← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9883

جواهر القرآن

أبو حامد الغزالي

Полный текст (208 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الوُعَّاظ والقُصَّاص ومن المتكلمين، ولذلك رُزِقَ هذا العلمُ مزيدَ بحثٍ وإطناب على قدر الحاجة فيه، حتى كَثُرَت فيه التصانيف، لا سيما في الخِلافِيَّات منه، مع أن الخلافَ فيه قريب، والخطأَ فيه غيرُ بعيد عن الصواب، إذ يَقْرُبُ كل مجتهد من أن يُقال له مُصيب، أو يُقال إن له أجراً واحداً إن أخطأ ولصاحبه أجران، ولكن لما عَظُمَ فيه الجاهُ والحِشمة، تَوَفَّرت الدواعي على الإفراط في تفريعه وتشعيبه، وقد ضيعنا شطراً صالحاً من العمر في تصنيف الخلاف منه، وصرفنا قدراً صالحاً منه إلى تصانيف المذهب وترتيبه إلى "بسيط" و"وسيط" و"وجيز" مع إيغالٍ وإفراطٍ في التَّشعيب والتفريع، وفي القدر الذي أودعناه كتاب "خلاصة المختصر" كفاية، وهو تصنيف رابع وهو أصغر التصانيف، ولقد كان الأولون يُفتون في المسائل وما على حفظهم أكثر منه، وكانوا يُوَفَّقون للإصابة أو يتوقفون ويقولون لا ندري، ولا يستغرقون جملةَ العمر فيه، بل يشتغلون بالمهم ويُحيلون ذلك على غيرهم، فهذا وجهُ انْشِعاب الفقه من القرآن، ويتولَّد من بين الفقه والقرآن والحديث علم يسمى أصول الفقه، ويرجع إلى ضبط قوانين الاستدلال بالآيات والأخبار على أحكام الشريعة. ثم لا يخفى عليك أن رتبة القُصَّاص والوُعَّاظ دونَ رتبة الفقهاء والمتكلمين ما داموا يقتصرون على مجرد القَصَص وما يَقْرُب منها، ودرجة الفقيه والمتكلم متقاربة، لكن الحاجة إلى الفقيه أعم، وإلى المتكلم أشدُّ وأشدّ، ويُحتاج إلى كِلَيْهما لمصالح الدنيا، أما الفقيه فَلحفظ أحكام الاختصاصاتِ بالمآكلِ والمنَاكِح؛ وأما المتكلم فلدفع

стр. 37

ضرر المُبتَدِعة بالمُحاجَّة والمجادلة، كيلا يستطيرَ شَرَرُهم ولا يعمَّ ضَرَرُهم، أما نسبتهم إلى الطريق والمقصد فنسبة الفقهاء كنسبة عُمَّار الرِّباطات والمصالح في طريق مكة إلى الحج، ونسبة المتكلمين كنسبة بَدْرَقَةِ طريق الحج وحارسه إلى الحجاج، فهؤلاء إن أضافوا إلى صناعتهم سلوكَ الطريق إلى الله تعالى بقطعِ عَقَبَات النفس، والنُّزوعِ عن الدنيا، والإقبالِ على الله تعالى، فَفَضْلُهم على غيرهم كفضل الشمس على القمر؛ وإن اقتصروا فدرجتهم نازلةٌ جداً. ب- الطبقة العُليا من عُلومِ اللُّبَاب وأما الطبقة العليا من نَمَطِ اللُّباب فهي السوابقُ والأصولُ من العلوم المُهِمَّة، وِأشرَفُها العلمُ باللهِ واليوم الآخر لأنه علم المَقْصِد، ودونَهُ العلم بالصراط المستقيم وطريق السلوك، وهو معرفةُ تزكية النفس، وقطعُ عقبات الصفات المُهلِكات، وتَحْلِيَتُها بالصفات المُنَجِّيَات، وقد أودعنا هذه العلوم بِكُتُب "إحياء علوم الدين" ففي رُبْعِ المُهلِكات ما تجب تزكية النفس منه، من الشَّرَهِ والغضب، والكِبر والرِّياءِ والعجب، والحسد وحب الجاه وحب المال وغيرها، وفي رُبع المُنجيات يظهر ما يتحلَّى به القلب من الصفات المحمودة كالزهد والتوكل والرضا والمحبة والصدق والإخلاص وغيرها. وبالجملة يشتمل كتاب "الإحياء" على أربعين كتاباً، يرْشدك كل كتاب إلى عَقَبةٍ من عقبات النفس، وأنها كيف تُقْطَع، وإلى حجابٍ من حُجُبِهَا، وأنه كيف يُرفَع، وهذا العلم فوقَ علم الفقه والكلام وما قبله،

стр. 38

لأنه علم طريق السلوك، وذلك علم آلة السلوك وإصلاح منازله ودفع مُفسداته كما يظهر، والعلم الأعلى الأشرفُ عِلمُ معرفة الله تعالى، فإن سائر العلوم تُرادُ له ومن أجله وهو لا يُراد لغيره، وطريق التدريج فيه التَّرَقِّي من الأفعال إلى الصفات، ثم من الصفات إلى الذات، فهي ثلاث طبقات: أعلاها علم الذَّات، ولا يحتملها أكثر الأفهام، ولذلك قيل لهم "تفكَّروا في خَلق الله ولا تفكَّروا في ذات الله". وإلى هذا التدريج يشير تَدَرُّج رسولِ الله ﷺ في ملاحظته ونَظَرِهِ حيث قال: "أعوذُ بِعَفْوِكَ من عقابك" فهذه ملاحظة الفعل ثم قال وأعوذ برضاك من سخطك وهذه ملاحظة الصفات؛ ثم قال: "وأعوذُ بك منك" وهذه ملاحظة الذات؛ لم يزل يترقَّى إلى القُرب درجةً درجة، ثم عند النهاية اعترف بالعجز فقال: "لا أُحصِي ثناءً عليكَ أنتَ كما أثنَيْتَ على نفسك" فهذا أشرف العلوم.

стр. 39

ويتلوه في الشَّرف عِلمُ الآخرة وهو علم المَعَاد كما ذكرناه في الأقسام الثلاثة وهو متصل بعلم المعرفة، وحقيقته معرفة نسبة العبد إلى الله تعالى عند تحقُّقِهِ بالمعرفة، أو مصيرهِ محجوباً بالجهل. وهذه العلوم الأربعة، أعني (١) عِلمَ الذات (٢) والصفات (٣) والأفعال (٤) وعلم المَعاد، أَوْدَعنا من أوائله ومَجامِعِهِ القدرَ الذي رُزِقنا منه، مع قِصَرِ العُمر وكثرة الشَواغل والآفات، وقلة الأَعْوان والرُفقاء، بعضَ التَّصانيف لكنا لم نُظِهره، فإنه يَكَلُّ عنه أكثرُ الأفهام، ويَسْتَضِرُّ به الضعفاء، وهم أكثر المُتَرَسِّمينَ بالعلم، بل لا يصلح إظهاره إلا على من أتقنَ علم الظاهر، وسلك في قَمع الصفات المذمومة من النفس وطُرقِ المجاهدة، حتى ارتَاضَت نفسُهُ واستقامت على سواء السبيل، فلم يبقَ له حظٌ في الدنيا، ولم يبق له طلبٌ إلاّ الحق، ورُزِقَ مع ذلك فطنة وَقَّادة، وقريحةً مُنقادَة، وذكاءً بليغاً، وفهماً صافياً، وحرام على من يقع ذلك الكتاب بيده أن يُظهره إلاَّ على من استَجْمَعَ هذه الصفات، فهذه هي مجامع العلم التي تتشعب من القرآن ومراتبها.

стр. 40

الفصل الخامس في انْشِعَابِ سائرْ العلوم من القرآن ولعلَّكَ تقول: إن العلوم وراءَ هذه كثيرة، كعلم الطب والنجوم، وهيئة العالم، وهيئة بَدَنِ الحيوان وتشريح أعضائه، وعلم السِّحر والطِّلَّسْمات، وغير ذلك. فاعلم: أنَّا إنما أشرنا إلى العلوم الدينية التي لا بد من وجود أصلها في العالم، حتى يتيسر سلوكُ طريق الله تعالى والسفر إليه. أما هذه العلوم التي أشرتُ إليها فهي علوم، ولكن لا يتوقف على معرفتها صلاح المَعَاش والمَعَاد، فلذلك لم نذكرها، ووراءَ ما عَدَدْتهُ علومٌ أُخرَ يُعلَم تَراجِمُها ولا يخلو العالم عمن يعرفها، ولا حاجة إلى ذكرها. بل أقول: ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يُتَمَارى فيها أن في الإمكان والقوة أصنافاً من العلوم بعد لم تخرج من الوجود، وإن كان في قوة الآدَمِيِّ الوصول إليها؛ وعلومٌ كانت قد خرجت إلى الوجود وانْدَرَسَت الآن، فَلَنْ يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من

стр. 41

يعرفها؛ وعلومٌ أُخَر ليس في قوة البشر أصلاً إدراكُها والإحاطة بها، ويحظَى بها بعضُ الملائكة المُقَرَّبين، فإن الإمكانَ في حق الآدَمِيِّ محدود، والإمكانَ في حق المَلَك محدود إلى غاية في الكمال بالإضافة، كما أنه في حق البهيمة محدود إلى غاية في النقصان، وإنما الله سبحانه هو الذي لا يَتَنَاهَى العلمُ في حقه، ويفارق عِلمَنَا عِلْمُ الحقِّ ﵎ في شيئين: أحَدُهما انتفاءُ النهاية عنه، والآخَرُ أن العلوم ليست في حقه بالقوة والإمكان الذي يُنْتَطَرُ خروجُه بالوجود، بل هو بالوجود والحُضُور، فكل مُمْكِنٍ في حقه من الكمال فهو حاضرٌ موجود. ثم هذه العلوم ما عددناها وما لم نعدها ليست أوائِلُها خارجةً عن القرآن، فإن جميعها مُغْتَرَفَةٌ من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى، وهو بحرُ الأفعال، وقد ذكرنا أنه بحرٌ لا ساحلَ له، وأن البحر لو كان مداداً لكلماته لنَفِدَ البحر قبل أن تَنْفَد. فمن أفعال الله تعالى وهو بحرُ الأفعال مثلاً الشفاء والمرض، كما قال الله تعالى حكايةً عن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ . وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطِبَّ بكماله، إذ لا معنى للطب إلا معرفةُ

стр. 42

المرض بكماله وعلاماته، ومعرفةُ الشفاء وأسبابه، ومن أفعاله ﵎ تقديرُ معرفة الشمس والقمر ومنازِلِهما بِحُسبان، وقد قال الله تعالى: ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ ؛ وقال: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب﴾ ؛ وقال: ﴿وَخَسَفَ القمر * وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ ؛ وقال: ﴿يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ ؛ وقال: ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ . ولا يعرف حقيقة سَيْر الشمسِ والقمرِ بِحُسبان، وخُسوفِهما وَوُلُوجِ الليلِ في النهار، وكيفيةَ تَكَوُّرِ أحدهما على الآخر، إلا من عرف هيئاتِ تركيبِ السَّماوَات والأرض، وهو علم برأسه. ولا يعرف كمالَ معنى قوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم * الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * في أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ إلا من عرفَ تشريحَ الأعضاء من الإنسان ظاهراً وباطناً، وعددَها وأنواعَها وحكمتَها ومنافِعَها، وقد أشار في القرآن في مواضِعَ إليها، وهي من علوم الأوَّلين والآخِرين، وفي القرآن مَجامِعُ علم الأوَّلين والآخرِين.

стр. 43

وكذلك لا يعرف كمالَ معنى قوله تعالى ﴿سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ مَنْ لم يعلم التَّسْوِيَة والنَّفْخَ والرُّوح، وَوراءَها علومٌ غامضة يغفل عن طلبها أكثرُ الخلق، وربما لا يفهمونها إن سمعوها من العالِمِ بِها، ولو ذهبتُ أُفَصِّل ما تدل عليه آيات القرآن من تفاصيل الأفعال لَطال، ولا تمكن الإشارة إلا إلى مَجامِعها، وقد أشرنا إليه حيث ذكرنا أن من جملة معرفة الله تعالى معرفة أفعاله، فتلك الجملة تشتمل على هذه التفاصيل، وكذلك كل قسم أجملناه لو شُعِّبَ لانشَعَبَ إلى تفاصيلَ كثيرة، فتفكَّر في القرآن والتمس غرائِبَه، لِتصادف فيه مَجامِع علم الأَوَّلين والآخِرين، وجملةَ أوائله، وإنما التفكر فيه للتوصل من جملته إلى تفصيله وهو البحر الذي لا شاطىءَ له.

стр. 44

الفصل السادس في وَجْهِ التَّسْمِيَة بالأَلْقَاب التي لُقِّبَ بها أقسامُ القرآن ولعلك تقول: أشرتَ في بعض أقسام العلوم إلى أنه يوجد فيها التِّرياقُ الأكبر، وفي بعضها المسك الأَذْفَر، وفي بعضها الكبريت الأحمر، إلى غير ذلك من النفائس، فهذهِ استِعَارات رسمية تحتها رُموز وإشارات خفية. فاعلم: أن التَكَلُّف والتَرَسُّم ممقوت عند ذوي الجِد، فما كلمة طَمْسٍ إِلا وتحتها رُموز وإشارات إلى معنى خفيّ، يدركها من يدرك الموازنة والمناسبة بين عالَمِ المُلْكِ وعالَمِ الشهادة وبين عالَمِ الغَيْبِ والمَلَكُوت، إذْ ما مِن شيء في عَالَمِ المُلْكِ والشَّهادة إلا وهو مِثال لأمرٍ روحاني من عالَمِ المَلكوت كأنه هو في روحه ومعناه، وليس هُوَ هُوَ في صورته وقالبه، والمِثال الجِسماني من عالَم الشهادة مُنْدَرِج إلى المعنى الروحاني من ذلك العالم، ولذلك كانت الدنيا منزلاً من منازل

стр. 45

الطريق إلى الله ضرورياً في حق الانس، إِذْ كما يستحيل الوصول إلى اللُبِّ إلا من طريق القِشر فيستحيل التَرَقِّي إلى عالم الأرواح إلا بمثال عالَمِ الأجسام، ولا تُعَرف هذه الموازنة إلا بمثال، فانظروا إلى ما ينكشف للنائم في نَومه من الرؤيا الصحيحة التي هي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وكيف ينكشف بأمثلة خيالية، فمن يُعلِّم الحكمة غيرَ أهلِها يرى في المنام أنه يُعلق الدُرَّ على الخنازير. ورأى بعضهم: أنه كان في يده خاتم يختم به فروجَ النساء وأفواهَ الرجال، فقال له ابنُ سيرين: أنت رجل تؤذن في رمضان قبل الصبح، فقال: نعم. ورأى آخر: كأنه يَصُبُّ الزَيت في الزيتون، فقال له: إن كان تحتك جارية فهي أمك، قد سُبِيَت وبيعَت واشتريتَها أنتَ ولا تعرف، فكان كذلك. فانْظُر خَتْمَ الأفَواه والفروج بالخاتم مُشَارِكاً للأَذان قبل الصبح في روح الخاتم وهو المنع وإن كان مخالفاً في صورته، وقس على ما ذكرته ما لم أذكره. واعلم: أن القرآنَ والأخبارَ تشتمل على كثير من هذا الجنس، فانظر إلى قوله ﷺ "قلبُ المؤمن بين أُصْبُعَيْن من أَصَابع الرَّحْمن" فإن روح الأُصْبُع القدرةُ على سرعة التقليب، وإنما قلبُ المؤمن بين لَمَّةِ المَلَك وبين لَمَّةِ الشيطان، هذا يُغويه، وهذا يَهديه، والله تعالى بهما

стр. 46

يُقلِّب قلوبَ العباد كما تُقَلِّب الأشياءَ أنت بأُصْبُعَيْك، فانظر كيف شارك نسبة المَلَكَيْن المُسَخَّرَيْن إلى الله تعالى أُصْبُعَيْكَ في روح أُصْبُعَيْه وخالفا في الصورة. واستخرج من هذا قوله ﷺ "إن الله تعالى خلق آدم على صورته" وسائرَ الآيات، والأحاديث المُوهِمَة عند الجهلة للتشبيه،

стр. 47

والذكي يكفيه مثال واحد، والبليد لا يزيده التكثير إلا تَحَيُّراً، ومتى عرفتَ معنى الأصبع، أمكنك التَرَقِّي إلى القلم واليد واليمين والوجه والصورة، وأخذَتْ جميعُها معنى روحانياً لا جِسمانياً، فتعلمَ أن روحَ القلم وحقيقتَه التي لا بد من تحقيقها إذا ذكرتَ حدَّ القلم: هو الذي يُكتَبُ به، فإن كان في الوجود شيء يتَسَطَّر بواسطته نقشُ العلوم في ألواح القلوب، فأخْلِقْ به أن يكون هو القلم، فإن الله تعالى علَّمَ بالقلم، علَّمَ الإنسانَ ما لم يَعلم، وهذا القلم روحاني إذ وُجِدَ فيه روح القلم وحقيقته، ولم يُعْوِزْهُ إلا قالبه وصورته، وكَون القلم من خشب أو قَصَب ليس من حقيقة القلم، ولذلك لا يوجد في حَدِّه الحقيقي، ولكل شيء حَدٌّ وحقيقة هي روحُه، فإذا اهْتَديْتَ إلى الأَرواح صِرْتَ روحانياً، وفُتِحَت لك أبوابُ المَلَكُوت، وأُهِّلْتَ لمرافقة الملأ الأعلى، وحَسُنَ أولئك رفيقاً، ولا يُستبعَد أن يكون في القرآن إشارات من هذا الجنس، وإن كنتَ لا تقوى على احتمال ما يقرع سمعَك من هذا النَّمط، ما لم تَسنُد التفسير إلى الصحابة، فإن كان التقليدُ غالباً عليك، فانظُر إلى تفسير قولهِ تعالى كما قاله المُفَسِّرون: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾ الآية، وأَنه كيف مَثَّل العلمَ بالماء، والقلوبَ بالأودية، والينابيعَ والضَّلالَ بالزَّبد، ثم نبهك على آخِرها فقال: ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ ؛ ويكفيك هذا القدر من هذا الفن فلا تطيق أكثر منه.

стр. 48

وبالجملة فاعلم: أنَّ كل ما يحتمله فهمُك فإن القرآن يُلقيه إليك على الوجه الذي لو كنتَ في النوم مُطالِعاً بروحك اللوحَ المحفوظ لتمثل ذلك لك بمثال مناسب يحتاج إلى التعبير. واعلم أن التأويل يجري مجرَى التَّعبير، فلذلك قلنا يدور المُفَسِّرُ على القشر، إذ ليس من يترجم معنى الخاتم والفروج والأفواه كمن يدرك أنه أذان قبل الصبح.

стр. 49

الفصل السابع في سَبَبِ التَّعبير عن معاني عَالَمِ المَلَكُوتِ في القُرآن بأَمثِلَةٍ من عَالَمِ الشَّهادة ولعلك تقول: لِمَ أبرزتَ هذه الحقائق في هذه الأمثلة ولم تكشف صريحاً، حتى ارتبك الناس في جَهالة التَّشبيه وضَلالة التَّخيِيل؟ فاعلم: أن هذا تعرفه إذا عرفتَ أن النائم لم ينكشفْ له الغَيْبُ من اللوح المحفوظ، إلا بالمثال دون الكشف الصريح كما حكيتُ لك المثل، وذلك يعرفه من يعرف العلاقة الخَفيَّة التي بين عالم المُلْكِ والملكوت. ثم إذا عرفتَ ذلك عرفتَ أنك في هذا العالم نائم وإن كنتَ مستيقظاً، فالناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، فنكشف لهم عند الانتباهِ بالمَوت حقائق ما سَمِعوه بالمثال وأرواحها، ويعلمون أن تلك الأمثلة كانت قُشوراً وأصْدافاً لتلك الأرواح، ويَتَيَقَّنون صدقَ آياتِ

стр. 50

القرآن وقول رسول الله ﷺ ، كما تَيَقَّن ذلك المؤذنُ صدقَ قول ابنِ سيرين وصحةَ تعبيرهِ للرؤيا، وكل ذلك ينكشف عند اتِّصال المَوت، وربما ينكشف بعضُهُ في سَكَراتِ الموت، وعند ذلك يقول الجاحِدُ والغافِل: ﴿ياليتنآ أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ الآية؛ ويقول: ﴿يا ويلتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ ﴿يا ليتني كُنتُ تُرَاباً﴾ ﴿يا حسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ ﴿ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ؛ وإلى هذا يشير أكثرُ آياتِ القرآن المتعلقة بشرح المَعادِ والآخِرة التي أضفنا إليها الزَّبَرْجَدَ الأخضر. فَافْهَم من هذا أَنَّكَ ما دمتَ في هذه الحياة الدنيا فأنتَ نائم، وإنما يقظَتُكَ بعد الموت، وعند ذلك تصيرُ أهلاً لمشاهدةِ صريحِ الحقِّ كِفاحاً، وقبل ذلك لا تحتملُ الحقائقَ إلا مَصبوبةً في قالب الأمثال الخَياليَّة، ثم لجمود نظرِكَ على الحِسّ تظنُّ أنه لا مَعنَى له إلا المُتَخَيَّل، وتغفلُ عن الروح كما تغفلُ عن روحِ نفسِكَ ولا تدرك إلا قالبك.

стр. 51

الفصل الثامن في الطريق الذي ينكشِفُ به للإنسان وجهُ العلاقة بين العالَميْن لعلَّك تقول: فاكشِف عن وجه العلاقة بين العالَمَيْن، وأنَّ الرُّؤيا لِمَ كانت بالمِثَال دون الصريح، وأنَّ رسول الله ﷺ لِمَ كان يرى جبريلَ كثيراً في غير صورته، وما رآه في صورته إلا مَرَّتَين. فاعلم: أنك إن ظننتَ أن هذا يُلْقَى إليك دفعةً، من غير أن تُقَدِّم الاستعداد لقبوله، بالرياضة والمجاهدة، وإطِّراحِ الدنيا بالكلية، والانحيازِ عن غِمَار الخلق، والاستغراقِ في محبة الخالق وطلب الحق، فقد استكبرتَ وعَلَوْتَ عُلُوًّا كبيراً، وعلى مِثلكَ يُبْخَل بمثله، ويُقال: جِئْتُمانِي لِتَعْلَمَا سِرَّ سَعْدِي ... تَجِدَاني بِسِرِّ سَعْدي شَحِيحا فاقْطَعْ طمَعَكَ عن هذا بالمكاتبة والمراسلة، ولا تطلُبْهُ إلا من باب المجاهدة والتقَوى، فالهداية تَتْلُوها وتُثَبِّتُها كما قال الله تعالى ﴿والذين

стр. 52

جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ؛ وقال ﷺ : "من عَمِلَ بما عَلِمَ أَوْرَثُهُ اللهُ عِلَم ما لا يُعلم". واعلم يقيناً: أن أسرارِ المَلَكُوت محجوبَةٌ عن القلوب الدَّنِسَةِ بُحبِّ الدنيا، التي استغرقَ أكثرَ هِمَمِهَا طلبُ العاجلة، وإنما ذكرنا هذا القدر تشويقاً وترغيباً، وَلِنُنَبِّهَ به على سرٍّ من أسرار القرآن، مَنْ غفل عنه لم تُفْتَح له أصدافُ القرآن عن جواهره البَتَّة، ثم إن صَدَقَتْ رغبتُك شمَّرتَ للطَّلب، واستعنتَ فيه بأهل البصيرة، واستمدَدْتَ منهم، فما أراك تُفلح لو استبدَدْتَ فيه برأيك وعقلك، وكيف تفهم هذا وأنت لا تفهم لسان الأحوال، بل تظنُّ أنه لا نُطْقَ في العالم إلا بالمقَال، فلم تفهم معنى قوله تعالى ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ولا قوله تعالى ﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ ما لم تُقَدِّرْ للأرض لساناً وحياة؛ ولا تفهم أنَّ قولَ القائل: قال الجدارُ لِلوتد: لم تنقُبُنِي؟ قال: "سَلْ من يَدُقُّني فلم يترُكْنِي، ورأى الحجر الذي يَدُقُّني" ولا تدري أن هذا القولَ صِدْقٌ وأصحُّ من نُطْق المقال، فكيف تفهم ما وراء هذا من الأسرار؟

стр. 53

الفصل التاسع في التَّنْبيهِ على الرُّموز والإشارات التي يشتمل عليها القُرآن لعلك تطمع في أن تُنَبَّهَ على الرَّموز والإشارات المودَعة تحت الجواهر الذي ذكرنا اشتمال القرآن عليها. فاعلم أن الكبريت الأحمر عند الخَلق في عالَم الشهادة، عبارة عن الكيمياء التي يُتَوصَّل بها إلى قلب الأعيان من الصفات الخَسِيسَة إلى الصفات النفيسة، حتى ينقلب به الحجر ياقوتاً، والنحاس ذهباً إبريزاً، ليتوصَّلََ به إلى اللَّذات في الدنيا مكدَّرةً مُنَغَّصة في الحال، مُنْصَرِمَةً على قرب الاستقبال، أفترى أن ما يقلُبُ جواهرَ القلب من رَزالةِ البهيمة وضَلالةِ الجهل إلى صفاءِ الملائكة وروحانِيَّتها، ليترقى [القلبُ] من أسفل السَّافلين إلى أعلى عِلِّيِّين، ويُنَالُ به القُرب من ربِّ العالمين والنظرُ إلى وجهه الكريم أبداً دائماً سَرْمَداً، هل هو أَولى باسم الكبريت الأحمر أم لا؟ فلهذا سميناه الكبريت الأحمر.

стр. 54

فتأمَّل وراجع نفسك وانْصِفْ: لِتَعلمَ أن هذا الاسمَ بهذا المعنى أحق، وعليه أصدق، ثم أنفس النفائس التي تُستَفَاد من الكيمياء اليواقيت، وأعلاها الياقوت الأحمر، فلذلك سميناه معرفة الذات. وأما التِّرْياق الأكبر: فهو عند الخلق عبارة عما يُشْفَى به من السموم المُهلِكة، الواقعة في المعدة، مع أن الهلاكَ الحاصلَ بها ليس إلا هَلاكاً في حق الدُنيا الفانِيَة. فانظر إن كانت سموم البِدَع والأَهْوَاء والضَّلالات الواقعة في القلب، مُهلِكةً هلاكاً يحول بين السموم وبين عالَمِ القُدُس ومعدن الروح والراحة حيلولةً دائمة أبَدِيَّةً سَرْمَدِيَّةً، وكانت المُحَاجَّةُ البُرهانية تشفى عن تلك السموم وتدفع ضررها، هل هي أَولى بأن تسمى التِّرياقَ الأكبرَ أم لا؟ وأما المِسكُ الأذفَر: فهو عبارةٌ في عالَمِ الشهادة عن شيءٍ يَسْتَصْحِبُهُ الإنسان، فيثور منه رائحةٌ طيبة تَشهُره وتُظهره، حتى لو أراد خفاءَهُ لم يختف، لكن يستطيرُ وينتشر، فانظر إن كان في المُقْتَنَيَات العلمية ما يُنْشَرُ منه الاسمُ الطيب في العالم، ويشتهر صاحبه به اشتهاراً [حتى] لو أراد الاختفاء وإيثار الخمول، بل تَشْهُرُهُ وتُظهِرُهُ، فاسمُ المِسْكِ الأذفَر عليه أحقُّ وأصدَقُ أم لا؟ وأنت تعلم أن عِلمَ الفقه ومعرفةَ أحكام الشريعة يُطَيِّبُ الاسمَ وينشرُ الذِّكْرَ ويُعَظِّم الجاه وما يَنالُ القلبَ من روح طِيبِ الاسمِ وانتشارِ الجاهِ أعظمُ كثيراً مما يَنالُ المَشَامَّ من روح طِيبِ رائحةٍ من المسك.

стр. 55

وأما العود: فهو عبارة عند الخلق عن جسم في الأجسام لا يُنتَفَع به ولكن إذا أُلقِيَ على النار حتى احترقَ في نفسهِ تصاعدَ منه دُخَانٌ مُنْتَشِر، فينتهي إلى المَشَامِّ فيَعْظُم نَفعُهُ وجَدْوَاه، ويَطِيبُ مَوْرِدُهُ ومَلْقَاه، فإن كان في المنافقينَ وأعداءِ الله أَظْلالٌ كالخُشُبِ المُسنَّدَة لا منفعة لها، ولكنْ إذا نزل بها عقابُ الله ونَكَالُه من صاعقةٍ وخَسْفٍ وزَلْزَلَةٍ حتى يحترقَ ويتصاعدَ منه دخان، فينتهي إلى مَشَامِّ القلوب، فَيَعْظُم نَفعُهُ في الحَثِّ على طَلَبِ الفِردَوْسِ الأَعلى، وجِوَارِ الحقِّ ، والصَّرْفِ عن الضَّلالة والغفلة واتِّباع الهوى، فاسمُ العود به أحقُّ وأصدقُ أم لا؟ فَاكْتَفِ من شرح هذه الرموز بهذا القدر، واستنبِطْ الباقي من نفسك، وحُلّ الرَّمْزَ فيه إن أطَقْتَ وكنتَ من أهله. فقد أسْمَعْتُ لَوْ نادَيْتُ حياً ... ولكنْ لا حياةَ لمن أُنادي

стр. 56

الفصل العاشر في فائدة هذه الرُّموز وبيان سبب جُحود المُلحدين بالأصول الدينية لعلك تقول: قد ظهر لي أن هذه الرموز صحيحةً صادقة، فهل فيها فائدةٌ أخرى تُعرَفُ سِواها؟ فاعلم أن الفائدةَ كلَّها وراءَها، فإن هذه أنموذَجٌ لِتَعْرِفَ بها تعريف طريق المعاني الرُّوحَانية المَلَكوتيَّة بالألفاظ المألوفة الرسمية، لينفتحَ لك بابُ الكشفِ في معاني القرآن، والغَوْصُ في بحارها، فكثيراً ما رأينا من طوائف من المُتَكابسين تَشَوَّشَتْ عليهم الظواهر، وانْقَدَحَت عندهم اعتراضاتٌ عليها، وتخايَلَ لهم ما يناقضها، فبطلَ أصلُ اعتقادهم في الدين، وأَوْرَثَهُم ذلك جحوداً باطناً في الحَشْرِ والنَّشْر، والجنَّةِ والنار، والرجوعِ إلى الله تعالى بعد الموت، وأظهَروها في سرائرهم، وانحلَّ عنهم لَجَامُ التَّقْوَى ورابطةُ الوَرَع، واسْتَرْسَلوا في طَلَبِ الحُطام وأَكْلِ الحرام واتِّباعِ الشهوات، وقَصَروا الهِمَمَ على طلبِ الجاهِ والمال، والحظوظِ العاجلة،

стр. 57

ونظروا إلى أهل الوَرَع بعين الاستخفاف والاسْتِجْهال، وإن شاهدوا الوَرَع ممن لا يقدرون على الإنكار عليه لِغَزَارَةِ علمهِ وكمال عقله وثَقَابَةِ ذهنه، حملوه على أَنَّ غرضَه التَّلْبِيسُ والتَّلبُّس واستمالةُ القلوب، وصَرْفُ الوجوه إلى نفسه، فما زادهم مشاهدةُ الوَرعِ من أهله إلا تمادياً وضَلالاً، مع أن مشاهدةَ وَرَعِ أهلِ الدين من أعظَمِ المُؤَكِّدات لعقائد المؤمنين، وهذا كله لأنَّ نَظَرَ عقلِهم مقصورٌ على صور الأشياء وقَوالبها الخَياليَّة، ولم يمتدّ نَظَرُهم إلى أرواحها وحقائقها، ولم يدركوا المُوَازنةَ بين عالَمِ الشهادةِ وعالَم المَلَكوت، فلمَّا لم يدركوا ذلك وتناقضت عندهم ظواهرُ الأسئلة ضَلُّوا وأضلُّوا، فلا هُم أدركوا شيئاً من عالَم الأرواح بالذَّوْقِ إدراكَ الخَواصّ، ولا هُم آمنوا بالغَيْبِ إيمانَ العَوامِّ فأهلكَتْهم كِيَاسَتُهم، والجهل أدنى إلى الخلاصِ من فَطانَةٍ بَتْراء، وكيَاسَةٍ ناقصة. ولسنا نستبعد ذلك، فلقد تعثَّرنا في أذيال هذه الضَّلالاتِ مدةً لِشُؤْمِ أَقْرانِ السُّوء وصُحبتهم، حتى أبعدَنا الله عن هَفَواتِها، وَوَقانا من وَرْطاتِها، فلهُ الحمدُ والمِنَّة والفضلُ على ما أرشَدَ وهَدَى، وأنعمَ وأسْدَى، وعَصَمَ من وَرْطاتِ الرَّدَى، فليس ذلك مما يمكن أن يُنَالَ بالجهد والمُنَى ﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ .

стр. 58

الفصل الحادي عشر في كيف يَفْضُلُ بعضُ آياتِ القرآن على بعض مع أن الكُلَّ كلامُ الله تعالى لعلَّكَ تقول: قد توجه قصدك في هذه التنبيهات إلى تفضيل بعض القرآن على بعض، والكلُّ قولُ الله تعالى، فكيف يُفارق بعضُها بعضاً؟ وكيف يكون بعضُها أشرفُ من بعض؟ فاعلم: أن نورَ البَصيرة إن كان لا يُرشدك إلى الفرق بين آيَةِ الكُرسِيّ وآيَةِ المُدَايَنَات وبين سُورَةِ الإخلاص وسُورَةِ تَبَّتْ، وتَرْتَاعُ من اعتقاد الفَرق نفسُكَ الجَوَّارة، المُستغرِقَةِ بالتقليد، فَقَلِّد صاحبَ الرسالةِ صَلَواتُ اللهِ وسَلاَمُهُ عليه، فهو الذي أُنزِلَ عليه

стр. 59

القُرآن، وقد دلَّت الأخبار على شَرَفِِ بعض الآيات، وعلى تَضْعيفِ الأجر في بعض السُّوَرِ المُنْزَلَة، فقد قال ﷺ : "فاتِحَةُ الكتاب أفضلُ القرآن". وقال ﷺ : "آيةُ الكُرْسِيِّ سيدةُ آي القُرآن"؛ وقال ﷺ : "يس قلبُ القرآن، وقُلْ هُوَ اللهُ أَحَد تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن". والأخبارُ الواردة في فضائل قَوَارعِ القرآن، بتخصيصِ بعض الآياتِ والسُّوَر بالفضل وكثرَةِ الثّوابِ في تِلاوتها لا تحصى، فاطلُبْه من كتب الحديث إن أردتَه، ونُنَبِّهُكَ الآنَ على معنى هذه الأخبار الأربعة في تفضيل هذه السُّوَر، وإن كان ما مَهَّدناه من ترتيب أقسامِ القرآن وشُعَبه ومَراتِبه يُرشِدُكَ الله إن راجعتَه وفكَّرتَ فيه، فإنَّ حَصَرْنا أقسامَ القرآن وشُعَبه في عشرة أنواع.

стр. 60

الفصل الثاني عشر في أَسْرارِ الفَاتِحَة وبيان جُملةٍ مِن حِكَم الله في خَلْقِه وإذا تفكرتَ وجدت الفاتحة على إيجازها مشتملةً على ثمانية مناهج: (١) فقوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ﴾ : نبأٌ عن الذَّات. (٢) وقولُهُ ﴿الرحمن الرَّحِيمِ﴾ : نبأٌ عن صفة من صفات خاصة، وخاصيتها أنها تستدعي سائر الصفات من العلم والقدرة وغيرهما ثم تتعلق بالخلق، وهم المَرْحومُون، تعلُّقاً يُؤْنِسُهم به، ويُشَوِّقُهم إليه، ويُرَغِّبُهم في طاعته، لا كوصف الغضب، لو ذكره بدلاً عن الرحمة فإن ذلك يُحزِنُ ويخوِّف، ويقبض القلب ولا يشرحه. (٣) وقولُهُ ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ : يشتمل على شيئين:

стр. 61

أحدهما: أصل الحمد وهو الشكر، وذلك أول الصراط المستقيم، وكأنه. شَطْرُه، فإن الإيمانَ العملي نصفان: نصفٌ صبر، ونصفٌ شُكر، كما تعرف حقيقةَ ذلك إن أردتَ معرفة ذلك باليقين من كتاب "إحياء علوم الدين" لا سيما في كتاب الشُكْرِ والصَّبرِ منه، وفضل الشُكر على الصبر كفضل الرحمة على الغضب، فإن هذا يصدر عن الارتياج وهزَّة الشَّوْق وروح المحبة، وأما الصبرُ على قضاء الله فيصدر عن الخوف والرَّهبة ولا يخلو عن الكرب والضيق، وسلوكُ الصِّراط المستقيم إلى الله تعالى بطريق المحبَّة، وأعمالُها أفضل كثيراً من سلوك طريق الخوف، وإنما يُعرَفُ سرُّ ذلك من كتاب المحبة والشَّوْق من جملة كتاب "الإحياء"؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ : "أولُ ما يدعى إلى الجنة الحمَّادون لله على كل حال". والثاني: قوله تعالى ﴿رَبِّ العالمين﴾ إشارة إلى الأفعال كلها، وإضافتُها إليه بأُوْجَزِ لفظٍ وأَتَمِّهِ إحاطةً بأصنافِ الأفعالِ لفظُ ربِّ العالمين، أفضل النسبة [مِنَ] الفعل إليه نسبةُ الرُّبوبِيَّة، فإن ذلك أتمُّ وأكملُ في التعظيمِ من قولكَ أعلى العالَمين وخالِقُ العالَمين. (٤) وقولُهُ ثانياً: ﴿الرحمن الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى الصفة مرة أخرى، ولا تظنّ أنه مكرر، فلا تَكَرُّرَ في القرآن، إذ حَدُّ المُكَرَّر ما لا ينطوي على مزيدِ فائدة؛ وذِكرُ "الرحمة" بعد ذِكرِ العالَمين وقبلَ

стр. 62

ذكر "مالك يوم الدين" ينطوي على فائدتين عَظيمَتَيْن في تفضيل مجاري الرحمة: إحداهما: تلتفت إلى خَلْقِ ربِّ العالمين: فإنه خَلَقَ كلَّ واحد منهم على أكمل أنواعهِ وأفضَلِها، وآتاهُ كلَّ ما يحتاج إليه، فأَحَدُ العوالم التي خلقها عالَمُ البهائم، وأصغرُها البعوضُ والذبابُ والعنكبوتُ والنحل. فانظر إلى البعوض: كيف خلق أعضاءَها، فقد خلق عليها كل عضو خَلَقَهُ على الفيل، حتى خلق له خُرطوماً مستطيلاً حادَّ الرأس، ثم هَداهُ إلى غذائه إلى أن يَمُصَّ دَمَ الآدَمِيّ، فتراه يغرز فيه خُرطومَه ويمصُّ من ذلك التجويف غذاءً. خلق له جاحَين ليكونا له آلةَ الهربِ إذا قُصِدَ دَفْعُه. وانظر إلى الذُباب: كيف خَلَقَ أعضاءَه، وخلق حَدَقَتَيْهِ مكشوفَتَين بِلا أجفان، إذ لا يحتمل رأسُه الصغيرُ الأجفان، والأجفانُ يُحتاجُ إليها لِتَصْقيل الحَدَقَةِ مما يلحقها من الأَقْذَاءِ والغبار؛ وانظر كيف خَلق له بدلاً عن الأجفان يَدَيْنِ زائدَتَين، فله سوى الأرجُل الأربع يَدانِ زائدتان، تَراهُ إذا وقع على الأرض لا يزال يمسح حَدَقَتَيْه بيدَيه يَصْقُلُهما عن الغبار. وانظر إلى العنكبوت: كيف خلق أطرافها وعلَّمها حيلةَ النسج، وكيف علَّمها حيلةَ الصيد بغير جناحَين، إذْ خلق لها لُعاباً لَزِجاً تُعلِّق نفسها به في زاوية، وتترصَّد طيرانَ الذُباب بالقرب منها، فترمي إليه نفسَها فتأخذه وتقيِّده بخيطها

стр. 63

المدود من لُعابها، فتعجزه عن الإفلات حتى تأكلَه أو تدَّخِرَه، وانظر إلى نَسْجِ العنكبوت لبيتها، كيف هداها الله نَسْجَهُ على التَّناسُب الهَندَسي في ترتيبَ السُدَى واللُّحمة. وانظر إلى النَّحل وعجائبها التي لا تُحصَى: في جمع الشَّهْدِ والشَّمع، ونُنبهك على هندَسَتها في بناء بيتها، فإنها تبني على شكل المسدس، كيلا يضيق المكان على رُفقائها، لأنها تزدحم في مَوضع واحد على كثرتها، ولو بَنَتْ البيوتَ مستديرةً لبقيَ خارجَ المُستديرات فُرَجٌ ضائعة، فإن الدوائر لا تراصُّ، وكذلك سائر الأشكال، وأما المربعات فَتُراصُّ، ولكن شكل النحل يميل إلى الاستدارة فيبقى داخل البيت زوايا ضائعة، كما يبقى في المستدير خارجَ البيت فُرَجٌ ضائعة، فلا شكلَ من الأشكال يقرُب من المتسدير في التَّراصِّ غير المسدس، وذلك يُعرف بالبرهان الهندسي. فانظر كيف هداهُ الله خاصيَّة هذا الشكل، وهذا أنموذَجٌ من عجائب صُنع الله ولطفه ورحمته بخلقه، فإن الأدنَى بَيِّنَةٌ على الأعلى؛ وهذه الغرائبُ لا يمكن أن تُسْتَقْصَى في أعمارٍ طويلة، أعني ما انكشفَ للآدَميِّين منها، وأنه ليسيرٌ بالاضافة إلى ما لا ينكشف واستأثرَ هُوَ والملائكةُ بعلمه، وربما تجد تلويحاتٍ من هذا الجنس في كتاب "الشُكر" وكتاب "المحبة"؛ فاطلبه إن كنتَ له أهلاً، وإلا فَغُضَّ بصرَكَ عن آثار رحمة الله، ولا تنظر إليها، ولا تسرح في ميدان معرفة الصُنع ولا تَتَفَرَّج فيه، واشتغل بأشعار المُتنَبي، وغرائبِ النَّحو لِسيبَوَيْه، وفروعِ ابنِ الحداد في نَوادِرِ الطلاق، وحِيَلِ المُجادلة في الكلام، فذلك أَلْيَقُ بك، فإن

стр. 64

قيمَتَكَ على قدر هِمَّتك ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ و ﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ ولنرجع إلى الغرض، والمقصودُ التنبيهُ على أنموذَجِ من رحمة في خلق العالمين. وثانيها: تعلُّقُها بقوله ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ : فيشيرُ إلى الرحمة في المَعادِ يومَ الجزاءِ عند الإنعام بالمُلْكِ المؤَبَّدِ في مقابَلةِ كلمةٍ وعبادة، وشرحُ ذلك بطول. والمقصودُ أنه لا مكرَّرَ في القرآن، فإن رأيتَ شيئاً مكرراً من حيث الظاهر، فانظرُ في سَوابقه ولَواحقه لينكشف لك مزيدُ الفائدة في إعادته. (٥) وأما قولُه: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ : فإشارةٌ إلى الآخِرَة في المَعاد، وهو أحد الأقسام من الأصول، مع الإشارة إلى معنى المَلَك والمَلِك، وذلك من صفات الجلال.

стр. 65

(٦) وقولُه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ : يشتمل على رُكْنَين عظيمين: أحدهما: العبادة مع الإخلاص بالاضافة إليه خاصة، وذلك هو روح الصراط المستقيم كما تعرفة من كتاب الصدق والإخلاص، وكتاب ذَمِّ الجَاهِ والرِّياء من كتاب "الإحياء". والثاني: اعتقادُ أنه لا يستحق العبادة سواه، وهو لُباب عقيدة التوحيد، وذلك بالتَّبَرِّي عن الحَوْلِ والقوة، ومعرفةِ أنَّ الله منفردٌ بالأفعال كلها، وأن العبد لا يستقلُّ بنفسه دون معونَتِه؛ فقوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إشارة إلى تَحْلِيَةِ النفس بالعبادة والإخلاص، وقولُهُ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إشارة إلى تزكِيَتها عن الشِّرك والالتفات إلى الحَول والقوة. وقد ذكرنا أن مدار سلوك الصراط المستقيم على قسمين: أحدهما: التَّزكِيَة بِنَفْي ما لا ينبغي، والثاني: التحلية بتحصيل ما ينبغي؛ وقد اشتمل عليهما كلمتان من جملة الفاتحة. (٧) وقولُهُ ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ سؤالٌ ودُعاء، وهو مُخُّ العبادة، كما تعرفه من الأذكار والدوعات من كُتب "الإحياء" وهو تنبيهٌ على حاجة الإنسان إلى التَّضَرُّع والابْتِهَال إلى الله تعالى، وهو روح العُبودِيَّة، وتنبيهٌ على أن أهمَّ حاجاتِهِ الهدايةُ إلى الصراط المستقيم، إذْ بهِ السلوكُ إلى الله تعالى كما سبق ذكره.

стр. 66

(٨) وأما قولُه ﴿صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر السورة: فهو تذكيرٌ بنعمته على أوليائه، ونَقْمَتِه وغضبه على أعدائه، لِتَسْتَثيرَ الرغبةَ والرهبةَ من صميم الفؤاد. وقد ذكرنا أن ذِكرَ قَصَصِ الأنبياء والأعداء قسمان من أقسام القرآن عظيمان. وقد اشتملت الفاتحة من الأقسام العشرة على ثمانية أقسام: (١) الذات (٢) والصفات (٣) والأفعال (٤) وذكر المعاد (٥) والصراط المستقيم بجميع طَرَفيه أعني التزكية والتحلية (٦) وذكر نعمة الأولياء (٧) وغضب الأعداء (٨) وذكر المَعَاد. ولم يخرج منه إلا قسمان: (أ) مُحَاجَّةُ الكفار، (ب) وأحكامُ الفقهاء، وهما الفَنَّانِ اللذان يتشعَّب منهما علم الكلام وعلم الفقه. وبهذا يتبين أنهما واقِعان في الصنّف الأخير من مراتب علوم الدين، وإنما قدَّمَهُما حُبُّ المال والجاه فقط.

стр. 67

الفصل الثالث عشر في كَوْنِ الفاتحة مفتاحاً لأبَواب الجنَّةِ الثمانية وعند هذا نُنَبِّهك على دقيقةٍ فنقول: إن هذه السورة فاتحةُ الكتاب ومفتاح الجنَّة، وإنما كانت مفتاحاً لأن أبواب الجنة ثمانية ومعاني الفاتحة ترجع إلى ثمانية. فاعلم قطعاً أن كل قسم منها مفتاح باب من أبواب الجنة تشهد به الأخبار، فإن كنتَ لا تصادف من قلبك الإيمان والتصديق به، وطلبتَ فيه المناسبة، فدع عنك ما فهمتَه من ظاهر الجنة، فلا يخفَى عليك أن كل قسم يفتح بابَ بستانٍ من بساتين المعرفة، كما أشرنا إليها في آثار رحمة الله تعالى وعجائبِ صُنعه وغيرها. ولا تظنُّ أن روحَ العَارِفِ من الانشراح في رياض المعرفة وبساتينها أقلُّ من روح مَنْ يدخل الجنَّةَ التي يعرفها ويقضي فيها شهوةَ البطن والفَرْج، وأنَّى يتساويان؟ بل لا يُنْكَرُ أن يكون في العارفين

стр. 68

من رغبَتُهُ في فتح أبواب المعارف، لينظر إلى مَلَكوت السماء والأرض، وجلالِ خالقها ومُدبرها، أكثرَ من رغبته في المَنْكُوحِ والمأكولِ والملبوس، وكيف لا تكون هذه الرغبة أكثرَ وأغلبَ على العارف البصير وهي مُشارَكَةٌ للملائكة في الفِرْدَوس الأعلى، إِذْ لا حظَّ للملائكة في المَطعم والمَشرب والمَنْكَحِ والملبس. ولعل تمتُّعَ البهائم بالمَطعم والمَشرب والمَنكَحِ يزيد على تمتُّع الإنسان، فإن كنتَ ترى مُشاركة البهائم ولَذَّاتِهم أحقّ بالطلب من مساهمةِ الملائكة في فَرَحهم وسرورهم بمطالعة جمال حَضرةِ الرُّبوبِيَّة، فما أشدَّ غَيَّك وجَهْلَكَ وغَباوتك! وما أخَسَّ هِمَّتَكَ! وقيمَتُكَ على قدر هِمَّتِك. وأما العارِفُ إذا انفتح له ثمانية أبوابٍ من أبواب جنَّةِ المعارف، واعْتَكَفَ فيها، ولم يلتفت أصلاً إلى جنة البُله فإن أكثر أهل الجنة البُله، وعِلِّيُّونَ لذوي الألباب كما ورد في الخبر. وأنتَ أيضاً أيها القاصرُ هِمَّتَكَ على اللَّذات قَبْقَبَةً وَذَبْذَبَةً كالبهيمة، ولا تُنكِرُ أن درجات الجِنَان إنما تُنال بفنون المعارف، فإن كانت رياضُ المعارف لا تستحق في أن تُسَمَّى نفسُها جنة، فتستحقُّ أن يُسْتَحَقَّ بها الجنة، فتكون مفاتيحَ الجنَّة، فلا تُنْكِرْ في الفاتحة مفاتيحَ جميع أبواب الجنة.

стр. 69

الفصل الرابع عشر في كَوْنِ آيَةِ الكُرسيّ سيِّدةُ آي القُرآن وبيانُ الاسمِ الأَعظم فأقول: هل لك أن تتفكرَ في آية الكُرْسي أنها لَمَ تسمَّى سيدةُ الآيات، فإن كنتَ تعجز عن استِنْباطِه بتفكُّركَ فارجعْ إلى الأقسام التي ذكرناها والمراتبِ التي رتَّبناها. وقد ذكرنا لك أنَّ معرفة الله تعالى ومعرفةَ ذاتِهِ وصفاتِهِ هي المقصدُ الأَقصى من علوم القرآن، وأن سائر الأقسام مُرادةٌ له وهو مُراد لنفسه لا لغيره، فهو المَتْبوعُ وما عداه التَّابع، وهي سيدةُ الاسم المقدَّم الذي يتوجه إليه وجوهُ الأتْبَاع وقلوبُهم فيحذون حَذْوَهُ وَينْحون نحوه ومَقْصِدَه، وآيةُ الكُرسي تشتمل على ذِكر الذَّات والصفات والأفعال فقط ليس فيها غيرها: فقولُهُ: ﴿الله﴾ : إشارةٌ إلى الذات. وقولُهُ: ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ : إشارةٌ إلى توحيد الذات.

стр. 70

وقولُهُ: ﴿الحي القيوم﴾ : إشارةٌ إلى صفةِ الذاتِ وجلاله، فإن معنى القَيُّوم هو الذي يقوم بنفسه ويقوم به غيره، فلا يتعلق قِوَامُهُ بشيء ويتعلق به قِوَامُ كل شيء، وذلك غايةُ الجَلال والعظمة. وقولُهُ ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ : تَنْزيهٌ وتقديسٌ له عما يستحيل عليه من أوصاف الحوادث، والتَّقديس عما يستحيل أحدُ أقسام المعرفة، بل هو أَوْضح أقسامها. وقولُهُ ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ : إشارةٌ إلى كُلِّها، وأنَّ جميعها منه مصدَرُها وإليه مرجِعُها. وقولُهُ ﴿مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ : إشارةٌ إلى انفراده بالمُلكِ والحُكمِ والأمر، وأنَّ مَن يملك الشفاعةَ فإنما يملكُ بِتَشريفِهِ إياه والإذن فيه، وهذا نفي لِلشَّرِكَة عنه في المُلكِ والأمر. وقوله ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ إشارةٌ إلى صفة العلم وتفضيل بعض المعلومات، والانفراد بالعلم، حتى لا عِلْمَ لغيره من ذاته، وإن كان لغيره علمٌ فهو من عطائه وهبته، وعلى قَدْرِ إرادته ومشيئَتِه. وقوله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض﴾ : إشارةٌ إلى عَظمة مُلْكهِ وكمالِ قُدرته، وفيه سِرٌّ لا يحتملُ الحالُ كشفَهُ، فإن معرفةَ الكُرسي ومعرفةَ صفاته، واتِّساعِ السماواتِ والأرض معرفةٌ شريفةٌ غامضة، ويرتبط بها علوم كثيرة.

стр. 71

وقوله ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ : إشارةٌ إلى صفات القُدرة وكمالها، وتَنْزِيهها عن الضَعف والنقصان. وقوله ﴿وَهُوَ العلي العظيم﴾ : إشارةٌ إلى أصلَيْنِ عظيَمين في الصفات، وشرح هذين الوَصْفَين يطول، وهو شرحنا منهما ما يحتمل الشرحَ في كتاب "المَقْصِد الأَسْنَى في أسماءِ الله الحُسْنَى" فاطلبه منه. والآن إذا تأملت جملة هذه المعاني، ثم تَلَوْتَ جميع آيات القرآن لم تجد جملةَ هذه المعاني من التوحيدِ والتَّقديسِ وشرح الصفات العُلَى مجمعةً في آية واحدة منها، فلذلك قال النبي ﷺ : "سيدةٌ آي القرآن"؛ فإنَّ ﴿شَهِدَ الله﴾ ليس فيه إلا التوحيد؛ و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ ليس فيه إلا التوحيدُ والتقديس؛ و ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك﴾ ليس فيه إلا الأفعال وكمال القدرة؛ و"الفاتحة" فيها رموزٌ إلى هذه الصفات من غير شرح، وهي مشروحةٌ في آية الكُرسي، والذي يَقْرُبُ منها في جميع المعاني آخِرُ الحَشْر، وأوَّلُ الحديد، إذْ اشتَملا على أسماء وصفات كثيرة، ولكنها آيات لا آية

стр. 72

واحدة، وهذه [آية الكُرسي] آيَةٌ واحدة، إذا قابَلتَها بإحدَى تلك الآيات وجدتَها أجمعَ المقاصد، فلذلك تستحق السِّيَادة على الآي. وقال ﷺ : "هي سيِّدةُ الآيات"؛ كيفَ لا وفيها الحَيُّ القَيُّوم، وهو الاسمُ الأَعظم، وتحته سِرٌّ، ويشهدُ له ورودُ الخبر بأنَّ الاسمَ الأعظَم في آيةِ الكُرسيّ، وأوَّلِ آلِ عِمْران، وقولِهِ ﴿وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَيِّ القيوم﴾ .

стр. 73

الفصل الخامس عشر في عِلَّة كَوْنِ سورةِ الإخلاص تَعدِلُ ثُلُثَ القرآن وأما قولُه ﵇ "قُلْ هُو اللهُ أحد تَعْدِلُ ثُلُثَ" القرآن فما أراكَ أن تفهمَ وجهَ ذلك؛ فتارةً تقول: هذا ذَكَرَهُ للترغيب في التلاوة وليس المعنى به التقدير، وحاشا منصِبَ النُبُوَّةِ عن ذلك؛ وتارةً تقول: هذا بعيدٌ عن الفهم والتأويل، وأن آياتِ القرآن تزيد على ستة آلاف آية، فهذا القدرُ كيف يكون ثُلُثُهَا؟ وهذا لِقلَّةِ معرفَتِكَ بحقائق القرآن، ونَظَرِك إلى ظاهر ألفاظه، فتظن أنها تَكْثُرُ وتَعْظُم بطول الألفاظ وتَقصُرُ بقِصَرها، وذلك كَظَنِّ من يُؤثِرُ الدراهم الكثيرة على الجَوْهَرِ الواحد، نظراً إلى كَثْرَتِها.

стр. 74

فاعلم أنَّ [سورة] الإخلاص تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن قطعاً، وارجع إلى الأقسام الثلاثة التي ذكرناها في مهمَّات القرآن، إذْ هي: معرفة الله تعالى، ومعرفةُ الآخرة، ومعرفةُ الصراط المستقيم، فهذه المعارف الثلاثة هي المهمة والباقي تَوابع؛ وسورة الإخلاص تشتمل على واحد من الثلاث، وهو معرفة الله وتوحيدُه وتقديسُهُ عن مُشَارِكٍ في الجنس والنَّوع، وهو المرادُ بِنَفي الأصل والفرع والكُفْؤ، وَوَصفُهُ بالصَّمَد يُشعِر بأنه الصَّمَدُ الذي لا مَقصِدَ في الوجودِ للحوائجِ سواه، نعم ليس فيها حديثُ الآخرةِ والصِّراطِ المُستَقيم، وقد ذكرنا أن أصولَ مهمَّاتِ القرآن معرفةُ الله تعالى ومعرفةُ الآخرة ومعرفةُ الصراط المستقيم، فلذلك تَعدِلُ ثُلُثَ القرآن، أي ثُلث الأصولِ من القرآن كما قال ﵇ "الحَجُّ عَرَفَة" أي هو الأصل والباقي تَوابع.

стр. 75

الفصل السادس عشر في تنبيهِ الطالب أن يستَنْبِط بفكرِهِ معنى قولهِ ﷺ "يَس قلبُ القُرآن " لعلَّك تشتهي الآنَ أن تعرف معنى قوله ﷺ ("يَس" قلبُ القرآن) وأنا أرى أنْ أَكِلَ هذا إِلى فهمِكَ لتستنبطه بنفسك على قياس ما نُبِّهْتَ عليه في أمثاله، فَعَسَاكَ تقف على وجهه، فالنشاط والتَّنْبيهُ من نفسك أعظمُ من الفرح بالتَّنبيه من غيرك، والتَّنَبُّهُ يزيد في النشاط أكثرَ من التنبيه، وأرجو أنك إذا تنبَّهت لِسِرِّ واحدٍ من نفسك تَوفَّرت داعِيَتُك وانْبَعَثَ نشاطُك لإدمانِ الفكر، طمعاً في الاسْتِبْصار والوقوف على الأسرارِ، وبه ينفتح لك حقائقُ الآيات التي هي قَوارعُ القرآن، على ما سنَجمَعُهُ لكَ ليَسهُلَ عليك النظرُ فيها واستنباطُ الأسرار منها.
следующие страницы →