعشرين بيتاً في القسم الذي لم أحققه من الكتاب. (٦) - النقول: عضَّد القرافي استدلالاته بنقول أهل الفن في المسألة، سواء صرَّح بأسمائهم أو أبهم، فتارةً ينقل عن فحول الأصوليين في المسألة، وهذا كثيرجداً،

стр. 114

لا تكاد تخلو بضع صفحات من نقلٍ عنهم. وتارةً ينقل عن الفقهاء وأئمة المذاهب في المسائل الفقهية (١) ، وتارةً ينقل عن المفسرين عند تفسير الآيات (٢) ، وتارةً ينقل عن أهل اللغة إذا كان البحث لغويّاً (٣) . (٧) - القواعد: يستعمل القرافي أسلوب التقعيد عند حجاجه واستدلاله، وهذا نابعٌ من اهتمام خاص ملازم لشخصية القرافي، فإنه كَلِفٌ بالقواعد والضوابط. ومن أمثلة ذلك: أ - قوله ((البيان يعدُّ كأنه منطوق به في ذلك المبيَّن. . . وإذا كان البيان يعدُّ منطوقاً به في المبيَّن)) (٤) وقال في موضع آخر ((القاعدة: أن كل بيان لمجملٍ يعدُّ مراداً من ذلك المجمل وكائناً فيه)) (٥) . ب - قوله ((والقاعدة: أن الأخص أبداً مقدَّم على الأعم)) (٦) . جـ - قوله ((وقاعدة العرب تقديم الأهم والأفضل)) وبعدها بقليل ((الحكم مهما أمكن أن يكون معلّلاً لا يجعل تعبُّداً)) (٧) . د - قوله: ((القاعدة: أن الدليلين الشرعيين إذا تعارضا، وتأخر أحدهما عن الآخر كان المتأخر ينسخ المتقدم)) (٨) . (٨) - المناقشات: بعد تدعيم المسألة بالأدلة، يناقش القرافي الاعتراضات الواردة عليها، ويدفع الإيرادات والشبهات، أو يورد على الاستدلالات اعتراضات وإشكالات. فقد ناقش آراء المذاهب المخالفة لما يراه مناقشة قوية محكمة، سواء كان ميدان هذه المناقشة الأصول (٩) أو الفروع (١٠) .

стр. 115

وكان ﵀ كثير التعقُّب للإمام الرازي باعتبار أن كتابه شرح التنقيح مبناه على كتاب المحصول في كثيرٍ من مسائله، وقد اتخذت تعقيباته مناحياً شتىً، في الحدود (١) ، والنقول (٢) ، والأدلة (٣) ، والأمثلة (٤) ، والعبارات (٥) ، والمسائل (٦) . (٩) - الترجيح: تجلَّت في هذا الكتاب مهارة القرافي العلمية، فتراه يختار ويرجح، وقد استعمل عدداً من التعبيرات في اختياره، وبيان ترجيحاته. منها قوله: المختار (٧) ، الصواب (٨) ، الحق (٩) ، الصحيح (١٠) ، أولى (١١) ، الظاهر (١٢) ، أصح (١٣) . فإذا عدمنا عبارة صريحةً في الترجيح، فيمكن تلمُّس ترجيحاته بقرائن وتلميحات كتعبيره بقوله " لنا " أو بقوله " حجة المخالف " فيعلم أنه على الرأي الآخر، أو بتقديمه - في أثناء العرض - للراجح على غيره مع عدم الاعتراض عليه. . . إلخ. سابعاً: النقول والاقتباس: إن حرص القرافي على تدعيم المسائل بالنقول والاقتباس من الآخرين يبدو ظاهراً جليّاً في سائر مؤلفاته، ويمكن تبيين منهجه في هذه النقول من خلال كتابه هذا وفق ما يلي: ١ - التصرف في النقل: إن أكثر نقولات القرافي كانت بتصرفٍ في العبارة دون التقيد بالنقل الحرفي، فهو يصوغ العبارات بأسلوبه الخاص.

стр. 116

- في حالات نادرة ينقل النص بحروفه تقريباً، مثل: ما نقله من كتابه الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة للرد على اليهود في مسألة إنكارهم النسخ (١) . ومسألة الإجماع لا ينسخ ولا نسخ به نقلها تقريباً من نفائس الأصول (٢) . - وفي حالات كثيرة يتصرف في النقل، ويوفي بالمراد من المسألة. - وفي بعض النقول يبلغ به التصرف في العبارة إلى حدٍّ يصعب معه الحكم بنسبة العبارة إلى مظانها ومصدرها، وربمّا أدَّى هذا الاختزال إلى الإخلال بالمعنى المنقول، مثل: نقله لحجة الرازي في مسألة القياس في العدم الأصلي (٣) ، وكذلك ما نقله عن الغزالي في محترزات شروط المصلحة المعتبرة في الشرع (٤) . ٢ - مصدر النقل: تنوَّع منهجه في ذكر مصدر النقل واسم المنقول عنه: - فأحياناً يصرِّح بالمصدر وصاحبه كما في قوله: ((قال ابن بَرْهان في كتاب الأوسط)) (٥) و ((قال المازري والأبياري في شرح البرهان)) (٦) ، و ((قال إمام الحرمين في الشامل)) (٧) . . . وهكذا. - وأحياناً قليلة يقتصر على ذكر الكتاب دون مؤلفه، مثل قوله: ((هذا نقل المحصول)) (٨) . - وفي أحايين كثيرة يكتفي بذكر المؤلف دون كتابه، وفي الغالب يمكن الاهتداء إلى مظان النقل في كتبه. ولكن في بعض المواضع عسر الوقوف على هذا النقل (٩) .

стр. 117

- وفي مراتٍ يتجاوز القرافي هذه الطريقة، فينقل نصوصاً من غير عزوها إلى أصحابها أو كتبهم، ظهر لي هذا بينما كنت أقابل نصوصه بما في كتب غيره، فتبيَّنتْ لي مشابهة بينها. مثل قوله: ((قال بعض العلماء: حدُّ ذلك أن يتكرر منه تكراراً يخلُّ بالثقة بصدقه. . .)) (١) في ضابط الإصرار الذي يصيِّر الصغيرة كبيرة. - ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن القرافي ينقل عن معاصريه مشافهة سواء كانوا شيوخاً له أو قرناء فضلاء (٢) . ٣ - حدود النقل ونهايته: لم يجعل القرافي علامةً مميزة تفصل بين منقوله ومقوله، سوى أنه يبدأ بالنقل بقوله: قال فلان كذا وكذا. . . ولكنه لا يختم القول المقتبس بكلمة " انتهى " أو نحوها، وبهذا يختلط المنقول بالمقول. وهذا مما يجهد الباحث في الوقوف على نهاية النقل، ولاسيما إذا كان النقل من مصادر مفقودة أو مخطوطة تعذَّر الحصول عليها، أو كانت هذه النقول مشافهة. - وإنصافاً للحقيقة أقول بأن القرافي حدَّد نهاية النقل في مواضع يسيرة جداً من الكتاب، فيختم بقوله: ((قاله الإمام)) (٣) . - ويكون الختام أحياناً بإرداف نقلٍ آخر بعده، فيُعلم انتهاء ما سبقه، مثل: قوله ((وقال أبو إسحاق: ينعقد الإجماع في زمانه ﵊. وقال ابن برهان في كتابه الأوسط: ينعقد الإجماع في زمانه ﵊) (٤) . - وأحياناً تعلم نهاية النقل بانتقاله إلى مسألة أخرى (٥) .

стр. 118

٤ - طول النقل وقصره غالب نقولاته جاءت متوسطة المقدار، قد تقصر أحياناً حتى تغدو جزء سطرٍ (١) ، وتزيد حتى تبلغ قريباً من الصفحة (٢) . وهذا نادر جداً. والغالب عليها مجيئها في بضع أسطر. ثامناً: العناية بإثبات الفروق، وإيراد الإشكالات: انتهج القرافي في تأليفه لكتابه وكتبه الأخرى منهج تبيان الفروق بين المسائل العلمية، فقد حرص على إظهار جملةٍ وافية من الفروق الدقيقة بين المسائل التي ربما يقع فيها الاشتباه، من أمثلة ذلك: أ - قال: ((ووجه الفرق على هذا المذهب. . .)) (٣) . ب - وقال: ((ومع هذا الفرق أمكن أن يقولوا بالمنع مطلقاً. . .)) (٤) . جـ - وقال: ((فظهر الفرق بين العدم والإعدام)) (٥) . وقد رصدتُ جملة ما ذكر فيه الفرق بين مسائل هذا القسم الذي أحققه، فبلغت ما يقارب خمسةً وعشرين فرقاً. أمَّا الإشكالات فالقرافي صاحب عقليَّة تتَّقد ذكاءً وفطنة، لهذا تميَّز منهجه بإثارة إشكالات وجيهة قوية في خضمِّ المناقشات، ومعركة الحجاج والخصام. قد يكون هو المورد لها أو غيره، ثم يجيب عنها إجابةً موفَّقة مسدَّدة، كما في: أ - قوله: ((غير أن هاهنا إشكالاً، وهو أن الجمهور على جواز تعليل الحكم بعلتين، والجمهور على سماع الفرق، فيبطل قوله: إن سماع الفرق ينافي تعليل الحكم بعلتين؟ والجواب: ... )) (٦) .

стр. 119

ب - قوله: ((سؤال: قال بعض فضلاء العصر: قول العلماء التخيير يقتضي التسوية يُشكل، فإن رسول الله ﷺ أُتي بقدحين ... جوابه: أن الحكم الشرعي كان في القدحين واحداً ... )) (١) ، وفي أحايين كثيرة تعتاص هذه الإشكالات على الناظر فيها، فتبقى جاثمةً في مكانها بانتظار إجابةٍ مسعفةٍ أو تسليمٍ بها بلا محيص، فمن ذلك: أ - قوله: ((سؤال: استدل جماعة من العلماء بهذه الآية (٢) ، وهي غير مفيدةٍ للمقصود، بسبب أن الفعل في سياق الإثبات مطلق لا عموم فيه. . .)) (٣) . ب - قوله: ((غير أن هاهنا إشكالاً، وهو أن مطلق الظن كيف كان لم يعتبره صاحب الشرع، بل ظنٌّ خاصٌ عند سببٍ خاص، فما ضابط هذا الظن الحاصل هاهنا؟ ... )) (٤) . هذا، وقد أحصيتُ - في هذا القسم الذي أحققه - ما يناهز خمسة عشر إشكالاً أو سؤالاً. تاسعاً: استعمال عنوانات صغيرة في الكتاب: مما يلفت نظر المطالع في هذا الكتاب احتواؤه على عناوين صغيرة كثيرة، مثل: فائدة، تنبيه، قاعدة، فرع، سؤال، تفريع، مسألة. . . وهكذا. لهذا أمكنني الجزم بأن هذه طريقة منهجية متميزة سلكها القرافي في كتابه عن قصد، وهي ظاهرة قرافيَّة فاشية في معظم كتبه. وفي هذا الجدول إحصاء تقريبي لعدد هذه العنوانات التي جاءت في القسم الذي أحققه (٥) . العنوان ... فائدة ... قاعدة ... سؤال ... فرع ... تنبيه ... مسألة ... تفريع ... المجموع الكلي عدد التكرار ... ١٥ ... ٤٠

стр. 120

إن هذا الاستعمال لا يقوم على طريقةٍ واحدةٍ في جميع المواضع التي ذكرت فيه، فالمعلومات المندرجة تحت أيٍّ منها مشابهةٌ في نوعها للأخرى، ولا يظهر فرق واضح بين المادة العلمية المنطوية تحت عنوان " فائدة "، ولا المعلومات المنضوية تحت عنوان " تنبيه " (١) . والمصنف لم يُشعرنا بأن ثمة خلافاً في استعمال هذه العنوانات خلال الكتاب، ولكن جملتها لا تحيد عن كونها مسألة أصولية أو لغوية أو تعقيباً أو تصحيحاً أو نقلاً عن أحدٍ. عاشراً: ربط مسائل الكتاب: لإحكام الربط بين موضوعات الكتاب بعضها ببعض، وخاصةً ما يتكرر الحديث عنها استعمل القرافي طريقة الإحالة أو الإشارة الموحية بهذا الربط، فإذا عرضت له مسألة في خضم بحث مسألةٍ أخرى، فإنه يحيل إلى موطنها اللائق بها، فإن سبقتْ عبَّر بقوله: ((كما تقدم)) (٢) . وإن كان البحث وقع في لاحق عبَّر بقوله: ((سيأتي)) (٣) . كما أن القرافي يُحيل إلى مصادر أخرى مما ألّفه من الكتب طلباً للتوسع والبسط، وزيادةً في التوثيق والتأكيد (٤) .

стр. 121

المطلب الثاني: أسلوب المؤلف في الكتاب يجدر بنا ونحن في مقام الحديث عن أسلوب الكتاب أن نأخذ بعين الاعتبار الفن الذي تصدَّى القرافي لبحثه، ألا وهو: " أصول الفقه ". وهذا العلم من العلوم الدقيقة العميقة، التي تحتاج إلى نظرٍ عميقٍ وأسلوبٍ دقيقٍ، وذهنٍ صافٍ وذكاءٍ كافٍ. وأساليب القرافي وعبارات جاءت - في الجملة - مهذَّبةً غير نابية، ومعاني الكتاب مع ألفاظه كانت متعانقةً متآخيةً، فلم تنْبُ لفظةٌ عن لفظة، ولم تَنْشُز عبارةٌ عن عبارة. وبحسب المعايشة الطويلة مع الكتاب، يمكن الكلام عن أسلوبه في النقاط التالية: ١ - المصطلحات المنطقية والبراهين العقلية يلاحظ في أسلوب الكتاب طغيان المصطلحات المنطقية والجدلية، كالجنس، والفصل، والحد، والبرهان، والمنع، والتسليم، والضروري، واللزوم، والنقيض، والمحال، والتصور، والدور، والاحتراز، والقيد، وغيرها كثير، وهذا يعود إلى اختلاط الأساليب المنطقة والطرائق الجدلية بعلم أصول الفقه، والإمام القرافي إمام في العقليات والمناظرات، فلا جَرَم أنَّ أسلوب الكتاب جدليٌ منطقي. كما يلاحظ أيضاً التأنُّق والتفنُّن عند سَوْق الأدلة والبراهين، من أمثلة ذلك: أ - قوله: ((فيتوقف كون إجماعنا حجة على كونهم كفاراً، ويتوقف كونهم كفاراً على إجماعنا، فيتوقف كل واحدٍ منهما على الآخر، فيلزم الدور)) (١) . ب - قوله: ((إن اعتبار الفرعِ فرعُ اعتبار الأصل. . .)) (٢) . جـ - قوله: ((لأن ما يفيده ذلك الخبر لا يعتبر، والذي هو معتبر لا يفيده ذلك الخبر)) (٣) . د - قوله: ((فما أقاموا فيه الدليل لا نزاع فيه، وما فيه نزاع لم يقيموا الدليل عليه)) (٤) .

стр. 122

٢ - ظهور المعنى وسلامة اللغة والتركيب بالرغم من وعورة مباحث أصول الفقه، وغلبة الأساليب المنطقية والجدلية في عرضه، إلاَّ أن الكتاب جاء في أغلبه واضحَ المعنى، سهل القراءة لدى المتخصصين في هذا العلم. ولكن كان يجنح أحياناً إلى الغموض في العبارة، والتعقيد في طريقة عرض المسألة، بحيث يعتاص فهمها إلا بعد مزيد تأمُّلٍ وتكرارٍ (١) . كما أن لغة الكتاب - إن جاز لي أن أحكم عليها - فصيحةٌ سليمة، لا لحن فيها، ولا عاميةٌ. ولكن ربَّما وقع في بعض الهنات التي قلما يسلم منها كتاب (٢) . والمصنف لم يتكلَّف في أسلوب عرضه الألفاظ الوحشية، والكلمات النادرة، بل جاءت كلماته سهلة مأنوسة، وكانت تراكيبه جزلةً مدروسة، لولا بعض التراكيب اليسيرة (٣) . ٣ - عبارات الجزم والقطع يلاحظ أن القرافي في بعض مواقفه يلجأ إلى تأكيد كلامه، وتقوية حجته بعباراتٍ قويَّة فيها الجزم والقطع، من ذلك: أ - قوله: ((فهذا برهان قاطع على بطلان الحسن والقبح العقليين)) (٤) . ب - قوله: ((فهذه مدارك قطعية تُوجب حينئذٍ أن الحكم. . .)) (٥) . جـ - قوله: ((فإنَّا نقطع أن كل مجتهدٍ يجوز أن يخطيء، وما من مذهب من المذاهب إلا وقد وقع فيه ما يُنكر وإن قلَّ، فهذا لابد للبشر منه)) (٦) . د - قوله: ((وأما أنه جازمٌ بهما فمحالٌ ضرورةً)) (٧) .

стр. 123

وفي سبيل هذا القطع لا يبالي بمن خالفه، ولا يعبأ بكثرتهم، فيقول مثلاً: أ - ((والإجماع المروي بأخبار الآحاد حجة خلافاً لأكثر الناس)) (١) . ب - ((وأما النكرة في سياق النفي، فهي من العجائب في إطلاق العلماء من النحاة والأصوليين. يقولون: النكرة في سياق النفي تعمُّ. وأكثر هذا الإطلاق باطل)) (٢) . ويمكن تحليل هذا الموقف منه بإرجاعه إلى قوة شخصية القرافي العلمية، وما حباه الله من رسوخ في التأليف، حتى غدا يكتب بقناعة أكيدة. ٤ - المحسنات البلاغية اكتنف الكتابَ أساليبُ بلاغية متنوعة، ففي علم المعاني تنوَّع أسلوبه ما بين الخبر والإنشاء، فوظَّف الخبر في العرض والتقرير، وتوسَّل بالإنشاء للإثارة والتنبيه والتعجب. ويظهر الأسلوب الإخباري لمجرَّد العرض عندما يبدأ القرافي بعرض آراء الآخرين، كما يلاحظ في النصوص التالية: أ - ((قال جماهير الفقهاء والمعتزلة يجب اتباعه ﷺ في فعله. . .)) (٣) . ب - ((قال القاضي منَّا والغزالي: هو خطاب دالٌّ على ارتفاع حكم ثابت. . .)) (٤) . جـ - ((وقال أبو حنيفة: يقبل قول المجهول)) (٥) . د - ((والأكثرون اتفقوا على التمسك به، وأنكره بعضهم، وقال: يلزم التخيير أو التوقف)) (٦) . بينما يستعمل القرافي الأسلوب الخبري التقريري عندما يبدأ بتقديم رأيه في الموضوع، ويتبين ذلك فيما يلي:

стр. 124

أ - ((إذا استُفْتي مجتهدٌ فأفتى، ثم سئل ثانيةً عن تلك الحادثة فإن كان ذاكراً لاجتهاده الأول أفتى، وإن نسي استأنف الاجتهاد)) (١) . ب - ((الإجماع لا يُنسخ، ولا يُنسخ به)) (٢) . جـ - ((يمتنع الترجيح في العقليات؛ لتعذر التفاوت بين القطعيين)) (٣) . د - ((ويشترط في المخبر العقل والتكليف، وإن كان تحمُّل الصبي صحيحاً، والإسلام، والضبط)) (٤) . و ((وهو (الإجماع) مقدَّمٌ على الكتاب والسنة والقياس)) (٥) . وهذا الأسلوب طاغٍ على عبارات الكتاب، ولاسيما المتن، والقرافي بهذا يشعرنا بأستاذيته، ويجب ألاَّ ننسى السنين التي قضاها في التعليم والتدريس، فلعلَّ هذا أثر من آثارها. أما الأسلوب الإنشائي فقد وجد في بعض تعبيرات الكتاب، سواء أكان أمراً أم استفهاماً أم تعجُّباً أم رجاءً، وكأنَّ القرافي يستعمله في المواضع التي يودّ به تنبيه المرء إلى أمرٍ مهمٍّ، فمن ذلك: أ - قوله: ((واعلمْ أن المقدَّرات في الشريعة لا يكاد يعرى عنها باب من أبواب الفقه)) (٦) . ب - قوله: ((واعلمْ أن الذريعة كما يجب سدُّها يجب فتحها ويكره ويندب ويباح)) (٧) . جـ - قوله: ((فانظرْ في ذلك لنفسك، وأما غيره (الآمدي) فلم أَرَ له تعرضاً لذلك، فما أدري، هل اغترَّ بالموضع فأطلق هذه العبارة في الاستدلال أو هو أصل يعتمد عليه؟!)) (٨) .

стр. 125

د - قوله: ((وبهذه التقريرات يتَّضح لك ما هو نسخ مما ليس بنسخ، فتأملْها)) (١) . هـ - قوله: ((إذا كان المجتهد ذاكراً للاجتهاد ينبغي ألاَّ يقتصر على مجرد الذكْر، بل يحركه لعلّه يظفر فيه بخطأ أو زيادة. . .)) (٢) . وقوله: ((كيف يتخيل عاقل أن المطالبة تتوجه على أحدٍ بغير مطالب به؟!)) (٣) . وفي علم البيان استعمل التشبيه، فقال: ((النسخ كالفسخ، فكما أن الإجارة. . .)) (٤) . وقال أيضاً: ((ولأن اسم الأمة لا ينخرم بهم كالثور الأسود - فيه شعرات بيض - لا يخرج عن كونه أسود)) (٥) . وفي علم البديع استعمل أسلوب " الترديد " (٦) وهو من الفصاحة اللفظية، كقوله ((وليس فليس)) (٧) ، وقوله: ((ومن لا فلا)) (٨) . وكذلك استعمل أسلوب " التَّسْجيع " (٩) ، وهو وإن لم يكن مقصوداً لذاته، تمشِّياً مع طبيعة البحث الأصولي لكن جرى القلم ببعض العبارات المسجوعة، وكأنَّها سُطِّرت عفو الخاطر، من ذلك: أ - قوله: ((وهو مَهْيع متَّسِع، ومسلك غير ممتنع)) وقال بعدها بقليل ((فليس هذا باباً اخترعه، ولا بِدْعاً ابتدعه)) (١٠) . ب - قوله: ((وابن القاسم لا يقبل قول القاسم)) (١١) .

стр. 126

جـ - قوله: ((فقد قوي الاستبراء على منع المبادي، ولم يَقْوَ على قطع التمادي)) (١) . واستعمل أسلوب " التطبيق " (٢) حينما قال ((ومن محاسن العبارة في هذه المسألة أن يقال: إن الأمر بالشيء نهيٌ عن جميع أضداده، والنهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده)) (٣) . ٥ - الأسلوب مع الآخرين: التزم القرافي رحمه الله تعالى في كتاب الأدب الجمَّ مع الآخرين، وأوجب الأدب ما كان مع الله ﷻ وكتابه المبين ومع نبيه ﷺ ، ومع علماء الأمة رحمة الله عليهم أجمعين. فتأمَّل بماذا عبَّر من أسلوب يفيض إجلالاً لله تباركت أسماؤه. قال: ((فالكلِّي هو الذي لا يمنع تصورُه من وقوع الشِّرْكة فيه، سواء امتنع وجوده كالمستحيل، أو أمكن ولم يوجد كبحر الزئبق، أو وجد ولم يتعدَّد كالشمس، أو تعدَّد كالإنسان. وقد تركتُ قسمين، أحدهما محال، والثاني أدب)) (٤) . ثم قال في الشرح: ((لكن إطلاق لفظ " الكلي " على واجب الوجود فيه إيهامٌ تمنع من إطلاقه الشريعة، فلذلك قُلتُ تركتُه أدباً. . . فأقسام الكلي عندهم ستة، وهي في هذا الكتاب أربعة)) (٥) . وقال بإزاء القرآن الكريم ((وأما الكتب السالفة، فلم يؤمر بتعلُّمها؛ لعدم صحتها، وأدباً مع الأفضل منها، وهو القرآن)) (٦) . وأما في جانب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه فقال: ((وبهذا يظهر لك بطلان قول من استدلَّ في هذه المسألة بقضية رجم اليهوديين، وأن رسول الله اعتمد على أخبار ابن صُوْريا أن فيها الرجم، ووجد فيها كما قال،. . . بل رسول الله يجب

стр. 127

أن يُعتقد أنه إنما اعتمد في رجم اليهوديين على وحيٍ جاءه من قبل الله تعالى، أما غير ذلك فلا يجوز، ولا يُقْدم رسول الله ﷺ على دماء الخلق بغير مستندٍ صحيح)) (١) . أما مع العلماء الأجلاء، فإنه تلَّطف معهم في العبارة، وأثبت فضلهم، وأعلى أقدارهم، وكل هذا ظاهرٌ في الأوصاف التي يخلعها عليهم، وإكثار الترحُّم عليهم، بل الترضِّي عنهم، كقوله: ((مذهب مالك، وجمهور العلماء ﵃ وجوبه وإبطال التقليد)) (٢) ، وقال: ((منهم الشافعي وأبو حنيفة ﵄) (٣) ، وقال ((وأما الإمام أحمد بن حنبل ﵁. . .)) (٤) ، واسمعه وهو يدعو لشيخه العز بن عبد السلام ﵀: ((وكان الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام قدَّس الله روحه من الشافعية يقول. . .)) (٥) . كما أنه يعترف لهم بالفضل فيقول: ((غير أن هاهنا قاعدة للحنفية أخبرني فضلاؤهم، وهي. . .)) (٦) . ويقول: ((قال بعض فضلاء العصر. . .)) (٧) ، وقال: ((فذكرتُ هذا لبعض العلماء الأعيان. . .)) (٨) . وكان الإمام الشهاب القرافي ﵀ يلتمس للعلماء المعاذير، فها هو يقول: ((فلا يوجد عالم إلا وقد خالف من كتاب الله وسنة نبيّه ﵊ أدلةً كثيرة، ولكن لمعارضٍ راجحٍ عليها عند مخالفها)) (٩) . وقد أوَّل كلاماً للشافعي ليستقيم على وجهٍ صحيحٍ في مسألة عموم المشترك، فقال: ((ولعل الشافعي ﵁ يريد

стр. 128

بأنه حقيقة: أنه في كل فردٍ على حياله لا في الجميع: إلى أن قال - وهو اللائق بمنصب هذا الإمام العظيم)) (١) . والإمام القرافي عليه ﵀ وإن التزم جانب اللطف مع المخالف إجمالاً، إلا أنه وردت عبارات فيها شدَّة، ربما أشعرت بالتهكم بالمخالف، وهذا نادرٌ جداً، ومع ذلك فالقرافي في صنيعه هذا لا يقصد الإساءة والسخرية - حاشاه - بل قصد التنبيه على الخطأ الجسيم غير اللائق صُدُوره من أهل العلم والفضل، والله تعالى أعلم. فمن ذلك: أ - قوله: ((وقول الإمام ومن وافقه باطل - ثم قال - فإهمال الرجحان هنا ليس بجيِّد)) (٢) . ب - قوله: ((احترازاً مما توهمه الشيخ ابن أبي زيد وغيره - ثم قال - وليس كما زعموا)) (٣) . ب - قوله: ((فإنكار الإمام منكر)) (٤) . د - قوله في تعريف الاستحسان ((وقيل: " هو الحكم بغير دليل ". وهو اتباعٌ للهوى)) (٥) . هـ - قوله: ((ولا يفسِّق بذلك إلا جاهل)) (٦) . وقوله: ((أما الاكتفاء بالظاهر فهو شأن الجهلة الأغبياء الضعفاء الحزم والعزم)) (٧) . ز - قوله: ((فعلى هذا لا ينحصر فرض العين في العبادات، ولا في بابٍ من أبواب الفقه، كما يعتقده كثيرٌ من الأغبياء)) (٨) .

стр. 129

٦ - الأسلوب مع الذات: كيف كان الإمام القرافي يخاطب نفسه، وهو يعالج مسائل الأصول العويصة؟ إن من عجائب هذا الكتاب أنك وأنت تقرؤه تستمع إلى محاورات نفسية بين القرافي والمسائل التي يخوض غمارها، وحديثُ النفس ذو شجون، فما أكثر خلجات النفوس وتفاعلاتها!! فالقرافي إذا أعجبه ما سطَّره عبَّر بكلماتٍ تدل على سروره وفرحه به، وتلْمسُ من عباراته اعتزازه وثقته بما يكتب ويحرِّر، وليس هذا نابعاً من العُجب بالنفس فيما أَحْسَب، بل لعلَّه من باب التحدّث بنعمة الله تعالى. فاستمع إليه وهو يقول: أ - ((وقد ذكرنا منه جملةً من الكتاب العزيز هنالك - يشير إلى كتابه " الاستغناء " - فمن أرادها فليطالعه، فإنها فوائد غريبة، وقواعد جليلة، وهي كلُّها من فضل الله تعالى، وله المنة في جميع الأحوال، لا إله إلا الله هو الكبير المتعال)) (١) . ب - بعد أن أورد سؤالاً على لفظٍ من ألفاظ الأيمان قال ((قلتُ: السؤال حسن قوي غير أن الجواب عنه حسن جميل)) (٢) . جـ - ولما فرَّق بين ورود الخاص على العام وورود المقيد على الإطلاق قال ((فأحد البابين بعيد من الآخر، مع أن جماعة من العلماء لم يفرِّقوا، وساقوا الجميع مساقةً واحدةً، والفرق كما رأيت، فهو موضوع حسن، لم أرَ أحداً تعرَّض إليه)) (٣) . وفي موضع آخر لنفس المسألة قال: ((فهذا فرق عظيم ينبغي أن تلاحظه فهو نفيس في الأصول والفروع)) (٤) . د - ((فهذا هو تلخيص هذا الموضع، وهو موضع حسن غريب)) (٥) .

стр. 130

هـ - ((فهذا برهان قاطع على بطلان الحسن والقبح العقليين، ولم أره مسطوراً، وقد نقلتُ في شرح المحصول طرقاً عديدة عن الأصحاب، وبيَّنتُ ما عليها من الإشكال، واخترت هذه الطريقة)) (١) . ومع ما يقع في الكتاب من عباراتٍ توميء إلى اعتداده وثقته بما يكتب إلا أن المصنف ﵀ كان يعبِّر في مواطن أخرى بعباراتٍ يُشْتمُّ منها رائحة التواضع والتراجع، ونكرانه لذاته، وتسليمه بالعجز، ومحدودية قدرته، فاستمع إليه وهو يقول: أ - ((فلذلك زدتُ أنا من عندي القيود التي بعد هذا القيد. . . فبقيتْ هذه الزيادة مضمومةً إلى كلامه (الرازي) ، وهو غير جيد مني، بسبب. . . فبقي الكلام كله باطلاً، بل ينبغي لي أن ابتديء حدّاً مستأنفاً، فأقول: الشرط. . . فهذا هو الحد المستقيم، وأما الذي لي والإمام في الأصل فباطلٌ)) (٢) . ب - ((إذا تقرر هذا فأقول: النكرة في سياق النفي تقتضي العموم في أحد قسمين. . . وما عدا ذلك فلا عموم فيه، فهذا هو تلخيص ذلك الإطلاق فيما وصلتْ إليه قدرتي)) (٣) . جـ - لما ذكر تعريف التخصيص ومحترزاته في المتن ثم شرحها قال أخيراً: ((وهذا الحد باطل مع هذا التحرير العظيم، الذي لم أر أحداً جمع ما جمعت فيه - ثم قال - فينبغي أن يؤتى بعبارة تجمع هذه النقوض، وتخرج الاستثناء، وفيها عُسْر)) (٤) . د - ((والذي تقرَّر عليه حالي في شرح المحصول، وهاهنا، أني عاجز عن ضبط الرخصة بحدٍّ جامعٍ مانعٍ. أما جزئيات الرخصة من غير تحديدٍ فلا عُسْر فيه، إنما الصعوبة في الحد على ذلك الوجه)) (٥) .

стр. 131

هـ - لمَّا عرَّف العام في المتن قال - في الشرح - ((وسبب هذه العبارة والاحتياج إليها إشكالٌ كبيرٌ، عادتي أورده، ولم أر أحداً قط أجاب عنه، وهو: ... )) (١) ، ثم سرد الإشكال، وذكر محاولات المجيبين عنه، واعترض عليهم، وقال أخيراً ((فهذا المُلجيء لهذا الحدِّ الغريب)) (٢) . هذا الخلق الكريم من القرافي الذي لمسناه من عباراته المتواضعة التي تشهد بيقين على صدْق تحرِّيه للحق، وشدة تواضعه وتراجعه أقول هذا الخلق لم يفارق تلابيب القرافي حتى في آخر تأليفٍ له. فهو يقول في كتابه " العقد المنظوم في الخصوص والعموم " (٢ / ١٦١) ((إشكالٌ عظيم صعب، لي نحو عشرين سنة أُوْرِدُه على الفضلاء والعلماء بالأصول والنحو، فلم أجدْ له جواباً يرضيني، وإلى الآن لم أجدْه، قد ذكرته في شرح المحصول، وكتاب التنقيح، وشرح التنقيح، وغيرها مما يسَّره الله تعالى علي من الموضوعات في هذا الشأن. . .)) .

стр. 132

المبحث السابع قيمة الكتاب العلمية ومحاسنه إن القيمة العلمية لأي كتاب ترتكز على ثلاثة أركان: الكاتب، والكتاب، والفن المكتوب فيه. أما الكاتب فقد علمتَ عند سوق ترجمته فَوْزَه بقصب السبق، وإحرازَه القِدْح المعلَّى في علوم الشريعة، ولاسيما علم أصول الفقه، فقد علا كَعْبه فيه، وتألَّق نجمه في بيان مراميه. وأما العلم الذي كتب فيه فهو علم أصول الفقه، وقيمته لا تُنكر، ومنزلته أشهر من أن تُذكر، ومزاياه أكثر من أن تُحصر. وأما ثالثة الأثافي فكتاب الشهاب القرافي، مادته غزيرة، ومصادره وفيرة، وعبارته متينة، وبراهينه قوية. قال فيه الحافظ العلائي: ((وهو من أنفس كُتبه)) (١) . وقال عنه ابن فرحون: ((وشرحه كتاب مفيد)) (٢) . وقال فيه محمد الطاهر بن عاشور: ((فإنه جمع فوائد عزَّتْ عن أن تُسام، واستوعب مسائل أصول الفقه بما ليس وراءه للمستزيد مرام)) (٣) . وتنبع قيمة الكتاب العلمية، ويمكن تسنُّمه منصباً رفيعاً بين كتب الأصول للجوانب التالية: أولاً: كونه إفرازةً من إفرازات المدرسة الرازيَّة في الأصول . فكتاب " المحصول " كتاب طبَّقتْ شهرته الآفاق، مجرد ذكره يغني عن جزيل الثناء عليه، وحسبك أن مؤلفه خُصَّ بلقب " الإمام " حتى إذا أطلق - بإطلاق - لم يتبادر إلى الأذهان سواه. صنَّف الرازي محصوله بعد نضج علمي تام، واستقرار قواعد هذا الفن الجليل.

стр. 133

والشهاب القرافي لم تكن علاقته بالمحصول وليدة أيام، بل امتدَّت جذورها إلى سنوات طويلة، فقد اختصره في باكورة حياته العلمية في " تنقيح الفصول "، ثمَّ علَّق على " المنتخب " وشرح المحصول في موسوعته العجاب " نفائس الأصول ". وأخيراً اختصر شرحه هذا في " شرح تنقيح الفصول ". وهكذا تعامل القرافي مع المحصول، فقد عايشه أدواراً وأطواراً، حتى أكسبَتْهُ هذه المعايشة الدؤوبة مهارةً فائقة، ودُرْبةً متقنةً، وخبرةً واسعة في علم الأصول. ثانياً: أصالة مصادر الكتاب وعراقتها التي استقى منها معلوماته، ومادته كتابه، في شتَّى الفنون ابتداءً بكتب الأصول، ومروراً بالتفاسير وكتب الحديث والفقه واللغة والنحو، وانتهاءً بالكلام والمنطق. وقد سبقت الإشارة إلى هذه المصادر في المبحث الخامس (١) . ثالثاً: احتواء كتابه على نقولٍ كثيرةٍ لم تكن ميسورة الحصول ، بل يصعب إليها الوصول، وهي نقولات يُفتقر إليها نظراً لتعذُّر الوقوف على مصادرها الأصلية، وهو بعمله هذا حفظ لنا بعضاً من هذه المفقودات النفيسة، كنقولاته عن: الملخَّص والإفادة كليهما للقاضي عبد الوهاب البغدادي، والأوسط لابن برهان، وشرح البرهان للمازري، والجدل للحصكفي، وغيرها. ولا ننسى - ونحن في مقام التذكير بأهميَّة الكتاب وقيمته العلمية - أن نعزِّز هذه القيمة والأهمية بنقولاته عن مشايخه وفضلاء عصره التي استفادها مشافهةً منهم، وبثَّها في ثنايا كتابه كالعز بن عبد السلام، والخسروشاهي، وغيرهما. رابعاً: إسهام الكتاب في خدمة أصول المالكية مع الاعتناء بآراء الإمام مالك وأصحابه الأصوليين، ولا سيما المتقدمين منهم، كابن قاسم، وأشهب، وسحنون. كما يُعنى بإبراز آراء فحول الأصوليين من رجال المذهب المالكي، كأبي الفرج، وأبي بكر الأبهري، وابن القصار، والقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب البغدادي، وأبي الوليد الباجي، وابن رشد (الجد) ، والمازري، والقاضي عياض، والأبياري. وبعض هؤلاء لا يُعرف له كتاب مطبوع يمكن الوقوف على آرائه فيه.

стр. 134

وبهذه العناية بآراء المالكيين الأصولية تنضاف للكتاب قيمة كبرى، وأهمية قصوى لمن شاء الاطلاع على أقوالهم وأصولهم، ولاسيما أن الجامع لها عَلَمٌ مدقِّق ومحقِّق، من المجتهدين فيه، الجامعين لقواعده، النافذين إلى لُبِّه، والمخرِّجين فيه، الساعين في إرساء دعائمه. وبحقٍّ لقد أسهم كتاب القرافي في تبيان أصول المالكية في الجملة، وخرَّج وفق قواعدهم بعض المسائل التي لم يُعْلم لهم نقلٌ فيها، من ذلك قوله: أ - ((والنقل في هاتين المسألتين في هذا الموضع قد نقله الأصوليون. أما بعد الشروع، وقبل الكمال فلم أَرَ فيه نقلاً، ومقتضى مذهبنا جواز النسخ في الجميع)) (١) . ب - ((قال القاضي عبد الوهاب: والأشبه بمذهب مالكٍ أنه لا يجوز مخالتفهم فيما اتفقوا فيه من الحروب والآراء، غير أني لا أحفظ عن أصحابنا فيه شيئاً)) (٢) . جـ - ((فعلى مذهبنا زيادة التغريب ليست نسخاً)) (٣) . د - ((إذا فعل المكلَّف فِعْلاً مختلفاً في تحريمه غير مقلِّد لأحدٍ، فهل نؤثمه بناءً على القول بالتحريم، أو لا نؤثمه بناءً على القول بالتحليل، مع أنه ليس إضافته إلى أحد المذهبين أولى من الآخر،، ولم يسألنا عن مذهبنا فنجيبه؟ ولم أرَ لأحدٍ من أصحابنا فيه نقلاً)) (٤) ثم نقل جواب العز بن عبد السلام في هذه المسألة. وكان يرحمه الله يحكي الخلاف القائم بين أهل المذهب نفسه في المسائل مشيراً إلى الراجح أو المشهور وأحياناً يترك الخلاف كما هو لقوته ووجاهته (٥) . كما أن الإمام القرافي كان شديد المنافخة عن مذهب الإمام مالك ﵀ في صدِّ التشنيع والتشغيب عليه. من الأمثلة على ذلك قوله: أ - ((وبهذا يظهر بطلان التشنيع على المالكية، حيث جعلوا تلك السُّنة في الصلاة سبباً لوجوب السجود)) (٦) .

стр. 135

ب - ((ومما شُنِّع على مالك ﵀ مخالفته لحديث بيع الخيار مع روايته له، وهو مَهْيع متسَّع، ومسلك غير ممتنع، فلا يوجد عالم إلا وقد خالف من كتاب الله، وسنة نبيّه ﵊ أدلةً كثيرة لمعارضٍ راجحٍ عليها عند مخالفها. . .)) (١) . جـ - ((ينقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العوائد، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع. وليس كذلك. . .)) (٢) . لكنه ﵀ لم يكن متعصباً للمذهب على حساب الحق وهو في معرض بيان المسائل الأصولية، فمثلاً يقول: أ - ((فتأمَّل ذلك، فقد غلط فيه جماعة من أكابر الفقهاء المالكية وغيرهم. . .)) (٣) . ب - ((تنبيه: قال مالك والشافعي وابن حنبل: إن النهي يدل على الفساد، وقال أبو حنيفة: هو يدل على الصحَّة، فالكلُّ طردوا أصولهم إلا مالكاً)) (٤) . ولم تقتصر عناية القرافي على نقل آراء علماء مذهبه بل شملت عنايته كذلك رَصْد آراء علماءٍ أفذاذٍ من فحول الأصوليين، ممن لا تعرف لهم تآليف يُعوَّل عليها: كأحمد بن حنبل، وأبي إسحاق الإسفراييني، وعيسى بن أبان، وأبي الحسن الكرخي، وأبي بكر الصيرفي، وابن سريج وغيرهم. ومن المعتزلة كأبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم، والنظَّام، والجاحظ، والقاضي عبد الجبار وغيرهم. خامساً: بروز شخصية القرافي الفذَّة في هذا الكتاب ، وفي سائر كتبه عامةً. فلقد وُهِبَ شخصيةً فريدةً مستقلة لم تكن منساقةً وراء الأقوال دون تمحيص، ولم تَنْجرَّ خلف أحدٍ بدافع التبعيّة والتقليد، ومع كونه مالكياً إلاّ أن اختياراته ومناقشاته، وترجيحاته وتنقيحاته، ونقوده وردوده، توحي بانخلاعه عن ربقة التعصّب المذهبي، فكانت نظراته عند عرضه لمسائل الخلاف موضوعيةً حياديةً. وتلازمنا هذه الشخصية المتميزة دائماً في ثنايا الكتاب من خلال مخالفته لآراء بعض العلماء، وإصداره أحكاماً عليها، وانفراداته في بعض المسائل العلمية.

стр. 136

ولنأخذ أمثلة سريعة تبرهن صحة الادعاء باستقلالية شخصية القرافي، وبروزها بصورة واضحة في جوانب عديدة: (١) مخالفته لبعض آراء العلماء، من ذلك: أ - مخالفته للجمهور والأكثرين: - قال: ((اختلف الفضلاء في مسمى لفظ " المضمر " حيث وجد، هل هو جزئي أو كلِّي؟ فرأيت الأكثرين على أن مسماه جزئي - ثم ساق حججهم وقال - والصحيح خلاف هذا المذهب، وعليه الأقلون، وهو الذي أجزم بصحته، وهو أن مسمّاه كلِّي. . .)) (١) . وقال: ((وأما النكرة في سياق النفي، فهي من العجائب في إطلاق العلماء من النحاة والأصوليين، يقولون: النكرة في سياق النفي تعم، وأكثر هذا الإطلاق باطل)) (٢) . ب - مخالفته لجمهور المالكية إن لم يكن جميعهم، كما في مسألة التعليل بالاسم، فالقرافي لم ينقل سوى الاتفاق على عدم جواز التعليل بالاسم، بينما أكثر المالكية على جوازه مطلقاً (٣) . جـ - مخالفته للقاضي عبد الوهاب في قوله باشتراط تقدُّم الوجوب في القضاء (٤) . د - مخالفته لأبي إسحاق الشيرازي في بيان المراد بالقياس في اللغات (٥) . هـ - مخالفته لشيخه العز بن عبد السلام في الجواب عن إشكال وهو أن القول بأن النهي لا يقتضي التكرار يلزم منه ألا يوجد عاصٍ في الدنيا ألبتة (٦) . ومخالفته لعيسى بن أبان في قوله يشترط في قبول الخبر ألاّ يخالف الكتاب (٧) .

стр. 137

ز - مخالفته لأهل الظاهر في قصرهم حجيّة الإجماع على الصحابة (١) . ح - مخالفته للباجي في تجويزه لنسخ المتواتر (الكتاب) بالآحاد (٢) . ط - مخالفته للشافعي في قوله بعدم جواز نسخ السنة بالكتاب (٣) . ي - مخالفته للإمام الرازي، وهي كثيرة نبّهت على جملةٍ منها في المبحث التاسع من هذا الفصل (٤) . (٢) تصريحه باختياراته وترجيحاته، من ذلك: أ - قوله: ((الصحيح أن عرض الطعام وتقديمه للضيف إذنٌ له في تناوله)) (٥) . ب - قوله في مسألة التعليل بالأوصاف المقدَّرة بعد مناقشته للرازي: ((فإنكار الإمام منكر، والحق التعليل بالمقدرات)) (٦) . جـ - في مسألة: هل يكتفى بالظاهر في أمر العدالة؟ قال: ((فالحق مذهب القاضي)) (٧) . د - قال في مسألة تعبُّد النبي ﷺ بشرع من قبله قبل البعثة، قال: ((هذه المسألة المختار فيها أن نقول: متعبِّداً بكسر الباء على أنه اسم فاعل. . .)) (٨) . هـ - قال في مسألة حصول الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الثاني، قال: ((فيه قولان مبنيان على أن إجماعهم على الخلاف يقتضي أنه الحق، فيمتنع الاتفاق. أو هو مشروط بعدم الاتفاق، وهو الصحيح)) (٩) .

стр. 138

(٣) إصداره أحكاماً على بعض الأقوال التي يوردها في كتابه، ويعطيها ما تستحقه من التقدير، من مدحٍ أو قدح. ومن أمثلة ذلك: أ - لمَّا أورد كلاماً لإمام الحرمين في الإجماع عقَّب القرافي بقوله: ((فهذا تفصيلٌ حسن)) (١) . ب - ولمّا أورد كلاماً فيه تفصيل لأبي الحسين البصري، قال: ((فهذه التفاصيل أولى من التعميم الأول)) (٢) . جـ - قال في مسألة التقليد في أصول الدين: ((والغزالي يميل إليه)) (٣) . د - لمّا أورد قولاً للمصوّبة، قال: ((فهذا منع حسن أيضاً على دليل المخطِّئة)) (٤) . هـ - وقال: ((والجنوح إلى مفهوم الصفة هو قول القاضي عبد الجبار، وهو مع تدقيقه قد فاته هذا الموضع)) (٥) . ووقال: ((فلهذه القاعدة قال مالك: أحدُّه للمعصية، وأردُّ شهادته لفسقه، وهو أوجه في النظر من قول الشافعي، لما تقدم من الإشكال على قول الشافعي)) (٦) . ز - وقال: ((وكثير من فقهاء الشافعية يعتمدون على هذا، ويقولون: مذهب الشافعي كذا؛ لأن الحديث صحَّ به، وهو غلط، فلابد من انتفاء المعارض)) (٧) . حـ - ولمّا أورد قول الأصمّ في مسألة تصويب المجتهدين قال عنه: ((إنه في غاية العسر من جهة تصوُّره - ثم قال - فهذا المذهب مشكل)) (٨) . (٤) انفراداته عن سائر الأصوليين في بعض المسائل، هذه الانفرادات لا أزعم تفرّده بها عن غيره، ولا أجزم بذلك، ولكن باستقراءٍ غالب، واطلاع واسع لكتب الأصول، ظهر لي تميّز هذه الآراء وتفردها، مع ما تتَّسم به من جدَّةٍ وحداثة. فمن ذلك:

стр. 139

أ - تعريفه للحكم الشرعي بأنه: ((كلام الله القديم المتعلِّق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء أو التخيير أو ما يوجب ثبوت الحكم أو انتفاءه)) ثم قال: ((فيجتمع في الحدِّ " أو " ثلاث مرات، وحينئذٍ يستقيم وتجمع جميع الأحكام الشرعية، وهذا هو الذي أختاره، ولم أرَ أحداً ركَّب الحدَّ هذا التركيب)) (١) . ب - جرت عادة الأصوليين تقسيم الحكم الوضعي إلى السبب، والشرط، والمانع، والصحة، والفساد، وبعضهم يزيد الرخصة، والعزيمة. والشهاب القرافي زاد قسماً جديداً إليها، وهو: " التقادير الشرعية ": وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم، وإعطاء المعدوم حكم الموجود (٢) . جـ - قرَّر القرافي قاعدة جديدة في العموم، وهي: ((العام في الأشخاص مطلق في الأزمان والأمكنة والأحوال والمتعلَّقات)) (٣) . د - تقسيمه للخبر قسمةً ثلاثية، وهي: خبر متواتر، وخبر آحاد، وخبر لا متواتر ولا آحاد، وهو: خبر الواحد المنفرد إذا احتفَّتْ به القرائن حتى أفاد العلم. وقال القرافي عن هذا الثالث: ((وهذا القسم ما علمت له اسماً في الاصطلاح)) (٤) .

стр. 140

هـ - تقسيمه لأدلة المجتهدين إلى قسمين: أدلة مشروعية الأحكام، وأدلة وقوع الأحكام (١) . وفي الحقيقة القرافي مسبوق إلى ذلك من شيخه العز بن عبد السلام، فقد ذكر هذه القسمة في كتابه " قواعد الأحكام " (٢) لكن القرافي وسَّع القول فيها، وأجلاها، وميَّز الفروق بينها حتى كأنه المبتكر لها، ولاسيما في كتابه النفيس " الفروق " (٣) . وسبقه في الكتابة عن مقاصد الشريعة الإسلامية، وإن كان مسبوقاً إلى ذلك من غير المالكية (٤) ، لكن لعلّ انتقال فكرة المقاصد إلى المذهب المالكي وتكريسها وترسيخها كانت قد تمَّت على يديه. ولسنا ننسى أن المصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والاستحسان من الأسس المعتمدة في أصول المالكية (٥) . ز - إتيانه بفوائد جديدة، وتفصيلات حميدة في مسألة فرض العين، وفرض الكفاية مع الأمثلة، وتقريره للضوابط لكلٍّ منها، ومن الذين يتعيَّن عليهم الفرض الكفائي. وقد جمع ذلك في موطن واحدٍ قلَّما يتعرض له الأصوليون بهذا التوضيح اللطيف، والتفصيل المنيف (٦) . سادساً: احتواء الكتاب على معلوماتٍ قيِّمةٍ فريدة خارج موضوع الأصول لقد حفل الكتاب بعديدٍ من المسائل والقضايا التي وردت في طياته، والشأن فيها أنها لا تمتُّ إلى موضوعات أصول الفقه بِصِلةٍ، بَيْد أنها في تمام الجودة وغاية النفاسة، ولو رُحْنا نفتِّش عنها في مظانَّ أخرى ربما لم نظفر عليها بمثل هذا الازديان والإتقان. فمن الأمثلة على ذلك:

стр. 141

(١) الوضع الاجتماعي للمرأة ما رأي القرافي في موضوع المرأة؟ وما نظرته حيالها في ظل الموروثات والتقاليد الاجتماعية؟ والجواب: نجده في الفصل السادس من باب المجمل والمبين حيث قال: ((يجب البيان لمن أُريد إفهامه، ثم المطلوب قد يكون عِلْماً فقط كالعلماء بالنسبة إلى الحيض، أو عملاً فقط كالنساء بالنسبة إلى أحكام الحيض وفقهه. . .)) (١) . ثم عقَّب في الشرح فقال: ((وقولهم: إن النساء أُردْن للعمل فقط غير مُتَّجِهٍ؛ بسبب أن النساء أيضاً مأمورات بتحصيل العلم، فكذلك مِنْ سَلَفِ هذه الأمة عائشةُ ﵂، التي قال فيها ﵊ ((خذوا شطر دينكم عن هذه الحُميراء)) (٢) ، وكانت من سادات الفقهاء، وكذلك جماعة من نساء التابعين وغيرهم. غاية ما في الباب أن التقصير عن رتبة العلم ظهر في النساء أكثر، وذلك لا يبعثنا على أن نقول: المطلوب منهنَّ العمل فقط، بل الواقع اليوم ذلك، أمَّا أنه حكم الله فغير ظاهر)) (٣) . فالمرأة المسلمة مطالبة بالتعلُّم ورفع الجهل عن نفسها؛ لأنها مربية الأجيال. ولكن تعلمها وعملها يجب أن ينضبط وفق أحكام الشريعة، لا كما يهوى دعاة تحرير المرأة على طريقة التحلُّل والتفسُّخ. (٢) الرقائق والزهد مع تصحيح المفاهيم أ - قال في فصل الحَصْر ((ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ. . .﴾ [الحديد: ٢٠] ، وحصرها في اللعب مع أنها مزرعة الآخرة، وفيها تُحصَّل الولاية والصدِّيقية، وتُكتسب المراتب العليَّة، والدرجات الرفيعة، وكل خيرٍ مكتسب في الآخرة فهو في هذه الدار، وهذه خيراتٌ حِسانٌ، وفضائل علميَّة للدنيا، فكيف تُحصر في اللَّعب؟! وإنما ذلك باعتبار من آثَرَها، فإنها في حقِّه لَعِبٌ صِرْف،

стр. 142

وتلك المحاسن لا ينال هذا منها شيئاً، فهو حصر بحسب بعض الاعتبارات، وهو كثير في القرآن الكريم)) (١) . ب - قال: ((فائدة: ما ضابط الإصرار الذي يُصيِّر الصغيرة كبيرة؟ قال بعض العلماء: حدُّ ذلك أن يتكرر منه تكراراً يخلُّ بالثقة بصدقه، كما تخلُّ به ملابسة الكبيرة، فمتى وصل إلى هذه الغاية، صارت الصغيرة كبيرة، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، واختلاف الأحوال، والنظر في ذلك لأهل الاعتبار، والنظر الصحيح من الحكَّام وعلماء الأحكام الناظرين في التجريح والتعديل - ثم قال - فائدة: ما تقدَّم من أن الكبيرة تتبع عظم المفسدة، فما لا تعظم مفسدته لا يكون كبيرة، استثنى صاحب الشرع من ذلك أشياء حقيرة المفسدة، وجعلها مسْقِطةً للعدالة، موجبة للفسوق لقبح ذلك الباب في نفسه، لا لعظم المفسدة، وذلك كشهادة الزور، فإنه فسوق مطلقاً، وإن كان لم يُتلِفْ بها على المشهود عليه إلا فَلْساً واحداً، ومقتضى القاعدة أنها لا تكون كبيرة إلا إذا عظمت مفسدتها، وكذلك السرقة والغصْب لقبح هذه الأبواب في أنفسها)) (٢) . (٣) توضيح معاني الأحاديث المشتبهة يقع في بعض الأحاديث إشكال في التوفيق بينها، وقد وقفت على بعض المواضع المفيدة التي أجاب فيها القرافي عن هذا الاشتباه والإشكال. منها: أ - قوله: ((فائدة: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) (٣) فقد جمع بينهما في الضمير كما جمع الخطيب (٤) ، فما الفرق وما الجواب؟ الجواب من وجهين، أحدهما: ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام قدس الله روحه، فقال: إن منصب الخطيب حقير قابل للزلل، فإذا نطق

стр. 143

بهذه العبارة قد يتوهَّم فيه - لنقصه - أنه إنما جمع بينهما في الضمير؛ لأنه أهمل الفصل بينهما في الضمير والفرق، فلذلك امتنع لما فيه من إيهام التسوية. ومنصب رسول الله ﷺ في غاية الجلالة والبعد عن الوهم والتوهم، فلا يقع بسبب جمعه ﵊ إيهام التسوية. وثانيهما: ذكره بعض الفضلاء، فقال: كلام رسول الله ﷺ جملة واحدة، وتقدم الظاهر من الجملة الواحدة يُبْعد استعمال الظاهر في موضع الضمير، بل الضمير هو الحسن. وكلام الخطيب جملتان، إحداهما مدح، والأخرى ذم، فلذلك حَسُن منه استعمال الظواهر مكان المضمرات)) (١) . ب - قال في معرض ردّه على الذين يكتفون بالظواهر عن أحوال الناس في أمر العدالة: ((وأما الاكتفاء بالظاهر فهو شأن الجهلة الأغبياء الضعفاء الحزم والعزم، ومثل هؤلاء لا ينبغي للحاكم الاعتماد على قولهم في التزكية. وكلُّ من كان يغلب عليه حسن الظن بالناس لا ينبغي أن يكون مزكِّياً ولا حاكماً لبُعْده من الحزم، وقد قال ﷺ ((الحزم سوء الظن)) ، فمن ضيَّع سوء الظن، فقد ضيع الحزم. نعم لا ينبغي أن يبني على سوء ظنه شيئاً إلا لمستندٍ شرعي، وهو معنى قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] أي: اجتنبوا العمل به حتى يثبت بطريقٍ شرعي)) (٢) . (٤) الدراية بالواقع مع وقائع تاريخية: يمكن تصيُّد بعض المواقف في الكتاب التي تدلُّ على معايشة القرافي لواقعه وفهمه وفقهه له، مع ما في ذلك من تسجيلها في صفحات التاريخ. من ذلك درايته الدقيقة بما حواه كتاب التوراة (العهد القديم) ، مما مكَّنه من تفنيد دعواهم الباطلة بإنكار النسخ (٣) . ومن الأمثلة أيضاً، قوله: ((قال: تقلَّد محاريب البلاد العامرة التي تتكرر الصلاة فيها، ويُعلم أن إمام المسلمين بناها ونصبها أو اجتمع أهل البلدة على بنائها. . .)) ثم قال في الشرح: ((قلت: هذا بشرط أن لا يشتهر الطعن فيها كمحاريب القرى

стр. 144

وغيرها بالديار المصرية، فإن أكثرها ما زال العلماء قديماً وحديثاً ينبِّهون على فسادها، وللزين الدمياطي في ذلك كتابٌ ولغيره. وقد قصد الشيخ عز الدين بن عبد السلام تغيير محراب قبة الشافعي والمدرسة، ومصلَّى خولان، فعاجله ما منعه من ذلك، وهو قضيته مع بني الشيخ وإسقاطه معين الدين، وعَزَل نفسه عقيب ذلك. وكذلك محاريب المحلَّة مدينة الغربية، والفيوم، ومنية ابن خصيب، وهي لا تعدُّ ولا تُحصى، لا يجوز أن يقلِّدها عالم ولا عامي)) (١) . (٥) واقع الرافضة وشبهاتهم نبَّه القرافي إلى بعض ألاعيبهم واحتيالهم إزاء النصوص بما يتوافق مع عقيدتهم. من ذلك: أ - قال في اشتراط معرفة النحو للمجتهد: ((وأما النحو والتصريف واللغة، فلأن الحكم يتبع الإعراب، كما قال ﵊ ((ما تركنا صدقةٌ)) بالرَّفْع، فرواه الرافضة بالنَّصْب، أي: لا يورث ما تركناه وقْفاً، ومفهومه: أنهم يورثون في غيره. وكذلك قوله ﵊: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) رواه الشيعة ((أبا بكر وعمر)) فانعكس المعنى، أي: يا أبا بكرٍ وعمر، فيكونان مقتدِيَيْن لا مقتدىً بهما، وهو كثير)) (٢) . ب - قال: ((وقال القاضي: فتح هذا الباب يحصِّل غرض الشيعة من الطعن على الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم يكفرون الصحابة، فإذا قيل لهم: إن الله تعالى وعد المؤمنين بالجنة، وهم قد آمنوا، يقولون: إن الإيمان الذي هو التصديق صدر منهم، ولكن الشرع نقل هذا اللفظ إلى الطاعات، وهم صدَّقوا وما أطاعوا في أمر الخلافة، فإذا قلنا: إن الشرع لم ينقل استدّ هذا الباب الرديء)) (٣) . (٦) إعلاء شأن الجهاد مع شدة الوطأة على الكفار يمكن أن نلمح في تعبيرات القرافي في كتابه هذا اهتمامه بأمر الجهاد وبِغْضَته للكفر وأهله وضرورة إجبارهم على الإسلام، من هذه المواقف:

стр. 145

أ - قوله بأن آية السيف نسخت آيات الموادعة (١) . ب - قال: ((حجة الجمهور: أن أصول الديانات مهمة عظيمة، فلذلك شرع الله تعالى فيها الإكراه دون غيرها، فيكره على الإسلام بالسيف والقتال والقتل وأخذ الأموال والذراري، وذلك أعظم الإكراه. . .)) (٢) . جـ - قال في معنى الإتلاف وأنه يكون لتعظيم الله تعالى: ((أو لتعظيم الله تعالى كقتل الكفار لمحو الكفر من قلوبهم، وإفساد الصُّلْبان، أو لتعظيم الكلمة كقتل البغاة. . .)) ثم قال في الشرح ((من ذلك - أعني القتال للإتلاف - قتال الظلمة؛ لدفع ظلمهم، وحسم مادة فسادهم، وتخريب ديارهم، وقطع أشجارهم، وقتل دوابهم إذا لم يمكن دفعهم إلا بذلك - ثم قال - وكذلك إتلاف ما يُعصى الله تعالى به من الأوثان والملاهي)) (٣) . د - تكلم عن مدى ارتباط مراعاة المصلحة في مسألة تترُّس الكفار بجماعةٍ من المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا واستولوا علينا وقتلوا كافة المسلمين، ولو رميناهم لقتلنا الترس معهم (٤) . هـ - قال: ((ومرَّ بي في بعض الكتب - لست أذكره الآن - أن الكفار وإن كانوا مخاطبين بفروع الشريعة، فالجهاد خاصٌ بالمؤمنين، لم يخاطب الله تعالى بوجوب الجهاد كافراً، وهو متَّجه أن يكون وجوب الجهاد مستثنىً من الفروع لعدم حصول مصلحته من الكافر. . .)) (٥) . وقال: ((إن التبليغ يقتضي المصلحة، فقد تكون في التعجيل، وقد تكون في التأخير، ألا ترى أنه ﵊ لو أوحي إليه بقتل أهل مكة بعد سنة كانت المصلحة تتقاضى تأخير ذلك إلى وقته لئلا يستعدَّ العدو للقتال، ويعظم الفساد، ولذلك أنه ﵊ لمَّا أراد قتالهم قطع الأخبار عنهم، وسد الطرق حتى
следующие страницы →