← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 987

روضة العابدين

عبد الله بن عبده العواضي

Полный текст (499 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فعطستُ فلم يشمتني، وعطستْ فشمتها، فرجعت إلى أمي فأخبرتها، فلما جاءها قالت: عطس عندكَ ابني فلم تشمته، وعطست فشمتها؟! فقال: إن ابنك عطس فلم يحمد الله فلم أشمته، وعطستْ فحمدت الله فشمتها؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه؛ فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه) (١). موقف حكيم بن حزام ﵁: عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال: (يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى). قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً (٢) بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئاً، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين، على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى توفي) (٣). موقف ميمون بن مهران ﵀: كان عند ميمون بن مهران ضيف فاستعجل على جاريته بالعشاء، فجاءت مسرعة ومعها قصعة مملوءة، فعثرت وأراقتها على رأس سيدها ميمون، فقال: يا جارية، أحرقتني، قالت: يا معلم الخير، ومؤدب الناس، ارجع إلى ما قال الله تعالى، قال: وما قال

стр. 37

الله تعالى؟ قالت: قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ﴾ قال: قد كظمت غيظي، قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال: قد عفوت عنك، قالت: زد؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. قال: أنت حرة لوجه الله تعالى! (١).

стр. 38

إنما العِلمُ العمل العلم بدين الله تعالى وظيفة شريفة، ومنزلة في الفضل مُنيفة؛ فهو النور الذي ينير لصاحبه الطريق إلى ربه، فيعرِّفه الحلال ليأتيه، والحرام ليجتنبه. وهو الدليل الذي يرشد حامله إلى محاسن الأخلاق والأعمال بين الخلق، فيتعامل معهم وفق ما يرضي خالقه . وهو المنادي الحاثُّ على المسارعة إلى العبادة، والمبيّن للسبيل الصالح في أدائها. وهو الموئل الأمين الذي يرجع إليه ذو العلم فيعرف من خلاله تفسير الأمور والحكم عليها، والفصل في أحداث الحياة وموقفه منها. فضل العلم وأهله: فمما يدل على فضل العلم بشريعة الله تعالى: أولاً: أن الله لم يأمر بطلب الزيادة إلا من العلم، فقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. قال ابن حجر: "وقوله : ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ واضح الدلالة في فضل العلم؛ لأن الله تعالى لم يأمر نبيه ﷺ بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، والمراد بالعلم: العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائض، ومدارُ ذلك على التفسير والحديث والفقه" (١). ثانيًا: أنه طريق إلى الجنة؛ قال رسول الله ﷺ : (مَنْ سلك طريقا

стр. 39

يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة) (١). "أي: من مشى إلى تحصيل علم شرعي قاصداً به وجه الله تعالى، جازاه الله عليه بأن يوصله إلى الجنة مسلَّما مكرمًا" (٢). أما أهله الحاملون له، العاملون به فلهمْ بسببه فضل عظيم، وشرف كبير، ومما يدل على ذلك: قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]. قال ابن القيم: " وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه: أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر، والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته، والثالث: اقترانها بشهادة ملائكته، والرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم؛ فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول … " (٣). وذكر-﵀ وجوهًا أخرى. ومما يدل على فضلهم: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. قال الشوكاني: " في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيهما ﴿والذين أوتوا العلم درجات﴾ أي: ويرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات عالية في الكرامة في الدنيا، والثواب في الآخرة، ومعنى الآية: أنه يرفع الذين آمنوا على من لم يؤمن درجات، ويرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات، فمن جمع بين الإيمان والعلم رفعه الله بإيمانه درجات، ثم رفعه بعلمه درجات" (٤). ومما يدل على شرف أهله: ما جاء عن كثير بن قيس قال: كنت جالسًا مع أبى الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجل فقال: يا أبا الدرداء، إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله

стр. 40

عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ ، ما جئت لحاجة. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) (١). ومما يدل على فضل أهله أيضًا: قوله ﵊: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) (٢). قال ابن حجر: ومفهوم الحديث: أن من لم يتفقه في الدين - أي: يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع - فقد حُرم الخير، ومن لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أُريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم" (٣). ثمرة الغرس: وأما فضله على صاحبه في واقع الحياة فمن ذلك ما ذكره ابن الجوزي حيث يقول: "فأمّا من أنفق عصر الشّباب في العلم فإنّه في زمن الشّيخوخة يحمد جنى ما غرس، ويلتذّ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذّات البدن شيئًا بالإضافة إلى ما يناله من لذّات العلم. هذا مع وجود لذّاته في الطّلب الّذي كان يأمل به إدراك المطلوب، وربّما كانت تلك الأعمال أطيب ممّا نيل منها، كما قال الشّاعر:

стр. 41

أهتزّ عند تمنّي وصلِها طربًا … وربَّ أمنيّةٍ أحلى من الظّفرِ ولقد تأمّلت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الّذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدّنيا، وأنفقت زمن الصّبوة والشّباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني ممّا نالوه إلّا ما لو حصل لي ندمت عليه، ثمّ تأمّلت حالي فإذا عيشي في الدّنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين النّاس أعلى من جاههم، وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم. فقال لي إبليس: ونسيت تعبك وسهرك، فقلت له: أيّها الجاهل، تقطيع الأيدي لا وقع له عند رؤية يوسف، وما طالت طريق، أدّت إلى صديق: جزى اللّهُ المسيرَ إليه خيراً … وإنْ تركَ المطايا كالمزادِ ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشّدائد ما هو عندي أحلى من العسل؛ لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصّبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلّا عند الماء، فكلّما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همّتي لا ترى إلّا لذّة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أنّي عُرفت بكثرة سماعي لحديث الرّسول ﷺ وأحواله وآدابه وأحوال أصحابه وتابعيهم" (١). العمل بالعلم: غير أن هذا العلم لا يصل بصاحبه إلى هذا الفضل، ولا يبلغ به إلى هذه الرتبة، ولا يُنيله هذا الشرف إلا بالعمل به، والانتفاع بما يرشد إليه. قال أبو الدرداء: (لا تكونُ عالمًا حتى تكون بالعلم عاملاً) (٢). وعن أبيّ بن كعب قال: "تعلموا العلم واعملوا به، ولا تتعلموه لتتجملوا به؛ فإنه

стр. 42

يوشك إن طال بكم زمان أن يتجمل بالعلم كما يتجمل الرجل بثوبه" (١). فليس كل من حمل العلم نائلاً ما جاء في مدحه، والثناء على أهله، بل هناك بعضٌ مِنْ حملته لا ينتفعون به؛ ولهذا استعاذ رسول الله ﷺ من علم لا ينفع، فعن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع … ) (٢). وأخبر ﵊ عن حصول سؤال العبد يوم القيامة عن علمه ماذا عمل به، فقال ﷺ : (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة عند ربه حتى يسأل عن خمس: عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم" (٣). وذلك أن هذا العلم قد يتعلمه من سيعمل به، وقد يتعلمه من لا يعمل به، ولا يستفيد من نوره وهُداه، قال ابن القيم: " العلماء ثلاثة: عالم استنار بنوره واستنار به الناس، فهذا من خلفاء الرسل، وورثة الأنبياء، وعالم استنار بنوره ولم يستنر به غيره، فهذا إن لم يفرط كان نفعه قاصراً على نفسه، فبينه وبين الأول ما بينهما، وعالم لم يستنر بنوره ولا استنار به غيره، فهذا علمه وبال عليه، وبسطته للناس فتنة لهم، وبسطة الأول رحمة لهم" (٤). إن المتعلمين لهذا العلم كثير، ولكن المنتفعين به عملاً وسلوكًا قليل، فقد يوجد المرائي بهذا العلم، المتباهي بما نال من معلوماته، وقد يتعلمه من يطلب من ورائه عرضًا من الدنيا؛ ولهذا حذر النبي ﷺ من هذين المزلقين الخطرين في العلم،

стр. 43

فقال ﷺ : (من تعلم علماً -مما يُبتغى به وجه الله - لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة -يعني: ريحها-) (١). وقال ﵊: (لا تَعلَّموا العلم لتباهوا به العلماء، أو تماروا به السفهاء، ولا لتجترئوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنارَ النار) (٢). فماذا سيربح من يعلِّم الناس الخير ليعملوه وهو لا يعمله؟ إن مَثَل من كان هذا حاله هو كما قال رسول الله ﷺ : (مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه) (٣). أو كما قال الشاعر: وغيرُ تقيٍّ يأمرُ الناسَ بالتقى … طبيبٌ يداوي الناس وهو عليل (٤) أو كما قال الآخر: يا أيها الرجل المعلِّمُ غيرَه … هلّا لنفسِك كان ذا التعليمُ؟ تصفُ الدواءَ لذي السقام وذي الضنا … كيما يصحّ به وأنت سقيمُ ما زلتَ تلقحُ بالرشاد عقولَنا … صفةً وأنت من الرشاد عديمُ ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها … فإن انتهتْ عنه فأنت حكيم فهناك يُقبل ما تقول ويُقتدى … بالرأي منك وينفع التعليم لا تنهَ عن خُلقٍ وتأتيَ مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ! (٥)

стр. 44

أمَا يخاف متعلم أو عالم لا يعمل بعلمه فيما وجب وفيما حرُم ما يكون عليه حاله بين يدي ربه يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، ما لك؟! ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه) (١). إن العمل بالعلم أمرٌ حثّ عليه الشارع الحكيم، ودعا إليه أهل العلم العاملون؛ لأنه ثمرة العلم، وبرهان صدق صاحبه. قال ابن عبد البر: "قد ذم الله في كتابه قومًا كانوا يأمرون الناس بأعمال البر ولا يعملون بها، ذمًّا وبخهم الله به توبيخًا يُتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة، فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. قال أبو العتاهية: وصفتَ التُقى حتى كأنك ذو تقى … وريحُ الخطايا من ثيابك تَسطعُ! " (٢) قال رسول الله ﷺ : (مررت ليلة أُسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت من هؤلاء؟ قالوا: خطباء من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون) (٣). وقال ابن مسعود ﵁: "تعلموا، فإذا علمتم فاعملوا" (٤). وكان أبو الدرداء ﵁ يقول: "إنما أخشى من ربي يوم القيامة أن يدعوني على رؤوس الخلائق فيقول لي: يا عويمر، فأقول: لبيك ربّ، فيقول: ما عملت فيما علمت؟ " (٥).

стр. 45

وقال الخطيب البغدادي: " ثم إني موصيك يا طالب العلم، بإخلاص النية في طلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه؛ فإن العلم شجرة والعمل ثمرة، وليس يعد عالمًا من لم يكن بعلمه عاملاً، وقيل: العلم والد والعمل مولود، والعلم مع العمل، والرواية مع الدراية، فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشًا من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصراً في العمل، ولكن اجمع بينهما، وإن قل نصيبك منهما، وما شيء أضعف من عالم ترك الناس علمه لفساد طريقته، وجاهل أخذ الناس بجهله لنظرهم إلى عبادته" (١). وقال ابن الجوزي في "السر المصون: " من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل للفضائل، وأنه كلما علت مرتبته في علم وعمل، زادت المرتبة في دار الجزاء، انْتَهَبَ الزمانَ ولم يُضَيِّع لحظة، ولم يترك فضيلة تمكنه إلا حَصَّلَهَا. مَنْ وُفِّقَ لهذا، فليبكر زمانه بالعلم، وليصابر كلَّ محنة وفقر، إلى أن يحصل له ما يريد؛ وليكن مخلصًا في طلب العلم عاملاً به حافظًا له، فأما أن يفوته الإخلاص، فذلك تضييع زمان وخسران الجزاء، وإما أن يفوته العمل به فذاك يقوي الحجة عليه والعقاب له" (٢). المنتفع بالعلم: وقال ابن القيم: "لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار أهل الكتاب، ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم المنافقين" (٣). إن المنتفع بالعلم هو الذي صنع منه العلم مؤمنًا يظهر على سلوكه تعظيم الله وإجلاله، وخشيته وتقواه، ومراقبته في السر والعلن، وإيثار مرضاته على رضا كل أحد، وتقديم نصوص الوحي على كل قول ورأي من البشر. والمنتفع بالعلم هو الذي يرُى مسارعًا إلى الطاعات، متجنباً المعاصي والسيئات،

стр. 46

داعيًا إلى الخير وهو مسابق إليه، ومحذراً من الشر وهو غير مقيم عليه. قال تعالى عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. قال الحسن البصري: " لقد أدركت أقوامًا كانوا أأمر الناس بالمعروف وآخذهم به، وأنهى الناس عن منكر وأتركهم له، ولقد بقينا في أقوام أأمر الناس بالمعروف وأبعدهم منه، وأنهى الناس عن المنكر وأوقعهم فيه، فكيف الحياة مع هؤلاء؟! " (١). والمنتفع بالعلم هو الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، الذي لا تأسره أعراض الدنيا ومتاعها الزائل، ولا تستهويه رئاساتها وجاهها، وقد ضرب الله لنا في القرآن مثلينِ لمن حمل العلم النافع ولكنه لم يعمل به، حرصًا على الدنيا وشهواتها. المثال الأول: قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] (٢). المثال الثاني: قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]. والمنتفع بالعلم هو الذي يحوِّل معلومات علمه إلى واقع وسلوك يعيشه مع الناس، فمن رآه وعاشره قال: هذا شرع الله؛ لأنه لا يصدر عنه إلا ما يوافق شريعة الله تعالى. غير المنتفع بالعلم: فأما رجل قرأ العلم وتعلمه وعلّمه، وأحاط بمسائله ومعلوماته، ولكنه غير عامل به

стр. 47

فإن علمه الذي تعلمه وبالٌ عليه وحجة عليه. قال الزرنوجي: "وإنما شرف العلم بكونه وسيلة إلى البر والتقوى الذي يستحق بها المرء الكرامة عند الله، والسعادة الأبدية .. فينبغي للإنسان ألا يغفل عن نفسه ما ينفعها وما يضرها في أولها وآخرها، ويستجلب ما ينفعها، ويجتنب ما يضرها؛ كي لا يكون عقله وعلمه حجة عليه، فيزداد عقوبة، نعوذ بالله من سخطه وعقابه" (١). وليس بمنتفع بالعلم من تعلمه لغرض دنيوي خالص؛ ينال به حظًا عاجلاً بين الناس؛ من منزلة ورتبة، أو وظيفة ورئاسة وشهرة بتميزٍ يفوق به غيره. قال الماوردي: " ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتابًا جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي وكددت فيه خاطري، حتى إذا تهذب واستكمل وكدت أعجب به وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعًا بعلمه، حضرني- وأنا في مجلسي- أعرابيان، فسألاني عن بيع عقداه في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف لواحدة منهن جوابًا، فأطرقت مفكرا، وبحالي وحالهما معتبرا، فقالا: ما عندك فيما سألناك جواب، وأنت زعيم هذه الجماعة؟ فقلت: لا. فقالا: واهًا لك، وانصرفا. ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي فسألاه، فأجابهما مسرعًا بما أقنعهما وانصرفا عنه راضيين بجوابه، حامدين لعلمه. فبقيت مرتبكًا، وبحالهما وحالي معتبراً. وإني لعلى ما كنت عليه من المسائل إلى وقتي، فكان ذلك زاجرَ نصيحةٍ ونذير عظة، تَذلل بها قيادُ النفس، وانخفض لها جناح العُجب، توفيقًا مُنِحتُه، ورشداً أُوتيته" (٢). وليس بمنتفع بالعلم من لم يزده العلم خشية لربه وتوقيراً، وإجلالاً وتعظيمًا، وطلبًا لرضاه وإن سخط الخلق كلهم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. قال عبد الله بن مسعود: "ليس العلم عن كثرة الحديث، إنما العلم خشية

стр. 48

الله" (١). وقال ابن رجب: "وكان الإمام أحمد ﵀ يقول عن معروف: معه أصل العلم: خشية اللَه. فأصل العلم باللَه الذي يوجب خشيته ومحبته والقرب منه والأنس به والشوق إليه. ثم يتلوه العلم بأحكام اللَه وما يحبه ويرضاه من العبد من قول أو عمل أو حال أو اعتقاد. فمن تحقق بهذين العلمين كان علمه علماً نافعاً، وحصل له العلم النافع، والقلب الخاشع، والنفس القانعة، والدعاء المسموع. ومن فاته هذا العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي صلي الله عليه وسلم، وصار علمه وبالاً وحجة عليه، فلم ينتفع به؛ لأنه لم يخشع قلبه لربه، ولم تشبع نفسه من الدنيا، بل ازداد عليها حرصاً ولها طلباً، ولم يسمع دعاؤه؛ لعدم امتثاله لأوامر ربه، وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه" (٢). وليس بمنتفع بالعلم من مال إلى زهرة الدنيا فنافس أهلها، والتهى بها، وانشغل بزينتها عن الآخرة، وغيّر فكره ورؤيته ومواقفه وفتاواه؛ حسب المصالح العاجلة؛ رغبة في حطام الدنيا، وخوفًا من زوال متاعها عنه. يقول ابن القيم عن علماء السوء: " كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه، وفي خبره وإلزامه؛ لأن أحكام الرب سبحانه كثيراً ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيما أهل الرياسة، والذين يتبعون الشهوات؛ فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيراً، فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق، ولا سيما إذا قامت لهما شبهة، فتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى فيخفى الصواب وينطمس وجه الحق، وإن كان الحق ظاهراً لا خفاء به ولا شبهة فيه، أقدم على مخالفته وقال: لي مخرج بالتوبة. وفى هؤلاء وأشباههم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٩].

стр. 49

فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العَرض الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم، وقالوا: سيغفر لنا، وإن عرض لهم عرض آخر أخذوه، فهم مصرون على ذلك وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق، فيقولون: هذا حكمه وشرعه ودينه، وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلاف ذلك. أو لا يعلمون أن ذلك دينه وشرعه وحكمه، فتارة يقولون على الله مالا يعلمون، وتارة يقولون عليه ما يعلمون بطلانه. وأما الذين يتقون فيعلمون أن الدار الآخرة خير من الدنيا فلا يحملهم حب الرياسة والشهوة على أن يؤثروا الدنيا على الآخرة، وطريق ذلك أن يتمسكوا بالكتاب والسنة، ويستعينوا بالصبر والصلاة ويتفكروا في الدنيا وزوالها وخستها، والآخرة وإقبالها ودوامها، وهؤلاء لا بد أن يبتدعوا في الدين مع الفجور في العمل، فيجتمع لهم الأمران؛ فإن اتباع الهوى يعمي عين القلب، فلا يميز بين السنة والبدعة، أو ينكسه فيرى البدعة سنة والسنة بدعة. فهذه آفة العلماء إذا آثروا الدنيا واتبعوا الرياسات والشهوات" (١). وقال ذو النون المصري: "كان الرجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضًا للدنيا وتركًا لها، فاليوم يزداد الرجل بعلمه للدنيا حبًا ولها طلبًا، وكان الرجل ينفق ماله على العلم، واليوم يكتسب الرجل بعلمه مالاً، وكان يرى على طالب العلم زيادة إصلاح في باطنه وظاهره، فاليوم ترى على كثير من أهل العلم فساد الباطن والظاهر (٢). وليس بمنتفع بالعلم من كان علمه لا يهديه الاستقامة والهَدي الصالح، ولا يغير من أخلاقه المعوجّة وسلوكه المنحرف، ولا يجعله قدوة حسنة بين الناس، يظهر أثر العلم عليه. قال ابن القيم: " علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم؛ فلو كان ما دعوا إليه حقًا كانوا أول المستجيبين له. فهم في الصورة أدلَّاء، وفي

стр. 50

الحقيقة قطاع الطرق" (١). وقال الماوردي: " وقال علي بن أبي طالب: إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم … وكان يقال: خير من القول فاعله، وخير من الصواب قائله، وخير من العلم حامله، وقيل في منثور الحكم: لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به، وقال بعض العلماء: ثمرة العلم أن يعمل به، وثمرة العمل أن يؤجر عليه، وقال بعض الصلحاء: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه أقام وإلا ارتحل، وقال بعض العلماء: خير العلم ما نفع، وخير القول ما ردع، وقال بعض الأدباء: ثمرة العلوم العمل بالعلوم، وقال بعض البلغاء: من تمام العلم استعماله، ومن تمام العمل استقلاله، فمن استعمل علمه لم يخل من رشاد، ومن استقل عمله لم يقصر عن مراد، وقال حاتم الطائي: وَلَمْ يَحْمَدُوا مِنْ عَالِمٍ غَيْرِ عَامِلٍ … خِلَافًا وَلَا مِنْ عَامِلٍ غَيْرِ عَالِمِ رَأَوْا طُرُقَاتِ الْمَجْدِ عُوَجًا قَطِيعَةً … وَأَفْظَعُ عَجْزٍ عِنْدَهُمْ عَجْزُ حَازِمِ لأنه لما كان علمه حجة على من أخذ عنه واقتبسه منه حتى يلزمه العمل به والمصير إليه؛ كان عليه أحج وله ألزم؛ لأن مرتبة العلم قبل مرتبة القول، كما أن مرتبة العلم قبل مرتبة العمل" (٢). وليس بمنتفع بالعلم من تعامل مع الخلق على خلاف ما لديه من نصوص علم الشريعة، بحيث يحصل عنده مباينة بين ما تعلم وما يعامل الناس به. وليس بمنتفع بالعلم من لم يهذب العلم أخلاقه، ويجعله من المخلصين فيه، المبتغين به وجه الله، حتى يغدو محبًا لمن أخذ بهذا العلم ونفع الناس به، فلا يحسد ذا علم لكونه فاقه، ونال ما لم ينله، فإن وجد في نفسه عداء ونفرة من ذلك العالم أو المتعلم الذي بزّه وعلاه في الرتبة فليراجع نيته.

стр. 51

قال ابن الجوزي: " تأملت التحاسد بين العلماء، فرأيت منشأه من حب الدنيا؛ فإن علماء الآخرة يتوادون ولا يتحاسدون، كما قال : ﴿ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُو رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وقد كان أبو الدرداء يدعو كل ليلة لإخوانه، وقال الإمام أحمد بن حنبل لولد الشافعي: أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل ليلة وقت السحر. والأمر الفارق بين الفئتين: أن علماء الدنيا ينظرون إلى الرياسة فيها، ويحبون كثرة الجمع والثناء، وعلماء الآخرة بمعزل من إيثار ذلك، وقد كانوا يتخوفونه، ويرحمون من بلي به .. وكان بعضهم إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام عنهم، وكانوا يتدافعون الفتوى. ويحبون الخمول. فمثل القوم كمثل راكب البحر وقد خبَّ- أي: هاجَ واضطربَتْ الأمواج- فعنده شُغْلٌ إلى أن يُوقِنَ بالنجاة. وإنما كان بعضهم يدعو لبعض، ويستفيد منه؛ لأنهم ركب تصاحبوا فتوادوا، فالأيام والليالي مراحلهم إلى سفر الجنة" (١). نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، ويجعل العلم حجة لنا لا علينا.

стр. 52

معرفة الله تعالى مهما كان للعلوم النافعة من شرف ومنزلة، فإنها لن تساوي العلم بالله تعالى ومعرفته، ومهما كان لها من فائدة وأثر فإنها لن تعدل أثر معرفة الرب تعالى والعلم به؛ لأن هذا العلم الأعظم هو علم غاية يُطلب لذاته، وما سواه من العلوم فعلوم وسيلة يتوصل بها إلى غيرها. و" شرف العلم بحسب شرف معلومه، وشدة الحاجة إليه، وليس ذلك إلا العلم بالله وتوابع ذلك" (١). فـ" أفضل العلم العلم بالله، وأعلى الحب الحب له " (٢). فلذلك كان" العلم بالله وأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق، وهو مطلوب لنفسه مراد لذاته، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. فقد أخبر سبحانه أنه خلق السموات والأرض ونزل الأمر بينهن ليعلم عباده أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]. فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته، وإن كان لا يكتفى به وحده، بل لا بد معه من عبادته وحده لا شريك له، فهما أمران مطلوبان لأنفسهما: أن يعرف الرب تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن يُعبد بموجبهما ومقتضاهما، فكما أن عبادته مطلوبة مرادة لذاتها فكذلك العلم به ومعرفته " (٣). إن العلم بالله ومعرفته هو سبب السعادة في الدنيا والآخرة؛ فلهذا كان هذا العلم"

стр. 53

أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته" (١). قال ابن القيم: " أشرف ما في الآخرة وأجل المقاصد معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره، وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة، وهذا هو الغاية التي تُطلب لذاتها، وإنما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة إذا انكشف له الغطاء وفارق الدنيا ودخل الآخرة وإلا فهو في الدنيا، وإن شعر بذلك بعض الشعور فليس شعوره به كاملاً" (٢). وقال أيضًا: " معرفة الله وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه، وإخلاص العمل له ومحبته والرضا به، والقيام في خدمته هو الغاية التي خلق لها الخلق، وثبت بها الأمر، وذلك أمر مقصود لنفسه، والمنهيات إنما نهي عنها لأنها صادة عن ذلك أو شاغلة عنه أو مفوِّتة لكماله؛ ولذلك كانت درجاتها في النهي بحسب صدها عن المأمور وتعويقها عنه وتفويتها لكماله، فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه" (٣). وهذا العلم الأعلى هو دعوة الرسل ﵈ وما سواه من العلوم الصالحة التي علّمتها الرسل أممها إنما هو تابع لذلك" فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان: أحدهما: تعريف الطريق الموصلة إليه وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه. الثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم الذي لا ينفد وقرة العين التي لا تنقطع. وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول، ومبنيان عليه، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق

стр. 54

الموصل إليه، وأعرفهم بحال السالكين عند القدوم عليه" (١). قال ابن القيم: " فمدار العلوم كلها على معرفة الله وأمره وخلقه، وذلك مسلم إلى الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، فهم أعلم الخلق بالله وأمره وخلقه وحكمته في خلقه وأمره" (٢). فما أعظم هذا العلم وأشد حاجة الخلق إليه، وما أخسر من لم يكن له حظ من هذا العلم والمعرفة به! ولو حصَّل مِنْ سواه من العلوم ما حصل ونبغ فيها ما نبغ. " فأي شيء عرف من لم يعرف الله ورسله، وأي حقيقة أدرك من فاتته هذه الحقيقة، وأي علم أو عمل حصل لمن فاته العلم بالله والعمل بمرضاته، ومعرفة الطريق الموصلة إليه ومآله بعد الوصول إليه" (٣). إن العالم بالله تعالى معمور القلب بتعظيمه وإجلاله، ومحبته والأنس به، والانقياد التام لما جاء عنه، لا يتسع لمزاحمة غيره له في التعلق والاستسلام والحب والرهبة والرغبة. وجوارحه مشغولة بالجِدِّ في مرضاته؛ عملاً بأوامره، وتركًا لنواهيه، ووقوفًا عند حدوده. يعيش في الدنيا غريبًا مسافراً؛ لأن الله تعالى لم يرضها له دار وطن، بل جعلها دار ضعن، يرتحل منها إلى الدار التي جعلها ربه دارَ أحبابه؛ فلذلك يظل في هذه الحياة القصيرة مشتاقًا لا يغادره الشوق حتى ينزل في تلك الدار فيلقى مولاه الحبيب سبحانه. آثار معرفة الله تعالى والعلم به: لاشك أن من ظفر بمعرفة الله تعالى ونال علمًا به أنه سينال خيراً كثيراً في الدنيا

стр. 55

والآخرة، فمن ذلك الخير: أولاً: الحصول على نعمة الأُنس بالله تعالى، وامتلاء القلب بمحبته، وما أعظمها من نعمة يوم يجد العبد الأنس بربه في خلوته وجلوته فلا يجد بينه وبينه وحشة تكدر عليه حاله حتى تمنعه من كثرة التقرب إليه والتلذذ بطاعته. وما ذلك الأنس وعدم الاستيحاش إلا أثر امتلاء القلب بمحبته ﵎، فإنْ أنِس الناسُ بأحبابهم حينما يجتمعون، ويستوحشون حين يفترقون، فإن القلب المملوء بحب الله يجعل صاحبه يرى أنسه وراحته حينما يخلو بمناجاة ربه صلاةً ودعاء وتفكراً، فلا يجد في تلك الوحدة وحشة كما تجدها القلوب الفارغة من محبة ربها. قال الحسن: "من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها" (١). وقال هرم بن حيان: "المؤمن إذا عرف ربه أحبه، وإذا أحبه أقبل إليه، وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة، ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة" (٢). ثانيًا: نيل اللذة، ووجدان حلاوة الإقبال على الله تعالى، فلذاتُ شهوات الدنيا لذاتٌ مكدَّرة، وهي إحساس مؤقت لا يدوم، غير أن اللذة الناتجة عن معرفة الله لذة غير مكدرة، وهي مستمرة ما استمرت المعرفة، ومن زادت معرفته زادت لذته. قال ذو النون بن إبراهيم المصري: " من عرف ربه وجد طعم العبودية، ولذة الذكر والطاعة، فهو بين الخلق ببدنه قد نأى عنهم بالهموم والخطرات" (٣). وقال الغزالي: " اعلم أن سعادة كل شيء ولذته وراحته تكون بمقتضى طبعه، وطبع كل شيء ما خُلق له؛ فلذة العين في الصور الحسنة، ولذة الأذن في الأصوات الطيبة،

стр. 56

وكذلك سائر الجوارح بهذه الصفة. ولذة القلب خاصة بمعرفة الله ؛ لأنه مخلوق لها. وكلُّ ما لم يعرفه ابن آدم إذا عرفه فرِحَ به .. وكذلك إذا وقع في معرفة الله ، وفرح بها، ولم يصبر عن المشاهدة؛ لأن لذة القلب المعرفة. وكلما كانت المعرفة أكبر كانت اللذة أكبر؛ ولذلك فإن الإنسان إذا عرف الوزير فرح، ولو عرف الملك لكان أعظم فرحاً. وليس موجوداً أشرف من الله ؛ لأن شرف كل موجود به ومنه، وكل عجائب العالم آثار صنعته؛ فلا معرفة أعز من معرفته، ولا لذة أعظم من لذة معرفته " (١). وهذه اللذة هي أعلى اللذات وأرفعها، ولا ينالها إلا أشرف الناس وأرفعهم عند الله، قال ابن القيم: " لذة كل أحد على حسب قدره وهمّته وشرف نفسه، فأشرف الناس نفسًا وأعلاهم همّا وأرفعهم قدراً مَنْ لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه، فلذته في إقباله عليه، وعكوف همته عليه، ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله" (٢). ثالثًا: الرضا بقضاء الله وقدره، فمن عرف الله تعالى وعلم به لم يتسخط قضاءه وقدره، ولم يتضجر مما نزل به من المكاره، بل يقابل ذلك كله بالرضا والتسليم؛ لأنه يعلم أن أفعال مَنْ عرفه سبحانه كلها حميدة، وأقضيته كلها عدل وحكمة. قال ابن الجوزي: " إن الرضى من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته رضيت بقضائه، وقد يجري في ضمن القضاء مراراتٌ يجد بعض طعمها الراضي. أما العارف فتقل عنده المرارة، لقوة حلاوة المعرفة. فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة، صارت مرارة الأقدار حلاوة، كما قال القائل:

стр. 57

عذابُه فيك عذْبُ … وبُعدُه عنك قربُ وأنت عندي كروحي … بل أنتَ منها أحبُّ حسبي من الحُب أني … لما تُحب أحب وقال بعض المحبين في هذا المعنى: ويَقبحُ مِنْ سواك الفعلُ عندي … فتفعلُه فيحسن منك ذاكا" (١) رابعًا: حلاوة العيش، وهدوء البال، واستقرار النفس، فمعرفة الله تعالى تصرف عن نفس صاحبها الكدر والاضطراب والشتات، حتى يحيا سعيداً وهو في جوف الأخطار، مبتسمًا وهو بين أشداق الأضرار، ناعمًا وهو في حضن الأكدار. فمن" عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كلّ شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأَنِس بالله. ومن عرف الله قرّت عينه بالله وقرّت به كلُّ عين، ومن لم يعرف الله تقطَّع قلبه على الدّنيا حَسَرَاتٍ، ومن عرف الله لم يبق له رغبةٌ فيما سواه" (٢). قال ابن الجوزي: " ليس في الدنيا ولا في الآخرة أطيب عيشاً من العارفين بالله ؛ فإن العارف به مستأنس به في خلوته، فإن عمّت نعمةٌ علم من أهداها، وإن مرَّ مُرٌّ حلا مذاقه في فيه، لمعرفته بالمبتلي، وإن سأل فتعوق مقصوده، صار مراده ما جرى به القدر؛ علماً منه بالمصلحة بعد يقينه بالحكمة، وثقته بحسن التدبير" (٣). وقال أحمد بن عبد الحليم: " فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه، إنما هو في معرفة الله وتوحيده والإيمان به: وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول

стр. 58

فيها: إن كان أهل الجنة في هذه الحال إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر: لَتمرُّ على القلب أوقات يرقص فيها طربًا. وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة" (١). وقال ابن القيم: "فاللذة التامة والفرح والسرور وطيب العيش والنعيم إنما هو في معرفة الله وتوحيده، والأنس به والشوق إلى لقائه واجتماع القلب والهمّ عليه؛ فإن أنكد العيش عيش من قلبه مشتت وهمه مفرّق، فليس لقلبه مستقر يستقر عنده، ولا حبيب يأوي إليه ويسكن إليه؛ كما أفصح القائل عن ذلك بقوله: وما ذاق طعمَ العيشِ من لم يكن له … حبيبٌ إليه يطمئن ويسكُنُ فالعيش الطيب والحياة النافعة وقرة العين في السكون والطمأنينة إلى الحبيب الأول، ولو تنقل القلب في المحبوبات كلها لم يسكن ولم يطمئن إلى شيء منها، ولم تقر به عينه حتى يطمئن إلى إلهه وربه ووليه الذي ليس له من دونه ولي ولا شفيع، ولا غنى له عنه طرفة عين؛ كما قال القائل: نقِّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى … ما الحب إلا للحبيب الأولِ كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى … وحنينه أبداً لأولِ منزلِ فاحرص أن يكون همك واحداً، وأن يكون هو الله وحده، فهذا غاية سعادة العبد، وصاحب هذه الحال في جنة معجلة قبل جنة الآخرة، وفي نعيم عاجل، كما قال بعض الواجدين: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب … وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم أهل الجنة إلا هذا؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (حُبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) (٢). فأخبر أنه حبب إليه من الدنيا شيآن: النساء والطيب، ثم قال: وجعلت قرة عيني في الصلاة. وقرة

стр. 59

العين فوق المحبة؛ فإنه ليس كل محبوب تقر به العين، وإنما تقر العين بأعلى المحبوبات" (١). ويقول ابن القيم عن شيخه العالم بالله أبي العباس أحمد بن عبد الحليم: " وعلمَ اللهُ ما رأيتُ أحداً أطيب عيشًا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدراً وأقواهم قلبًا وأسرِّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنتَه قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من رَوحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها. وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. وقال آخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها. قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره. أو نحو هذا. وقال آخر: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طرباً. وقال آخر: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. فمحبة الله تعالى ومعرفته ودوام ذكره والسكون إليه، والطمأنينة إليه وإفراده بالحب والخوف والرجاء والتوكل والمعاملة بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته؛ هو جنة الدنيا والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قوة عين المحبين وحياة العارفين، وإنما تقر عيون الناس به على حسب قرة أعينهم بالله ، فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات" (٢). خامسًا: ذهاب الحزن والضيق، ورحيل الغموم والهموم، فمن ذاق حلاوة معرفة

стр. 60

الله والقرب منه والأنس به لم تدم لديه مرارات الحياة، ولا تطيل عنده الإقامة. قال بعض الصالحين: " من عرف الله اتَّسَع عليه كلُّ ضيق" (١). وقال ابن القيم: "وقوله-يعني: الهروي-: (معرفة الله جلا نورُها كلَّ ظلمة، وكشف سرورُها كل غمة) كلام في غاية الحسن؛ فإن من عرف الله أحبه ولا بد، ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات، وانكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبَه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كل جانب؛ فإنه لا حزن مع الله أبداً؛ ولهذا قال- حكاية عن نبيه أنه قال لصاحبه أبي بكر-: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. فدل أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما لَه والحزن، وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن حصل الله له فعلى أي شيء يحزن؟ ومن فاته الله فبأي شيء يفرح؟ قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]. فالفرح بفضله ورحمته تبع للفرح به سبحانه، فالمؤمن يفرح بربه أعظم من فرح كل أحد بما يفرح به؛ من حبيب أو حياة أو مال أو نعمة أو ملك يفرح المؤمن بربه أعظم من هذا كله، ولا ينال القلب حقيقة الحياة حتى يجد طعم هذه الفرحة والبهجة، فيظهر سرورها في قلبه، ونضرتها في وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقّاهم الله نضرة وسروراً، فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. فهذا هو العلم الذي شمر إليه أولو الهمم والعزائم، واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم" (٢). سادسًا: تقليل شأن النفس، واستصغار ما تقوم به من العمل الصالح، وعدم استعظام مكانها في ميدان العبودية. فمن عرف الله تعالى حقًا رأى أن أعماله مهما عظمت وحسنت لا ترقى إلى رتبة استحقاق القبول وحسن الجزاء؛ فحق الله تعالى عليه، ونعمه التي أسداها إليه لا يستطيع بتلك الأعمال شكرها وجزاءها. وهذا الشعور يدعوه إلى

стр. 61

الاستزادة من العمل والقرب، وعدم القناعة بما يقدِّم من الأعمال، ولا يجعله ناظراً إلى نفسه بعين الرضا فيكسل ويبطئ في طريقه إلى ربه. فمن " تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء، وأحواله بعين الدعوى، وأقواله بعين الافتراء، وكلما عظم المطلوب في قلبك صغرت نفسك عندك، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله، وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية، وعرفت الله وعرفت النفس وتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملِك الحق ولو جئت بعمل الثقلين؛ خشيت عاقبته، وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله، ويثيبك عليه أيضًا بكرمه وجوده وتفضله" (١). الطريق إلى معرفة الله: إن معرفة الله تعالى لما كانت بهذه المنزلة من الشرف والأثر؛ كان جديراً بالعاقل أن يبحث عن الطريق إلى تحصيلها وتكريم نفسه بنيلها وجعله من أهلها، فمن طرق ذلك: أولاً: معرفة الإنسان حقيقة نفسه؛ فمعرفة النفس بالعيوب والنقائص والحاجات طريق إلى معرفة الله بنعوت الكمال، وصفات الجلال والجمال، وحسن الفعال، فمن عرف نفسه بالجهل المطلق عرف ربه بالعلم المطلق، ومن عرف نفسه بالفقر المطلق، عرف خالقه بالغنى المطلق، ومن عرف نفسه بالضعف المطلق عرف بارئه بالقوة المطلقة، ومن عرف نفسه بالعجز المطلق عرف الله تعالى بالقدرة المطلقة، وهكذا في بقية الصفات. فـ"من لم يعرف نفسه كيف يعرف خالقه؟ " (٢). فـ" مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس، كما قال : ﴿سَنُريهِم آياتِنا في الآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ﴾ … وليس شيء أقرب إليك من نفسك، فإذا لم تعرف نفسك، فكيف تعرف ربك؟ .... فالواجب عليك أن تعرف نفسك بالحقيقة؛ حتى تدرك أي شيء أنت، ومن أين جئت إلى هذا المكان، ولأي شيء خلقت، وبأي شيء

стр. 62

سعادتك، وبأي شيء شقاؤك؟ " (١). ثانيًا: التفكر في آيات الله في الوجود، ففي الحياة مشاهد تدل على عظمة الله وقدرته وتوحيده، وقوته وحكمته وحسن خلقه، وإتقان ما أوجد وإحكامه؛ ولهذا دعا الله تعالى وأمر في آيات عديدة من القرآن الكريم بالنظر في مخلوقات الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠]. وقال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] ﴿وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]. قال ابن القيم: "لمعرفة الله طريقان: النظر في مفعولاته، والتفكر في آياته وتدبرها. فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة" (٢). ثالثًا: قراءة كلام الله وتدبره ووعيه والعمل به؛ فالقرآن العظيم تضمن الأدلة المعرِّفة بالله تعالى، المبرهنة على كماله وجماله وجلاله، وذلك يدعو إلى معرفته والعلم به. و"معرفة الله سبحانه نوعان: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس البر والفاجر والمطيع والعاصي، والثاني: معرفة توجب الحياء منه والمحبة له وتعلق القلب به، والشوق إلى لقائه وخشيته والإنابة إليه والأنس به والفرار من الخلق إليه، وهذه هي المعرفة الخالصة الجارية على لسن القوم وتفاوتهم فيها لا يحصيه إلا الذي عرفهم بنفسه، وكشف لقلوبهم من معرفته ما أخفاه عن سواهم، وكلٌّ أشار إلى هذه المعرفة بحسب مقامه وما كشف له منها، وقد قال أعرف الخلق به: (لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (٣) وأخبر أنه

стр. 63

سبحانه (يفتح عليه يوم القيامة من محامده بما لا يحسنه الآن) (١). ولهذه المعرفة بابان واسعان: باب التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله، والباب الثاني: التفكر في آياته المشهودة وتأمل حكمته فيها، وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط على خلقه، وجِماع ذلك: الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها وتفرده بذلك وتعلقها بالخلق والأمر، فيكون فقيهًا في أوامره ونواهيه، فقيهًا في قضائه وقدره، فقيهًا في أسمائه وصفاته، فقيهًا في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" (٢). قال ابن القيم: " من الناس من يعرف الله بالجود والإفضال والإحسان، ومنهم من يعرفه بالعفو والحلم والتجاوز، ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام، ومنهم من يعرفه بالعلم والحكمة، ومنهم من يعرفه بالعزة والكبرياء، ومنهم من يعرفه بالرحمة والبر واللطف، ومنهم من يعرفه بالقهر والملك، ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته وإغاثة لهفته وقضاء حاجته. وأعلم هؤلاء معرفةً من عرفه من كلامه؛ فإنه يعرف ربًا قد اجتمعت له صفات الكمال ونعوت الجلال، منزّه عن المثال، بريء من النقائص والعيوب، له كل اسم حسن، وكل وصف كمال، فعّال لما يريد، فوق كل شيء ومع كل شيء، وقادر على كل شيء، ومقيم لكل شيء، آمر ناهٍ متكلم بكلماته الدينية والكونية، أكبر من كل شيء، وأجمل من كل شيء، أرحم الراحمين، وأقدر القادرين، وأحكم الحاكمين. فالقرآن أُنزل لتعريف عباده به، وبصراطه الموصل إليه، وبحال السالكين بعد الوصول إليه" (٣).

стр. 64

رَبيعُ القلوب ونورُ الصدور القرآن الكريم نورٌ هلَّ من السماوات العلا، واستقبل الأرضَ بضيائه العظيم، ليملأها إشراقًا وسناء، ويغسل عيونها من رهج الضلالة حتى ترى الحق، وتبصر سبيل النجاة. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. عظمة القرآن: إنه كلام الله تعالى فيه "نبأ مَنْ قبلكم، وخبر مَنْ بعدكم، وحُكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يَخْلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعته عن أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢]. من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم" (١). لا ينضب مَعينُه باستقاء وُرَّاده، ولا تفنى جواهره بازدياد غائصيه وقُصَّاده؛ فما زال البحرَ الذي لا ساحل له، والغيثَ الذي لا تُحصى قطراته، والنور الذي لا أمَد لهداياته، فمن سأل عن الشفاء فيه وجده، ومن استرشد به أرشده، ومن تدبره وعقلَه فما نسي حلاوته، ولا هجر تلاوته، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. ولا عجب؛ فإنه تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على سيد المرسلين؛

стр. 65

﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. إن هذا الكتاب الكريم هو خير الحديث، وخير الكلام الذي لو ﴿اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وهو القول الذي أعيى الفصحاء، وأعجز البلغاء، وأخرس الخطباء، ولم يكن بنظم شاعر، ولا سجع كاهن، ولا بقول إنس ولا جن، بل هو كلام المعبود الحق، الخالق للخلق. فما أعظم أثره على سامعيه وقارئيه ومتدبريه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]. عن قتادة في قول الله : ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، قال: البلد الطيب: المؤمن سمع كتاب الله، فوعاه وأخذ به وانتفع به؛ كمثل هذه الأرض أصابها الغيث، فأنبتت وأمرعت (١)، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ أي: إلا عسراً، فهذا مثل الكافر قد سمع القرآن، فلم يعقله، ولم يأخذ به، ولم ينتفع به، كمثل هذه الأرض الخبيثة أصابها الغيث، فلم تنبت شيئًا، ولم تمرع شيئاً" (٢). إن هذا الكتاب العظيم هو دستور الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة، ودليل النجاة من الشقاء فيهما، وطريق الاهتداء إلى كل خير عاجل وآجل، ولن يكون كذلك إلا لمن أقبل عليه فعمل به، وأنزله من نفسه منزلة التعظيم والإجلال، والانقياد لما جاء به. غايات إنزال القرآن العظيم: إن هذا الكتاب المبارك لم ينزل من عند الله تعالى إلا لغايات حميدة، وهي كفيلة

стр. 66

بتحصيل الانتفاع به، وجني ثمراته في حال الحياة وبعدها. فمن غايات إنزال هذا الكتاب الكريم: الاهتداء به من كل شر وباطل إلى كل خير وحق؛ من الكفر إلى الإسلام، ومن العصيان إلى الطاعة، ومن الجهل إلى العلم، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن الحيرة إلى الاطمئنان والهدى. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قال ابن كثير: " هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقاً بين الحق والباطل والحلال والحرام" (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]. "يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد ﷺ يرشد ويسدّد من اهتدى به (لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) يقول: للسبيل التي هي أقوم من غيرها من السبل، وذلك دين الله الذي بعث به أنبياءه وهو الإسلام، يقول جلّ ثناؤه: فهذا القرآن يهدي عباد الله المهتدين به إلى قصد السبيل التي ضل عنها سائر أهل الملل المكذبين به" (٢). ومن غايات إنزال هذا الكتاب الكريم: تلاوته وقراءته؛ فهو خطاب الملِك لرعيته، والسيد لعبيده، فكان أحرى أن يُتلى بعناية، ويُقرأ باهتمام، إذ بقراءة القرآن الوصول إلى اتباعه، وتنفيذ ما دعا إليه، والبعد عما حذر منه، وبتلاوته نيل الأجور، وصلاح الأرواح وحياتها من موت الكفر والعصيان

стр. 67

والقسوة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠]. قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به، ويعملون بما فيه من إقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى في الأوقات المشروعة ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي: يرجون ثواباً عند الله لا بد من حصوله، فإنه يقول لصاحبه: إن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة (١)؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ليوفيهم ثواب ما عملوه ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ أي: لذنوبهم ﴿شَكُورٌ﴾ للقليل من أعمالهم، قال قتادة: كان مُطرِّف ﵀ إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القُرّاء" (٢). وقال رسول الله ﷺ : (اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان (٣) أو كأنهما فِرقانِ من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة) (٤) (٥). وقال رسول الله صلى الله

стр. 68

عليه وسلم: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) (١). وقال رسول الله ﷺ : (يقال لصاحب القرآن (٢): اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلك عند آخر آية تقرأها) (٣). فما أحسن قراءة القرآن، وما ألذ حروفه في اللسان، وألطف وقعها على القلوب والجوارح؛ فالعين ترى في تلك الصفحات المشرقة نوراً يهديها إلى الطريق المستقيم، والأذن تسمع أحلى كلام يصل الأسماع، والقلب يتنعم بتلك المعاني المؤثرة التي تزرع فيه حب هذا الكتاب وحب منزله العظيم، فيعظم رجاؤه لما عند الله من الخير، ويشتد خوفه أن يصل إليه غضبه أو تناله عقوبته، والعقل يتدبر ذلك الكلام البديع الذي لا يدرك من أسراره إلا الشيء اليسير، وكلما زادت قراءته وتأمله انكشفت له حقائق ودقائق لم تكن مرت عليه من قبل. وللصالحين المخبتين إقبال عظيم على تلاوة كتاب الله، وكثرة قراءته، وملازمة النظر إليه، فما أحرانا بالاقتداء بهم، وما أحوجنا إلى ذلك الذي كانوا عليه من العلاقة بكتاب الله ﵎! ساق الذهبي ﵀ عند ترجمته لبعض الأعلام حالهم في كثرة قراءة القرآن وختمه، ففي ترجمة الإمام المقرئ أبي بكر بن عياش قال: "ولما حضرت أبا بكر الوفاة، بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك؟! انظري إلى تلك الزاوية، فقد ختم أخوك فيها ثمانية عشر ألف ختمة! " (٤). وفي ترجمة عبد الله بن إدريس قال: " لما نزل بابن إدريس الموت،

стр. 69

بكت بنته. فقال: لا تبكي يا بنية؛ فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة" (١). وفي ترجمة البخاري قال: " كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة" (٢). وفي ترجمة ابن عطاء الزاهد قال: " كان له في كل يوم ختمة، وفي رمضان تسعون ختمة، وبقي في ختمة مفردة بضع عشرة سنة يتفهم ويتدبر" (٣). وقال ابن القيم: " وقال أبو بكر العطوي: كنت عند الجنيد حين مات، فختم القرآن، ثم ابتدأ في ختمة أخرى، فقرأ من البقرة سبعين آية، ثم مات" (٤). ومن غايات إنزال هذا الكتاب العظيم: اتباعه والعمل به، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١]. أي: " يتبعونه حق اتباعه" (٥). " قال عبد الله بن مسعود: والذي نفسي بيده، إن حق تلاوته: أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يَتأول منه شيئًا على غير تأويله" (٦). قال الفضيل بن عياض: " إنما نزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملاً، قيل: كيف العمل به؟ قال: أي: ليحلوا حلاله ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه" (٧).

стр. 70

فالقرآن هو رسالة من المعبود إلى العابد، ومن الخالق إلى المخلوق، يأمره فيه بأوامر عليه القيام بواجبها، والمسارعة إلى مستحبها، وينهاه فيه عن محرمات يجب عليه اجتنابها، فمن آمن بالله رباً فعليه أن يعمل بكتابه الذي هو خطابه إليه، ولا يتخير من أوامر القرآن ما يوافق هواه ليعمل به، ولا يُقبل على ارتكاب المناهي التي تميل إليها نفسه، فمن فعل ذلك الانتقاء فما آمن بالقرآن حق الإيمان. فالمؤمن به حقًا هو من يقول: سمعنا وأطعنا لكل شيء جاء فيه، ولا ينتقي منه حسب الهوى والمصلحة. عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (القرآن شافع مشفع، وماحل مصدَّق (١)، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار) (٢). يعني: " من اقتدى به بالتزام ما فيه من الأحكام قاده إلى الجنة" (٣). ومن " من شهد عليه القرآن بالتقصير والتضييع فهو في النار، ويقال: لا تجعل القرآن ماحلاً أي: شاهداً عليك" (٤). وقد شكا النبي ﷺ إلى ربه هجر قومه للقرآن، ومن هجره: ترك العمل به، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]. قال الشنقيطي: " معنى هذه الآية الكريمة ظاهر، وهو أن نبيّنا ﷺ شكا إلى ربّه هجر قومه، وهم كفّار قريش لهذا القرآن العظيم، أي: تركهم لتصديقه، والعمل به، وهذه شكوى عظيمة، وفيها أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن

стр. 71

العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال" (١). وقال ابن كثير: "وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الآية، فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه. فهذا من هجرانه. وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره، من هجرانه" (٢). ومن غايات إنزال هذا الكتاب العظيم: تدبره وتفهمه، وتعقله وتأمله. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. فالقرآن الكريم لا ينفع قارئه إلا إذا تدبره؛ فإنه بذلك يفتح له آفاقاً رحبة من الخير العاجل والآجل، فهو يُريه طرق الخير وأهلها، وسبل الشر وأصحابها، فيدعوه إلى الطريق الأولى وصحبة سالكيها، ويحذره من الطريق الأخرى والهالكين فيها. ويريه حكمة المشرع المعبود سبحانه في نهيه وأمره، وعظمتَه في خلقه، وفضلَه في إكرامه، وعدله في عقابه، وقوته في مؤاخذته، ورحمته بعباده، وسعةَ علمه في مخلوقاته، وجبروته في قهر أعدائه، ونصرته لأنبيائه وأوليائه، وعزته ومنعته أن يناله أذى المؤذين، وقدرتَه أن يفوته أحد المخلوقين، وسمعه الواسع في إدراك نطق الناطقين، وبصره النافذ العظيم أن تخفى عليه حركة أو سكون من خلقه أجمعين. إن تدبر القرآن الكريم يورث صاحبه خيراً كثيراً؛ فإنه ما ملَّه من تدبر ألفاظه

стр. 72

ومعانيه، وما نسي لذته من تدبر أحكامه وحكمه، وما هجره من ذاق طعمه وخالطت بشاشته قلبه، وما لجأ إليه محزون فقرأه متأملاً متدبراً إلا انقشعت عن قلبه سحب الأحزان والغموم، ووجد فيه راحته ونعيمه. قال رسول الله ﷺ : (ما أصاب أحداً قط همٌّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجِلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا) (١). قوله: "ربيع قلبي: أي: راحته … وجعل القرآن ربيع القلب وهو عبارة عن الفرح؛ لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان ويميل إليه في كل مكان، وأقول: كما أن الربيع سبب ظهور آثار رحمة الله تعالى وإحياء الأرض بعد موتها، كذلك القرآن سبب ظهور تأثير لطف الله من الإيمان والمعارف، وزوال ظلمات الكفر والجهل" (٢). وقد "شبه القرآن بزمان الربيع في ظهور آثار ﵀ وحياة القلب وارتياحه به. قال الشوكاني: أي: أسألك أن تجعل القرآن كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، أي: يجعل قلبه مرتاحًا إلى القرآن مائلاً إليه راغبًا في تلاوته وتدبره، وقيل: أي: منتزهه ومكان رعيه وانتفاعه بأنواره وأشجاره وثماره، المشبه بها أنواع العلوم والمعارف، وأصناف الحِكم والأحكام واللطائف" (٣). إن هذا الكتابَ العظيم ما تلاه لسانٌ بالتدبر إلا طاب وحلا، ولا وصل أثره قلباً إلا صلح وصفا، ولا حل صدراً إلا انبسط وانشرح، ولا تأمل فيه عقل راجح إلا اتسع

стр. 73

وانفسح. وهل هملت الدموع الصادقة عند تلاوته أو سماعه إلا بتدبره، وخشعت القلوب بعد أن كانت قاسية كالحجارة إلا بتعقله، وهل عرفت علوم الشريعة إلا بالنظر فيه، والتفكر فيما يحويه. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً﴾ [النساء ٨٢]. لقد كان لأهل الإيمان مع تدبر القرآن حديث مؤثر، خشعت له قلوبهم، ودمعت منه عيونهم، وسارعت به إلى الأعمال الصالحة جوارحهم. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (اقرأ علي القرآن). قال: فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: (إني أشتهي أن أسمعه من غيرى). فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً﴾ [النساء ٤١]، رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل (١). فما الذي أبكاه ﵊ إلا التدبر والتفكر فيما سمع. وكان خليفته أبوبكر الصديق ﵁ رجلاً أسيفاً أي: حزيناً لا يفتتح الصلاة قارئاً إلا هملت عيناه، قالت عائشة ﵂: "كان أبو بكر إذا قرأ القرآن كثيرَ البكاءِ". زاد بعضهم: "في صلاة وغيرها" (٢). وعنها قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكَّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين" (٣).

стр. 74

وعمر الفاروق ﵁ في ليلة من ليالي عدله وإحساسه بالمسؤولية الملقاة على عاتقه يخرج ليتفقد رعيته، إذ مر بدار رجل من المسلمين فوافقه قائماً يصلي فوقف يستمع قراءته فقرأ الطور حتى بلغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧ - ٨]، فقال عمر: قسم ورب الكعبة، فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث ملياً ثم رجع إلى بيته فمكث شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه (١). وما مرضه إلا بسبب تأثره بما سمع. وهذا الصحابي الكريم أبو طلحة ﵁ يقرأ سورة التوبة، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة ٤١]. قال: أرى ربنا يستنفرنا شيوخاً وشباباً، جهزوني يا بَني. فركب البحر غازياً في سبيل الله فمات فلم يجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام فنزلوا فدفنوه، ولم يكن قد تغير جسده خلال تلك الأيام التسعة فوق السفينة ﵁ ورحمه (٢). وجبير بن مطعم ﵁ سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧]. قال: كاد قلبي أن يطير (٣). فكان ذلك من أسباب إسلامه. نعمْ لقد تأثر حتى طار إلى رسول الله ﷺ . والفضيل بن عياض ﵀ كان قبل توبته قاطع طريق، وعشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليًا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ

стр. 75

قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد ١٦]. فقال: بلى، والله قد آن، فنزل وتاب وصار يضرب بعبادته وصلاحه المثل بعد ذلك، ﵀ (١). قال ابن القيّم-مبينًا ثمرات التدبر-: "أمّا التّأمّل في القرآن: فهو تحديق نظر القلب إلى معانيه. وجمع الفكر على تدبّره وتعقّله. وهو المقصود بإنزاله، لا مجرّد تلاوته بلا فهم ولا تدبّر، قال اللّه تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] وقال الحسن: «نزل القرآن ليتدبّر ويعمل به. فاتّخذوا تلاوته عملا». فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبّر القرآن، وإطالة التّأمّل. وجمع الفكر على معاني آياته. فإنّها تطلع العبد على معالم الخير والشّرّ بحذافيرها، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتتلّ في يده (٢) مفاتيحَ كنوز السّعادة، والعلوم النّافعة، وتثبّت قواعد الإيمان في قلبه. وتشيّد بنيانه، وتوطّد أركانه. وتريه صورة الدّنيا والاخرة، والجنّة والنّار في قلبه. وتحضره بين الأمم وتريه أيّام اللّه فيهم. وتبصّره مواقع العبر، وتشهده عدل اللّه وفضله. وتعرّفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبّه وما يبغضه، وصراطه الموصّل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطّريق وآفاتها. وتعرّفه النّفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصحّحاتها وتعرّفه طريق أهل الجنّة وأهل النّار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم. ومراتب أهل السّعادة وأهل الشّقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه. وافتراقهم فيما يفترقون فيه. وبالجملة تعرّفه الرّبّ المدعوّ إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه. وتعرّفه مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشّيطان، والطّريق الموصّلة إليه، وما للمستجيب
следующие страницы →