← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 987

روضة العابدين

عبد الله بن عبده العواضي

Полный текст (499 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فإن العلم متعدد الفنون، مختلف الموارد، متنوع الغايات والمقاصد. غير أن العلم بشرع الله تعالى هو أصفى تلك العلوم موردا، وأسماها غاية ومقصدا؛ فالوحي منبعُه، وصلاح الدنيا والآخرة هدفه ومقصده. ومما لا يخفى أن أهله بين الناس قليل، خاصة في هذا الزمن الذي أقبل أكثر الراغبين في العلم على علوم الدنيا- التي منها العلوم النافعة في نطاقها، ومنها العلوم الضارة- وزهدوا عن علوم الدين. ومع هذه القلة في الإقبال على علوم الشريعة نجد جفافًا روحيًا، وقلة اعتناء بالعمل، وزهداً في التوجه نحو العبادة، وضعفًا في ظهور آثار العلم على الأقوال والأعمال والأحوال، إلا من رحم ربي. والعلم إنما يُراد منه العمل، وحسن الأثر في واقع الإنسان الخاص والعام، وكم من مشتغل جعل جُلَّ همه في التحصيل وإدراك المعلومات، وروحُه تشكو الخواء، وقلبه مملوء بالأهواء، ونفسه غير زاكية، وأعماله لا فرق بينها وبين أعمال من لم يعلم! وما كان هذا علمَ السلف، بل كان علمهم الجمع بين معرفة النصوص والعمل بها في واقع الحياة، وسيأتي معنا في ثنايا الكتاب ما يبرهن على ذلك. قال ابن الجوزي ﵀: "رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في

стр. 2

صلاح القلب، إلا أن يمُزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين؛ لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمرادِ بها" (١). وقال الخطيب البغدادي ﵀: " … قال أبو خليفة: سمعت أبا الوليد يقول: سمعت شعبة يقول: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون؟ قال أبو خليفة: يريد شعبة ﵀: أن أهله يضيعون العمل بما يسمعون منه، ويتشاغلون بالمكاثرة به، أو نحو ذلك. والحديث لا يصد عن ذكر الله، بل يهدي إلى أمر الله" (٢). وهذا لا يعني التقليل من شأن الاجتهاد في العلم، ولكنه يعني أن لا يُلهي العلمُ صاحبه عن العمل، فيكون كمن ينشغل عن غايته بإجالة النظر في جمال الطريق إليها فيشغله ذلك عن هدفه الذي يريد الوصول إليه. وهذا حال بعض المنتسبين للعلم: أن يصبح العلم هو الغاية له، وليس وسيلة إلى صلاح القلب والروح، بحيث ينشغل بجمع المعلومات والمعارف ويكاثر بها غيره فتكون هي مرادَه، فيبقى علمه بذلك في الذهن ولا يصل إلى شغاف القلب ولا تتمثل صوره في العمل؛ كأن يعمل أعمالاً تخالف ما عنده من العلم، فيدخل صاحبه بهذه الحال تحت قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]. قال ابن القيم ﵀: "وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمَّا فُقد منكم علمُ اليقين، وهو العلم الذى يصل به صاحبه إلى حد الضروريات التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها، ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه عن موجبه، وترتبِ أثره عليه؛ فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه" (٣).

стр. 3

وقال أيضًا عند هذه الآية: " وأعرض عن ذكر المتكاثَر به؛ إرادةً لإطلاقه وعمومه، وأن كل ما يكاثِر به العبدُ غيره- سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده- فهو داخل في هذا التكاثر؛ فالتكاثر في كل شيء من مال أو جاه أو رياسة أو نسوة أو حديث أو علم ولا سيما إذا لم يحتج إليه، والتكاثر في الكتب والتصانيف، وكثرة المسائل وتفريعها وتوليدها، والتكاثر أن يطلب الرجل أن يكون أكثر من غيره" (١). إن قلة حضور الرقائق وأسباب صلاح القلوب صارت ظاهرة في القراءة واللقاءات العلمية والاجتماعية لدى بعض طلبة العلم والدعاة، فإذا كان هذا هو واقع من يشتغلون بالعلم، فما هو واقع البعيدين عنه، الغارقين في الدنيا وملهياتها، بل كيف حال المسرفين على أنفسهم بالخطايا؟ ما حال قلوبهم ونفوسهم؟ فلهذا لا نستغرب كثرة الذنوب وقسوة القلوب وضعف زكاء النفوس وقلة الرغبة في الآخرة. فأين ما نحن فيه من مجالس رسول الله ﷺ ولقاءاته؟ قال ابن رجب: "كانت مجالس النبي ﷺ مع أصحابه عامتُها مجالس تذكير بالله، وترغيب وترهيب؛ إما بتلاوة القرآن أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليم ما ينفع في الدين كما أمره الله تعالى في كتابه أن يذكر ويعظ ويقص وأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشر وينذر وسماه اللهَ ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]. وقال العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. وقال ابن مسعود: نعمَ المجلس المجلس الذي تنشر فيه الحكمة، وتُرجى فيه الرحمة هي مجالس الذكر. وشكا رجل إلى الحسن قساوة قلبه فقال: أدنه من الذكر. وقال: مجلس الذكر محياة العلم، ويحدث في القلب الخشوع. والقلوب الميتة تحيا بالذكر كما تحيا الأرض الميتة بالقطر:

стр. 4

بذكرِ الله ترتاحُ القلوبُ … ودنيانا بذِكراه تطيبُ وأما الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة فبما يحصل في مجالس الذكر من ذكر عيوب الدنيا وذمها والتزهيد فيها، وذكر فضل الجنة ومدحها والترغيب فيها، وذكر النار وأهوالها والترهيب منها، وفي مجالس الذكر تنزل الرحمة وتغشى السكينة وتحف الملائكة، ويذكر الله أهلها فيمن عنده، وهم قوم لا يشقى بهم جليسهم" (١). فهكذا ينبغي أن تكون مجالسنا ولقاءاتنا، إلا ما دعت الحاجة إلى الحديث عنه من أمور الدنيا. وإني لما رأيت حاجة قلوبنا إلى الترقيق، ونفوسنا إلى التزكية في واقعٍٍ غلب عليه سلطانُ الشهوات والإعراض عن أسباب سمو الروح؛ استعنت بالله تعالى فكتبت فصولاً في الترغيب والترهيب رأيتها-حسب علمي القاصر- أهمَّ ما يحتاج إليه السالك إلى الله تعالى، وسميت جامع هذه الفصول وسِلْكَها بـ"روضة العابدين" رجاء أن تكون بستان وعظٍ يرِده المسلمُ فيقطف من ثماره أسبابًا لصلاح قلبه، ويشتم من عبيره وسائل لصلاح عمله، وليكون مرجعًا للخطيب والواعظ يفيد منه في خطبه ودروسه. خاصة أنه ضُمِّن كثيراً من نصوص القرآن والسنة وأقوال الصحابة في هذا الشأن، وأُكثرَ النقلُ فيه عن أئمة السلوك وأطباء القلوب؛ كالحسن البصري، وابن الجوزي، والغزالي، وابن القيم وابن رجب، وغيرهم ﵏ أجمعين. ولكلام هؤلاء الأئمة نور يتسلل إلى القلوب فيحدث فيها خيراً كثيراً. قال ابن رجب: " كان الحسن إذا خرج إلى الناس كأنه رجل عاينَ الآخرة، ثم جاء يخبر عنها، وكانوا إذا خرجوا من عنده خرجوا وهم لا يعدُّون الدنيا شيئاً" (٢).

стр. 5

فأقول: ما أحوج الكاتب والقارئ إلى هذه الفصول في الحياة العملية التي ينبغي أن تكون مبنية على خوف الله ورجائه في الفعل والترك، وما أفقرنا إلى حادٍ يقيم القاعد، ويحث السائر، ويسرع بالمبطئ! وما كتبت هذه السطور إلا لإصلاح النفس أولاً، والنصيحة لغيرها ثانيًا؛ إذ لا يحبس المرءَ تقصيرُه وذنوبه عن النصح والإرشاد لسواه، بل لابد" من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ والتذكير. ولو لم يعظ إلا معصومٌ من الزلل لم يعظ الناسَ بعد رسول الله ﷺ أحد؛ لأنه لا عصمة لأحد بعده: لئن لم يعظِ العاصين من هو مذنبٌ … فمن يعظ العاصين بعد محمدِ! قيل للحسن: إن فلانًا لا يعظ، ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول؟! ودَّ الشيطان أنه ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. وقال مالك عن ربيعة: قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء؛ ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟!: من ذا الذي ما ساءَ قطْ … ومن له الحسنى فقطْ؟ خطب عمر بن عبد العزيز ﵀ يومًا فقال في موعظته: إني لأقول هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه. وكتب إلى بعض نوابه على بعض الأمصار كتاباً يعظه فيه، وقال في آخره: وإني لأعظك بهذا وإني لكثير الإسراف على نفسي، غير محكم لكثير من أمري. ولو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم نفسه إذاً لتواكل الخير، وإذاً لرُفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذاً لاستُحلت المحارم، وقلّ الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض، والشيطانُ وأعوانه يودون أن لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر، وإذا أمرهم أحد أو نهاهم عابوه بما فيه، وبما ليس فيه؛ كما قيل:

стр. 6

وأُعلنتِ الفواحشُ في البوادي … وصار الناس أعوانَ المُريبِ إذا ما عبتُهمْ عابوا مقالي … لِما في القوم من تلك العيوبِ وودّوا لو كففنا فاستوينا … فصار الناسُ كالشيءِ المشوبِ" (١) فنسأل الله أن يصلح قلوبنا وأرواحنا وأعمالنا، وأن يجعل ما نقول أو نكتب أو نقرأ حجة لنا لا علينا، وأن ينفعنا والمسلمين بهذه المواعظ، وأن يوفقنا لكل خير، ويصرف عنا كل شر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكتبه: عبد الله بن عبده العواضي فجر يوم الأحد: ٩/ ١١/ ١٤٣٩ هـ الموافق: ٢٢/ ٧/ ٢٠١٨ م.

стр. 7

اعْبُدُوا رَبَّكُم لقد خلق الله الإنس والجن وأخرجهم إلى هذه الحياة المؤقتة لغاية عظيمة هي عبادته ، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وهذا هو تكليفهم في الدنيا لينتقلوا بعده إلى دار الآخرة ليلقَوا الجزاء على هذا التكليف. فمِن المكلَّفين من عمل لهذه الغاية فعبد الله تعالى وحده لا شريك له ففاز في الدنيا والآخرة، ومنهم من زاغ عن هذه الغاية وعبد غير الله ﵎؛ لأسباب اكتسبها حتى آلت به إلى الشقاء. قال ابن عاشور: " فالله تعالى خلق الناس على تركيب يقتضي النظر في وجود الإله، ويسوق إلى توحيده، ولكن كسب الناس يجرف أعمالهم عن المهيع الذي خلقوا لأجله، وأسباب تمكنهم من الانحراف كثيرة راجعة إلى تشابك الدواعي والتصرفات والآلات والموانع" (١). ولأجل هذه الغاية العظيمة أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، فعُرف الرشد من الغي والحق من الضلال. وكان من بين أولئك الرسل الكرام نبينا محمد ﷺ الذي ختم الله به الرسالات، وأرسله بخير الشرائع وأكملها، وأعدلها وأحسنها هديًا إلى عبادة الله تعالى. فاهتدى به ﷺ من ﵃ واختارهم لصحبة نبيه ﵊، فكانوا أعبد الناس لربهم بعد نبيهم، وأسرعهم إلى طاعته، والاستقامة

стр. 8

على دينه، قال ابن مسعود: "من كان منكم متأسياً فليتأسَ بأصحاب محمد ﷺ ؛ فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمةِ قلوباً، وأعمَقَها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقوَمها هدياً، وأحسنَها حالاً، قوم اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ ، فاعرفوا لهم فضلَهم، واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدي المستقيم" (١). فمشى على هدي أولئك الأخيار في حسن العبادة وسلامتها من جاء بعدهم، وقرب من عهدهم حينما سار على منوالهم وطريقتهم. ولازال الزمان يمضي بأهله حتى وصل إلى العصر الحاضر الذي برز فيه جفاف العبادة بين الناس، وقل أهلها، وابتعد الخلق كثيراً عنها، وغشي وجهَها الصبيح بعضُ المفاهيم الخاطئة، فلم يعد في المجتمع إلا قليل ممن يُعرف بالنسك والزهد والعبادة، وصار أكثر أهل التعبد الذين يُقتدى بهم هم أهل القرون الخوالي، فإذا أردنا الاهتداء بسمت عابد أو التذكير بورع زاهد ألفيناه في صفحات الكتب! وكان الواقع السالف يعج بهم في الطرقات وهم يدعون الناس إلى النسك برؤيتهم وفعالهم قبل دعوتهم بوعظهم ومقالهم. ولاشك أنه يوجد في عصرنا زهاد ونساك لكنهم قليل بين جمع كثير ليس كحالهم؛ وذلك عندما طغت على الحياة كثرة الشاردين والغافلين. حقيقة العبادة ومعناها: العبادة هي: " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة، وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار

стр. 9

والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك؛ من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه. وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه، والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف لعذابه وأمثال ذلك؛ هي من العبادة لله" (١). فالعبادة إذن شاملة لأعمال الباطن وأعمال الظاهر، والأعمال اللازمة والأعمال المتعدية، وتتوزع على أعضاء الإنسان وجوارحه، فللقلب عبادات؛ كالإيمان والإخلاص، وللسان عبادات؛ كالصدق وقراءة القرآن، وللعين عبادات؛ كالبكاء من خشية الله، والنظر في خلق السماوات والأرض بالتفكر، وللأذن عبادات؛ كسماع القرآن والعلم، واستماع حديث الوالدين، ولليد عبادات؛ كالنفقة والجهاد، وللرجل عبادات؛ كالذهاب إلى المساجد، وقضاء حوائج الناس. وهذا الشمول يعم العبادات المفروضة، والعبادات المستحبة، ويعم عبادات الفعل وعبادات الترك. ويجمع هذه الأنواع كلها وغيرها اسمُ العبادة الذي يعني: التذلل والخضوع لشرع الله تعالى، بحيث يصبح العبد منقاداً لشرع الله تعالى يحافظ على الواجبات ويسارع إلى المستحبات، ويتجنب المحرمات ويدع المكروهات، ولا يقدِّم على هذا الانقياد والخضوع انقيادًا لهوى أو شهوة، أو طاعة لمخلوق يحول بينه وبين عبادة ربه. وفي دعاء كشف الهم والحزن: (اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك … ) (٢). قال ابن القيم: " قوله: (إنّي عبدك): التزام عبوديّته من الذّلّ والخضوع والإنابة،

стр. 10

وامتثال أمر سيّده واجتناب نهيه ودوام الافتقار إليه، واللّجوء إليه والاستعانة به، والتّوكّل عليه، وعياذ العبد به ولياذه به، وأن لا يتعلّق قلبه بغيره محبّة وخوفًا ورجاء. وفيه أيضًا: أنّي عبد من جميع الوجوه: صغيراً وكبيراً، حيّا وميّتًا مطيعاً وعاصيًا، معافى ومبتلى، بالرّوح والقلب واللّسان والجوارح، وفيه أيضًا: أنّ مالي ونفسي ملك لك؛ فإنّ العبد وما يملك لسيّده. وفيه أيضًا: أنّك أنت الّذي مننت عليّ بكلّ ما أنا فيه من نعمة فذلك كلّه من إنعامك على عبدك. وفيه أيضًا: أنّي لا أتصرّف فيما خوّلتني من مالي ونفسي إلّا بأمرك، كما لا يتصرّف العبد إلّا بإذن سيّده، وإنّي لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فإن صحّ له شهود ذلك فقد قال: إنّي عبدك حقيقة. ثمّ قال: (ناصيتي بيدك)، أي: أنت المتصرّف فيّ تصرّفني كيف تشاء، لست أنا المتصرّف في نفسي. وكيف يكون له في نفسه تصرّف من نفسه بيد ربّه وسيّده، وناصيته بيده، وقلبه بين أصبعين من أصابعه، وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كلّه إليه سبحانه ليس إلى العبد منه شيء، بل هو في قبضة سيّده أضعف من مملوك ضعيف حقير، ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له، تحت تصرّفه وقهره، بل الأمر فوق ذلك. ومتى شهد العبد أنّ ناصيته ونواصي العباد كلّها بيد اللّه وحده يصرّفهم كيف يشاء، لم يخفهم بعد ذلك، ولم يرجهم، ولم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين، المتصرف فيهم سواهم، والمدبر لهم غيرهم، فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره وضرورته إلى ربه وصفاً لازماً له، ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم ولم يعلق أمله ورجاءه بهم، فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته؛ ولذا قال هود لقومه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] " (١). ولابد أن تكون عبادة الله تعالى قائمة على الاستسلام الكامل له سبحانه، والحب التام له ولما شرع، فإن انفرد أحد الأصلين عن الآخر في العبادة فهي عبادة ناقصة.

стр. 11

قال ابن القيّم: "والعبادة تجمع أصلين: غاية الحبّ وغاية الذّلّ والخضوع … فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له لم تكن عابداً له، ومن خضعت له بلا محبّة لم تكن عابداً له حتّى تكون محبّا خاضعاً" (١). وقال أيضًا: وعبادةُ الرّحمنِ غاية حبِّه … معْ ذلِّ عابده هما قطبانِ وعليهما فلكُ العبادة دائرٌ … ما دار حتّى قامت القطبان (٢) ومتى ما تم هذان الأصلان فعلى العبد: أولاً: الإقبال على عبادة الله تعالى بما جاء عن الله أو جاء عن رسوله ﷺ ، مبتدئاً بفعل الفرائض وترك النواهي، ثم المسارعة بعد ذلك إلى نوافل الطاعات. ثانيًا: إصلاح السريرة بجعل العمل لوجه الله تعالى خالصًا من شوائب الرياء وحب إرضاء الناس؛ فإن صفاء الباطن وخلوص النية يعظِّم العمل ولو كان صغيرا، وكدرُ السريرة يصغِّر العمل مهما كان كبيرا. قال ابن الجوزي: " والله لقد رأيت من يكثر الصلاة والصوم والصمت ويتخشع في نفسه ولباسه والقلوب تنبو عنه، وقدره في النفوس ليس بذلك، ورأيت من يلبس فاخر الثياب وليس له كبير نفل ولا تخشع والقلوب تتهافت على محبته. فتدبرت السبب فوجدته السريرة، كما روي عن أنس بن مالك أنه لم يكن له كبير صلاة وصوم، وإنما كانت له سريرة. فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه. فاللهَ الله في السرائر؛ فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر" (٣).

стр. 12

ثالثًا: اتباع رسول الله صلى الله وسلم في تلك العبادة؛ إذ كل عبادة ليست عليها هدي رسول الله فهي مردودة. رابعًا: الحرص على إحسان العبادة وإتقانها أكثر من الحرص على كثرتها وكميتها. فعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده يومًا ثم قال: (يا معاذ، والله إني لأحبك) فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا والله أحبك، قال: (أوصيك -يا معاذ- لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) (١). قوله: " (وحسن عبادتك) أي: التوفيق لإيقاع العبادة على الوجه الحسن المرضي شرعاً" (٢). خامسًا: أخذ النفْس في العبادة شيئًا فشيئًا حتى تعتاد على ما يريد المرء منها، فلا يهجم عليها هجومًا حتى تمل العبادة وتنفر منها بعد ذلك. سادسًا: الاستمرار والمداومة حتى مغادرة الحياة، والبعد عن الملل والانقطاع من غير عذر يوصل إلى ذلك، ولعل ذلك يعين على حسن الخاتمة. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. يعني: الموت. سابعًا: البعد عن الانصراف عن العبادة إلى التعلق بالدنيا واللهث وراء شهواتها، فمن خرج عن حصن الطاعة ونفر إلى الشهوات وغرق في مستنقعاتها عسر رجوعه إلى حصنه، إلا أن يشاء الله.

стр. 13

العبادة والواقع: إن الحياة المادية المعاصرة طافحة بمظاهر الغفلة، وأسباب اللهو، ووسائل البعد عن العبادة، ومصايد الجذب إلى مهاوي الانحراف، والعزوف عن كثرة القربات. "فقد طغت موجة من الماديات على قلوب المسلمين قطعت صلتهم بالله وتعلقهم به، فابتعدوا عن كل مظاهر العبودية والالتجاء الصادق إلى الله، حتى وصلوا إلى ما نراه من حيرة وقلق واضطراب" (١). لقد انصرف كثير من الناس إلى الانشغال بالدنيا عن الآخرة؛ فصار الهم الأكبر إن لم يكن كل الهم هو الوصول إلى سعادة العيش الدنيوي البحت بأي وسيلة: حلالاً كانت أم حرامًا، فانصرف بعض الناس إلى طلب المال من تجارة أو وظائف أو أعمال أخرى فصارت هي معبوده الذي لا يفكر معه بمعبوده الذي خلقه. قال النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعطي رضي وإن لم يعط لم يرض) (٢). " أراد بعبد الدينار والدرهم: من استعبدته الدنيا يطلبها وصار كالعبد لها تتصرف فيه تصرف المالك؛ لينالها وينغمس في شهواتها ومطالبها" (٣)، "وصار عمله كله في طلب الدينار والدرهم كالعبادة لهما" (٤). ومن الناس من انصرف إلى الجاه والشهرة فغدا ذلك هو شغله الشاغل حتى لها به عن العبادة، وباع لأجله دينه، وأفسد به في الأرض، قال رسول الله ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص الرجل على المال والشرف لدينه) (٥). " فمقصود

стр. 14

الحديث: أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً للدين من إفساد الذئبين للغنم؛ لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه، ويأخذ به إلى ما يضره، وذلك مذموم؛ لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعا" (١). ومن الناس من انصرف عن العبادة إلى العكوف في أحضان الحرام من سكر أو قمار أو فاحشة، ورأى أن ذلك هو الحياة، كما قال بعضهم: إنما العيشُ سماعٌ … ومدامٌ وغلامُ (٢) فإذا فاتك هذا … فعلى العيش السلام (٣)!! ومنهم من ساق خطاه وفكره ووقته وحياته للاهتمام بالرياضة أو متابعة أخبار العالم المختلفة، ونسي معها شيئًا يقال له: العبادة، وذهل بسببها عن إلهه الذي أمره بالانشغال به لا بالانشغال عنه، فصارت تلك الملهيات هي الربَّ المعبود والكعبة المقصودة التي إليها يتوجه لا عنها يتجه إلى عبادة ربه سبحانه. وهناك جم غفير انشغل بالكسل والقعود فصارت العبادة لديه مطلبًا ثقيلاً لا يؤدي منها إلا بعض ما وجب مع تقصير فيما أدى منها. وفي أفق هذه الظلمات المتكاثفة تقل رؤية الخطى المقبلة على رياض العبادة، والجموع المعتكفة في محاريب التنسك، وتندر البيئة المساعدة على الإقبال على الطاعة وترك ملهيات الحياة التي أورثت الكدر والضيق والحنين إلى الماضي العتيق. "ولا سبيل للخروج من هذا المأزق إلا بالتزام العبودية لله تعالى والتحرر من عبودية الوثنيات والطواغيت على اختلاف أشكالها وأنواعها، تلك العبودية التي لو استجاب الناس لها لعاشوا في اطمئنان وسعادة وسلام، والتي هي أساس العمل الصالح

стр. 15

الذي يثمر نهضة الأمة، وينقذ الإنسانية جمعاء من جحيم العبودية والخضوع للبشر، ويرد عليها تراثها ويرفع منزلتها ويمنحها السعادة والفوز في الدارين" (١). العلم والعبادة: وإن نسيت فلست أنسى حملة العلم ومن يشار إليهم في المجتمع المسلم بالالتزام والاستقامة، ففيهم خيار فضلاء جمعوا بين العلم والعمل، فاتخذوا العلم وسيلة إلى العبادة فأقبلوا عليها وصار لهم منها نصيب وافر، حتى ظهر أثرها عليهم في سمتهم وهديهم وأخلاقهم ومعاملتهم، وزهدهم عن الدنيا وتعلقهم بالآخرة، فهذا هو العلم النافع الذي يكون حجة لصاحبه. وهناك طائفة أخرى ليس لهم من العلم إلا خزن المعلومات، وتجميع المحفوظات، وأما الإقبال على كثرة العبادة والتحلي بالورع والزهادة، والتخلي عن لهو الدنيا؛ فإنما هي أخبار يقرؤونها عن أهلها في الكتب، وقد يعظون بها الناس، أما هم فليسوا مقصودين بذلك! ولهذه الحال المؤسفة ظهر مرض بين بعض حملة العلم أو من يعدون بين الناس من المستقيمين -إلا من رحم الله- ألا وهو النزوع عن المسابقة إلى العبادة، أو تركُ العمل بما حملوا من العلم وعرفوا من الحق. فصار بعضهم كغيرهم في التلهي بالدنيا، والانشغال بزخارف العيش، وقلة النشاط في الجانب العبادي، وظهور بعض المعاصي والانحرافات. والعلم لا ينفع العبد" إلا باستقامة قلبه، وإلا عاد العلم عليه فصار جهلاً، وعاد العمل فصار ضرراً، مع أن فساد قلوبنا هو الذي فرق بيننا وبين سلوك طريق الاستقامة، والاتباع للقوم الذين يصلحون عند فساد الناس" (٢).

стр. 16

قال عيسى ﵇: " يا بني إسرائيل، ما يغني عن الأعمى معه نور الشمس وهو لا يبصرها، وما يغني عن العالم كثرةُ العلم وهو لا يعمل به؟! " (١). إن من يقرأ في سير أهل العلم السالفين يجد أنهم كانوا يجمعون بين كثرة التعلم والتعليم وكثرة العبادة، وليس لديهم بين العلم والعبادة انفصام؛ فلهذا تقرأ في تراجم بعضهم: كان عالمًا زاهداً ورعًا، كثير العبادة، يصلي في اليوم كذا وكذا، لم تفته تكبيرة الإحرام كذا وكذا، وغير ذلك من الأوصاف الدالة على العمل بالعلم. بل كان أهل الزهد والعبادة بينهم في أعلى الرتب: يقتدون بهم، ويثنون عليهم. "ذكر في مجلس أحمد معروف الكرخي فقال بعض من حضره: هو قصير العلم، قال أحمد: أمسك، عافاك الله، وهل يُراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف؟ " (٢). عن "أنس بن عياض قال: رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له: غداً القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة" (٣). لذلك لابد من عودة صادقة إلى العمل بالعلم وظهور أثره في واقع المتعلم أو العالم؛ فإنهم أولى من غيرهم في الرغبة عن الدنيا والإقبال على أعمال الآخرة. العبادة والفتن: الفتن والهرج، والقلاقل والاضطرابات قد تلهي المسلم عن العبادة، وكثرة المسابقة إلى الطاعة، وقد يعتذر بها بعضهم لظهور كسله وفتوره وتقاعسه عن بعض الأعمال الصالحة، وحينما تدهم الناس تلك الخطوبُ فإن الغفلة تستولي عليهم، والانصراف إلى الدنيا يكون ديدنهم، وفي ظل تلك الغفلة المستحكمة يُعرف العباد والنُّساك وطلاب

стр. 17

الآخرة، حيث ينتصرون على ضغط الواقع، وضيق نفوسهم، فيقبلون على العبادة التي بشرهم رسول الله ﷺ بكثرة أجرها في تلك الظروف. قال النبي ﷺ : (العبادة في الهرج كهجرة إليَّ) (١). "المراد بالهرج هنا: الفتنة واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا أفراد" (٢). " قال ابن العربي: وجه تمثيله بالهجرة: أن الزمن الأول كان الناس يفرون فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقعت الفتن تعين على المرء أن يفر بدينه من الفتنة إلى العبادة، ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة، وهو أحد أقسام الهجرة" (٣). وقال ابن حجر عند شرح حديث: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه) (٤): " قال القرطبي: كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين، ويقل الاعتناء بأمره، ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاش نفسه وما يتعلق به، ومن ثَم عظم قدر العبادة أيام الفتنة؛ كما أخرج مسلم من حديث معقل بن يسار رفعه: (العبادة في الهرج كهجرة إلي) " (٥). ثمرات العبادة: إن المسلم حينما يقبل على عبادة الله تعالى فيؤدي ما فُرض عليه ويجتنب ما نهي عنه، ويسعى إلى المسابقة إلى نوافل العبادة المتنوعة، ويصلح باطنه وظاهره، ويحسن علاقته مع الله وعلاقته مع الناس؛ فإنه سيربح ربحًا وفيراً، ويجني ثمرات كثيرة في دنياه وآخرته.

стр. 18

ومن تتبع نصوص الوحيين سيجد آثاراً حسنة يظفر بها العابد الناسك خاصة إذا عبد الله تعالى على علم وبصيرة، فمن تلك الثمرات الصالحة على وجه العموم: نيل الأجر والثواب، وطيب العيش ولذة الحياة، والوقاية من الشيطان، والتوفيق في جوانب الحياة المختلفة، والسعادة في الدنيا والآخرة، والفوز برضوان الله وجنته، والنجاة من غضبه وناره. دعوة إلى العودة: فهلمّ أخي المسلم، إلى جَنة العبادة بأبعادها كلها، ورابطْ في محاريبها المضيئة، عاملاً للواجبات، هاجراً للمنكرات، مسارعًا إلى القربات، مستحضراً أنك في تجارة رابحة لا يربحها إلا اليقظون والمشمرون والحريصون والمنافسون. واقتدِ برسول الله ﷺ فإنه كان أعبد الناس واتقاهم، وأسرعهم إلى الخير وأسبقهم إليه، مع كثرة انشغاله وأعباء رسالته ودعوته، ومع أنه كذلك قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. عن عائشة ﵂: أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أحب أن أكون عبداً شكورا) (١). وأيقظْ نفسك من سبات الغفلة إن كنت غافلا، وانتشل نفسك من لهوِ الحياة إن كنت فيه غارقا، واعتق رقبتك إن كنت لدى الهوى رقيقا، وأطلق نفسك إن كنت في قيد التعلق بالحياة الفانية أسيرا. فما هذه الحياة إلا للعبادة، وما الفائزون فيها إلا أهل المسارعة والزهادة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا

стр. 19

طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦]. " وذكرُ اسم الرب يشمل تبليغ الدعوة، ويشمل عبادة الله في الصلوات المفروضة والنوافل، ويشمل الموعظة بتخويف عقابه ورجاء ثوابه" (١). وقال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] " أي: أكثر من ذكره وانقطع إليه، وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك وما تحتاج إليه من أمور دنياك؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح: ٧]. أي: إذا فرغت من أشغالك فانصب في طاعته وعبادته؛ لتكون فارغ البال" (٢). عن أبي هريرة ﵁ قال: تلا رسول الله ﷺ : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] قال: يقول الله: (ابنَ آدم، تفرّغ لعبادتي أملأْ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك) (٣). "أي: تفرغ عن مهماتك لطاعتي، ولا تشتغل باكتساب ما يزيد على قوتك وقوت من تعول؛ فإنك إن اقتصرت على ما لا بد منه واشتغلت بعبادتي (أملأ صدرك) أي: قلبك الذي في صدرك (غنى) وذلك هو الغنى على الحقيقة" (٤). فـ "فرِّغ قلبك من الأغيار يملأه بالمعارف والأسرار" (٥). واعلم أن " الخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إليه، وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه" (٦).

стр. 20

التسليمُ لنصوصِ الشرع إن الإنسان في هذه الحياة مكلف بالأمر والنهي الذي به سعادته في الدنيا والآخرة، ولا يسعه الخروج عن هذا التكليف مادام من أهله حتى يخرج عن هذه الحياة، بالانتقال من دار العمل إلى دار الجزاء. فالمكلِّف ربٌّ خالق، والمكلَّف عبدٌ مخلوق، وليس للعبد والأمر كذلك إلا التسليم والانقياد لأوامر سيده ونواهيه، فإذا انضاف إلى ذلك أن هذه الأوامر والنواهي آتية من رب عليم رحيم ازداد الأمر تأكداً في التسليم لها والانقياد لما جاءت به. فمصدرها العليم الخبير الذي علِم أن التزام عباده بهذه الأوامر والنواهي سيجلب لهم المنافع العاجلة والآجلة ويدفع عنهم المضار الدنيوية والأخروية، وهي بذلك مظهر من مظاهر رحمة الله بخلقه؛ فلرحمته بهم كلفهم بذلك حتى يصلوا إلى سعادة الدنيا والآخرة. والاتعاظ بنصوص الشرع لن يكون إلا بالتسليم لها والانقياد لما جاءت به، فأكثر الناس اتعاظًا وصلاحًا هم المنقادون للوحي الذين لا يقدمون عليه رأيًا ولا قولاً ولا ناموسًا يخالفه. عظمة النصوص الشرعية: إن النص الشرعي- كتابًا وسنة صحيحة- يمتلك القداسة والعظمة بالنظر إلى مصدره، فهو تكليف جاء عن الله عن طريق الوحي الذي يتسم بالعصمة من الزلل والعبث، فيجب لذلك تعظيمه واتباعه؛ تعظيمًا لله تعالى. قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا

стр. 21

تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. فقد "أمر الناس أن يتبعوا ما أنزل إليهم، كلٌّ يتبع ما هو به أعلق، فالمشركون أنزل إليهم الزجر عن الشرك والاحتجاج على ضلالهم، والمسلمون أنزل إليهم الأمر والنهي والتكليف. فكلٌّ مأمور باتباع ما أنزل إليه" (١). "والمراد بـ ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ هو القرآن والسنة المبينة له، لا آراء الرجال" (٢). قال ابن القيم: " أول مراتب تعظيم الحق : تعظيم أمره ونهيه؛ وكذلك المؤمن يعرف ربه برسالته التي أرسل بها رسول الله ﷺ إلى كافة الناس، ومقتضاها الانقياد لأمره ونهيه، وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله واتباعه وتعظيم نهيه واجتنابه، فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه دالاً على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالإيمان والتصديق وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الأكبر؛ فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر لنظر الخلق وطلب المنزلة والجاه عندهم، ويتقي المناهي خشية سقوطه من أعينهم وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود التي رتبها الشارع ﷺ على المناهي، فهذا ليس فعله وتركه صادراً عن تعظيم الأمر والنهي، ولا تعظيم الآمر والناهي" (٣). إن قبول نصوص الشريعة والانقياد لها من الإيمان والتصديق والخضوع والتواضع الذي يجب على الإنسان، ولا يصح الإسلام إلا بذلك. فيجب" التسليم المحض للوحي، فإذا سلم القلب له رأى صحة ما جاء به، وأنه الحق بصريح العقل والفطرة، فاجتمع له السمع والعقل والفطرة، وهذا أكمل الإيمان،

стр. 22

ليس كمن الحرب قائمة بين سمعه وعقله وفطرته" (١). " فأعلى مراتب الصدق: مرتبة الصديقية، وهي كمال الانقياد للرسول، مع كمال الإخلاص للمرسل" (٢). ومن " تكبر عن الانقياد للحق أذله الله ووضعه وصغره وحقره، ومن تكبر عن الانقياد للحق ولو جاءه على يد صغير أو من يبغضه أو يعاديه فإنما تكبره على الله؛ فإن الله هو الحق وكلامه حق ودينه حق، والحق صفته ومنه وله، فإذا رده العبد وتكبر عن قبوله فإنما رد على الله وتكبر عليه والله أعلم" (٣). السنة وحي من عند الله تعالى: لقد أرسل الله تعالى نبيه محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق، فأنزل عليه القرآن الكريم وأوحى إليه بيانه، فكان رسول الله ﷺ يتلو على الناس كتاب الله ويبينه لهم بقوله وبفعله وذلك هو السنة، ويقره الله تعالى ويوحي إليه بذلك. فعن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته (٤) فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله؛ فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإنَّ ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله) (٥). وعند أبي داود: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن؛ فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة

стр. 23

معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قِراه) (١). ففي هذا الحديث تحذير من" مخالفة السنن التي سنها رسول اللّه ﷺ مما ليس له في القرآن ذكر" (٢). قال الطيبي: "وفي هذا الحديث توبيخ وتقريع عظيم على ترك السنة والعمل بالحديث؛ استغناء عنها بالكتاب، هذا مع الكتاب فكيف بمن رجح الرأي على الحديث، وإذا سمع حديثًا من الأحاديث الصحيحة قال: لا عليّ بأن أعمل بها؛ فإن لي مذهباً أتبعه! " (٣). وقال المباركفوري: " والمعنى: لا يجوز الإعراض عن حديثه عليه الصلاة و السلام؛ لأن المعرض عنه معرض عن القرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] " (٤). وقال أبو إسحاق إسماعيل بن سعيد الكسائي الفقيه: "يجب على الناس أن يتبعوا القرآن، ولا يخالفوه، فإن احتج محتج بأن في السنن ما يخالف التنزيل، قيل لهم: إن رسول الله ﷺ قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه). وكل سنة ثبتت عن رسول الله ﷺ لا يجوز لقائل أن يقول: إنها خلاف التنزيل؛ لأن السنة تفسر التنزيل، والسنة كان ينزل بها جبريل، ويعلمها رسول الله ﷺ فكان لا يقول قولاً يخالف التنزيل إلا ما نسخ من قوله بالتنزيل، فمعنى التنزيل ما قال

стр. 24

رسول الله ﷺ إذا كان ذلك بإسناد ثبت عنه" (١). علامات تعظيم نصوص الوحي: من الناس من يقول: إنه معظم للنص الشرعي، ومنقاد له، ولا يعارضه بما يتخلص به عن العمل بمقتضاه، وهذا القول قد يكون من بعض الناس دعوى يخالف واقعُه ما تقول لسانه، ويكون من بعضهم حقيقة تدل عليها البراهين والشواهد. وحتى يعرف الإنسان نفسه ويعرف غيره هل هو من الصادقين أو المدعين في تعظيم الأمر والنهي الشرعيين؛ نعرض بعض العلامات التي تدل على تعظيم نصوص الشرع ذكرها ابن القيم. قال ﵀: " فعلامة التعظيم للأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحينها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها" (٢). وقال أيضًا: "وأما علامات تعظيم المناهي: فالحرص على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب منها؛ كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصور التي تقع بها الفتنة؛ خشية الافتتان بها، وأن يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، وأن يجانب الفضول من المباحثات خشية الوقوع في المكروه، ومجانبة من يجاهر بارتكابها ويحسنها ويدعو إليها ويتهاون بها ولا يبالي ما ركب منها؛ فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله تعالى وغضبه، ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تعالى وحرماته. ومن علامات تعظيم النهي: أن يغضب لله إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزنًا وكسرة إذا عُصي الله تعالى في أرضه، ولم يضلع بإقامة حدوده وأوامره، ولم يستطع هو أن يغير ذلك.

стр. 25

ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافياً غير مستقيم على المنهج الوسط؛ مثال ذلك: أن السنة وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر، فالترخص الجافي أن يبرد إلى فوات الوقت أو مقاربة خروجه فيكون مترخصًا جافياً … وأما تعريض الأمر والنهي للتشديد الغالي فهو كمن يوسوس في الوضوء متغاليًا فيه حتى يفوت الوقت، أو يردد تكبيرة الأحرام إلى أن تفوته مع الإمام قراءة الفاتحة أو يكاد تفوته الركعة … فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يعارَضا بترخص جافٍ، ولا يعرضا لتشديد غالٍ؛ فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله بسالكه … ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله ، بل يسلم لأمر الله تعالى وحكمه، ممتثلاً ما أمر به، سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر، فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه حمله ذلك على مزيد الانقياد والتسليم، ولا يحمله ذلك على الانسلاخ منه وتركه" (١). سمعنا وأطعنا: على طالب النجاة أن يسلم قلبه وجوارحه للوحي، بحيث ينقاد انقياداً تامًا لما جاء به أمراً ونهيًا، ناطقًا بلسانِ قالِه وفعاله: سمعنا وأطعنا، وأن لا يروغ عن ذلك يمنة ولا يسرة؛ لشهوة عنده أو شبهة أو حيلة؛ باحثًا عن مخرج يخلصه من الانقياد والتسليم. وهذا هو الاستقامة التي أمر الله تعالى بها في قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]. "قال عمر بن الخطاب ﵁: الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب" (٢).

стр. 26

فإن خضع لنص الشرع دل ذلك على سلامة قلبه " فالقلب الصحيح السليم ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه، فهو صحيح الإدراك للحق تام الانقياد والقبول له" (١). إن هذا الانقياد والتسليم الذي على المسلم فعله مع نصوص الوحي: قرآنًا أو سنة؛ ينبغي أن يكون في جميع أحواله: الظاهرة والباطنة، والخاصة والعامة، وأن يكون عند هذا الانقياد راضيًا كل الرضا. قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فقد: " أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكداً بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكِّموا رسولَه في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتنفسح له كل الانفساح، وتقبله كل القبول ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم، وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض … وعند هذا يعلم أن الرب ﵎ أقسم على انتفاء إيمان أكثر الخلق، وعند الامتحان تعلم: هل هذه الأمور الثلاثة موجودة في قلب أكثر من يدعي الإسلام أم لا؟ والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (٢). قال النووي: " بابُ ما يَقولُ مَنْ دُعي إلى حُكْمِ اللَّهِ تعالى ينبغي لمن قال له غيرُه: بيني وبينَك كتاب اللّه، أو سنّة رسولِ اللّه ﷺ ، أو أقوال علماء المسلمين، أو نحو ذلك، أو قال: اذهبْ معي إلى حاكم المسلمين،

стр. 27

أو المفتي لفصلِ الخصومةِ التي بيننا، وما أشبَه ذلك؛ أن يقولَ: سمعنا وأطعنا، أو سمعاً وطاعةً، أو نعمْ وكرامة، أو شبه ذلك، قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّمَا كانَ قَوْلَ المُؤْمِنينَ إذَا دُعُوا إلى اللّه وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥١ - ٥٢] " (١). فـ" قوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معناه: كذلك يجب أن يكون قولهم وطريقتهم إذا دعوا إلى حكم كتاب الله ورسوله أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، فيكون إتيانهم إليه وانقيادهم له سمعاً وطاعة، ومعنى: ﴿سَمِعْنَا﴾ أجبنا على تأويل قول المسلمين: سمع الله لمن حمده أي: قبل وأجاب، ثم قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما ساءه وسره، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما بقي من عمره. وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه" (٢). قال ابن القيم: " التواضع للدين هو: الانقياد لما جاء به الرسول والاستسلام له والإذعان، وذلك بثلاثة أشياء: الأول: أن لا يعارض شيئاً مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم المسماة: بالمعقول، والقياس، والذوق، والسياسة. فالأولى: للمنحرفين أهلِ الكبر من المتكلمين الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة وقالوا: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل وعزلنا النقل؛ إما عزل تفويض وإما عزل تأويل. والثانية: للمتكبرين من المنتسبين إلى الفقه قالوا: إذا تعارض القياس والرأي والنصوص قدمنا القياس على النص ولم نلتفت إليه.

стр. 28

والثالثة: للمتكبرين المنحرفين من المنتسبين إلى التصوف والزهد، فإذا تعارض عندهم الذوق والأمر قدموا الذوق والحال ولم يعبأوا بالأمر. والرابع: للمتكبرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين، إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة قدموا السياسة ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة. فهؤلاء الأربعة هم أهل الكبر. والتواضعُ التخلص من ذلك كله. الثاني: أن لا يتهم دليلاً من أدلة الدين بحيث يظنه فاسد الدلالة أو ناقص الدلالة أو قاصرها، أو أن غيره كان أولى منه، ومتى عرض له شيء من ذلك فليتهم فهمه، وليعلم أن الآفة منه والبلية فيه كما قيل: وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً … وآفته من الفهم السقيمِ ولكنْ تأخذ الأذهانُ منه … على قدر القرائح والفهوم وهكذا الواقع في الواقع حقيقة: أنه ما اتهم أحد دليلاً للدين إلا وكان المتهم هو الفاسد الذهن المأفون في عقله وذهنه، فالآفة من الذهن العليل لا في نفس الدليل، وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك وينبو فهمك عنه فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك، وأن تحته كنزاً من كنوز العلم، ولم تؤت مفتاحه بعد هذا في حق نفسك، وأما بالنسبة إلى غيرك فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي، وليكن ردها أيسر شيء عليك للنصوص، فما لم تفعل ذلك فلست على شيء ولو ولو، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء قال الشافعي قدس الله روحه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله لم يحل له أن يدعها لقول أحد. الثالث: أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلاً ألبتة، لا بباطنه ولا بلسانه ولا بفعله ولا بحاله، بل إذا أحس بشيء من الخلاف فهو كخلاف المقدم على الزنا وشرب الخمر وقتل النفس، بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك، وهو داع إلى النفاق وهو الذي خافه

стр. 29

الكبار والأئمة على نفوسهم. واعلم أن المخالف للنص لقول متبوعه وشيخه ومقلده أو لرأيه ومعقوله وذوقه وسياسته إن كان عند الله معذوراً -ولا والله ما هو بمعذور- فالمخالف لقوله لنصوص الوحي أولى بالعذر عند الله ورسوله وملائكته والمؤمنين من عباده. فواعجبًا إذا اتسع بطلان المخالفين للنصوص لعذر من خالفها تقليداً أو تأويلاً أو لغير ذلك، فكيف ضاق عن عذر من خالف أقوالهم وأقوال شيوخهم لأجل موافقة النصوص، وكيف نصبوا له الحبائل وبغوه الغوائل ورموه بالعظائم، وجعلوه أسوأ حالاً من أرباب الجرائم، فرموه بدائهم وانسلوا منه لواذا، وقذفوه بمصابهم وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذاً لهم ومعاذا! " (١). أسباب ترك الانقياد والتسليم لنصوص الشرع: هناك قضايا تكون نصوصها الشرعية ظاهرة معلومة، لا يخفيها جهلٌ بها ولا قلة دراية بمقاصدها، فأوامرها أو نواهيها صريحة واضحة، ولكن يجد المرء عند بعض المسلمين ضعف الانقياد لها، وترك الاستجابة لما فيها، إما بترك العمل بها من غير اعتراض عليها، وإما بترك العمل بها مع الاعتراض عليها؛ تخلصًا من مضمونها، وهذا الثاني هو الخطر الكبير الذي قد يُبقي صاحبه في دائرة الإسلام، أو يخرجه عنها، فيخرجه إن كان ينكرها أو يستهزئ بها أو يجعل غيرها من نتائج عقول البشر أحسن منها. قال ابن القيم: " وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله ﷺ برأي أو قياس، أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنًا من كان، ويهجرون فعل ذلك وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوغون غير الانقياد له والتسليم، والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان، بل كانوا عاملين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ

стр. 30

أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وبقول تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] " (١). وهذه الأسباب التي سنذكرها يمكن أن ترجع إجمالاً إلى سببين رئيسين: الأول: الشهوة، والثاني: الشبهة. فمن الأسباب التي تؤدي إلى ترك الانقياد والتسليم للنص: أولاً: طلب اللذة والمتعة والراحة، فقد يخرج الإنسان عن حدود الله ويتجاوز الحلال إلى الحرام: تاركًا للأمر أو مرتكبًا للنهي؛ لكونه يريد من وراء ذلك الوصول إلى اللذة؛ كالنظرة المحرمة، أو المتعة؛ كشرب الخمر، أو الراحة؛ كترك الصلاة. ثانيًا: موافقة المجتمع وكراهة الخروج عن نواميسه قد يعيش مجتمعٌ ما على فعل معصية من المعاصي، أو ترك واجب من الواجبات ويصير ذلك أمراً ظاهراً فيه، فيأتي بعض الناس فيكره الخروج عن هذا الناموس السائد فيوافق أهل مجتمعه فيما هم فيه من الذنوب .... ثالثًا: الوصول إلى أغراض الدنيا وزينتها، وهذا من أكبر الأسباب وأكثرها التي يخرج بها بعض الناس عن ضوابط الشريعة؛ فكم من أوامر تركت ونواهٍ ارتكبت؛ طلبًا للمال، أو الجاه، أو الوظيفة، أو الشهرة، أو الثناء والشكر. رابعًا: إرضاء البشر، حينما يضعف الإيمان في القلب يقدم إرضاء البشر على إرضاء رب البشر، فكم تارك للنصوص الشرعية لأنه يريد بذلك بلوغ رضوان الناس عنه، فبعض النساء تعلم أن التبرج ولين الحجاب حرام، ولكن تريد بتبرجها وقلة حجابها أن يرضى الناس عنها ويقولون: إنها امرأة جميلة وحضارية متقدمة وليست جاهلة متخلفة! وهذه الأسباب الأربعة ونحوها توصل إليها أمورٌ أخرى؛ فقد يوصل إليها:

стр. 31

الكسل، أو التأويل، أو الحسد والكره، أو الضعف، أو التحيل، أو الآراء والأذواق والسياسة. فكم من أمر شرعي تُرك بسبب الكسل، وكم من نهي ارتكب بسبب التأويل: بأن ذلك النهي ليس للتحريم، أو أنه منسوخ، أو أن المسألة فيها خلاف، أو أن المقصود غير ظاهر النص! وكم نص شرعي عُطِّل لدى بعض الناس لكونه جاء عن بعض من يحسده أو يحقد عليه، فيتعمد ذلك الحاسد أو الكاره مخالفة النص؛ إغاظة لمن يكره أو يحسد، ولو جاء من غيره لقبله. وكم من تشريع من التشريعات لم يُعمل به عند بعض المكلفين؛ لأن ذلك المكلف تحيل على نصوصه فأخرجها عما جاءت له؛ كدأب بني إسرائيل في عدة تشريعات منها قصة أصحاب السبت. وكم آراء وأقيسة وسياسات وقفت حائلاً دون العمل بالنصوص الشرعية، فكانت اعتراضًا عورضت بها تلك النصوص. يقول ابن القيم ﵀: " الاعتراض ثلاثة أنواع سارية في الناس، والمعصوم من عصمه الله منها. النوع الأول: الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشبه الباطلة التي يسميها أربابها قواطع عقلية، وهي في الحقيقة خيالات جهلية ومحالات ذهنية … النوع الثاني: الاعتراض على شرعه وأمره، وأهل هذا الاعتراض ثلاثة أنواع: أحدها: المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله ، وتحريم ما أباحه، وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما أسقطه، وإبطال ما صححه وتصحيح ما أبطله، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وتقييد ما أطلقه وإطلاق ما

стр. 32

قيده. وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبة على ذمها والتحذير منها، وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض وحذروا منهم ونفروا عنهم. النوع الثاني: الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات، والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله. وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفوس الجاهلة … النوع الثالث: الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم الله ورسوله، وحكموا بها بين عباده، وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده. فقال الأولون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل. وقال الآخرون: إذا تعارض الأثر والقياس قدمنا القياس. وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والوجد والكشف. وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة، فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتًا يتحاكمون إليه. فهؤلاء يقولون: لكم النقل ولنا العقل، والآخرون يقولون: أنتم أصحاب آثار وأخبار، ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار، وأولئك يقولون: أنتم أرباب الظاهر ونحن أهل الحقائق، والآخرون يقولون: لكم الشرع ولنا السياسة! " (١). مواقف مشرقة: في هذه المواقف المضيئة سنرى أهل التسليم والانقياد للوحي كيف وقفوا عند النصوص الشرعية ولم يتجاوزوها، وانتصروا على أهوائهم وشهواتهم؛ طلبًا لرضوان الله تعالى، فبهم ﵃ يكون الاقتداء.

стр. 33

موقف الصديق مع مسطح ﵄: =كان أبو بكر ﵁ ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره، فلما خاض مع أهل الإفك قال الصديق ﵁: (والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال) فأنزل الله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. قال أبو بكر: بلى، والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً (١). مواقف ثلاثة للفاروق ﵁: =عن نافع بن عمر عن ابن أبي ملكية قال: كاد الخيِّران أن يهلكا أبو بكر وعمر ﵄ رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع: لا أحفظ اسمه فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ … ﴾ [الحجرات: ٢] الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه (٢). وفي رواية: قال ابن الزبير: "فكان عمر بعدُ إذا حدث النبي ﷺ بحديث حدثه كأخي السِّرار (٣) لم يسمعه حتى يستفهمه" (٤).

стр. 34

=وعن ابن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباباً، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هيْ يا ابن الخطاب (١) فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همَّ به فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله (٢). =وعن ابن عمر ﵄: أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله ﷺ : (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله وإلا فليصمت) (٣). قال عمر: "فوالله ما حلفتُ بها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكراً ولا آثراً (٤) " (٥). موقف ثابت بن قيس بن شماس ﵁: عن أنس بن مالك أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا

стр. 35

أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]. إلى آخر الآية؛ جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار! واحتبس عن النبي ﷺ ، فسأل النبي سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ قال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكوى، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ ، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ ، فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : (بل هو من أهل الجنة)، وفي رواية البخاري: (اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة) (١). موقف امرئ القيس بن عابس ﵁: عن رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة عن أبيه عدي قال: خاصم رجل من كندة يقال له: امرؤ القيس بن عابس رجلاً من حضرموت إلى رسول الله ﷺ في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة فلم تكن له بينة، فقضى على امرئ القيس باليمين فقال الحضرمي: إن أمكنته من اليمين يا رسول الله، ذهبت -والله أو ورب الكعبة- أرضي، فقال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أخيه لقي الله وهو عليه غضبان)، قال رجاء: وتلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ قال: الجنة، قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها (٢). موقف أبي موسى الأشعري ﵁: عن أبي بردة قال: دخلت على أبي موسى وهو في بيت بنت الفضل بن العباس

стр. 36

فعطستُ فلم يشمتني، وعطستْ فشمتها، فرجعت إلى أمي فأخبرتها، فلما جاءها قالت: عطس عندكَ ابني فلم تشمته، وعطست فشمتها؟! فقال: إن ابنك عطس فلم يحمد الله فلم أشمته، وعطستْ فحمدت الله فشمتها؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه؛ فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه) (١). موقف حكيم بن حزام ﵁: عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال: (يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى). قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً (٢) بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئاً، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين، على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى توفي) (٣). موقف ميمون بن مهران ﵀: كان عند ميمون بن مهران ضيف فاستعجل على جاريته بالعشاء، فجاءت مسرعة ومعها قصعة مملوءة، فعثرت وأراقتها على رأس سيدها ميمون، فقال: يا جارية، أحرقتني، قالت: يا معلم الخير، ومؤدب الناس، ارجع إلى ما قال الله تعالى، قال: وما قال

стр. 37

الله تعالى؟ قالت: قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ﴾ قال: قد كظمت غيظي، قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال: قد عفوت عنك، قالت: زد؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. قال: أنت حرة لوجه الله تعالى! (١).

стр. 38

إنما العِلمُ العمل العلم بدين الله تعالى وظيفة شريفة، ومنزلة في الفضل مُنيفة؛ فهو النور الذي ينير لصاحبه الطريق إلى ربه، فيعرِّفه الحلال ليأتيه، والحرام ليجتنبه. وهو الدليل الذي يرشد حامله إلى محاسن الأخلاق والأعمال بين الخلق، فيتعامل معهم وفق ما يرضي خالقه . وهو المنادي الحاثُّ على المسارعة إلى العبادة، والمبيّن للسبيل الصالح في أدائها. وهو الموئل الأمين الذي يرجع إليه ذو العلم فيعرف من خلاله تفسير الأمور والحكم عليها، والفصل في أحداث الحياة وموقفه منها. فضل العلم وأهله: فمما يدل على فضل العلم بشريعة الله تعالى: أولاً: أن الله لم يأمر بطلب الزيادة إلا من العلم، فقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. قال ابن حجر: "وقوله : ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ واضح الدلالة في فضل العلم؛ لأن الله تعالى لم يأمر نبيه ﷺ بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، والمراد بالعلم: العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائض، ومدارُ ذلك على التفسير والحديث والفقه" (١). ثانيًا: أنه طريق إلى الجنة؛ قال رسول الله ﷺ : (مَنْ سلك طريقا

стр. 39

يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة) (١). "أي: من مشى إلى تحصيل علم شرعي قاصداً به وجه الله تعالى، جازاه الله عليه بأن يوصله إلى الجنة مسلَّما مكرمًا" (٢). أما أهله الحاملون له، العاملون به فلهمْ بسببه فضل عظيم، وشرف كبير، ومما يدل على ذلك: قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]. قال ابن القيم: " وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه: أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر، والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته، والثالث: اقترانها بشهادة ملائكته، والرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم؛ فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول … " (٣). وذكر-﵀ وجوهًا أخرى. ومما يدل على فضلهم: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. قال الشوكاني: " في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيهما ﴿والذين أوتوا العلم درجات﴾ أي: ويرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات عالية في الكرامة في الدنيا، والثواب في الآخرة، ومعنى الآية: أنه يرفع الذين آمنوا على من لم يؤمن درجات، ويرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات، فمن جمع بين الإيمان والعلم رفعه الله بإيمانه درجات، ثم رفعه بعلمه درجات" (٤). ومما يدل على شرف أهله: ما جاء عن كثير بن قيس قال: كنت جالسًا مع أبى الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجل فقال: يا أبا الدرداء، إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله

стр. 40

عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ ، ما جئت لحاجة. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) (١). ومما يدل على فضل أهله أيضًا: قوله ﵊: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) (٢). قال ابن حجر: ومفهوم الحديث: أن من لم يتفقه في الدين - أي: يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع - فقد حُرم الخير، ومن لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أُريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم" (٣). ثمرة الغرس: وأما فضله على صاحبه في واقع الحياة فمن ذلك ما ذكره ابن الجوزي حيث يقول: "فأمّا من أنفق عصر الشّباب في العلم فإنّه في زمن الشّيخوخة يحمد جنى ما غرس، ويلتذّ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذّات البدن شيئًا بالإضافة إلى ما يناله من لذّات العلم. هذا مع وجود لذّاته في الطّلب الّذي كان يأمل به إدراك المطلوب، وربّما كانت تلك الأعمال أطيب ممّا نيل منها، كما قال الشّاعر:
следующие страницы →