إنشاء المِلْك
ص: إنشاء (١) الأملاك في غير مملوكٍ: كإرقاق الكفار، وإحياء الموات، والاصطياد، والحيازة (٢) في الحشيش ونحوه.
الشرح
ومن ذلك حيازة المعادن والجواهر من البحار وغيرها.
الاختصاص
الاختصاص (٣) بالمنافع: كالإقطاع (٤) ،
والسبق إلى المباحات (٥) ، ومقاعد الأسواق والمساجد (٦) ، ومواضع النسك* كالمطاف والمسعى وعرفة ومزدلفة ومنى ومرمى الجمار والمدارس والرُّبُط (٧) والأوقاف.
الشرح
يلحق بذلك الاختصاص بالخانات (٨) المُسَبَّلة في الطرقات، والاختصاص [بالكلاب
стр. 772
التي للصيد] (١) ، وجلد الميتة، فإنَّا وإن مَنَعْنا (٢) [بيعَ الكلب وجلْد الميتة] (٣) فإنا نمنع من (٤) أخذهما (٥) ممن هما (٦) بيده، وكذلك الأرواث وإن منعنا بيعها (٧) [فإنا نمنع
من] (٨) أخذها (٩) ممن حازها لبستانه، وإذا (١٠) قلنا بالاختصاص ببيوت المدارس والخوانق (١١) فمعناه أنَّ لهم أن ينتفعوا [لا أنهم] (١٢) ملكوا تلك المنافع، فلذلك له أن يسكن، وليس له أن يؤجر (١٣) ولا يُسْكِن غيره ممن لم* يقم (١٤) بشرط الواقف، فإنَّ بَذْل المنفعة للغير بعوض أو بغير عوض فرع (١٥) ملكها، وهو (١٦) ليس بحاصل، بل له أن ينتفع بنفسه (١٧) إذا قام بشرطها فقط دون أن ينقل المنفعة لغيره.
стр. 773
الإذن
ص: الإذن (١) إما في الأعيان: كالضيافات و (٢) المنائح، أو في المنافع: كالعواري والاصطناع بالحَلْق (٣) والحِجَامة (٤) ، أو في التصرف: كالتوكيل والإبضاع (٥) والإيصاء (٦) .
الشرح
الصحيح أن عرض الطعام وتقديمه للضيف إذن له في تناوله، واشترط بعضهم الإذن بالقول (٧) - وهو بعيد - قياساً على البيع (٨) ،
وله أن يأكل بنفسه، وليس له أن يبيع ولا يحوله لغيره، ولا يأكل فوق حاجته؛ لأن العادة إنما دلت على تناوله بنفسه خاصةً (٩) مقدار حاجته، فلا يتعدَّى موجب الإذن؛ لأن الأصل استصحاب الملك السابق بحسب الإمكان. ونُقِل عن الشافعية خلاف في الزمن الذي يحصل به الملك
стр. 774
للضيف: هل هو (١) بالتقديم أو بالازدراد (٢) ؟. ولا معنى للقول بالازدراد؛ لأن الملك هو إذن الشارع في التصرف وبعد (٣) الازدراد انقطع ذلك، بل مقتضى الفقه أن يقال: لا ملك هنا ألبتة بل إذنٌ في أن يتناول بأكله مقدارَ حاجته.
ويلحق بذلك ما دلَّت العادة على الإذن فيه من إطعام الهِرِّ ونحو ذلك، فالعادة كالقول في الإذن، فكلُّ ما دلَّتْ العادة عليه فهو كالمصرَّح به في هذا وفي غيره، وكذلك [إنَّ كُتُب الرسائل التي تسير للناس، تلك الأوراق] (٤) كانت على مِلْك مُرْسِلها، وذكر الغزالي (٥) أنها بعد الإرسال يحتمل أن يكون انتقلت إلى مِلْك المُرْسَل إليه، ويحتمل أن يقال: إنه لم يحصل فيها إلا إسقاط الملك السابق فقط، وبقيت بعد تحصيل المقصود منها مباحةً للناس أجمعين ما لم يكن فيها سِرٌّ وما (٦) يحافظ عليه، فإن كان ذلك فقد تدل العادة على ردِّه لمرسله بعد الوقوف عليه، وقد تدل على تحفظ الثاني به من غير رد، وقد تدل العادة (٧) على تمليك الثاني لتلك الرقعة كالتواقيع (٨)
التي
стр. 775
يكتبها الخلفاء والملوك لتشريف المكتوب إليه، فإنها تبقى عند (١) الأعقاب تذكيراً (٢) بذلك الشرف وعظم المنزلة، فكل ما دلت عليه العادة (٣) من ذلك اتُّبع وكان كالمنطوق، والمنائح (٤) : الشاة (٥) تعطى لمن يأكل لبنها مع بقائها على ملك رَبِّها، والإِفْقار (٦) : الإذن في ركوب البعير، والإسكان: الإذن في سكنى الدار، والعُمْرى (٧) : إسكانه عمره، والعَريَّة (٨) : هبة ثمر النخل.
الإتلاف
ص: الإتلاف (٩) :
إما للإصلاح (١٠) في الأجساد والأرواح كالأطعمة والأدوية والذبائح وقطع الأعضاء المتآكلة، أو للدفع كقتل الصُّوَّال (١١) والمؤذي من الحيوان،
стр. 776
أو لتعظيم الله تعالى كقتل الكفار لمحو الكفر من قلوبهم (١) وإفساد الصُّلْبان، أو لتعظيم الكلمة كقتل البغاة، أو للزجر كرجم (٢) الزناة وقتل الجناة.
الشرح
البغاة: هم الذين يقاتلون بالتأويل من أهل الإسلام (٣) ، سُمُّوا بغاةً: إما لبغيهم، أو لأنهم يبغون الحق على زعمهم، وكان قتالهم للكلمة (٤) ؛ لأنهم فَرَّقُوها بخروجهم عن الطاعة.
ومن ذلك - أعني القتال للإتلاف - قتال الظلمة؛ لدفع ظلمهم، [وحسم] (٥) مادة فسادهم، وتخريب ديارهم، وقطع أشجارهم، وقتل دوابهم، إذا لم يمكن* (٦) دفعهم إلا بذلك.
[ومن ذلك] (٧) قتل من كان دَأْبه أذية المسلمين طَبْعاً له، وذلك متكرر منه لا لعذر، وعَظُم ضرره وفساده في الأرض، ولم يمكن (٨) دفعه إلا بقتله قُتِلَ بأيسر الطرق المزهقة لروحه. وكذلك من طلَّق امرأته ثلاثاً وكان يهجم على الزنا [بها، فإنَّ
لها] (٩) مدافعته بكل طريق، [ولو لم] (١٠) تقدر إلا بقتله قتلته بأيسر الطرق في ذلك. وكذلك إتلاف ما يُعصى الله تعالى به من الأوثان والملاهي.
стр. 777
فائدة: سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ عن قتل الهِرِّ المؤذي: هل يجوز أم لا؟. فكتب رحمة الله عليه وأنا حاضر: إذا خرجتْ أذيَّته عن عادة القطط، وتكرر ذلك منه قتل، فاحترز بالقيد الأول عما هو في طبع الهر من أكل اللحم إذا تُرك سائباً أو عليه شيء يمكن رفعه للهر، فإذا رفعه وأكله لا (١) يقتل ولو تكرر ذلك منه؛ لأنه طبعه، واحترز بالقيد الثاني من (٢) أن يكون ذلك منه على وجه الفَلْتة (٣) ، فإن ذلك لا يوجب قتله، بل القتل إنما يكون في الميئوس من صلاحه واستصلاحه من الآدميين والبهائم (٤) .
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا أذتْ الهرة وقُصِد قتلها، فلا تعذَّب ولا تُخْنق، بل تذبح بموسى حادَّة (٥) ؛ لقوله ﵊: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحة)) (٦) .
ومن هذا الباب مسألة السفن وما يُطْرح منها خوف الغرق على المال أو النفس، فإنه إتلاف لصون النفس والمال (٧) .
مسألة: الحيوان الذي لا يؤكل إذا وصل في المرض لحدٍّ لا يُرجى، هل يُذبح تسهيلاً عليه وإراحة له من ألم الوجع؟. الذي رأيته المنع (٨)(٩) إلا أن يكون مما يُذكَّى
стр. 778
لأخذ جلده كالسباع. وأجمع الناس على منع ذلك في [حق الآدمي] (١) وإن اشتدت* آلامه (٢) ، واحتمل أن يكون ذلك لشرفه عن (٣) الإهانة بالذبح، فلا يتعدى ذلك إلى غيره (٤) .
التأديب والزجر
ص: التأديب والزجر: إما مقدَّر كالحدود، أو غير مقدَّر كالتعزير، وهو مع الإثم في المكلفين، أو بدونه في الصبيان والمجانين والدواب (٥) .
خاتمة متن الكتاب
فهذه أبواب مختلفة الحقائق والأحكام، فينبغي للفقيه الإحاطة بها (٦) ؛ لتنشأ له الفروق والمدارك في الفروع (٧) .
الشرح
يلحق بالتأديب تأديب (٨) الآباء والأمهات للبنين والبنات، والسادات للعبيد والإماء، بحسب جناياتهم واستصلاحهم على القوانين الشرعية من غير إفراط، وكذلك
стр. 779
تأديب الأزواج للزوجات على نحو ذلك، وكذلك تأديب الدواب بالرياضات، ومهما حصل ذلك بالأخف من القول [لم يجز] (١) العدول إلى ما هو أشد منه لحصول المقصود بذلك، فالزيادة مَفْسدة بغير مصلحة فتحرم (٢) ، حتى قال " إمام الحرمين ": إذا كانت (٣) العقوبة المناسبة لتلك (٤) الجناية (٥) لا تؤثر في استصلاحه عن تلك المفسدة، فلا يَحلُّ أن يُزجر أصلاً، أما بالمرتبة (٦) المناسبة فلعدم الفائدة، وأما ما هو أعلى منها فلعدم المبيح له، فيحرم الجميع حتى يتأتَّى استصلاحه بما يجوز أن يُرَتَّب (٧) على تلك الجناية (٨) .
стр. 780
خاتمة شرح الكتاب
فهذه فوائد جليلة، وقواعد جميلة، نفع الله به واضعها وكاتبها وسامعها وقارئها (١) ، وختم لنا بخير أجمعين [في القول والعمل بمنه وكرمه] (٢) . وهو حسبنا ونعم الوكيل (٣) .